← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

(وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة بهم، فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم، وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد، ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - ما تأوَّله غير واحد من التابعين وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]. قال أبو العالية، وطاوس، وابن سيرين، والضحاك، والربيع بن أنس، وغيرهم: "هو أعياد المشركين" (٦). ٢ - الأدلة التي تنهى عن التشبه بالكفار عمومًا ومنها: ما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (٧). • وجه الدلالة: أن أعياد الكفار من أخص ما نهينا عن التشبه بالكفار فيه، لأنها من أخص الخصائص التي تميز الأمم (٨). ٣ - أن مشاركة الكفار أعيادهم وتهنئتهم بها هو في الحقيقة موافقة لهم في شعائرهم، والتي تؤدي إلى موافقتهم في الكفر والعياذ باللَّه (٩). ٤ - ما ورد من شروط عمر ﵁ وقد تلقتها الأمة بالقبول، وكان منها أن أهل الذمة لا يظهرون أعيادهم في دار الاسلام، حيث ورد فيه "وأن لا نخرج شعانين، ولا باعوثًا" (١٠).

стр. 4237

• وجه الدلالة: إذا كان المسلمون قد اتفقوا على منعهم من إظهارها، فكيف يسوغ المشاركة لهم فيها. أو تهنئتهم بها. ٥ - وعن عمر ﵁ قال: "لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم" (١) النتيجة: أن الإجماع متحقق على تحريم مشاركة الكفار في أعيادهم، أو تهنئتهم بها، لعدم المخالف المعتبر في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [٢١٨/ ١٥] حكم توبة الكتابي إذا سب النبي ﷺ سرًّا فيما بينه وبين اللَّه: • المراد بالمسألة: بيان أن الكتابي وغيره من الكفار إذا أسلم وتاب وقد كان يسب النبي ﷺ سرًّا بينه وبين قومه، ولم يظهره، ولم يطلع المسلمون على ذلك، أن توبته مقبولة فيما بينه وبين اللَّه، وتنفعه يوم القيامة، وقد نُقل الإجماع على ذلك، أما ما يتعلق في حكم الدنيا من سقوط القتل عنه أو لا؟ فليس محل بحثنا، وفيه خلاف معروف في كتب أهل العلم (٢). • من نقل الإجماع: ابن الصلاح (٦٤٣ هـ) حيث يقول: (وأجمعت الأمة على أن اللَّه لم يجعل فيما خلق ذنبًا لا توبة منه أصلًا) (٣). وأبو الفرج ابن قدامة (٦٨٢ هـ) حيث يقول: (ولأن من زعم أن للَّه ولدًا، فقد سب اللَّه تعالى، بدليل قول النبي ﷺ إخبارًا عن ربه تعالى أنه قال: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني، أما شتمه إياي، فزعم أن لي ولدًا" (٤)، وتوبته مقبولة بغير خلاف،

стр. 4238

وإذا قبلت توبة من سب اللَّه تعالى، فمن سب نبيه ﷺ أولى أن تقبل توبته) (١). وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (واليهود والنصارى الذين يسبون نبينا سرًّا بينهم إذا تابوا وأسلموا، قبل ذلك منهم، باتفاق المسلمين) (٢)، وحكاه ابن مفلح في "المبدع" (٣). والزركشي (٧٧٢ هـ) حيث يقول: (والخلاف في قبول توبتهم في الظاهر من أحكام الدنيا، من ترك قتلهم، وثبوت أحكام الإسلام في حقهم، وأما قبول اللَّه في الباطن، وغفرانه لمن تاب وأقلع باطنًا وظاهرًا فلا اختلاف فيه) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: ١ - أن كل من تاب تاب اللَّه عليه كما قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. • وجه الدلالة: حيث ذكر اللَّه في هذه الآية أنه يغفر للتائب الذنوب جميعًا وأطلق وعمم، فيدخل في ذلك الشرك فما دونه. ٢ - قوله تعالى في حق الكفار: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وقوله تعالى في حق المنافقين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦]. ٣ - وأن الإسلام يجب ما قبله كقذف اليهود لمريم وابنها، وقولهم في الأنبياء والرسل، لقوله ﵊: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن

стр. 4239

الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ " (١). النتيجة: أن الإجماع متحقق على قبول توبة الساب للنبي ﷺ فيما بينه وبين اللَّه، لعدم اطلاعي على المخالف، أما سقوط القتل بتوبته فمختلف فيه، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 4240

الفصل الثالث: مسائل الإجماع في أحكام أهل الذمة • تمهيد: في تعريف عقد الذمة، والفرق بينه وبين عقد الأمان والهدنة: • أولًا: تعريف عقد الذمة: • الذمة لغة: لها عدة معان متقاربة منها: العهد، والأمان، والضمان، والكفالة، والحق (١). • وعقد الذمة في الاصطلاح: عرفه الحنفية بأنه: عقد ينتهي به القتال، يلتزم به الذمي أحكام الإسلام، فيما يرجع إلى المعاملات، والرضا بالمقام في دار الإسلام (٢). وعرفه المالكية والشافعية: هو التزام تقرير غير المسلمين في ديارنا وحمايتهم، والذب عنهم، ببذل الجزية، والاستسلام من جهتهم (٣). وعرفه الحنابلة: إقرار بعض الكفار على كفره، بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الملة (٤). • ثانيًا: الفرق بين عقد الذمة، وعقد الأمان والهدنة: يوضح ابن القيم في كتابه "أحكام الذمة" ذلكم الفرق بقوله: (الكفار إما أهل حرب وإما أهل عهد. وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان. وقد عقد الفقهاء لكل صنف بابًا، فقالوا: باب الهدنة، باب الأمان، باب عقد الذمة. ولفظ "الذمة والعهد" يتناول هؤلاء كلهم في الأصل، وكذلك لفظ "الصلح". إلى أن قال: ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء "أهل الذمة" عبارة عمن يؤدي الجزية، وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم اللَّه ورسوله، إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم اللَّه ورسوله؛ بخلاف أهل الهدنة؛ فإنهم

стр. 4241

صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال أو غير مال، لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمون أهل العهد وأهل الصلح وأهل الهدنة. وأما المستأمن: فهو الذي يَقْدَمْ بلاد المسلمين من غير استيطان لها، وهؤلاء أربعة أقسام: رُسُل، وتجار، ومستجيرون حتى يُعرض عليهم الإسلام والقرآن؛ فإن شاءوا دخلوا فيه، وإن شاءوا رجعوا إلى بلادهم، وطالبوا حاجة من زيارة أو غيرها. وحكم هؤلاء ألا يهاجروا، ولا يُقتلوا، ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يُعرض على المستجير منهم الإسلام والقرآن فإن دخل فيه فذاك، وإن أحب اللحاق بمأمنه ألحق به، ولم يعرض له قبل وصوله إليه، فإذا وصل مأمنه عاد حربيًّا كما كان) (١). [٢١٩/ ١] يتولَّى عقد الذمة الإمام أو نائبه: • المراد بالمسألة: أن عقد الذمة مع غير المسلم من اختصاص الإمام، أو من يقيمه الإمام مقامه، وليس لآحاد الرعية، فإن تولى أحد الأفراد عقد الذمة بدون تفويض من الإمام، لم يصح العقد، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • الناقلون للإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (ولا يصح عقد الذمة والهدنة، إلا من الإمام أو نائبه، وبهذا قال الشافعي ولا نعلم فيه خلافًا) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: جمهور الفقهاء من الحنفية (٣)، المالكية (٤)، والشافعية (٥) والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - لما كان هذا العقد من الأمور العظام، ويتعلَّق بمصلحة عامة للمسلمين، اختص بمن له النظر العام، وهو الإمام، أو من يقوم مقامه. ٢ - ولأنه عقدٌ مؤبد، وللتأبيد خطورته وآثاره على الأمة الإسلامية، لذا فإنه يحتاج أن يكون العاقد حسن التصرف ذا تقدير للمصلحة العامة للمسلمين، فلا يجوز لآحاد

стр. 4242

الرعية أن يستبدوا به، أو يفتئتوا على الإمام بعقده. • الخلاف في المسألة: يرى بعض الحنفية (١)، والمالكية (٢) أن الإمام لا يختص بعقد الذمة. • وحجتهم: أن المراد بعقد الذمة هو مراعاة مصلحة المسلمين، فإن تحقَّق هذا الشرط في العاقد كان عقده جائزًا؛ لأن العبرة ليست بذات العاقد، ولكن بما يُحقِّقه من مصلحة. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن عقد الذمة يختص بالإمام أو من يقوم مقامه، لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢٠/ ٢] وجوب إجابة أهل الحرب إذا طلبوا عقد الذمة لهم: • المراد بالمسألة: إذا طلب قوم من أهل الحرب ممن تقبل منهم الجزية أن يصيروا ذمة للمسلمين، فإنه يجب على الإمام أن يجيبهم إلى ذلك، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: (وأجمع الكل على أن من حلَّ قبول الجزية منه، إذا أعطى جزيته، وسأل أن يعطى الذمة على ذلك، وهو ممتنع غير مقهور، أنه ليس للإمام أن يمتنع من أخذ ذلك منه، ومن تصييره على ذلك من أهل الذمة) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، المالكية (٥)، والشافعية (٦) والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ

стр. 4243

الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]. • وجه الدلالة: حيث دلّت أن الكفار متى بذلوا الجزية لزم قبولها، وحرم قتالهم. ٢ - حديث سليمان بن بريدة عن أبيه، وفيه: "فاسألهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم" (١). • وجه الدلالة: أن في الحديث أمرٌ صريح بقبول الجزية، وعقد الذمة لهم عند رضاهم بذلك. ٣ - أن عقد الذمة ينتهي به القتال كالإسلام، فكما أنهم لو طلبوا عرض الإسلام عليهم وجب إجابتهم إلى ذلك. فكذلك إذا طلبوا عقد الذمة. • الخلاف في المسألة: ذهب بعض فقهاء الشافعية في وجه عندهم: على أنه لا تجب إجابتهم، إلا إذا رأى الإمام فيها مصلحة، قياسًا على الهدنة. ووصف النووي هذا القول: بأنه شاذ متروك (٢). النتيجة: أن الإجماع متحقق على وجوب إجابة أهل الحرب إذا طلبوا عقد الذمة لهم. متى توفرت فيهم شروط عقدها وانتفت فيهم الموانع، وأما خلاف بعض الشافعية فهو من قبيل الشذوذ الفقهي كما نص على ذلك إمام الشافعية في عصره النووي، واللَّه تعالى أعلم. هذا وقد نص بعض الفقهاء على حالات تطرأ يُقدِّرها الإمام، تدعو المصلحة إلى عدم قبول عقد الذمة لهم، ومنها: إن طلب بعض أهل الحرب عقد الذمة لهم، فقال قومهم، وكانت لهم قوة ومنعة: إن فعلتم قاتلناكم، أو قتلنا أسراكم. فإن لم يكن بالمسلمين قوة، أو خافوا على أسراهم، فلا بأس بأن لا يقبلوا عقد الذمة لهم (٣). عند العجز عن حمايتهم، وتوفير الأمن لهم، فحينئِذٍ لا ينبغي للمسلمين أن يجيبوهم إلى عقد الذمة لهم (٤).

стр. 4244

[٢٢١/ ٣] مضمون عقد الذمة: • المراد بالمسألة: أن عقد الذمة يتضمن أن يُعطى أهل الذمة الأمان المؤبد على أن يلتزموا بدفع الجزية، وجريان أحكام الشريعة عليهم، وإلزامهم بالشروط العمرية، وذلك مقابل إقامتهم في دار الإسلام مع أمنهم على أنفسهم وأموالهم: فالمراد: أن عقد الذمة تتعلَّق به التزامات مالية، والتزامات غير مالية. فالالتزامات المالية: تشمل: الجزية، والخراج، والعشور. والالتزامات غير المالية: تشمل جريان أحكام الشريعة عليهم وخضوعهم لها، وإلزامهم بما ورد في الشروط العمرية. قد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أنه إن أعطى كل من ذكرنا عن نفسه وحدها، فقيرًا كان أو غنيًا، أو معتقًا أو حرًّا، أربعة مثاقيل ذهبًا، في انقضاء كل عام قمري، بعد أن يكون صرف كل دينار اثني عشر درهمًا كيلًا فصاعدًا، (١) على أن يلتزموا على أنفسهم أن لا يحدثوا شيئًا في مواضع كنائسهم، وسكناهم ولا غيرها، ولا بيعة، ولاديرًا، ولا قلاية (٢)، ولا صومعة، ولا يجددوا ما خرب منها، ولا يحيوا ما دثر، وأن لا يمنعوا من مر بهم من المسلمين النزول في كنائسهم من ليل أو نهار، وأن يوسعوا أبوابها للمارة، وأن يضيفوا من مر بهم من المسلمين للثالث، وأن لا يؤووا جاسوسًا، ولا يكتموا غشًّا للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن، ولا يمنعوا من أراد الدخول في الإسلام من أهلهم، وأن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم في المجالس، وأن لا يتشبهوا بهم في شيء من لباسهم، لا قلنسوة، ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا يتكلموا بكلامهم، ولا يكتبوا بكتابهم، ولا يركبوا على السروج، ولا يتقلدوا شيئًا من السلاح، ولا يحملوه مع أنفسهم، ولا يتخذوه، ولا ينقشوا في حوانيتهم بالعربية، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم، وأن لا يظهروا الصليب على كنائسهم، ولا في شيء من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يظهروا في طريق المسلمين نجاسة، ولا يضربوا النواقيس إلا ضربًا خفيفًا، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءات لشيء

стр. 4245

من كتبهم بحضرة المسلمين، ولا مع موتاهم ولا يخرجوا شعانين، ولا صليبًا ظاهرًا، ولا يظهروا النيران في شيء من طرق المسلمين، ولا يتخذوا من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين، وأن يرشدوا المسلمين، ولا يطلقوا عدوهم عليهم، ولا يضربوا مسلمًا، ولا يسبوه، ولا يستخدموا به، ولا يهينوه، ولا يسمعوا المسلمين شيئًا من شركهم، ولا من سب رسول اللَّه ﷺ ، ولا غيره من الأنبياء ﵈، ولا يظهروا خمرًا، ولا شربها، ولا نكاح ذات محرم، فإن سكن مسلمون بينهم، هدموا كنائسهم وبيعهم، فإذا فعلوا كل ما ذكرنا، ولم يبدلوا ذلك الدين الذي صولحوا عليه بين الإسلام، فقد حرمت دماء كل من وفى بذلك، وماله، وأهله، وظلمه) (١). وابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (وهذه الشروط (يعني الشروط العمرية) أشهر شيء في كتب العلم والفقه، وهى مجمع عليها في الجملة بين العلماء من الأئمة المتبوعين وأصحابهم وسائر الأئمة) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وقال الشافعي ﵀: "الصغار هو: جريان أحكام الإسلام عليهم" (٧). ٢ - أما ما ورد من الشروط العمرية التي نقلها ابن حزم في حكايته للإجماع، فقد تلقاها العلماء بالقبول، قال ابن القيم: "وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها" (٨).

стр. 4246

٣ - أن هذه الشروط، التي وضعها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على أهل الذمة، هي من سنة الخلفاء الراشدين التي أُمرنا باتباعها، لقوله ﵊: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ" (١). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن عقد الذمة يتضمن التزام أهل الذمة ببذل الجزية، والتزام أحكام الشريعة في المعاملات، والتزامهم بما ورد في الشروط العمرية، فالإجماع ثابت؛ لعدم اطلاعي على المخالف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢٢/ ٤] لزوم عقد الذمة: • تعريف العقد اللازم: العقد اللازم عند الفقهاء هو: ما لا يملك أحد المتعاقدين فسخه إلا برضا الطرف الآخر، كعقد البيع (٢). • المراد بالمسألة: بيان أن صفة عقد الذمة: أنه عقد لازمٌ في حق المسلمين، لا يملكون نقضه بحال من الأحوال، متى ما أقام الذمي على ما عوهد عليه، ولم يرتكب ما يوجب نقض عهده. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وأجمع أهل العلم على أن الذمي، إذا أقام على ما عوهد عليه، والمستأمن لا يجوز نقض عهده، ولا إكراهه على ما لم يلتزمه) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، المالكية (٥)، والشافعية (٦) والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - النصوص التي تأمر بالوفاء بالعقود والعهود، ومنها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].

стр. 4247

٢ - ولأن عقد الذمة بدل وخلف عن الإسلام في أحكام الدنيا. من حيث عصمة النفس والمال، فلم يملك المسلمون نقضه ما أقام الذميون على ما عوهدوا عليه. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن عقد الذمة عقد لازم بالنسبة للمسلمين لا يملكون نقضه ما دام أن الذميين مقيمون على ما عاهدوا عليه، ولم يخالف في ذلك أحد فيما علمت، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢٣/ ٥] شمول عقد الذمة: • المراد بالمسألة: بيان أن عقد الذمة يشمل أولاد أهل الذمة، ومن تناسل منهم عن طريق التبع، وتجري عليهم أحكامه، ولا يحتاج إلى تجديده مع من حدث معهم، فهم أهله بالعقد الأول الذي عقده آبائهم. وقد نُقل الإجماع في ذلك. والقول في هذه المسألة مِنْ حيث مَنْ نقل الإجماع، والموافقون عليه، ومستندهم، والخلاف في المسألة، والنتيجة، كالقول في المسألة السابقة في الفصل الخاص بالجزية وهي مسألة: (أولاد أهل الجزية يجري عليهم الحكم الذي عقده أجدادهم، ولا يحتاجون إلى تجديده). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن أولاد أهل الجزية يجري عليهم الحكم الذي عقده أجدادهم ولا يحتاجون إلى تجديده؛ لوجود الخلاف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢٤/ ٦] عقد الذمة يرتب للذمي الحق في عصمة دمه وماله وأهله، والدفاع عنه، وتحريم ظلمه: • المراد بالمسألة: بيان أن أهل الذمة إذا التزموا ما وجب عليهم بعقد الذمة فلهم من المسلمين: الوفاءُ بالأمان، والحمايةُ ممن أرادهم بِعُدوان، ولهم بذلك على المسلمين عهدُ اللَّه وذمَّتُه؛ لا تَحِلُّ دماؤهم، ولا أموالهم، ولا بغي أو ظلم عليهم في وجه من الوجوه، وقد نُقل الإجماع على ذلك.

стр. 4248

• من نقل الإجماع: الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: (وقد أجمعوا على أنه يجب على الإمام أن يدفع عنهم من أرادهم بظلم، وأراد حربهم من الأعداء) (١). وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا -وذكر إذا بذل أهل الذمة الجزية، والتزموا بالشروط العمرية المذكورة سابقًا- فإذا فعلوا كل ما ذكرنا، ولم يبدلوا ذلك الدين الذي صولحوا عليه بين الإسلام، فقد حرمت دماء كل من وفَّى بذلك، وماله وأهله وظلمه) (٢). والقرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول: (والذي إجماع الأمة عليه، أن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك، صونًا لمن هو في ذمة اللَّه تعالى، وذمة رسوله ﷺ ، فإن تسليمه دون ذلك، إهمال لعقد الذمة، ومنها: أن من اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء، أو غيبة في عرض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذية، أو أعان على ذلك، فقد ضيع ذمة اللَّه تعالى وذمة رسوله ﷺ ، وذمة دين الإسلام، تعين علينا أن نبرهم بكل أمر لا يؤدي إلى أحد الأمرين: أحدهما: ما يدل ظاهره على مودات القلوب، وثانيهما: ما يدل ظاهره على تعظيم شعائر الكفر) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦) والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - لما كان من أهم ما يتمتع به الذمي بعقد الذمة في ظل الإسلام هو الحماية التامة في النفس والمال والأهل، كان الوفاء بذلك من أعظم

стр. 4249

الحقوق لهم تجاه المسلمين، ولقد أمر اللَّه في مواطن كثيرة بالوفاء بالعهود، وأداء الأمانات، ومنها قول اللَّه تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨]. ٢ - عن صفوان بن سُليم، أخبرَ عن عِدَّةٍ من أبناء أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، عن آبائهم دِنْيَةً (١)، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصهُ، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة" (٢). ٣ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال في وصيته عند موته: "أوصي الخليفة من بعدي بكذا وكذا، وأوصيه بذمة اللَّه ، وذمة رسوله ﷺ خيرًا: أن يُقاتل من ورائهم، وأن لا يُكلَّفُوا فوق طاقتهم" (٣). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن عقد الذمة يرتب للذمي الحق في عصمة دمه وماله وأهله، والدفاع عنه، وتحريم ظلمه، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه أعلم. [٢٢٥/ ٧] لأهل الذمة الحرية في البقاء على دينهم: • المراد بالمسألة: أن مما يتصل بحقوق أهل الذمة، هو حريتهم العقدية، وممارسة شعائر دينهم بلا مجاهرة، وعدم إكراههم في الدخول في الإسلام، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الطبري (٣١٠ هـ) حيث يقول: (وأجمع أهل العلم، لا خلاف بينهم ولا تنازع، على أن أهل الذمة من اليهود والنصارى، إن سألوا الإقرار على

стр. 4250

دينهم، فإن الإمام يُقرهم على دينهم) (١). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقال ابن كثير في تفسيره: (أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيِّنٌ واضح جلي، دلائله وبراهينه لا تحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه اللَّه للإسلام، وشرح صدره ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى اللَّه قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا) (٧). ٢ - أن الإكراه على الدخول في الدين لو كان جائزًا، لما كانت الجزية مشروعة إذا لم يقبل الكفار الدخول في الإسلام. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن لأهل الذمة الحرية في ما يعتقدون ولا يجوز إجبارهم على مفارقة دينهم، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢٦/ ٨] إذا أتلف المسلم خمر الذمي، ضمن قيمتها: • تعريف الضمان: الضمان في اصطلاح الفقهاء: هو الالتزام بتعويض مالي عن ضرر الغير. ويستعمل أيضًا: بمعنى تحمُّل تبعة الهلاك (٨). • المراد بالمسألة: لما كان الذميون لا يُمنعون من شرب ما ستروه في بيوتهم ولم يظهروه من الخمر. فإن المسلم إذا اعتدى عليها فأراقها والحالة هذه، فإنه يضمن قيمتها، وقد نُقل الإجماع على ذلك.

стр. 4251

• من نقل الإجماع: الجصاص (٣٧٠ هـ) حيث يقول: (ولا نعلم خلافًا بين الفقهاء فيمن استهلك لذمي خمرًا أن عليه قيمتها) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣). • مستتد الإجماع: قالوا من المعقول: لأن الخمر لهم كالخل لنا، ونحن أمرنا أن نتركهم وما يتدينون، والسيف موضوع، فتعذر الإلزام، إلا أنه يجب قيمة الخمر، وإن كان مثليًّا؛ لأن المسلم ممنوع من تمليكه وتملكه. • الخلاف في المسألة: يرى الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦): أن من أهرق خمر الذمي وإن كان عاصيًا، إلا أنه لا ضمان عليه. وحجتهم: لأنها نجسة، فلا ضمان على مهريقها، ولأن الخمر محرمٌ في ديننا فلا قيمة له. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن المسلم إذا أتلف خمر الذمي ضمن قيمتها. لوجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢٧/ ٩] مشروعية أخذ الجزية من الذمي: • المراد بالمسألة: أنه إذا فتح المسلمون ديار الكفار، فإن الكفار يُخيرون بين الدخول في الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتل، فإن اختاروا دفع الجزية، كانوا أهل ذمة للمسلمين، كان ذلك بمثابة الخضوع العام للنظام الإسلامي ويتركون على كفرهم، وقد نُقل الإجماع على جواز أخذ الجزية من الكفار في الجملة. والقول في هذه المسألة بجميع فقراتها من حيث من نقل الإجماع، والموافقون عليه، ومستند الإجماع، والنتيجة، هو نفس القول في المسألة السابقة في فصل الجزية في مسألة: (مشروعية الجزية)، فنحيل القارئ الكريم النظر فيها في ذلكم الموطن.

стр. 4252

ونُذكِّر بالنتيجة، فنقول: إن الإجماع متحقق على مشروعية أخذ الجزية من أهل الذمة في الجملة، لعدم وجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢٨/ ١٠] أخذ الخراج من الذمي: سبق بحث هذه المسألة سابقًا في فصل الجزية عند مسألة: (جواز أخذ مقدار أو شيء معروف ومحدد، كالخراج، والعشور، وما صولحوا عليه قدرًا زائدًا على الجزية). وقد توصلنا إلى النتيجة التالية: أن الإجماع متحقق على جواز أخذ مقدار أو شيء معروف ومحدد، كالخراج، والعشور، وما صولحوا زائدًا على الجزية، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٢٩/ ١١] إسلام الذمي قبل انتهاء الحول يسقط عنه الجزية: سبق بحث هذه المسألة سابقًا في فصل الجزية عند مسألة: (سقوط الجزية بالإسلام قبل انقضاء الحول)، فتفاديًا للإطالة، والتكرار نحيل القارئ الكريم إليها، وقد توصلنا إلى النتيجة التالية: أن الإجماع غير متحقق على أن الجزية تسقط بالإسلام قبل انقضاء الحول، لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣٠/ ١٢] من أسلم من أهل الذمة أو صالح على أرضه صلحًا صحيحًا، فهي له، ولعقبه: • المراد بالمسألة: بيان أن حكم الأرضين، إذا أسلم عليه أهل الذمة، أو صالحوا عليها أهل الإسلام بأن يؤدوا عليها جزءًا معلومًا، أن ملكيتها لأهلها ثابتة لهم، ولمن يأتي بعدهم ممن تناسلوا منهم، فلهم حرية بيعها والتصرف فيها وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: أبو جعفر الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: (لا خلاف أن أرض الصلح مملوكة لأهلها)، كما نقله عنه الجصاص (١). وقدامة بن جعفر (٣٣٧ هـ) حيث يقول: (واجتمع الكل على إطلاق شراء أرض

стр. 4253

الصلح؛ لأنهم إنما صالحوا قبل القدرة عليهم والغلبة لهم فأرضوهم ملك في أيديهم) (١). وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن من صالح من أهل الذمة عن أرضه صلحًا صحيحًا، أنها له ولعقب عقبه، أسلم أو لم يسلم، ما لم يظهر فيها معدن) (٢)، وقال أيضًا: (واتفقوا أن من أسلم على أرض له، ليس فيها معدن، ولا ظهر فيها معدن، أنها له ولعقبه) (٣). وابن رجب (٧٩٥ هـ) حيث يقول: (ما أسلم أهلها عليها ولم يكن ضرب عليهم خراج قبل الإسلام، فهذه لا خراج عليها. . . فكل هذه من أراضي المسلمين مملوكة لمن هي في يده. . . وهذا لا يعلم فيه خلاف) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: ١ - عن ابن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم، وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على اللَّه" (٩). • وجه الدلالة: حيث دلَّ الحديث أن الكفار إذا أسلموا، فقد عصموا دماءهم وأموالهم، ومن ذلك أرضوهم التي يملكونها، فإذا أسلموا ردت أحكامهم إلى أحكام المسلمين (١٠). ٢ - وعن رجل من جهينة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لعلكم تقاتلون قومًا فتظهرون

стр. 4254

عليهم، فيتَّقونكم بأموالهم دون أنفسهم وأبنائهم، فتصالحوهم على صلح، فلا تصيبوا منهم فوق ذلك، فإنه لا يصلح لكم" (١). ٣ - أن الكفار إذا صولحوا على البقاء على أرضهم، على أن يؤدوا شيئًا معلومًا، فإن ذلك يُعد إقرارًا بثبوت ملكهم عليها. النتيجة: أن الإجماع متحقق على من أسلم من أهل الذمة أو صالح على أرضه صلحًا صحيحًا، فهي له، ولعقبه؛ لعدم اطلاعي على المخالف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣١/ ١٣] أخذ ما يجب في الركاز من الذمي إذا وجده في دار الإسلام: • تعريف الركاز: • الركاز لغة: مشتق من ركز يركز: إذا خفي، والمراد به: ما كان من دفين أهل الجاهلية (٢). • وفي الاصطلاح: اسم لما يكون تحت الأرض خِلْقَة، أو بدفن العباد (٣). • المراد بالمسألة: أن الذمي إذا وجد شيئًا من دفن الجاهلية من معدن، في دار الإسلام، أنه يجب عليه فيه إخراج الخمس، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن على الذمي في الركاز يجده الخمس) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - عموم الحديث المروي عن أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه

стр. 4255

قال: "وفي الركاز الخمس" (١). • وجه الدلالة: فإنه يدل بعمومه على وجوب الخمس في كل ركاز يوجد، وبمفهومه على أن باقية لواجده من كان. ٢ - ولأنه مال كافر مظهور عليه، فكان فيه الخمس على من وجده، وباقيه لواجده، كالغنيمة. • الخلاف في المسألة: ويرى الشافعية إلى أنه لا يجب الخمس إلا على من تجب عليه الزكاة، ويمنع الذمي من أخذ المعدن والركاز بدار الإسلام، كما يمنع من الإحياء بها؛ لأن الدار للمسلمين وهو دخيل فيها (٢). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أخذ ما يجب في الركاز من الذمي، لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣٢/ ١٤] جواز أخذ العشر من التاجر الذمي: سبق بحث هذه المسألة سابقًا في فصل الجزية عند مسألة: (جواز أخذ العشر على تجار أهل الذمة زيادة على الجزية إذا شُرط عليهم). وقد توصلنا إلى النتيجة التالية: أن الإجماع متحقق على جواز أخذ العشر من تجار غير المسلمين إذا دخلوا بلاد الإسلام، لعدم وجود المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣٣/ ١٥] جواز تقاضي الذميين أمام الحاكم المسلم: • تعريف القضاء: • القضاء لغة: يرِد بمعنى الحكم، والجمع (أقضية) ويرد القضاء بمعانٍ أخرى كالفراغ والأداء والإنهاء (٣). وأما في اصطلاح الفقهاء فهو: الإخبار بحكم شرعي على وجه الإلزام (٤).

стр. 4256

• المراد بالمسألة: بيان أنه إذا كان طرفي الدعوى ذميين، ورضيا برفع الدعوى إلى الحاكم المسلم، فللحاكم المسلم أن يحكم بينهم فيما عرض عليه من نزاع بحكم دين الإسلام، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على أنه إن حكم بين الذميين الراضيين بحكمه، مع رضا حكام أهل دين ذينك الذميين، أن ذلك له وأنه يحكم بما أوجبه دين الإسلام) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: ١ - الآيات الصريحة التي تدل على مشروعية الحكم بينهم، مثل قوله : ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]. وقوله : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]. ٢ - وعن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنه قال: إن اليهود جاؤوا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ ". فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد اللَّه بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد اللَّه بن سلام: ارفع يدك فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول اللَّه ﷺ فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة (٧).

стр. 4257

• وجه الدلالة: حيث حكم بينهم ﵊ بحكم الإسلام، فدلَّ ذلك أن للحاكم أن يقضي بينهم بشريعة اللَّه فقط، دون غيرها من الشرائع والملل. إذا ترافع إليه أهل الذمة برضاهم واختيارهم. النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز تقاضي الذميين أمام الحاكم المسلم، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣٤/ ١٦] تطبيق حد السرقة على الذمي: • تعريف السرقة: • السرقة لغة: مصدر من سَرَق الشيء يسْرِقه سَرَقًا وسَرِقًا، وهي أخذ المال على وجه التخفي (١). • وفي الاصطلاح: أخذ مكلف خفية، قدر عشرة دراهم مضروبة محرزة، بمكان أو حافظ، بلا شبهة (٢). • المراد بالمسألة: بيان أن الذمي إذا ارتكب جريمة السرقة، وكان المسروق منه مسلمًا أو ذميًّا، وتوافرت شروط الجريمة، وجب الحد على الذمي، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (ولم يختلفوا أن الذمي يقطع في السرقة) (٣). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (وأما السارق الذي يجب عليه حد السرقة فإنهم اتفقوا على أن من شرطه أن يكون مكلفًا وسواء أكان حرًّا أو عبدًا ذكرًا أو أنثى أو مسلمًا أو ذميًّا) (٤). وابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (فصل: ويقطع المسلم بسرقة مال المسلم والذمي، ويقطع الذمي بسرقة مالهما، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه مخالفًا) (٥).

стр. 4258

وأبو الفرج ابن قدامة (٦٨٢ هـ) حيث يقول: (أما قطع المسلم بالسرقة من مال الذمي، وقطع الذمي بالسرقة من مال مسلم، فلا نعلم فيه خلافًا) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). • مستند الإجماع: ١ - عموم القرآن الكريم حيث لم يخص مسلم عن غيره في حد السرقة، حيث يقول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]. ٢ - ولأن الذمي بعقد الذمة التزم أحكام الإسلام، فيُقام عليه حد السرقة، كما يُقام على المسلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق على تطبيق حد القطع للسارق إن كان من أهل الذمة، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣٥/ ١٧] تطبيق حد القذف على الذمي: • تعريف القذف: • القذف في اللغة: الرمي بالحجارة، والرمي بالفاحشة، والقذيفة القبيحة وهي الشتم (٧). • وفي الاصطلاح: رمي مخصوص، وهو الرمي بالزنا صريحًا (٨). • المراد بالمسألة: إذا قذف الذمي مسلمًا، أو مسلمة، وتوافرت شروط الجريمة، وجب على الذمي حد القذف؛ لأن إسلام القاذف ليس بشرط في وجوب الحد على القاذف، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: القرطبي (٦٧١ هـ) حيث يقول: (أما الكافر الحربي فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال كفره في دار الحرب، وأما إن دخل إلينا بأمان فقذف مسلمًا

стр. 4259

فإنه يحد، وإن سرق قطع، وكذلك الذمي إذا قذف) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، فعموم الآية الكريمة يشمل المسلم، والذمي. • الخلاف في المسألة: يرى ابن حزم من الظاهرية أن عقوبة القاذف الذمي إذا قذف مسلمًا هي القتل، إلا إذا أسلم فيمتنع القتل، ويجب عليه الحد (٦). وعلل ذلك بانتقاض ذمته؛ لأن الذمي بقذف المسلم يخرج عن الصغار، فتزول عنه الذمة، فيكون كالحربي، فيجوز قتله (٧). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن عقوبة الذمي إذا قذف مسلمًا الحد وهو ثمانون جلدة، لخلاف ابن حزم حيث يرى أن عقوبته القتل، وإن كان قوله مرجوحًا، إلا أن المسألة لم ينعقد عليها الإجماع، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣٦/ ١٨] ثبوت الشفعة للذمي والمسلم على الذمي: • تعريف الشفعة: • الشفعة في اللغة: من شفع يشفع شفعًا، والشفع خلاف الوتر، ويُطلق على: الضم والزيادة (٨). • وفي الاصطلاح: استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه من يد من انتقلت إليه، إن كان مثله أو دونه، بعوض مالي، بثمنه الذي استقر عليه العقد (٩). • المراد بالمسألة: إذا اشترك ذميان في دار غير مقسومة، فباع أحدهما نصيبه،

стр. 4260

فلشريكه الذمي حق المطالبة بالشفعة، وكذا لو كانت الشفعة لمسلم على ذمي، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • الناقلون للإجماع: الماوردي (٤٥٠ هـ) حيث يقول: (لا خلاف بين الفقهاء أن الشفعة تجب للمسلم على الذمي. .، وتجب للذمي على الذمي) (١). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وتثبت الشفعة للذمي على الذمي. .، ولا نعلم في هذا خلافًا) (٢). ابن مفلح (٧٩٣ هـ) يقول: (وتثبت للذمي على الذمي. .، ولا نعلم في هذا خلافًا) (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ١ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من كان له شريك في ربعة أو نخل، فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن رضي أخد، وأن كره ترك" (٩). • وجه الدلالة: أن لفظ الشريك عام يشمل كل شريك، مسلمًا كان أو غير مسلم، فيدخل فيه الذمي والمسلم مع الذمي. ٢ - أن الذمي مع الذمي تساويا في الدين والحرمة، فثبت لأحدهما على الآخر، كالمسلم على المسلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق على ثبوت الشفعة للذمي والمسلم على الذمي، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣٧/ ١٩] النهي عن سوم المسلم أو الذمي على سوم الذمي: وصورته: أن يعرض رجل ذمي على المشتري سلعته بثمن، فيركن إليه المشتري،

стр. 4261

ثم يأتي بائع آخر (مسلم أو ذمي) فيقول: عندي مثلها بأقل من هذا الثمن. • المراد بالمسألة: أن المسلم أو الذمي لا يجوز لهما أن يسوما على سوم الذمي، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الطحاوي (٣٢١ هـ) حيث يقول: (قال الأوزعي: لا بأس بدخول المسلم على الذمي في سومه، ولا نعلم أحدًا قال بذلك غير الأوزاعي. . .، واتفقوا على كراهة سوم الذمي على الذمي) (١). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (أجمع العلماء على كراهة سوم الذمي على سوم المسلم وعلى وسوم الذمي إذا تحاكموا إلينا) (٢). العيني (٨٥٥) حيث يقول: (وقام الإجماع على كراهة سوم الذمي على مثله) (٣). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والظاهرية (٧). • مستند الإجماع: أن لهم عهدًا وذمة، ومن العهد ألا يرزووا في أبدانهم ولا في أموالهم، ولا في أولادهم، ومن الرزء السوم عليهم (٨). • الخلاف في المسألة: يرى الحنابلة، والأوزاعي أنه يجوز سوم المسلم دون الذمي على سوم الذمي (٩). • واحتجوا بما يلي: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن التلقي. . . وأن يستام الرجل على سوم أخيه" (١٠). • وجه الدلالة: أن هذه الألفاظ صريحة في قصر النهي على المسلم خاصة. ويفهم منه عدم دخول الذمي في الحكم. ٢ - أن الذمي ليس كالمسلم، فحرمته ليست كحرمته، ولذا لم تجب إجابة دعوته

стр. 4262

للوليمة، فلا يصح أن يلحق في الحكم به. النتيجة: ١ - أن الإجماع متحقق في النهي عن سوم الذمي على سوم الذمى إذا تحاكموا إلينا، لعدم المخالف فيه. ٢ - أن الإجماع غير متحقق في النهي عن سوم المسلم على سوم الذمي، وذلك لوجود الخلاف المعتبر فيه، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣٨/ ٢٠] صحة عتق الذمي لرقيقه: • المراد بالمسألة: بيان أن الذمي إذا أعتق رقيقه، فإنه يصح عتقه، ويتحرر العبد من الرق، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (ويصح العتق من كل من يجوز تصرفه في المال، وهو البالغ العاقل الرشيد، سواء كان مسلمًا، أو ذميًّا، أو حربيًّا. ولا نعلم في هذا خلافًا) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، الحنابلة (٥). • مستند الإجماع: لأنه مكلف غير محجور عليه، ويصح تصرفه في ماله، فجاز عتقه كالمسلم. النتيجة: أن الاجماع متحقق على صحة عتق الذمي لرقيقه، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٣٩/ ٢١] يُجبر أهل الذمة على إزالة ملكهم لرقيقهم إذا أسلموا: • المراد بالمسألة: إذا ملك أهل الذمة رقيقًا كافرًا، ثم أسلم هذا الرقيق، فإنهم يُجبرون على إزالة ملكهم له ببيع أو هبة أو عتق أو غيره. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن رقيق أهل الذمة إذا أسلموا، بيعوا عليهم) (٦).

стр. 4263

وأبو العباس المنصوري (نحو ٣٥٠ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن رقيق أهل الذمة إذا أسلموا أن بيعهم يجب عليهم، ويأخذهم الإمام بذلك) نقله عنه ابن القطان في "الإقناع" (١). أبو الفرج ابن قدامة (٦٨٢ هـ) حيث يقول: (وإن أسلم عبد الذمي أجبر على إزالة ملكه عنه؛ لأنه لا يجوز استدامة الملك للكافر على المسلم إجماعًا) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، الحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. ٢ - ولصيانة المسلم عن الإذلال والامتهان. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الذمي يُجبر على إزالة ملكه لرقيقه إذا أسلم؛ لعدم المخالف المعتبر فيما أعلم. [٢٤٠/ ٢٢] حرية الذمى بالتنقل والسكن في أرض الإسلام، والدخول في أي البلاد حاشا جزيرة العرب (٧): • المراد بالمسألة: أن الذمي يجوز له التنقُّل والسكن والدخول في أي بلاد المسلمين شاء، سواء لقضاء حوائجه، أو إدارة تجاراته، أو لمصلحة المسلمين، ويمنعون من الاستيطان في جزيرة العرب، ومنها الحجاز، والمسجد الحرام، وقد نُقل الإجماع

стр. 4264

على ذلك. • الناقلون للإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن لأهل الذمة المشي في أرض الإسلام، والدخول حيث أحبوا من البلاد، حاشا الحرم بمكة، فإنهم اختلفوا أيدخلونه أم لا؟ ) (١)، وقال أيضًا: (واتفقوا على أن لهم سكنى أيِّ بلد شاؤوا من بلاد الإسلام على الشروط التي قدمنا (أي الشروط العمرية)، حاشا جزيرة العرب) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ١ - أن سكن أهل الذمة في بلاد المسلمين، وكراءهم دورهم فيه نفعٌ للمسلمين، وفي مخالطتهم لهم وقوفٌ على حسن تعامل المسلمين، وجلال وكمال شريعتهم، فلعلهم بذلك يسلمون، فيتحقق الهدف الأسمى من تشريع عقد الذمة (٧). ٢ - أن القاعدة المقررة أنه "تجري على الذمي أحكام المسلمين، إلا ما يستثنى من ذلك" (٨)، فكما أن للمسلمين السكن والتنقل في أي بلاد المسلمين شاؤوا، فكذلك الذمي له نفس الحكم، ما عدا السكنى في جزيرة العرب، فقد ثبت الاستثناء من ذلك، كما سيتقرر في الأدلة التالية. ٣ - أما منعهم من الاستيطان في جزيرة العرب ومنها الحجاز ومنعهم من دخول مكة فالحجة عليه ما يأتي: أ- أما منعهم من دخول المسجد الحرام فلقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. • وجه الدلالة: أن الآية نص صريح في تحريم دخول المشركين المسجد الحرام؛

стр. 4265

لأنهم نجسٌ دينًا. ب- وأما منعهم من الاستيطان في جزيرة العرب، فلما رواه ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" (١)، وعن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا" (٢). • وجه الدلالة: أن هذه النصوص واضحة على وجوب إخراج الكفار من جزيرة العرب، وعدم إقامتهم فيها. النتيجة: أن الإجماع متحقق على حرية الذمي بالتنقل والسكن في أرض الإسلام، والدخول في أي البلاد حاشا جزيرة العرب؛ لعدم المخالف. ومن الجدير بالذكر: أن الفقهاء نصوا على أن أهل الذمة لا يُمنعون من الاجتياز والمرور بجزيرة العرب وهم مسافرون، ولكن لا يُقيمون بها فوق ثلاثة أيام (٣). ويدل لذلك: ما جاء أن عمر بن الخطاب ﵁: "ضرب لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة إقامة ثلاثة أيام يتسوقون بها، ويقضون حوائجهم، ولا يقيم أحد منهم فوق ثلاث ليال" (٤). [٢٤١/ ٢٣] جواز تعامل أهل الذمة فيما بينهم، وفيما بينهم وبين المسلمين: • المراد بالمسألة: بيان أن الأصل المقرر في عموم التعامل مع أهل الذمة هو الجواز مطلقًا، ويستثنى من ذلك ما كان الحرام في ذات المتعامل فيه، كالعوض المحرم، مثل: الخمر، ولحم الخنزير، والميتة، أو كالمنفعة غير المباحة مثل: الفوائد الربوية، وكذلك يحرم التعامل في الوسائل التي يستعينون بها في إقامة دينهم،

стр. 4266

وأعيادهم ونحو ذلك، مما ثبت النهي عنه، أما ما عدا ذلك فقد نُقل الإجماع على جواز التعامل معهم فيه. • من نقل الإجماع: ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن مبايعة أهل الذمة فيما بينهم، وفيما بينهم وبيننا، ما لم يكن رقيقهم، أو عقارهم، أو ما جرت عليه سهام المسلمين من السبي، إذا وقع على حكم ما يحل ويحرم في دين الإسلام علينا، فإنه جائز) (١). والنووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (وقد أجمع المسلمون على جواز معاملة أهل الذِّمَّة، وغيرهم من الكفَّار إذا لم يتحقق تحريم ما معه) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). • مستند الإجماع: ما ثبت وقوعه من معاملة الرسول ﵌ واْصحابه بعد هجرته إلى المدينة، حيث عامل هو وأصحابه اليهود من أهل المدينة، وكانت معاملة الصحابة لهم أيضًا بمرأى منه ومسمع، ولم ينقل على كثرة معاملاتهم التجارية والمالية، وطول مدتها، أن النبي ﵌ منع منها، بل أحاديث كثيرة ثبت فيها تعامل النبي ﵌ وأصحابه مع يهود المدينة بالبيع، والشراء، والقرض، والرهن، وغير ذلك من المعاملات المالية والتجارية المباحة في ملتنا، ومما يدل على ذلك: ما صح عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: "كنا مع النبي ﷺ ، ثم جاء رجل مشرك، مشعان (٧) طويل، بغنم يسوقها، فقال النبي ﷺ : "بيعا أم عطية؟ " أو قال: "هبة". قال: لا، بل بيع، فاشترى منه شاة" (٨). • وجه الدلالة: دلَّ الحديث على جواز التعامل مع أهل الشرك بالبيع والشراء،

стр. 4267

فأهل الذمة من باب أولى، ولهذا لم يشترط الفقهاء في العاقد أن يكون مسلمًا، بل أن يكون جائز التصرف (١). النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز تعامل أهل الذمة فيما بينهم، وفيما بينهم وبين المسلمين؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٤٢/ ٢٤] جواز بيع السلاح ورهنه للذمي: • المراد بالمسألة: بيان أن التعامل بالبيع والشراء والرهن بالسلاح مع أهل الذمة مباح، ما داموا مأمونين الجانب، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (وإنما يجوز بيعه ورهنه عند من تكون له ذمة، أو عهد باتفاق) (٢). والشوكاني (١٢٥٠ هـ) حيث يقول: (وجواز رهن السلاح عند أهل الذمة لا عند أهل الحرب بالاتفاق) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. • وجه الدلالة: أن الآية دالة بعمومها على جواز التعامل مع أهل الذمة وغيرهم بالبيع، فلا يحرم من ذلك شيء إلا ما دلَّ عليه دليل صحيح. فإذا جاز بيع السلاح لأهل الذمة بمقتضى عموم الآية الكريمة، فكذلك الرهن؛ لأن ما جاز بيعه جاز رهنه (٨). ٢ - عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل، ورهنه

стр. 4268

درعه" (١). • وجه الدلالة: أن الدرع من الأسلحة الدفاعية، فرهن النبي ﷺ له لليهودي دليل على جواز رهن السلاح لأهل الذمة. ٣ - وعن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من لكعب بن الأشرف؟ فإنه آذى اللَّه ورسوله". فقال محمد بن مسلمة: أنا، فأتاه، فقال: "أردنا أن تسلفنا وسقًا (٢) أو وسقين" فقال: ارهنوني نساءكم، قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهن أبناءنا فَيُسَبُّ أحدهم، فيقال: رهن بوسق أو وسقين؟ هذا عار علينا، ولكنا نرهنك الَّلأْمة (٣)، فوعده أن يأتيه، فقتلوه ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه" (٤). • وجه الدلالة: أن رهن السلاح كان معتادًا عندهم لأهل العهد، ولو لم يكن كذلك لما عرضوا عليه رهن السلاح، ولو لم تجر العادة برهنه لاستراب منهم، وفاتهم ما أرادوا من قتله (٥). ٤ - ولأن القاعدة في التعامل مع أهل الذمة أنه "تجري على الذمي أحكام المسلمين، إلا ما يستثنى من ذلك" (٦)، فكما يجوز بيع السلاح ورهنه للمسلم، فيجوز ذلك لأهل الذمة؛ لأنهم في أيدي المسلمين، وتحت قهرهم وسلطانهم (٧). النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز بيع السلاح ورهنه للذمي، ما داموا مأمونين الجانب؛ لعدم اطلاعي على المخالف، ولأن الفقهاء إنما نصوا على المنع من ذلك مع الكافر الحربي، ولأهل الفتنة، ولمن عُلم أنه سيقتل به مسلمًا، فما عدا هذه الحالات فالأمر باقٍ على الإباحة، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 4269

[٢٤٣/ ٢٥] مطالبة الذمي بضمان ما أتلفه: • المراد بالمسألة: إذا تعدَّى الذمي على مسلم، أو ذمي في بلاد الإسلام، فأتلف أموالهم، فإنه يلزمه ضمان ما أتلفه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (إنما لا يطالب المتلف الحربي، وأما الذمي فيطالب بالإجماع) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - عموم الحديث المؤكد قاعدة الضمان يشمل المسلم والذمي، وهو ما جاء عن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (٦). ٢ - ولأن الذمي عَقَدَ الذمة وهو راضٍ بمقتضى عقد الذمة، ومن مقتضى عقد الذمة جريان أحكام الإسلام عليه في المعاملات، فيضمن كالمسلم. النتيجة: أن الإجماع متحقق على مطالبة الذمي بضمان ما أتلفه؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم [٢٤٤/ ٢٦] أسر العدو الذميَّ لا يبطل عقد الذمة: • المراد بالمسألة: إذا استولى الكفار الحربيون على حر ذمي فإنهم لا يملكونه، وإذا استخلصه المسلمون عاد حرًّا على أصله، ولا ينتقض عقد الذمة من الذمي بل يرجع إلى ذمته، وقد نُقل الإجماع على ذلك. وقد سبق البحث في هذه المسألة، وتفاديًا للتكرار نحيل القارئ الكريم النظر إليها

стр. 4270

في الفصل الخاص بأحكام الحربي عند مسألة: (الحربي إذا استولى على الحر المسلم أو الذمي لم يملكه، ولا يُزيل عنه الحرية). وكانت النتيجة التي توصَّل إليها الباحث: أن الإجماع متحقق على أن استرقاق الحربي للحر الذمي لا يزيل حريته، ولا يثبت به الرق عليه، ولا ينقض عقد الذمة؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٤٥/ ٢٧] نقض الذمة بالتجسس: • المراد بالمسألة: بيان أن الذمي المقيم إقامة دائمة في دار الإسلام، وكان قد شُرط عليه عدم القيام بالتجسس على عورات المسلمين، أو الدلالة عليها بالمكاتبة أو غيرها، فإنه ينتقض عهده، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: الحافظ ابن حجر (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (قال النووي: "فيه قتل الجاسوس الحربي الكافر وهو باتفاق وأما المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي: ينتقض عهده بذلك، وعند الشافعية خلاف" (١). أما لو شرط عليه ذلك في عهده فينتقضن اتفاقًا) (٢)، ونقله مقرًّا له الشوكاني (١٢٥٥ هـ) (٣)، والعظيم آبادي (١٣٢٩ هـ) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن فرات بن حيان: "أن رسول اللَّه ﷺ أمر بقتله، وكان عينًا لأبي سفيان، وكان حليفًا لرجل من الأنصار، فمر بحلقة من الأنصار، فقال: إني مسلم، فقال رجل من الأنصار: يا رسول اللَّه، إنه يقول: إني مسلم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن منكم رجالًا نكلهم إلى إيمانهم، منهم فرات بن حيان" (٨).

стр. 4271

• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر بقتل هذا الجاسوس، ولكنه لما أسلم، وأقلع عن عمله المشين، فدلَّ ذلك أن حكم الجاسوس الذمي هو القتل. ٢ - أن عقد الذمة إذا اشترط فيه أن لا يتجسس الذمي، ولا ينقل عورات المسلمين، ثم خالف الذمي ذلك الشرط، كان غير ملتزم بالعقد فيبطل، والحكم المعلَّق بالشرط لا يوجد إلا بوجود الشرط، وعليه فإن العقد في هذه الحال انتقض، فعاد حربيًّا، وأمر عقابه إلى إمام المسلمين. • الخلاف في المسألة: يرى الحنفية أن تجسس الذمى لا ينقض عهده سواء شُرط عليه، أو لم يُشرط عليه (١). واحتجوا بما سبق في قصة حاطب ﵁، فلم يكن لا بتجسسه لحساب المشركين، وهو مسلم ناقض لإيمانه، فكذلك الذمي لا يكون بتجسسه ناقض لأمانه. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق عدى أن تجسس الذمي الذي شُرط عديه أن لا يتجسس فتجسس أنه ينقض عهده؛ لثبوت الخلاف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 4272

الخاتمة الحمد للَّه على إعانته وتوفيقه، وبعد هذه الدراسة، فإنه يحسن أن أُجمل أبرز ما خلصتُ إليه من نتائج في النقاط الآتية: بلغت المسائل التي حُكي الإجماع عليها في هذه الدراسة [٢٤٥] مسألة، صح الإجماع في [١٧١] مسألة، بينما كانت [٧٤] مسألة هي محل الاعتراض، ومن هذه الإحصائية تتبيَّن قوة الإجماعات التي يحكيها العلماء. أن الإجماع من الأدلة الشرعية التي لا شك في حجيتها، ولا يجوز مخالفته، وهو في المرتبة الثالثة بعد القرآن والسنة، ولا بد من معرفته لكي لا يخرج المسلم عن سبيل المؤمنين، ولتوحيد الصف والآراء التي تنتج عنها وحدة العمل. أن أبواب الإجماع من أهم الأبواب المشتركة بين الفقه والأصول، وعلى طلاب العلم العناية بها وضبط مواقعها. أن العلماء الذين يحكون الإجماع ثلاثة أقسام: • الأول: من يحكي الإجماع بدون أن ينقل عمن سبقه، وأغلبهم من أهل الاستقراء التام مثل الإمام الشافعي والترمذي والطبري وأبي عبد اللَّه المروزي وابن المنذر وابن حزم وابن رشد وابن تيمية. • الثاني: من يحكي الإجماع نقلًا عن غيره وأحيانًا باستقرائه، فجمعوا بين الطريقين، ومن هؤلاء الحافظ ابن عبد البر، والإمام ابن قدامة والإمام القرطبي والإمام النووي، وأكثرهم من أصحاب التفاسير وشروح الحديث. • الثالث: من يحكى الإجماع نقلًا عن غيره، ومن هؤلاء الحافظ ابن القطان وأئمة المتأخرين من أرباب المذاهب الإسلامية المباركة. أن أدق من نقل الإجماع -حسب اطلاعي- هو الإمام ابن حزم الأندلسي الظاهري

стр. 4273

في كتابه "مراتب الاجماع"، وإذا أُضيف إليه تعقيبات الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية أصبح الكتاب أدق المصادر في نقل الإجماع على الأحكام. ويا حبذا لو درس هذا الكتاب، وأدعو اللَّه تعالى أن يوفق من الأمة من يقوم بشرحه. أن تطبيق الجهاد على وجهه الصحيح، والتزام ما أمر اللَّه به من آدابه ومعاملاته هو من أهم وسائل الدعوة إلى اللَّه. أن الجهاد في سبيل اللَّه بدءًا من هدفه، والوسائل المشروعة لتحقيقه، وأحكامه الكثيرة كالأمان والهدنة والجزية وأحكام الأسرى والسبي والغنائم كلها مندرجة تحت الأصل العظيم الذي هو إحقاق الحق، وتقوية أهله ونصرتهم، وإزهاق الباطل، وتقليل أهله وإضعافهم؛ ليعم الاهتداء بهذا الدين. • أما التوصيات: فبعد اكتمال هذا المشروع المبارك بمشيئة اللَّه أقترح جمع المسائل التي صح الإجماع عليها في مؤلف مستقل يستعين به طلاب الفقه الإسلامي في ضبط مواطن الاتفاق، وهي كثيرة بحمد اللَّه، وهو مما يقوي الملكة الفقهية، ويعين الطالب في تمييز الراجح من المرجوح من الأقوال. هذا ما تيسَّر جمعه وتقييده في هذا الموضوع، بعد أن أمضيت وقتًا طويلًا في كتابته، وبذلت جهدًا كبيرًا في جمعه وتتبعه، طفت في رحلة ممتعة وشاقة بين كتب أهل العلم باحثًا عن كل لبنة تُسهم في بناء هذا المشروع المبارك (مشروع الإجماع) حتى استوى على هذا الشكل الذي أسأل اللَّه أن ينفع به ويتقبَّله، وأن يغفر ما يقع من الجهل والزلل والخطأ والنسيان، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. * * *

стр. 4274

فهرس المصادر والمراجع (١) إتحاف ذوي البصائر شرح روضة الناظر، تأليف: عبد الكريم النملة. الناشر: دار العاصمة: الرياض، ١٤١٧ هـ. الآثار، لأبي يوسف (١٢٨ هـ)، يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، الناشر: دار الكتب العلمية، ١٣٥٠ هـ. آثار الحرب في الفقه الإسلامي، تأليف: د. وهبة الزحيلي، الناشر: دار الفكر بدمشق، الطبعة الثالثة ١٤٠١ هـ. الإجماع لابن المنذر (٣١٨ هـ) أبي بكر محمد بن إبراهيم، الناشر: دار طيبة الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ. إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: للإمام العلامة الحافظ تقي الدين أبي الفتح الشهير بابن دقيق العيد (٧٠٢ هـ) الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت. أحكام الأسرى والسبايا في الحروب الإسلامية، تأليف: د. عبد اللطيف عامر، الناشرة دار الكتب الإسلامية، ١٤٠٦ هـ. أحكام الخراج في الفقه الإسلامي، تأليف: د. محمد عثمان شبير، دار الأرقم، الكويت، ١٤٠٦ هـ. أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام، د. عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٢ هـ. "الأحكام السلطانية"، تأليف: القاضي أبي يعلى، محمد بن الحسين ابن الفراء (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٢١ هـ. "الأحكام السلطانية" في الولايات الدينية: تأليف أبي الحسن علي بن محمد الماوردي (٤٥٠ هـ). الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت - لبنان. إحكام الفصول في الأصول، تأليف: أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي (٤٧١ هـ)، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٧ هـ.

стр. 4275

أحكام القرآن لابن العربي (٥٤٣ هـ) أبو بكر محمد بن عبد اللَّه، مطبعة عيسى الحلبي، ١٣٩٤ هـ. أحكام القرآن للجصاص (٣٧٠ هـ)، أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، دار الكتب العلمية، بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ. أحكام القرآن للشافعي جمعه الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي النيسابوري (٤٥٨ هـ)، دار إحياء العلوم، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ. أحكام القرآن: تأليف الإمام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص (٣٧٠ هـ) الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان. الطبعة الأولى (١٤١٥ هـ). أحكام القرآن للكيا الهراسي (٥٠٤ هـ) علي بن محمد، دار الكتب الحديثة، ١٩٧٤ م. أحكام المجاهد بالنفس في سبيل اللَّه في الفقه الإسلامي، تأليف: مرعي بن عبد اللَّه بن مرعي الجبيهي الشهري، الناشر: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٣٢ هـ. أحكام أهل الذمة: لابن قيم الجوزية (٧٥١ هـ)، الناشر: دار الكتب العلمية. الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ. أحكام أهل الملل من الجامع لمسائل الإمام أحمد، تأليف: أبو بكر أحمد بن محمد الخلال، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٤ هـ. الإحكام في أصول الأحكام، تأليف: العلامة علي بن محمد الآمدي. تعليق: الشيخ عبد الرزاق عفيفي. الناشر: المكتب الإسلامي. الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ. إحياء علوم الدين لأحمد بن محمد الغزالي أبو حامد، الناشر: دار المعرفة، بيروت. "اختلاف الفقهاء"، تأليف: أبو جعفر الطبري (٣١٠ هـ)، تحقيق: يوسف شاخت، لندن، ١٩٣٣ م. "الاختيار لتعليل المختار" تأليف: عبد اللَّه بن محمود الموصلي الحنفي. الناشر: دار المعرفة - بيروت - لبنان.
следующие страницы →