← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

ونقله أبو الفرج ابن قدامة (٦٨٢ هـ) (١). والنووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (وأما إذا اشترى الكافر عبدًا مسلمًا من مسلم أو غيره، فهذا البيع حرام بلا خلاف) (٢). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: المالكية (٣) في بيع العبد المسلم، والصغير من الكفار، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - لما فيه من إذلال للمسلم، وعلو للكافر عليه، واللَّه يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. ٢ - ما جاء في كتاب عبد الرحمن بن غنم ﵀ لعمر بن الخطاب ﵁، في أمان أهل الجزيرة ما بين دجلة والفرات وفيه: فكتب لهم عمر ﵁: "أن امض لهم ما سألوه، وألحق فيه حرفين -أي شرطين- اشترط عليهم مع ما اشترطوا على أنفسهم: أن لا يشتروا من سبايانا شيئًا، ومن ضرب مسلمًا عمدًا فقد خلع عهده" (٦). ٣ - "أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب ينهى عنه أمراء الأمصار" (٧). ٤ - ولأن فيه تفويتًا للإسلام الذي هو الأقرب، فإنه إذا بقي رقيقًا للمسلمين فإن الظاهر إسلامه، فيفوت ذلك ببيعه لكافر. • الخلاف في المسألة: للفقهاء في جواز شراء الكافر لرقيق المسلم -مسلمًا أو ذميًّا- قولان آخران: • القول الأول: يرى الحنفية صحة البيع ولكن يجبر على إزالة ملكه. • وحجتهم: لأنه يملك المسلم بالإرث، ويبقى ملكه عليه إذا أسلم في يده، فصح أن يشتريه كالمسلم (٨).

стр. 4202

• القول الثاني: التفصيل: إن اشترى الكافر بالغًا على دينه لم يمنع من شرائه إذا كان يسكن به في بلد المسلمين، ولا يباع لمن يخرج به عن بلاد الإسلام لما يخشى من إطلاعه أهل الحرب على عورة المسلمين. وإن كان العبد صغيرًا على دينه يعي الكتاب وغيره، منع من شرائه لما يرجى من إسلامه سرعة إجابته إذا دعي إلى الإسلام؛ لكونه لم يرسخ في نفسه الكفر بخلاف الكبير (١). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على تحريم بيع رقيق المسلمين لأهل الحرب؛ لوجود الخلاف بين الفقهاء في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [١٩٥/ ١٧] جواز هبة المسلم للحربي: • تعريف الهبة: • الهبة لغة: مصدر وهب يهب، وهي عبارة عن إيصال الشيء إلى الغير بما ينفعه (٢). • وفي الاصطلاح: تمليك المال بلا عوض (٣). • المراد بالمسألة: بيان أن للمسلم أن يبذل الهدايا للمحاربين من الكفار ليتألفهم بذلك، وليرغبهم في الإسلام، أو لمصلحة معتبرة، وقد نُقل الإجماع على جواز هبة المسلم للحربي. • الناقلون للإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (ثم قد حصل الإجماع على جواز الهبة، والوصية في معناها) (٤). وأبو الفرج ابن قدامة (٦٨٢ هـ) حيث يقول: (ثم قد حصل الإجماع على صحة الهبة للحربي) (٥).

стр. 4203

• الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية، (١) المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). • مستند الإجماع: ١ - عن ابن عمر ﵄ قال: "رأى عمر حلة على رجل تباع، فقال للنبي ﷺ : ابتع هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفد، فقال: "إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة"، فأتي رسول اللَّه ﷺ منها بحلل، فأرسل إلى عمر منها بحلة، فقال عمر: كيف ألبسها، وقد قلت فيها ما قلت؟ قال: "إني لم أَكْسُكَهَا لتلبسها، تبيعها، أو تكسوها"، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم" (٦). ٢ - وعن أسماء بنت أبي بكر، قالت: "أتتني أمي وهي راغبة -تعني الإسلام- فسألت رسول اللَّه ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه، أتتني أمي وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: نعم" (٧). • وجه الدلالة: أن هذين الحديثين فيهما دلالة واضحة على جواز صلة أهل الحرب وبرهم. النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز هبة المسلم للحربي؛ لعدم المخالف المعتبر، إلا أن بعض العلماء قيدوا جواز الهبة للحربي بعدة ضوابط منها: ألا يترتب على الإهداء إلى الكفار مفسدة ظاهرة كاستكبار الكفار واستعلائهم، أو تكون مبالغ فيها؛ لورود النهي عن التبذير. ألا تكون هذه الهدية في يوم عيد من أعيادهم، أي لأجل العيد، لأن في ذلك إقرارًا لهم ومشاركة في الاحتفال بعيدهم الباطل (٨). [١٩٦/ ١٨] إسلام الحربي يحقن دمه، ويعصم ماله، ونفسه من الرق: • المراد بالمسألة: بيان أن الكافر الحربي إذا خرج لجيش المسلمين وأعلن دخوله في

стр. 4204

الإسلام، فإن إسلامه يعصم له دمه، ويحرز له جميع أمواله، وصار إسلامه أيضًا عاصمًا له من الاسترقاق، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن الحربي الذي يسلم في أرض الحرب، ويخرج إلينا، مختارًا، قبل أن يؤسر، أنه لا يحل قتله، ولا أن يسترق) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - لأنه أصبح بالفعل جزءًا من المسلمين، فلا يجوز التعرُّض له بسوء، كما لا يجوز التعرُّض لأي مسلم من المسلمين؛ عملًا بقوله ﷺ : "كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" (٦). ٢ - وعن صخر بن العيلة البجلي قال: فر قوم من بني سليم عن أرضهم، فأخذتها، فأسلموا، وخاصموني إلى النبي ﷺ ، فردها عليهم وقال: "إذا أسلم الرجل، فهو أحق بأرضه ومالِهِ" (٧). • وجه الدلالة: حيث دلَّ الحديث أن من أسلم من الحربيين أن مالهم لهم، لا يغنمه المسلمون. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الكافر الحربي إذا أسلم، فإن إسلامه يعصم دمه وماله، ونفسه من الرق؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [١٩٧/ ١٩] إسلام الحربي لا يشمل أولاده الكبار: • المراد بالمسألة: بيان أن أولاد الكافر الحربي البالغين لا يتبعون آباءهم، فإسلام

стр. 4205

الآباء لا يعصم الأبناء البالغين؛ لأنهم لا يتبعون آباءهم، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: المروزي (٢٩٤ هـ) حيث يقول: (أن أهل العلم بأجمعهم، قد اتفقوا على أن حكم الأطفال في الدنيا حكم آبائهم، ما لم يبلغوا فإذا بلغوا فحكمهم حكم أنفسهم)، نقله عنه ابن عبد البر في "التمهيد" (١). وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن ولده الكبار المختارين لدين الكفر على دين الإسلام، فإنهم كسائر المشركين، ولا فرق) (٢). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (أجمع العلماء فيما علمت قديمًا وحديثًا على أن أحكام الأطفال في الدنيا كأحكام آبائهم، ما لم يبلغوا، فإذا بلغوا فحكمهم حكم أنفسهم) (٣). وشيخ الإسلام (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (فإذا بلغ وتكلم بالإسلام أو بالكفر، كان حكمه معتبرًا بنفسه، باتفاق المسلمين، فلو كان أبواه يهودًا أو نصارى فأسلم كان من المسلمين، باتفاق المسلمين، ولو كانوا مسلمين فكفر كان كافرًا باتفاق المسلمين) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: أن الشارع ربط التكليف بالواجبات والمحرمات ولزوم آثار الأحكام في الجملة، بشرط البلوغ، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة، نذكر منها ما يناسب بحثنا في مسألتنا هذه: منها قول النبي ﷺ لمعاذ لما أرسله إلى اليمن: "خذ من كل حالم دينارًا أو عدله معافريًّا" (٩) فجعل الاحتلام موجبًا للجزية. ومنها ما حصل يوم قريظة، من أن من اشتبهوا في بلوغه من الأسرى، كان إذا أنبت

стр. 4206

قتل، فإن لم يكن أنبت لم يقتل (١). فجعل الإنبات علامة لجواز قتل الأسير. فهذه الأدلة وأمثالها تدل على أن الشارع ربط التكليف، ولزوم الأحكام عامة بشرط البلوغ، فمن اعتبر بالغًا بأي علامة من علامات البلوغ فهو رجل تام أو امرأة تامة، مكلف -إن كان عاقلًا- كغيره من الرجال والنساء، يلزمه ما يلزمهم. وتنتهي ولاية الأب على الغلام إذا بلغ وعقل واستغنى برأيه. وعليه فإن إسلام الأب لا يشمل أبنائه البالغين لانتهاء ولايته عليهم. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن إسلام الحربي لا يشمل أولاده الكبار؛ لعدم المخالف، واللَّه تعالى أعلم. [١٩٨/ ٢٠] لزوم الإسلام على من أسلم أبواه جميعًا، وهو صغير لم يبلغ: • المراد بالمسألة: بيان أن الطفل تبعٌ لأبويه في الأحكام الدنيوية، ولهذا فإن أطفال أهل الحرب غير البالغين يلزمهم الإسلام، إن أسلم أبويهم جميعًا. ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا على أن حكم الطفل حكم أبويه إن كانا مسلمين، فحكمه حكم أهل الإسلام، وإن كانا مشركين، فحكمه حكم الشرك، يرثهم ويرثونه، ويحكم في ديته إن قتل، حكم دية أبويه) (٢). وابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن من أسلم أبواه جميعًا، وهو صغير لم يبلغ، أنه يلزمه الإسلام) (٣). وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (لكن الصغير حكمه في أحكام الدنيا حكم أبويه؛ لكونه لا يستقل بنفسه، فإذا بلغ وتكلم بالإسلام أو بالكفر، كان حكمه معتبرًا بنفسه باتفاق المسلمين) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)،

стр. 4207

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]. • وجه الدلالة: حيث دلَّت الآية الكريمة أن اللَّه تعالى يلحق الأولاد الصِّغار وإن لم يبلغوا الإيمان، بأحكام الآباء المؤمنين (٢). ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء" (٣) (٤). • وجه الدلالة: حيث ألحق النبي ﷺ الطفل بأبويه في الحكم في الدنيا، فكأنه قال لهم: حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه فاعرفوا ذلك بالأبوين، فمن كان صغيرًا بين أبوين كافرين ألحق بحكمهما، ومن كان صغيرًا بين أبوين مسلمين ألحق بحكمهما (٥). ٣ - أنه لما كان الطفل غير مستقل بنفسه، لم يكن له بد من ولى يقوم بمصالحه ويكون تابعًا له، وأحق من نصب لذلك الأبوان، فهو تابعٌ لهما، فإن أسلما لزمه أن يتبعهما (٦). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الطفل الذي لم يبلغ، أنه تابع لأبويه في أحكام الدنيا، فإذا أسلما فإنه يلزمه الإسلام؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 4208

[١٩٩/ ٢١] ما استولى عليه أهل الحرب من أموال المسلمين ثم أسلموا، فهو لهم: • المراد بالمسألة: إذا أسلم أهل الحرب، ومتاع المسلمين الذي أحرزوه في أيديهم، فهو لهم، ولا حق للمالك القديم فيه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: شيخ الإسلام (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (وأما ما استولي عليه أهل الحرب من أموال المسلمين ثم أسلموا، فإنه لهم بسنة رسول اللَّه ﷺ ، واتفاق السلف، وجماهير الأئمة، وهو منصوص أحمد، وظاهر مذهبه) (١). وابن عرفة (٨٠٣ هـ) حيث يقول: (ما أسلم عليه حربي إن كان متموَّلا، فله اتفاقًا)، نقله عنه ابن المواق في "التاج والإكليل" (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - ولأن للكافر شبهة ملك فيما حازه لقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]. • وجه الدلالة: حيث سمى اللَّه المهاجرين فقراء بعد هجرتهم، مع إضافة الأموال إليهم، والفقير من لا يملك شيئًا، فلو لم يملك الفقراء أموالهم بالاستيلاء لما سماهم فقراء، فدلَّ على أن الكفار قد ملكوا أموالهم التي هاجروا عنها. ٢ - وعن عروة بن الزبير ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أسلم على شيء فهو له" (٦). • ووجه الدلالة واضح في أن ما أسلم الحربي وهو في يده فهو له، ولا يُسأل عن سببه. ٣ - وعن أسامة بن زيد ﵄ أنه قال يوم الفتح: يا رسول اللَّه، أتنزل في دارك

стр. 4209

بمكة؟ قال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور" (١)، وكان للنبي ﷺ دار بمكة ورثها من خديجة ﵂، فاستولى عليه عقيل وكان مشركًا (٢). • الخلاف في المسألة: يرى الشافعية وأحمد في رواية، والظاهرية: أن الحربي لا يملك مال المسلم بحال، ومتى ظهر المسلم على ماله، فإنه يأخذه، وهو أحق به (٣). وحجتهم: ١ - عن أنس بن مالك: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه" (٤). ٢ - ولأن المسلم إذا استولى على مال مسلم آخر لا يصير ملكًا له، فكذلك الحربي إذا أسلم من باب أولى. ٣ - ولأن عصمة مال المسلم باقية، كعصمة نفسه، فاستيلاؤهم على أموال المسلمين محظور، ولا ينتهض سببًا للملك. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على أن ما استولى عليه أهل الحرب من أموال المسلمين ثم أسلموا فهو لهم؛ لوجود الخلاف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠٠/ ٢٢] إسلام رقيق الحربي لا يزيل الرق عنه، ويسعى لتخليصه منه . • المراد بالمسألة: بيان أن من مُلِك واستُرِق من الكفار، ثم بدا له أن يسلم، فأسلم، أن إسلامه لا يُزيل الرق عنه، فرقُّه باقٍ لمالكه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • الناقلون للإجماع: الجصاص (٣٧٠ هـ) حيث يقول: (وقد اتفقوا أيضًا على أن عبد الحربي المستأمن لو أسلم، منع من رده إلى دار الحرب، وأجبره على بيعه) (٥).

стр. 4210

ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن من أسلم منهم بعد أن ملك، فإن الرق باقٍ عليه) (١). والنووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (يتصور ملك الكافر عبدًا مسلمًا وجارية مسلمة في صور منها: أن يسلم عبده أو أمته فلا يزول ملكه بنفس الإسلام بلا خلاف، لكن يؤمر بإزالة الملك) (٢)، وقال أيضًا: (إذا كان في يد الكافر عبد كافر فأسلم، لم يزل ملكه عنه بلا خلاف، ولكن لا يقر في يده، بل يؤمر بإزالة ملكه عنه ببيع أو هبة أو عتق أو غيرها) (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). • مستند الإجماع: ١ - عن عمران بن حصين قال: "كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول اللَّه ﷺ وأسر أصحاب رسول اللَّه ﷺ رجلًا من بني عقيل، واْصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول اللَّه ﷺ وهو في الوثاق قال: يا محمد، فأتاه فقال: "ما شأنك؟ ". فقال: بم أخذتني؟ وبم أخذت سابقة الحاج؟ (٨) فقال إعظامًا لذلك: "أخدتك بجريرة حلفائك ثقيف". ثم انصرف عنه، فناداه فقال: يا محمد يا محمد. وكان رسول اللَّه ﷺ رحيمًا رقيقًا فرجع إليه فقال: "ما شأنك؟ ". قال: إني مسلم. قال: "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح" (٩). قال الشافعي: (وهكذا من أسر من المشركين فأسلم حقن له إسلامه دمه، ولم يخرجه إسلامه من الرق) (١٠)

стр. 4211

٢ - ولأنه سقط القتل بإسلامه فبقي باقي الخصال من (الاسترقاق، والمن. . .) على ما كانت عليه. ٣ - ولأن الرق أثر الكفر؛ لأن الكفار لما استنكفوا عن عبادة اللَّه تعالى، جعلهم عبيد عبيده سبحانه، فثبوت بقاء الرق باعتبار أثر الكفر، لا باعتبار أنه مسلم (١). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن مجرد إسلام الرقيق لا يُزيل الرق عنه؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠١/ ٢٣] وجوب الهجرة من مكة قبل الفتح: • تعريف الهجرة: • الهجرة لغة: اسم من هاجر مهاجرة. وهي: الترك والمفارقة (٢). • وفي الاصطلاح: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام (٣). • المراد بالمسألة: بيان أن الهجرة إلى النبي ﷺ قبل فتح مكة على من أسلم من أهلها كانت واجبة، افترض اللَّه عليهم فيها البقاء مع رسوله ﷺ حيث استقر، والتحول معه حيث تحول؛ لنصرته ومؤازرته وصحبته، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: القاضي عياض (٥٤٤ هـ) حيث يقول: (ولم يختلف في وجوبها على أهل مكة قبل الفتح) (٤). والنووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: (مع الاتفاق على وجوب الهجرة عليهم قبل الفتح) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك علماء الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩).

стр. 4212

• مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]. • وجه الدلالة: حيث قطع اللَّه الولاية بين من هاجر من المسلمين، وبين من لم يهاجر، فدلَّ ذلك على تأكد وجوبها (١). ٢ - وقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]. • وجه الدلالة: حيث وبَّخ اللَّه من كان قادرًا على الهجرة إلى رسول اللَّه ﷺ قبل الفتح ولم يهاجر، فدلَّ على أن الهجرة كانت واجبة حينذاك. النتيجة: أن الإجماع متحقق على وجوب الهجرة من مكة قبل الفتح، لعدم المخالف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠٢/ ٢٤] وجوب الهجرة من دار الكفر للعاجز عن إظهار دينه: • المراد بالمسألة: بيان أن المسلمين المقيمين في ديار الكفار إذا عجزوا عن إظهار دينهم، فإن الهجرة تجب عليهم إلى دار الإسلام، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • الناقلون للإجماع: أبو الوليد ابن رشد (٥٢٠ هـ) حيث يقول: "واجب بإجماع المسلمين على من أسلم بدار الكفر أن لا يقيم بها، حيث تجري عليه أحكام المشركين، وأن يهاجر ويلحق بدار المسلمين حيث تجري عليه أحكامهم) (٢). والوزير بن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (واتفقوا فيما أعلم على وجوب الهجرة عن ديار الكفر لمن قدر على ذلك) (٣). وابن كثير (٧٧٤ هـ) حيث يقول: (هذه الآية الكريمة (٤) عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع، وبنص هذه الآية) (٥).

стр. 4213

والمرداوي (٨٨٥ هـ) حيث يقول: (وتجب الهجرة على من يعجز عن إظهار دينه في دار الحرب بلا نزاع في الجملة) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، الحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾ [النساء: ٩٧]. • وجه الدلالة: حيث دلَّت الآية الكريمة دلالة واضحة على وجوب الهجرة على المسلمين المستضعفين العاجزين عن إظهار دينهم، في بلد لا سلطان للإسلام فيها (٦). ٢ - أن النبي ﷺ بعث سريةً إلى خثعم (٧) فاعتصم ناسٌ بالسجود، فأسرع فيهم القَتلَ، وبلغَ ذلك النبيَّ ﷺ ، فأمر لهم بنصف العقل (٨)، وقال: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين". قالوا: يا رسول اللَّه ولِمَ؟ قال: "لا تتراءى ناراهما" (٩) (١٠).

стр. 4214

• وجه الدلالة: حيث دل الحديث على تحريم الإقامة في ديار الكفار؛ لأن النبي ﷺ قد برأ من المقيم فيها، والبراءة لا تكون إلا على فعل محرم. النتيجة: أن الإجماع متحقق على وجوب الهجرة من دار الكفر للعاجز عن إظهار دينه؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠٣/ ٢٥] تحريم ترك دار الهجرة: • المراد بالمسألة: بيان أن من هاجر من مكة إلى المدينة قبل الفتح، لا يجوز له أن يترك دار هجرته، ويعود إلى وطنه الأول الذي هاجر منه، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: القاضي عياض (٥٤٤ هـ) حيث يقول: (أجمعت الأمة على تحريم ترك المهاجر هجرته، ورجوعه إلى وطنه، وأن ارتداد المهاجر من الكبائر) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: علماء الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - عن سلمة بن الأكوع: أنه دخل على الحجاج، فقال: يابن الأكوع ارتددت على عقبيك، تعربت؟ قال: لا، "ولكن رسول اللَّه ﷺ أذن لي في البدو" (٦). • وجه الدلالة: أن الحجاج لما أنكر على سلمة خروجه من دار هجرته، اعتذر سلمة بأنه إنما هو بإذن النبي ﷺ . ٢ - عن العلاء بن الحضرمي (٧) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا" (٨).

стр. 4215

• وجه الدلالة: دلَّ الحديث أن الإقامة بمكة كانت حرامًا على من هاجر منها قبل الفتح، لكن أبيح لمن قصدها منهم بحج أو عمرة، أن يقيم بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام، لا يزيد عليها (١). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن من هاجر من مكة قبل الفتح لا يجوز له العودة إليها، والإقامة فيها، إلا في الحج أو العمرة، ولا يُرخَّص له بالإقامة بعد قضاء نسكه بأكثر من ثلاثة أيام، ولم أطلع على من خالف في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 4216

الفصل الثاني: مسائل الإجماع في أحكام أهل الكتاب [٢٠٤/ ١] اليهود والنصارى من أهل الكتاب: • المراد بالمسألة: أن اليهود وهم: كل من وإن بالتوراة وانتسب إلى شريعة موسى ﵇، والنصارى وهم: كل من دان بالإنجيل وانتسب إلى شريعة عيسى ﵇، ومن دان بذلك من طوائفهم المتفرقة. فجميع أولئك يُعدون من أهل الكتاب، ويُطلق على الواحد منهم (كتابي)، وقد نُقل الإجماع على ذلك (١). • من نقل الإجماع: ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) حيث يقول: (فأما اليهود والنصارى فهم المراد بأهل الكتاب بالاتفاق) (٢)، ونقله عنه الشوكاني في نيل الأوطار (٣). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨). • مستند الإجماع: ١ - لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]. • وجه الدلالة: إن المقصود بالطائفتين هم اليهود والنصارى، والمراد بالكتاب:

стр. 4217

التوراة والإنجيل (بإجماع من أهل التأويل) (١). ٢ - وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾ [آل عمران: ٦٥]. ٣ - وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨]. • وجه الدلالة من الآيتين: حيث دلت الآيتان على أن أهل الكتاب هم أهل التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى (٢). النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن اليهود والنصارى هم أهل الكتاب؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠٥/ ٢] تسمية أهل الكتاب كفارًا، ومن عداهم كفار ومشركين: • المراد بالمسألة: يسمى أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى كفارًا، ومن عداهم من الطوائف والملل كفار ومشركين، وقد نُقل الإجماع على ذلك. واختلف في: هل تصح تسمية أهل الكتاب بالمشركين؟ (٣). وليس ذا بمحل بحثنا. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا على تسمية اليهود والنصارى كفارًا. . . واتفقوا أن من عداهم من أهل الحرب يسمون مشركين) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، والظاهرية (٩).

стр. 4218

• مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾ [البينة: ١]. • وجه الدلالة: حيث دلَّت الآية الكريمة أن (الذين كفروا) جنس تحته نوعان: أهل الكتاب، والمشركون (١). فأهل الكتاب يسمون كفار، وغيرهم مشركون وكفار. ٢ - قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]. • وجه الدلالة من الآية: حيث سمى اللَّه أهل الكتاب كفارًا، ومن سواهم من ليسوا بأهل الكتاب مشركين. مع ما عندهم من (الشرك) لَكِونْ هذا الِاسْمُ في مُتَعَارَفِ الناس يُطْلَقُ على الْمُشْرِكِينَ من غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ (٢). النتيجة: أن الإجماع متحقق على جواز تسمية أهل الكتاب كفار، ومن سواهم مشركين وكفار؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠٦/ ٣] إبقاء معابد أهل الكتاب القديمة الموجودة في البلاد التي فتحت عنوة: • المراد بالمسألة: أن المعابد القديمة التي وجدت في البلاد المفتوحة عنوة بالسيف والقوة يجوز تبقيتها فلا تهدم، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (القسم الثاني ما فتحه المسلمون عنوة. . . وما كان فيه من ذلك (أي: كنائس ومعابد قائمة) ففيه وجهان: أحدهما: يجب هدمه وتحرم تبقيته. . . والثاني: يجوز (أي تبقيته). . . لأن الإجماع قد حصل على ذلك فإنها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير) (٣). ويقابل جواز الإبقاء جواز الهدم، لهذا يقول ابن تيمية (٧٢٨ هـ): (ولا نزاع في جواز هدم ما كان بأرض العنوة إذا فتحت) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الشافعية في وجه (٥)، ورواية لأحمد (٦)،

стр. 4219

وأبو عبيد القاسم بن سلام (١)، وأيده شيخ الإسلام، بن تيمية وابن القيم (٢). • مستند الإجماع: الإجماع على بقائها فإنها موجودة في بلاد المسلمين من غير نكير، مما يدل على تقرر الحكم عندهم على هذا. وعن عكرمة قال: قيل لابن عباس: أللعجم أن يحدثوا في أمصار المسلمين بناء أو بيعة؟ فقال: "أيما مصر مصرته العجم يفتحه اللَّه على العرب ونزلوا -يعني على حكمهم- فللعجم ما في عهدهم، وللعجم على العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم" (٣). ولأن الصحابة ﵃ فتحوا كثيرًا من البلاد عنوة فلم يهدموا شيئًا من الكنائس، ويشهد لصحة هذا وجود الكنائس والبيع في البلاد التي فتحت عنوة ومعلوم أنها ما أحدثت فيلزم أن تكون موجودة فأبقيت (٤). وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: "أن لا يهدموا بيعة ولا كنيسة ولا بيت نار" (٥). • الخلاف في المسألة: هنالك قولان آخران في حكم بقاء المعابد القديمة وهما: • القول الأول: أنها يجب أن تهدم. وهو قول بعض المالكية (٦)، وقول الشافعي (٧)، ورواية لأحمد وهي الأصح (٨). ومما احتجوا به ما يأتي: ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تكون قبلتان في بلد واحد" (٩). • وجه الدلالة: أن بقاء تلك المعابد في بلاد المسلمين يخالف هذا الحديث الناهي

стр. 4220

عن بقاء دينين وقبلتين في أمصار المسلمين. ٢ - أن البلاد قد ملكها المسلمون بالاستيلاء والقوة، فلا يمكن أن يقر فيها أمكنة ومعابد وشعارات الكفر (١). • القول الثاني: أنها لا تهدم. وهو قول الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، ورواية لأحمد (٤). واستدلوا بما استدل به القائلون بجواز إبقاء المعابد، حيث حملوا ما استدل به المجيزون على عدم جواز هدمها نحو قول ابن عباس ﵄: (فللعجم ما في عهدهم) حملوه على وجوب الإبقاء وعدم جواز الهدم (٥). النتيجة: أن الإجماع غير متحقق على جواز إبقاء المعابد القديمة لأهل الكتاب؛ للخلاف المعتبر في المسألة، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠٧/ ٤] حكم إحداث كنائس جديدة: • المراد بالمسألة: أن الكنائس التي تحدث في البلاد بعد ما مصَّرها المسلمون سواء ما افتتحه المسلمون وأسلم أهلها كالمدينة والطائف، أو اختطها المسلمون ثم نزلوها كالكوفة والبصرة، فهذه يجب هدمها، ولا يجوز إحداثها. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ)، حيث يقول: (واتفقوا. . . على أن يلتزموا على أنفسهم أن لا يحدثوا شيئًا في مواضع كنائسهم، وسكناهم، ولا غيرها، ولا بيعة، ولا ديرًا، ولا قلاية، ولا صومعة، ولا يجددوا ما خرب منها، ولا

стр. 4221

يحيوا ما دثر) (١). والطرطوشي المالكي (٥٢٠ هـ) حيث يقول: (وأما الكنائس فإن عمر بن الخطاب ﵁ أمر بهدم كل كنيسة لم تكن قبل الإسلام، ومنع أن تحدث كنيسة. . . وهذا مذهب علماء المسلمين أجمعين) (٢) وابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (وقد اتفق المسلمون على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة) (٣). وابن القيم (٧٥١ هـ) حيث يقول: (فإن قيل: فما حكم هذه الكنائس التي في البلاد التي مصرها المسلمون؟ قيل: هي على نوعين: أحدهما: أن تحدث الكنائس بعد تمصير المسلمين لمصر فهذه تزال اتفاقًا) (٤)، ونقله الدمشقي في "رحمة الأمة" (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩). • مستند الإجماع: ١ - عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تكون قبلتان في بلد واحد" (١٠). • وجه الدلالة: أن إحداث تلك المعابد مخالفة صريحة لهذا الحديث الذي ينهى عن بقاء دينين وقبلتين في أمصار المسلمين. ٢ - ما ورد عن السلف من قولهم وفعلهم بهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، ومنها ما يأتي: أ - كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة بن محمد: "أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، قال: فشهدت عروة بن محمد ركب حتى وقف عليها ثم دعاني فشهدت

стр. 4222

على كتاب عمر وهدم عروة إياها فهدمها" (١). ب - وعن الحسن قال: "من السنة أن تهدم الكنائس التي بالأمصار القديمة والحديثة" (٢). فتبين مما سبق يتضح أن طريقة السلف كان هدم المعابد التي يحدثها الكفار في بلاد المسلمين. النتيجة: أن الإجماع متحقق على المنع من إحداث المعابد الجديدة ولزوم هدمها في بلاد المسلمين؛ لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠٨/ ٥] الوقف على معابد أهل الكتاب: • تعريف الوقف: الوقف لغة: الحبس (٣). • وفي الاصطلاح: حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة (٤). • المراد بالمسألة: إذا أوقف المسلم بيتًا أو أرضًا تكون هي أو ريعها للمعبد من معابد الكفار أيًّا كان، فإنه لا يجوز هذا الوقف. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (والوقف على قناديل البيعة، وفرشها، ومن يخدمها، ويعمرها، كالوقف عليها؛ لأنه يراد لتعظيمها، وسواء كان الواقف مسلمًا، أو ذميًّا. قال أحمد في نصارى وقفوا على البيعة ضياعًا كثيرة، وماتوا، ولهم أبناء نصارى، فأسلموا، والضياع بيد النصارى: فلهم أخذها، وللمسلمين عونهم، حتى يستخرجوها من أيديهم، وهذا مذهب الشافعي، ولا نعلم فيه خلافًا) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)،

стр. 4223

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. • وجه الدلالة: أن الوقف على المعبد فيه إعانة على المعصية، واللَّه نهى عن ذلك، بل إنه إعانة على أعظم المعاصي وهو الشرك باللَّه . ٢ - أن الوقف عليها يُفضي إلى تعظيمها، وقد نُهينا عن ذلك؛ لأن التعظيم يؤدي إلى العبادة، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]. النتيجة: أن الإجماع متحقق على عدم جواز الوقف على معابد الكفار؛ لعدم المخالف المعتبر (٢)، واللَّه تعالى أعلم. [٢٠٩/ ٦] الوقف على كتب التوراة والإنجيل: • المراد بالمسألة: أن المسلم لا يجوز أن يوقف شيئًا لصالح كتب الكفار المحرَّفة كالتوراة والإنجيل كإعادة طبعها ونشرها وما يتعلق بذلك، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (ولا -يصح الوقف- على معصية كبيت النار والبيع والكنائس وكتب التوراة والإنجيل. . . وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافًا) (٣). والموافقون للإجماع ومستندهم ونتيجة الإجماع هو نفس ما سبق في الكلام على مسألة: (الوقف على معابد الكفار). [٢١٠/ ٧] اعتناق الكتابي دينًا غير الإسلام: • المراد بالمسألة: إذا انتقل الكتابي بعد عقد الجزية عليه إلى دين غير أهل الكتاب،

стр. 4224

كأهل الأوثان مثلًا، فإنه لا يقر على الذِّين الذي انتقل إليه، بخلاف إذا انتقل إلى دينٍ كتابي آخر؛ كاليهودي ينتقل للنصرانية، أو بالعكس، فإنه يُقر بالجزية. وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (أن الكتابي إذا انتقل إلى غير دين أهل الكتاب لم يقر عليه، لا نعلم في هذا خلافًا) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الشافعية في الأظهر (٢)، والحنابلة (٣). • مستند الإجماع: ١ - لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. • وجه الدلالة: أن الكتابي المنتقل لدين غير أهل الكتاب، قد أحدث دينًا باطلًا بعد اعترافه ببطلانه، فلا يقر عليه، ولا تقبل منه الجزية. ٢ - أنَّ الكتابي إذا عقدت له الجزية، ثم انتقل لدين غير أهل الكتاب، يكون بذلك ناقض للعهد، وذلك لخروجه عن العهد الذي انعقد له، إلا أن يسلم. بخلاف إذا انتقل إلى دين كتابي، فإنه لم يخرج عن دين أهل الكتاب؛ لتساويهما في التَّقرير بالجزية. ٣ - لأن الوثنية ونحوها لا يقر أهلها عليها، فالمنتقل إليها أولى (٤). • الخلاف في المسألة: ذهب الحنفية، (٥) والمالكية (٦) إلى أنّه إذا انتقل واحد من أهل الكتاب من دينه إلى دين آخر غير الإسلام، فإنّه يُقر على الجزية. وحجتهم أنهم قالوا: أنَّ الكفر كلَّه ملَّة واحدة. النتيجة: أن الإجماع غير متحقق، على أن الكتابي إذا انتقل لدين غير أهل الكتاب أنه لا يُقر على ذلك، لوجود الخلاف المعتبر للحنفية والمالكية، واللَّه أعلم. [٢١١/ ٨] حكم دين ابن الكتابي الذي لم يبلغ في الدنيا (إذا لم يُسب، وكان مع أبويه، ولم يسلما، أو يسلم أحدهما، ولم يملكهم مسلم): • المراد بالمسألة: أن الطفل الكتابي تبعٌ لأبويه في الأحكام الدنيوية، فلذلك الطفل

стр. 4225

النصراني يعتبر من النصارى، والطفل اليهودي يعتبر من اليهود ما دام أبواه موجودين ولم يُسلما، ولم يملكهم أحد من المسلمين، فتجري عليهم أحكام دين آبائهم. ونُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: المروزي (٢٩٤ هـ) حيث يقول: (أن أهل العلم بأجمعهم قد اتفقوا على أن حكم الأطفال في الدنيا حكم آبائهم ما لم يبلغوا، فإذا بلغوا فحكمهم حكم أنفسهم)، نقله عنه ابن عبد البر في التمهيد (١). وابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا على أن حكم الطفل حكم أبويه، إن كانا مسلمين فحكمه حكم أهل الإسلام، وإن كانا مشركين فحكمه حكم الشرك، يرثهم ويرثونه، ويحكم في ديته إن قتل حكم دية أبويه) (٢). وابن بطال (٤٤٩ هـ) حيث يقول: (أجمع العلماء في الطفل الحربي يسبى ومعه أبواه، أن إسلام الأب إسلام له، واختلفوا إذا أسلمت الأم) (٣). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (أجمع العلماء فيما علمت قديمًا وحديثًا على أن أحكام الأطفال في الدنيا، كأحكام آبائهم ما لم يبلغوا، فإذا بلغوا فحكمهم حكم أنفسهم، هذا في أطفال المسلمين، وأطفال أهل الذمة) (٤). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا على أنه إذا كانوا (أي: أطفال الكفار) مع آبائهم ولم يملكهم مسلم، ولا أسلم أحد أبويهم، أن حكمهم حكم آبائهم) (٥). وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (لكن الصغير حكمه في أحكام الدنيا حكم أبويه؛ لكونه لا يستقل بنفسه، فإذا بلغ وتكلم بالإسلام، أو بالكفر، كان حكمه معتبرًا بنفسه، باتفاق المسلمين) (٦). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)،

стр. 4226

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء" (٢) • وجه الدلالة: حيث ألحق النبي ﷺ الطفل بأبويه في الحكم في الدنيا، فكأنه قال لهم: حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه فاعرفوا ذلك بالأبوين، فمن كان صغيرًا بين أبوين كافرين ألحق بحكمهما، ومن كان صغيرًا بين أبوين مسلمين ألحق بحكمهما (٣). ٢ - عن الصعب بن جثامة ﵁ قال: مرَّ بي النبي ﷺ بالأبواء أو بودَّان (٤)، وسئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم؟ قال: هم منهم (٥). • وجه الدلالة: أن قوله ﷺ : (هم منهم) أي في الحكم تلك الحالة (٦)، فدلَّ ذلك على تبعية الأطفال لآبائهم في أحكام الدنيا. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن الطفل الذي لم يبلغ، ولم يُسب، ولم يُسلم والداه، أنه تابع لأبويه في أحكام الدنيا لعدم المخالف المعتبر، واللَّه أعلم. [٢١٢/ ٩] نكاح المسلم بالمرأة الكتابية إذا لم تكن في دار الحرب: • المراد بالمسألة: بيان أن للمسلم أن يتزوج بالمرأة الكتابية إذا لم تكن في دار أهل الحرب، وقد نُقل الإجماع على جواز ذلك. • من نقل الإجماع: الجصاص (٣٧٠ هـ) حيث يقول: (ولا نعلم عن أحد من الصحابة والتابعين تحريم نكاحهن (أي: الكتابيات). . . ولو كان ذلك محرمًا عند

стр. 4227

الصحابة لظهر منهم نكير أو خلاف وفي ذلك دليل على اتفاقهم على جوازه) (١) وقال أيضًا: (إباحة نكاح الحرائر منهن (أي: الكتابيات) إذا كن ذميات، فهذا لا خلاف بين السلف وفقهاء الأمصار فيه، إلا شيئًا يروى عن ابن عمر أنه كرهه) (٢). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (وقد تزوج عثمان بن عفان نائلة بنت الفرافصة الكلبية نصرانية، وتزوج طلحة بن عبيد اللَّه يهودية، وتزوج حذيفة يهودية، وعنده حرتان مسلمتان عربيتان، ولا أعلم خلافًا في نكاح الكتابيات الحرائر بعد ما ذكرنا، إذا لم تكن من نساء أهل الحرب) (٣). وابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (ليس بين أهل العلم بحمد اللَّه اختلاف في حل حرائر نساء أهل الكتاب) (٤). وشيخ الإسلام (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (ومن المعلوم أن حل ذبائحهم ونسائهم -أي: أهل الكتاب- ثبت بالكتاب والسنة والإجماع) (٥). والزركشي (٧٧٢ هـ) حيث يقول: (مع أن جواز نكاح حرائر أهل الكتاب إجماع، أو كالإجماع) (٦) • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، والحنابلة (١٠)، والظاهرية (١١). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. • وجه الدلالة: حيث نص اللَّه صراحة على حل نكاح نساء أهل الكتاب (١٢).

стр. 4228

٢ - أنه قد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين إباحة نكاح الكتابيات ومن ذلك: أن عثمان تزوج نائلة بنت الفرافصة الكلبية وهي نصرانية على نسائه (١). وذكر أن طلحة بن عبيد اللَّه تزوج يهودية من أهل الشام (٢). وروي عن حذيفة أيضًا أنه تزوج يهودية وكتب إليه عمر أن خل سبيلها، فكتب إليه حذيفة: أحرام هي؟ فكتب إليه عمر: لا ولكن أخاف أن تواقعوا المومسات (٣). وروي عن جماعة من التابعين إباحة تزويج الكتابيات منهم الحسن وإبراهيم والشعبي (٤). • الخلاف في المسألة: أُثر عن ابن عمر ﵄ أنه حرَّم نكاح المسلم بالكتابية؛ فقد ثبت في "الصحيح" عن نافع عن ابن عمر ﵄، كان إذا سئل عن نكاح النصرانية أو اليهودية، قال: إن اللَّه تعالى حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول المرأة: ربها عيسى، وهو عبد من عباد اللَّه تعالى) (٥). • وحجته ﵁: أنه حمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، على كل كافرة. ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة، فلما تعارض دليل الإباحة مع دليل الحرمة تساقطا، فوجب بقاء حكم الأصل (٦). وقد حمل بعض أهل العلم قول ابن عمر على الكراهة، وأنه كان متوقِّفًا في ذلك (٧). وقال ابن عبد البر: (وهذا قول شذ فيه ابن عمر عن جماعة الصحابة -رضوان اللَّه عليهم- وخالف ظاهر قول اللَّه : ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ

стр. 4229

لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ولم يلتفت أحد من علماء الأمصار -قديمًا وحديثًا- إلى قوله ذلك لأن إحدى الآيتين ليست بأولى بالاستعمال من الأخرى ولا سبيل إلى نسخ إحداهما بالأخرى ما كان إلى استعمالهما سبيل؛ فآية سورة البقرة عند العلماء في الوثنيات والمجوسيات وآية المائدة في الكتابيات) (١). النتيجة: أن الإجماع متحقق على إباحة نكاح المسلم بالكتابية إذا لم تكن في دار الحرب، وما ورد من خلاف لابن عمر فهو محتمل للكراهة، أو للتوقف، فلا يخرق الإجماع، واللَّه تعالى أعلم. [٢١٣/ ١٠] المساواة بين الزوجة المسلمة والكتابية بالقسم: • تعريف القسم: القَسْم -بفتح القاف وسكون السين- لغة: الفرز والتفريق، يقال: قسمت الشيء قَسْمًا: فرزته أجزاء، والقِسْم -بكسر القاف وسكون السين- الاسم، ثم أطلق على الحصة والنصيب، والقَسَم -بفتح القاف والسين- اليمين (٢). • وفي الاصطلاح: قسمة الزوج بيتوتته بالتسوية بين النساء (٣). أو: هو توزيع الزمان على زوجاته إن كن ثنتين فأكثر (٤). • المراد بالمسألة: إذا كان للرجل المسلم أكثر من زوجة وكانت إحداهن كتابية، فإنه يجب أن يسوي ويعدل بين جميع زوجاته المسلمة منهن والكتابية في القسم ولا يُفضل إحداهن على الأخرى، وقد نُقل الاجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (أجمع كل من يُحفظ عنه من أهل العلم على أن القسم بين المسلمة والذمية سواء) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)،

стр. 4230

والحنابلة (١). • مستند الإجماع: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء بوم القيامة وشقه مائل" (٢). • وجه الدلالة: حيث دلَّ عموم الحديث على وجوب العدل بين الزوجات ولم يُفرق بين مسلمة وغير مسلمة. ولأن الزوجتان يستويان في سبب وجوب القسم وهو النكاح، فيستويان في القسم من غير تفريق بينهن. النتيجة: أن الإجماع متحقق في وجوب التسوية في القسم بين الزوجة المسلمة والكتابية، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢١٤/ ١١] حل ذبائح أهل الكتاب: • المراد بالمسألة: بيان أن ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى حل للمسلمين الأكل منها إذا ذكروا اسم اللَّه عليها وذكيت ذكاة شرعية (٣)، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: (وأجمعوا أن ذبائح أهل الكتاب لنا حلال، إذا ذكروا اسم اللَّه عليها) (٤). وابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث يقول: (وقد أجمعوا في ذبيحة الكتابي أنها تؤكل، وإن لم يسم اللَّه عليها، إذا لم يسم عليها غير اللَّه) (٥).

стр. 4231

وابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: (أجمعوا على أن ذبائح أهل الكتاب العقلاء مباحة، معتد بها) (١). وابن رشد (٥٩٥ هـ) حيث يقول: (فأما أهل الكتاب، فالعلماء مجمعون على جواز ذبائحهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، ومختلفون في التفصيل. فاتفقوا على أنهم إذا لم يكونوا من نصارى بني تغلب، ولا مرتدين، وذبحوا لأنفسهم، وعلى أنهم سموا اللَّه تعالى على ذبيحتهم، وكانت الذبيحة مما لم تحرم عليهم في التوراة، ولا حرموها على أنفسهم، أنه يجوز منها ما عدا الشحم) (٢). وابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (وأجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب) (٣). وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (ومن المعلوم أن حل ذبائحهم ونسائهم (أي أهل الكتاب) ثبت بالكتاب والسنة والإجماع) (٤). وابن القيم (٧٥١ هـ) حيث يقول: (وتفردت الشيعة دون الأمة بتحريم ذبائحهم. . . وهذا القول مخالف للكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فلا يلتفت إليه) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية واستثنوا ذبائح نصارى العرب (٨)، والمذهب عند الحنابلة (٩)، والظاهرية (١٠). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ﴾ [المائدة: ٥]. • وجه الدلالة: حيث أحل اللَّه تعالى طعام أهل الكتاب وهو ذبائحهم فدل على جواز ذبائحهم.

стр. 4232

قال ابن عباس: طعامهم ذبائحهم (١). وكذلك قال مجاهد وقتادة وروي معناه عن ابن مسعود (٢). ٢ - وعن أنس: "أن امرأة يهودية أتت رسول اللَّه ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها فجيء بها إلى رسول اللَّه ﷺ فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك. قال: "ما كان اللَّه ليسلطك على ذاك" (٣). • وجه الدلالة: أن أكل النبي ﷺ من شاة اليهودية دليلٌ واضح على حل ذبائح أهل الكتاب. • الخلاف في المسألة: استثنى الشافعية، وأحمد في رواية (٤) من حل ذبائح أهل الكتاب، ذبائح نصارى العرب، فقالوا: لا تؤكل. واحتجوا بما يأتي: روي عن عمر ﵁ أنه قال: "ما نصارى العرب بأهل كتاب، وما تحل لنا ذبائحهم، وما أنا بتاركهم حتى يسلموا، أو أضرب أعناقهم" (٥). ويقول عَلِيٌّ ﵁: "لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب، فإنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر" (٦). وقد ناقش الجمهور احتجاج الشافعي بأثر عمر وعلي ﵄: بأن أثر علي هو حجة على الشافعي لا له؛ لأنه خاص ببعض العرب وهم بني تغلب مصرح فيه بأنهم ليسوا نصارى فهم كسائر المشركين. وأما أثر عمر ﵁ فروي من طريق إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وقد ضعفه الجمهور، وصرح بعضهم بكذبه، وممن طعن فيه مالك وأحمد. فلا يصح الاحتجاج

стр. 4233

بهذا الأثر (١). النتيجة: ١ - أن الإجماع متحقق على حل ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى في الجملة، لعدم المخالف المعتبر. ٢ - أن الإجماع لم يتحقق في حل ذبائح نصارى العرب فقط؛ حيث خالف في ذلك الشافعية ورواية للحنابلة، واللَّه تعالى أعلم. [٢١٥/ ١٢] جواز تذكية الكتابي: • تعريف التذكية: • التذكية لغة: مصدر ذكى، والاسم (الذكاة) وهي الذبح، والنحر (٢). • وفي الاصطلاح: السبب الموصل لحل أكل الحيوان البري اختيارًا (٣). • المراد بالمسألة: أن الكتابي يهوديًّا كان أو نصرانيًّا إذا ذكَّى ما يحل للمسلمين أكله من الحيوان تذكية شرعية، فإنه تذكيته صحيحة، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (أن كل من أمكنه الذبح من المسلمين، وأهل الكتاب، إذا ذبح حل أكل ذبيحته، رجلًا كان، أو امرأة، بالغًا أو صبيًّا، حرًّا كان أو عبدًا، لا نعلم في هذا خلافًا) (٤). والكلام في باقي تفاصيل المسألة: من الموافقين للإجماع، ومستنده، والخلاف فيها، والنتيجة، هو نفس الكلام في المسألة السابقة: (حل ذبائح أهل الكتاب) فلتراجع. [٢١٦/ ١٣] إرث الكتابي من أهل ملته: • تعريف الإرث: • الإرث لغة: الأصل، والأمر القديم توارثه الآخر عن الأول، والبقية من كل شيء (٥).

стр. 4234

• وفي الاصطلاح: حق قابل للتجزؤ يثبت لمستحقه بعد موت من كان له ذلك لقرابة بينهما أو نحوها (١). • المراد بالمسألة: بيان أن أصحاب الملة الواحدة من أهل الكتاب يرث بعضهم بعضًا، فاليهودي يرث اليهودي، والنصراني يرث النصراني (٢)، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: (واتفقوا أن النصراني يرث النصراني، وأن المجوسي يرث المجوسي، وأن اليهودي يرث اليهودي) (٣). وابن قدامة (٦٢٠ هـ) حيث يقول: (فأما الكفار فيتوارثون، إذا كان دينهم واحدًا، لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافًا) (٤). وابن القيم (٧٥١ هـ) حيث يقول: (واتفق المسلمون على أن أهل الدين الواحد يتوارثون، يرث اليهودي اليهودي، والنصراني النصراني) (٥). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩)، والظاهرية (١٠). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أكَّد الولاية للكفار بعضهم على بعض، فدل ذلك على ثبوت التوارث بينهم؛ لأن في الإرث معنى الولاية؛ لأنه يخلف المورث في ماله ملكًا ويدًا وتصرفًا، ومع اختلاف الدين لا تثبت الولاية لأحدهما على الآخر (١١).

стр. 4235

٢ - عن أسامة بن زيد ﵄: أن النبي ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" (١) • وجه الدلالة: أن مفهوم الحديث يدل على أن الكفار بعضهم يرث بعضا (٢). ٣ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يتوارث أهل ملَّتين شتَّى" (٣). • وجه الدلالة من الحديث: أنه دليل على أن أهل الملة الواحدة يرث بعضهم بعضًا. النتيجة: أن الإجماع متحقق على أن أهل الكتاب يرث بعضهم بعضًا، إذا كانوا على ملة واحدة، لعدم المخالف المعتبر، واللَّه تعالى أعلم. [٢١٧/ ١٤] شهود أعياد الكفار، وتهنئتهم بها: • المراد بالمسألة: لو كان هناك عيد من أعياد غير المسلمين كالنيروز (٤) -مثلًا- فإنه يحرم على المسلم مشاركتهم في عيدهم، أو تهنئتهم به، وقد نُقل الإجماع على ذلك. • من نقل الإجماع: ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (ونص الامام أحمد على أنه لا يجوز شهود أعياد اليهود والنصارى، واحتج بقول اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]. وهو قول مالك وغيره، لم أعلم أنه اختلف فيه) (٥). وابن القيم (٧٥١ هـ) حيث يقول: (لا يجوز للمسلمين ممالأة المشركين في شعائرهم، وكما أنهم لا يجوز لهم إظهاره، فلا يجوز للمسلمين ممالأتهم عليه، ولا مساعدتهم، ولا الحضور معهم، باتفاق أهل العلم الذين هم أهله) (٦)، وقال أيضًا:

стр. 4236

(وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة بهم، فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم، وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد، ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات) (١). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). • مستند الإجماع: ١ - ما تأوَّله غير واحد من التابعين وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]. قال أبو العالية، وطاوس، وابن سيرين، والضحاك، والربيع بن أنس، وغيرهم: "هو أعياد المشركين" (٦). ٢ - الأدلة التي تنهى عن التشبه بالكفار عمومًا ومنها: ما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (٧). • وجه الدلالة: أن أعياد الكفار من أخص ما نهينا عن التشبه بالكفار فيه، لأنها من أخص الخصائص التي تميز الأمم (٨). ٣ - أن مشاركة الكفار أعيادهم وتهنئتهم بها هو في الحقيقة موافقة لهم في شعائرهم، والتي تؤدي إلى موافقتهم في الكفر والعياذ باللَّه (٩). ٤ - ما ورد من شروط عمر ﵁ وقد تلقتها الأمة بالقبول، وكان منها أن أهل الذمة لا يظهرون أعيادهم في دار الاسلام، حيث ورد فيه "وأن لا نخرج شعانين، ولا باعوثًا" (١٠).

стр. 4237

• وجه الدلالة: إذا كان المسلمون قد اتفقوا على منعهم من إظهارها، فكيف يسوغ المشاركة لهم فيها. أو تهنئتهم بها. ٥ - وعن عمر ﵁ قال: "لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم" (١) النتيجة: أن الإجماع متحقق على تحريم مشاركة الكفار في أعيادهم، أو تهنئتهم بها، لعدم المخالف المعتبر في ذلك، واللَّه تعالى أعلم. [٢١٨/ ١٥] حكم توبة الكتابي إذا سب النبي ﷺ سرًّا فيما بينه وبين اللَّه: • المراد بالمسألة: بيان أن الكتابي وغيره من الكفار إذا أسلم وتاب وقد كان يسب النبي ﷺ سرًّا بينه وبين قومه، ولم يظهره، ولم يطلع المسلمون على ذلك، أن توبته مقبولة فيما بينه وبين اللَّه، وتنفعه يوم القيامة، وقد نُقل الإجماع على ذلك، أما ما يتعلق في حكم الدنيا من سقوط القتل عنه أو لا؟ فليس محل بحثنا، وفيه خلاف معروف في كتب أهل العلم (٢). • من نقل الإجماع: ابن الصلاح (٦٤٣ هـ) حيث يقول: (وأجمعت الأمة على أن اللَّه لم يجعل فيما خلق ذنبًا لا توبة منه أصلًا) (٣). وأبو الفرج ابن قدامة (٦٨٢ هـ) حيث يقول: (ولأن من زعم أن للَّه ولدًا، فقد سب اللَّه تعالى، بدليل قول النبي ﷺ إخبارًا عن ربه تعالى أنه قال: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني، أما شتمه إياي، فزعم أن لي ولدًا" (٤)، وتوبته مقبولة بغير خلاف،

стр. 4238

وإذا قبلت توبة من سب اللَّه تعالى، فمن سب نبيه ﷺ أولى أن تقبل توبته) (١). وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: (واليهود والنصارى الذين يسبون نبينا سرًّا بينهم إذا تابوا وأسلموا، قبل ذلك منهم، باتفاق المسلمين) (٢)، وحكاه ابن مفلح في "المبدع" (٣). والزركشي (٧٧٢ هـ) حيث يقول: (والخلاف في قبول توبتهم في الظاهر من أحكام الدنيا، من ترك قتلهم، وثبوت أحكام الإسلام في حقهم، وأما قبول اللَّه في الباطن، وغفرانه لمن تاب وأقلع باطنًا وظاهرًا فلا اختلاف فيه) (٤). • الموافقون للإجماع: وافق على ذلك: الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨). • مستند الإجماع: ١ - أن كل من تاب تاب اللَّه عليه كما قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. • وجه الدلالة: حيث ذكر اللَّه في هذه الآية أنه يغفر للتائب الذنوب جميعًا وأطلق وعمم، فيدخل في ذلك الشرك فما دونه. ٢ - قوله تعالى في حق الكفار: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وقوله تعالى في حق المنافقين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦]. ٣ - وأن الإسلام يجب ما قبله كقذف اليهود لمريم وابنها، وقولهم في الأنبياء والرسل، لقوله ﵊: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن

стр. 4239

الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ " (١). النتيجة: أن الإجماع متحقق على قبول توبة الساب للنبي ﷺ فيما بينه وبين اللَّه، لعدم اطلاعي على المخالف، أما سقوط القتل بتوبته فمختلف فيه، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 4240

الفصل الثالث: مسائل الإجماع في أحكام أهل الذمة • تمهيد: في تعريف عقد الذمة، والفرق بينه وبين عقد الأمان والهدنة: • أولًا: تعريف عقد الذمة: • الذمة لغة: لها عدة معان متقاربة منها: العهد، والأمان، والضمان، والكفالة، والحق (١). • وعقد الذمة في الاصطلاح: عرفه الحنفية بأنه: عقد ينتهي به القتال، يلتزم به الذمي أحكام الإسلام، فيما يرجع إلى المعاملات، والرضا بالمقام في دار الإسلام (٢). وعرفه المالكية والشافعية: هو التزام تقرير غير المسلمين في ديارنا وحمايتهم، والذب عنهم، ببذل الجزية، والاستسلام من جهتهم (٣). وعرفه الحنابلة: إقرار بعض الكفار على كفره، بشرط بذل الجزية، والتزام أحكام الملة (٤). • ثانيًا: الفرق بين عقد الذمة، وعقد الأمان والهدنة: يوضح ابن القيم في كتابه "أحكام الذمة" ذلكم الفرق بقوله: (الكفار إما أهل حرب وإما أهل عهد. وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان. وقد عقد الفقهاء لكل صنف بابًا، فقالوا: باب الهدنة، باب الأمان، باب عقد الذمة. ولفظ "الذمة والعهد" يتناول هؤلاء كلهم في الأصل، وكذلك لفظ "الصلح". إلى أن قال: ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء "أهل الذمة" عبارة عمن يؤدي الجزية، وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم اللَّه ورسوله، إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم اللَّه ورسوله؛ بخلاف أهل الهدنة؛ فإنهم
следующие страницы →