← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

مالي كالثواب في الصدقة، فإنه يكون عوضًا مانعًا من الرجوع، وكصلة الرحم المحرم. . . حتى لا يصح الرجوع في هبة ذوي الأرحام المحارم. . .، لأنه قد حصل العوض معنى) (١). قال العمراني: (فأما إذا وهب لغير ولده، أو ولد ولده، وإن سفل فليس له أن يرجع في هبته له بعد إقباضه له، سواء كان ذا رحم محرم، أو أجنبيًا) (٢). قال المرغيناني: (وإن وهب هبة لذي رحم محرم منه فلا رجوع فيها. . . ولأن المقصود فيها صلة الرحم وقد حصل) (٣). قال الموصلي (ولا رجوع فيما يهبه لذي رحم محرم منه. . . لأن المقصود صلة الرحم. . . وفي الرجوع قطيعة الرحم والألفة، لأنها تورث الوحشة والنفرة، فلا يجوز صيانة للرحم عن القطيعة) (٤). قال الدردير: (وكذا إذا أريد بها الصلة والحنان، أي فإرادة الصلة والحنان من الأب أو الأم تمنع من الاعتصار) (٥). • مستند الاتفاق: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، مع ما سبق من أدلة في المسألة السابقة. ومنها: الأول: عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول ﷺ : (إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها) (٦).

стр. 5182

• وجه الاستدلال: أنه نص على حرمة الرجوع في الهبة لذوي الرحم المحرم. الثاني: أن المقصود فيها صلة الرحم وقد حصل (١). • وجه الاستدلال: أن الهبة إذا خلت من شرط الثواب فهى فى معنى الصدقة، لا يجوز الرجوع فيها. النتيجة: صحة الإجماع في أنه لا يجوز الرجوع بالهبة لذوي الرحم المحرم، بشرط عدم ظهور الثواب من الواهب وذلك لمخالفة المالكية. [١٠٩ - ١٣] لا يجوز رجوع الزوج فيما وهبه لزوجته • المراد بالمسألة: أنه لا يحل للزوج أن يرجع بهبته لزوجته. • من نقل الاتفاق: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [فحصل الاتفاق على أن ما وهبه الإنسان لذوي رحمه المحرم غير ولد لا رجوع فيه، وكذلك ما وهب الزوج لامرأته، والخلاف فيما عدا هؤلاء] (٢). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، وابن حزم من الظاهرية (٦)، والشوكاني (٧). قال ابن حزم: (. . . إلا من وهب لذي رحم فإنه لا يرجع فيها، أو الزوجين أيهما أعطى صاحبه شيئًا طيبة به نفسه فلا رجعة له في شيء منها) (٨).

стр. 5183

قال السرخسي: (عن إبراهيم قال: الرجل والمرأة بمنزلة ذي الرحم المحرم إذا وهب أحدهما لصاحبه هبة لم يكن له أن يرجع فيها، وبه نأخذ فإن ما بينهما من الزوجية نظير القرابة القريبة) (١). قال السمرقندي: (ومنها العوض من حيث المعنى، وهو ليس بعوض مالي كالثواب في الصدقة، فإنه يكون عوضًا مانعًا من الرجوع، وكصلة الرحم المحرم وصلة الزوجية، حتى لا يصح الرجوع في همة ذوي الأرحام المحارم، وهبة الزوجين، لأنه قد حصل العوض معنى) (٢). قال المرغيناني: (وإن وهب هبة لذي رحم محرم منه فلا رجوع فيها. . . ولأن المقصود فيها صلة الرحم وقد حصل، وكذلك ما وهب أحد الزوجين للآخر لأن المقصود فيها الصلة كما في القرابة) (٣). قال الموصلي: (ولا رجوع فيما يهبه لذي رحم محرم منه أو زوجة أو زوج، لأن المقصود صلة الرحم وزيادة الألفة بين الزوجين) (٤). قال الخطيب الشربيني: (ولا رجوع لغير الأصول في هبة مقيدة بنفي الثواب أي العوض) (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أدلة المسألة السابقة، ويضاف أيضًا: أن المقصود في الهبة الصلة كما في القرابة، وقد حصلت (٦). النتيجة: صحة الإجماع في أنه لا يجوز رجوع الزوج فيما وهبه لزوجته، بشرط عدم ظهور الثواب من الواهب، وذلك لمخالفة المالكية (٧).

стр. 5184

[١١٠ - ١٤] يجوز الرجوع بالهبة التي يقصد بها الثواب الدنيوي • المراد بالمسألة: أنَّ من وهب هبة أو أهدى هدية يريد بها شيئًا من الدنيا، كعوض مالي أو شيء يثاب عليه، فجائز له أن يرجع في هبته ما لم يثب عليه. • من نقل الإجماع: الكاساني (٥٨٧ هـ) قال: [إجماع الصحابة فإنه روي عن سيدنا عمر، وسيدنا عثمان، وسيدنا علي، وعبد اللَّه بن سيدنا عمر، وأبي الدرداء، وفضالة بن عبيد وغيرهم ﵃، ولم يرد عن غيرهم خلافه فيكون إجماعًا] (١). • الموافقون على الإجماع: المالكية (٢)، وابن تيمية (٣). قال ابن رشد: (ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب جواز الاعتصار في الهبة وهو الرجوع فيها) (٤). قال الموصلي: (ويجوز الرجوع فيما يهبه للأجنبي) (٥). قال القرافي (إذا شرط الواهب الثواب أو يرى أنه أراده فلم يثب، فله أخذ هبته إن لم تتغير في بدنها بنماء أو نقص بخلاف البيع، وكذلك إذا أثابه أقل من قيمتها) (٦). قال ابن تيمية: (أن يكون المقصود بالهبة المعاوضة: مثل من يعطي رجلًا عطية ليعاوضه عليها، أو يقضي له حاجة، فهذا إذا لم يوف بالشرط المعروف لفظًا أو عرفًا فله أن يرجع في هبته أو قدرها) (٧).

стр. 5185

• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ [النساء: ٨٦]. • وجه الاستدلال: أن من معاني التحية: الهدية بالمال، لأن الرد إنما يتحقق في الأعيان لا في الأعراض، لأنه عبارة عن إعادة الشيء، وهذا لا يتصور في الأعراض، والمشترك يتعين أحد وجوهه بالدليل (١). الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها) (٢). • وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل الواهب أحق بهبته ما لم يصل إليه العوض، وهذا نص في هذا الباب. الثالث: ولأنَّ العوض المالي قد يكون مقصودًا من هبة الأجانب، فإن الإنسان قد يهب من الأجنبي إحسانًا إليه وإنعامًا عليه، وقد يهب له طمعًا في المكافأة والمجازاة عرفًا وعادة. • الخلاف في المسألة: ورد الخلاف في هذه المسألة عن: الشافعي (٣)، والحنابلة (٤)، وابن حزم من الظاهرية (٥)، والشوكاني (٦)، فذهبوا إلى عدم جواز الرجوع بالهبة التي يقصد بها الثواب الدنيوي، لأنها من جملة العقود.

стр. 5186

• دليلهم: يستند الخلاف إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. وقوله : ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. • وجه الاستدلال: فيه وجوب الوفاء به، والهبة من جملة العقود، ولا يحل لأحد إبطالها إلا بنص، ولا نص في إبطالها (١). الثاني: عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ قال: (ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه) (٢). • وجه الاستدلال: أن القيء حرام، فالمشبه به مثله، قال قتادة: ولا نعلم القيء إلا حرامًا (٣). الثالث: عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا يحل للرجل أن يعطي عطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده) (٤). • وجه الاستدلال: فيه المنع من الرجوع في الهبة، وقيدها أهل العلم إذا لم يقصد بها الثواب. الرابع: أنه واهب لا ولاية له في المال فلم يرجع في هبته، قياسًا على ذي الرحم المحرم (٥). النتيجة: عدم صحة الإجماع في أنه يجوز الرجوع بالهبة التي يقصد بها الثواب، وذلك للخلاف في المسألة. [١١١ - ١٥] يجوز الرجوع بالوعد بالهبة • المراد بالمسألة: أن الوعد غير ملزم، فمن وعد آخر بهبة ثم رجع في

стр. 5187

وعده فلا يلزمه دفعها إليه، ولكن الواعد إذا ترك الوفاء به فقد فاته الفضل وارتكب المكروه كراهة تنزيهية شديدة ولكن لا يأثم. • من نقل الإجماع: ابن عبد البر (٦٤٢ هـ) قال: [أن العدة واجب الوفاء بها وجوب سنة وكرامة، وذلك من أخلاق أهل الإيمان. . وإنما قلنا أن ذلك ليس بواجب فرضًا، لإجماع الجميع على أن من وعد بمال ما كان يضرب به مع الغرماء، كذلك قلنا إيجاب الوفاء به حسن في المروءة، ولا يقضى به، ولا أعلم خلافًا أن ذلك مستحسن، يستحق صاحبه الحمد والشكر على الوفاء به، ويستحق على الخلف في ذلك الذم] (١). • وافق على هذا الإجماع: الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). قال القرافي: (قال ابن يونس: إذا سألك أن تهب له دينارًا، فقلت: نعم، ثم بدا لك، قال مالك: لا يلزمك. . . قال سحنون: الذي يلزم من العدة: اهدم دارك وأنا أسفلك، أو اخرج إلى الحج، أو اشتر لعملعة كذا، أو تزوج امرأة وألْا أسفلك، لأنك أدخلته بوعدك في ذلك، أما مجردًا لوعد فلا يلزم، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق) (٥). قال النووي: (الوفاء بالوعد مستحب استحبابًا متأكدًا، ويكره إخلافه كراهة شديدة) (٦). قال الخطيب الشربيني: (ويتأكد استحباب الوفاء بالعهد، كما يتأكد كراهة إخلافه) (٧). قال الرملى: (ويتأكد استحباب الوفاء بالعهد، كما يتأكد كراهة خلافه) (٨).

стр. 5188

• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن زيد بن أرقم ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا وعد الرجل وينوي أن يفي به فلم يف به فلا جناح عليه) (١). • وجه الاستدلال: فيه دليل على عدم وجوب الوفاء بالوعد (٢). الثاني: عن صفوان بن سليم الزرقي، أن رجلًا قال لرسول اللَّه ﷺ : أكذب لامرأتي؟ فقال ﷺ : (لا خير في الكذب) فقال: يا رسول اللَّه: أفأعدها وأقول لها؟ فقال ﷺ : "لا جناح عليك" (٣). • وجه الاستدلال: فيه دليل على أن إخلاف الوعد ليس قسيم الكذب، وأنه لا جناح على من أخلف وعده (٤). الثالث: ويمكن الاستدلال أيضًا بأن الوعد تبرع محض من الواعد، ولا دليل على وجوب التبرع على أحد، خاصة وأن الهبة من عقود التبرعات، وهي بطبيعتها عقود غير لازمة، يجوز فسخها قبل القبض (٥). • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: المالكية (٦)، وبعض أهل الظاهر (٧).

стр. 5189

وذهبوا إلى وجوب الوفاء بالوعد، وأنه يلزم مطلقًا. • دليلهم: وحجة ما ذهبوا إليه نصوص الوحيين التي فيهما الأمر بالوفاء بالوعد، منها: الأول: قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣]. • وجه الاستدلال: فيها أن من ألزم نفسه عقدا لزمه الوفاء به، والوعد مما ألزم الشخص نفسه به، وإذا أخلف فهو كاذب. الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذ وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان) (١). • وجه الاستدلال: أن إخلاف الوعد قد عده النبي ﷺ في خصال المنافقين، والنفاق مذموم شرعًا، وعلى هذا يكون إخلاف الوعد محرمًا فيجب الوفاء بالوعد. الثالث: عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدًا فتخلفه) (٢). • وجه الاستدلال: أن فيه النهي عن إخلاف الوعد، والنهي يفيد التحريم. النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن جواز الرجوع بالوعد بالهبة، وذلك للخلاف في المسألة. [١١٢ - ١٦] يجوز لبني هاشم وبني المطلب أن يأكلوا من الهبة • المراد بالمسألة: لما كانت الصدقة محرمة على محمد ﷺ وآل محمد،

стр. 5190

وهم: بنو هاشم وبنو المطلب، جاءت النصوص تفيد بحل الهبة، والعطية، للنبي ﷺ . • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن الهبة والعطية حلال لبني هاشم وبني المطلب ومواليهم] (١). ابن عبد البر (٦٥٠ هـ) قال: [ولا خلاف علمته بين العلماء في بني هاشم وغيرهم في قبول الهدايا والمعروف سواء] (٢). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والشوكاني (٦). قال ابن قدامة: (والصدقة والهدية متغايران فإن النبي ﷺ كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة) (٧). قال ابن تيمية: (الصدقة ما يعطى لوجه اللَّه عبادة محضة من غير قصد في شخص معين ولا طلب غرض من جهته لكن يوضع في مواضع الصدقة كأهل الحاجات، وأما الهدية فيقصد بها اكرام شخص معين، إما لمحبة وإما لصداقة، وإما لطلب حاجة، ولهذا كان النبي ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها، فلا يكون لأحد عليه منة، ولا يأكل أوساخ الناس التي يتطهرون بها من ذنوبهم، وهي الصدقات، ولم يكن يأكل الصدقة لذلك وغيره) (٨). قال البهوتي: (قال الشيخ: والصدقة أفضل من الهبة لما ورد فيها مما لا يحصر إلا أن يكون في الهبة معنى تكون الهبة به أفضل من الصدقة مثل الإهداء لرسول اللَّه ﷺ محبة له) (٩).

стр. 5191

• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن عائشة قالت: (كانت في بريرة ثلاث سنن: خيرت على زوجها حين عتقت، وأهدي لها لحم، فدخل علي رسول اللَّه ﷺ والبرمة على النار، فدعا بطعام فأتى بخبز وأدم من أدم البيت، فقال: ألم أر البرمة على النار فيها لحم؟ فقالوا: بلى يا رسول اللَّه، ذلك لحم تصدق به على بريرة فكرهنا أن نطعمك منه، فقال: هو عليها صدقة، وهو لنا منها هدية) (١). الثاني: عن أم عطية ﵂ قالت: (بعث إليَّ رسول اللَّه ﷺ بشاة من الصدقة، فأرسلت إلى عائشة منها بشيء، فقال النبي ﷺ : عندكم شيء؟ فقالت: لا، إلا ما أرسلت به نسيبة من تلك الشاة، فقال: هات فقد بلغت محلها) (٢). الثالث: عن جويرية بنت الحارث زوج النبي ﷺ : أن رسول اللَّه ﷺ دخل عليها، فقال: (هل من طعام؟ قالت: لا واللَّه، إلا عظم من شاة أعطيته مولاتي من الصدقة، فقال: قربيه، فقد بلغت محلها) (٣). • وجه الاستدلال من هذه الأحاديث الثلاث التي هي بمعنى واحد: أن المتصدق عليها قد ملكت تلك الصدقة بوجه صحيح جائز، فقد صارت كسائر ما تملكه بغير جهة الصدقة، وإذا كان كذلك، فمن تناول ذلك الشيء المتصدَّق به من يد المتصدَّق عليه بجهة جائز غير الصدقة، جاز له ذلك، وخرج ذلك الشيء عن كونه صدقة بالنسبة إلى الآخذ من يد المتصدَّق عليه، وإن كان ممن لا تحل له الصدقة في الأصل (٤).

стр. 5192

النتيجة: صحة الإجماع في أنه يجوز لبني هاشم وبني المطلب أن يأكلوا من الهبة. [١١٣ - ١٧] تجوز هبة الكافر للمسلم • المراد بالمسألة: أنه يجوز للمسلم أن يقبل هبة الكافر إذا كانت مما يباح في شريعتنا، وكان الكافر ذميًا أو معاهدًا. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٩ هـ) قال: [وأجمعوا على أنه إذا وهب المسلم للذمي أو وهب الذمي للمسلم، وقبض ذلك الموهوب وكان شيئا معلومًا أن ذلك جائز] (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وابن حزم من الظاهرية (٦)، والشوكاني (٧). قال ابن حزم: (وإعطاء الكافر مباح، وقبول ما أعطى هو كقبول ما أعطى المسلم) (٨). قال النووي: (وأنه يجوز قبول هدية الكافر) (٩). قال الشوكاني: (الأحاديث المذكورة في الباب تدل على جواز قبول هدية الكافر) (١٠). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: (غزونا مع رسول اللَّه ﷺ تبوك وأهدى ملك آيلة للنبي ﷺ بغلة بيضاء وكساه بردًا) (١١).

стр. 5193

الثاني: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (أهدى كسرى إلى النبي ﷺ فقبل منه) (١). • وجه الاستدلال من الحديثين: ما قاله الشوكاني: (والأحاديث المذكورة في الباب تدل على جواز قبول هدية الكافر) (٢). والهبة في حكمها. الرابع: هم بعقد الذمة يكونون قد ساووا المسلمين في المعاملات (٣). النتيجة: صحة الإجماع في جواز هبة الكافر للمسلم. [١١٤ - ١٨] جواز هبة المسلم للحربي • المراد بالمسألة: أنه يجوز أن يهب المسلم للكافر الحربي المعين، بشرط أن لا يكون في هذا الشيء المُهدى عونًا على أذية المسلمين. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [الإجماع على جواز الهبة، والوصية في معناها. . للحربي في دار الحرب] (٤). القرافي (٦٨٤ هـ) قال: [له الصرف للحربي وفي المباح حاله الحياة، ولو وهب الحربي ثلث ملكه إجماعًا] (٥). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٦)، والشافعية (٧)، وابن حزم من

стр. 5194

الظاهرية (١)، والشوكاني (٢). قال ابن حزم: (وما وهب أهل الحرب للمسلم الرسول إليهم أو التاجر عندهم فهو حلال، وهبة صحيحة ما لم يكن مال مسلم أو ذمي) (٣). قال المرغيناني: (وإذا دخل الحربي دارنا بأمان فأوصى لمسلم أو ذمي بماله كله جاز. . . وكذلك لو أوصى له مسلم أو ذمي بوصية جاز، لأنه ما دام في دار الاسلام فهو في المعاملات بمنزلة الذمي) (٤). قال الشوكاني: (جواز الهدية للكافر مطلقًا من القريب وغيره، ولا منافاة بين ذلك وما بين قوله تعالى ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل) (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول اللَّه ﷺ فاستفتيت رسول اللَّه ﷺ ، قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة، أفأصلُ أمي؟ قال: (نعم، صلي أمك) (٦). • وجه الاستدلال: أن فيه صلة أهل الحرب، حيث أن أم أسماء كانت مشركة، وكان بين النبي ﷺ وقريش حربًا دائرة. الثاني: عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ كسا عمر حلة فأرسل بها إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم) (٧). • وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أقر عمر حينما أهدى الحلة لأخيه

стр. 5195

الكافر، وقد كان حربيًا، والهبة بمعنى الهدية. الثالث: أن المنهي عنه هو التولي، وأما البر والصلة فجائزة. النتيجة: صحة الإجماع في جواز هبة المسلم للحربي، بشرط أن لا يكون فيه شيء يؤذي المسلمين كالسلاح ونحوه. [١١٥ - ١٩] يكره تفضيل الأولاد (الذكور) أو (الإناث) بالهبة • المراد بالمسألة: أن من كان له أولادُه ذكور فقط، أو إناثٌ فقط فأعطاهم بالسوية أن ذلك جائز، وأما إذا فاضل بينهم وهم من جنس واحد، كأن يكونوا ذكورًا فقط، أو إناثًا فقط فإنه مكروه، واختلفوا في الكراهة هل هي تحريمية أم تنزيهية؟ (١). • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) قال: [واتفقوا على أن تفضيل بعضهم على بعض (يعني بالهبة) مكروه] (٢). ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن من كان له بنون ذكورًا لا إناث فيهم، أو إناثًا لا ذكور فيهم فأعطاهم كلهم أو أعطاهنَّ كلهنَّ عطاء ساوى فيه ولم يفضل أحدًا أن ذلك جائز نافذ] (٣). ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [ولا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية، وكراهة التفضيل] (٤).

стр. 5196

• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وابن حزم من الظاهرية (٤). قال ابن حزم: (وأما النفقات الواجبات فقوله ﵊: اعدلوا بين أولادكم. ايجاب لأن ينفق على كل واحد ما لا قوام له إلا به، ومن تعدى هذا فلم يعدل بينهم، وكذلك هذا القول منه ﵊ إيجاب للتسوية بين الذكر والأنثى، وليس هذا من المواريث في شيء) (٥). قال السرخسي: (أنه ينبغي للوالد أن يسوي بين الأولاد في العطية عند محمد على سبيل الإرث للذكر مثل حظ الأنثيين، وعند أبي يوسف يسوي بين الذكور والإناث) (٦). قال السمرقندي: (. . . ينبغي أن يسوي بين أولاده في الهبة) (٧). قال ابن رشد: (واختلفوا في تفضيل الرجل بعض ولده على بعض في الهبة، أو في هبة جميع ماله لبعضهم دون بعض، فقال جمهور فقهاء الأمصار بكراهية ذلك له، ولكن إذا وقع عندهم جاز) (٨). قال النووي: (ينبغي للوالد أن يعدل بين أولاده في العطية) (٩). قال الخطيب الشربيني: (ويسن للوالد العدل في عطية أولاده بأن يسوي بين الذكر والأنثى) (١٠). قال عبد الرحمن بن قاسم: (فإن فضل بعضهم بأن أعطاه فوق إرثه أو خصّه سوى وجوبًا برجوع حيث أمكن أو زيادة لمفضول ليساوي الفاضل كما

стр. 5197

لو أعطى أحد ابنيه عشرة والآخر خمسة، زاده خمسة ليتساويا في الهبة) (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. • وجه الاستدلال: أن فيها الأمر بالعدل في كل شيء، ومنه العدل بين الأولاد في الهبات والعطايا. الثاني: عن النعمان بن بشير قال: (إن أبي بشير وهب لي هبة فقالت أمي: أشهد عليها رسول اللَّه ﷺ ، فأخذ بيدي فانطلق حتى أتينا رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، إن أم هذا الغلام سألتني أن أهب له هبة فوهبتها له فقالت: أشهد عليها رسول اللَّه ﷺ ، فأتيتك لأشهدك. فقال: (رويدك، ألك ولد غيره؟ ) قال: نعم. قال: أكلهم أعطيتهم كلما أعطيته؟ ) قال: لا. قال: (فلا تشهدني على جور، إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم) (٢). • وجه الاستدلال: أنه صريح في عدم جواز التفضيل بين الأولاد، بدليل قوله ﷺ : (أشهد على هذا غيري) وهذا ليس إذنًا بل هو تهديد لتسميته إياه جورًا. الثالث: أن هذا يفضي إلى العقوق، وقطيعة الرحم، ويوقع العداوة والبغضاء بين الأولاد، وهذا مما تنهى عنه الشريعة، ولأن في التسوية تأليف القلوب، والتفضيل يورث الوحشة بينهم، فكانت التسوية أولى (٣). النتيجة: صحة الإجماع في أنه يكره تفضيل الأولاد الذكور أو الإناث بالهبة.

стр. 5198

[١١٦ - ٢٠] يكره تخصيص بعض الأولاد بالهبة دون بعض • المراد بالمسألة: في المسألة السابقة كراهية التفضيل بين الأولاد في الهبة، وهنا كراهية التخصيص، بمعنى أن يعطي بعضًا ويمنع الآخرين، فذهب الجمهور إلى الكراهة التنزيهية (١). • من نقل الاتفاق: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) قال: [واتفقوا على أن تخصيص بعضهم بالهبة مكروه] (٢). • الموافقون على الاتفاق: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥). قال ابن رشد: (واختلفوا في تفضيل الرجل بعض ولده على بعض في الهبة، أو في هبة جميع ماله لبعضهم دون بعض، فقال جمهور فقهاء الأمصار بكراهية ذلك له) (٦). قال النووي: (ينبغي للوالد أن يعدل بين أولاده في العطية، فإن لم يعدل، فقد فعل مكروهًا، لكن تصح الهبة، والأولى في هذه الحال أن يعطي الآخرين ما يحصل به العدل، ولو رجع جاز) (٧). قال ابن تيمية: (لا يحل له أن ينحل بعض أولاده دون بعض، بل عليه أن يعدل بينهم) (٨). قال البهوتي: (فإن خص بعضهم بالعطية أو فضله في الإعطاء بلا إذن الباقي أثم. . . وعليه الرجوع فيما خص أو فضل به حيث أمكن أو إعطاء الآخر ولو في مرض الموت المخوف حتى يستووا بمن خصه أو فضله) (٩).

стр. 5199

قال الشوكاني: (وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة فإن فضل بعضًا صح وكره) (١). مستند الاتفاق: يستند الإجماع إلى أدلة الجمهور المسألة السابقة، وحملوها على الكراهة التنزيهية (٢). • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: الحنابلة (٣)، وأبو يوسف من الحنفية (٤)، ورواية عن الإمام مالك (٥)، وابن حزم من الظاهرية (٦) حيث ذهبوا إلى حرمة تخصيص بعض الأولاد دون بعض (٧). دليلهم: يستند الإجماع إلى أدلة المسألة السابقة، وحملوا النهي فيها على التحريم؛ لعدم الصارف (٨). النتيجة: عدم صحة الإجماع في كراهية تفضيل بعض الأولاد بالهبة دون بعض، وذلك للخلاف الوارد في المسألة. [١١٧ - ٢١] يقبض الأب الهبة للطفل من نفسه • المراد بالمسألة: أن الأب إذا وهب لابنه الصغير شيئًا من عنده، فإنه يقوم مقام ابنه في القبول والقبض، وذلك لعجز الصغير عن القبض. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال: [وأجمعوا أن الرجل إذا وهب لولده الطفل دارًا بعينها أو عبدًا بعينه، وقبضه له من نفسه وأشهد عليه أن الهبة تامة] (٩).

стр. 5200

• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). قال السرخسي: (وكل شيء وهبه لابنه الصغير وأشهد عليه وذلك الشيء معلوم فهو جائز، والقبض فيه بإعلام ما وهبه له والاشهاد له ليس بشرط بل الهبة تتم بالاعلام) (٥). قال العمراني: (وإن كان وليه أباه أو جده، صح أن يقبل له الهبة من نفسه، لأنه يجوز له أن يبتاع ماله بماله) (٦). قال المرغيناني: (وإذا وهب الأب لابنه الصغير هبة ملكها الابن بالعقد، لأنه في قبض الأب فينوب عن قبض الهبة، ولا فرق بين ما إذا كان في يده أو في يد مودعه لأن يده كيده) (٧). قال ابن قدامة: (فإن وهب الأب لابنه شيئًا، قام مقامه في القبض والقبول إن احتيج إليه) (٨). قال البهوتي: (ويقبض لطفل وهبه وليه هبة أبوه فقط من نفسه، فيقول: وهبت ولدي كذا وقبضته له) (٩). قال الدردير: (وصح حوز واهب شيئًا وهبه لمحجوره من صغير أو سفيه أو مجنون كان وليه الواهب أبًا أو غيره، لأنه هو الذي يحوز له) (١٠). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها:

стр. 5201

الأول: عن سعيد بن المسيب أن عثمان بن عفان ﵁ قال: (منتحل ابنًا له صغيرًا لم يبلغ أن يحوز نحلته، فأعلن ذلك وأشهد عليه فهي حيازة وإن وليها) (١). الثاني: ولأن الطفل لا يصح قبضه لنفسه، ولا قبوله لأنه ليس من أهل التصرف، ووليه يقوم مقامه في ذلك (٢). الثالث: ولأن القبض يكون من المتهب أو نائبه، والولي نائب بالشرع، فصح قبضه له، أما غيره فلا نيابة له (٣). النتيجة: صحة الإجماع في أن الأب يقبض الهبة للطفل من نفسه. [١١٨ - ٢٢] يقبض الأب الهبة للطفل إذا كانت من غيره • المراد بالمسألة: هذه المسألة تختلف عن السابقة، فتلك تتحدث عن قبض الأب الهبة لولده إذا وهبها هو إياه، وهذه تتحدث عن هبة الغير للطفل، فمن الذي يقوم بقبض الهبة؟ فالإجماع المحكي هنا على أن الأب، أو من يقوم مقامه كالوصي، أو الحاكم، هم الذين يقومون بقبضها دون غيرهم، أما الأم والأولاد فلا يقبضون عنه. • من نقل الإجماع: ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) قال: [واتفقوا على أنه يقبض للطفل الصغير أبوه أو وليه] (٤). ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [وجمهور فقهاء الأمصار على أن الأب يحوز لابنه الصغير الذي في ولاية نظره. . وأنه يكفي في إشهاده بالهبة والإعلان بذلك، وذلك كله فيما عدا الذهب والفضة وفيما لا يتعين] (٥).

стр. 5202

ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [(ويقبض للطفل أبوه، أو وصيه، أو الحاكم، أو أمينه بأمره. .) ولا يصح القبض والقبول من غير هؤلاء. . وهذا مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه خلافًا] (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢). قال العمراني: (إذا وهب غير ولي الطفل للطفل هبة، فإن كان له أب أو جد، وكان عدلًا، قبل له الهبة، وقبض له، لأنه هو المتصرف عنه، وإن كان فاسقًا، لم يصح قبوله ولا قبضه، لأنه لا ولاية له عليه مع الفسق) (٣). قال الكاساني: (فيقبض للصبي وليه، أو من كان الصبي في حجره وعياله عند عدم الولي، فيقبض له أبوه. . .) (٤). قال النووي: (إذا كانت الهبة لمن ليس له أهلية القبول، نظر، إن كان الواهب أجنبيًا، قبل له من يلي أمره من ولي ووصي وقيم) (٥). قال ابن عابدين: (وإن وهب له أجنبي يتم بقبض وليه وهو أحد أربعة: الأب، ثم وصيه، ثم الجد، ثم وصيه) (٦). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن سعيد بن المسيب أن عثمان بن عفان ﵁ قال: (منتحل ابنًا له صغيرًا لم يبلغ أن يحوز نحلته، فأعلن ذلك وأشهد عليه فهي حيازة وإن وليها) (٧). الثاني: أن الطفل لا يصح قبضه لنفسه، ولا قبوله، لأنه ليس من أهل

стр. 5203

التصرف، ووليه يقوم مقامه، فإن كان له أب أمين فهو وليه لأنه أشفق عليه، وأقدر على حفظ مال الصغير (١). الثالث: إذا لم يوجد الوصي، فنائبه، أو الحاكم، لأنه نائب بالشرع فصح قبضه له، أما غيره فلا نيابة له (٢). الرابع: ولأنه يملك عليه الدائر بين النافع والضار فأولى أن يملك عليه النافع (٣). • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: الحنفية في المفتى به عندهم (٤) فذهبوا إلى أن صحة قبض كل من هو في عياله كالأم، والأخ، والعم، ولو بحضور الأب، أو وصيه. • دليلهم: أن فيه نفعًا للصغير، فلا ينبغي أن يفوت، وأنه لو كان الغير مميزًا لجاز أن يقبض مع وجود الأب (٥). النتيجة: عدم صحة الإجماع في أن الأب يقبض الهبة للطفل إذا كانت من غيره. [١١٩ - ٢٣] قبول الإخبار بالهبة • المراد بالمسألة: أن الهبة إذا جاء بها رسول الواهب جاز للموهوب له

стр. 5204

قبولها، فإذا قبضها حازها. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا على استباحة الهدية وإن كانت من الرقيق لخبر الذي يأتي بها ولو أنه امرأة أو صبي أو ذمي أو عبد] (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). قال البهوتي: (ولو وهب انسان لغائب هبة وأنفذها الواهب مع رسول الموهوب له أو مع وكيله ثم مات الواهب أو مات الموهوب له قبل وصولها إليه لزم حكمها وكانت للموهوب له) (٦). قال الدسوقي: (سواء استصحب أي استصحبها الواهب معه، أو أرسلها مع رسول) (٧). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال لها: (إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة علي، فإن ردت علي فهي لك. وكان كما قال رسول اللَّه ﷺ ) (٨). • وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ بعث الهدية مع أحد أصحابه، فدل فعله على جواز إرسال الرسل بالهدايا، والهبات مثلها. الثاني: عن عبد اللَّه بن بسر ﵁ قال: (كانت أختي ربما بعثتني بالشيء إلى النبي ﷺ تطرفه إياه فيقبله مني) (٩).

стр. 5205

• وجه الاستدلال: قال المجد ابن تيمية: وهو دليل على قبول الهدية برسالة الصبي، لأن عبد اللَّه بن بسر ﵁ كان كذلك مدة حياة رسول اللَّه ﷺ (١). النتيجة: صحة الإجماع في قبول الإخبار بالهبة من الصغار والكبار. [١٢٠ - ٢٤] عدم قبول الموهوب له الهبة رجوع بها إلى صاحبها • المراد بالمسألة: إذا رفض الموهوب له الهبة، فإنه يدل على عدم قبوله لها، ومن ثم ترجع إلى الواهب، ولا تحل لغيره إلا بطيب من نفسه. • من نقل الاتفاق: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن المتصدق عليه أو الموهوب له أو المعطى أو المهدى إليه، إذا لم يقبل شيئًا من ذلك أنه راجع إلى من نفح له بشيء من ذلك، وأنه حلال يملكه] (٢). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والشوكاني (٧). قال العمراني: (الهبة والهدية وصدقة التطوع حكمها واحد. . . ولا يصح شيء من هذا كله إلا بالإيجاب والقبول) (٨). قال القرافي: (قال ابن يونس: ويكفي قولك قبلت فيما في يدك، وإن لم تقل قبلت حتى مات بطلت) (٩). قال المرداوي: (لو مات المتهب قبل قبوله: بطل العقد على الصحيح من المذهب) (١٠).

стр. 5206

قال الخطيب الشربيني: (وشرط الهبة إيجاب وقبول لفظًا من الناطق مع التواصل المعتاد كالبيع) (١). قال الدسوقي: (. . . فلا بد من قبوله، لأن الإبراء يحتاج إلى قبول أي بناء على أنه نقل للملك، وحاصله: أنه اختلف في الإبراء، فقيل إنه نقل للملك فيكون من قبيل الهبة، وهو الراجح، وقيل إنه إسقاط للحق، فعلى الأول يحتاج لقبول دون الثاني) (٢). قال عبد الرحمن بن قاسم: (وتنعقد الهبة بالإيجاب والقبول، بأن يقول: وهبتك، أو أهديتك، أو أعطيتك، فيقول: قبلت، أو رضيت، ونحوه) (٣). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال لها: (إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة علي، فإن ردت علي فهي لك. وكان كما قال رسول اللَّه ﷺ ) (٤) • وجه الاستدلال: فيه دليل على اعتبار القبول، لأن النبي ﷺ لما قبض الهدية التي بعث بها إلى النجاشي بعد رجوعها دل ذلك على أن الهدية لا تملك بمجرد الإهداء، بل لا بد من القبول، ولو كانت تملك بمجرد ذلك لما قبضها ﷺ ، لأنها قد صارت ملكًا للنجاشي لما بعثها إليه (٥). الثاني: القياس على البيع والنكاح، لأنه تمليك آدمي لآدمي، فافتقر إلى الإيجاب والقبول، كالبيع والنكاح (٦). الثالث: لأن السبب الناقل للملك هو صيغة الإيجاب والقبول (٧).

стр. 5207

النتيجة: صحة الإجماع في أن عدم قبول الهبة رجوع بها إلى صاحبها. [١٢١ - ٢٥] يجوز هبة كل المال • المراد بالمسألة: يجوز للمرء أن يهب جميع ماله في حياته ما دام في حال الصحة، بخلاف حال الموت فإنه راجع للثلث. • من نقل الإجماع: ابن رشد (٥٩٥ هـ) قال: [وعمدة الجمهور (١) أن الإجماع منعقد على أن للرجل أن يهب في صحته جميع ماله للأجانب دون أولاده، فإن كان ذلك للأجنبي فهو للولد أحرى] (٢). ابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ) قال: [الإجماع انعقد على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده] (٣). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٤)، والحنابلة (٥). قال السرخسي: (فإن قال: جميع ما أملك صدقة في المساكين، فعليه أن يتصدق بجميع ما يملك) (٦). قال الموصلي: (ولو نذر أن يتصدق بملكه فهو على الجميع) (٧). قال القرافي: (جوّز مالك الصدقة بماله كله. . . وكره مالك والأئمة هبة ماله كله لأجل بنيه) (٨).

стр. 5208

• مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى ما جاء عن: عمر بن الخطاب ﵁ قال: (أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن نتصدق فوافق مالًا عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي فقال رسول اللَّه ﷺ : (ما أبقيت لأهلك؟ ) قلت: أبقيت لهم مثله، فأتى أبو بكر ﵁ بكل ما عنده فقال رسول اللَّه ﷺ : (ما أبقيت لأهلك؟ ) فقال: اللَّه ورسوله، فقلت لا أسابقك إلى شيء أبدًا) (١). • وجه الاستدلال: فيه أن النبي ﷺ قبل من أبي بكر أن يتصدق بماله كله، فدل على الجواز، والهبة في معنى الصدقة، لأنها من التبرعات. • الخلاف في المسألة: ورد الخلاف في المسألة عن: عمر بن الخطاب ﵁ (٢)، وعروة بن الزبير (٣)، والزهري (٤)، وابن حزم من الظاهرية (٥). فذهبوا إلى عدم جواز هبة كل المال. • دليلهم: الأول: عن أبي هريرة ﵁، قال رسول اللَّه ﷺ : (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول) (٦). • وجه الاستدلال: أنه إذا كان أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، فلا

стр. 5209

شك أن ما زاد في الصدقة ونقص في الخير فلا أجر فيه، ولا فضل فيه، وأنه باطل ومحرم. الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه أن رجلًا أتى النبي ﷺ بمثل البيضة من الذهب، فقال: يا رسول اللَّه هذه صدقة ما تركت لي مالًا غيرها، فحذفه بها النبي ﷺ فلو أصابه لأوجعه، ثم قال: (ينطلق أحدكم فينخلع من ماله، ثم يصير عيالًا على الناس) (١). • وجه الاستدلال: أن في رد النبي ﷺ صدقة الرجل دليل على حرمة التصدق بجميع المال (٢). الثالث: عن كعب بن مالك ﵁ قال: قلت يا رسول اللَّه، إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى اللَّه وإلى رسوله. فقال رسول اللَّه ﷺ : (أمسك بعض مالك فهو خير لك) قال: فقلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر) (٣). • وجه الاستدلال: أن عدم إذن النبي ﷺ لجابر بالتصدق بجميع ماله دليل على التحريم. الرابع: أن كل عقد جمع حلالًا وحرامًا فهو عقد مفسوخ كله (٤). النتيجة: عدم صحة الإجماع في جواز هبة كل المال وذلك للخلاف المذكور. [١٢٢ - ٢٦] لا تصح هبة المشاع فيما ينقسم • المراد بالمسألة: أن المشاع من الأموال إذا كان مما ينقسم فلا تجوز هبته، كالدور، والأراضين، والمذروعات، والموزونات، والمكيلات، وأما

стр. 5210

إذا كان مما لا يحتمل القسمة فإنه يجوز هبته، كالرأس الواحد من الحيوان، والسيف، واللؤلوة، والثوب، ونحو ذلك. • من نقل الإجماع: السمرقندي (٥٣٩ هـ) قال: [ولو قال وهبت لك نصفها ولهذا نصفها: لم يجز بالإجماع، لأن العقد وقع في المشاع في كل نصف] (١). الكاساني (٥٨٧ هـ) قال: [فلا تجوز هبة المشاع فيما يقسم. . ولنا إجماع الصحابة] (٢). • الموافقون على الإجماع: وافق على الإجماع: قال السرخسي: (وإذا وهب الرجل للرجل نصيبًا مسمى من دار غير مقسومة، وسلمه إليه مشاعًا، أو سلم إليه جميع الدار لم يجز) (٣). قال العمراني: (وإن كانت مما ينقسم كالدار والأرض والطعام لم يصح هبة جزء منها مشاع من الشريك ولا من غيره) (٤). قال الموصلي: (وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزة، وفيما يقسم لا تجوز) (٥). قال القرافي: (هبة المشاع جائزة فيما تتعذر قسمته كالجوهر والحيوان وممتنعة فيما يمكن قسمته) (٦). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: ما رُوي من قصة أبي بكر الصديق ﵁ في حديث هبته لعائشة ﵂ حيث قال لها عند موته: (. . وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقًا من مالي

стр. 5211

بالعالية، وإنك لم تكوني قبضتيه ولا حزتيه، وإنما هو مال الورثة. .) (١). • وجه الاستدلال: قالوا هذا دليل على منع هبة المشاع. الثاني: قالوا بأن المشاع الذي ينقسم لا يمكن قبضه. • الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). فذهبوا إلى جواز هبة المشاع فيما ينقسم. واحتجوا بما يلي: الأول: عن قيس بن أبي حازم ﵁ قال: أتى رجل إلى النبي ﷺ بكبة شعر من الغنيمة، فقال: يا رسول اللَّه ﷺ هبها لي، فإنا أهل بيت نعالج الشعر، فقال: (نصيبي منها لك) (٥). • وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ وهبه شيئا مما ينقسم، لأن حصته مشاعة غير مقسومة، ولم يكن ليملكه منها إلا ما يجوز له أن يملكه، فدل على الجواز. الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه ﵁: (أن النبي ﷺ اشترى من رجل بعيرًا فلما أن وزن له رجح له) (٦). • وجه الاستدلال: أن الرجحان غير مفروز من الثمن الذي وزن له، فدل على أن هذه هبة مشاع لم ينقسم (٧).

стр. 5212

النتيجة: عدم صحة الإجماع في أنه لا تصح هبة المشاع فيما ينقسم، وما حكاه الكاساني من الإجماع إنما هو إجماع مذهبي. [١٢٣ - ٢٧] هبة المشاع الذي لا ينقسم تامة • المراد بالمسألة: أن المشاع من الأموال إذا كان مما لا ينقسم تجوز هبته، كالرأس الواحد من الحيوان، والسيف، واللؤلوة، والثوب، ونحو ذلك، فالهبة تامة. • من نقل الإجماع: السمرقندي (٥٣٩ هـ) قال: [ولو وهب عبدًا من رجلين، أو شيئًا مما لا يقسم: جاز بالإجماع] (١). الزيلعي (٧٤٢ هـ) قال: [واجمعوا على أن هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة كالعبد والدابة تامة] (٢). • الموافقون على الإجماع: المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). قال العمراني: (كل عين صحت هبتها، صحّ هبة جزء منها مشاع) (٦). قال الكاساني: (فلا تجوز هبة المشاع فيما يقسم وتجوز فيما لا يقسم كالعبد والحمام والدن ونحوها) (٧). قال ابن قدامة: (وتصح هبة المشاع) (٨) قال الموصلي: (وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزة) (٩). قال القرافي: (هبة المشاع جائزة فيما تتعذر قسمته كالجوهر

стр. 5213

والحيوان) (١). قال البهوتي: (وتصح هبة المشاع من شريكه ومن غيره منقولًا كان كجزء من نحو فرس أو غيره كجزء من عقار ينقسم كالثوب أو لا كالعبد) (٢). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الثاني: عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ أن النبي ﷺ : (اشترى من رجل بعيرًا فلما أن وزن له رجح له) (٣). • وجه الاستدلال: أن الرجحان غير مفروز من الثمن الذي وزن له، فدل على أن هذه هبة مشاع لم ينقسم (٤). الثاني: عن المسور بن مخرمة ﵁ أن النبي ﷺ قال: أما بعد فإن إخوانكم هولاء جاؤنا تائبين، وإني رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل. . . فقال الناس: طيبنا يا رسول اللَّه لهم) (٥). • وجه الاستدلال: فيه أن النبي وهب هو وأصحابه لهوازن ما غنموا منهم وهو غير مقسوم (٦). النتيجة: صحة الإجماع في أن هبة المشاع الذي لا ينقسم تامة. [١٢٤ - ٢٨] لا يجوز هبة جزء من إنسان أو حيوان • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن هبة فروج النساء، أو عضوًا من عبد أو أمة، أو عضوًا من حيوان، لا يجوز ذلك،

стр. 5214

وكذلك الصدقة به والعطية والهدية] (١). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). قال الكاساني: (. . . ومنها أن يكون مالًا متقومًا فلا تجوز هبة ما ليس بمال أصلًا كالحر والميتة والدم وصيد الحرم. . . وغير ذلك. . . ولا هبة ما ليس بمال مطلق كأم الولد والمدبر المطلق. . .) (٦). قال النووي: (فما جاز بيعه جازت هبته وما لا فلا هذا هو الغالب) (٧). قال القرافي: (الموهوب ففي الجواهر: هو كل مملوك يقبل النقل مباح في الشرع، كان معلومًا أو مجهولًا) (٨). قال البهوتي: (وتصح هبة مصحف. . .، وهبة كل ما يصح بيعه فقط، لأنها تمليك في الحياة فصحت فيما صحّ فيه البيع، وما لا يصح بيعه لا تصح هبنه على المذهب) (٩). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قول اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ

стр. 5215

أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]. • وجه الاستدلال: أن البُضع جزء من الإنسان، أمر اللَّه بالمحافظة عليه، وحرم بذله في غير طريقه الصحيح، فهبتة بذل له في طريق محرم. الثاني: الإجماع أن وطء الفروج لا يحل إلا بملك تام، أو نكاح صحيح، وهذا ليس من النكاح، ولا هو من ملك اليمين (١). الثالث: أن غير المقدور عليه كما لا يجوز بيعه لا يجوز هبته، فالجزء غير مقدور على تسليمه (٢). النتيجة: صحة الإجماع في أنه لا يجوز هبة الجزء من الإنسان أو الحيوان. [١٢٥ - ٢٩] لا يصح هبة المعدوم • المراد بالمسألة: أن من شرط صحة الهبة أن يكون الشيء الموهوب موجودًا، وعليه فلا يصح هبة الشيء المعدوم الذي لم يوجد أصلًا، كهبة ما تحمل أمته أو تثمر شجرته. • من نقل الإجماع: ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [وإن وهب دهن سمسمه قبل عصره أو زيت زيتونه أو جفته لم يصح، وبهذا قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم لهم مخالفًا] (٣). شمس الدين ابن قدامة (٦٢٠ هـ) قال: [وإن وهب دهن سمسمه قبل عصره أو زيت زيتونه أو جفته لم يصح، وبهذا قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، ولا نعلم لهم مخالفًا] (٤).

стр. 5216

• الموافقون على الإجماع: الحنفية (١)، والشافعية (٢) وابن حزم من الظاهرية (٣). قال ابن حزم: (لا تجوز هبة إلا في موجود، معلوم معروف القدر والصفات والقيمة وإلا فهي باطل مردودة) (٤). قال العمراني: (وما لا يصح بيعه من المجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملكه عليه لا تصح هبته، لأنه عقد تمليك في حال الحياة فلم يصح فيما ذكرناه كالبيع) (٥). قال الكاساني: وأما ما يرجع إلى الموهوب فأنواع منها: أن يكون موجودًا وقت الهبة، فلا تجوز هبة ما ليس بموجود وقت العقد، بأن وهب ما يثمر نخله العام وما تلد أغنامه السنة ونحو ذلك بخلاف الوصية، والفرق أن الهبة تمليك للحال وتمليك المعدوم محال) (٦) • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قياس الهبة على البيع، قالوا فما صح بيعه صحت هبته، وما لا يصح بيعه لا تصح هبته (٧). الثاني: أن اللَّه حرم أموال الناس إلا بطيب من أنفسهم، ولا يجوز أن تطيب النفس على ما لا تعرف صفاته، ولا ما هو، ولا ما قدره (٨) الثالث: ولأن المعدوم ليس محلًا للملك فوقع العقد باطلًا (٩).

стр. 5217

• الخلاف في المسألة: خالف في هذه المسألة: المالكية (١)، وابن تيمية (٢). فذهبوا إلى صحة وجواز هبة المعدوم، قال ابن تيمية: (ومذهب مالك أرجح) (٣). • دليلهم: الأول: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ في قصة وفد هوازن، وسؤالهم النبي ﷺ أن يرد عليهم سبيهم وأموالهم، قال ﷺ : (أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم) (٤). • وجه الاستدلال: أن رسول اللَّه وهب نصيبه ونصيب بني عبد المطلب، والنبي لا يعلم قدره، فهو مجهول. الثاني: أن الهبة من التبرعات، وباب التبرعات ليس كباب المعاوضات، فلا تضر الجهالة فيها، كالنذر والوصية (٥). الثالث: ويمكن أن يقال أيضًا بأن الشارع الحكيم رغب في فعل الخير والبر، وهبة المعدوم من هذا الباب. النتيجة: عدم صحة الإجماع في صحة وجواز هبة المعدوم، وذلك للخلاف في المسألة. [١٢٦ - ٣٠] لا يجوز هبة فروج النساء، أو عضوًا من عبده أو من حيوان • المراد بالمسألة: من مقاصد الشريعة حماية الأعراض والفروج، وذلك

стр. 5218

لما يترتب على التهاون فيها من فساد عريض، ولذلك لا يصح هبة الفروج إلا بتمليك تام، كأن يهب جاريته مثلًا، ويدخل فيها البضع، وكذلك لا يجوز هبة الأعضاء بمفردها، كيدٍ أو رجلٍ. • من نقل الإجماع: ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن هبة فروج النساء، أو عضوًا من عبد أو أمة، أو عضوًا من حيوان، لا يجوز ذلك. .] (١). ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) قال: [وأجمع علماء المسلمين أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجًا وهب له دون رقبته] (٢). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). قال الخطيب الشربيني: (الجارية المرهونة إذا استولدها الراهن أو أعتقها وهو معسر، فإنه يجوز بيعها للضرورة، ولا يجوز هبتها لا من المرتهن ولا من غيره) (٦). قال ابن عابدين: (لا تصح هبة المولى لأم ولده ولو في مرضه، ولا تنقلب وصية إذ لا يد للمحجور) (٧). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قول اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣٠]. • وجه الاستدلال: أن البُضع جزء من الإنسان، أمر اللَّه بالمحافظة عليه، وحرم بذله في غير طريقه الصحيح، فهبة بذل له في طريق محرم. الثاني: الإجماع أن وطء الفروج لا يحل إلا بملك تام، أو نكاح

стр. 5219

صحيح، وهذا ليس من النكاح، ولا هو من ملك اليمين (١). الثالث: ولأن منافع البضع ملحقة بالأجزاء والأعيان، فلا تستقل بنفسها، بل هي تابعها (٢). النتيجة: صحة الإجماع في أنه لا يجوز هبة فروج النساء، أو عضوًا من عبده أو من حيوان. [١٢٧ - ٣١] هبة الرجل ماله على الرجل أو إبراء المدين من دينه • المراد بالمسألة: أن من كان له على آخر حق مالي، فوهبه له بلفظ الإبراء أو الإسقاط أن ذلك جائز. • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) قال. [وأجمعوا على أن الرجل إذا وهب ماله على رجل منه وأبرأه وقبل البراءة أن ذلك جائز] (٣). ابن حزم (٤٥٦ هـ) قال: [واتفقوا أن من كان له عند آخر حق واجب معروف القدر غير مشاع فأسقطه عنه بلفظ الوضع والإبراء أن ذلك جائز للواضع المبرئ] (٤). • الموافقون على الإجماع: الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). قال النووي: (إذا وهب الدين لمن هو عليه، فهو إبراء، ولا يحتاج إلى القبول على المذهب) (٨). قال الخطيب الشربيني: (وهبة الدين للمدين إبراء له منه لا يحتاج قبولًا

стр. 5220

نظرًا للمعنى) (١). قال البهوتي: (وإن أبرأ غريم غريمه من دينه صح أو تصدق به عليه صح، أو وهبه له صح. . .) (٢). قال الدردير: (وهو أي الدين، أي هبته إبراء إن وهب لمن هو عليه، وحاصله: أنه اختلف في الإبراء، فقيل إنه نقل للملك فيكون من قبيل الهبة وهو الراجح) (٣). قال ابن عابدين: (لو وهب الدين من الغريم لم يفتقر إلى القبول) (٤). قال عبد الرحمن بن قاسم: (ومن أبرأ غريمه من دينه ولو قبل وجوبه بلفظ الإحلال أو الصدقة أو الهبة ونحوها كالإسقاط أو الترك أو التمليك أو العفو، برئت ذمته) (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى عدة أدلة، منها: الأول: قول اللَّه : ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]. • وجه الاستدلال: أن في هذا إبراء من الدية بلفظ الصدقة (٦). الثاني: قول اللَّه : ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. • وجه الاستدلال: أنه يعني به الإبراء من الصداق (٧). الثالث: عن جابر بن عبد اللَّه أن أباه قتل يوم أحد شهيدا فاشتد الغرماء في حقوقهم فأتيت رسول اللَّه ﷺ فكلمته فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي وبحللوا أبي فأبوا. . .) (٨).
следующие страницы →