سلسلة الرسائل الجامعية (٧٩)
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي
[١] مسائل الإجماع في الطهارة
إعداد
د. أسامة بن سعيد القحطاني
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراة حصل بها الباحث على درجة الدكتوراة بتقدير ممتاز من جامعة الملك سعود
стр. 3
سلسلة الرسائل الجامعية (٧٩)
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي
[١] مسائل الإجماع في الطهارة
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠, ٧١].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
• أما بعد:
فإن الأمة في أمسّ حاجتها للأسس التي بها تجتمع كلمتها، ويفرق بها بين القطعي الذي لا يجوز ولا يُقبل الخلاف فيه، وبين ما يكون للاجتهاد فيه مجال.
ولذا كان من الواجب إبراز تلك الأمور التي تتفق فيها الأمة أجمع، وهي المسائل التي أجمع علماء الأمة فيها على قولٍ واحدٍ، وهي كثيرة وللَّه الحمد.
ولما كانت المسائل التي حُكيَ فيها الإجماع كثيرة؛ كان منها ما هو متفق على أنها محلُّ إجماعٍ، ومنها ما هو مختلفٌ فيه. فلا بد إذًا من التدقيق في هذه المسائل -بعد جمعِها- وتمحيصِها بالطرق العلمية؛ يُحقَّق في المسائل التي حُكي فيها الإجماع، ويُدقَّق في مدى صحة عدم وجود المخالف، ثم يُنظر في المخالف -إن وجد- هل خلافه معتبر أو لا؟
стр. 5
ويجب أن يُفرق أيضا في المسائل التي لا نعلم فيها مخالفًا بين الإجماع القطعي والظني، ويبيَّن نوعه، أهو لفظي أم سكوتي، ويتحقق من كل ذلك.
يقول الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي: "واعلم أن الإجماع الذي هو حجة قاطعة عند الأصوليين هو القطعي لا الظني.
والقطعي هو القولي المشاهد، أو المنقول بعدد التواتر؛ والظني كالسكوتي والمنقول بالآحاد" (١).
ولأهمية هذا الموضوع، ومدى فائدته الكبيرة ولِما يرجع على الباحث وعلى المسلمين من فائدة؛ رأيت أن أعمل بالجهد المستطاع في هذا الموضوع، وأن يكون في رسالتي لنيل درجة الدكتوراه في الفقه وأصوله.
ولما كانت أبواب الفقه واسعة جدًّا؛ رأيت أن أختار كتاب الطهارة، وهو أول
أبواب الفقه الإِسلامي، فتكون الرسالة بعنوان: (مسائل الإجماع في الطهارة جمعًا
ودراسةً).
• مشكلة البحث:
إن الناظر في كتب الفقه الإِسلامي يجد أن هناك كمًّا هائلًا من الإجماعات التي ينقلها العلماء في المذاهب الفقهية المختلفة، بينما يجد لبعض تلك النقول خروقًا من أقوال علماء آخرين.
كما أنه في بعض تلك المسائل التي نُقل فيها الإجماع قد يجد من خالف فيها من عالم أو أكثر بعد ذلك، فهل هذا الإجماع صحيح أم أنه لم يتحقق أصلًا؟ وينبني على ذلك: هل تجوز المخالفة في تلك المسائل أو لا؟
كل هذا وذاك يحتاج إلى دراسة علمية تُبَيِّنُ الصحيح في الأمر.
ومن ثم كان هذا البحث لجمع مسائل الإجماع التي حُكِيت في كتاب الطهارة ودراسة كل مسألة على حدة.
* * *
стр. 6
• حدود البحث:
يشتمل البحث على جميع المسائل التي نقل فيها الإجماع المتعلقة بكتاب الطهارة، وذلك عندما ينقله أحد العلماء بالصيغ التالية:
١ - الإجماع. ٢ - الاتفاق. ٣ - نفي الخلاف في المسألة.
هذا بالإضافة إلى التمهيد الذي سيكون عن الإجماع، وما يتعلق به من الناحية الأصولية دون توسّع.
أما ما يتعلق بالإجماعات في الأبواب الأخرى، أو ما يتعلق بأيِّ إجماع خاصّ؛ كإجماع الأئمة الأربعة؛ أو إجماع الخلفاء الراشدين؛ وما أشبه ذلك، فغير داخل في البحث؛ حيث إن ذلك النوع من الإجماعات لا يعتبر حجة شرعية على الصحيح.
كما أن أيّ عبارة أجد أن ظاهرها يدل على قصرها على مذهب معين (كإجماع الحنفية)؛ أو بلد معين (كإجماع أهل المدينة) فهي غير داخلة في البحث؛ لأنها ليست داخلة في معنى الإجماع الاصطلاحي الذي هو حجة شرعية.
والمسائل التي استطعت أن أجمعها من حكايات العلماء في هذا الباب أربعُ مائة وسبعة وستون مسألة، توصلت إليها من خلال كتب المشروع المعتمدة.
فقد رأت اللجنة المشكلة للمشروع من قِبل قسم الدراسات الإِسلامية بجامعة الملك سعود أن يكون اعتماد الإجماعات من خلال ثلاثين كتابا من أهم الكتب التي تعتني بحكاية الإجماع، اختيرت بعناية اللجنة والقسم، وقد روعي فيها التنوع المذهبي وتاريخ تأليف الكتاب، وقد كان لي وجهة نظر مختلفة في اختيار بعض الكتب، حيث إنني لم أكن أرى جدوى إضافة بعض الكتب، إلا أنها فُرضت من قبل القسم، ولهم وجهة نظر أحترمها، وهي كالتالي:
١ - "الأم" للإمام الشافعي (٢٠٤ هـ).
٢ - "سنن الترمذي" (٢٧٩ هـ).
٣ - "تفسير الطبري" (٣١٠ هـ).
٤ - "الإجماع" لابن المنذر (٣١٨ هـ).
٥ - "مراتب الإجماع" لابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ).
٢٧ - "مغني المحتاج" للشربيني الشافعي (٩٧٧ هـ).
٢٨ - "سبل السلام شرح بلوغ المرام" للصنعاني (١١٨٢ هـ).
٢٩ - "نيل الأوطار" شرح منتقى الأخبار" للشوكاني (١٢٥٠ هـ).
٣٠ - "حاشية الروض المربع" لابن قاسم الحنبلي (١٣٩٢ هـ).
• الدراسات السابقة:
أولًا: كتاب (موسوعة الإجماع في الفقه الإِسلامي) .
لمؤلفه: الشيخ سعدي أبو جيب.
وهو كتاب موسوعي في الفقه بشكل عام، ويدخل فيه ضمنًا الطهارة.
ويختلف عملي عن هذه الموسوعة بما يلي:
١ - اعتمد المؤلف على ستة عشر كتابا فقط (١)، وهي كذلك ليست موزعة على المذاهب.
٢ - أنه ليس من منهج المؤلف -وفقه اللَّه- دراسة أيٍّ من تلك الإجماعات وتمحيصها، مما يؤكد الحاجة إلى الدراسة لتلك الإجماعات.
٣ - ترتيب المؤلف في كتابه وفق الترتيب الهجائي، وقد رتبت مسائل الإجماع حسب أبواب الفقه الإِسلامي.
٤ - أن المؤلف لا يذكر مستند الإجماع ولا دليل المخالف في المسألة.
٥ - أن الشيخ سعدي أبو جيب قد جعل عمله موسوعيًّا كبيرًا، وهو مع اعترافنا له بالفضل والأسبقية بلا شك قد اعتراه بعض الزلل والخطأ، نظرًّا لطبيعة الجهد البشري، فقد وجدت له عدة أخطاء في تصوير المسائل، فمثلا انظر مسألة (٨٠٩) الفقرة الثالثة،
стр. 9
وقارنها بعبارة صاحبها النووي (١)، حيث تجد فرقًا كبيرًا؛ إذ الإجماع على مسألة وما ذكره الشيخ مسألة أخرى.
كذلك في نفس المسألة (٨٠٩) الفقرة الأخيرة؛ نقل الإجماع عن ابن قدامة على مسألة، ونقل بعدها خلافًا فيها، وبعد المراجعة وجدت أن الخلاف في مسألة أخرى (٢).
٦ - أن الشيخ أبو جيب وقع في وهم غريب، وهو أنه ينقل عن ابن حزم إجماعات لم يُرد ابن حزم حكايتها، وذلك أن منهج ابن حزم في حكاية الإجماع مختلف نوعًا ما عن غيره، حيث كثيرًا ما يذكر صورًا لمسائل يستثنيها، ثم بمجموع هذه الاستثناءات يخرج بصورة مجمع عليها (٣)، والخطأ لدى الشيخ أبو جيب؛ أنه يأخذ كل استثناء من هذه الاستثناءات، ويجعله مسألة مستقلة حكى ابن حزم الإجماع فيها، وهذا خطأ بيِّن من الشيخ أبو جيب، مع اعتذاري واعترافي له بالفضل في عمله جزاه اللَّه خيرًا (٤).
٧ - أن الشيخ أبو جيب يذكر الإجماعات اللفظية والسكوتية دون تفريق، ولا شك أن هناك فرقًا كبيرًا بين الاثنين.
ثانيًا: كتاب (إجماعات ابن عبد البر في العبادات) .
لمؤلفه: الدكتور عبد اللَّه بن مبارك البوصي.
وهو رسالة ماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإِسلامية.
وهذا البحث ليس في جمع مسائل الإجماع؛ لاختصاصه بعالم واحد وهو الإمام ابن عبد البر فقط، في حين أن عملنا سيكون - بإذن اللَّه - شاملًا لعددٍ من العلماء، ثم إن منهج الباحث في رسالته الاقتصارُ على لفظ الإجماع فقط، دون لفظ الاتفاق أو نفي الخلاف. بخلاف هذه الرسالة التي هي جامعة للاصطلاحات الثلاثة.
مجموع المسائل التي بحثها المؤلف في كتاب الطهارة خمسين مسألة فقط، موزعة على أبواب الطهارة؛ باستثناء بابي الاستنجاء والمسح على الخفين، فلم يجد فيهما
стр. 10
إجماعات لابن عبد البر، وكل هذه المسائل بحثتها أيضا في رسالتي، ووقع الاتفاق في النتيجة في أغلبها، وخالفت الباحث في بعضها، وسيأتي مناقشة ذلك في ثنايا البحث.
وهناك خلاف بين منهجي ومنهج الدكتور عبد اللَّه في دراسة المسائل، فهو ليس من منهجه أن يلتزم بتوثيق المسألة كتابيًّا من كتب المذاهب الفقهية المختلفة، في حال تحقق الإجماع أو عدم تحققه، بينما هذا الأمر من الخطوات المنهجية اللازمة في كل مسألة من مسائل هذه الرسالة.
وهذا الكتاب من أفضل ما كتب في الباب؛ إلا أنه يلاحظ عليه الملاحظات السابقة، وأبرزها أنه مقتصر على عالم واحد وعلى لفظ الإجماع فقط، ومع ذلك فالكتاب نافع جدًّا، ولا يعيبه هذا حيث كان هذا من منهج الباحث، وقد أجاد الباحث فيه جزاه اللَّه خيرًا، بل يستحق أن يكون رسالة دكتوراه في نظري.
ثالثًا: كتاب (أحكام الإجماع والتطبيقات عليها من خلال كتاب ابن المنذر وابن حزم) .
لمؤلفه: الشيخ خلف محمد المحمد.
وهو رسالة ماجستير تشتمل على قسمين:
أحدهما: دراسة نظرية للإجماع كمصدر من مصادر التشريع، وقد استغرقت هذه الدراسة أكثر الكتاب.
الثاني: التطبيقات الفقهية، وفيها الأمثلة من بابي الطهارة والصلاة، من خلال كتابي "الإجماع" لابن المنذر؛ و"مراتب الإجماع" لابن حزم.
ويختلف عملي عن هذا الكتاب بما يلي:
١ - أنه لم يتناول كل الإجماعات المذكورة في باب الطهارة، وذلك لأنه اعتمد ذكر إجماعات ابن المنذر، من خلال كتابه "الإجماع" فقط؛ وإجماعات ابن حزم من خلال كتابه "مراتب الإجماع" فقط.
فهو مقتصر على هذين الكتابين فقط، يذكر الإجماعات فيه من باب التمثيل والتطبيق.
٢ - أن نقده للإجماعات غير كافٍ، فهو يعتمد في نقد الإجماع أو تأييده على نفس
стр. 11
الكتب التي اعتمدها مؤلف كتاب "موسوعة الإجماع" المتقدم لسعدي أبو جيب، مما يجعل النقد على الموسوعة السابقة يأتي هنا أيضًا. ويُعتذر له بأن مناقشة الإجماعات هو من باب التطبيق لمسائل الإجماع الأصولية فيما يبدو لي.
في حين أن هذه الرسالة شاملة بإذن اللَّه لكتب كثيرة في شتى المذاهب والعصور حسب ما هو مبين في خطة المشروع.
٣ - أنه ليس من منهج الباحث ذكر مستند الإجماع؛ ولا توثيق المسألة من كتب المذاهب الفقهية المختلفة، ولا دليل المخالف في المسألة إن وجد.
٤ - أن عدد المسائل التي ذكرها الباحث ثمان وسبعون مسألة، وهو عدد قليل من مسائل الإجماع التي حُكيت في باب الطهارة.
رابعًا: كتاب (موسوعة الإجماع لشيخ الإسلام ابن تيمية) .
لمؤلفه: د. عبد اللَّه بن مبارك البوصي
وهذا الكتاب ليس إلا جمعًا لما نقله ابن تيمية فقط من الإجماعات، ولا يتعرض لغيره، وذلك على أبواب الفقه كلها، التي من ضمنها الطهارة.
وأيضًا فليس من منهج المؤلف مناقشة هذه الإجماعات، والبحث عن مدى صحتها ودقتها، فهو ليس سوى جمع فقط دون أي تعليق.
خامسًا: كتاب (الإجماع لابن عبد البر) .
لمؤلفه: فؤاد الشلهوب، وعبد الوهاب الشهري.
وهذا الكتاب ليس سوى جمع لإجماعات ابن عبد البر من خلال كتابه "التمهيد" فقط على أبواب الفقه، ومن بينها الطهارة.
وهو جمع فقط دون أي تعليق، كـ "موسوعة الإجماع" لابن تيمية التي سبق الكلام عنها.
سادسًا: كتاب (الإجماع عند الإمام النووي من خلال شرحه لصحيح مسلم دراسة أصولية تطبيقية) .
لمؤلفه: علي أحمد الراشدي.
وهي رسالة ماجستير بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.
стр. 12
وقد بذل الباحث جهدًا كبيرًا في رسالته هذه، وهي من أفضل ما كتب في الموضوع؛ إلا أنه يؤخذ عليها اقتصارها على كتاب "شرح مسلم" للنووي فقط، فالمسائل فيه ليست شاملة، حيث لم يذكر سوى خمس وأربعين مسألة فقط.
ويؤخذ عليه: عدم التزام الباحث بتوثيق المسألة من الكتب الفقهية للمذاهب في المسائل التي يحكم عليها.
ثم إن الباحث يبحث أحيانًا عدة مسائل في عنوان واحد.
مثال ذلك: مسألة (الحائض والنفساء ليس عليهما الصلاة ولا الصوم ويجب عليهما القضاء في الصوم دون الصلاة) (١)، وهذا العنوان يحتوي على ثمان مسائل في الإجماع.
سابعًا: كتاب (تحرير اتفاقات ابن رشد في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد من أول الكتاب إلى نهاية كتاب الاعتكاف) .
لمؤلفه: عبد اللَّه بن علي بصفر.
ذكر في باب الطهارة واحدًا وخمسين مسألة.
ويؤخذ عليه: أنه لا يذكر مستند الإجماع، ولا يلتزم الباحث بالنظر في الكتب من خارج المذاهب الأربعة، التي تحكي أقوال أهل العلم، كالمصنف، والأوسط، ولا بذكر من وافق على هذا القول المحكي فيه الإجماع من العلماء المستقلين، ولا ينظر في خلاف الظاهرية، فلا يوثق المسألة عند ابن حزم، وهذه الأمور تفقد الكتاب أهمية كبيرة.
ثامنًا: كتاب (المسائل التي حكى فيها ابن قدامة الإجماع والتي نفى علمه بالخلاف فيها في باب الطهارة من كتابه المغني جمعًا ودراسة) .
لمؤلفه: أحمد بن محمد البلادي.
وهو رسالة ماجستير بجامعة أم القرى.
ويؤخذ عليه: أن الباحث لا يلتزم بذكر مستند الإجماع، ولا بذكر من وافق ابن قدامة في حكاية الإجماع.
стр. 13
ولا يلتزم الباحث بالرجوع إلى كتاب "المحلى" لابن حزم، ويشير إلى قوله في الموافقة أو المخالفة إن وجد، مما يفقد البحث الشيء الكثير.
ولا يلتزم أيضًا بذكر الموافقين على القول المحكي فيه الإجماع من العلماء المستقلين أو المتقدمين.
والرسالة تفتقد إلى الترتيب والمنهجية الواضحة.
هذا علاوةً على أن الرسالة محصورة في ابن قدامة ﵀ من خلال كتابه "المغني".
• أهداف البحث:
١ - بيان تعريف الإجماع، ومكانته، وأنواعه، والألفاظ التي تعبر عنه، والألفاظ التي لها صلة به.
٢ - جمع جميع المسائل التي نقل فيها الإجماع في كتاب الطهارة، من خلال الكتب المعتمدة في الدراسة.
٣ - البحث عن موافقٍ لذلك الإجماع؛ ومخالفٍ له؛ ودليل خلافه.
٤ - التمحيص في صحة الإجماع؛ وتحقق الشروط فيه وعدمها.
٥ - بيان الراجح عند الاختلاف بين العلماء في تحقق الإجماع أو عدمه.
٦ - ذكر مستند الإجماع الذي بُني عليه الإجماع.
• أسئلة البحث:
١ - ما المقصود بالإجماع عند العلماء؟ وما مكانته؟ وما أنواعه؟ وما الألفاظ التي تعبر عن حكايته؟ وما الألفاظ التي لها صلة به؟
٢ - ما المسائل الفقهية التي حُكي فيها إجماع العلماء في كتاب الطهارة؟
٣ - مَنِ العلماء الذين ذكروا ذلك الإجماع؟ ومن الذين خالفوه إن وجد؟
٤ - هل شروط صحة الإجماع متحققة في ذلك الإجماع؟
٥ - ما الراجح من أقوال العلماء في تحقق الإجماع من عدمه إن وجد خلاف؟
٦ - ما المستند الشرعي الذي بُني عليه ذلك الإجماع؟
стр. 14
• منهج البحث:
سأتبع في رسالتي المنهج الاستقرائي والمنهج المقارن (١)، المتعارف عليه لدى المختصين في الفقه الإِسلامي بالفقه المقارن.
• إجراءات البحث:
أولًا: أضع عنوانًا للمسألة التي ذُكرت في الكتب المعتمدة في المشروع.
ثانيًا: أشرح المسألة التي تحتاج للشرح بعد العنوان، وأُعَرِّفُ المصطلحات التي تقتضي ذلك، وأميّز المسألة عن المسائل المشتبهة بها إن وجدت، على غرار ما يجري في علم الفروق الفقهية (٢).
ثالثًا: أضع بعد ذلك عنوان: (من نقل الإجماع أو الاتفاق أو نفي الخلاف) (٣)، أذكر فيه أول من ذكر الإجماع، ثم أذكر من نقله بعده، وأراعي الترتيب الزمني في ذلك.
رابعًا: أنقل نصوص العلماء في ذلك؛ إلا إن كانت متقاربة أو متشابهة، وإذا كان العالم قد نقل الإجماع عن غيره، فإنه يكتفى بنص العالم الأول، ويشار إلى أنه نقله عنه فلان.
وقد أنقل بعض الاتفاقات المذهبية المطلقة من باب الاعتضاد فقط، في المسائل المبحوثة، لا استقلالا.
وأنقل العبارات التي جاءت بألفاظ الإجماع الضعيفة كجميع وكافة وقول العلماء، من باب الاعتضاد أيضا.
خامسًا: أضع عنوانا بعد ذلك (الموافقون على الإجماع أو الاتفاق أو نفي الخلاف) أذكر فيه المذاهب التي وافقت الإجماع والعلماء المستقلين أيضًا، إن وجد.
стр. 15
وإذا كان أحد العلماء الذين حكوا الإجماع ينتمي إلى أحد المذاهب الفقهية؛ فيكتفى به في مذهبه الفقهي، ولا يعاد ذكر موافقة مذهبه في نفس المسألة.
وبالنسبة لرأي ابن حزم في الموافقة والخلاف، فإني أبحث عنه في كل مسألة؛ إذ إنه المصدر الرئيسي في معرفة آراء الظاهرية - وإن كان يخالفهم أحيانا - ولكن كثيرًا ما يحصل أن لا أجد له رأيًا، وفي هذه الحالة فإني لا أشير لذلك، بل أكتفي بعدم الإشارة إليه.
سادسًا: أذكر (مستند الإجماع أو الاتفاق أو نفي الخلاف) من النصوص الشرعية إن عُلم، فإن لم يظهر لي نص في المسألة ذكرت الدليل بطرق الاستنباط الأخرى.
فإن كان آيةً؛ فتُذكر الآية بالنص العثماني، ثم أكتب اسم السورة ورقم الآية.
أما الأحاديث النبوية؛ فأضعها داخل التنصيص تكريمًا لكلام النبي ﷺ .
وفي التخريج إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فإني أكتفي بذلك، وأذكر موضعًا واحدًا عند تعدد المواضع، وأما إذا كان خارج أحدهما؛ فإني أخرجه من كتب السنن الأخرى، وأبحث عن درجته ما استطعت.
وعند التخريج فإني أذكر اسم الكتاب الذي أخرج الحديث، واسم الباب، ورقم الحديث، والجزء والصفحة.
ومنهجي في توثيق المستند؛ أنني إذا نقلت الدليل الاجتهادي عن أحد من العلماء فإني أوثقه، وإن لم أوثق شيئًا فهو من اجتهادي، إلا إن كان الدليل مشهورًا أو وجه الدلالة واضحًا؛ فقد لا ألتزم بالتوثيق.
سابعًا: أبدأ بعد ذلك بالبحث عن ناقضٍ لهذا الإجماع؛ إما بالنص على أنه منقوض، أو حكاية خلاف في المسألة.
فإذا وجدت شيئًا من ذلك أثبته وأناقشه، إن كانت المسألة تحتاج لمناقشه.
يلاحظ أن الإجماعات المعتمدة هي التي تكون فيها العبارة صريحة في حكاية الإجماع أو الاتفاق أو نفي الخلاف؛ بأن لا يكون لها استثناءات في السياق؛ أو ما يدل على أنها محصورة بمذهب معين؛ أو بالجمهور.
وإذا كان نفي الخلاف أو حكاية الاتفاق في سياق مذهبي؛ فإني لا أعتمدها.
стр. 16
وإذا كان الحال أنه لم ينقل الإجماع إلا عالم واحد أو اثنان، فإني أحاول زيادة البحث والتدقيق في المسألة من خلال التنقيب في كتب المذاهب المختلفة عن مخالف لهذا الإجماع، خاصة إذا كان العالم الذي نقل عنه الإجماع من المشهورين بالتساهل.
ثامنًا: عندما يتبين سلامة الإجماع أذكر النتيجة التي توصلت إليها من خلال الدراسة.
تاسعًا: عندما أجد أن الإجماع المحكي مخروق؛ فإنني أتحقق من هذا الخرق، وأذكر الخلاف المحكي في هذه المسألة، وأعزوه إلى الكتب المعتمدة في المذاهب الفقهية المختلفة.
وأذكر الدليل الذي استدل به المخالف من غير مناقشة وترجيح، حسب ما تقتضيه المسألة، حيث لو تمت مناقشة الأدلة والترجيح بينها لأصبحت الرسالة ضخمة جدًّا، بحيث لا تتسع لعدة طلاب.
عاشرًا: عندما أجد أنه قد حكي خرق للإجماع، فإنني أجتهد في بيان ما يترجح لي في المسألة، من حيث تحقق الإجماع أو عدم تحققه، مع بيان الأسباب التي جعلتني أختار ذلك.
الحادي عشر: أذكر الإجماعات حسب الأبواب الفقهية، على ترتيب مذهب الحنابلة، من خلال كتاب "المقنع".
أما ترتيب المسائل داخل الباب؛ فإني لا ألتزم ترتيبًا معينًا، وإنما أجتهد في أن تكون المسائل المتقاربة في الحكم أو الصورة بجانب بعضها.
الثاني عشر: ترجمت للأعلام غير المشهورين، ترجمة مختصرة، أما المشهورون كالخلفاء الأربعة، والأئمة الأربعة، وكمشاهير الصحابة كأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، فإني لا أترجم لهم.
الثالث عشر: وضعت ترقيمًا لمسائل الرسالة، وذلك بأن جعلت رقمًا للمسألة في الباب، ثم ترقيما ثانيا في الرسالة كاملةً.
الرابع عشر: إذا وضعت شرطة كهذه - فما بين الشرطتين من إضافتي، وليس من كلام العالم الذي أنقل عنه.
стр. 17
الخامس عشر: في التوثيق من الكتب التي هي جزء فقط، فإني أذكر رقم الصفحة بين قوسين مباشرة، دون ذكر حرف ص، وأما الكتب التي هي أكثر من جزء، فإني أتبع الطريقة المعهودة، وهي ذكر رقم الجزء أولًا ثم رقم الصفحة داخل القوس فقط.
السادس عشر: عندما أحيل على المسائل، فإنني أحيل على عنوانها، دون الإشارة إلى رقم الصفحة، وذلك لكثرة المسائل وتغير مواضعها أثناء المراجعات أو التغيير والإضافة.
• خطة البحث:
وتحتوي على مقدمة، وتمهيد، وأحد عشر بابًا، وخاتمة، أذكر فيها أهم ما توصلت إليه من نتائج في رسالتي، وهي حسب ما يلي:
• مقدمة:
تشتمل على أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، والدراسات السابقة المتصلة بالموضوع، وأهداف الموضوع، وأسئلة البحث، وحدود الدراسة، ثم منهجي في البحث، وإجراءات البحث، ثم خطة البحث.
• تمهيد:
وهو في التعريف بالإجماع، ومكانته بين مصادر التشريع الإِسلامي، والمسائل المهمة في هذا الباب، وفيه مباحث:
• المبحث الأول: تعريف الإجماع.
المطلب الأول: تعريف الإجماع لغةً.
المطلب الثاني: تعريف الإجماع اصطلاحًا.
• المبحث الثاني: مكانة الإجماع بين مصادر التشريع الإِسلامي.
المبحث الثالث: أنواع الإجماعات، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أنواع الإجماع من حيث أهله.
المطلب الثاني: أنواع الإجماع من حيث النطق به وعدمه.
стр. 18
المطلب الثالث: أنواع الإجماع من حيث القطع والظن.
• المبحث الرابع: ألفاظ الإجماع.
• المبحث الخامس: الألفاظ ذات الصلة.
• المبحث السادس: مستند الإجماع.
• المبحث السابع: مسائل في الإجماع، وفيه مطالب:
المطلب الأول: في حكم الإجماع بعد الخلاف.
المطلب الثاني: في الإجماع على أقل ما قيل في المسألة.
المطلب الثالث: في حكم مخالفة الواحد والاثنين من العلماء في المسألة.
المطلب الرابع: في حكم مخالفة الظاهرية.
المطلب الخامس: في حكم مخالفة أهل البدع.
• المبحث الثامن: مناهج العلماء في حكاية الإجماع.
أبواب الدراسة في كتاب الطهارة
• وهي أحد عشر بابًا:
الباب الأول: مسائل الإجماع في باب المياه.
الباب الثاني: مسائل الإجماع في باب الآنية.
الباب الثالث: مسائل الإجماع في باب الاستنجاء.
الباب الرابع: مسائل الإجماع في باب السواك وسنن الوضوء.
الباب الخامس: مسائل الإجماع في باب فروض الوضوء وصفته.
الباب السادس: مسائل الإجماع في باب المسح على الخفين.
الباب السابع: مسائل الإجماع في باب نواقض الوضوء.
الباب الثامن: مسائل الإجماع في باب الغسل.
الباب التاسع: مسائل الإجماع في باب التيمم.
стр. 19
الباب العاشر: مسائل الإجماع في باب إزالة النجاسة.
الباب الحادي عشر: مسائل الإجماع في باب الحيض والنفاس.
• الخاتمة:
وأذكر فيها أهم النتائج والتوصيات.
• الفهارس:
وتشتمل على الآتي:
١ - فهرس الآيات حسب ترتيب السور.
٢ - فهرس الأحاديث والآثار هجائيًا.
٣ - فهرس الأعلام المترجم لهم هجائيًا.
٤ - فهرس المذاهب والفرق هجائيًّا.
٥ - فهرس غريب الألفاظ.
٦ - فهرس مسائل الإجماع.
٧ - فهرس المراجع.
٨ - فهرس الموضوعات.
• الصعوبات التي واجهتني في البحث:
واجهتني في هذه الرسالة العديد من الصعوبات، أثناء إعدادي للرسالة، ومنها:
١ - عدد الكتب المعتمدة من قبل اللجنة في الالتزام بالألفاظ الدالة على الإجماع كثير، وهي ثلاثون كتابًا، بعضها في مجلدات متعددة، مما جعل البحث فيها شاقًّا جدًّا، حتى إنني في بعض مراحل البحث أصبحت أحدث نفسي بأن إنجاز هذه الرسالة يحتاج إلى عدة سنوات طويلة، ولكن بحمد اللَّه تعالى تمَّ إتمام الرسالة، فله الشكر والمنة.
٢ - عدد المسائل التي بحثتها في هذه الرسالة كثير أيضًا، وهي أربع مائة وستون مسألة، وأرجو أن لا تكون كثرتها قد أثرت على مستوى الرسالة، فبطبيعة العمل
стр. 20
البشري النقص، فما بالك إذا كان العمل كبيرًا.
٣ - الإجماعات التي يحكيها بعض العلماء في مسائل فرعية دقيقة، يصعب على الباحث الحصول على كلامٍ لأهل العلم فيها (١)، فضلًا عن تحقق الإجماع فيها، مما يشكك في صحة الإجماع وعدمه، وقد مرت عليّ بعض المسائل التي لم أجد لها كلامًا لبعض المذاهب، مما جعلني أتوقف عن الحكم على المسألة.
٤ - عدم عثوري على مستند الإجماع في بعض المسائل، خاصة إذا لم يوجد نص، مما يضطرني أن أجتهد في الاستدلال من المعقول، أرجو أن أكون مصيبًا فيه.
٥ - بعض المسائل لا أجد فيها نصًّا واضحًا للفقهاء، أو لفقهاء مذهب معين، سواء كان بالموافقة أو المخالفة، مما يجعلني أجتهد في فهم معاني كلامهم، ومحاولة القياس عليه، وقد يأخذ مني هذا الوقت الطويل، ربما أيامًا.
ومع كل هذه الصعوبات التي استطعت بحمد اللَّه تعالى تجاوزها، لا أدعي الكمال في رسالتي، بل كل عمل بشري يعتريه القصور والنقص، وقد يحصل الوهم والخطأ، بذلت كل ما أستطيع في سبيل إكمال الرسالة على أحسن وجه؛ إلا أن اللَّه تعالى يأبى الكمال إلا له .
* * *
стр. 21
تمهيد وفيه مباحث
• المبحث الأول: تعريف الإجماع.
المطلب الأول: تعريف الإجماع لغة.
المطلب الثاني: تعريف الإجماع اصطلاحًا.
• المبحث الثاني: مكانة الإجماع بين مصادر التشريع الإِسلامي.
• المبحث الثالث: أنواع الإجماعات، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أنواع الإجماع من حيث أهله.
المطلب الثاني: أنواع الإجماع من حيث النطق به وعدمه.
المطلب الثالث: أنواع الإجماع من حيث القطع والظن.
• المبحث الرابع: ألفاظ الإجماع.
• المبحث الخامس: الألفاظ ذات الصلة.
• المبحث السادس: مستند الإجماع.
• المبحث السابع: مسائل في الإجماع، وفيه مطالب:
المطلب الأول: في حكم الإجماع بعد الخلاف.
المطلب الثاني: في الإجماع على أقل ما قيل في المسألة.
المطلب الثالث: في حكم مخالفة الواحد والاثنين من العلماء في المسألة.
المطلب الرابع: في حكم مخالفة الظاهرية.
المطلب الخامس: في حكم مخالفة أهل البدع.
• المبحث الثامن: مناهج العلماء في حكاية الإجماع.
стр. 22
المبحث الأول: تعريف الإجماع
المطلب الأول: تعريف الإجماع لغة
• الإجماع لغةً: مِن أجمع الأمر إذا عزم عليه، ويُقال أيضًا: أجمِع أمرك، ولا تدعه منتشرًا (١).
قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: الآية ٧١].
يقال: أجمعوا على الأمر اتفقوا عليه (٢).
قال ابن منظور: "جمع أمره، وأجمعه، وأجمع عليه؛ عزم عليه، كأنه جمع نفسه له، والأمر مجمع، ويقال أيضًا: أجمع أمرك ولا تدعه منتشرًا" (٣).
وقال الفيروز آبادي في "القاموس": "الإجماع: الاتفاق. . .، وجعل الأمر جميعًا بعد تفرقه" (٤).
وقال ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة": "جمع، الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضامّ الشيء، يقال: جمعت الشيء جمعًا" (٥)، فإذا تضامّت أقوال العلماء على رأي واحدٍ في المسألة، فقد أجمعوا عليه.
والأجماع يقال: في أقوام متفاوتة اجتمعوا، وأجمعت كذا، وأكثر ما يقال فيما يكون جمعًا يتوصل إليه بالفكر، ويقال: أجمع المسلمون على كذا: اجتمعت آراؤهم عليه" (٦).
• فيتحصل لنا أن كلمة (أجمع) تطلق على معنيين:
الأول: العزم على الشيء.
ولعل مناسبة هذا المعنى للمعنى الاصطلاحي؛ أن العلماء عندما اجتمعوا على قول
стр. 23
واحد في المسألة، كأنهم عزموا وصمموا على هذا القول في المسألة، مما جعلهم يقولون بقول واحد غير مختلفين فيه.
والثاني: الاتفاق والاجتماع.
وهذا المعنى هو الأقرب ليتناسب مع المعنى الاصطلاحي للإجماع، فإذا اتفق العلماء على القول برأيٍ في المسألة واجتمعوا عليه؛ فإنهم قد أجمعوا على القول بهذا الرأي.
المطلب الثاني: تعريف الإجماع اصطلاحًا
• وأما تعريف الإجماع اصطلاحًا: فقد اختلفت تعريفات العلماء في ذلك، أذكر بعضًا منها:
١ - عرفه القاضي أبو يعلى بأنه: "عبارة عمن تثبت الحجة بقوله" (١).
٢ - عرفه الآمدي بأنه: "اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد ﵊ في عصر من الأعصار على حكم واقعة من الوقائع" (٢).
٣ - عرفه ابن السبكي بأنه: "اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة النبي ﷺ في عصرٍ على أي أمرٍ كان" (٣).
• التعريف المختار: فهو اتفاق مجتهدي العصر من أمة محمد ﷺ بعد وفاته على أمرٍ من أمور الدين.
وهذا التعريف هو أسلم التعريفات الأصولية من الاعتراضات، وهو مأخوذ من تعريف الإمام ابن السبكي ﵀ في "جمع الجوامع" إلا أنه أضيف إليه تقييد الأمر المجمع عليه بالديني، وبهذا يكون سالمًا من الاعتراضات الواردة عليه (٤).
• شرح التعريف وبيان محترزاته: (اتفاق): هو أن تكون آراء العلماء متطابقة ومشتركة في الرأي والوجهة، سواء كان عن طريق الأقوال؛ أو الأفعال؛ أو السكوت مع كلام البعض الآخر.
стр. 24
وبهذا يكون التعريف شاملًا لنوعي الإجماع (الصريح أو اللفظي؛ والسكوتي) (١).
(مجتهدي): المجتهد هو: الفقيه الذي استكمل شروط الاجتهاد المعروفة في أبواب الاجتهاد في أصول الفقه (٢).
وبهذا يخرج من التعريف العوام وطلاب العلم الذين لم يستكملوا شروط الاجتهاد (٣).
(العصر): أي ذلك العصر الذي وقعت فيه تلك الحادثة، ولو خالف عالم بعد ذلك فلا عبرة بخلافه؛ لأنه خالف الإجماع.
ويلاحظ هُنا أن العصر مطلق؛ أيْ في أيِّ عصرٍ كان، بخلاف من قال باشتراط حدوث الإجماع في عصر الصحابة فقط، وهم الظاهرية ورواية عن الإمام أحمد ﵀، وسيأتي مزيد من البيان لهذه المسألة في المبحث الثالث إن شاء اللَّه تعالى (٤).
وكذلك يلاحظ عدم تقييد التعريف باشتراط انقراض العصر، الذي وقعت فيه تلك الحادثة، بموت جميع العلماء الذين أفتوا في تلك الحادثة برأي موحد، بخلاف من اشترطه (٥).
стр. 25
(من أمة محمد ﷺ ): قَيْدٌ يُخرج المجتهدين من أتباع الأمم الأخرى كاليهود والنصارى، فلا يُعتد بخلافهم أو إجماعهم، ولو وصلوا إلى رتبة الاجتهاد في الشريعة الإسلامية.
(بعد وفاته): قيد يُخرج الإجماع في عصر النبوة؛ لأنه لا يتصور وقوعه في حال حياة المصطفى ﵊، إذ بوجوده هو المصدر التشريعي الوحيد الناقل للوحي، فلو أقر الإجماع كان إقراره هو الحجة، ولو أنكر الإجماع كان إنكاره هو الحجة أيضًا، ولا اعتبار لهذا الإجماع الذي أنكره الرسول ﵊.
ولذلك يقول الجلال المحلي: "ووجهه؛ أنه إن وافقهم فالحجة في قوله، وإلا فلا اعتبار بقولهم دونه" (١).
(على أمر من أمور الدين): قيد يُخرج الإجماع في الأمور غير الشرعية؛ كاللغة والحساب والفلك وغير ذلك من أمور الدنيا.
فالإجماع الاصطلاحي الشرعي هو ما كان في أمور الدين فقط (٢).
* * *
стр. 26
المبحث الثاني: مكانة الإجماع بين مصادر التشريع الإِسلامي
• مكانة الإجماع: الإجماع هو الأصل الثالث من الأصول التي تستمد منها الشريعة الأحكام، ويذكره علماء الأصول بعد الحديث عن الأصلين الأولين (الكتاب والسنة)، فهو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإِسلامي.
بل عند تعارض الأدلة النصية من الكتاب والسنة مع الإجماع؛ فقال بعض العلماء بتقديم الإجماع عليهما (١)، وذلك لعدم تصور احتمال النسخ في إجماع العلماء واتفاقهم في تلك المسألة على رأي موحد، كما هو محتمل في النصوص (٢).
ولأن الإجماع مستند في الحقيقة إلى نصوص شرعية، سواء علمناها وتوصلنا إليها من خلال المصادر المتوفرة، أم لم نتمكن من الوصول إليها، كما هو الراجح في هذه المسألة (٣).
يقول ابن النجار الفتوحي الحنبلي ﵀: "ولأن الإجماع معصوم عن مخالفته دليلًا شرعيًّا لا معارض له، ولا مزيل عن دلالته، فيتعين إذا وجدناه خالف شيئًا أَنَّ ذلك إما غير صحيح إن أمكن ذلك، أو أنه مؤول، أو نسخ بناسخ؛ لأن إجماعهم حق، فالإجماع دليل على النسخ لا رافع للحكم. . . " (٤).
ويقول أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي ﵀: "فحكمه - أي الإجماع -: أن يُصار إليه ويُعمل به، ولا يجوز تركه بحال؛ إذ لا يتسلط على حكمه بعد ثبوته نسخ؛ لأنه لا طريق إلى النسخ بعد انقطاع الوحي، ولا نص يعارضه، ولا لنا إجماع يعارضه، بخلاف ما قلنا في النص الذي يعارضه نص آخر؛ لاجتماع نصين في زمنٍ واحد؛ لأن النصين يصدران عن عصرٍ يجتمع فيه النصان، وهو عصر النبوة، والإجماع لا يتحقق
стр. 27
في عصر النبوة، والنص لا يبقى لنا مجددًا في زمن الإجماع، فلذلك لم يتصور معارضته بنص ولا إجماع، وامتناع إجماعين في عصر واحد، ولأن الأمة معصومة في اتفاقها عن أن تُجمع على حكم ثبت فيه نص عن اللَّه سبحانه أو عن رسوله بخلاف اتفاقهم" (١).
فالإجماع ليس دليلًا منفردًا عن الأصلين الأولين، بل هو تابع لهما من حيث كونه لا يقع إلا وله مستند شرعي علمناه أم لم نعلمه.
فإذا وقع، دلّ ذلك على وجود الدليل الشرعي، وأن ذلك النص صحيح، غير مؤول ولا منسوخ، بخلاف النصوص الشرعية؛ فقد تكون محتملة التأويل، أو النسخ.
وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ القول الذي يقول بأن النظر أولا إلى الإجماع، ثم النصوص، وبين أن طريقة السلف هي النظر أولًا في كتاب اللَّه تعالى، ثم في سنة المصطفى ﵊، ثم في الإجماع (٢).
ثم نقل عن بعض المتأخرين قولهم: "يبدأ المجتهد بأن ينظر أولًا في الإجماع، فإن وجده؛ لم يلتفت إلى غيره، وإن وجد نصًّا خالفه؛ اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه، وقال بعضهم: الإجماع نسخه! والصواب طريقة السلف" (٣).
• حجية الإجماع: هذا، وقد دلّ على حجيّة الإجماع، وكونه دليلًا يستمد منه الأحكام عدة أدلة، نذكر بعضًا منها:
• أولًا: من الكتاب:
١ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى توعد بالعذاب لمن شاقّ اللَّه ورسوله، واتبع غير سبيل المؤمنين، أي: الطريق الذي اختاروه لأنفسهم.
وهذا يدل على وجوب متابعة سبيل المؤمنين وعدم مخالفتهم.
стр. 28
ولا يصح إطلاق القول؛ بأن ذلك القول أو الفعل هو سبيل المؤمنين؛ إلا باجتماع قولهم أو فعلهم على رأي موحد (١).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى وصف الأمة بأنها أمة وسط، والوسط: الخيار العدل، يدل لذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ [القلم: ٢٨]، أي: أعدلهم.
واللَّه تعالى عدّلهم بقبول شهادتهم أيضًا، وشهادة الشاهد حجة، فدل ذلك على حجيّة إجماع الأمة ووجوب الأخذ به (٢).
٣ - قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى قد أخبر عن خيرية هذه الأمة؛ بأنهم يأمرون بكل معروف، وينهون عن المنكر.
وهذا يقتضي كون قولهم حقًّا وصوابًا في جميع الأحوال، والخيرية توجب حقيقة ما اجتمعوا عليه؛ لأنه لو لم يكن حقًّا لكان ضلالًا، فإذا اجتمعوا على مشروعية شيء يكون ذلك الشيء معروفًا، وإذا اجتمعوا على عدم مشروعية شيء يكون ذلك الشيء منكرًا، فيكون إجماعهم حجة (٣).
٤ - قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
• وجه الدلالة: نهى اللَّه ﵎ في الآية عن التفرق، ولا شك أن مخالفة الإجماع تفرق، فيكون منهيًّا عنه، ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى النهي عن مخالفته، ووجوب اتباعه (٤).
٥ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي
стр. 29
شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، ولا يأمر اللَّه تعالى لأحدٍ بطاعته إلا أن يكون معصومًا عن الخطأ؛ لأنه لو لم يكن معصومًا فإن اللَّه تعالى قد أمر بطاعته فيما لو قُدِّر إقدامه على الخطأ، فدل ذلك على أن اللَّه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر -وهم أهل الحل والعقد من المجتهدين- عند إجماعهم وعدم تنازعهم (١).
• ثانيًا: من السنة:
١ - قوله ﵊: "لا تجتمع أمتي على ضلالة ويد اللَّه على الجماعة ومن شذ شذ في النار" (٢).
• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر أن أمته لا تجتمع على ضلالة أبدًا، وأن من شذ عن الجماعة فقد شذ في النار، فدل ذلك على أن هذه الأمة أمة معصومة إن أجمعت على أمرٍ، وهذا ما يدل على أن الإجماع من أمة محمد ﵊ حجة (٣).
٢ - قوله ﵊: "ومن فارق الجماعة شبرًا فقد خلع رِبْقَة الإسلام من عنقه" (٤).
стр. 30
• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ وصف المفارق -وهو المخالف- للجماعة، عندما اجتمعت الجماعة في أمرها وتوحدت، بأنه قد خلع رِبْقَة (١) الإسلام من عنقه، وهذا وعيد شديد لمرتكب هذا الفعل، وهو مخالفة الجماعة، فدل ذلك على وجوب اتباع الجماعة، وعدم مخالفتها ومفارقتها، وعلى اعتبار إجماعها وكونه حجة شرعية (٢).
المبحث الثالث: أنواع الإجماع
المطلب الأول: أنواع الإجماع من حيث أهله
القسم الأول: إجماع الأمة
وهو الإجماع المطلق، والمقصود منه هو أن علماء الأمة أجمعوا على رأي موحد في مسألة ما، دون التقيد بطبقة معينة؛ أو بلد معين؛ أو زمن معين.
وعلماء الأمة عبارة تشمل الصحابة والتابعين ومن أتى بعدهم من علماء وفقهاء الأمة رحمهم اللَّه تعالى (٣).
ومما ينبغي التنبيه عليه؛ أن علماء الأمة رحمهم اللَّه تعالى لم يختلفوا إجمالًا في إمكان وقوع الإجماع وتصور ذلك؛ سوى بعض الشيعة والمعتزلة، وخلافهم هنا غير معتبر (٤).
стр. 31
ولا يمتنع العلم بتحقق وقوع إجماع العلماء رحمهم اللَّه تعالى عقلًا ولا عادةً، خلافًا لما فُهم من كلام الإمام الشافعي، والإمام أحمد رحمهم اللَّه تعالى، وهناك شواهد فقهية دالة على مخالفتهما لما فُهم منهما، سيأتي بعضها في ثنايا البحث بالنسبة للإمام الشافعي.
ففي كلام الإمام الشافعي ﵀ ما تُوهم أنه ينفي إمكان وقوع الإجماع، وهو ليس كذلك، فالذي يدل عليه سياق كلامه في مناظرةٍ له، تحدث فيها عن نقل الإجماع، هو أنه يتشدد في النقل، وأن الإجماع الذي هو حجة شرعية لا يحصل إلا في المسائل التي يعرفها العامة من المسلمين، التي هي من الأصول المعلومة من الدين بالضرورة، وأما ما سوى ذلك مما يدور بين الخاصة من أهل العلم؛ فإنه ليس فيه إلا عدم العلم بالمخالف، وهو ليس إجماعًا عنده، واللَّه تعالى أعلم.
وسأنقل بعض كلامه لأهميته، فقد قال ﵀: "نعم، نحمد اللَّه كثيرًا في جملة الفرائض التي لا يسع جهلها، فذلك الإجماع هو الذي لو قلت: أجمع الناس؛ لم تجد حولك أحدًا يعرف شيئًا يقول لك: ليس هذا بإجماع، فهذه الطريق التي يصدق بها من ادعى الإجماع فيها، وفي أشياء من أصول العلم دون فروعه، ودون الأصول غيرها، فأما ما ادعيت من الإجماع، حيث قد أدركت التفرق في دهرك، وتحكي عن أهل كل قرن؛ فانظره أيجوز أن يكون هذا إجماعًا" (١).
أما الإمام أحمد فقد روى عنه أنه قال: "من ادعى الإجماع فهو كاذب" (٢)، ولذلك فُهم من هذه العبارة أنه ينكر إمكان وقوع الإجماع والعلم به، وقد أجاب عنها أهل العلم (٣).
يقول الإمام أحمد رادًّا على مدعٍ للإجماع في إحدى المسائل: "هذا كذب، ما علمه أن الناس مجمعون، ولكن يقول: لا أعلم فيه اختلافًا، فهو أحسن من قوله:
стр. 32
إجماع الناس" (١).
وعلّق عليه القاضي بقوله: "قال هذا على طريق الورع، نحو أن يكون هناك خلاف لم يبلغه، أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف" (٢).
وكلامه السابق فيه إشارة على أنه يقول بوقوع الإجماع؛ إلا أنه يتشدد فيه ورعًا، ويؤكد ذلك ورود استخدامه لعبارة الإجماع في مسائل فرعية (٣).
يقول ابن القيم عن أصول الفتوى لدى الإمام أحمد: "ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملًا، ولا رأيًا، ولا قياسًا، ولا قول صاحب، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعًا، ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذَّب أحمد من ادعى هذا الإجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضًا نص في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع، ولفظه: "ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعًا" (٤). وقال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ما يدريه، ولم ينته إليه؟ فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا. . . ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك (٥).
هذا لفظه، ونصوص رسول اللَّه ﷺ أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص؛ فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده" (٦).
* * *
стр. 33
القسم الثاني: إجماع الصحابة
لا شك أن أولى من يعتبر إجماعهم هم صحابة رسول اللَّه ﷺ ، الذين شهدوا الوحي وعاصروه، وهم أعلم الناس بالحلال والحرام وجميع أحكام الدين -رضوان اللَّه عليهم.
ولذلك يقول الزركشي: "إجماع الصحابة حجة بلا خلاف بين القائلين بحجية الإجماع، وهم أحق الناس بذلك" (١).
ويقول الإمام الشوكاني: "إجماع الصحابة حجة بلا خلاف" (٢).
وقد اختلف العلماء في إجماع من بعد الصحابة هل هو حجة؛ أو لا؟ على قولين:
• الأول: أن الإجماع إجماع الصحابة دون من بعدهم.
وروي هذا القول عن الإمام أحمد ﵀ في إحدى الروايتين عنه، وعليه سار بعض الحنابلة والظاهرية (٣).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الذي أنكره أحمد: دعوى إجماع المخالفين بعد الصحابة، أو بعدهم وبعد التابعين، أو بعد القرون الثلاثة المحمودة، ولا يكاد يوجد في كلامه احتجاج بإجماع بعد عصر التابعين أو بعد القرون الثلاثة، مع أن صغار التابعين أدركوا القرن الثالث، وكلامه في إجماع كل عصر إنما هو في التابعين" (٤).
• دليل هذا القول: أن الإجماع يشترط فيه اتفاق الكل، وتحقق العلم بذلك، وهذا لا يحصل إلا بالمشاهدة، ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان المجمعون محصورين، كما هو الحاصل في عصر الصحابة دون من بعدهم، حيث من المُحال حصر العلماء المجتهدين في العالم، ومعرفة رأي كل واحد منهم، فيبقى أن الإجماع هو إجماع
стр. 34
الصحابة دون من بعدهم (١).
• القول الثاني: أن الإجماع حجة في كل العصور.
وهذا قول الجمهور من علماء الأمة، وهو الأقرب إلى الصواب واللَّه أعلم، وعليه درج العلماء حتى علماء الحنابلة إجمالًا، وكل أدلة حجية الاحتجاج بالإجماع دالة عليه.
ويمكن أن يوجه قول الإمام أحمد ﵀ بأنه يقصد أن الإجماع مراتب؛ أعلاها إجماع الصحابة، ثم من يليهم (٢).
وحمله القاضي أبو يعلى على أنه يقصد إذا انفرد تابعيٌ أو تابعه؛ فإن الإنسان مخير في ذلك -أي في الأخذ بذلك القول أو رده (٣).
وقال الطوفي الحنبلي بأن الرواية الأخرى للإمام أحمد ﵀ وهي الموافقة للجمهور -هي المشهورة عنه، وهي التي رجحها الطوفي نفسه (٤).
وقال في "مختصره للروضة" الذي شرحه: "لا يختص الإجماع بالصحابة، بل إجماع كل عصرٍ حجة" (٥).
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي -بعد ذكره للرواية المذكورة والخلاف في المسألة: "ولنا -وهذه عبارة تدل على اختياره لهذا القول - ما ذكرناه من الأدلة على قبول الإجماع من غير تفريق بين عصر وعصر" (٦).
• دليل الجمهور: أن الأدلة الشرعية الواردة في حجية الإجماع لم تفرق بين إجماع الصحابة ومن بعدهم، وهذا التفريق يحتاج إلى دليل، والدليل غير موجود، فيبقى أن الإجماع حجة، وليس حجة في عصر دون عصر (٧).
стр. 35
وعلى هذا فالإجماع حجة في أي عصر كان، ولكن يمكن أن يقال بأن إجماع الصحابة أقوى درجة من إجماع من بعدهم بلا شك، فإجماعهم يدل على ثبات هذا القول وقوته أكثر مما لو اجتمع العلماء بعد عصرهم.
القسم الثالث: إجماع أهل المدينة (١)
والمقصود بهذا الإجماع: هو إجماع أهل المدينة في القرون المفضلة بعد عصر النبي ﷺ ، فيما إذا خالفهم آخرون في أمر من أمور الاجتهاد (٢).
واشتهر الإمام مالك ﵀ بالقول بهذا النوع من الإجماع، وأكْثَرَ من الاستدلال به في الفروع الفقهية (٣).
وأحصى العلامة ابن القيم ﵀ ما ورد عنه في الاستدلال بإجماع أهل المدينة بنيِّف وأربعين مسألة (٤).
وقد قسم ابن القيم ﵀ عمل أهل المدينة إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن لا يُعلم أن أهل المدينة خالفهم فيه غيرهم.
والثاني: ما خالف فيه أهل المدينة غيرهم.
والثالث: ما فيه الخلاف بين أهل المدينة أنفسهم (٥).
فأما الأول: فهو بلا شك حجة؛ لأنه إما أن يكون إجماعًا لفظيًّا أو سكوتيًّا عند من يقول به.
وأما الثاني: فهو محل النقاش والخلاف بين المالكية والجمهور.
وأما الثالث: فليس بشيء؛ إذ أن قول البعض ليس بحجة على الآخرين.
стр. 36
وهناك قسم قد يتوهم أن يكون نوعًا رابعًا لإجماع أهل المدينة، ولم يذكره ابن القيم ﵀، وهو ما لو كان عمل أهل المدينة موافقًا لما كان عليه العمل في زمن النبي ﷺ ، وعرفنا ذلك بطريق صحيح، فهو بهذا يرتفع ليصبح سنة تقريرية للمصطفى ﵊ (١).
فتبين أن الخلاف فيما إذا أجمع أهل المدينة على قولٍ خالفهم فيه آخرون.
والصحيح -واللَّه أعلم- هو قول الجمهور، فيما اختلفوا فيه مع ما نسب إلى المالكية؛ إذ لا دليل على ما ادّعوه، بل هو قول المحققين من علماء المالكية أيضًا.
• أدلة الجمهور: أولًا: قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: الآية ١١٥].
• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى توعد من اتبع غير سبيل المؤمنين، وأطلق المؤمنين، بمعنى كل المؤمنين، وأهل المدينة ليسوا كل المؤمنين، فلا يوجد إجماع إذًا (٢).
ثانيا: أن من شروط الإجماع التي تجعله حجة شرعية غير متوفرة في إجماع أهل المدينة، فالاتفاق بين علماء الأمة لم يحصل، لمخالفة علماء الأمصار (٣).
• دليل المالكية: أن أهل المدينة أقوى اجتهادًا من غيرهم؛ لمشاهدتهم أحوال النبي ﷺ ، ومعرفتهم بالوحي، وقربهم منه (٤).
• وجوابه: أن المدينة لو كانت جامعة للمجتهدين من الأمة لكان إجماعهم صحيحًا، وليست كذلك، وقول بعض الأمة ليس حجة على الآخرين (٥).
ومن علماء المالكية من قال: إنما أراد الإمام مالك بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم.
ومنهم من قال: أراد به أن يكون إجماعهم أولى، ولا تمتنع مخالفتهم.
ومنهم من قال: أراد بذلك أصحاب رسول اللَّه ﷺ (٦).
стр. 37
المطلب الثاني: أنواع الإجماع من حيث النطق به وعدمه
• أولًا: الإجماع الصريح أو اللفظي:
ويقصد به: اتفاق مجتهدي الأمة في عصر ما، على حكم شرعي عن طريق إبداء كل منهم رأيه صراحةً (١).
ويعرف ذلك من طريق الإبداء به قولًا، أو بالفعل، أو بأي طريقة تدل على الإقرار بذلك القول والرضا به.
وهو ما سماه بعض علماء الحنفية الأصوليين بالعزيمة (٢).
وهذا القسم من الإجماع هو الذي يعتبر في المرتبة الثالثة بعد الكتاب والسنة؛ إذ لم يخالف فيه إلا من لم يحتج بالإجماع، أما الإجماع السكوتي ففي العمل به خلاف مشهور سيأتي، فهو لا يرتقي إلى مرتبة الأول مطلقًا.
• ثانيًا: الإجماع السكوتي:
ويقصد به: أن يعمل بعض المجتهدين في عصرٍ عملًا، أو يبدي رأيًا صريحًا في مسألة اجتهادية، ويسكت الباقي من المجتهدين بعد علمهم بذلك الرأي (٣).
وهو ما يسميه بعض علماء الحنفية بالرخصة (٤).
ولكي يكون الإجماع سكوتيًّا فيجب أن تتحقق فيه عدة شروط؛ هي:
١ - أن يكون السكوت مجردًا من جميع علامات الرضا والسخط؛ لأنه إن وجد ما
стр. 38
يدل على الرضا كان من قبيل الإجماع الصريح لا الإجماع السكوتي، وإن وجد ما يدل على السخط لم يكن إجماعًا أصلًا.
٢ - أن تبلغ المسألة جميع المجتهدين؛ لأنها إذا لم تبلغ الجميع لم يتحقق إجماع؛ لأنه لا يمكن نسبة الحكم إلى من يجهله.
٣ - أن يمضي زمن يكفي للنظر والتأمل في تلك المسألة؛ لينقطع احتمال أنهم سكتوا لكونهم في مهلة النظر (١).
واختلف العلماء في هذه المسألة، على ثلاثة أقوال إجمالًا:
القول الأول: أنه حجة وليس إجماعًا.
القول الثاني: أنه إجماع وحجة.
القول الثالث: أنه ليس بإجماع (٢).
• أدلة القول الأول:
أولًا: أن سكوت الساكتين من المجتهدين دليل على موافقتهم على القول المعلن الذي اشتهر عند الناس، وإلا كان سكوتهم كتمًا للحق وما يعتقدون صحته، وهذا لا يجوز، ويجب أن ينزه علماء الأمة عن ذلك (٣).
ثانيًا: أن اشتراط التصريح بالقول من كل المجتهدين شرط صعب المنال، ومن النادر تحققه، ومن المعتاد للناس أن يفتي البعض ويسكت الباقون لعدم الحاجة، إلا أن يكونوا مخالفين لما أُفتي به، فدل ذلك على أن سكوتهم إقرار منهم (٤).
ثالثًا: أن سكوت المجتهد عن التصريح بمخالفته للرأي المعلن لا يعني بالضرورة موافقته على ذلك، ولكن عند النظر إلى عموم المجتهدين؛ فإنهم لن يسكتوا كلهم إلا وهم موافقون، ولكن لوجود احتمال مخالفة البعض دون أن يصرحوا برأيهم، لأي سببٍ كان؛ دل ذلك على أن رتبة هذا الإجماع أقل من سابقه، نظرًا لتعرضه لاحتمال
стр. 39
النقض بالمخالفة، فكان ذلك إجماعًا قطعيًّا، وهذا حجة ظنية، واللَّه تعالى أعلم.
• دليل القول الثاني: استدلوا بأدلة القول الأول، ولكنهم لم يراعوا تطرق الاحتمال إلى مخالفة البعض وسكوتهم لمراعاتهم آداب الخلاف أو أي سبب آخر، وهذا هو الجواب على استدلالهم (١).
• دليل القول الثالث: أن قول المجتهد لا يعرف إلا من تصريحه، أو دليل على رضاه وإقراره؛ لأنه قد يسكت لرضاه، وقد يسكت لعدم اجتهاده في المسألة؛ أو توقفه؛ أو لخوفه من الجهر بالمخالفة؛ أو لأي سبب كان، وما دام قد تطرق الاحتمال بالدليل فقد سقط (٢).
• وجوابه: أن سكوت المجتهد بعد مدة يتمكن من خلالها النظر في المسألة، يدل على موافقته، وإلا لكان ذلك طعنًا في ديانته وعلمه؛ لأنه واجب عليه بيان الحق الذي يراه في المسألة، أما إذا كان يخاف من الجهر بالقول، فإنه إذا كان الخوف معتبرًا شرعًا، فإنه لا يتحقق الإجماع السكوتي؛ نظرًا لوجود أمر يضعف الظن بالموافقة، ومع كل ذلك فمثل هذه الاحتمالات هي التي تنزل مرتبة هذا الإجماع إلى الحجة الظنية دون القطعية (٣).
والظاهر -واللَّه أعلم- أن الإجماع السكوتي حجة يؤخذ به كدليل من الأدلة، ولكن ليس إجماعًا قطعيًا رافعًا للخلاف، وذلك لما ذُكر من الأدلة.
المطلب الثالث: أنواع الإجماع من حيث القطع والظن
• القسم الأول: الإجماع القطعي:
يذكر العلماء لهذا القسم عددًا من الشروط، وهي كالتالي:
١ - أن تتوفر فيه جميع شروط الإجماع؛ المتفق عليها، والمختلف فيها أيضًا (٤)، وذلك لأنه إذا اختل شرط من الشروط، حتى لو كان مختلفًا فيه؛ فإن هناك من يقول بعدم تحقق الإجماع، فلم يكن قطعيًّا بهذا.
стр. 40
٢ - أن يكون نقله عن المجتهدين متواترًا (١)؛ لأن نقله بطريق الآحاد يفيد الظن لا القطع.
٣ - أن يكون الإجماع مصرحًا به من قبل المجتهدين، لا أن يكون سكوتيًّا (٢).
٤ - أن يكون منقولًا على أصلٍ من أصول الفرائض، التي هي من المعلوم من الدين بالضرورة، التي يعرفها الخاصة والعامة من المسلمين (٣).
٥ - أن يكون مستند الإجماع دليلًا قطعيًّا، ويجتمعون على كونه قطعيًّا؛ لأن هناك من خالف في كون الإجماع على مستند ظني حجة (٤).
هذه الشروط الخمسة متى تحققت؛ أضحى الإجماع قطعيًّا، لا تجوز مخالفته مطلقًا، ومتى تخلف أحد الشروط؛ فإن هناك من يقول بأنه إجماع ظني (٥).
وهذا النوع من الإجماع قليل، ويكون في المسائل المشهورة كوجوب الصلاة والطهارة مثلًا.
• القسم الثاني: الإجماع الظني:
وهو ما اختل فيه أحد الشروط السابقة في القسم الأول؛ لوجود من يخالف في حصول الإجماع، أو قطعيته في هذه الحالة.
ومن صور هذا الإجماع: الإجماع السكوتي (٦)، والإجماع بعد الخلاف (٧)، والإجماع دون انقراض العصر (٨)، والإجماع الذي مستنده ظنيًّا (٩)، وغير ذلك من المسائل المختلف فيها في باب الإجماع.
وهذا النوع من الإجماع هو الغالب في الإجماعات التي في هذا الكتاب، فهي في الحقيقة ليست حجة قطعية على مخالفها إنما هي الظن، واللَّه أعلم.