← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهناك قسم قد يتوهم أن يكون نوعًا رابعًا لإجماع أهل المدينة، ولم يذكره ابن القيم ﵀، وهو ما لو كان عمل أهل المدينة موافقًا لما كان عليه العمل في زمن النبي ﷺ ، وعرفنا ذلك بطريق صحيح، فهو بهذا يرتفع ليصبح سنة تقريرية للمصطفى ﵊ (١). فتبين أن الخلاف فيما إذا أجمع أهل المدينة على قولٍ خالفهم فيه آخرون. والصحيح -واللَّه أعلم- هو قول الجمهور، فيما اختلفوا فيه مع ما نسب إلى المالكية؛ إذ لا دليل على ما ادّعوه، بل هو قول المحققين من علماء المالكية أيضًا. • أدلة الجمهور: أولًا: قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: الآية ١١٥]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى توعد من اتبع غير سبيل المؤمنين، وأطلق المؤمنين، بمعنى كل المؤمنين، وأهل المدينة ليسوا كل المؤمنين، فلا يوجد إجماع إذًا (٢). ثانيا: أن من شروط الإجماع التي تجعله حجة شرعية غير متوفرة في إجماع أهل المدينة، فالاتفاق بين علماء الأمة لم يحصل، لمخالفة علماء الأمصار (٣). • دليل المالكية: أن أهل المدينة أقوى اجتهادًا من غيرهم؛ لمشاهدتهم أحوال النبي ﷺ ، ومعرفتهم بالوحي، وقربهم منه (٤). • وجوابه: أن المدينة لو كانت جامعة للمجتهدين من الأمة لكان إجماعهم صحيحًا، وليست كذلك، وقول بعض الأمة ليس حجة على الآخرين (٥). ومن علماء المالكية من قال: إنما أراد الإمام مالك بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم. ومنهم من قال: أراد به أن يكون إجماعهم أولى، ولا تمتنع مخالفتهم. ومنهم من قال: أراد بذلك أصحاب رسول اللَّه ﷺ (٦).

стр. 37

المطلب الثاني: أنواع الإجماع من حيث النطق به وعدمه • أولًا: الإجماع الصريح أو اللفظي: ويقصد به: اتفاق مجتهدي الأمة في عصر ما، على حكم شرعي عن طريق إبداء كل منهم رأيه صراحةً (١). ويعرف ذلك من طريق الإبداء به قولًا، أو بالفعل، أو بأي طريقة تدل على الإقرار بذلك القول والرضا به. وهو ما سماه بعض علماء الحنفية الأصوليين بالعزيمة (٢). وهذا القسم من الإجماع هو الذي يعتبر في المرتبة الثالثة بعد الكتاب والسنة؛ إذ لم يخالف فيه إلا من لم يحتج بالإجماع، أما الإجماع السكوتي ففي العمل به خلاف مشهور سيأتي، فهو لا يرتقي إلى مرتبة الأول مطلقًا. • ثانيًا: الإجماع السكوتي: ويقصد به: أن يعمل بعض المجتهدين في عصرٍ عملًا، أو يبدي رأيًا صريحًا في مسألة اجتهادية، ويسكت الباقي من المجتهدين بعد علمهم بذلك الرأي (٣). وهو ما يسميه بعض علماء الحنفية بالرخصة (٤). ولكي يكون الإجماع سكوتيًّا فيجب أن تتحقق فيه عدة شروط؛ هي: ١ - أن يكون السكوت مجردًا من جميع علامات الرضا والسخط؛ لأنه إن وجد ما

стр. 38

يدل على الرضا كان من قبيل الإجماع الصريح لا الإجماع السكوتي، وإن وجد ما يدل على السخط لم يكن إجماعًا أصلًا. ٢ - أن تبلغ المسألة جميع المجتهدين؛ لأنها إذا لم تبلغ الجميع لم يتحقق إجماع؛ لأنه لا يمكن نسبة الحكم إلى من يجهله. ٣ - أن يمضي زمن يكفي للنظر والتأمل في تلك المسألة؛ لينقطع احتمال أنهم سكتوا لكونهم في مهلة النظر (١). واختلف العلماء في هذه المسألة، على ثلاثة أقوال إجمالًا: القول الأول: أنه حجة وليس إجماعًا. القول الثاني: أنه إجماع وحجة. القول الثالث: أنه ليس بإجماع (٢). • أدلة القول الأول: أولًا: أن سكوت الساكتين من المجتهدين دليل على موافقتهم على القول المعلن الذي اشتهر عند الناس، وإلا كان سكوتهم كتمًا للحق وما يعتقدون صحته، وهذا لا يجوز، ويجب أن ينزه علماء الأمة عن ذلك (٣). ثانيًا: أن اشتراط التصريح بالقول من كل المجتهدين شرط صعب المنال، ومن النادر تحققه، ومن المعتاد للناس أن يفتي البعض ويسكت الباقون لعدم الحاجة، إلا أن يكونوا مخالفين لما أُفتي به، فدل ذلك على أن سكوتهم إقرار منهم (٤). ثالثًا: أن سكوت المجتهد عن التصريح بمخالفته للرأي المعلن لا يعني بالضرورة موافقته على ذلك، ولكن عند النظر إلى عموم المجتهدين؛ فإنهم لن يسكتوا كلهم إلا وهم موافقون، ولكن لوجود احتمال مخالفة البعض دون أن يصرحوا برأيهم، لأي سببٍ كان؛ دل ذلك على أن رتبة هذا الإجماع أقل من سابقه، نظرًا لتعرضه لاحتمال

стр. 39

النقض بالمخالفة، فكان ذلك إجماعًا قطعيًّا، وهذا حجة ظنية، واللَّه تعالى أعلم. • دليل القول الثاني: استدلوا بأدلة القول الأول، ولكنهم لم يراعوا تطرق الاحتمال إلى مخالفة البعض وسكوتهم لمراعاتهم آداب الخلاف أو أي سبب آخر، وهذا هو الجواب على استدلالهم (١). • دليل القول الثالث: أن قول المجتهد لا يعرف إلا من تصريحه، أو دليل على رضاه وإقراره؛ لأنه قد يسكت لرضاه، وقد يسكت لعدم اجتهاده في المسألة؛ أو توقفه؛ أو لخوفه من الجهر بالمخالفة؛ أو لأي سبب كان، وما دام قد تطرق الاحتمال بالدليل فقد سقط (٢). • وجوابه: أن سكوت المجتهد بعد مدة يتمكن من خلالها النظر في المسألة، يدل على موافقته، وإلا لكان ذلك طعنًا في ديانته وعلمه؛ لأنه واجب عليه بيان الحق الذي يراه في المسألة، أما إذا كان يخاف من الجهر بالقول، فإنه إذا كان الخوف معتبرًا شرعًا، فإنه لا يتحقق الإجماع السكوتي؛ نظرًا لوجود أمر يضعف الظن بالموافقة، ومع كل ذلك فمثل هذه الاحتمالات هي التي تنزل مرتبة هذا الإجماع إلى الحجة الظنية دون القطعية (٣). والظاهر -واللَّه أعلم- أن الإجماع السكوتي حجة يؤخذ به كدليل من الأدلة، ولكن ليس إجماعًا قطعيًا رافعًا للخلاف، وذلك لما ذُكر من الأدلة. المطلب الثالث: أنواع الإجماع من حيث القطع والظن • القسم الأول: الإجماع القطعي: يذكر العلماء لهذا القسم عددًا من الشروط، وهي كالتالي: ١ - أن تتوفر فيه جميع شروط الإجماع؛ المتفق عليها، والمختلف فيها أيضًا (٤)، وذلك لأنه إذا اختل شرط من الشروط، حتى لو كان مختلفًا فيه؛ فإن هناك من يقول بعدم تحقق الإجماع، فلم يكن قطعيًّا بهذا.

стр. 40

٢ - أن يكون نقله عن المجتهدين متواترًا (١)؛ لأن نقله بطريق الآحاد يفيد الظن لا القطع. ٣ - أن يكون الإجماع مصرحًا به من قبل المجتهدين، لا أن يكون سكوتيًّا (٢). ٤ - أن يكون منقولًا على أصلٍ من أصول الفرائض، التي هي من المعلوم من الدين بالضرورة، التي يعرفها الخاصة والعامة من المسلمين (٣). ٥ - أن يكون مستند الإجماع دليلًا قطعيًّا، ويجتمعون على كونه قطعيًّا؛ لأن هناك من خالف في كون الإجماع على مستند ظني حجة (٤). هذه الشروط الخمسة متى تحققت؛ أضحى الإجماع قطعيًّا، لا تجوز مخالفته مطلقًا، ومتى تخلف أحد الشروط؛ فإن هناك من يقول بأنه إجماع ظني (٥). وهذا النوع من الإجماع قليل، ويكون في المسائل المشهورة كوجوب الصلاة والطهارة مثلًا. • القسم الثاني: الإجماع الظني: وهو ما اختل فيه أحد الشروط السابقة في القسم الأول؛ لوجود من يخالف في حصول الإجماع، أو قطعيته في هذه الحالة. ومن صور هذا الإجماع: الإجماع السكوتي (٦)، والإجماع بعد الخلاف (٧)، والإجماع دون انقراض العصر (٨)، والإجماع الذي مستنده ظنيًّا (٩)، وغير ذلك من المسائل المختلف فيها في باب الإجماع. وهذا النوع من الإجماع هو الغالب في الإجماعات التي في هذا الكتاب، فهي في الحقيقة ليست حجة قطعية على مخالفها إنما هي الظن، واللَّه أعلم.

стр. 41

المبحث الرابع: ألفاظ الإجماع تتعدد ألفاظ الإجماع بتعدد إطلاقات العلماء الذين ينقلون ويحكون الإجماع، وباختلاف تلك الإطلاقات عن بعضها البعض. وبعد التأمل والنظر نجد أنها تأتي على مراتب متفاوتة في القوة والضعف، ويمكن أن نجملها في التقسيم الآتي -وهي مُرتّبة من حيث القوة-: • أولًا: ألفاظ الإجماع الصريحة: وهذا القسم من مراتب ألفاظ الإجماع أعلى ألفاظ الإجماع وأقواها، وله عدة عبارات وإطلاقات يستخدمها العلماء رحمهم اللَّه تعالى، وهي لفظ الإجماع ومشتقاته، كقولهم: (أجمع العلماء؛ أجمعوا؛ إجماع؛ الإجماع؛ إجماعهم؛ مجمعون؛ مجمع عليه؛ إجماع المسلمين؛ إجماع أهل العلم؛ إجماع العلماء؛ إجماع الفقهاء؛ إجماع الأمة؛ إجماع أهل الملة؛ إجماع أهل القبلة؛ إجماع السلف). وهذه الإطلاقات بعضها أقوى من بعض، وإن كانت تدل على حكاية الإجماع كلها. فمثلًا: عبارة (أجمع المسلمون) أقوى من عبارة (أجمع السلف)؛ إذ إن الأولى يدخل فيها حتى المبتدعة الذين ابتدعوا في الدين، وخرجوا عن أهل السنة، ولكن بدعتهم التي ابتدعوها لم تصل إلى حد الكفر، وقد تصل إلى حد الفسق (١). وهنا مسألة يجب التنبيه عليها، وهي: أن عبارة (هذا لا يصح بالإجماع) لا تعتبر دالة على الإجماع؛ وذلك لأن العبارة تدل على معنيين؛ فقد تكون دالة على وقوع الإجماع على نفي الصحة، وقد تكون دالة على نفي وقوع الإجماع على الصحة. فلو قال عالم: "الوضوء بالنبيذ لا يصح بالإجماع"، فإن المعنى يحتمل أن يكون الإجماع على عدم صحة الوضوء بالنبيذ، وقد يكون يريد أن الإجماع لم يقع على صحة الوضوء بالنبيذ.

стр. 42

وكلا الأمرين محتمل، ولا ينزل المعنى على أحدهما إلا بوجود قرينة تدل على ذلك (١). وقد يكون المقصود بالإجماع إجماع الأئمة الأربعة فقط، دون النظر إلى مذهب الظاهرية أو العلماء الآخرين. وهذا منهج عددٍ من العلماء، منهم على سبيل المثال: الوزير ابن هبيرة، وابن رشد في "البداية"، وغيرهما. • ثانيًا: ألفاظ الإجماع المقيَّدة: وهذا إذا كان الإجماع منسوبًا إلى عصر من العصور، كأن يقال: (أجمع الصحابة)؛ أو (أجمع التابعون)؛ أو (بإجماع أهل القرون المفضلة)، فإن هذا الإجماع صحيح، من حيث إن الإجماع معتبر، سواء كان في زمن الصحابة؛ أو من بعدهم أو في العصور المتأخرة، على التفصيل في ذلك؛ كما بيناه فيما سبق (٢). ولكن إن قيد الإجماع بالعصر الذي يعيش فيه ذلك العالم، كأن يقول: (بإجماع العلماء في عصرنا) فإن هذا قد يفيد بوجود الخلاف في السابق، مما يفقده صحة الإجماع عند من يشترط انقراض العصر لصحة الإجماع (٣). • ثالثًا: الألفاظ المفيدة للإجماع: كثيرًا ما يعبر العلماء عن الإجماع بلفظ الاتفاق أو نفي الخلاف بين العلماء في المسألة. ولكن يعتبر هذان اللفظان أقل درجة من الألفاظ التي تنص على الإجماع صراحة، حيث قد يكون المراد منها معاني أخرى غير إجماع العلماء الاصطلاحي، كما سنبين ذلك -بإذن اللَّه تعالى.

стр. 43

١ - الاتفاق: الاتفاق مرادف للإجماع، ولذا يعرّف الإجماع بالاتفاق (١)، وهو من معانيه في اللغة أيضًا، يقال: أجمعوا على الأمر اتفقوا عليه (٢). • وقد يطلق هذا اللفظ بعدة إطلاقات، منها: (اتفق العلماء؛ اتفقت الأمة؛ اتفق المسلمون؛ اتفق أهل الملة؛ باتفاق العلماء؛ بالاتفاق؛ باتفاقهم؛ متفق عليه؛ . .). وهذه العبارات تتفاوت فيما بينها، فعبارة (اتفق العلماء)، أو (اتفق المسلمون) أو نحوها؛ أقوى مما لو كانت مطلقة، مثل: (متفق عليه)؛ أو (بالاتفاق)؛ أو (باتفاقهم). فالعبارات الأولى أكثر صراحة في الدلالة على الإجماع من الأخيرة، حيث قد تكون (الأخيرة) يقصد بها الاتفاق المذهبي أو قول الجمهور من العلماء. وإن كان التعبير بالاتفاق عمومًا أقل درجة من التعبير بلفظ الإجماع. ولذلك يقول الإمام ابن حزم ﵀: "وليعلم القارئ لكلامنا أن بين قولنا: لم يجمعوا، وبين قولنا: لم يتفقوا فرقًا عظيمًا" (٣)، عبر بهذا في آخر كلامه في كتابه "مراتب الإجماع". فقد يختار بعض العلماء لفظ الاتفاق دون الإجماع؛ وذلك لأنه لم يطمئن كثيرًا على عدم وجود مخالف. ٢ - نفي الخلاف في المسألة: تستخدم عبارة نفي الخلاف عند الإطلاق للدلالة على الإجماع. وقد يحصل هذا بعدة عبارات منها: (لا خلاف في هذا بين المسلمين)؛ (بلا خلاف بين الأمة)؛ (بلا خلاف بين السلف)؛ (بلا خلاف بين الصحابة)؛ (بلا خلاف بين العلماء)؛ (بلا نزاع بين العلماء)؛ (بلا نزاع بين الفقهاء)؛ (بلا خلاف)؛ أو مثل

стр. 44

العبارات السابقة، ولكن النفي يكون مقيدًا بنفي العلم بالخلاف فقط، مثل: (بلا خلاف نعلمه)؛ (لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء)، وهكذا. وهذه أضعف من النوعين السابقين من عبارات نقل الإجماع، وهي أيضًا متفاوتة في القوة، فالجزم بنفي الخلاف أقوى بلا شك في نفي العلم بالخلاف؛ إذ إن نفي العلم قد يعني أنه غير متأكد من عدم وجود المخالف، وقد يكون متشككًا من ذلك. ثم إن تقييد نفي الخلاف بأنه بين العلماء أو الفقهاء أو الصحابة أو نحو ذلك أقوى وأصرح مما لو لم يقيده؛ إذ قد يفهم منه نفي الخلاف بين علماء مذهبه الفقهي الخاص. هذا وقد حصل خلاف بين أهل العلم في عبارة نفي الخلاف؛ هل تعتبر إجماعًا أو لا؟ فقيل: إن نفي الخلاف يعد إجماعًا. وهو ما يظهر من كلام ابن عبد البر، حيث استخدم عبارة نفي الخلاف، ثم استخدم لفظ الإجماع في نفس المسألة وفي نفس السياق، حيث قال: "ولم يختلف العلماء فيما عدا المني من كل ما يخرج من الذكر؛ أنه نجس، وفي إجماعهم على ذلك ما يدل على نجاسة المني المختلف فيه" (١). • وقيل: إن نفي الخلاف لا يعد إجماعًا. • وقيل بالتفصيل في ذلك؛ فإن كان العالم ممن يعرف الخلاف والإجماع ويحفظه؛ فإنه يُقبل منه، وإن لم يكن هذا العالم كذلك؛ فلا يقبل منه (٢). يقول الإمام أحمد رادًّا على مدعٍ للإجماع في إحدى المسائل: "هذا كذب، ما عِلْمه أن الناس مجمعون، ولكن يقول: لا أعلم فيه اختلافًا، فهو أحسن من قوله: إجماع الناس" (٣). وعلّق عليه القاضي بقوله: "قال هذا على طريق الورع، نحو أن يكون هناك خلاف لم يبلغه، أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف" (٤). وقد التزم بهذا الورع عدد من العلماء، منهم ابن قدامة ﵀، فهو قليلًا ما يعبر

стр. 45

بالإجماع، بل يعبر بعدم علمه بالخلاف. ويقول الإمام ابن القيم عن أصول فتوى الإمام أحمد، معلقًا على مسألتنا: "ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملًا، ولا رأيًا، ولا قياسًا، ولا قول صاحب، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعًا، ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذَّب أحمد من ادعى هذا الإجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضًا نص في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع، ولفظه: "ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعًا" (١). وقال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ما يدريه، ولم ينته إليه؟ فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا، . .، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك (٢)، هذا لفظه، ونصوص رسول اللَّه ﷺ أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص؛ فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده" (٣). وقد عبّر النووي بعدم الاعتداد بنفي العلم بالخلاف، فقال: "لا أعرف فيه خلافًا ولا يلزم من عدم معرفته عدم الخلاف" (٤)، قال هذا رادًّا على قول الشيرازي بنفي العلم بالخلاف في مسألة أقل الطهر في الحيض (٥). ولكن جرت عادة العلماء على الاعتداد بمثل هذه العبارة ونقلها، وإن لم تكن في قوة العبارة الصريحة بالإجماع (٦). خاصة إذا تحققنا من عدم نقل الخلاف عن أحد من العلماء في المسألة، كما هو العمل في هذه الرسالة.

стр. 46

المبحث الخامس: الألفاظ ذات الصلة كثيرًا ما تستخدم ألفاظ الإجماع لأغراض أخرى، ليس المقصود منها حكاية الإجماع، وهي تأتي بصيغ متعددة. من هذه الصيغ: ١ - قد يُستخدم لفظ الإجماع منسوبًا ومقيدًا بأهل بلد ما، كأن يقال: (أجمع أهل المدينة)؛ أو (أهل الحجاز)؛ أو (علماء نيسابور)؛ أو غير ذلك من البلدان؛ فإن ذلك لا يكون معتبرًا، باستثناء الخلاف في إجماع أهل المدينة، وقد سبق تفصيل في ذلك (١)؛ إذ أن أهل بلدٍ ما ليسوا بحجة على أهل بلد آخرين، وليس هذا من الإجماع في شيء. وقد يستخدم مقيدًا بالجمهور أو الأكثر، فيقال: (أجمع الجمهور)؛ أو (اتفق الجمهور)؛ أو (لا خلاف بين جمهور العلماء)؛ أو (أجمعوا إلا أبا حنيفة أو أحمد)، كل هذه العبارات وإن كانت تستخدم ألفاظًا للإجماع أحيانًا؛ إلا أنها لا تدل عليه، بل إلى قول الأكثر والأغلب، وهو قول الجمهور، وليس إجماعًا؛ لأنه يفهم من هذه العبارات أن هناك من العلماء من خالف الجمهور في هذه المسألة. ٢ - هناك الكثير من العلماء من يعبر بلفظ الاتفاق، ويقصد به الاتفاق داخل المذهب الفقهي، الذي ينتسب إليه ذلك العالم. يقول العيني: "الماء المستعمل ثلاثة أنواع: نوع طاهر بالإجماع، . .، ونوع نجس بالاتفاق" (٢)، فوصف الأول بأنه مجمع عليه، والثاني بأنه متفق عليه، فدل على تمييزه بينهما، والذي يظهر من خلال كتابه أنه يريد بالأول الإجماع الاصطلاحي، والثاني الاتفاق المذهبي. ويقول الحطّاب المالكي: "والمراد بالاتفاق اتفاق أهل المذهب، وبالإجماع إجماع العلماء" (٣).

стр. 47

وكذلك مصطلح نفي الخلاف من باب أولى، فقد جرت عادة بعض العلماء على استخدامه على نفي الخلاف داخل المذهب، الذي ينتمي إليه ذلك العالم (١). ٣ - هناك عبارة (وفاقًا)، وهي في الغالب تدل على الوفاق داخل المذهب، بل لم أجد من صرح بها وهو يريد الاتفاق بمعنى الإجماع، واللَّه تعالى أعلم. وأحيانًا تدل على وفاق بقية المذاهب الفقهية الأربعة غير مذهب المؤلف؛ غير أنها لا تدل على الإجماع، كما هو منهج عدد من الكتب المذهبية (٢). ٤ - هناك عبارات تدل أحيانًا على الإجماع، إلا أنها ضعيفة فيه، وغالبًا ما يقصد بها مذهب الجماهير، ومنها: (عامة أهل العلم)؛ (أهل العلم كافة)؛ (سائر العلماء)؛ (الفقهاء على كذا)؛ (جماعة أهل العلم)؛ (جميع العلماء)؛ (جميعهم)؛ (اجتمع العلماء)؛ (مجتمع عليه)؛ (اجتمعوا) (٣)، وسأذكرها في ثنايا هذا المشروع من باب الاعتضاد فقط، وليس من باب الاستقلال. ٥ - الألفاظ التي تدل على تصريح بعض المجتهدين بالإجماع وسكوت الباقين، وهذا القسم هو ما يسمى بالإجماع السكوتي، أو ما يسمى بالرخصة عند بعض علماء الحنفية، وقد سبقت الإشارة إليه فيما مضى، وشروط اعتباره، والخلاف فيه (٤). ولهذا القسم عبارات، منها: (وهذا قول فلان من العلماء أو الصحابة ولم يعرف له مخالف)؛ أو (وهذا قول فلان، وقد اشتهر عنه هذا القول ولم ينكره أحد)، ونحو هذه العبارات. وهذه الحكاية للإجماع تعتبر حجة شرعية على الأرجح -كما سبق بيانه- يجب الأخذ بها، خاصة إذا تحققنا من عدم وجود قول مخالف، بالبحث في كتب المذاهب الفقهية المختلفة.

стр. 48

المبحث السادس: مستند الإجماع • المستند: هو الدليل الذي ارتكز عليه المجتهدون، الذين أجمعوا على رأيٍ واحد، في مسألة من المسائل. • ومستند الإجماع إما أن يكون نصًّا شرعيًّا، وإما أن يكون غير ذلك. فإن كان نصًّا من الكتاب أو السنة، أكسبه الإجماع رفع كل الاحتمالات التي قد تضعف دلالة النص على المسألة؛ إذ أن الإجماع ينفي كل الاحتمالات الأخرى، فلا يحتمل النسخ ولا التأويل. وإن كان ليس نصًّا، وكان ذلك من القياس (١)، اكتسب من الإجماع عدم المنازعة في صحته وسلامته من القادح (٢). هذا وقد اختلف الأصوليون في مستند الإجماع؛ هل هو شرط للإجماع أم لا؟ • القول الأول: أنه يشترط للإجماع أن يكون له مستند. وهذا قول جماهير العلماء، وهو الراجح. • القول الثاني: أنه لا يشترط للإجماع أن يكون له مستند، فيجوز انعقاد الإجماع من غير مستند، وذلك بأن يوفقهم اللَّه تعالى لاختيار الصواب، من غير أن يكون لهم مستند، أو دليل يستندون إليه. وهذا قول ضعيف، قال به بعض أهل العلم. • دليل القول الراجح: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. • وجه الدلالة: أن رسول اللَّه ﷺ لا يقول قولًا ولا يحكم حكمًا إلا بالوحي، فكذلك علماء الأمة يجب أن لا يجمعوا على حكم إلا من خلال دليل قد استندوا عليه (٣).

стр. 49

٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. • وجه الدلالة: أن الإجماع دون مستند شرعي قول على اللَّه تعالى بغير علم، وعلماء الأمة منزهون عن ذلك (١). • دليل القول الثاني: استدلوا بالوقوع، كإجماع العلماء على جواز أجرة الحجام، فقالوا: إن الواقع يثبت عددًا من الإجماعات التي لا يعرف لها دليل (٢). • وجوابه: أن عدم معرفة الدليل لا يعني عدمه، وقد لا يعرفه عالم أتى بعد الإجماع، وقد يعرفه آخر. وهناك مسألة أخرى، وهي: هل يشترط أن يكون الإجماع مستندًا على دليل قطعي، أو أنه يجوز أن يكون ظنيًّا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة (٣) على قولين: القول الأول: أن الدليل الظني يجوز أن يكون مستندًا للإجماع، وهو مذهب الجمهور، وهو الراجح. القول الثاني: أن الإجماع يجب أن يستند إلى دليل قطعي، ولا يجوز أن يستند إلى دليل ظني، وهو قول بعض أهل العلم. • دليل القول الراجح: ١ - أن الدليل الظني يوجب العمل، وإن كان لا يوجب القطع واليقين؛ إلا أن غلبة الظن توجب العمل (٤). ٢ - أن أدلة حجية الإجماع تدل على الاحتجاج بالإجماع عمومًا، ولم تفرق بين إجماع مستند لدليل قطعي وإجماع مستند لظني، فما دام وقع إجماع فإنه يكون حجة،

стр. 50

وإن كان عن دليل ظني (١). • دليل القول الثاني: أن الإجماع حجة شرعية توجب العلم القطعي، ولا يجوز أن يثبته إلا دليل قطعي (٢). • وجوابه: أنا لا نسلم أن الإجماع يوجب العلم القطعي دائمًا (٣)، بل هناك إجماعات ظنية (٤). المبحث السابع: مسائل في الإجماع المطلب الأول: في حكم الإجماع بعد الخلاف إذا اختلف العلماء في عصر من العصور في مسألةٍ ما، ثم اتفقوا بعد ذلك على قولٍ واحد، فهل يكون اتفاقهم هذا إجماعًا يمنع الخلاف؛ أو لا؟ • اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين (٥): القول الأول: أن اتفاقهم بعد الخلاف يكون إجماعًا يمنع الخلاف في المسألة، ولا تجوز مخالفته، وهو الراجح. القول الثاني: أن اتفاقهم بعد الخلاف لا يكون إجماعًا، وتجوز مخالفته. • دليل القول الراجح: أن الأدلة الموجبة لحجية الإجماع عامة في كل إجماع، سواء كان هذا الإجماع ابتداءً أو بعد الخلاف (٦). • دليل القول الثاني: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 51

• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أوجب الرد إليه وإلى رسوله ﵊ عند التنازع، والنزاع قد حصل، فلم يجز الانتقال عن موجب أمر الآية (١). • جوابه: أن الآية في المسألة الخلافية، أما وقد وقع الإجماع؛ فإن الخلاف قد رفع (٢). ولكن يبقى أن كل الإجماعات التي وقعت بعد اختلاف ليست قطعية، وليست حجة على من يرى عدم حجية هذا الإجماع، ويجب أن يتنبه لهذا الأمر عند مناقشة المسائل التي هي من هذا القبيل. المطلب الثاني: في الإجماع على أقل ما قيل في المسألة إذا اختلف العلماء في مسألةٍ ما على أقوال متفاوتة، فيها الأكثر والأقل، فإن القول المُثْبِت للأقل يعتبر مجمعًا عليه، من حيث ثبوت الأقل دون نفي الزيادة، والأصوليون يبحثون مسألة الأخذ بالإجماع في إثبات القول بأقل ما قيل في المسألة، وأنا هنا لا أريد بحث هذه المسألة، فهي مسألة أصولية خلافية مشهورة (٣)، وإنما أريد الإشارة إلى أن العلماء لم يختلفوا في أن القول بأقل ما قيل في المسألة مجمع عليه من حيث ثبوت هذا الأقل، دون نفي الزيادة التي قالت بها الأقوال الأخرى. فالعلماء اختلفوا في دية اليهودي مثلًا على أقوال؛ فمنهم من قال: إنها مثل دية المسلم، وقيل: النصف، وقيل: الثلث. فالقول بلزوم الثلث مجمع عليه من حيث ثبوت هذا الثلث، لا من حيث نفي الزيادة. ولذلك يقول الإمام الغزالي معلقًا على هذه المسألة: "فإن المجمع عليه وجوب هذا القدر، ولا مخالف فيه، وإنما المختلف فيه سقوط الزيادة" (٤). ويقول الآمدي: "فوجوب الثلث مجمع عليه، ولا خلاف فيه، وأما نفي الزيادة فغير مجمع عليه" (٥).

стр. 52

وقد يكون الإجماع على أكثر ما قيل في المسألة، بأن يُنظر في أقوال العلماء أيها أكثر أو أعلى، فيكون الإجماع على عدم الزيادة على ذلك. فالقول بأن دية اليهودي كدية المسلم، هذا أكثر ما قيل في المسألة، فلا يجوز بهذا أن يقال بأن ديته أكثر من دية المسلم بحال. يقول ابن رشد في أقل مدة الطهر: "وقيل: سبعة عشر يومًا، وهو أقصى ما انعقد عليه الإجماع فيما أحسب" (١)، فهذه الحكاية للإجماع مبنية على الإجماع على أكثر ما قيل. وقد أشرت إلى هذا المعنى؛ لأن كثيرًا من الإجماعات التي يحكيها العلماء هي من هذا القبيل، وأكثر من يتخذ هذا المنهج في حكاية الإجماع هو الإمام ابن حزم ﵀ في "مراتب الإجماع"، وستأتي مناقشة ذلك في الحديث عن منهجه إن شاء اللَّه تعالى (٢). المطلب الثالث: في ححم مخالفة الواحد والاثنين من العلماء في المسألة إذا أجمع العلماء على رأي واحدٍ في مسألةٍ ما، مع مخالفة عالم أو اثنين من العلماء، فإن العلماء اختلفوا في هذه المسألة، هل تعتبر إجماعية؛ أو أن هذا الخلاف ينقض الإجماع؟ وقبل أن أذكر الخلاف، فأحب أن أشير إلى مسألة مهمة في هذا الباب، وهي ما لو خالف أحدٌ الأئمةَ الأربعةَ؛ أصحابَ المذاهب، فهل يعتبر خلافه هذا داخلًا في مسألتنا؛ أو لا؟ وأهم من ذلك إذا خالف أحدهم في قولٍ مرويٍ عنه، أو وجه من الأوجه عنه. في الحقيقة لم أجد من تحدث عن هذه المسألة بخصوصها، ولكن يبدو -واللَّه تعالى أعلم- أنها ليست من أمثلة مسألتنا؛ فالإمام المتبوع كأبي حنحفة أو الشافعي إذا خالف في مسألة ما، فإن خلافه هذا ليس محصورًا به فقط، بل تبعه عليه عدد من أهل العلم من أتباعه الحنفية أو الشافعية مثلًا، وهكذا لو كان ذلك برواية عنه فقط، ويلتحق بهم خلاف أبي يوسف ومحمد بن الحسن من أئمة الحنفية، كل ذلك لأن خلافهم

стр. 53

يعني خلاف جمع من أهل العلم من أتباعهم. ويلتحق بهذا خلاف ابن حزم ﵀؛ لما له من أتباع قد نعلمهم وقد لا نعلمهم. أما إذا خالف أحد العلماء المستقلين أو اثنان منهم إجماعَ البقية، فما حكم هذا الخلاف؟ • اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال (١): • القول الأول: أن خلاف الواحد والاثنين ينقض الإجماع، ويجعله غير حجة، وهو قول الجمهور. يقول الإمام النووي: "الإجماع لا ينعقد إذا خالف من أهل الحل والعقد واحد، وهذا هو الصحيح المشهور، وخالف فيه بعض أصحاب الأصول" (٢). • القول الثاني: أن خلاف الواحد والاثنين لا ينقض الإجماع، وهو قول بعض العلماء. • القول الثالث: أن خلاف الواحد ينقض الإجماع إذا ساغ الاجتهاد فيما ذهب إليه، بأن كان له مستند من الدليل، وهو الراجح. وكلام الإمام الشاطبي كأنه يميل إلى هذا القول، حيث يقول: "وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو يضعف، وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته فلا" (٣). وذكر في موضع آخر أن من الخلاف ما لا يعتد به، وذكر منه ما كان من الأقوال خطأ مخالفا لمقطوع به في الشريعة (٤). وهو اختيار الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ فيما يظهر من كلامه (٥). • دليل القول الراجح: ١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 54

• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بالرد إلى الكتاب والسنة عند التنازع، وهو موجود في هذه حالة مسألتنا، سواء كان بخلاف واحد أو أكثر، وما دام كذلك فلا إجماع (١). ٢ - أن العقل يجوِّز الخطأ على هذه الأمة، وإنما نُفي عنها الخطأ بالشرع، والشرع نفاه عنها في حال الإجماع، وهو غير موجود هنا، فيبقى الخلاف مانعًا من حجية الإجماع (٢). وهذا فيما إذا سوِّغ له الاجتهاد، فأما إذا لم يُسوَّغْ له الاجتهاد، بأن كان مصادمًا لنصٍّ أو لم يدل عليه دليل؛ فإنه لا ينقض الإجماع لشذوذه، بأن كان مصادمًا للنص (٣). • دليل القول الأول: مثل ما استدل به أصحاب القول الراجح، ولكنهم لم يفصلوا فيما إذا كان الاجتهاد سائغًا أو لا. • وجوابه: أن مخالفة الواحد والاثنين فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد مثل مخالفة العامي أو أشد، فهو قد اجتهد فيما ليس له الاجتهاد فيه، فهو كالجاهل أو العامي، فلا ينبغي اعتماد اجتهاده. • دليل القول الثاني: أن الصحابة لما استخلفوا أبا بكر ﵁؛ انعقدت خلافته بإجماع الحاضرين، ومعلوم أن من الصحابة من كان غائبًا، وقد اعتبر ذلك إجماعًا (٤). • وجوابه: أن الخلافة انعقدت بمن بايع من الصحابة، وليس من شرطها الإجماع، ثم إن إجماعهم لو كان شرطًا، فإنه يشترط له حضور البقية، وهم غير موجودين (٥). * * *

стр. 55

المطلب الرابع: في حكم مخالفة الظاهرية اختلف العلماء في خلاف الظاهرية، هل يقدح في صحة الإجماع، وينفي حجيته؛ أو لا؟ • القول الأول: أن خلاف الظاهرية لا يعتد به، ولا ينقض الإجماع. يقول أبو بكر الرازي ﵀ عن الظاهرية: "وأمثال هؤلاء لا يعتد بخلافهم، ولا يؤنس بوفاقهم" (١). ويقول ابن عبد البر: "فما أرى هذا الظاهري إلا قد خرج عن جماعة العلماء من السلف والخلف، وخالف جميع فرق الفقهاء، وشذ عنهم، ولا يكون إمامًا في العلم من أخذ بالشاذ من العلم" (٢). واختار هذا القول الإمام النووي ﵀، وصرح به في عدة مواضع من كتبه، يقول في موضعٍ منها: "ومخالفة داود لا تقدح في الإجماع عند الجمهور، واللَّه أعلم" (٣). وقد أنكر عليه الإمام الشوكاني ﵀ إنكارًا شديد اللهجة، لأجل هذا الأمر، فقال: "وعدم الاعتداد بخلاف داود؛ مع علمه وورعه، وأخذ جماعة من الأئمة الأكابر بمذهبه، من التعصبات التي لا مستند لها إلا مجرد الهوى والعصبية، وقد كثر هذا الجنس في أهل المذاهب، وما أدري ما هو البرهان الذي قام لهؤلاء المحققين حتى أخرجوه من دائرة علماء المسلمين، فإن كان لما وقع منه من المقالات المستبعدة فهي بالنسبة إلى مقالات غيره المؤسسة على محض الرأي المضادة لصريح الرواية في حيز القلة المتبالغة، فإن التعويل على الرأي وعدم الاعتناء بعلم الأدلة قد أفضى بقوم إلى التمذهب بمذاهب لا يوافق الشريعة منها إلا القليل النادر، وأما داود؛ فما في مذهبه من البدع التي أوقعه فيها تمسكه بالظاهر وحملوه عليه هي في غاية الندرة" (٤). وهو اختيار الحافظ العراقي أيضًا، يقول ﵀: "إن أهل الظاهر ليسوا من العلماء،

стр. 56

ولا من الفقهاء، فلا يعتد بخلافهم، بل هم من جملة العوام وعلى هذا جل الفقهاء، والأصوليين، ومن اعتد بخلافهم إنما ذلك؛ لأن من مذهبه أنه يعتبر خلاف العوام، فلا ينعقد الإجماع مع وجود خلافهم، والحق أنه لا يعتبر إلا خلاف من له أهلية النظر والاجتهاد، على ما يذكر في الأصول" (١). وهو قول ابن العربي ﵀، حيث يقول عن قول من قال بأن غسل الرأس لا يجزئ عن المسح: "وهذا تولُّج في مذهب الداودية الفاسد من اتباع الظاهر، المبطل للشريعة، الذي ذمه اللَّه تعالى في قوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٧]، وكما قال: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] " (٢). ونقل القرطبي هذه العبارة عنه (٣). وهو قول العيني، حيث يقول: "وداود لا يعتبر خلافه في الإجماع، ولا يصح ذلك شريعة" (٤). وقد حرصت على نقل عبارات العلماء لإثراء البحث، ولأهمية المسألة، فهي تبين أن هؤلاء العلماء لا يعتبرون خلاف الظاهرية، وبالتالي يؤثر في إجماعاتهم التي يحكونها، أو ينقلونها ويقرونها. • القول الثاني: أن خلاف الظاهرية يعتد به، ولا يُحتج بإجماعٍ خالف فيه أهل الظاهر. • دليل القول الأول: أن الظاهرية لا يعملون بالقياس، ومن شروط المجتهد معرفة القياس، فهم كالعوام، والعوام لا يعتبر قولهم في الإجماع (٥). • وجوابه: أنه يلزمهم بهذا عدم اعتبار قول منكر العموم وخبر الواحد، ولا قائل بهذا إلا من شذّ (٦). • دليل القول الثاني: أن علماء الظاهرية جزء من علماء الأمة، وفيهم العلماء الكبار كداود وابن حزم رحمهم اللَّه تعالى، ولا يجوز استثناؤهم من الأمة إلا أن يقال بكفرهم، وهذا لا يقول به أحد، فيجب الأخذ بقولهم.

стр. 57

والراجح واللَّه تعالى أعلم أن خلافهم معتبر فيما إذا لم يصادم القياس الجلي، وما صادم القياس الجلي فلا عبرة به، نحو قولهم: أن البول في الماء القليل الراكد من غير المتوضئ لا يفسده، ويجوز الوضوء والشرب منه (١)، قالوا ذلك جمودًا على ظاهر النص، فما كان كذلك فلا يعتدّ به، وهذا جمع بين القولين، واللَّه تعالى أعلم. المطلب الخامس: في حكم مخالفة أهل البدع المقصود بالخلاف في قبول قول المجتهد المبتدع: هو من كانت بدعته غير مكفرة، أما المكفرة؛ فإنه لا عبرة به بلا خلاف (٢). اختلف العلماء في انعقاد الإجماع مع مخالفة المجتهد المبتدع (٣)، هل يعتبر قوله ناقضًا للإجماع؛ أو لا؟ • القول الأول: أن مخالفة المجتهد المبتدع معتبرة، ولا ينعقد الإجماع دونها. • القول الثاني: أن مخالفة المبتدع غير معتبرة، وينعقد الإجماع دونها. وقد اختار هذا القول أغلب الفقهاء في كتب الفروع، ولأهمية الموضوع فسأنقل عددًا من عباراتهم هنا؛ لأنني لم أجد من وثّق كلام الأصوليين بكلام الفقهاء في المسألة، فقد يتكلم الأصوليون في المسألة، ولا يعني ذلك التزام الفقهاء بكلامهم في الفروع، وهذا مبني على منهج المتكلمين في الأصول. يقول ابن حزم في مخالفة الأزارقة (٤) من الخوارج: "أما امتناع الصلاة والصوم والطواف والوطء في الفرج في حال الحيض فإجماع متيقن مقطوع به، لا خلاف بين

стр. 58

أحد من أهل الإسلام فيه، وقد خالف في ذلك قوم من الأزارقة حقهم ألا يعدوا في أهل الإسلام" (١). وفي مخالفة المعتزلة للإجماع يقول الكاساني: "ومنها - أي من نواقض الوضوء - النوم مضطجعًا في الصلاة أو في غيرها بلا خلاف بين الفقهاء، وحكي عن النظّام أنه ليس بحدث، ولا عبرة بخلافه لمخالفته الإجماع، وخروجه عن أهل الاجتهاد" (٢). ويقول النووي: "وحكى أصحابنا عن الشيعة أن تقديم اليمنى واجب، لكن الشيعة لا يعتد بهم في الإجماع" (٣)، وقال في موضع آخر، في مسألة المسح على الخفين: "وإنما أنكرته الشيعة والخوارج، ولا يعتد بخلافهم" (٤). وهو لا يعتد بالمتكلمين أيضًا، يقول: "ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف، على المذهب الصحيح، الذي عليه جمهور أهل الأصول، من أصحابنا وغيرهم، لا سيما في المسائل الفقهيات" (٥). ويقول ابن عابدين عن الشيعة: "ولا عبرة بخلاف الرافضة" (٦). • دليل القول الأول: ١ - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى جعل هذه الأمة شهداء على الناس وحجة عليهم، لكونهم وسطًا، والوسط هو العدل، والفاسق ببدعة أو معصية ليس كذلك، فلا يعتد بهم في الإجماع (٧). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. • وجه الدلالة: أن سبيل أهل الضلال والبدعة ليس سبيل المؤمنين، فلم يجز أن يكون سبيلهم معتبرًا، وهو خارج عن سبيل المؤمنين (٨).

стр. 59

• دليل القول الثاني: ١ - قوله تعال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. • وجه الدلالة: أن المجتهد المبتدع داخل في قوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لكونه من المسلمين المؤمنين، ولو فسق ببدعته، فلم يجز انعقاد الإجماع دونه (١). ٢ - قوله ﵊: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" (٢). • وجه الدلالة: أن المجتهد المبتدع داخل في الأمة، ولا يجوز انعقاد الإجماع دونه ما دام مسلمًا (٣). والأقرب -واللَّه تعالى أعلم- هو الجمع بين القولين، وهو أن قول المبتدعة فيما خالفوا فيه أهل السنة من أقوال في الأصول غير معتبر، وكذا الفروع المبنية على بدعتهم في الأصول، وإلا انهدم الإسلام كله بحجة اعتبار قولهم. أما أقوالهم التي هي غير مبنية على خلافهم العقائدي لأهل السنة والحق؛ فإنهم يعتبرون من جملة الأمة، ويعتبر قولهم في ذلك، واللَّه تعالى أعلم (٤). وبهذا جمعنا بين أدلة الفريقين، فالأدلة الدالة على عدم اعتبار أقوالهم؛ لبدعتهم أو فسقهم بالبدعة، نخرج بها قولهم في بِدَعِهم، والأدلة الدالة على اعتبار قولهم؛ لكونهم من الأمة، ندخل بها قولهم في غير بِدَعِهم، واللَّه تعالى أعلم. أما الشيعة والخوارج الغلاة الذين يكفرون الصحابة، فإنه لا عبرة بأقوالهم مطلقًا، وذلك لمخالفتهم لأصل الإسلام، وذلك أنهم لا يؤمنون بما نقل من السنة النبوية عن طريق الصحابة ﵃، فالمخالفة هنا هي في أصل الإسلام، ومنهجهم في الفقه مختلف تمامًا عن أهل السنة، فهو يختلف في الأصول والفروع، وفي منهج التلقي والاتباع، واللَّه تعالى أعلم. * * *

стр. 60

المبحث الثامن: مناهج العلماء في حكاية الإجماع سأتحدث في هذا المبحث عن مناهج العلماء الذين التزمت بكتبهم في بحث مسائل الإجماع في باب الطهارة، وهم من أهم العلماء الذين يعتنون بحكاية الإجماع والاهتمام به. وقبل البدء بالمناهج الخاصة بكل عالم، هناك ملاحظات عامة، تنبهت لها أثناء البحث، ومنها: ١ - أن الإجماعات التي تأتي في سياق الاستدلال والنقاش للخلاف الفقهي غالبًا ما تكون تعبيرًا عن قول الجمهور، ويظهر هذا جليًّا لدى ابن عبد البر (١)، والنووي (٢)، وابن تيمية (٣). ٢ - أن الكتب المذهبية تستخدم عبارة الاتفاق ونفي الخلاف، وتقصد بذلك المذهب الفقهي الخاص، وسيأتي نقاش لهذا في ثنايا الحديث عن مناهج العلماء. ٣ - أن كثيرًا من الإجماعات المبثوثة في الكتب إنما ترجع إلى عددٍ قليل من العلماء الكبار، الذين يعتنون بحكاية الإجماع، كالترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن حزم، وابن عبد البر، وابن هبيرة، وابن رشد، والنووي، وابن تيمية، وأغلب الحكايات للإجماع لا تخرج عن هؤلاء رحمهم اللَّه تعالى، وأحيانا يُذكر ذلك عند النقل، وقد لا يُذكر، وتوصّلت إلى هذا بالتتبع، وسوف يأتي مزيد بيان لهذا في الحديث عن المناهج. أما مناهج العلماء في حكاية الإجماع؛ فسأتحدث عن كل عالم وحده، في الشيء الذي لاحظته من خلال كتابه الذي اعتمدته، ولا أذكر إلا ما تميز به، وسأتحدث عنهم بالترتيب حسب الوفاة:

стр. 61

١ - الإمام الشافعي (٢٠٤ هـ) من خلال كتابه "الأم ": لم أجد له إلا القليل من العبارات، وقد ورد عنه عدم اعتماده لعبارة نفي العلم بالخلاف، مع أنه استخدمها في كل عباراته التي وجدتها إلا واحدة (١)، وهذا لا يعني أنه يعتبرها إجماعًا، وسبق نقاش ذلك (٢)، ولم أجده حكى إجماعًا واحدًا بلفظ الإجماع أو الاتفاق. ٢ - الإمام الترمذي (٢٧٩ هـ) من خلال كتابه "السنن ": الترمذي كثيرًا ما يستخدم عبارة: (والعمل على هذا عند أهل العلم)، وهي من عبارات الإجماع الضعيفة، إلا أنني وجدته استخدم عبارة الإجماع في موضع (٣)، وعبارة (عامة) أحيانًا. وأقوى عباراته: الإجماع، ثم لفظ (عامة) حيث أكده بنفي الخلاف بعده، فقال في موضع: "وقد روي عن عائشة من غير وجه، أن الحائض لا تقضي الصلاة، وهو قول عامة الفقهاء؛ لا اختلاف بينهم في أن الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة" (٤). وقال أيضًا: "وهو قول عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك، بأن لا بأس أن تتناول الحائض شيئًا من المسجد" (٥). ٣ - الإمام ابن جرير الطبري (٣١٠ هـ) من خلال كتابه "جامع البيان ": غالبًا ما يستخدم عبارة الإجماع، بل لم أجده استخدم غيرها، وهو من العلماء المتقدمين الذين يعتنون بنقل الإجماع، وكثيرًا ما ينقل عنه المتأخرون حكاياته للإجماع كما سيأتي. ٤ - الإمام ابن المنذر (٣١٨ هـ) من خلال كتابه "الإجماع ": الإمام ابن المنذر ﵀ من أشهر العلماء الذين يحكون الإجماع، وهو أول من صنف فيه كتابًا في الفروع الفقهية، وهو لا يستخدم فيه غالبًا إلا عبارة الإجماع،

стр. 62

واستخدم في موضعٍ من كتابه "الأوسط" عبارة (كالإجماع) (١)، إلا أنها لا تعني الإجماع؛ لأن الإجماع يفتقر إلى الجزم (٢). وابن المنذر يعتبر من المتساهلين في حكاية الإجماع، ولذا يقول الإمام ابن القيم: "وهذه عادة ابن المنذر؛ أنه إذا رأى قول أكثر أهل العلم حكاه إجماعًا" (٣). ٥ - الإمام ابن حزم (٤٥٦ هـ) من خلال كتابيه "مراتب الإجماع"، و"المحلى ": ابن حزم أحد أكثر العلماء شهرة في هذا المجال، حيث إنه قد صنف كتابًا في الإجماعات الفقهية، وهو مراتب الإجماع، سار فيه على أبواب الفقه كلها، يذكر ما وجده من اتفاقات فقهية فرعية. وقد بيّن كثيرًا من منهجه في مقدمة كتابه الآنف الذكر. وقد وجدت أنه في مسألةٍ حكى فيها الاتفاق في المراتب، ثم خالف هو هذا الاتفاق في "المحلى" (٤)، وهذا لا شك أنه وهم منه ﵀ أو نسيان، وهو مما يتعرض له البشر بطبيعتهم. ثم إن ابن حزم له منهج غريب في حكاية الاتفاق في كتابه "المراتب"، وقد قسم الإجماع إلى طرفين: الأول: وهو الإجماع المعروف. الثاني: "هو ما اتفق جميع العلماء على أن من فعله أو اجتنبه؛ فقد أدى ما عليه من فعل أو اجتناب؛ أو لم يأثم، فسمى هذا القسم الإجماع الجازي" (٥). وفي هذا القسم الثاني إشكال، فهو يحكي الاتفاق على مسألة، بقيود أكثر من المسألة الأصلية، ثم يقول: إن من فعل هذا فقد أدى ما عليه، ومنهجه في هذه القيود أنه يستثني بكل قيدٍ قولًا في المسألة؛ حتى يخرج خلافه منها، فهي أشبه بحكاية الخلاف في المسائل المستثناة أكثر منه حكايةً للإجماع.

стр. 63

وقد أحصيت مسألة ذكر فيها ستة وأربعين قيدًا (١)، كل قيد منها يشكّل مسألة مستقلة، وأكثر ما يقال عن هذه الاتفاقات التي يحكيها ﵀ أنها نوع من الإجماع على أقل ما قيل في المسألة، ولكن دون الوصف الثاني لهذا النوع من الإجماع، وهو نفي الزيادة، ومن هذا الوجه تختلف عن الإجماع على أقل ما قيل، الذي يبحثه الأصوليون. وفي رسالتي هذه لم أعتمد هذه الاتفاقات، حيث إنها في الحقيقة حكاية للخلاف في الاستثناءات لا للإجماع. والإمام ابن حزم ﵀ من أكثر العلماء اطلاعًا على الخلاف، ولذا فإن إجماعاته التي بلفظ الإجماع قليلًا ما تخطئ، وهذا يدل على تفريقه بين اللفظين، ولذلك يقول: "وليعلم القارئ لكلامنا أن بين قولنا: لم يجمعوا، وبين قولنا: لم يتفقوا فرقًا عظيمًا" (٢)، إلا أنني وجدته في مسألة استخدم العبارتين فيها (٣). ومما يُذكر هنا أنه سبقت الإشارة إلى أن ابن حزم لا يعتبر قول المبتدعة ناقضًا للإجماع في حال مخالفتهم (٤). ٦ - الإمام ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) من خلال كتابه "الاستذكار ": الإمام ابن عبد البر من العلماء الكبار، العارفين بالخلاف والاجماع، وهو ممن اشتهر عنه حكاية الإجماع، وكثيرًا ما ينقل العلماء عنه حكاياته للإجماع. ومما تميز به ابن عبد البر أن له عبارات خاصة به، واختيارات أصولية بنى عليها منهجه في ألفاظه وحكاياته للإجماع، فهو كثيرًا ما يستخدم لفظ (اجتمع العلماء) أو (مجتمع عليه)، وهي لفظة لا تدل على الإجماع الأصولي على الأظهر، فهي تدل على قول الجمهور. فقد عبر بعدها في موضعٍ بلفظ الإجماع في نفس المسألة، مما يدل على أنهما

стр. 64

مختلفتان عنده، حيث يقول: "واجتمعوا على أن الجشاء ليس فيه وضوء بإجماع" (١). وكثيرًا ما يصف قول الجمهور بالإجماع، أو يقول (أجمع الجمهور)، وهذا مبني على اختياره أن قول الجمهور نوع من الإجماع. ففي مسألة الغسل من التقاء الختانين، والخلاف فيها بين الصحابة معروف، يقول: "ولكنا نقول: إن الاختلاف في هذا ضعيف، وأن الجمهور الذين هم الحجة على من خالفهم من السلف والخلف انعقد إجماعهم على إيجاب الغسل من التقاء الختانين" (٢). وسبق الإشارة إلى أن ابن عبد البر إذا حكى الإجماع في سياق الاستعراض للأقوال، والاستدلال للمسائل والنقاش لها؛ فغالبًا ما يكون إجماعه في السياق حكاية عن قول الجمهور (٣). وقد يحكي الإجماع في المسألة، ونجد خلافًا داخل مذهبه المالكي (٤). وسبق ذكر كونه يستخدم عبارة نفي الخلاف والإجماع في نفس المسألة، مما يدل على اعتداده بعبارة نفي الخلاف للإجماع. ٧ - الإمام البغوي (٥١٦ هـ) من خلال كتابه "شرح السنة ": وجدت للإمام البغوي أربع عشرة عبارة في مجال رسالتي، عشرٌ منها بلفظ الاتفاق، وأربع بلفظ (عامة) وهي من عبارات الإجماع الضعيفة، وقد بحثتها اعتضادًا لا استقلالًا. وأغلبها كانت في المسائل المشهورة، التي اشتهر فيها الاتفاق، واللَّه تعالى أعلم. ٨ - الإمام ابن العربي (٥٤٣ هـ) من خلال كتابه "عارضة الأحوذي ": العلامة ابن العربي من العلماء المتفننين في علوم شتى، وهو ممن يحفظ الخلاف

стр. 65

والإجماع، غير أنني لم أجد له سوى تسعة عشر إجماعًا في باب الطهارة، منها أحد عشر لم أجد فيها مخالفًا، وكانت حكايته متحققة، وثمانية حكاياتٍ لم يتحقق فيها ما ادعاه. وقد سبق رأيه في خلاف الظاهرية. ٩ - الإمام ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) من خلال كتابه "الإفصاح ": ابن هبيرة ﵀ من المشهورين بحكاية الإجماع لدى الفقهاء، ولكن الصحيح أنه لا يحكي الإجماع الاصطلاحي، الذي هو حجة لا تجوز مخالفته، وذلك لأنه ينقل إجماع الأئمة الأربعة فقط، وإذا حكى الخلاف فإنه يقتصر على خلافهم فقط. ويدل لذلك منهجه في حكاية الإجماعات، فهو لا يذكر غيرهم، ثم إنه صرح بذلك في مقدمة كتابه فقال: "رأيت أن أجعل ما أذكره من إجماع مشيرًا به إلى إجماع هؤلاء الأربعة، وما أذكره من خلاف مشيرًا إلى الخلاف بينهم" (١). وقد يطلق الإجماع، ويكون في مذهبه هو خلاف (٢). ويبدو أنه لا يفرق بين الإجماع والاتفاق، ولذا نجده يذكر الإجماع ثم يستثنيه، فيقول: أجمعوا على كذا إلا أبا حنيفة، أو اتفقوا على كذا إلا مالكًا، مما يدل على عدم تفريقه بينهما (٣). وقد بحثت له ستًّا وستين مسألة -مشتركًا مع غيره ومنفردًا- ذكرها في باب الطهارة، خمسون مسألة كانت نتيجتها تحقق الإجماع، والبقية كانت غير متحققٍ فيها الإجماع. ١٠ - الإمام الكاساني (٥٨٧ هـ) من خلال كتابه "بدائع الصنائع ": يلاحظ على الكاساني ﵀ أنه كثيرًا ما يعبر بالإجماع وهو يريد الإجماع المذهبي فيما يظهر، حيث إنه أحيانًا يتحدث عن الخلاف داخل المذهب، دون أي ذكر لغيره، في سياق حكاية الإجماع، وأحيانًا يكون يتحدث عن مسائل دقيقة، يستحيل معرفة الإجماع الصريح فيها، ثم يحكي فيها الإجماع؛ مما يدل على أنه يريد المذهب (٤)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 66

وهذا الأمر يتكرر في بعض كتب الحنفية، واللَّه تعالى أعلم. وقد بحثت له إحدى وعشرين مسألة، ثمان مسائل كانت نتيجتها تحقق الإجماع، والبقية لم يتحقق؛ مما يؤكد ما سبق ذكره؛ من أنه يريد بالإجماع المذهبَ، واللَّه تعالى أعلم. وتعبيره ﵀ بنفي الخلاف يقصد به المذهب بلا إشكالٍ عندي، واللَّه تعالى أعلم (١). ومن الملاحظ على الإمام الكاساني ﵀؛ أنه لا يذكر خلاف الإمام أحمد إلا نادرًا، ففي كتاب الطهارة كاملًا لم يذكره إلا مرة واحدة، وعدَّه من أصحاب الحديث لا من الفقهاء (٢)، مما يدل على أنه لا يهتم بمعرفة رأيه في المسائل، وأن إجماعاته مذهبية. وسبق ذكر رأي الكاساني في خلاف المبتدعة (٣). ١١ - الإمام ابن قدامة (٦٢٠ هـ) من خلال كتابه "المغني ": اشتهر ابن قدامة ﵀ بورعه في ذكر الإجماع، فهو غالبًا لا يعبر بلفظ الإجماع، بل يعبر بعبارة: (لا أعلم فيه خلافًا)، وكثيرًا ما ينقلها عنه علماء المذهب الحنبلي. وفي باب الطهارة، وجدت أنه استخدم لفظ الإجماع قليلًا (٤). وأحيانًا ينفي الخلاف في المسألة، ونجد خلافًا داخل مذهبه (٥). وعندما يستخدم عبارة (بلا خلاف)، غير المقيدة بما يدل على أنها تريد العموم لا المذهب، فيظهر أنها في المذهب، ولا يريد بها النفي العام (٦)، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 67

وقد استقصيت نصف مسائل الرسالة، فوجدت أنني بحثت له ثمانٍ وخمسين مسألة، ستٌّ وثلاثون منها كانت النتيجة تحقق الإجماع فيها، والبقية فيها خلاف، والسبب في كثرة المسائل التي وُجد فيها الخلاف؛ هو أنني أوردت كل ألفاظه في البحث، بما فيها عبارة (لا خلاف) غير المقيدة بما يدل على أنها تريد العموم لا المذهب، مما جعل المسائل الخلافية كثيرة، واللَّه تعالى أعلم. ١٢ - الإمام القرطبي (٦٧١ هـ) من خلال كتابه "التفسير ": القرطبي ﵀ كثيرًا ما ينقل إجماعات غيره، بإشارة أحيانًا، ودونها أخرى، فينقل عن ابن عبد البر كثيرًا، ودون إشارة غالبًا (١)، وينقل عن ابن المنذر (٢)، وعن ابن جرير (٣)، ودون إشارة أيضًا. ١٣ - الإمام النووي (٦٧٦ هـ) من خلال كتابه "المجموع ": تكاد تكون رسالتي هذه في النووي ﵀، فهو يعتني بالإجماع كثيرًا في كتابه "المجموع"، وإن لم يحكِ أو ينقل إجماعًا في المسألة، فلا يخلو الأمر غالبًا من أن يفيد في المسألة بخلاف أو عدمه. وهو عالم متبحر في الخلاف والاستدلال له، استفدت منه كثيرًا ﵀. وقد سبق إشارة إلى منهجه في بعض المسائل، كخلاف المبتدعة، والظاهرية، وعدم جعْله نفي العلم بالخلاف إجماعًا، واعتداده بخلاف الواحد ناقضًا للإجماع، وأن إجماعاته إذا كانت في سياق الاستدلال للخلاف غالبًا ما تكون قول الجمهور. أما عبارات النووي بنفي الخلاف؛ أو الاتفاق المجرد من قرينة العموم، فإنها مذهبية (٤)، أما إذا قيد عبارته بأنه لا خلاف بين العلماء أو الفقهاء؛ أو باتفاق العلماء، فهو يعني الإجماع (٥). وللتدليل على الكلام السابق، فقد قال النووي: "ولو وهب له ثمن الماء لم يلزمه

стр. 68

قبوله -أي للتيمم- بالاتفاق، ونقل إمام الحرمين الإجماع فيه" (١)، قالها بعد أن تحدث عن المذهب. وقال أيضًا: "قال أصحابنا: إذا غلط في نية الوضوء، فنوى رفع حدث النوم، وكان حدثه غيره؛ صح بالاتفاق" (٢)، فيدل السياق أنه يريد المذهب. وانظر مسألة: (الماء الذي دون القلتين لا يطهر بأخذ بعضه) (٣)، حيث حكى الاتفاق في المسألة، وخالفه الجمهور. ونفى الخلاف في المسألة في "شرح مسلم"، ثم وجدت أنه في "المجموع" ينقل الخلاف فيها، مما يؤكد أنه يقصد المذهب فقط. فقد قال عن التثليث في غسل البدن: "فإذا استحب فيه -الوضوء- الثلاث؛ ففي الغسل أولى، ولا نعلم في هذا خلافًا؛ إلا ما انفرد به الإمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي، صاحب "الحاوي" من أصحابنا، فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل، وهذا شاذ متروك" (٤). وظاهر من كلام النووي أنه يريد بعدم الخلاف أي في المذهب الشافعي، ويؤكد ذلك أنه لم يذكر شيئًا من ذلك عند بحثه للمسألة في "المجموع"، بل قال: "المذهب الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور، . . " (٥)، ثم ذكر مسألتنا، وهذا لفظ صريح بوجود الخلاف، ثم أخذ ينقل عن فقهاء المذهب الشافعي، ولم يتطرق لغيرهم، إلا أن ابن حجر (٦)، والشوكاني (٧) لم يتنبَّها لهذا المعنى، ولم يريَا كلامه هذا، ونقلا نفي الخلاف في المسألة، واللَّه أعلم. كما إنه نقل الإجماع في موضع، ثم حكى الخلاف في موضع آخر (٨).

стр. 69

وقد بحثت عددًا من المسائل التي حكى فيها النووي الاتفاق، وتركتها إثراء للبحث، ولأنني بحثتها قبل أن أتوصل إلى هذه النتيجة، وبعض هذه الاتفاقات كانت في الآداب، ولم أجد فيها مخالفًا، كما في باب الاستنجاء مثلًا. وكذا بعض عبارات نفي الخلاف، مثل مسألة: (طهارة الماء المتغير بمجاورة دون مماسة). ١٤ - الإمام القرافي (٦٨٤ هـ) من خلال كتابه "الذخيرة ": القرافي ﵀ من أئمة الفقه المالكي، ولم يعتنِ في كتابه المذكور بالخلاف المقارن، إلا أنه يشير إليه أحيانًا. وقد بحثت له ثمانِ عشرة مسألة، منها خمس لم يتحقق فيها الإجماع. ١٥ - الإمام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) من خلال كتبه التالية: " نقد مراتب الإجماع" لابن حزم؛ "مجموع الفتاوى"؛ "جامع الرسائل"؛ "مجموعة الرسائل والمسائل"؛ "مختصر الفتاوى المصرية" (١). شيخ الإسلام ابن تيمية هو من أفراد زمانه في العلم ومعرفة الخلاف والوفاق، وأهم كتاب له في هذا الباب هو "نقد مراتب الإجماع لابن حزم"، فقد نقد على ابن حزم المسائل التي رأى أن حكايته للاتفاق أو الإجماع فيها غير صحيحة. وابن تيمية يستخدم عبارة (بلا نزاع) أحيانًا، والذي يظهر أنه يريد بها المذهب الحنبلي (٢). وقد سبق ذكر منهجه في إجماعاته التي تكون في سياق الخلاف والاستدلال له، حيث غالبًا ما تكون قول الجمهور. ولذا؛ فقد وجدته حكى إجماعًا في مسألة أثناء مناقشة الخلاف، ثم خالف فيه هو ﵀ (٣)

стр. 70

وقد بحثت له اثنتين وسبعين مسألة، منها عشرون لم يثبت فيها الإجماع، واللَّه تعالى أعلم (١). ١٦ - الإمام ابن القيم (٧٥١ هـ) من خلال كتابيه "زاد المعاد"، و"إعلام الموقعين ": ابن القيم ﵀ من بحور العلم الزاخرة، وكنت آمل أن أجد له حكايات كثيرة؛ إلا أنني لم أجد له سوى ثنتين في "إعلام الموقعين"، كانت نتيجتهما تحقق الإجماع. ١٧ - الإمام ابن حجر (٨٥٢ هـ) من خلال كتابه "فتح الباري ": ابن حجر من العلماء الكبار، والحفاظ المتقنين، وهو من المطلعين على الخلاف والوفاق أيضًا، وكثيرًا ما ينقل الإجماع عن غيره، فنقل عن غيره ستًّا وثلاثين إجماعًا، بينما لم يحكِ سوى أربعة عشر إجماعًا كانت نتيجتها تحقق الإجماع، وثمانِ إجماعات لم يتحقق الإجماع فيها، فالمجموع هو اثنان وعشرون. ثم هو ينقل أحيانًا إجماعات النووي دون أن يشير لذلك (٢). ١٨ - الإمام العيني (٨٥٥ هـ) من خلال كتابه "البناية ": العيني من علماء الحنفية الكبار، وهو من حفاظ الحديث أيضًا، ولكن كتابه "البناية" في الفقه الحنفي المذهبي، ويذكر الخلاف غالبًا، ويستدل له وينقاش. ومن منهجه أنه يفرق بين الإجماع والاتفاق في الاستعمال، فمثلًا؛ يقول: "الماء المستعمل ثلاثة أنواع؛ نوع طاهر بالإجماع، . .، ونوع نجس بالاتفاق" (٣)، فوصف الأول بأنه مجمع عليه، والثاني بأنه متفق عليه، فدل على تمييزه بينهما، والذي يظهر من خلال كتابه؛ أنه يريد بالأول الإجماع الاصطلاحي، والثاني الاتفاق المذهبي. ويؤكد ذلك عبارته الآتية: "لو أمنى بعد البول أو النوم لا غسل عليه بالاتفاق، وعند الشافعي يجب في الحال. . " (٤)، فقد حكى الخلاف بعد ذكر الاتفاق في نفس السياق، ذكر ذلك بعد نقله خلافًا بين أبي حنيفة ومحمد، وبين أبي يوسف.

стр. 71

وهو يستفيد من النووي في كتابه هذا، وينقل عنه كثيرًا، دون أن يصرح (١). وقد سبق ذكر رأيه في خلاف الظاهرية. بحثت له في رسالتي سبعًا وثلاثين مسألة، منها إحدى عشرة مسألة لم يثبت فيها الإجماع. ١٩ - الإمام ابن الهمام (٨٦١ هـ) من خلال كتابه "فتح القدير ": وجدت أن ابن الهمام يعبر بالإجماع أحيانًا، ويظهر أنه يريد به المذهب بدليل السياق، فهو يناقش الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في المسألة، ثم ينقل صورة أخرى قريبة ويحكي فيها الإجماع، ويبدو أنه يريد الإجماع منهم (٢). ووجدته ينقل حكاية الإجماع عن غيره أحيانًا دون إشارة (٣). بحثت له ثمان مسائل، منها ثلاث مسائل لم يتحقق فيها الإجماع. ٢٠ - الإمام ابن نجيم (٩٧٠ هـ) من خلال كتابه "البحر الرائق ": قد يستخدم ابن نجيم مصطلح الإجماع ويريد به المذهب، ولذلك وجدته عبر به في مسألة خلافية مشهورة، حكى الإجماع فيها وحده، بينما عبر عدد من علماء الحنفية بالاتفاق، ويريدون به المذهب مما يقوّي كونه يستخدم لفظ الإجماع في المذهب (٤). وينقل إجماعات النووي دون إشارة (٥)، وكذا ينقل عن ابن حجر (٦)، وابن الهمام دون إشارة أيضًا (٧). وسبق ذكر رأي ابن نجيم في مخالفة المبتدعة.

стр. 72

٢١ - الإمام الشربيني (٩٧٧ هـ) من خلال كتابه "مغني المحتاج ": لا يكاد الشربيني يذكر إجماعًا إلا وقد حكاه النووي، وينقله دون إشارة، ولم أجده انفرد بشيء من الإجماعات عن النووي، وكتابه مذهبيٌّ في الفقه الشافعي، والإجماع فيه نادر. بحثت له عشرين مسألة، منها خمس مسائل لم يتحقق فيها الإجماع. وينقل أحيانًا عن ابن المنذر، والمتولي، والماوردي، خصوصًا إذا نقله عنهم النووي. ٢٢ - الإمام الصنعاني (١١٨٢ هـ) من خلال كتابه "سبل السلام ": بحثت له إحدى وعشرين مسألة، منها ثلاث مسائل لم يتحقق فيها الإجماع، ولم أجده ينقل عن غيره كثيرًا. ٢٣ - الإمام الشوكاني (١٢٥٠ هـ) من خلال كتابه "نيل الأوطار ": الشوكاني ﵀ كثيرًا ما ينقل إجماعات النووي، ولكنه لا يشير غالبًا (١)، وينقل كثيرًا عن ابن حجر أيضًا، ودون إشارة غالبًا (٢). وقد يحكي إجماعات خاصة به، لم أجد من حكاها غيره. وسبق ذكر رأي الشوكاني في خلاف الظاهرية. ٢٤ - الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) من خلال "حاشيته على الروض المربع ": ابن قاسم ﵀ لم يكن له إجماعات مستقلة، بل أغلب ما يذكره من الإجماعات هي منقولة عن غيره، وكثيرًا ما ينقل إجماعات ابن المنذر، وابن هبيرة، والنووي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن حجر، والشوكاني. وكثيرًا ما ينقل إجماعات "الشرح الكبير" ويترك "المغني"؛ وذلك لأن ترتيب "الشرح" و"الروض" واحد، وأنا أعتبر نقله هذا عن ابن قدامة صاحب "المغني"، حيث إنه من المعلوم أن صاحب "الشرح" قد وضع "المغني" على "المقنع"، ونقله بعد

стр. 73

استئذان صاحب "المغني"، وكل ما فيه فهو كلام صاحب "المغني" إلا زيادات قليلة، واللَّه تعالى أعلم. وقد يقع في الوهم ﵀، فمثلًا؛ نقل حكاية النووي (١) الإجماع على جواز الوضوء بفضل المرأة، وهو وهْمٌ منه، بل حكاه في مسألتين قريبتين، وهما: (جواز وضوء الرجال والنساء من إناء واحد)، ومسألة: (فضل وضوء الرجل طاهر) (٢). وقد ينقل ولا يشير ﵀ (٣). * * *

стр. 74

الباب الأول: مسائل الإجماع في باب المياه [١ - ١] وجوب الطهارة للصلاة: الطهارة واجبة لمن أراد أداء الصلاة، وعلى ذلك إجماع المسلمين، نقل الإجماع في هذه المسألة عدد من أهل العلم (١). • من نقل الإجماع: ابن المنذر (٣١٨ هـ) حيث يقول: "أجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة، إذا وجد المرء إليها السبيل" (٢). ابن حزم (٤٥٦ هـ) حيث يقول: "وقد أجمع أهل الأرض قاطبة من المسلمين، على أن صلاة التطوع لا تجزئ إلا بطهارة من وضوء، أو تيمم، أو غسل، ولا بد" (٣). وهذا في صلاة التطوع ففي صلاة الفرض من باب أولى. ويقول أيضًا: "واتفقوا على أن كل من صلى قبل تمام فرض وضوئه، أو تيممه إن كان من أهل التيمم؛ أن صلاته باطلة، ناسيًا كان أو عامدًا، إذا أسقط عضوًا كاملًا" (٤). الغزالي (٥٠٥ هـ) حيث يقول: "ويعرف فوات الشرط، إما بالإجماع، كالطهارة في الصلاة، . . " (٥). ابن العربي (٥٤٣ هـ) حيث يقول عن شرط الطهارة للصلاة: "وهي من شرائط الأداء، لا من شرائط الوجوب بإجماع الأمة" (٦). ويقول: "وقد اجتمعت الأمة على وجوب الوضوء" (٧). ابن هبيرة (٥٦٠ هـ) حيث يقول: "أجمعوا على أن الصلاة لا تصح إلا بطهارة، إذا وجد السبيل إليها" (٨).

стр. 75

النووي (٦٧٦ هـ) حيث يقول: "لأن النافلة آكد من هذه الأشياء - يريد قراءة القرآن واللبث بالمسجد -، فإنها تفتقر إلى الطهارة بالإجماع" (١). ابن تيمية (٧٢٨ هـ) حيث يقول: "مسألة فيما تجب له الطهارتان: الغسل، والوضوء، وذلك واجب للصلاة بالكتاب، والسنة، والإجماع، فرضها ونفلها" (٢). ويقول أيضًا: "وقد أجمع المسلمون على وجوب الطهارة للصلاة" (٣). القرافي (٦٨٤ هـ) حيث يقول في سياق استدلاله على وجوب إزالة الخبث: "ولأن البول تتعلق به طهارة حدث وطهارة خبث، والأولى واجبة إجماعًا، . . " (٤)، وهو يريد أنها واجبة لأداء الفريضة. ويقول: "ويدل على وجوب الطلب - للماء - إلى حين الصلاة، أن الوضوء واجب إجماعًا" (٥). • الموافقون على الإجماع: وافق على هذا الإجماع الحنفية (٦). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بغسل أعضاء الوضوء عندما يقوم الإنسان للصلاة، والأمر إنما يكون للوجوب، فدل ذلك على وجوب الوضوء للصلاة (٧). ٢ - حديث أبي هريرة ﵁، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقبل صلاة من أحدث
следующие страницы →