الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ، ١٩٩٨ م.
٣٩٨ - المعلم بفوائد مسلم، لمحمد بن علي المازري، تحقيق: محمد الشاذلي، المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات، بيت الحكمة، الدار التونسية للنشر، تونس، الطبعة الثانية، ١٩٨٧ م.
٣٩٩ - معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، لعلاء الدين علي بن خليل الطرابلسي الحنفي، مصر، مطبعة مصطفى البابي وأولاده، الطبعة الثانية، ١٣٩٣ هـ، ١٩٧٣ م.
٤٠٠ - مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، لشمس الدين محمد بن أحمد الشربيني الخطيب، دار الكتب العلمية.
٤٠١ - المغني شرح مختصر الخرقي، موفق الدين عبد اللَّه بن أحمد بن قدامة، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م.
٤٠٢ - مفاتيح العلوم، لمحمد بن أحمد الخوارزمي، مكتبة الكليات الأزهرية، الطبعة الثانية، ١٤٠١ هـ.
٤٠٣ - مفاتيح الغيب، فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ، ٢٠٠٠ م.
٤٠٤ - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، لأبي العباس أحمد بن عمر القرطبي، دار ابن كثير، ودار الكلم الطيب، دمشق، وبيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ، ١٩٩٦ م.
٤٠٥ - المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، عبد الرحمن السخاوي، دار الكتاب العربي.
٤٠٦ - المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، لعبد الرحمن السخاوي، دار الكتاب العربي.
٤٠٧ - مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، علي بن إسماعيل الأشعري، أبو الحسن، تحقيق: هلموت ريتر، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة.
стр. 6652
٤٠٨ - مقاييس اللغة، أبو الحسين أحمد بن فارِس بن زكَرِيّا، تحقيق: عبد السَّلام محمد هَارُون، اتحاد الكتاب العرب، ١٤٢٣ هـ، ٢٠٠٢ م.
٤٠٩ - المقدمات المهمات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات، والتحصيلات المحكمات، لأبي الوليد محمد بن رشد، مكتبة المثنى، بغداد.
٤١٠ - ملتقى أهل التأويل www.attweel.com عبر الشبكة العنكبوتية في الإنترنت.
٤١١ - ملتقى أهل الحديث www.ahlalhadeeth.com عبر الشبكة العنكبوتية في الإنترنت.
٤١٢ - الملل والنحل، محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني، بيروت، دار المعرفة، ١٤٠٤ هـ.
٤١٣ - منار السبيل في شرح الدليل، إبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان، تحقيق: عصام القلعجي، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٥ هـ.
٤١٤ - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم؛ لعبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي أبو الفرج، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٥٨ م.
٤١٥ - المنتقى شرح الموطأ، لسليمان بن خلف الباجي، دار الكتاب الإسلامي، الطبعة الثانية.
٤١٦ - المنتقى من السنن المسندة، لعبد اللَّه بن علي بن الجارود أبو محمد النيسابوري، تحقيق: عبد اللَّه عمر البارودي، مؤسسة الكتاب الثقافية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ، ١٩٨٨ م.
٤١٧ - المنثور في القواعد الفقهية، بدر الدين بن محمد بهادر الزركشي، وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م.
٤١٨ - منح الجليل شرح مختصر خليل، محمد بن أحمد بن محمد (عليش)، دار الفكر، ١٤٠٩ هـ، ١٩٨٩ م.
٤١٩ - منهاج السنة النبوبة، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، أبو العباس، تحقيق: محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.
стр. 6653
٤٢٠ - المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ هـ.
٤٢١ - المهذب في فقه الإمام الشافعي، لإبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، دار الفكر، بيروت.
٢٤٢ - الموافقات، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ، ١٩٩٧ م.
٤٢٣ - موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي، لسعدي أبو جيب.
٤٢٤ - موسوعة الإجماع لشيخ الإسلام ابن تيمية، لعبد اللَّه البوصي.
٤٢٥ - الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، وزارة الأوقاف الكويتية.
٤٢٦ - موطأ الإمام مالك، ، مالك بن أنس أبو عبد اللَّه الأصبحي، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر.
٤٢٧ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، أبو عبد اللَّه، تحقيق: علي محمد البجاوي، لبنان، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر.
٤٢٨ - النافع الكبير شرح الجامع الصغير، لمحمد بن الحسن الشيباني.
٤٢٩ - النبذة الكافية في أحكام أصول الدين، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، أبو محمد، تحقيق: محمد أحمد عبد العزيز، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.
٤٣٠ - نسب قريش؛ لأبي عبد اللَّه المصعب بن عبد اللَّه بن المصعب الزبيري، تحقيق: ليفي بروفسال، دار المعارف، القاهرة.
٤٣١ - نصب الراية لأحاديث الهداية، لجمال الدين أبو محمد عبد اللَّه بن يوسف بن محمد الزيلعي، تحقيق: محمد عوامة، لبنان، بيروت، مؤسسة الريان للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ، ١٩٩٧ م.
стр. 6654
٤٣٢ - نظام القضاء في الشريعة الإسلامية، لفالح عبد الرحمن فالح الصغير، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير بمعهد القضاء العالي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٣٩٩ هـ، ١٩٧٩ م.
٤٣٣ - نظم العقيان في أعيان الأعيان؛ لجلال الدين السيوطي، دار النشر، المكتبة العلمية، بيروت.
٤٣٤ - نقد مراتب الإجماع، تقي الدين أبو العَباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد اللَّه بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، بعناية: حسن أحمد إسبر، بيروت، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ، ١٩٩٨ م.
٤٣٥ - نهاية الزين في إرشاد المبتدئين، لمحمد بن عمر بن علي بن نووي الجاوي، دار الفكر، بيروت.
٤٣٦ - نهاية السول شرح منهاج الوصول، لجمال الدين عبد الرحيم الإسنوي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ، ١٩٩٩ م.
٤٣٧ - نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، محمد بن شهاب الدين الرملي، دار الفكر، طبعة أخيرة، ١٤٠٤ هـ، ١٩٨٤ م.
٤٣٨ - النهاية في غريب الحديث والأثر، أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي محمود محمد الطناحي، المكتبة العلمية، بيروت، ١٣٩٩ هـ، ١٩٧٩ م.
٤٣٩ - النهاية في غريب الحديث والأثر، لأبي السعادات المبارك بن محمد الجزري، المكتبة العلمية، بيروت، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي، ١٣٩٩ هـ، ١٩٧٩ م.
٤٤٠ - نيل الأوطار، محمد بن علي الشوكاني، دار الحديث، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ، ١٩٩٣ م.
стр. 6655
٤٤١ - الهداية شرح بداية المبتدي، لأبي الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني المرغياني، المكتبة الإسلامية.
٤٤٢ - الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد؛ لأحمد بن محمد بن الحسين بن الحسن، أبو نصر البخاري الكلاباذي، تحقيق: عبد اللَّه الليثي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.
٤٤٣ - هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، لإسماعيل باشا البغدادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، سنة ١٩٥١ م.
٤٤٤ - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان؛ لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت.
٤٤٥ - الوفيات، للحافظ الخطيب البغدادي، تحقيق سعد الدين فرج الحاوي، مؤسسة صوت القلم العربي للنشر والتوزيع.
стр. 6656
سلسلة الرسائل الجامعية (٨٤)
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي
[١٠] مسائل الإجماع في أبواب حد السرقة وقطاع الطريق والبغي والردة
إعداد
د. عبد الله بن سعد بن عبد العزيز المحارب
أستاذ الفقه المساعد بجامعة الملك سعود
стр. 6657
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد للَّه الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على النبي الأكرم، الذي بُعث بين يدي الساعة إلى جميع الأمم، صلّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ما غرّد طير وترنّم، أمّا بعد:
فإنّ منزلة الإجماع في الفقه الإسلامي ذات أهميّة بالغة، لا تخفى على أحد، إذ أنّه أحد المصادر الأربعة لأدلّة المسائل الفقهيّة.
وما أجمع عليه المسلمون فهو يقين ثابت، وأمر مقطوع به، ولا يجوز مخالفته، ولا يحتاج معه إلى اجتهاد، بل إنّ الإجماع أقوى الأدلّة من ناحية الحجّة والدلالة، إذ إنّ الإجماع القطعي مقدّم على الكتاب والسنّة في المواضع التي ظاهرها التعارض (١)؛ لقوّته المستمدّة من كونه يعتمد على نصوص شرعيّة؛ ولأنّ الإجماع حجّة قاطعة لا يدخله النسخ، ثمّ إنّ الإجماع دليل على وجود دليل فرعي يعتمد عليه، وإن خفي علينا؛ لأنّ الإجماع لا بد له من مستند عند الجمهور (٢).
وبهذا تظهر مكانة الإجماع من بين الأدلّة الشرعيّة، وتبرز أهمّيته في المسائل الفقهيّة، إذا ذكر.
ولهذا عني به العلماء، وكتب فيه الفقهاء بعض المؤلّفات المستقلّة، كابن حزم، وابن المنذر، وغيرهما، ومن الفقهاء من كان يعنى بذكر مواضع الإجماع في كتبه عند عرضه للمسائل، كأمثال الموفّق ابن قدامة، وابن عبد البر،
стр. 6658
والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم.
وقد تبنَّى قسم الثقافة الإسلامية في كلية التربية بجامعة الملك سعود مشروعًا لجمع المسائل التي حُكي فيها الإجماع ودراستها، فرغبت المشاركة في هذا المشروع وتقدمت بهذه الخطة لبحث: "مسائل الإجماع في أبواب حد السرقة وقطاع الطريق والبغي والردة جمعًا ودراسة".
مشكلة البحث: لما كانت المسائل المذكورة في الإجماع منثورة في كتب الفقهاء، ومغمورة بين سطور مؤلّفات العلماء، اقتضى الأمر جمعها، وحصرها، وترتيبها، وتبويبها، ومن بعد ذلك النظر فيما أطلق عليه لفظ الإجماع من المسائل الفقهيّة، والتدقيق، والمقارنة، والتحقيق؛ لأنه يوجد مواضع كثيرة أطلق عليها الإجماع، ولكن عند النظر، والتتبع، والتدقيق، والمقارنة، والتحقيق، نرى أنّ الإطلاق كان فيه نوع توسّع، وشيء من التساهل أو ربّما الخطأ، والعصمة لمن عصمه اللَّه تعالى، ولرسوله ﷺ ، وبهذا يتبيّن الحاجة إلى التحقُّق من صحة وقوع الإجماع من عدمه.
حدود البحث: يتحدد موضوع البحث في المسائل التي حُكي فيها الإجماع أو الاتفاق أو نفي الخلاف، والمصطلحات ذات الصلة ومشتقاتها في أبواب حد السرقة، وحد قطاع الطريق، وحد البغي، وحد الردة.
مصطلحات البحث: المصطلحات الرئيسة في هذا البحث على سبيل الإجمال هي:
الإجماع: الإجماع هو اتفاق علماء العصر من أمة محمد ﷺ على أمر من أمور الدين (١).
стр. 6659
الحدود: هي عقوبة مقدرة شرعًا في معصية لتمنع الوقوع في مثلها (١).
السرقة: أخذ مال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه (٢).
قطاع الطريق -الحرابة-: الذين يعرضون للناس بالسلاح فيغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة (٣).
البغي: صِفة للظَلَمَة الخارجين عن طاعة الإمام المعتدين عليه (٤).
الردة: الإتيان بما يخرج به عن الإسلام إمًا فعلًا أو نطقًا أو اعتقادًا أو شكًّا ينقل عن الإسلام (٥).
أهميّة الموضوع: تتجلّى أهميّة الموضوع، وتبرز مكانته من خلال الأمور الآتية:
أوّلًا: مكانة الإجماع عمومًا في الفقه الإسلامي لما يلي:
أ- أنّ الإجماع مصدر أساس من مصادر التشريع الإسلامي المتّفق عليها.
ب- أنّ معرفة المسائل المجمع عليها من أهم الشروط الواجب توافرها في المجتهد.
стр. 6660
ج- أنّه إذا تحقق الإجماع في مسألة، فإنّه يجب التسليم به وعدم مخالفته.
د- أنّ الإجماع إذا تحقق؛ فإنّه يشترك مع الكتاب والسنّة في تكفير منكر القطعي منها.
ثانيًا: أهميّة تحقق وقوع الإجماع من عدمه في المسألة:
أ- كثيرًا ما يطلق في كتب الفقه لفظ الإجماع أو الاتفاق وعند المقارنة والتحقيق نجد أنّ اللفظ فيه كثير من التساهل، وأنّ الأمر ليس على إطلاقه.
ب- بعض الفقهاء يطلق الإجماع أو الاتفاق، ويقصد به الإجماع في المذهب.
ج- هناك من الفقهاء من يحكي الإجماع في مسائل قد عرف الخلاف فيها بل اشتهر.
د - تحرير مسائل الإجماع تنقطع المنازعات الفقهيّة، والردود المتضاربة في المسائل الفقهيّة.
هـ- إظهار أنّ مسائل إجماع الأمّة ليست بالمسائل النادرة، أو الشاذّة، كما يطلق عليها بعض الباحثين.
و- إذا حُرِّرت مسائل الإجماع وبُيّن موضع الالتقاء بين فقهاء الأمة، اتّضح أنّ ما يجمع أعظم مما يفرّق، مما يُمهّد لالتقاء القلوب وتآلفها وتقاربها، ويضعف نزعة التعصّب المذهبي، وبهذا نُسهم في جمع المسلمين على كلمة سواء.
ز- أن الكتب المؤلّفة في هذا الفن قليلة، مع أهميّة الموضوع.
ثالثًا: أهميّة ذكر مسائل الإجماع في حدود السرقة، وقطاع الطرق، والبغي، والردّة:
أ- حاجة المحاكم الجنائيّة الشرعيّة، والقضاء الشرعي إلى تحرير المسائل المتعلّقة بإجماع الأمّة في حدود السرقة، وقطاع الطريق، والبغي، والردّة، خصوصًا في هذه البلاد المباركة والتي تحكم بشرع اللَّه تعالى، وتتحاكم إليه في محاكمها، فيستفيد منها القضاة ومن هم في سلك القضاء، وأعوان القضاة، ومن يترافعون للقضاء، من هيئات التحقيق والادّعاء العام،
стр. 6661
والمحامين، ومن في سلكهم، وعليه فإنّ هذه الدراسة ستكون معينة -بإذن اللَّه تعالى- لهؤلاء جميعًا ولغيرهم في معرفة مسائل الإجماع في هذا الباب.
ب- إنّ جريمة السرقة من الجرائم المتكررة التي لا يخلو منها مجتمع مهما كان.
ج- حصول ظاهرة سلبيّة عند بعض شباب المسلمين ممن أخذهم الحماس الزائد، وتشرّبوا بعض الأفكار الخاطئة، بباعث الغيرة على الدّين! ! فشطّت بهم تلك الأفكار عن سواء السبيل، الأمر الذي أدى بهم إلى تكفير المسلمين، ثمّ رفع السلاح عليهم! ! ، فتحقيق مسائل الإجماع فيما يتعلق ببابي البغي والردة يساهم في رد الشبه عن شباب المسلمين، ومن ثمّ دفع الفتن عن الأمّة.
د- عدم وجود دراسة أكاديميّة متخصصة تناولت جمع مسائل الإجماع في أبواب (السرقة، وقطاع الطريق، والبغي، والردّة) من كتاب الحدود بهذا التفصيل الذي تناولته هذه الرسالة.
هـ - قلّة الدراسات والمؤلّفات غير الأكاديميّة المطبوعة في هذا الباب.
أسباب الاختيار: من أهم الأسباب التي دفعتني لاختيار الكتابة في هذا الموضوع:
أوّلًا: ما أشرت إليه آنفًا من أهميّة هذا الباب من العلم، وجدارته بأن تعمل فيه أنظار الباحثين درسًا وتحريرًا.
ثانيًا: التزوّد من العلم الشرعي والفقه في الدين، طمعًا في نيل الخيريّة، التي بشّر بها النبي ﷺ بقوله: (من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين) متفق عليه (١).
ثالثًا: طبيعة عملي، حيث سبق لي العمل قاضيًا في المحكمة العامّة في المملكة العربيّة السعوديّة، والآن أعمل محاميًا، وقد لمست أهمية دراسة هذه الأبواب من كتاب الحدود خصوصًا في القضايا الجنائيّة -وقد أشرت سابقًا في أهمية البحث أنّ الموضوع يهم القضاة ومن يترافعون للقضاء الشرعي من
стр. 6662
المحامين وغيرهم- فالدراسة لها عندي عناية خاصّة، وتشوّقًا للبحث والمعرفة في هذا الباب.
رابعًا: ندرة المؤلّفات المطبوعة في هذا الموضوع، فاتّجهت الهمّة للبحث فيه، تمهيدًا لطبعه وإخراجه؛ ليقدّم شيئًا جديدًا، يسهم في إثراء المكتبة الإسلاميّة، وإمدادها بالكتب الموسوعيّة.
أهداف البحث:
أوّلًا: استيعاب جميع المسائل التي حكي فيها الإجماع في باب حد (السرقة، وقطاع الطريق، والبغي، والردّة) من كتاب الحدود.
ثانيًا: تحرير المسائل التي حكي فيها الإجماع، وبيان أوجه الاتفاق والاختلاف فيها إن وجد.
ثالثًا: استقصاء العلماء الذين حكوا الإجماع، أو نقلوه، وارتضوه في المسائل الفقهيّة المتعلقة بمحل البحث.
رابعًا: استقراء جميع آراء العلماء الذين كانت لهم مواقف أخرى من هذا الإجماع، بأن حكوا الخلاف، أو نفوا وقوع الإجماع، أو أظهروا الخلاف في المسألة.
خامسًا: الموازنة بين الاتّجاهين -من أثبت الإجماع، وادّعى وقوعه، وبين من نفاه-؛ وذلك للوصول إلى نتيجة نهائيّة واضحة، ترجح هذا الرأي، أو الرأي الآخر.
سادسًا: توضيح المستند الذي اعتمد عليه الإجماع من الكتاب والسنّة.
أسئلة البحث: تجيب هذه الدراسة عن جملة من التساؤلات، أهمّها:
أوّلًا: ما المسائل التي حُكي فيها الإجماع في أبواب (حد السرقة، حد قطاع الطريق، حد البغي، حد الردّة): من كتاب الحدود؟
ثانيًا: من حكى الإجماع في تلك المسائل من أهل العلم؟ ومن نقل ذلك
стр. 6663
الإجماع عن غيره وارتضاه؟
ثالثًا: هل هناك من أهل العلم من نفى الإجماع في مسألة من تلك المسائل؟ أو حكى خلافًا في المسألة، أو أظهر خلافًا؟
رابعًا: عند وقوع اختلاف بين من يدّعي وقوع الإجماع، وبين من ينفي وقوعه، أو يحكي خلافًا فأي القولين أحق بالصواب؟ وما الأدلّة على ذلك؟
خامسًا: ما الأقوال الشاذّة التي تتعارض مع الإجماع، وما الأدلّة على شذوذها ومخالفتها للإجماع؟
سادسًا: ما المستند الشرعي من الكتاب والسنّة، الذي بني عليه الإجماع، في المسائل التي حكي فيها الإجماع؟
إجراءات البحث: سلكت في هذه الدراسة الخطوات التالية:
أوّلًا: قمت باستقراء الكتب المعتمدة في المشروع، في باب محل الدراسة بغية حصر الإجماعات الواردة.
ثانيًا: ذكرت المسألة التي حكي فيها الإجماع بصيغة مناسبة شاملة.
ثالثًا: حرَّرتُ المسألة المراد بحثها، موضحًا حد المسألة الذي يفصل بين ما يكون داخلًا فيها وخارجًا عنها، أخذًا من السياق العام للمسألة في مواردها التي ذُكرت فيه.
رابعًا: أذكر أوّل من نقل الإجماع، ثمّ أذكر من نقل الإجماع بعده، مراعيًا الترتيب الزمني، على أن أذكر النصّ بعينه، وعند تكرار ذلك الإجماع لعالم واحد في المسألة الواحدة، فإنني أكتفي بذكر نصّ واحد يكون هو أوضحها وأصرحها، وأشير إلى بقيّة النصوص بالهامش ذاكرًا الكتاب والجزء والصفحة.
خامسًا: عند سلامة الإجماع أذكر النتيجة، مبيّنًا زمن انعقاد الإجماع إن وجد، وقوّته، من حيث كثرة القائلين به.
стр. 6664
سادسًا: عند وجود من نقد الإجماع من أهل العلم، أو من حكى الخلاف في المسألة، فإنني أجتهد في التحقق منه، وأعزوه إلى الكتب المعتمدة.
ثمّ أوازن بين من قال بالإجماع ومن نفاه، لأصل إلى نتيجة نهائيّة، أخلص من خلالها إلى إثبات سلامة الإجماع أو نفيه، موضّحًا الأسباب التي جعلتني أصل إليها.
سابعًا: أذكر مستند الإجماع من الكتاب والسنّة إن علم، وإلا ذكرته بطرق الاستنباط الأخرى مراعيًا الصيغة الشاملة المختصرة.
ثامنًا: أقوم بترتيب الأبواب والفصول والمسائل، حسب الترتيب الفقهي، الذي درج عليه متأخروا الحنابلة، وذلك بحسب الإمكان.
تاسعًا: الحواشي والملحقات.
أ. أعزو الآيات إلى سورها، وأخرّج الأحاديث فما كان في الصحيحين أو في أحدهما فأكتفي بتخريجه منهما، وما كان في غيرهما فأخرجه من كتب السنّة، مع بيان درجة الحديث، وأخرج الآثار من مصادرها.
ب. أعمل ترجمة مختصرة للأعلام في الهامش.
ج. أشرح المصطلحات والكلمات الغامضة.
د. أقوم بالتعريف بالأماكن والبلدان.
منهج البحث: اتبعت في دراستي هذه المنهجين العلميين التاليين:
أوّلًا: المنهج الاستقرائي: الذي يقوم على استقراء وتصفّح وتتبع المسائل الفقهيّة، التي حكي فيها الإجماع، وجمعها وتقييدها، من خلال استقراء الكتب المعتمدة في خطّة المشروع.
ثانيًا: المنهج الاستنتاجي: الذي يعتمد على دراسة تلك المسائل التي حكي فيها الإجماع، وتأكيد الإجماع حال ثبوته، أو تفنيده حال وقوع الخلاف في ذلك.
стр. 6665
خطّة البحث: وتتضمن: مقدّمة، وأربعة أبواب، وخاتمة.
المقدّمة: وتشمل: بيان أهميّة الموضوع، وسبب الاختيار، والدراسات السابقة، وأهداف البحث، وحدوده، ومنهجه.
تمهيد: وتشتمل على عرض مختصر عن الإجماع، وتعريفه، وحجّيته، ومكانته من التشريع.
الباب الأوّل: مسائل الإجماع في باب حد السرقة: وفيه تمهيد وسبعة فصول.
تمهيد: يتضمّن تعريف السرقة وحدها.
الفصل الأوّل: مسائل الإجماع العامّة في حد السرقة.
الفصل الثاني: مسائل الإجماع في شروط حد السرقة.
الفصل الثالث: مسائل الإجماع فيما يثبت به حد السرقة.
الفصل الرابع: مسائل الإجماع فيما يوجب حد السرقة.
الفصل الخامس: مسائل الإجماع فيما لا يوجب حد السرقة.
الفصل السادس: مسائل الإجماع فيما يسقط حد السرقة.
الفصل السابع: مسائل الإجماع في صفة إقامة حد السرقة.
الباب الثاني: مسائل الإجماع في باب حد الحرابة (قطاع الطريق): وفيه تمهيد وخمسة فصول.
تمهيد: يتضمّن التعريف بحد قطاع الطريق، وحكمه، وأدلّة مشروعيّته.
الفصل الأوّل: مسائل الإجماع العامّة في حد قطاع الطريق.
الفصل الثاني: مسائل الإجماع في صفة حد قطاع الطريق.
الفصل الثالث: مسائل الإجماع فيما يوجب حد قطاع الطريق.
الفصل الرابع: مسائل الإجماع فيما لا يوجب حد قطاع الطريق.
الفصل الخامس: مسائل الإجماع في مسقطات حد قطاع الطريق.
стр. 6666
الباب الثالث: مسائل الإجماع في باب حد البغي: وفيه تمهيد وخمسة فصول.
تمهيد: يتضمّن التعريف بحد البغي، وحكمه، وأدلّة مشروعيّته.
الفصل الأوّل: مسائل الإجماع العامّة في حد البغي.
الفصل الثاني: مسائل الإجماع في ضابط البغاة.
الفصل الثالث: مسائل الإجماع فيما يوجب حد البغاة.
الفصل الرابع: مسائل الإجماع فيما لا يوجب حد البغاة.
الفصل الخامس: مسائل الإجماع فيما يسقط حد البغاة.
الباب الرابع: مسائل الإجماع في باب حد الردّة: وفيه تمهيد وأربعة فصول.
تمهيد: يتضمّن التعريف بحد الردّة، وحكمها، وأدلّة مشروعيّته.
الفصل الأوّل: مسائل الإجماع العامّة في حد الردة.
الفصل الثاني: مسائل الإجماع في صفة حد الردّة.
الفصل الثالث: مسائل الإجماع فيما يوجب حد الردّة.
الفصل الرابع: مسائل الإجماع فيما لا يوجب حد الردّة.
الخاتمة: فيها عرض نتائج البحث والتوصيات التي أرى أهمّيتها.
المراجع والمصادر.
فهرس الموضوعات.
стр. 6667
الباب الأول مسائل الإجماع في باب حد السرقة
وفيه:
تمهيد، وسبعة فصول:
الفصل الأول: مسائل الإجماع العامة في حد السرقة.
الفصل الثاني: مسائل الإجماع في شروط حد السرقة.
الفصل الثالث: مسائل الإجماع فيما يثبت به حد السرقة.
الفصل الرابع: مسائل الإجماع فيما يوجب حد السرقة.
الفصل الخامس: مسائل الإجماع فيما لا يوجب حد السرقة.
الفصل السادس: مسائل الإجماع فيما يسقط حد السرقة.
الفصل السابع: مسائل الإجماع في صفة إقامة حد السرقة.
стр. 6668
التمهيد
المبحث الأول: تعريف الحد لغة واصطلاحًا:
• أولًا: تعريف الحد لغةً: الحد مصدر من حَدَّ يَحُدُّ حدًّا، وجمعه: حدود، وأصل هذه المادة يطلق على أمرين:
قال ابن فارس: "الحاء والدال أصلان: الأوّل المنع، والثاني طَرَف الشيء" (١).
فهذان أصلان لهذه المادة، فالأول المنع، ومنه: حدود اللَّه: أي محارمه، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (٢)، ومنه الحديد سُمي بذلك به لأنه مَنِيع.
ومنه حدود اللَّه تعالى كحد السرقة وغيره، سُميت بذلك لأنها تمنع من الوقوع في مثل ذلك الذنب، وقيل: لأن اللَّه تعالى حددها بأمر مقدَّر، ومنع من الزيادة عليها (٣).
والأصل الثانى: طرف الشيء ومنتهاه، ومنه: حد السكين: أي طرفه الحاد (٤).
• ثانيًا: تعريف الحد اصطلاحًا: تنوعت عبارات الفقهاء في ضابط الحد، على النحو الآتي:
فعند الحنفية: قال الكاساني: "عقوبة، مقدرة، واجبة، حقًا للَّه تعالى" (٥).
стр. 6669
وعند المالكية: قال النفراوي (١): "ما وضع لمنع الجاني من عوده لمثل فعله، وزجر غيره" (٢).
وعند الشافعية: قال الشربيني: "عقوبة، مقدرة، وجبت حقا للَّه تعالى كما في الزنا، أو لآدمي كما في القذف" (٣).
وعند الحنابلة: قال البهوتي (٤): "عقوبة، مقدرة، شرعًا، في معصية؛ لتمنع من الوقوع في مثلها" (٥).
وبالنظر إلى التعاريف السابقة يتبيَّن أن ثمة تقارب في التعريف الاصطلاحي بين المذاهب، عدا المالكية فإن التعريف الذي ذكروه فيه قصور بيِّن (٦).
والمختار في ضابط الحد اصطلاحًا أن يقال: هو عقوبة مقدرة شرعًا على
стр. 6670
معصية يُغلَّب فيها حق اللَّه (١).
• بيان محترزات التعريف:
عقوبة: جنس في التعريف، يشمل العقوبة المقدرة وغير المقدرة، فمن العقوبات المقدرة: حد الزنا، وشرب الخمر، والقصاص، والديات، والكفارات مثل كفارة اليمين والظهار وغيرها، أما العقوبات غير المقدرة: فهي العقوبات التعزيرية.
وخرج بهذا القيد الجزاءات الشرعية المقدرة التي لا تعد عقوبة مثل كفارة اليمين، وكفارة الظهار.
مقدرة: أنها لها مِقدار معيَّن، وخرج بهذا القيد العقوبات غير المقدرة، وهي التعزيرية، فإنه لا يسمى حدًا بالمعنى الاصطلاحي، وإن كان يُعد حدًا بالمعنى الشرعي العام.
شرعًا: المقصود أن أصل تقديرها من قبل الشارع إما بكتاب أو سنة أو إجماع، فخرج بذلك العقوبات التي يقدرها الإمام من باب السياسة الشرعية.
على معصية: قيد خرج به الجزاءات المقدرة شرعًا على غير معصية، مثل كفارة اليمين، والفدية في الحج، وكفارة القتل الخطأ، ونحوها.
يغلب فيها حق اللَّه: أي يجتمع في هذه العقوبات حق اللَّه وحق الآدمي لكن الأغلب هو حق اللَّه، فلا تسقط بالعفو، وخرج بهذا القيد العقوبات المقدرة على الجنايات كالقصاص والديات، إذ المغلب فيها هو حق الآدمي.
وهذه الحدود في الشرع هي سبعة، وتشمل المقاصد الضرورية الخمسة، وهي:
стр. 6671
١ - حد الزنا: لحفظ النسل.
٢ - حد القذف: لحفظ العرض.
٣ - حد الخمر: لحفظ العقل.
٤ - حد السرقة: لحفظ المال.
٥ - حد الحرابة: لحفظ النفس، والمال، والعرض.
٦ - حد البغي: لحفظ الدين، والنفس، والمال، والعرض.
٧ - حد الردة: لحفظ الدين.
стр. 6672
المبحث الثاني تعريف السرقة لغةً واصطلاحًا
• أولًا: تعريف السرقة لغة: يقال: سَرَق الشيء يسْرِقه سَرَقًا، وسَرِقًا واستَرَقَه، وقد بيَّن ابن فارس أصل هذه المادة فقال: "السين والراء والقاف: أصل يدل على أخذ شيء في خفاء وستر، . . . ومما شذ عن هذا الباب: السَّرَق: جمعَ سَرَقة، وهي القطعة من الحرير" (١).
ومنه يُقال: استراق فلان السمع: إذا سمعه مختفيًا، ويُقال: فلان يُسارِق النظَر إليه: إذا ترصَّد غَفلتَه لينظر إليه (٢).
والسرقة عند أهل اللغة: نقل ابن منظور (٣) والزبيدي (٤) أن السارق عند
стр. 6673
العرب: "من جاء مُسْتَتِرًا إلى حِرْزٍ فأخذ منه ما ليس له" (١).
وقال الفيروزآبادي (٢): "سرق منه الشيء يسرق سَرَقًا. . .: جاء مستترا إلى حرز فأخذ مالًا لغيره" (٣).
وقال التهانوي (٤): "سرق منه شيئًا: أي جاء مستترًا إلى حرز فأخذ مال غيره" (٥).
وبهذا يتبيَّن أن السرقة في الإطلاق اللغوي تتضمن ثلاثة أمور:
الأول: أن يأخذ الإنسان ما ليس له.
الثاني: أن يكون الأخذ بخفية.
الثالث: أن يأخذه من حرز.
أما ما زاد على هذه القيود الثلاثة كتقدير الشيء المسروق بنصاب معيَّن فغير وارد في حد السرقة عند أهل اللغة، بل تطلق حتى على أخذ الشيء التافه.
وقد نقل ابن حزم إجماع أهل اللغة على عدم اعتبار الحرز في تعريف
стр. 6674
السرقة من حيث اللغة، حيث قال: "أما الإجماع فإنه لا خلاف بين أحد من الأمة كلها في أن السرقة هي الاختفاء بأخذ الشيء ليس له، والسارق هو المختفي بأخذ ما ليس له" (١).
وقال: "باللغة يدري كل أحد يدري اللغة أن من سرق -من حرز أو من غير حرز- فإنه سارق، وأنه قد اكتسب سرقة، لا خلاف في ذلك" (٢).
وما ادعاه ابن حزم فيه نظر، والصواب اعتبار قيد الحرز عند العرب كما سبق من كلام أهل اللغة، وقد أشار إلى هذا بعض الفقهاء، منهم الصنعاني حيث قال في الاستدلال لكون الحرز معتبر في قطع السارق: "الإحراز مأخوذ في مفهوم السرقة، فإن السرقة والاستراق هو المجيء مستترًا في خفية؛ لأخذ مال غيره من حرز، كما في القاموس وغيره، فالحرز مأخوذ في مفهوم السرقة لغة، ولذا لا يقال لمن خان أمانته: سارق" (٣).
وقال الشوكاني: "مما يؤيد اعتباره -أي الحرز- قول صاحب القاموس: "السرقة والاستراق: المجيء لأخذ مال غيره من حرز"، فهذا إمام من أئمة اللغة جعل الحرز جزءًا من مفهوم السرقة" (٤).
• ثانيًا: تعريف السرقة اصطلاحًا: ختلفت عبارات الفقهاء في ضابط السرقة الموجبة للحد، وذلك لاختلافهم في الشروط الموجبة للقطع، أذكرها على سبيل الإجمال، ثم أذكر تعريفًا جامعًا للسرقة مع بيان محترزاته، ثم أذكر في محتزاته من خالف فيه من أهل العلم.
стр. 6675
فعند الحنفية: قال الزيلعي (١) هي أخذ مكلف، خفية، قدر عشرة دراهم مضروبة، محرزة بمكان أو حافظ" (٢).
وعند المالكية: قال ابن عرفة (٣): "أخْذ مكلفٍ، حرًا لا يعقل لصغره، أو مالًا محترمًا، لغيره، نصابًا، أخرجه من حرزه، بقصد واحد، خفية، لا شبهة له فيه" (٤).
وعند الشافعية: قال ابن حجر الهيتمي (٥): "أخذ المال خفية من حرز مثله" (٦).
стр. 6676
وعند الحنابلة: قال الحجاوي (١): "أخْذ مال، محترم، لغيره، وإخراجه من حرز مثله، لا شبهة له فيه، على وجه الاختفاء" (٢).
والمختار في تعريف السرقة في الاصطلاح الشرعي أن يُقال: هي أخذ المكلف، مالًا، محترمًا، محرزًا، يبلغ نصابًا، ملكًا للغير، لا شبهة له فيه، على وجه الخفية (٣).
• بيان محترزات التعريف:
أَخْذ: أي أن يأخذ الشخصُ ذلك الشيء المسروق، ويخرج بهذا القيد أمران:
الأول: ما لو أُعطي ذلك الشيء عن طريق الهبة ونحوه، وهذا القيد ظاهر في جهة المعنى اللغوي والشرعي.
الثاني: ما لو هتك الحرز أو دخله، ولم يُخرج المتاع منه، بأن قُبض عليه وهو في الحرز.
فهذا لا قطع عليه باتفاق الأئمة الأربعة (٤)، وخالف فيه ابن حزم بناءً على أن الحرز ليس شرطًا في الأصل (٥).
стр. 6677
العاقل: خرج بهذا القيد المجنون، والمعتوه، والنائم، والمغمى عليه، فإنه لا حد على أحد من هؤلاء بإجماع أهل العلم كما حكاه ابن حزم (١)، وابن عبد البر (٢)، وابن قدامة (٣)، والنووي (٤)، وغيرهم (٥).
البالغ: خرج بهذا القيد ما لو سرق غير البالغ (٦)، فإنه لا حد عليه بإجماع
стр. 6678
أهل العلم.
стр. 6679
كما نقله الشافعي (١)، وابن قدامة (٢)، وشمس الدين ابن قدامة (٣).
مالًا: أن أن يكون المسروق مما يجوز أن يجري عليه البيع والشراء، ويخرج بهذا القيد ما ليس بمال مما لا يُباع ويُشترى، إما لحرمة بيعه وشراءه شرعًا كالإنسان الحر، وإما لكونه من التافه الذي لا قيمة له، ولا يلتفت إليه أحد، وهذا القيد هو محل اتفاق بين المذاهب الأربعة (٤).
إلا أن المالكية وابن حزم استثنوا من ذلك سرِقة الحر الصغير فأوجبوا فيها القطع (٥).
محترمًا: أي أن يكون المال المسروق محترمًا من جهة الشرع، بكونه مباحًا غير محرَّم، وخرج به ما كان محرم شرعًا كآلات المعازف، والخمر ونحوهما، وكذا مال الحربي الذي ليس له أمان، فإنه لا حرمة له، وهذا القيد محل اتفاق بين المذاهب الأربعة (٦).
محرزًا: أي أن يكون في حرز، هو ما نُصب لحفظ أموال الناس عادة (٧)، وخرج بهذا القيد ما لو كان المال غير محرز، فإن أخذه حينئذٍ لا يوجب الحد،
стр. 6680
وهذا القول حَكى عليه الإجماع جماعة من أهل العلم منهم ابن المنذر (١)، وأبو بكر الجصاص (٢)، وابن عبد البر (٣)، وابن العربي (٤)، وابن هبيرة (٥)، وابن قدامة (٦)، وغيرهم (٧).
وخالف في ذلك ابن حزم فلم ير للحرز اعتبارًا في وجوب الحد (٨).
يبلغ نصابًا: أي أن يبلغ المال المسروق نصابًا (٩)، وهذا الشرط نقل فيه غير واحد من أهل العلم الإجماع عليه، منهم الطحاوي (١٠)، والكاساني (١١)، وابن قدامة (١٢)، وشمس الدين ابن قدامة (١٣)،
стр. 6681
وابن مفلح (١)(٢)، وغيرهم (٣).
وخالف فيه ابن حزم فلم ير لحد السرقة نصابًا، واختار القطع في سرقة القليل والكثير (٤).
ملكًا للغير: أي يشترط أن يكون المال المسروق ليس ملكًا لمن سرقه، وخرج بهذا القيد ما لو سرق ما هو ملك له في الأصل، كأن يودِع ماله عند شخص ما، ثم يسرقه، فلا يُقام عليه الحد حينئذٍ، أو أن يُؤخذ منه مال عن طريق السرقة أو الاغتصاب أو غير ذلك، فيسترجعه عن طريق السرقة، فلا قطع حينئذ باتفاق المذاهب الأربعة (٥).
لا شبهة له فيه: خرج بهذا القيد ما فيه شبهة، كسرقة الوالد من مال ولده، وسرقة العبد من سيده، والسرقة وقت المجاعة، حكى ابن المنذر الإجماع عليه (٦)، وذلك على اختلاف بين الفقهاء في بعض الصور هل تدخل في حد
стр. 6682
الشبهة أم لا (١).
وخالف ابن حزم فذهب إلى وجوب القطع ولو كان ثمة شبهة تدرؤ الحد، إلا ما وُجد فيه نص على عدم القطع فيمتنع القطع لا لأجل الشبهة، ولكن لأجل النص المانع من إقامة الحد (٢).
على وجه الخفية: أي أن السارق فعل سرقته خفية عن أنظار الناس، وخرج بهذا القيد ثلاثة أمور:
أولًا: الغاصب والمنتهب: وهو من أخذ المال من صاحبه جهارًا، قهرًا (٣).
فهذا لا قطع عليه بإجماع أهل العلم كما حكاه ابن العربي (٤)، وابن حجر (٥)، وغيرهم (٦).
ثانيًا: الاختلاس: وهو أخذ الشيء غير المُحرَز بحضرة صاحبه جهرًا مع الهرب به، ويكون باستغفال صاحب المال بدون غلبة، وقد يتفطن له صاحب المال ويكون ثمة مغالبة (٧).
стр. 6683
فلو سرق المختلس فلا قطع عليه، وحكى عليه الإجماع كثير من أهل العلم منهم ابن المنذر (١)، وابن حزم (٢)، وابن عبد البر (٣)، وابن العربي (٤)، وغيرهم (٥).
ثالثًا: الخائن: هو الذي يؤتمن على شيء بطريق العارية أو الوديعة أو نحو ذلك، فيأخذه ويدعي ضياعه، أو ينكر أنه كان عنده وديعة أو عارية، فإن هذا لا قطع عليه، وحكى الإجماع على ذلك ابن المنذر (٦)، وابن عبد البر (٧)، وابن حجر (٨)، وغيرهم (٩).
وخالف فيه ابن حزم فذهب إلى وجوب الحد على الخائن (١٠)، وعن أحمد رواية -هي المذهب- بوجوب الحد على جاحد العارية (١١).
• موافقة التعريف اللغوى للاصطلاحى: يمكن القول بأن السرقة على قسمين:
أولًا: ما يتعلق به التحريم: فهذا النوع يتوافق فيه المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، فكل من أخذ مال غيره من حرز خفية، فإنه سارق لغةً، فاعل لمحرّم شرعًا.
стр. 6684
ثانيًا: ما يتعلق به حد القطع: فهذا النوع يزيد المعنى الشرعي عن اللغوي قيودًا يجب توفرها (١).
تنبيه: المراد بالسرقة هنا: السرقة الصغرى؛ إذ السرقة عند الفقهاء تطلق على قسمين:
الأول: سرقة صغرى، وهي السرقة المرادة بهذا الباب.
الثاني: سرقة كبرى، وهي تطلق على قطاع الطريق، أما كونه "سرقة" فباعتبار أن قاطع الطريق يأخذ المال خفية عن عين الإمام الذي عليه حفظ الطريق، وأما كونه "كبرى" فلأن ضرره يعم عامه المسلمين حيث ينقطع عليهم الطريق بزوال الأمن بخلاف السرقة الصغيرة فإن ضررها خاص، ولأن حد قطاع الطريق بالقطع من خلاف أغلظ من حد السرقة الصغري بقطع اليد اليمنى (٢).
стр. 6685
المبحث الثالث الأصل في مشروعية حد السرقة
قطع يد السارق كان معمولًا به في الجاهلية، وكان أول من حَكَمَ به في الجاهلية الوليد ابن المغيرة (١).
فأقر اللَّه تعالى ذلك الحكم في الإسلام، وأمر به، وحذّر من التهاون فيه.
وكان أول سارق قطع من الرجال في الإسلام الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف (٢).
أما من النساء فمُرَّة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم (٣)(٤).
والأصل في مشروعية حد السرقة الكتاب والسنة والإجماع:
• أولًا: من الكتاب: يدل على حد السرقة من الكتاب قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٥).
стр. 6686
• ثانيًا: من السنة:
١ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ : "أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد (١) حب رسول اللَّه ﷺ ، فأتي بها رسول اللَّه ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ ، فقال: (أتشفع في حد من حدود اللَّه)؟ فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه، فلما كان العشي، قام رسول اللَّه ﷺ ، فاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها" متفق عليه (٢).
٢ - عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يقطع السارق في ربع دينار فصاعدًا" متفق عليه (٣). وفي لفظ لمسلم (٤) أيضًا عن عائشة رضي اللَّه
стр. 6687
عنها عن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا) (١).
٣ - عن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ قطع في مجن (٢) قيمته ثلاثة دراهم" متفق عليه (٣).
٤ - عن أبي هريرة ﵁ (٤) عن عن النبي ﷺ قال: (لعن اللَّه السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) متفق عليه (٥).
والأدلة في هذا الباب كثيرة جدًا، سيأتي جملة منها فيما يأتي من هذا الباب.
ثالثًا: الإجماع: أجمع أهل العلم على وجوب حد السرقة، على خلاف بينهم في الضابط الذي يعتبر السارق فيه ممن يجب عليه الحد، وقد نقل الإجماع جماعة من أهل العلم منهم ابن حزم حيث قال: "وجب القطع في السرقة بنص القرآن، ونص السنة، وإجماع الأمة" (٦).
стр. 6688
وقال أبو الوليد الباجي (١): "وبه قال جماعة العلماء" (٢). وقال القرطبي: "لا خلاف فيه" (٣). وقال النووي: "أجمع المسلمون على قطع السارق في الجملة وإن اختلفوا في فروع منه" (٤). وقال ابن قدامة: "أجمع المسلمون على وجوب قطع السارق في الجملة" (٥). وقال العراقي: "وجوب قطع السارق في الجملة، وهو مجمع عليه" (٦).
وإجماعات أهل العلم في بعض مسائل السرقة التي سترد في هذا الباب، تدخل في الإجماع على وجوب الحد في السرقة من حيث العموم.
стр. 6689
المبحث الرابع ماهية الحد الواجب بالسرقة
من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ المال الذي جعله اللَّه أمانة في يد الإنسان ليستعين به على طاعة ربه، وعمارة الأرض التي استخلفه باريه فيها ليقيم فيها شرعه، فحث اللَّه على التجارة المشروعة، وحرم المكاسب المحرمة، كالغصب والظلم والربا، وأبشع ذلك وأشنعه: السرقة، فهي مال خبيث مأخوذ بجريمة مستبشعة، توجب زعزعة الأمن، وإدخال الرعب في قلوب الناس، ولذا شرع اللَّه تعالى على من سرق، وتوفرت فيه شروط الحد السابقة بأن تقطع يده اليمنى، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع:
• أولًا: من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (١).
• ثانيًا: من السنة:
١ - حديث عائشة ﵂ السابق في شأن المخزومية التى سرقت وفيه: "قال النبي ﷺ : (وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها" (٢).
٢ - عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يقطع السارق فى ربع دينار فصاعدًا" (٣).
وفي لفظ لمسلم أيضًا عن عائشة ﵂ عن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا
стр. 6690
تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا) (١).
٣ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم (٢).
٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لعن اللَّه السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) (٣).
والأدلة في هذا الباب كثيرة جدًا، سيأتي جملة منها فيما يأتي من هذا الباب.
• ثالثًا: الإجماع: نقل جماعة من الفقهاء الإجماع على أن حد السرقة هو قطع اليد اليمنى، وممن حكى الإجماع عليه أو بكر الجصاص (٤)، وابن حزم (٥)، وابن عبد البر (٦)، والبغوي (٧)، وابن هبيرة (٨)، وابن قدامة (٩)، والقرطبي (١٠)، والنووي (١١)، وشمس الدين ابن قدامة (١٢)، وابن تيمية (١٣)، وابن كثير (١٤)، وابن حجر (١٥)، وغيرهم (١٦).