← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.

стр. 6686

• ثانيًا: من السنة: ١ - عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ : "أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد (١) حب رسول اللَّه ﷺ ، فأتي بها رسول اللَّه ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ ، فقال: (أتشفع في حد من حدود اللَّه)؟ فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه، فلما كان العشي، قام رسول اللَّه ﷺ ، فاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها" متفق عليه (٢). ٢ - عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يقطع السارق في ربع دينار فصاعدًا" متفق عليه (٣). وفي لفظ لمسلم (٤) أيضًا عن عائشة رضي اللَّه

стр. 6687

عنها عن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا) (١). ٣ - عن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﷺ قطع في مجن (٢) قيمته ثلاثة دراهم" متفق عليه (٣). ٤ - عن أبي هريرة ﵁ (٤) عن عن النبي ﷺ قال: (لعن اللَّه السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) متفق عليه (٥). والأدلة في هذا الباب كثيرة جدًا، سيأتي جملة منها فيما يأتي من هذا الباب. ثالثًا: الإجماع: أجمع أهل العلم على وجوب حد السرقة، على خلاف بينهم في الضابط الذي يعتبر السارق فيه ممن يجب عليه الحد، وقد نقل الإجماع جماعة من أهل العلم منهم ابن حزم حيث قال: "وجب القطع في السرقة بنص القرآن، ونص السنة، وإجماع الأمة" (٦).

стр. 6688

وقال أبو الوليد الباجي (١): "وبه قال جماعة العلماء" (٢). وقال القرطبي: "لا خلاف فيه" (٣). وقال النووي: "أجمع المسلمون على قطع السارق في الجملة وإن اختلفوا في فروع منه" (٤). وقال ابن قدامة: "أجمع المسلمون على وجوب قطع السارق في الجملة" (٥). وقال العراقي: "وجوب قطع السارق في الجملة، وهو مجمع عليه" (٦). وإجماعات أهل العلم في بعض مسائل السرقة التي سترد في هذا الباب، تدخل في الإجماع على وجوب الحد في السرقة من حيث العموم.

стр. 6689

المبحث الرابع ماهية الحد الواجب بالسرقة من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ المال الذي جعله اللَّه أمانة في يد الإنسان ليستعين به على طاعة ربه، وعمارة الأرض التي استخلفه باريه فيها ليقيم فيها شرعه، فحث اللَّه على التجارة المشروعة، وحرم المكاسب المحرمة، كالغصب والظلم والربا، وأبشع ذلك وأشنعه: السرقة، فهي مال خبيث مأخوذ بجريمة مستبشعة، توجب زعزعة الأمن، وإدخال الرعب في قلوب الناس، ولذا شرع اللَّه تعالى على من سرق، وتوفرت فيه شروط الحد السابقة بأن تقطع يده اليمنى، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع: • أولًا: من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (١). • ثانيًا: من السنة: ١ - حديث عائشة ﵂ السابق في شأن المخزومية التى سرقت وفيه: "قال النبي ﷺ : (وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها" (٢). ٢ - عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول اللَّه ﷺ يقطع السارق فى ربع دينار فصاعدًا" (٣). وفي لفظ لمسلم أيضًا عن عائشة ﵂ عن رسول اللَّه ﷺ قال: (لا

стр. 6690

تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا) (١). ٣ - عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم (٢). ٤ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لعن اللَّه السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) (٣). والأدلة في هذا الباب كثيرة جدًا، سيأتي جملة منها فيما يأتي من هذا الباب. • ثالثًا: الإجماع: نقل جماعة من الفقهاء الإجماع على أن حد السرقة هو قطع اليد اليمنى، وممن حكى الإجماع عليه أو بكر الجصاص (٤)، وابن حزم (٥)، وابن عبد البر (٦)، والبغوي (٧)، وابن هبيرة (٨)، وابن قدامة (٩)، والقرطبي (١٠)، والنووي (١١)، وشمس الدين ابن قدامة (١٢)، وابن تيمية (١٣)، وابن كثير (١٤)، وابن حجر (١٥)، وغيرهم (١٦).

стр. 6691

أما محل القطع من الكف: فمن مفصل الكف: الفاصل بين الكف والساعد، وهو ما يُسمى بالرِّسغ، ويعبر عنه آخرون بالكوع، ولا منافاة؛ فإن الرسغ هو مفصل الكف، وله طرفان، هما عظمان، فالذي يلي الإبهام كوع، والذي يلي الخنصر كرسوع (١)، وقد نقل الإجماع على أن محل القطع هو مفصل الكف جماعة من أهل العلم منهم: أبو بكر الجصاص (٢)، وابن هبيرة (٣)، وابن قدامة (٤)، وشمس الدين ابن قدامة (٥)، وابن الهمام (٦)، وغيرهم (٧).

стр. 6692

الفصل الأول مسائل الإجماع العامة في حد السرقة [١/ ١] المسألة الأولى: السارق يقال له فاسق، فاجر، ما لم يظهر منه خشوع التوبة مما ركب من المعصية . • المراد بالمسألة: لو ثبتت السرقة على شخص، فإنه يطلق عليه اسم الفسق، غير المخرج من الملة، إلا إن ظهر منه توبة من السرقة. وينبه إلى أن المراد بالمسألة هو إطلاق اسم الفسق عليه، لا أن ينادى بـ (يا فاسق)، أو (يا فاجر). • من نقل الإجماع: قال ابن جرير الطبري (٣١٠ هـ): "الصواب من القول في ذلك عندنا في معنى قول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن) (١). قول من قال: يزول عنه الاسم الذي هو معنى المدح إلى الاسم الذي هو بمعنى الذم، فيقال له: فاسق، فاجر، زان، سارق، وذلك أنه لا خلاف بين جميع علماء الأمة أن ذلك من أسمائه، ما لم يظهر منه خشوع التوبة مما ركب من المعصية" (٢) ونقله عنه ابن بطال (٣) (٤) وابن حجر (٥).

стр. 6693

وقال ابن كثير (٧٧٤ هـ): "أجمع أهل السنة على أن من أكل مالًا حرامًا ولو ما يصدق عليه اسم المال أنه يفسق" (١). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى أدلة منها: ١ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) (٢). • وجه الدلالة: دل الحديث على أن السارق منفي عنه كمال الإيمان، فهو فاسق بكبيرته مؤمن بإيمانه، قال ابن عبد البر في تعليقه على الحديث: "يريد مستكمل الإيمان، ولم يرد به نفي جميع الإيمان عن فاعل ذلك، بدليل الإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر إذا صلوا للقبلة" (٣). ٢ - أن نصوص الشارع متوافرة في تحريم السرقة، وأنها من كبائر الذنوب، وعليه أجمع أهل العلم. وقد تقرر إجماع أهل السنة والجماعة على أن فاعل الكبيرة فاسق بكبيرته، وإن كان معه أصل الإيمان، ولا يكفر بكبيرته، وممن نقل الإجماع عليه: قال الترمذي: "لا نعلم أحدًا كفر أحدًا بالزنا أو السرقة وشرب الخمر" (٤). وقال ابن عبد البر: "وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على المسلمين المذنبين من أجل ذنوبهم وإن كانوا أصحاب كبائر" (٥). وقال النووي: "إجماع أهل الحق على أن الزاني، والسارق، والقاتل، وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك بل هم المؤمنون

стр. 6694

ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شاء اللَّه تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولًا، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة" (١). • تنبيه: أصل هذه المسألة مسألة عقدية مشهورة يعبر عنها باسم "مرتكب الكبيرة"، مِن سرقةٍ أو زنا، أو غير ذلك. فأجمع أهل السنة على أن مرتكب الكبيرة فاسق بما ارتكب، وهذا الإجماع من أهل السنة عليه تنبيهات ثلاث: الأول: نقل ابن حزم وغيره ممن تكلم في اسم مرتكب الكبيرة قولًا نسبوه للحسن البصري (٢) وقتادة (٣)، محصله أن مرتكب الكبيرة منافق، وظنوا أن هذا القول يخالف مذهب أهل السنة في تسمية المنافق بالفاسق، حيث أن مراد

стр. 6695

الحسن بكونه منافقًا أنه خارج من الملة (١). وقد اعتذر له شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه، فمن ذلك لما تكلم ابن تيمية على مسألة أن الإنسان قد يجتمع فيه إيمان ونفاق قال: "ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعًا واحدًا، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب وفيه شعبة من النفاق. . . . ومن هذا الباب ما يروى عن الحسن البصري ونحوه من السلف أنهم سموا الفساق منافقين، فجعل أهل المقالات هذا قولًا مخالفًا للجمهور، إذا حكوا تنازع الناس في الفاسق الملي، هل هو كافر؟ أو فاسق ليس معه إيمان؟ أو مؤمن كامل الإيمان؟ أو مؤمن بما معه من الإيمان فاسق بما معه من الفسق؟ أو منافق؟ والحسن ﵀ لم يقل ما خرج به عن الجماعة" (٢). وفي مناظرة ابن تيمية لابن المرحل (٣)، قال ابن المرحل: "الحسن البصري يسمي الفاسق منافقًا، وأصحابك لا يسمونه منافقًا"، فقال ابن تيمية: "بل يسمي منافقًا النفاق الأصغر، لا النفاق الأكبر" (٤). ويتحصل من هذا أن قول الحسن البصري لا يعد مخالفًا لمذهب أهل السنة، فإنه أراد النفاق الأصغر غير المخرج من الملة، وهو نوع من الفسق.

стр. 6696

الثاني: ذكر أبو الحسن الأشعري في كتابه "مقالات الإسلاميين" خلافًا عن المعتزلة في هل يطلق على السارق فاسق أم لا (١)، وفائدة الخلاف عند المعتزلة أنه إذا أطلق عليه اسم "فاسق" فإنه يكون مخلدًا في النار، خلافًا لمذهب أهل السنة، وبهذا تعلم أن إطلاق لفظ الفسق على السارق لا يعني كفره عند أهل السنة والجماعة، كما هو معتقد الخوارج (٢)، ولا أنه بمنزلة بين الكفر والإيمان كما هو معتقد المعتزلة، وإنما هو مؤمن ناقص الإيمان بما ارتكب من الكبيرة، وعلى هذا إجماع أهل السنة والجماعة. الثالث: ذكر الأشعرية (٣) في كتبهم أن فاعل المعصية يسمى فاسقًا، بل نقل التفتازاني (٤) الإجماع عليه، لكن لا يعنى هذا أنهم موافقون لمذهب أهل السنة

стр. 6697

والجماعة في هذا الباب، فإنهم يرون أن فاعل المعصية يطلق عليه اسم "فاسق" لكنه مع ذلك هو كامل الإيمان، فهم مرجئة في هذا الباب، وإنما يجيزون تسميته بالفاسق لما نقصه عندهم من شرائع الإسلام، لا أن الإيمان ينقص بما ارتكبه من الفسق كما هو مذهب أهل السنة والجماعة. والتحقيق في هذا المقام أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية كما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، ونصوص الكتاب والسنة مستقرة في تحصيل ذلك، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ (٢)، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الإيمان بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) (٣)، وليس الكتاب موضع بحث في هذه المسألة وإنما أردت الإشارة والتنبيه، واللَّه ولي التوفيق. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة من أهل السنة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع عند أهل السنة والجماعة.

стр. 6698

[٢/ ١] المسألة الثانية: السارق إذا سرق مرات وقدم إلى الحاكم في آخر السرقات، أن قطع يجزئ من ذلك كله . • المراد بالمسألة: لو سرق شخص عينًا من آخر، ثم سرق عينًا أخرى من نفس الشخص أو من شخص آخر، ثم سرق ثالثةً ورابعةً، وكل سرقة تجتمع فيه شروط القطع، وبعد عدة سرقات، تثبت عليه الجناية عند الحاكم، ويقر بسرقة ما سبق من المرات، أو يُشهد عليه بذلك، فهل يقام عليه حد سرقة واحدة، أم يقام عليه حد كل سرقة على حدة؟ ويتبين مما سبق أنه لو سرق ثم أقيم عليه الحد، ثم سرق أخرى فتلك مسألة أخرى غير مرادة في الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا أن السارق إذا سرق مرات إذا قدم إلى الحاكم في آخر السرقات أن قطع يده يجزئ عن ذلك كله" (١). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "قال مالك: الأمر عندنا في الذي يسرق مرارًا ثم يستعدى عليه: أنه ليس عليه إلا أن تقطع يده لجميع من سرق منه، إذا لم يكن أقيم عليه الحد، فإن كان قد أقيم عليه الحد قبل ذلك ثم سرق ما يجب فيه القطع قُطع أيضًا. قال أبو عمر: لا أعلم في هذه المسألة خلافًا بين أهل الفقه الذين تدور على مذاهبهم الفتوى بالأمصار ولا على من قبلهم" (٢). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بتعليلات من النظر: ١ - أن القطع في السرقة حد للَّه وحدود اللَّه تعالى إذا اجتمعت تداخلت؛ لأن مبنى الحدود على التداخل، إذ المقصود منها الزجر، كالزنى، فإن الزاني لو زنى مرارًا لم يكن عليه إلا حد واحد، فكذا السرقة،

стр. 6699

وقياسًا على الأيمان كذلك إذا اجتمعت أيمان على أمر معيَّن، فإنه تلزم فيه كفارة واحدة. ٢ - أن حد السرقة لا يثبت ويجب إقامته بمجرد السرقة، بل لا بد من إضافة شرط آخر وهو ثبوت ذلك عند الحاكم، أما إذا لم يثبت عند الحاكم فلا يلزمه قطع، وحينئذ جميع السرقات إذا لم تثبت عند الحاكم إلا مرة واحدة كانت كسرقة واحدة، فوجب فيها حد واحد (١). • المخالفون للإجماع: ذكر ابن حزم عن أصحابه قولًا حاصله أن الحدود لا تتداخل، وعليه لكل سرقة اجتمعت فيه شروط القطع إقامة حد مستقل (٢). وهذا القول هو رواية عن الإمام أحمد حكاها عنه القاضي (٣)، إلا أنه شرط أن يأتوا إلى الحاكم متفرقين (٤). • دليل المخالف: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - أن اللَّه تعالى أوجب على السارق القطع، فظاهره القطع بكل سرقة، ولا فرق بين أن يسرق مرة أخرى قبل إقامة الحد على السرقة الأولى أو بعد الحد، فالآية عامة ولا دليل على التفريق. ٢ - قياسًا على حد القذف فإنه لا يتداخل، فكذا السرقة. ٣ - في القول بالتداخل فتح باب لأن يتجرأ السارق لفعل السرقة مرات قبل

стр. 6700

إقامة الحد عليه (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع متحقق؛ لوجود خلاف عن الظاهرية، ورواية عن الإمام أحمد تخالف مسألة الباب. [٣/ ١] المسألة الثالثة: لو أُقيم الحد على السارق، ثم سرق ثانية ما يجب فيه القطع، قُطع أيضًا . • المراد بالمسألة: لو سرق شخص عينًا من آخر، وأقيم عليه حد السرقة، ثم سرق مرةً أخرى نفس العين، أو غيرها، فهل عليه الحد للسرقة الثانية أم لا؟ • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا في أن قطع يد السارق إذا شهد عليه بالسرقة شاهدان عدلان مسلمان حران ووصفا ما يجب فيه القطع ثم عاد أنه يقطع" (٢). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "قال مالك: الأمر عندنا في الذي يسرق مرارًا ثم يستعدى عليه: أنه ليس عليه إلا أن تقطع يده لجميع من سرق منه، إذا لم يكن أقيم عليه الحد، فإن كان قد أقيم عليه الحد قبل ذلك ثم سرق ما يجب فيه القطع قُطع أيضًا. قال أبو عمر: لا أعلم في هذه المسألة خلافًا بين أهل الفقه الذين تدور على مذاهبهم الفتوى بالأمصار ولا على من قبلهم" (٣). • مستند الإجماع: مما يستدل به على مسألة الباب: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن الآية عامة، وهذا الذي سرق ثانية داخل في هذا العموم. ٢ - أن ذلك هو الوارد عن النبي ﷺ ، حيث روي عن النبي ﷺ في قطع السارق

стр. 6701

ثانية أحاديث لكنها لا تخلو من مقال، فمنها: ما رواه أبو داود والنسائي عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ (١) قال: (جيء بسارق إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: (اقطعوه) فقطع، ثم جيء به الثانية فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: (اقطعوه)، فقطع فأتي به الثالثة فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: (اقطعوه)، ثم أتي به الرابعة فقال: (اقتلوه) فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال. (اقطعوه)، فأتي به الخامسة قال: (اقتلوه) (٢) (٣).

стр. 6702

٣ - أن هذا هو المنقول عن جملة الصحابة كعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب وغيرهما، بل نقل ابن أبي شيبة (١) في مصنفه أن عليه إجماع الصحابة فقال: "كان عليٌ يقول في السارق إذا سرق: قُطعت يده، فإن عاد قُطعت رجله، فإن عاد استودعته السجن. وعن سماك (٢) عن بعض أصحابه: أن عمر استشارهم في سارق، فأجمعوا على مثل قول علي" (٣). وإنما وقع الخلاف في أي شيء يقطع في السرقة الثانية، وهل يقطع أو يحبس في السرقة الثالثة وما بعدها. • المخالفون للإجماع: خالف الحنفية في بعض صور المسألة، حيث ذهبوا إلى أن من سرق وأقيم عليه الحد، ثم سرق ثانيةً فعليه الحد، إلا إن كان قد سرق نفس العين، فإنه لا يقطع بسرقة شيء كان قد سرقه من قبل وقُطع فيه، إذا لم يتغير عن حالته الأولى، وإن تغير بأن كان غزلًا فسرقه فقُطع فيه، ثم رده إلى صاحبه فنسجه أو نحو ذلك ثم سرقه ثانية، فهنا عليه القطع، وبهذا فهم يخالفون الجمهور من هذه الحيثية في المسألة لا في عمومها (٤).

стр. 6703

ومن المخالفين في المسألة أيضًا ما أشار إليه ابن حزم حيث قال: "واختلفوا فيمن سرق ثانية أيجب عليه القطع أم لا" (١)، ولم يذكر ابن حزم من هو المخالف، ولعله أشار بذلك إلى قول عطاء بن أبي رباح (٢) حيث أخرج عنه ابن حزم أثرا حاصله أن الواجب على السارق قطع يده في السرقة الأولى فقط، ثم لا يقطع منه شيء، قال ابن حزم: "عن ابن جريج (٣) قلت لعطاء: سرَق الأولى؟ قال: تقطع كفه، قلت: فما قولهم: أصابعه، قال: لم أدرك إلا قطع الكف كلها، قلت لعطاء: سرق الثانية؟ قال: ما أرى أن تقطع إلا في السرقة الأولى اليد فقط، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٤) ولو شاء أمر بالرجل، ولم يكن اللَّه تعالى نسيًا" (٥). وفي هذا النقل عن عطاء تردد، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن عطاء ما يدل على أنه موافق للجمهور في إن من سرق ثانية قطع ثانية، فقال في مصنفه: "عن عبد الملك عن عطاء سئل: أيقطع السارق أكثر من يده ورجله؟ قال: لا، ولكنه يحبس" (٦).

стр. 6704

وظاهر هذا الأثر أن عطاء يرى الحبس فيما إذا سرق ثالثة، بعد قطع اليد والرجل. ويؤيد ذلك أن ابن عبد البر نقل عن عطاء القول بقطع اليدين دون الأرجل (١)، وهو يدل على أنه يقول بوجوب القطع في السرقة الثانية بغض النظر فيما يقطع. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع متحقق؛ وذلك لثبوت الخلاف مع الحنفية فيمن سرق عينًا وأقيم عليه الحد بها، ثم سرق نفس العين ثانيةً. ولما ذكره ابن حزم من الخلاف في المسألة. [٤/ ١] المسألة الرابعة: لو كان السارقون جماعة لم يسقط القطع عن واحد . • المراد بالمسألة: أن يشترك جماعة في سرقة ما تقطع فيه اليد، بأن يشترك اثنان أو أكثر بإخراج المال من الحزر، وكان المال لو قسم عليهم لبلغ لكل واحد منهم نصابًا يجب فيه القطع، ولم يسقط حد السرقة عن أحد الشركاء، كأن يكون أحدهم صبيًا، أو مجنونًا، أو ذا رحم محرم، أو كان ثبوت السرقة بإقرارهم ثم تراجع أحدهم. فإذا وجدت هذه المسألة بهذه الضوابط وجب إقامة الحد على الجميع. ويتبين مما سبق أن لو كان المال لم يبلغ نصابًا لكل واحد منهم لو قسم عليهم، أو كانوا لم يشتركوا في إخراج المال من الحرز، بل فتح أحدهما الحرز، وأخرج الآخر المال، وكان الثالث مراقبًا للمكان مثلًا، أو كان أحد الشركاء ممن يسقط عنه حد السرقة كالمجنون، فكل هذه الصور غير مرادة في مسألة الباب (٢).

стр. 6705

• من نقل الإجماع: قال ابن هبيرة (٦٥٠ هـ): "اتفقوا على أنه إذا اشترك جماعة في سرقة، ويحصل لكل واحد نصاب أن على كل واحد منهم القطع" (١). وقال الجزيري (١٣٦٠ هـ) (٢): "اتفق الأئمة -رحمهم اللَّه تعالى- على أنه لو اشترك جماعة من اللصوص في سرقة شيء من المال، ونال كل واحد منهم نصاب السرقة، فإنه يجب إقامة الحد على كل واحد منهم، فتقطع يده" (٣). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٤). • وجه الدلالة: عموم الآية بوجوب القطع على كل سارق، وكل واحد من السارقين يطلق عليه لفظ السارق عرفًا وشرعًا. ٢ - من النظر: أ- أنه لو سقط القطع بسبب الشراكة لأدى ذلك إلى أن يتخذ السارق وسيلة وحيلة بإسقاط الحد عليه بالسرقة. ب- أن سرقة الجماعة أشد خطرًا على المجتمع من سرقة الشخص، فكان شرعية الردع في حقهم بالقطع أولى.

стр. 6706

ج- أن السرقة فعل توجب القطع، فاستوى فيها الواحد والجماعة (١). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم بالضوابط المذكورة في صورة المسألة. [٥/ ١] المسألة الخامسة: لو اشترك جماعة في سرقة ما يوجب القطع، وكان المال لو قسم على الشركاء لم ييلغ لكل واحد نصابًا، فإنه لا قطع حيننذٍ على أحد منهم . • المراد بالمسألة: قبل بيان المسألة لا بد من بيان المراد بالنصاب، ثم بيان صورة المسألة: • أولًا: المراد بالنصاب لغة واصطلاحًا: النصاب لغة: قال ابن فارس: "النون والصاد والباء أصلٌ صحيح يدلُّ على إقامةِ شيءٍ وإهدافٍ في استواء. . . وبَلغَ المالُ النِّصاب الذي تجِب فيه الزَّكاة، كأنَّه بلغَ ذلك المبلغَ وارتفعَ إليه" (٢). ونصاب الشيء: أصله الذي يرجع إليه (٣). واصطلاحًا: هو المقدار الذي يتعلق به الواجب، ويستعمله الفقهاء في نصاب الزكاة، ونصاب السرقة، وغيرهما (٤). والذي يتعلق بمسألة الباب هو نصاب السرقة، هو عند الفقهاء محل خلاف على أقوال: القول الأول: ذهب الحنفية إلى أن النصاب عشرة دراهم؛ لما في بعض الروايات "أن النبي ﷺ قطع في مجن قيمته عشرة دراهم" (٥).

стр. 6707

ولأن اليد محترمة فلا تقطع إلا بما كان يقينًا، وأكثر ما ورد فيه هو عشرة دراهم، فيؤخذ به احتياطًا (١). القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن من سرق ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الورِق، أو ما يساوي الثلاثة دراهم من سائر المال قطعت يده (٢).

стр. 6708

القول الثالث: ذهب الشافعية إلى ظاهر حديث عائشة ﵂ (١) فلا قطع إلا في ربع دينار، أو ما قيمته كذلك (٢). القول الرابع: ذهب الحنابلة إلى مذهب المالكية لكن قالوا: ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الورق، أو ما يساوي أحدهما (٣)؛ لما في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ "أن رسول اللَّه ﷺ قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم" (٤). وفي الصحيحين أيضًا واللفظ لمسلم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا" (٥). القول الخامس: ذهب الظاهرية إلى أنه لا نصاب في السرقة فكل ما له قيمة يجب به القطع (٦). وقيل غير ذلك، حتى أوصلها العراقي إلى ستة عشرة قولًا (٧)، وزادها ابن حجر إلى تسعة عشرة قولًا (٨)، لكن ذكرتُ أقواها دليلًا، وأعرضتُ عن الباقي؛ إذ المقصود الإشارة لا تحقيق المسألة. • ثانيًا: صورة المسألة: أن يشترك اثنان فأكثر في سرقة مال، ويشتركان في هتك الحرز وإخراج المال منه، وكان المال لو قسم على كل واحد من الشركاء

стр. 6709

لم يبلغ نصابًا سقط حد القطع عنهم. ويتبين مما سبق أنهما لو لم يشتركان في هتك الحرز وأخذ المال منه، بأن هتك الحرز وأخرج المال منه أحدهما، والآخر كان في مهمة المراقبة فقط، فهذه غير مرادة في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "لو اشترك جماعة في سرقة ربع دينار لم يقطعوا اتفاقًا" (١). • مستند الإجماع: استُدل لهذا القول من النظر بالآتي: ١ - أن نصيب كل واحد منهم لم يبلغ نصابًا، فكما أنه لا قطع عليه لو انفرد بسرقة حصته من السرقة فكذا لا يقطع بما سرقه مع الجماعة. ٢ - لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهنا شبهة في درأ الحد هي عدم بلوغ النصاب (٢). • المخالفون للإجماع: خالف المالكية، والحنابلة، وأبو ثور (٣) في مسألة الباب، فالحنابلة يرون وجوب القطع على الجميع في مثل هذه الصورة، وكذا المالكية لكنهم يفصلون فقالوا: إن انفرد كل واحد منهما بإخراج جزء من المال فإنه لا قطع، وإن اشتركوا في إخراج المال جملة فعليهم القطع. وعن المالكية رواية أخرى أن المسروق إن كان ثقيلًا وأخرجوه من الحرز جميعًا لعجزهم أن يحملها أحدهم، ولا يمكن حملها إلا إذا اجتمعوا، فهنا

стр. 6710

عليهم القطع إذا بلغ المسروق نصابًا، ولو كان لو قسم عليهم لم يبلغ نصابًا لكل واحد، أما إن كان المسروق خفيفًا وخرج بها جميعهم مع القدرة على أن يخرج بها أحدهم، فهنا لا قطع إلا إذا كان المال لو قسم عليهم لبلغ لكل واحد منهم نصابًا (١). • دليل المخالف: من أدلة المخالفين: ١ - أن سرقة الجميع للمال المسروق تعتبر سرقة واحدة، فإذا توفرت فيها شروط السرقة وجب القطع، وهنا بلغ المسروق نصابًا فوجب القطع، وبه استدل الحنابلة (٢). ٢ - قياسًا على ما لو اشترك جماعة في قطع يد شخص وانفرد كل واحد منهم بقطع جزء منها، فإنه لا قطع عليهم حينئذ، وإنما الدية، فكذا هنا لا قطع، وبه استدل المالكية (٣). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف مشهور بين أهل العلم، وليست محل إجماع، أو حتى اتفاق بين المذاهب الأربعة، ولعل مراد ابن حجر نقل الاتفاق المذهبي عند الشافعية. [٦/ ١] المسألة السادسة: إن وُجدت العين المسروقة بذاتها لم تتغير، ولا غيَّرها السارق، ولا أحدث فيها عملًا، ولا باعها، فإنها ترد إلى المسروق منه . • المراد بالمسألة: لو سرق شخص من آخر عينًا، ثم وجد من سرق منه المال عين ماله، سواء قبل قطع يد السارق أو بعده، فهنا للمسروق منه أن يأخذ

стр. 6711

ماله، بشرط ألا يكون ماله قد تغير. أما إن تغير المسروق بتلف، أو غيَّرها السارق، أو أحدث فيها عملًا، كأن يكون المسروق حديدًا أو نحاسًا ثم غيره السارق إلى أواني، أو كان قماشًا فخاطه السارق ثوبًا، أو حنطةً فطحنها، أو نحو ذلك، وكذا لو باعها السارق فإن لها حكمًا آخر غير مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن السارق إذا قطع، أن المتاع يرد على المسروق منه" (١). وقال الماوردي (٤٥٠ هـ) (٢): "إذا كانت السرقة باقية فإنها ترد على مالكها وحكمها إذا كانت تالفة، ويقطع سارقها، وهو إجماع" (٣). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أنه إن وجدت السرقة بعينها لم تتغير، ولا غيَّرها السارق، ولا أحدث فيها عملًا، ولا باعها، أنها ترد إلى المسروق منه" (٤). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع الفقهاء على أن السرقة إذا وجدها صاحبها بعينها بيد السارق قبل أن يقطع، أو بعد ذلك كله أخَذَها، وأنها ماله، لا يزيل ملكها عنه قَطْعُ يد السارق" (٥).

стр. 6712

وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ) (١): "أجمعوا على أخذه منه إذا وجد بعينه" (٢) ونقله عنه ابن المواق (٣) (٤). وقال الرازي (٦٠٦ هـ): "لو كان المسروق باقيًا وجب ردُّه بالإجماع" (٥). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "لا يختلف أهل العلم في وجوب رد العين المسروقة على مالكها إذا كانت باقية" (٦). وقال بهاء الدين المقدسي (٦٢٤ هـ) (٧): "لا يختلف أهل العلم في وجوب رد العين على مالكها إن كانت باقية" (٨). وقال ابن القطان (٦٢٨): "أجمعوا على أن السارق إذا وجب قطع يده فقطعت ووجد المتاع بيعنه عنده أن ذلك

стр. 6713

يجب على السارق للمسروق منه" (١) وقال ابن هبيرة (٦٥٠ هـ): "اتفقوا على أنه إذا كانت العين المسروقة قائمة فإنه يجب ردها" (٢) ونقله عنه ابن قاسم (٣). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "لا يختلف أهل العلم في وجوب رد العين المسروقة على مالكها إذا كانت باقية" (٤). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "وأجمعوا على أن من شرط صحة توبته أداؤها إليه إذا كانت موجودة بعينها" (٥). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "ولا خلاف إن كان -أي المسروق- باقيًا أنه يرد على المالك، وكذا لو باعه أو وهبه" (٦) ونقله عنه الزيلعي (٧). وقال ابن مفلح (٨٨٤ هـ): "ترد العين المسروقة إلى مالكها بغير خلاف نعلمه إن كانت باقية" (٨). وقال ابن ميارة (١٠٧٢ هـ) (٩): "أجمع أهل العلم على أن السلعة المسروقة إذا وجدت بعينها قائمة بيد السارق أنها ترد إلى صاحبها بإجماع" (١٠).

стр. 6714

وقال الخرشي (١١٠١ هـ) (١): "إذا كان قائمًا بعينه وجب رده بإجماع" (٢). وقال علي العدوي (١١٨٩ هـ) (٣): "إذا كان قائمًا بعينه وجب رده بإجماع" (٤). وقال الدسوقي (١٢٣٠ هـ) (٥): "المسروق إن كان موجودًا بعينه وجب رده لربه إجماعًا" (٦). وقال المطيعي (١٤٠٤ هـ) (٧): "أجمعوا على أخذه منه إذا

стр. 6715

وجد بعينه" (١). • مستند الإجماع: من الأدلة على رد العين المسروقة إلى صاحبها إذا وجدها بعينها: ١ - عن سمرة بن جندب (٢) ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به) (٣).

стр. 6716

٢ - عن سمرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إذا سُرق من الرجل متاع، أو ضاع له متاع، فوجده بيد رجل بعينه، فهو أحق به، وبرجع المشترى على البائع بالثمن) (١). ٣ - من النظر: يمكن أن يستدل له بأن المال المسروق لم يخرج عن ملك صاحبه بالسرقة، فوجب رده إليه. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [٧/ ١] المسألة السابعة: السارق ضامن للمال إن سقط القطع، وبعد القطع يرد الباقي . • المراد بالمسألة: لو سرق شخص من آخر عينًا، ثم تلفت العين, أو بعضها فعلى حالين: الأولى: إن لم تقطع يد السارق لمانع ما، كان رجع السارق عن إقراره، أو كان المال لم يبلغ نصابًا، أو لم يخرج من حرز، أو ما أشبه ذلك مما يمنع القطع، فإن السارق يضمن ما سرقه، سواء ما تلف منه وما لم يتلف. الثانية: إن قطعت يد السارق، وكان بقي من العين التي قطع بسببها شيء فإنه يجب عليه رد ما بقي بعينه. ويتبين مما سبق أنه لو تلفت العين، أو تلف بعضها، ثم قطعت يد السارق بسبب العين المسروقة، فضمان ما تلف مسألة خلاف بين أهل العلم، وليست هي من مسألة الباب. • من نقل الإجماع: أما الحال الأولى: فقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع العلماء على أن كل سرقة لا قطع فيها فالغرم واجب على من سرقها موسرًا كان أو معسرًا" (٢). وقال ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): "اتفقوا على أن الواجب فيه

стр. 6717

القطع من حيث هي جناية، والغرم إذا لم يجب القطع" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٦٧٦ هـ): "لو سرق سرقة ثم سقط عنه القطع لم يسقط عنه الغرم بإجماع المسلمين" (٢). وقال المطيعي (١٤٠٤ هـ): "اتفقوا على أنه إذا ثبتت أركان الجريمة فقد وجب القطع، والغرم إذا لم يجب القطع" (٣). وأما الحال الثانية: فقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "قد أجمعوا أنه لو وجده ربه بيد السارق أخذه، وإن قطعت يده به، وكذلك إذا استهلكه يغرمه في حال اليسر والعسر؛ كسائر المستهلكات من أموال المسلمين" (٤). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ) (٥): "السارق ضامن قبل القطع إجماعًا، وبعده يرد الباقي إجماعًا" (٦) وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "لا خلاف إن كان -أي المسروق- باقيًا أنه يرد على المالك. . . وهذا كله بعد القطع" (٧). • مستند الإجماع: التحقيق أن المسألة على وجهين: فالوجه الأول: أن من سرق وأتلف المسروق أو تلف، ولم تقطع يده فإن السارق يضمن ما سرق.

стр. 6718

والوجه الثاني: إن قطعت اليد وبقي شيء من العين، فهنا عليه رد ما بقي. ودليلهما من الأثر والنظر ما يلي: ١ - ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه (١) من رواية الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: (على اليد ما أخذت حتى تودي) (٢). ٢ - أن ملك المسروق لا يزول عن صاحبه الأصلي بالسرقة، فيجب إرجاع المسروق إليه لأنه المالك له. • المخالفون للإجماع: خالف بعض الشافعية في قول لهم في المسألة فقالوا: السرقة إن ثبتت بإقرار السارق، ثم رجع عن إقراره فإن الحد يسقط مع المال المسروق الذي أقر به (٣). النتيجة: المسألة على شقين: الأولى: من قُطعت يده وبقي عنده شيء من

стр. 6719

العين المسروقة، فهنا عليه رد ما بقي بإجماع أهل العلم؛ لعدم المخالف. الثانية: من سقط عنه القطع، فهنا عليه رد العين المسروقة أو ضمانها إن كانت تالفة بإجماع أهل العلم؛ لعدم المخالف، إلا في صورة واحدة، وهي من ثبتت سرقته بإقراره ثم سقط عنه الحد بموجب رجوعه عن إقراره، فهنا ضمان العين المسروقة مع سقوط الحد ليست محل إجماع محقق لوجود الخلاف عن بعض الشافعية. [٨/ ١] المسألة الثامنة: يجوز تغريم السارق زيادة عن قيمة المال المسروق إذا تلف بسببه . • المراد بالمسألة: لو سرق شخص مالًا أو عينًا، فإن للإمام أن يلزم السارق برد قيمة ما سرق وزيادة معه، كأن يلزمه برد ضعفي ما سرق، أو نحو ذلك. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "عمر بن الخطاب ﵁ قد حكم بها -الزيادة- بحضرة الصحابة ﵃، ولا يعرف منهم له مخالف، ولا يدرى منهم عليه منكر، فأضعف قيمة الناقة المنتحرة للمزني على رقيق حاطب التي سرقوها وانتحروها" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - عن عمرو بن شعيب (٢) عن أبيه (٣). . .

стр. 6720

عن جده (١) عن رسول اللَّه ﷺ : أنه سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: (ما أصاب من ذي حاجة غير متخذ خبنة (٢) فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين (٣) فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة) (٤).

стр. 6721

• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أوجب غرامة مثلي ما أخذ، فدل على جواز مثل ذلك. ٢ - ما أخرجه مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن حاطب (١): "أن رقيقًا لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر كثير بن الصلت (٢) أن يقطع أيديهم، ثم قال عمر: "أراك تجيعهم"، ثم قال عمر: "واللَّه لأغرمنك غرمًا يشق عليك"، ثم قال للمزني (٣): "كم ثمن ناقتك" فقال المزني: قد كنت واللَّه أمنعها من أربع

стр. 6722

مائة درهم، فقال عمر: "أعطه ثمان مائة درهم" (١). • وجه الدلالة: أن عمر ﵁ أوجب على حاطب مثلي قيمة الناقة المسروقة، عقوبة له، حيث كان قيمتها أربعمائة درهم، فغرمه عمر ﵁ ثمانمائة درهم، فدل على جواز مثل ذلك. • المخالفون للإجماع: القول بتغريم السارق زيادة على قيمة المال المسروق هو قول الإمام أحمد (٢)، وأما جمهور أهل العلم فعلى خلاف مسألة الباب، وأنه لا يغرم إلا ما سرق (٣)، حتى قال ابن عبد البر: "في هذا الحديث كلمة منسوخة وهي قوله: (وغرامة مثليه) لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بها، إلا ما جاء عن عمر ﵁ في رقيق حاطب بن أبي بلتعة، حين انتحروا ناقة رجل من مزينة، ورواية عن أحمد بن حنبل، ومحمل هذا عندنا على العقوبة والتشديد، والذي عليه الناس العقوبة في الغرم بالمثل" (٤). • دليل المخالف: استدل ابن عبد البر على عدم الزيادة على قيمة المسروق بما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٥). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٦).

стр. 6723

• وجه الدلالة من الآيتين: أن اللَّه تعالى شرع لمن أراد الانتقام لحقه المساواة دون تعدٍ وزيادة (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم؛ لما سبق من ذكر خلاف الجمهور. [٩/ ١] المسألة التاسعة: إذا سرق العبد الآبق فيجب عليه القطع . • المراد بالمسألة: أولًا: تعريف العبد لغة واصطلاحًا: العبد لغة: قال ابن فارس: "العين والباء والدال أصلانِ صحيحان، كأنَّهما متضادَّان، والأول من ذينك الأصلينِ يدلُّ على لِين وذُلّ، والآخر على شِدّة وغِلَظ. وقال ابن منظور: "العبد الإِنسان حرًّا كان أَو رقيقًا، يُذْهَبُ بذلك إِلى أَنه مربوب لباريه جل وعز. . . والعَبْدُ المملوك خلاف الحرّ" (٢). • العبد اصطلاحًا: العبد: هو الرقيق المملوك لغيره. والرِّق: هو عجز حكمي شُرع في الأصل جزاء عن الكفر (٣). وبيان ذلك: أما أنه عجز: فلأنه لا يملك ما يملكه الحر من الشهادة، والقضاء، وغيرهما. وأما أنه حكمي: فلأن العبد قد يكون أقوى في الأعمال الحسيَّة من الحر. أما كونه جزاء عن الكفر: فلأن أساس موجبه أن يُسبى الشخص -ذكرًا أو أنثى- وهو كافر (٤). ويسمى بالرقيق، والقِن، والمملوك.

стр. 6724

• ثانيًا: تعريف الآبق: الآبق: قال الخليل: "الإِباق: ذهابُ العَبْد من غَيْر خَوْفٍ ولا كَدّ عَمَلٍ، والحكْمُ فيه أن يُرد، فإذا كان من كدِّ عَمَلٍ، أو خوفٍ، لم يُرَد" (١). فيتحصل مما سبق أن العبد الآبق هو المملوك الذي هرب من سيده. • ثالثًا: صورة المسألة: إذا أبق عبد من سيده، وفي إباقه سرق من سيده أو من غيره ما يجب فيه الحد، فإنه يقطع. ويتحصل مما سبق أن العبد إن لم يكن آبقًا، أو كان آبقًا لكن سرقته كانت قبل إباقه، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "قال مالك: وذلك الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا: أن العبد الآبق إذا سرق ما يجب فيه القطع قُطع. قال أبو عمر: على هذا قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهم، والثوري، والأوزاعي، والليث (٢)، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وجمهور أهل العلم اليوم بالأمصار، وإنما وقع الاختلاف فيه قديمًا، ثم انعقد الإجماع بعد ذلك" (٣). وقال ابن رشد (٥٩٥ هـ): "وأما السارق الذي يجب عليه حد السرقة فإنهم اتفقوا على أن من شرطه أن يكون مكلفًا، وسواء كان حرًا أو عبدًا، ذكرًا أو أنثى، أو مسلمًا أو ذميًا، إلا ما روي في الصدر الأول من

стр. 6725

الخلاف في قطع يد العبد الآبق إذا سرق وروي ذلك عن ابن عباس وعثمان ومروان وعمر بن عبد العزيز ولم يختلف فيه بعد العصر المتقدم" (١). • مستند الإجماع: يدل على قطع السارق من سيده إذا سرق وقت إباقه ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أمر بإقامة حد السرقة على السارق، وليس ثمة ما يدل على أخراج العبد الآبق، فبقي النص على عمومه (٣). ٢ - أنه مروي عن ابن عمر ﵁ حيث قال في العبد الآبق يسرق: "يُقطع" (٤). • المخالفون للإجماع: روي عن جماعة من السلف كعثمان بن عفان، وعائشة، وابن عباس، وسعيد بن العاص ﵃، ومروان بن الحكم، وداود الظاهري، أن العبد الآبق إن سرق من سيده فإنه لا قطع (٥). • دليل المخالف: من أدلة القائلين بعدم قطع السارق الآبق إذا سرق من سيده: ١ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ليس على العبد الآبق إذا سرق قطْع، ولا على الذمي) (٦).
следующие страницы →