← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

الفصل الرابع مسائل الإجماع فيما لا يوجب حد الردة [١٢١/ ٤] المسألة الحادية والعشرون بعد المائة: من أسلم أبواه، وهو صغير في حجرهما لم ييلغ، فإنه مسلم بإسلامهما . • المراد بالمسألة: إذا وجد أبوان على غير دين الإسلام، من يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو غير ذلك، ولهما أولاد لم يبلغوا الحلم، فإنه إذا أسلم الأبوان حكم بإسلام الأولاد، الذين في حجرهم، فيتوارثون فيما بينهم، ويدفنون في مقابر المسلمين، إلى غير ذلك من أحكام الإسلام. ويتبين من هذا أنه لو أسلم أحد الأبوين، أو كان إسلام الأبوين بعد بلوغ الولد، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب، وكذا لو لم يكن الولد في حجرهم، بأن سبي الوالدان مثلًا، ثم أسلما في سبيهما، فإن الحكم لإسلام ولدهما الذي ليس في حجرهما، أو عدم إسلامه، ليس من مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من أسلم أبواه، وهو صغير في حجرهما لم يبلغ، أنه مسلم بإسلامهما" (١). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن الولد لا بد أن يكون له دين يُعرف، حتى تقام في حقه الأحكام الشرعية التي تختلف من المسلم للكافر، كمكان دفنه إذا مات، وكإرثه من غيره، وإرث غيره منه. . . إلخ، إلى غير ذلك من المسائل، وأقرب من يلتحق بدينهما أبويه (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، لكن ينبه إلى أنه لا يلزم من الحكم

стр. 7492

بإسلامه أنه لو بلغ واختار غير دين الإسلام أنه يأخذ ذلك حكم المرتد، فإن هذه مسألة خلافية ليست مقصودة في الباب، وقد نبه عليه ابن حزم فقال: "اختلفوا أيُقتل إن أبى الإسلام بعد بلوغه وقد أسلم قبل ذلك أبواه معًا أم لا يُقتل" (١). [١٢٢/ ٤] المسألة الثانية والعشرون بعد المائة: حاكي الكفر لا يكفر . • المراد بالمسألة: لو قال أحد الأشخاص مقالة حكاها عن غيره، كأن يكون فيها استهزاء بالنبي ﷺ ، وكان قالها على وجه الشهادة عليه بأنه قال ذلك، أو على وجه تنقص القائل، وكشف أمره، أو لغير ذلك من الأغراض الشرعية إن حاكي المقولة لا يكفر. ويتبين من ذلك أنه إن حكاها عن غيره على وجه التفكه، والتسلي، والتنقص من النبي ﷺ ، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن مفلح (٧٦٣ هـ): "ولا يكفر من حكى كفرًا سمعه ولا يعتقده، ولعل هذا إجماع" (٢)، ونقله عنه البهوتي (٣)، وابن قاسم (٤). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ) فقال: "لا يكفر حاكي الكفر إجماعًا" (٥). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا

стр. 7493

هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حكى عن اليهود والنصارى قول الكفر، واستعمال هذا في القرآن كثير، مما يدل على جواز مثل ذلك. ٢ - ما في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (للَّه أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) (٢). • وجه الدلالة: بين القاضي عياض وجه الدلالة من ذلك فقال: "في قوله: "قال من شدة الفرح. . . إلى آخره" فيه أن ما قاله الإنسان من قبيل هذا من دهش وذهول غير مؤاخذ به وكذلك حكايته عنه على طريق علمي، وفائدة شرعية، لا على الهزء والمحاكاة والعيب لحكاية النبي ﷺ إياه، ولو كان منكرًا ما حكاه" (٣). ٣ - أن حاكي القول لا ينسب القول إليه، بل القول منسوب إلى القائل الأصلي، لا إلى الحاكي. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٢٣/ ٤] المسألة الثالثة والعشرون بعد المائة: التكفير المطلق لا يلزم منه تكفير المعين إي إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع . • المراد بالمسألة: تقرر في الشريعة الإسلامية أن ثمة أمورًا ينتقض بها

стр. 7494

الإسلام، ويُحكم على صاحبها بالكفر، إلا أن الحكم بالتكفير المطلق لا يلزم منه تكفير المعين الذي فعل ما يوجب الكفر إلا إذا توفرت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه. فمثلًا: القول بالحلول كفر (١)، لكن من قال بالحلول فإنه لا يُحكم بكفره إلا إذا توفرت فيه الشروط وانتفت الموانع. أما شروط التكفير وموانعه فهو مما يطول الكلام فيه، لكن أذكره على سبيل الإجمال فيما يلي: • أولًا: توفر الشروط: لا يتحقق في الشخص المعيَّن أنه كافر بعينه على إذا توفرت فيه شرط التكفير، بلوغ الحجة إليه بأن ذلك الفعل كفر مخرج من الملة. فيشترط لتكفير المعين قيام الحجة عليه بأن تكون قد بلغته الرسالة، والأدلة على شرطية بلوغ الرسالة كثيرة منها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢). ٢ - قول اللَّه تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ (٣). ٣ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الكتاب والسنة قد دلا على أن اللَّه لا يعذب أحدًا إلا بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملة لم يعذبه رأسًا، ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية. . . فمن قد آمن باللَّه ورسوله، ولم يعلم بعض ما جاء به الرسول، فلم يؤمن به تفصيلًا، أما

стр. 7495

أنه لم يسمعه، أو سمعه من طريق لا يجب التصديق بها، أو اعتقد معنى آخر لنوع من التأويل الذي يعذر به، فهذا قد جعل فيه من الإيمان باللَّه ورسوله ما يوجب أن اللَّه عليه، وما لم يؤمن به لم تقم عليه به الحجة التي يكفر مخالفها" (١). • ثانيًا: انتفاء الموانع: لا يُحكم على شخص بالكفر المعيَّن إلا إذا انتفت منه موانع التكفير وهي: • أولًا: الجهل، فمن كان حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية، وفعل فعلًا كفريًا مما معلوم من الدين بالضرورة كأن استحل الزنى، فهذا يُعذر الجهل، ولا يُحكم بكفره لقيام المانع فيه، قد حكى ابن تيمية اتفاق الأئمة على ذلك حيث قال: "وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث اللَّه به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما بعث اللَّه به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام فأنكر هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول، ولهذا جاء في الحديث: (يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة) (٢) " (٣).

стр. 7496

ولذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية في مناظراته يقول: "كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاه الذين نفوا أن اللَّه تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال" (١). وحكى ابن حزم أنه لا خلاف أن المرء يعذر بالجهل حيث قال: "ولا خلاف في أن امرءًا لو أسلم، ولم يعلم شرائع الإسلام، فاعتقد أن الخمر حلال، وأن ليس على الإنسان صلاة، وهو لم يبلغه حكم اللَّه تعالى لم يكن كافرًا بلا خلاف يعتد به، حتى إذا قامت عليه الحجة، فتمادى، حينئذ بإجماع الأمة فهو كافر" (٢). ومن أدلة العذر بالجهل: ١ - ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أسرف رجل على نفسه، فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم اذروني في الريح في البحر؛ فواللَّه لئن قدر علي ربي ليعذِّبني عذابًا ما عذبه به أحد، قال: ففعلوا ذلك به، فقال للأرض: أدِّي ما أخذت، فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك يا رب -أو قال: مخافتك- فغفر له بذلك) (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذا الرجل ظن أن اللَّه لا يقدر عليه إذا تفرق هذا التفرق، فظن أنه لا يعيده إذا صار كذلك، وكل واحد من إنكار قدرة اللَّه تعالى، وإنكار معاد الأبدان وإن تفرقت كفر، لكنه كان مع إيمانه باللَّه وإيمانه بأمره وخشيته منه جاهلًا بذلك، ضالًا في هذا الظن مخطئًا، فغفر اللَّه له ذلك، والحديث صريح في أن الرجل طمع أن لا يعيده إذا فعل ذلك، وأدنى هذا أن يكون شاكًا في

стр. 7497

المعاد، وذلك كفر إذا قامت حجة النبوة على منكره حكم بكفره. . . " (١). وقال في موضع آخر: "فهذا الرجل كان قد وقع له الشك، والجهل في قدرة اللَّه تعالى على إعادة ابن آدم بعدما أحرق وذري، وعلى أنه يعيد الميت ويحشره إذا فعل به ذلك، وهذان أصلان عظيمان: "أحدهما" متعلق باللَّه تعالى، وهو الإيمان بأنه على كل شيء قدير. "والثاني": متعلق باليوم الآخر، وهو الإيمان بأن اللَّه يعيد هذا الميت، ويجزيه على أعماله، ومع هذا فلما كان مؤمنًا باللَّه في الجملة، ومؤمنًا باليوم الآخر في الجملة، وهو أن اللَّه يثيب ويعاقب بعد الموت، وقد عمل عملًا صالحًا -وهو خوفه من اللَّه أن يعاقبه على ذنوبه- غفر اللَّه له بما كان فيه من الإيمان باللَّه واليوم الآخر والعمل الصالح" (٢). وقال الخطابي: "قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب أنه لم ينكر البعث دائما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية اللَّه" (٣). وقال ابن عبد البر: "وأما جهل هذا الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات اللَّه في علمه وقدرته، فليس ذلك بمخرجه من الإيمان. . . " ثم استدل على ذلك بسؤال الصحابة ﵃ عن القدر ثم قال: "ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، . . . ولم يضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه" (٤). وقال ابن حزم بعدما ذكر الحديث: "فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن اللَّه

стр. 7498

عز وجل يقدر على جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله" (١). وقال ابن القيم في معرض حديثه عن حكم من جحد فرضًا من فرائض الإسلام: "وأما من جحد ذلك جهلًا، أو تأويلًا يعذر فيه صاحبه: فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة اللَّه عليه، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، ومع هذا فقد غفر اللَّه له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة اللَّه على إعادته عنادًا أو تكذيبًا" (٢). وقال ابن الوزير: "وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه باللَّه والمعاد ولذلك خاف العقاب، وأما جهله بقدرة اللَّه تعالى على ما ظنه محالًا فلا يكون كفرًا إلا لو علم أن الأنبياء جاءوا بذلك وأنه ممكن مقدور ثم كذبهم أو أحدًا منهم لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٣)، وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل" (٤). ٢ - ومن الأدلة أيضًا على العذر بالجهل عن أبي واقد الليثي ﵁ (٥) قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر -وكانوا أسلموا يوم الفتح- قال: فمررنا بشجرة قلنا: يا رسول اللَّه اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط (٦)، وكان للكفار سدرة يعفكون حولها ويعلقون بها أسلحتهم يدعونها ذات أنواط فلما قلنا ذلك للنبي ﷺ قال: "اللَّه أكبر قلتم

стр. 7499

والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (١) لتركبن سنن من كان قبلكم) (٢). قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب: "لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب، ولكن القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري عنها فتفيد لزوم التعلم والتحرز. . . وتفيد أيضًا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي ﷺ " (٣). • ثانيًا: الخطأ والنسيان، فمن فعل فعلًا كفريًا خطأ أو نسيانًا فإنه لا يُحكم بكفره لقيام المانع، ويدل على ذلك أدلة منها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٤). وثبت في صحيح مسلم أن اللَّه سبحانه استجاب لهذا الدعاء فقال سبحانه: فقد فعلت (٥). ٢ - عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن اللَّه تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) (٦). ٣ - عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (للَّه أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه،

стр. 7500

وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) (١). • ثالثًا: الإكراه، فمن أُكره على الكفر فإنه لا يُحكم بكفره لقيام المانع، ويدل على ذلك قول اللَّه تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ (٢) (٣). • رابعًا: التأويل، المراد بالتأويل هنا التأويل السائغ الذي له وجه في لسان العرب، كما قال ابن حجر: "قال العلماء: كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم، إذا كان تأويله سائغًا في لسان العرب، وكان له وجه في العلم" (٤). فمن اعتقد ما هو كفر بتأويل سائغ، فإنه لا يحكم بكفره، لقيام المانع، وهذا كمن ينكر الصفات ويتأول نصوص الشرع بتأويلات لها احتمالها في اللغة مثلًا، كمن يؤول صفة اليد بالنعمة، وصفة الغضب بإرادة الانتقام، ونحو ذلك. قال ابن حزم: "ومن بلغه الأمر عن رسول اللَّه ﷺ من طريق ثابتة، وهو مسلم، فتأول في خلافه إياه، أو ردّ ما بلغه بنص آخر، فما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك، فعاند، فلا تأويل بعد قيام الحجة" (٥).

стр. 7501

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول ﷺ ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئًا" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول ﷺ ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئًا" (٢). وقال ابن الوزير: "قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ (٣) ويؤيد أن المتأولين غير كفار؛ لأن صدورهم لم تنشرح بالكفر قطعًا، أو ظنًا، أو تجويزًا، أو احتمالًا" (٤). أما التأويل غير السائغ كتأويلات الباطنية لنصوص الشرع فهذا لا يُعذر صاحبه لأنه تكذيب بالشرع جملة، وهي تأويلات ليس لها مسوِّغ من جهة الشرع أو اللغة، كمن يتأوَّل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٥) بأن المراد بالبقرة هي عائشة ﵂. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "ثُم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم

стр. 7502

يجز الاستغفار لهم؛ فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون: القرآن مخلوق، وإن اللَّه لا يرى في الآخرة، وقد نُقل عن أحمد ما يدل على أنه كفر به قومًا معينين، فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان ففيه نظر، أو يحمل الأمر على التفصيل فيقال: من كفره بعينه؛ فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه. ومن لم يكفره بعينه؛ فلانتفاء ذلك في حقه، هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم. والدليل على هذا الأصل: الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار" (١). • مستند الإجماع: يدل على عدم تكفير المعين إلا بتوفر الشروط وانتفاء الموانع ما سبق ذكره من الأدلة في شرط تكفير المعين، والموانع التي بموجبها لا يكفر المعين. ويضاف إليها أن هذا هو فعل السلف ﵃ كما بيَّنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "وأيضًا فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل واتفقوا على عدم التكفير بذلك، مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي، وأنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة، وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه. . . وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾. ويقول: إن اللَّه لا يعجب؛ فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال: إنما شريح شاعر يعجبه علمه، كان عبد اللَّه أفقه منه فكان يقول: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾. فهذا قد أنكر قراءة ثابتة وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة.

стр. 7503

وكذلك بعض السلف أنكر بعضهم حروف القرآن مثل إنكار بعضهم قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١)، وقال: إنما هي: أو لم يتبين الذين آمنوا، وإنكار الآخر قراءة قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢)، وقال: إنما هي: ووصى ربك، وبعضهم كان حذف المعوذتين، وآخر يكتب سورة القنوت، وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر، ومع هذا فلما لم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا، وإن كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر" (٣). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٢٤/ ٤] المسألة الرابعة والعشرون بعد المائة: مرتكب الكبيرة والحدود لا يكفر إلا بالشرك . • المراد بالمسألة: المسلم إذا ارتكب ذنبًا من الصغائر، أو الكبائر التي عليها حدود، أو التي لا حدود عليها، فإنه لا يكفر بمجرد ارتكابه المعصية، سواء تاب منها أو لم يتب، ما لم تكن المعصية من الشرك الأكبر المخرج عن الملة. ويتحصل مما سبق أن المعصية إن لم تكن مجرد فعل بأن كان معها اعتقاد استحلال، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال الترمذي (٢٧٩ هـ): "لا نعلم أحدًا كفَّر أحدًا بالزنا، أو السرقة، وشرب الخمر" (٤). وقال أبو الحسن الأشعري (٣٢٤ هـ): "وأجمعوا على أن المؤمن باللَّه تعالى وسائر ما دعاه النبي إلى الإيمان به لا يخرجه عنه شيء من المعاصي، ولا يحبط إيمانه إلا الكفر، وأن العصاة من أهل القبلة

стр. 7504

مأمورين بسائر الشرائع، غير خارجين عن الإيمان بمعاصيهم" (١). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على المسلمين المذنبين من أجل ذنوبهم، وإن كانوا أصحاب كبائر" (٢). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم المؤمنون ناقصوا الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة، فإن شأن اللَّه تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولًا، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة" (٣)، ونقله عنه العراقي (٤)، المباركفوري (٥). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "أئمة المسلمين أهل المذاهب الأربعة وغيرهم مع جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان متفقون على أن المؤمن لا يكفر بمجرد الذنب" (٦). وقال ابن أبي العز الحنفي (٧٩٢ هـ): "أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية" (٧). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "إجماع أهل السنة على أن مرتكب الكبائر لا يكفر إلا بالشرك" (٨). • مستند الإجماع: أما أدلة مسألة الباب فكثيرة منها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ

стр. 7505

يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أن ما دون الشرك من المعاصي فإنه تحت مشيئته سبحانه، إن شاء غفر، وإن شاء عاقب، فلو كانت الكبائر كفرًا وصاحبها كافرًا ما كان أهلًا للمغفرة؛ لأنه قد تقرر أن الكفر لا يغفره اللَّه تعالى، ولا يصح حمل الآية على التائب؛ لأن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وما دونه من المعاصي (٢). ٢ - قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى خاطب المؤمنين في الآية وبين سبحانه أن القاتل عمدًا، وولي المقتول أخوان، والأخوة ليست إلا لمن معه إيمان، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) (٥). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾ (٦). • وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه جعل المعاصي ضروبًا، منها الكفر، ومنها الفسوق، ومنها العصيان، فعلم تغايرها وإلا لم يكن للعطف فائدة (٧)، وفي ذلك يقول محمد بن نصر المروزي: "لما كانت المعاصي بعضها كفرًا وبعضها

стр. 7506

ليس بكفر، فرق بينهما، فجعلها ثلاثة أنواع: نوع منها كفر، ونوع فسق وليس بكفر، ونوع عصيان وليس بكفر ولا فسوق، وأخبر أنه كرهها كلها إلى المؤمنين، ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الإيمان وليس شيء منها خارجًا منه لم يفرق بينهما فيقول: حبب الإيمان والفرائض وسائر الطاعات، بل أجمل ذلك فقال: حبب إليكم الإيمان" (١). ٤ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾ (٢). • وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه بين أن الطائفة الباغية على الأخرى مؤمنة مع بغيها واعتدائها (٣). ٥ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ (٤). • وجه الدلالة: أن اللَّه سبحانه أمر من يرمي زوجته بالزنا باللعان، مما يدل على أن الرمي والزنا ليس كفرًا، إذ لو كان كفرًا لبانت منه عند رميه؛ لأنه إما أن تكون زانية أو بريئة، فإن كانت زانية كفرت، وتبين منه، وإن كانت بريئة كفر هو برميها وبانت منه لكفره (٥).

стр. 7507

٦ - إيجاب حد القطع على السارق في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ (١). وكذا حد الجلد في الزاني غير المحصن، كما في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ (٢). وحد القذف على القاذف في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن كل واحد من السارق، والزاني، والقاذف قد أتى بكبيرة، ولو كانت السرقة، أو الزنى، أو القذف كفرًا، لأمَر تعالى بقتل أصحابها ردة، ولم يكتف فيه بالجلد أو القطع (٤). والآيات في الباب كثيرة. ٧ - عن عمر بن الخطاب أن رجلًا على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد اللَّه، وكان يلقب حمارًا، وكان يضحك رسول اللَّه ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يومًا، فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : (لا تلعنوه؛ فواللَّه ما علمت إنه يحب اللَّه ورسوله) (٥). ٨ - عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في مجلس فقال: (تبايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على اللَّه، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك

стр. 7508

فستره اللَّه عليه فأمره إلى اللَّه، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه) (١). • وجه الدلالة: بين النبي ﷺ أن من أصاب معصية وستره اللَّه فأمره إليه، وهو تحت المشيئة، فقد يعفو اللَّه عنه، وقد يعاقبه عليه، وقد تقرر أنه سبحانه لا يعفو عن الكفر (٢). ٩ - أحاديث الشفاعة وهي من الأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ ، فمن ذلك ما رواه مسلم من حديث عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم -أو قال: بخطاياهم- فأماتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحمًا أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر (٣)، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل) (٤). والأدلة في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكر تحصيل للمقصود، واللَّه تعالى أعلم. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل السنة والجماعة، لكن ينبه إلى أن هذا الإجماع في الجملة، وإلا فثمة كبائر الخلاف في تكفير صاحبها مشهور بين أهل العلم، كالحكم بكفر تارك الصلاة. لكن من الفقه أن يعلم بأن الخلاف بين أهل السنة في كفر تارك الصلاة، أو في غيره من الكبائر، مبني على أدلة خاصة تدل على ذلك هي محل نظر واجتهاد لأهل العلم في دلالتها على كفر صاحبها أو لا، أمَّا كون التكفير مرتبط بفعل الكبيرة فهذا الذي أجمع أهل السنة على عدم القول به، وإنما قال به الوعيدية

стр. 7509

من الخوارج، القائلين بكفر مرتكب الكبيرة، والمعتزلة، القائلين بأنه منزلة بين المنزلتين، وفي الآخرة هو في النار، وحقيقة هذا القول يؤول إلى قول الخوارج، واللَّه تعالى أعلم. [١٢٥/ ٤] المسألة الخامسة والعشرون بعد المائة: لا يكفر من أثبت البسملة في أوائل السور غير سورة براءة، ولا من نفاها . • المراد بالمسألة: البسملة الموجودة في أوائل سور القرآن اختلف أهل العلم هل هي آية مستقلة تأتي للفصل بين كل سورتين كما هو مذهب الحنفية والحنابلة، أو هي آية من سورة الفاتحة فقط، ثم هي آية مستقلة في باقي السور كما هو مذهب الشافعية، أو ليست بآية في الفاتحة ولا في غيرها من السور كما هو مذهب المالكية (١). وبناء على هذا الخلاف المشهور بين السلف من الصحابة، والتابعين، وأئمة المذاهب الأربعة فإن من قال بأحد هذه الأقوال فأثبت أن البسملة آية من كل سورة، أو قال بأنها ليست آية مطلقًا فكل ذلك من مسائل الاجتهاد في فروع الفقه التي لا يفسق فيها المخالف فضلًا عن أن يكفر. ويتحصل مما سبق أمران: الأول: أن البسملة المرادة في الباب هي المذكورة في أوائل السور، أما البسملة التي في سورة النمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ (٢)، فإنها غير داخلة في مسألة الباب؛ إذ لا خلاف بين أهل العلم أنها آية من سورة النمل، وعلى ذلك أجمع أهل العلم كما حكاه ابن

стр. 7510

العربي (١)، والقرطبي (٢)، والنووي (٣)، وغيرهم (٤). بل قرر النووي أن جحْدها أو نفيها أو جحْد بعضها يدخل ضمن من جحد شيئًا من القرآن (٥). الثاني: أن سورة براءة ليست داخلة في مسألة الباب، فإن انتفاء البسملة منها محل إجماع بين أهل العلم كما حكاه النووي (٦). • من نقل الإجماع: قال النووي (٦٧٦ هـ): "أجمعت الأمة على أنه لا يكفر من أثبتها ولا من نفاها" (٧). وقال الشوكاني (١٢٥٠ هـ): "الأمة أجمعت أنه لا يكفر من أثبتها ولا من نفاها؛ لاختلاف العلماء فيها" (٨). • مستند الإجماع: علة عدم التكفير في مسألة الباب أنها من مسائل فروع الفقه التي يسوغ فيها الاجتهاد، والأدلة فيها محتلمة، وأشار إلى كونها محل اجتهاد جماعة من أهل العلم، منهم القرطبي حيث قال فيها: "المسألة مسألة اجتهادية لا قطعية، كما ظنه بعض الجهال من المتفقهة الذي يلزم على قوله تكفير المسلمين، وليس كما ظن لوجود الاختلاف" (٩). وقال ابن تيمية: "سواء قيل بالقطع في النفي أو الإثبات، فذلك لا يمنع كونها من موارد الاجتهاد التي لا تكفير ولا تفسيق فيها للنافي ولا للمثبت" (١٠).

стр. 7511

فالخلاف في مسألة الباب داخل ضمن قوله ﵊: (إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) (١). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، وإن كان ثمة طائفة شددت في المسألة وجعلوها مما يقارب مسائل العقائد، وكان من لازم قولهم القول بتكفير المخالف، كما أشار إلى ذلك القرطبي في كلامه السابق، وهذا بلا ريب مسلك غلط، بل نبه شيخ الإسلام ابن تيمية على أنه ليس للمخالف في المسألة أن يخطئ من خالفه فضلًا عن تضليله، فقال: "من قال من الفقهاء أنها واجبة على قراءة من أثبتها، أو مكروهة على قراءة من لم يثبتها، فقد غلط. . . وبهذا يتبين أن من أنكر كونها من القرآن بالكلية إلا في سورة النمل، وقطع بخطأ من أثبتها بناء على أن القرآن لا تثبت إلا بالقطع، فهو مخطئ في ذلك" (٢). والظاهر أن موجب الاعتناء بمسألة الباب وتشديد من شدد فيها ما يترتب عليها من صحة الصلاة وفسادها، فإن الشافعية ورواية عند الحنابلة يرون وجوب قراءة البسملة مع الفاتحة في الصلاة، ولا تصح الصلاة إلا بذلك (٣). [١٢٦/ ٤] المسألة السادسة والعشرون بعد المائة: لا تصح الردة من سكران لا يعقل . • المراد بالمسألة: لو أن ثمة شخص ارتد حال ذهاب عقله بالسكر، فإنه لا يحكم بردته، سواء سكِر باختياره، أو مكرهًا، لحاجة، أو لغير حاجة. ويتبين مما سبق أن السكران إن ارتد حل سكره الذي لا يذهب عقله، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال السرخسي (٤٨٣ هـ): "السكران لو ارتد لم تصح

стр. 7512

ردته بالاتفاق" (١). قال القرطبي (٦٧١ هـ): "أما السكران الذي لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، فلا اختلاف في أنه كالمجنون في جميع أفعال وأحواله فيما بينه وبين الناس، وفيما بينه وبين اللَّه تعالى أيضًا" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - ما في الصحيحين في حديث طويل في قصة حمزة بن عبد المطلب ﵁ (٣) حينما عقر بعيرَي علي بن أبي طالب ﵁، فشكا عليٌ ذلك إلى النبي ﷺ ، فخرج النبي ﷺ حتى دخل على حمزة، فجعل يلومه على ما فعل "فإذا حمزة قد ثمل محمرة عيناه فنظر حمزة إلى رسول اللَّه ﷺ ، ثم صعد النظر، فنظر إلى ركبته، ثم صعد النظر فنظر إلى سرته، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: "هل أنتم إلا عبيدٌ لأَبي"، فعرف رسول اللَّه ﷺ أنه قد ثمل (٤)، فنكص رسول اللَّه ﷺ على عقبيه القهقرى، وخرجنا معه" (٥). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يؤاخذ حمزة ﵁ بمقالته: "هل أنتم إلا عبيد لأبي"، مع أنها كفر في ظاهرها؛ إذ هي قدح في النبي ﷺ ، فترك النبي

стр. 7513

- ﷺ مؤاخذته لكونه كان قد ذهب عقله بالسكر. ٢ - أن السكران داخل في عموم ما رواه الخمسة من حديث علي ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (١). • وجه الدلالة: أن السكران بمنزلة المجنون، إذ كلاهما قد ذهب عقله، فلا يكون مكلفًا (٢). ٣ - علل القائلون بعدم صحة ردة السكران أن الردة تفتقر إلى اعتقاد ونية، والسكران لا يعتقد ما يقوله، بل ربما لا يعقل ما يقوله فضلًا عن أن يعتقده. • المخالفون للإجماع: ذهب بعض أهل العلم إلى أن السكران المتعدي بسكره مؤاخذ بأقواله، وبنوا عليه القول بأن ردة السكران صحيحة، وهو مؤاخذ بردته. وهو مذهب الشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد، هي الصحيحة في مذهبه (٤). • دليل المخالف: استدل القائلون بردة السكران بما يلي: ١ - أن الصحابة أجمعوا على مؤاخذة السكران بالقذف، وهو دليل على أن أقواله معتبرة. ٢ - أن السكران مكلف، وعقله لا يزول كليًا، فهو أشبه بالناعس منه بالنائم أو المجنون (٥).

стр. 7514

النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، فضلًا عن أن تكون محل إجماع؛ للخلاف الثابت فيه عن الشافعية، والحنابلة في رواية. [١٢٧/ ٤] المسألة السابعة والعشرون بعد المائة: من نطق بلفظ لا يدري معناه، وكان معناه كفرًا، فلا يؤاخذ به . • المراد بالمسألة: إذا تلفظ المسلم بكلمة كفرية فيها معنى يكفر بها صاحبها، لكنه لم يفقه معنى ما يتلفظ به، كأعجمي تلفظ بكلمة عربية كفرية لكنه لا يعلم معناها، أو عربي تلفظ بكلمة أعجمية معناها الكفر، وهو لا يدري، أو نحو ذلك، فإنه لا يحكم بكفره لمجرد من تلفظ به. يتبين مما سبق أنه لو كان يعلم معنى ما يقوله لكنه لم يكن يعتقده، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لم يختلف أحد من الأمة في أن امرأ لو نطق بلفظ لا يدري معناه، وكان معناه كفرًا، أو قذفًا، أو طلاقًا، فإنه لا يؤاخذ بشيء من ذلك" (١). • مستند الإجماع: استدل أهل العلم لمسألة الباب: ١ - أن هذا التلفظ من الخطأ الداخل في عموم قول اللَّه تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٢). وقد ثبت في صحيح مسلم أن اللَّه تعالى قد أجاب ذلك لأمة محمد ﷺ ، كما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٣)، قال: دخل قلوبهم منها شيء لم

стр. 7515

يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي ﷺ : (قولوا سمعنا وأطعنا وسلَّمنا) قال: فألقى اللَّه الإيمان في قلوبهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١)، قال: "قد فعلت"، (٢) ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾، قال: "قد فعلت"، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (٣)، قال: "قد فعلت" (٤). ٢ - عموم حديث أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن اللَّه تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٥). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٢٨/ ٤] المسألة الثامنة والعشرون بعد المائة: إجراء الأحكام الظاهرة على من أظهر الإسلام ولو أسر الكفر . • المراد بالمسألة: وأن شخصًا يدَّعي أنه مسلم، وكان ملتزمًا بأحكام الإسلام الظاهرة، وكان في ظاهره مبطنًا للكفر، وهو ما يسمى بالمنافق، فإنه تجرى عليه الأحكام الظاهرة للمسلم، من عصمة ماله ودمه، وكونه يرث من المسلم، ويرث منه المسلم، ويُغسَّل إذا مات، ويكفَّن، ويصلى عليه، وما إلى ذلك من أحكام المسلم، ما لم يظهر منه ما يدل على كفره. ويتبين مما سبق أنه لو كان مظهرًا ما هو كفر في مسألة ما، وكان ملتزمًا ببقية شرائع الإسلام الظاهرة فذلك غير مراد في مسألة الباب، وكذا لو كُشف

стр. 7516

أمره وظهر منه ما هو كفر، ثم أراد التوبة فأظهر الإسلام وأبطن الكفر فمسألة أخرى يذكرها الفقهاء في استتابة الزنديق وتوبته. كما يتبين مما سبق أن الكلام هو في إجراء الأحكام الظاهرة في الدنيا، أما في الآخرة فأمره إلى اللَّه. • من نقل الإجماع: قال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمعوا أن أحكام الدنيا على الظاهر وإلى اللَّه السرائر" (١). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "أجمع العلماء أن أحكام الدنيا على الظاهر، وأن السرائر إلى اللَّه " (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "وقد اتفق العلماء على أن اسم المسلمين في الظاهر يجري على المنافقين؛ لأنهم استسلموا ظاهرًا، وأتوا بما أتوا به من الأعمال الظاهرة، بالصلاة الظاهرة، والزكاة الظاهرة، والحج الظاهر، والجهاد الظاهر، كما كان النبي يجري عليهم أحكام الإسلام الظاهر" (٣). وقال ابن حجر (٨٥٢ هـ): "من أظهر الإسلام أجريت عليه أحكامه الظاهرة، ولو أسر الكفر في نفس الأمر، ومحل الخلاف إنما هو فيمن اطلع على معتقده الفاسد فأظهر الرجوع هل يقبل منه أو لا، وأما من جهل أمره فلا خلاف في إجراء الأحكام الظاهرة عليه" (٤). وقال أيضًا: "أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر واللَّه يتولى السرائر" (٥). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - ما أخرجه الشيخان عن أسامة بن زيد ﵄ قال: "بعثنا رسول اللَّه ﷺ إلى الحُرَقَة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا اللَّه، فكف الأنصاري،

стр. 7517

فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي ﷺ فقال: (يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا اللَّه) قلت: كان متعوذًا، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم" (١). وفي لفظ لمسلم: أن النبي ﷺ قال لأسامة: (اقتلته)؟ قال: نعم، قال: (فكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة) قال: يا رسول اللَّه استغفر لي، قال: (وكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة) قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: (كيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة) (٢). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ عاتب أسامة على قتله لمن تلفظ بالشهادة، وجعله ذنبًا، مما يدل على حرمة دمه، مع أن ذاك قاله إلا حين رُفع عليه السلاح لقتله، وهو موضع فيه احتمال شديد على أنه ما قاله إلا خوفًا من السلاح. ٢ - عن المقداد بن عمرو الكندي ﵁ (٣) أنه قال لرسول اللَّه ﷺ : أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف، فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت للَّه، أقتله يا رسول اللَّه بعد أن قالها؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (لا تقتله)، فقال: يا رسول اللَّه إنه قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعد ما قطعها؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : (لا تقتله، فإن قتلته: فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) (٤).

стр. 7518

• وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى المقداد عن قتل الكافر الذي أعلن إسلامه، مع أن ظاهر حاله أنه ما أسلم على خوفًا من القتل، لكن النبي ﷺ أجرى عليه حكم الظاهر. ٣ - ما جاء في قصة قسم النبي ﷺ للذهب الذي أتى به علي ﵁ من اليمن: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا محمد اتق اللَّه! قال ﷺ : (ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي اللَّه)، ثم ولَّى الرجل، فقام خالد بن الوليد ﵁، وفي بعض الرويات: عمر بن الخطاب ﵁ وقال: دعني أضرب عنقه يا رسول اللَّه، فقال النبي ﵊: (لعله أن يكون يصلي) قال: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس بقلبه، قال ﵊: (إني لم أُومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم)، ثم نظر إليه وهو مقف فقال: (إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وقراءتكم مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنَّهم قتل عاد) (١). • وجه الدلالة: في الحديث أن النبي ﷺ امتنع عن قتل ذي الخويصرة؛ لأنه لا يوجد منه ما يدل على كفره صراحةً، بل ظاهره الإسلام، أما أمر الباطن فما دام غير مجزوم بكفره فالأصل أنه مسلم. ٤ - ما أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول اللَّه ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمِنُّاه وقرَّبناه، وليس إلينا من سريرته شيء، اللَّه يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم

стр. 7519

نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة" (١). • وجه الدلالة: أن عمر ﵁ بيَّن أنه إنما يجري الأحكام بناء على الظاهر، وهو من الخلفاء الراشدين المهديين الذين أُمرنا باتباعه. ٥ - أن النبي ﷺ عامل المنافقين في عهده بناء على الظاهر، مع أنه كان يعلم بواطنهم بطريق الوحي. ٦ - أن الأصل بقاء المسلم على ما هو عليه من الإسلام، حتى يظهر منه الرجوع للكفر، كما أن الأصل في الكافر إذا مات إجراء الأحكام الظاهرة عليه حتى يظهر منه ما يدل على الإسلام. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٢٩/ ٤] المسألة التاسعة والعشرون بعد المائة: لا يكفر من تكلم بالكفر مكرهًا . • المراد بالمسألة: لو أكره المسلم على كلمة الكفر، فقالها وهو كاره لها، غير معتقد لما دلت عليه الكلمة، فإنه لا يكفر بمجرد التلفظ. ويتحصل من هذا أنه لو تلفظ بها معتقدا لهًا، أو راضيًا بها، فذلك غير مراد في مسألة الباب، ولو كان مكرهًا. وكذا لو أكره على فعل كفري، فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان، أنه لا يحكم عليه بالكفر، ولا تبين منه زوجته، إلا محمد بن الحسن فقال: إذا أظهر الكفر صار مرتدًا، وبانت منه امرأته، ولو كان في الباطن مسلمًا" (٢). وقال ابن بطال (٤٤٩ هـ): "أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر حتى

стр. 7520

خشى على نفسه القتل أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته، ولا يحكم عليه بحكم الكفر" (١)، ونقله عنه ابن حجر (٢). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا على أن المكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان أنه لا يلزمه شيء من الكفر عند اللَّه تعالى، واختلفوا في إلزامه أحكام الكفر" (٣). وقال ابن العربي (٥٤٣ هـ): "أما الكفر باللَّه فذلك جائز له -أي للمكرَه- بغير خلاف على شرط أن يلفظ بلسانه، وقلبه منشرح بالإيمان" (٤). وقال القرطبي (٦٧١ هـ): "أجمع أهل العلم على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر" (٥). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "لا يكفر من تكلم بالكفر مكرهًا بالنص والإجماع" (٦). وقال ابن القيم (٧٥١ هـ): "لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض، إلا المكره إذا اطمأن قلبه بالإيمان" (٧). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ (٨). وهذه الآية نزلت في عمار بن ياسر ﵁ حين أكره على كلمة الكفر، فقالها

стр. 7521

مكرهًا، مريدًا الخلاص من أيدي المشركين، فلما أتى النبي ﷺ وأخبره الخبر، قال ﵊: (كيف نجد قلبك)، قال: مطمئن بالإيمان، قال ﷺ : (فإن عادوا فعد) (١). فقيل: المراد إن عادوا إلى إكراهك للكفر فعد أنت إلى ما طلبوا منك مع الطمأنينة بالإيمان. وقيل: المراد إن عادوا للإكراه فعد أنت إلى الطمأنينة، وليس فيها حث على العودة بإجابة ما طلبه المشركون (٢). ٢ - عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن اللَّه تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٣). • المخالفون للإجماع: نقل ابن المنذر والقرطبي وابن قدامة وغيرهم عن محمد بن الحسن القول بأن المكرَه إذا نطق بالكفر فإنه يكون مرتدًا في الظاهر، وفيما بينه وبين اللَّه تعالى على الإسلام، وتبين منه امرأته ولا يصلى عليه إن مات، ولا يرث أباه إن مات مسلمًا (٤). وحكاه ابن المرتضى عن أبي حنفية، وأبي يوسف (٥). والتحقيق في مذهب الحنفية أنهم يعذرون بالإكراه، لكنهم يخصونه بأن

стр. 7522

يكون الإكراه مما يخاف فيه على النفس أو الأطراف، لا مجرد الإكراه، وهذه مسألة أخرى تتعلق بضابط الإكراه، وليست مرادة في الباب. كما يخصونه بما إذا لم يخطر بباله تأويل لكلمة الكفر، فإذا خطر بباله تأويل، كان يقول كفرت بمحمد، وهو ينوي محمدًا من الناس غير رسول اللَّه ﷺ ، لكنه لم يعمل بالتأويل فإنه يحكم بكفره، وتبين منه امرأته، أما إذا عمل بالتأويل، أو كان لم يخطر بباله التأويل فتكلم بالكفر وقبله مطمئن بالإيمان فذلك لا يحكم بكفره (١). • دليل المخالف: أن الدين أمره عظيم، ولا يعذر فيه الإنسان لمجرد الإكراه، وآية الإكراه فيها تقديم وتأخير، وتقديره: من كفر باللَّه من بعد إيمانه، وشرح بالكفر صدرًا، فعليهم غضب من اللَّه، ولهم عذاب عظيم، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، فاللَّه تعالى ما أباح إجراء كلمة الكفر على لسانهم حالة الإكراه، وإنما وضع عنهم العذاب والغضب (٢). النتيجة: يتحصل مما سبق أن المسألة على شقين: الأول: حكمه فيما عند اللَّه تعالى، وهذا الإجماع فيه محقق أنه على الإسلام. الثاني: حكمه في الظاهر، فهذه حكي فيه خلاف، وهذا التقسيم موافق لما نقله ابن حزم، واللَّه تعالى أعلم. [١٣٠/ ٤] المسألة الثلاثون بعد المائة: لا تصح الردة من المجنون . • المراد بالمسألة: لو وجد شخص مجنون جنونًا مطلقًا، أو كان يفيق أحيانًا ويُجن أحيانًا، فارتد بقول أو فعل حال جنونه، فإنه لا عبرة بذلك، وكذا كل من لا عقل له، كالطفل الذي لا يعقل، والمغمى عليه، والنائم الذي لا يعقل ما يقول.

стр. 7523

ويتبيَّن مما سبق أن المجنون لو كان ممن يفيق أحيانًا، وارتد حال إفاقته فذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن المنذر (٣١٨ هـ): "أجمعوا أن المجنون إذا ارتد في حال جنونه أنه مسلم على ما كان قبل ذلك" (١). وقال ابن قدامة (٦٢٠ هـ): "الردة لا تصح إلا من عاقل، فأما من لا عقل له، كالطفل الذي لا عقل له، والمجنون، ومن زال عقله بإغماء، أو نوم، أو مرض، أو شرب دواء يباح شربه، فلا تصح ردته، ولا حكم لكلامه، بغير خلاف" (٢). وقال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "الردة لا تصح إلا من عاقل، فأما الطفل الذي لا يعقل، والمجنون، ومن زال عقله بنوم، أو إغماء، أو شرب دواء مباح شربه، فلا تصح ردته ولا حكم لكلامه، بغير خلاف" (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "فأما المجنون والطفل الذي لا يميز فأقواله كلها لغو في الشرع، لا يصح منه إيمان، ولا كفر، ولا عقد من العقود، ولا شيء من الأقوال، باتفاق المسلمين" (٤). وقال ابن الهمام (٨٦١ هـ): "المجنون لا يصح ارتداده بالإجماع" (٥). • مستند الإجماع: يستند الإجماع إلى ما يلي: ١ - عن علي ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المجنون حتى يعقل) (٦).

стр. 7524

• وجه الدلالة: الحديث صريح أن المجنون غير مكلف، وأن من شرط التكليف العقل، فإذا عدم الشرط عدم المشروط، وعليه: فإن المجنون لا يؤاخذ بأقواله ولا أفعاله المتعلقة بالتكليف. ٢ - أن الردة تفتقر إلى اعتقاد أونية، والمجنون لا يعتقد ما يقوله، بل لا يعقل ما يقوله فضلًا عن أن يعتقده. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٣١/ ٤] المسألة الحادية والثلاثون بعد المائة: لا يجوز ترك الصلاة على من مات من المسلمين المذنبين من أجل ذنوبهم وإن كانوا من أصحاب الكبائر . • المراد بالمسألة: لو وُجد شخص من أصحاب الكبائر من زنى، أو سرقة، أو غيرها من كبائر الذنوب غير الشرك الأكبر، فإنه إذا مات يجب الصلاة عليه من عامة المسلمين، ولا يجوز ترك الصلاة عليه من أجل كبيرته. ويتبين مما سبق أن الذنب إن كان من الشرك المخرج من الملة فذلك غير مراد في مسألة الباب، ويتخرج على ذلك أن من قال بكفر تارك الصلاة أو تارك الزكاة أو نحو ذلك، فإن الحكم بترك الصلاة عليه لا تدخل في مسألة الباب، لأن ترك الصلاة عليه مبني على القول بكفره، ومسألة الباب هي فيمن مات من أهل الإسلام فإنه لا تترك الصلاة عليه ما دام أنه محكوم بإسلامه. كما يتبين أن الإمام أو أهل الفضل إن تركوا الصلاة على أحد من أهل القبلة من باب التغليظ، فإن ذلك غير داخل في مسألة الباب وإنما المراد ترك الصلاة عليه مطلقًا. وكذا إذا تركت الصلاة لبدعة كالبغاة الخوارج، أو الروافض أو ما أشبه ذلك، فذلك غير مراد في مسألة الباب.

стр. 7525

• من نقل الإجماع: قال ابن سيرين (١١٠ هـ) (١): "ما أعلم أن أحدًا من أهل العلم من الصحابة ولا التابعين ترك الصلاة على أحد من أهل القبلة تأثمًا" (٢). وقال قتادة (١١٧ هـ): "لا أعلم أحدًا من أهل العلم اجتنب الصلاة على من قال لا إله إلا اللَّه" (٣). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على المسلمين المذنبين من أجل ذنوبهم وإن كانوا أصحاب كبائر" (٤). • مستند الإجماع: يدل على المسألة ما يلي: ١ - ما رواه الدارقطني من حديث مكحول عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (صلوا خلف كل بر وفاجر، وصلوا على كل بر وفاجر، وجاهدوا مع كل بر وفاجر) (٥).

стр. 7526

وفي الباب أحاديث تحث على الصلاة على كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى كل من قال لا إله إلا اللَّه، لكن كلها لا تخلو من مقال، بل صرح بعض الأئمة أنه لا يثبت في هذا الباب شيء، منهم الدارقطني في سننه (١). ٢ - أن هؤلاء وإن كانوا أصحاب كبائر لكنهم من جملة المسلمين فهم داخلون في عموم الأحاديث الدالة على الصلاة على المسلم، وليس ثمة في ليل يمنع من الصلاة عليهم، فنبقى على الأصل حتى يرد الدليل المانع من ذلك. • المخالفون للإجماع: خالف بعض أهل العلم في جملة من صور الباب، فذهب الحنفية إلى أنه لا يصلى على البغاة وقطاع الطريق إذا قُتِلا حال المحاربة (٢). ونقل النووي في "المجموع" عن قتادة القول بأن ولد الزنا لا يصلى عليه (٣). وأما ما حكاه ابن قدامة عن مالك من القول بترك الصلاة على من قتل في حد حيث قال: "قال مالك: لا يصلى على من قتل في حد" (٤)، فهذا الحرف فيه توسع في العبارة، فإن مذهب المالكية الصلاة على من قتل في حد أو قصاص، أو مظهر لكبيرة، لكن لا يصلى عليه الإمام وأهل الفضل من باب الردع، أما عموم الناس فيصلون عليهم (٥). • دليل المخالف: استدل الحنفية على ترك الصلاة على البغاة وقطاع الطريق

стр. 7527

بأن عليًّا ﵁ لم يغسل أهل النهروان ولم يصل عليهم، وكان ذلك بمحضر الصحابة ولم ينكر عليه أحد، فكان كالإجماع، وإذا ثبت هذا في البغاة الذين أفسدوا بتأويل فيلحق بهم قطاع الطريق من باب أولى، لأنهم أفسدوا بلا تأويل (١). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم؛ للخلاف فيه عن قتادة، والحنفية.

стр. 7528

الخاتمة الحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق اللَّه أجميعن، وبعد: فقد تم -بحمد اللَّه وتوفيقه- الانتهاء من جمع وتحقيق مسائل هذه الرسالة التي تناولت فيها جمع المسائل الإجماعية التي حُكيت في أبواب حد السرقة والحرابة والبغي والردة، وتحقيق الإجماع فيها. وقد خلُص للباحث نتائج وتوصيات في ختامها أذكرها على سبيل الإجمال: أولًا: النتائج: أهم النتائج التي توصلتُ إليها هي: ١ - أن مجموع المسائل التي تحقق الإجماع فيها لدى الباحث هي (١٩٦) مسألة من أصل (٢٩٩)، وهي على النحو التالي: أ- ما يتعلق بباب السرقة: تحقق لدى الباحث في باب السرقة الإجماع في (٥٠) مسألة من أصل (١٠١) مسألة، وهي على النحو التالي: - السارق يقال له فاسق، فاجر، ما لم يظهر منه خشوع التوبة مما ركب من المعصية. - لو كان السارقون جماعة لم يسقط القطع عن واحد. - إن وُجدت العين المسروقة بذاتها لم تتغير، ولا غيَّرها السارق، ولا أحدث فيها عملًا، ولا باعها، فإنها ترد إلى المسروق منه. - إنْ فَعل السارق سرقته مستخفيًا عن كل من حضر فهو سارق وعليه القطع. - حد السرقة لا يقبل الفداء. - من سرق فأقيم عليه الحد، ثم تاب وأصلح، فإنه تقبل شهادته. - السارق إذا بلغ الإمام لم تجز الشفاعة فيه.

стр. 7529

يقطع المسلم بسرقة مال المسلم والذمي، ويقطع الذمي بسرقة مالهما. إلا أنه يستثنى من هذه المسألة قطع المسلم بسرقة مال الذمي فإن الإجماع فيها غير متحقق. - من سرق ثوبًا فصبغه أحمرًا يُقطع. - حد السرقة لا يقبل الصلح. - رد المسروق بعد رفعه للإمام لا يسقط الحد. إلا أن الإجماع في هذه المسألة فيما رد المسروق بلا توبة، أما معه التوبة فمحل خلاف. - على الإمام إقامة الحد على السارق، ولو كان السارق والدًا للإمام. - يجب القطع إن كانت السرقة في غير دار الحرب. - من سرق وهو سليم العقل غير سكران فإنه يُحد. - من سرق مختارًا غير مكره، وجب عليه القطع، - من سرق وهو غير مضطر بجوع فعليه القطع. - إذا وصف الشاهدان السرقة والحوز وجنس المال المسروق وقدره، أقيم الحد على السارق. - إذا شهد الشهود على شخص بالسرقة قبل مضي الشهر من السرقة، فيجب إقامة الحد. - إذا ثبتا القطع في السرقة ولم يدع السارق ملك ما سرق وجب إقامة الحد. - إذا أخرج السارق المسروق بيده وجب القطع. - حكم المرأة في حد السرقة حكم الرجل. - حد العبد والأمة في السرقة سواء كالحر والحرة. - حد السرقة لا يقبل الإبراء.

стр. 7530

- من شروط إقامة حد السرقة أن يكون السارق بالغًا. - من شروط إقامة حد السرقة أن يكون السارق عاقلًا. - سارق ربع دينار وسارق أكثر من ذلك سواء في الحد. - لا يشترط لإقامة الحد مطالبة صاحب المال المسروق بالحد. - يثبت حد السرقة بالشهادة إذا لم يختلف الشاهدان أو يتراجعا عن شهادتهما. لكن ينبه إلى أن هذه المسألة محل إجماع بين أهل العلم، في أنه لو اتفقت شهادتهما ولم يتراجعا فيجب القطع، أما مسألة اختلاف الشاهدان فاشتراط الاتفاق في تعيين السارق محل إجماع بين أهل العلم، في أنه لو اتفقت شهادتهما ولم يتراجعا فيجب القطع، أما مسألة اختلاف الشاهدان فاشتراط الاتفاق في تعيين السارق محل إجماع، أما اشتراط اتفاق الشهود في الزمان، أو المكان، أو جنس المسروق، فذلك ليس بمحل إجماع. - السرقة تثبت بالإقرار. - باب البيت وغلقه حرز. - من سرق تبرًا فضرب دراهم أو دنانير فإنه يُقطع. - إذا كانت العين المسروقة تبلغ نصابًا ثم نقصت بعد إخراجها من الحرز، فلا قطع. - من سرق من ذي رحم غير محْرَم فإنه يُقطع. - يقطع في سرقة الحِنْطة والسُّكَّر. - إذا أحرز المضارب مال المضاربة، أو الوديع أو المستعير العارية، أو المال الذي وكل فيه الوكيل، فسرقه أجنبي من هؤلاء، فعليه القطع. - المسلم إذا سرق من أخيه المسلم خمرًا لا قطع عليه. - لا قطع في سرقة إنسان حر كبير.
следующие страницы →