← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.

стр. 7456

أنه تفنى أجسام العالم حتى الجنة والنار" (١). القول الثالث: أن شيخ الإسلام يميل إلى القول بفناء النار. وبهذا قال ابن حجر (٢)، والسفاريني (٣)، وصديق حسن خان (٤) (٥)، والألوسي (٦) (٧). وذلك لما في الرسالة من تقوية القول بفناء النار، وتعقب أدلة القائلين بأنها لا تفنى. والذي يظهر -واللَّه أعلم- أنه لا يصح الجزم بنسبة القول بفناء النار إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، لتصريحه بفناءها -كما سبق نقله-، ولأنه ليس في الرسالة المنسوبة إليه التصريح باختيار القول بفناء النار.

стр. 7457

والذي يظهر واللَّه أعلم أحد أمرين: الأول: إما أن شيخ الإسلام يميل إلى القول بفناء النار دون الجزم به. الثاني: أن شيخ الإسلام لا يرى القول بفناء النار ولا يميل له أيضًا، وإنما أراد بذكر الخلاف في المسألة وتقوية أدلة القائلين بفناء النار أن يُبيِّن أن المسألة محل خلاف معتبر، وأن المخالف فيها لا يُضلل، ولا يُبدع؛ إذ الخلاف فيها مأثور عن السلف، لا سيما وأن سبب الرسالة أن تلميذه ابن القيم سأل شيخه ابن تيمية عن مسألة فناء النار، وأنها من المسائل المشكلة (١)، فبَين له شيخ الإسلام الجواب باستقصاء أدلة الفريقين، مع الموازنة في الأدلة، حتى ظن من ظن بأنه يقول بفناء النار أو يميل إليه. وهذا الثاني هو الأظهر في نظر الباحث، واللَّه أعلم (٢).

стр. 7458

• دليل المخالف: من أدلة القول بفناء النار ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (١). ٢ - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ (٢). • وجه الدلالة من الآيتين: أن الثه تعالى ذكر استثناء في خلود أهل النار فيها بقوله سبحانه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، بخلاف أهل الجنة حيث صرَّح سبحانه بدوامها فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. ٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ (٣). • وجه الدلالة: أخبر تعالى بأن أهل النار يلبثون فيها أحقابًا، والحقب يطلق على مدة من الزمان ثم تنقضي، قال ابن كثير: " ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ أي: ماكثين فيها أحقابًا، وهي جمع "حقُب"، وهو: المدة من الزمان" (٤).

стр. 7459

٤ - أنه مروي عن جماعة من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم، ومن ذلك: عن الحسن بن البصري قال: قال عمر ﵁: "لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج (١)، لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه" (٢). كما أنه مروي عن ابن مسعود (٣)، وأبي هريرة (٤)، وأبي سعيد (٥)،

стр. 7460

وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص (١) رضي اللَّه عن الجميع. النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم. لكن ينبه إلى أن هذه المسألة لا ينبغي أن تكون من المشكلات على طالب العلم؛ من جهة أن المخالف فيها لا يُعد خارجًا عن جملة أهل السنة والجماعة فضلًا عن خروجه عن الدين بالكلية؛ لِما ذكره ابن القيم من الآثار في ذلك عن بعض الصحابة رضوان اللَّه عليهم، وإن كانت هذه الآثار غير مسلَّمة من جهة السند، لكن فيها إشارة إلى أن المسألة ليست من الأصول التي يضلل فيها المخالف، ولذا لما ذكر السبكي المسألة وجعل القول بفناء النار من أقوال أهل البدع والضلال تعقبه ابن القيم حيث قال: "فقولكم إنه من أقوال أهل البدع كلام من لا خبرة له بمقالات بني آدم، وآرائهم، واختلافهم" (٢). وفي ذلك يقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه اللَّه-: "وغاية ما يقال إنه قول خطأ، أو رأي غير صواب، ولا يقال: بدعة، وليس قصدي الدفاع عن هذا القول ولكن قصدي بيان أنه ليس بدعة ولا ينطبق عليه ضابط البدعة" (٣). وحاصل الكلام أن من قدح في شيخ الإسلام أو ابن القيم بسبب هذه المسألة فجوابه من وجهين:

стр. 7461

الأول: أنه لا يُجزم بنسبة القول بفناء النار لهما. الثاني: أن المسألة ليست من مسائل الأصول التي يضلل فيها المخالف ويُبَدَّع؛ إذ الخلاف فيها مأثور عن السلف، واللَّه تعالى أعلم. [١٠٦/ ٤] المسألة السادسة بعد المائة: من خالف في رفعة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وقدرهم فليس مسلمًا . • المراد بالمسألة: الأنبياء الذين اصطفاهم اللَّه تعالى لرسالاته هم خير البشرية، فليس لأحد أن يجعل أحدًا من الأولياء في مقام نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومن خالف في مكانة الأنبياء ورفعتهم عند اللَّه تعالى فقد كفر كفرًا مخرجًا من الملة. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا خلاف بين المسلمين في أن الأنبياء ﵈ أرفع قدرا ودرجة، وأتم فضيلة عند اللَّه وأعلى كرامة من كل من دونهم، ومن خالف في هذا فليس مسلمًا" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن اللَّه تعالى قد أخبر عن رفعة أنبيائه، ووصفهم بكريم الأخلاق، كما سبق ذكره من الأدلة في المسألة السابقة، فمن خالف ذلك فقد كذب القرآن. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٠٧/ ٤] المسألة السابعة بعد المائة: من جحد الزكاة ارتد . • المراد بالمسألة: من المسائل المقررة شرعًا أن الزكاة فرض، فمن أنكر ذلك وقال لا زكاة في الإسلام فذلك كفر مخرج من الملة، إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع.

стр. 7462

• من نقل الإجماع: قال الإمام أحمد (٢٤١ هـ) في حكم تارك الزكاة: "إن كان تركه لها جاحدًا لوجوبها، منكرًا لها، فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل كفرًا إجماعًا" (١). وقال الخطابي (٣٨٨ هـ): ""من أنكر فرض الزكاة في هذا الزمان كان كافرًا بإجماع المسلمين" (٢). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "من منعها -أي الزكاة- جاحدا لها فهي ردة بإجماع" (٣). وقال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "أجمع المسلمون على قتل الممتنع عن أداء الصلاة والزكاة، مكذبًا بهما" (٤). وقال ابن الأثير (٦٠٦ هـ): "من أنكر فرضية أحد أركان الإسلام كان كافرًا بالإجماع" (٥)، ونقله عنه ابن منظور (٦). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافرًا بإجماع المسلمين" (٧). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "من لم يعتقد وجوب الصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت العتيق. . . فهو كافر مرتد، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل باتفاق أئمة المسلمين" (٨)، وقال ابن فرحون المالكي (٧٩٩ هـ): "من جحد وجوب الزكاة فهو كافر باتفاق" (٩). وقال البهوتي (١٠٥١ هـ): "فإن جحد وجوبها، أي الزكاة، جهلًا به، ومثله يجهله، كقريب عهد بإسلام، أو نشوئه ببادية بعيدة بحيث يخفى عليه وجوب الزكاة، عرف ذلك، أي وجوبها، ونهي عن المعاودة لجحد وجوبها لزوال عذره، فإن أصر على جحد الوجوب بعد أن عرف، أو كان عالمًا

стр. 7463

بوجوبها كفر إجماعًا" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسالة الباب أن وجوب الزكاة قد دل عليها صريح الكتاب والسنة والإجماع، فمن ذلك: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ (٢). ٢ - قول اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ (٣). والآيات في هذا الباب كثيرة. ٣ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: (إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم صدقة توخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين اللَّه حجاب) (٤). ٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "لما توفي رسول اللَّه ﷺ ، وكان أبو بكر ﵁، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر ﵁: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول اللَّه ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على اللَّه)، فقال: واللَّه لأقاتلنَّ من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال، واللَّه لو منعوني عناقًا

стр. 7464

كانوا يؤدونها إلى رسول اللَّه ﷺ لقاتلتهم على منعها، قال عمر ﵁: فواللَّه ما هو إلا أن قد شرح اللَّه صدر أبي بكر ﵁ فعرفت أنه الحق" (١). ٥ - عن ابن عمر ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على اللَّه) (٢). والأحاديث الدالة على وجوب الزكاة كثيرة جدًا. ٥ - إجماع أهل العلم على أن الزكاة واجبة. وقد نقل الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم منهم: ابن حزم (٣)، وابن قدامة (٤)، والقرطبي (٥)، والنووي (٦). كما أجمع الصحابة رضوان اللَّه تعالى على قتال مانعي الزكاة كما نقله ابن قدامة (٧)، والنووي (٨)، وابن تيمية (٩)، وابن حجر (١٠)، وجماعة (١١). إذا تقرر هذا فإن من جحد وجوب الزكاة فإن قد رد صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7465

[١٠٨/ ٤] المسألة الثامنة بعد المائة: من أنكر البعث فقد كفر . • المراد بالمسألة: مما تواترت به نصوص الشريعة، واتفقت عليه جميع الملل، بل هو أحد أركان الإيمان، أن اللَّه تعالى يبعث عباده يوم القيامة ليجازيهم على أعمالهم، فإما إلى الجنة، أو إلى النار، فمن أنكر ذلك فقد كفر كفرا مخرج من الملة. • من نقل الإجماع: قال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "من أنكر الجنة، أو النار، أو البعث، أو الحساب، أو القيامة: فهو كافر بإجماع؛ للنص عليه، وإجماع الأمة على صحة نقله متواترًا" (١). وقال ابن عبد البر (٤٦٣ هـ): "أجمع المسلمون على أن من أنكر البعث بعد الموت فليس بمؤمن ولا مسلم، ولا ينفعه ما شهد به" (٢). وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١٢٠٦ هـ) (٣): "جحد البعث كفر بالإجماع" (٤). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن نصوص الشريعة متواترة في تقرير بعث العباد يوم القيامة فمنها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ

стр. 7466

ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ (١). ٢ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٣)﴾ (٣). ٤ - قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ (٤). ٥ - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ (٥). ٦ - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ (٦).

стр. 7467

٧ - قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ (١). ٨ - قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ (٢). ٩ - أخبر تعالى في آيات من كتابه أن إنكار البعث من أقوال الكافرين، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧)﴾ (٣). ١٠ - قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾ (٤). ١١ - قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ (٥). • وجه الدلالة من الآيات: الآيات صريحة في إثبات البعث، وأن إنكار البعث هو من قول الكافرين. ١٢ - أحاديث السنة المتواترة في تقرير البعث، بل جعله النبي ﷺ أحد أركان الإيمان كما في حديث جبريل المشهور من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ بارزًا يومًا للناس، فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟ قال: (الإيمان أن تؤمن باللَّه، وملائكته، وبلقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث) (٦). فإنكار البعث إنكار لأحد أركان الإيمان الستة، وهو إنكار لما بعده من الحشر، والحوض، والميزان، والصراط، والجنة، والنار، وغير ذلك من أمور الآخرة، وهذا بلا شك تكذيب لصريح القرآن والسنة، وصاحبه يكفر

стр. 7468

كفرًا مخرجًا من الملة. ١٣ - إجماع أهل العلم على البعث بعد الموت كما حكاه جماعة من أهل العلم منهم أبو الحسن الأشعري حيث قال: "أجمعوا على أن الأجساد التي أطاعتا وعصت هي التي تبعث يوم القيامة" (١). وقال ابن حزم: "اتفق جميع أهل القبلة على تنابذ فرقهم على القول بالبعث في القيامة" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومعاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين واليهود والنصارى" (٣). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٠٩/ ٤] المسألة التاسعة بعد المائة: الزنديق كافر . • المراد بالمسألة: سبق خلاف أهل العلم في المراد بالزنديق فالجمهور على أنه من أظهر الإسلام وأبطن الكفر، وهو ما يعرف بالمنافق، وذهب بعض الحنفية وبعض الشافعية إلى أن الزنديق هو من لا دين له، وعلى كلا القولين فإن الزنديق كافر يعاقب في الآخرة بالخلود في النار كما هو حال الكافرين. وينبه إلى أنه لا يراد بمسألة الباب إعطاء الزنديق أحكام الكفر أو الإسلام في الدنيا؛ لأن لهذه المسألة موضع آخر (٤).

стр. 7469

• من نقل الإجماع: قال محمد بن نصر المروزي (٢٩٤) (١): "المنافق الذي ينافق في التوحيد هو كافر عند اللَّه في كتابه لا اختلاف بين الأمة في ذلك" (٢). وقال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أن المنافقين كفار" (٣). وقال النووي (٦٧٦ هـ): "إجماع الأمة على إكفار المنافقين وإن كانوا قد أظهروا الشهادتين" (٤). وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "فأما الزنديق الذي تكلم الفقهاء في قبول توبته في الظاهر فالمراد به عندهم المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وإن كان مع ذلك يصلي، ويصوم، ويحج، ويقرأ القرآن، وسواء كان في باطنه يهوديًا أو نصرانيًا أو مشركًا أو وثنيًا، وسواء كان معطلًا للصانع وللنبوة، أو للنبوة فقط، أو لنبوة نبينا فقط، فهذا زنديق وهو منافق، وما في القرآن والسنة من ذكر المنافقين يتناول مثل هذا بإجماع المسلمين. . . ومثل هؤلاء المنافقين كفار في الباطن باتفاق المسلمين" (٥) ونقله عنه الرحيباني (٦). وقال العيني (٨٥٥ هـ): "الإجماع على كفر المنافقين وإن كانوا قد أظهروا الشهادتين" (٧).

стр. 7470

• مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب: ١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (١). ٢ - قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ (٢). • وجه الدلالة من الآيتين: أن اللَّه تعالى توعد المنافقين في آيات من كتابه بالنار، والخلود فيها، والآيات في هذا الباب كثيرة. ٣ - قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر عن المنافقين أنهم يظهرون الإيمان، ثم نفاه عنهم، وأخبر بأهم ليسوا بمؤمنين، وهذا صريح في كونهم كفارًا. ٤ - قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (٤). • وجه الدلالة: الآية في سياق المنافقين، وقد أخبر تعالى عدم قبول صدقاتهم، وعلل ذلك بكونهم كفارًا. ٥ - قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ (٥). • وجه الدلالة: الآية في سياق المنافقين، وقد أخبر تعالى صريحًا أنهم كفار. ٦ - قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾ (٦). • وجه الدلالة: الآية في سياق المنافقين، وهي صريحة بأنهم كفار، وأن

стр. 7471

الدعاء لهم بالمغفرة بعد موتهم غير نافع، لأن الكافر لا يُغفر له. ٧ - قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (١). • وجه الدلالة: قال القرطبي: "هذا إعلام من اللَّه تعالى بأن المنافق كافر، أي أقروا باللسان ثم كفروا بالقلب" (٢). ٨ - في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵁ أن عبد اللَّه بن أُبي لما توفى جاء ابنه إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه أعطني قميصك أكفنه فيه، وصل عليه واستغفر له، فأعطاه النبي قميصه فقال: (آذني أصلى عليه)، فآذنه، فلما أراد أن يصلى عليه جذبه عمر ﵁ فقال أليس اللَّه نهاك أن تصلى على المنافقين فقال: (أنا بين خيرتين) قال: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر اللَّه لهم"، فصلى عليه فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ (٣) (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١١٠/ ٤] المسألة العاشرة بعد المائة: الغالية الذين يعتقدون الإلهية والنبوة في علي ﵁ وغيره يقتلون . • المراد بالمسألة: ذكر المصنفون لفِرق المقالات كابن حزم أن الشيعة على طوائف منها الغالية، سموا بالغالية لغلوهم في علي ﵁، حتى اعتقدوا فيه الإلهية أو النبوة، كما قال ابن حزم: "أما الغالية من الشيعة فهم قسمان: قسم أوجبت النبوة بعد النبي ﷺ لغيره. والقسم الثاني: أوجبوا الإلهية لغير اللَّه ، فلحقوا بالنصارى

стр. 7472

واليهود، وكفروا أشنع الكفر" (١)، وهذا المعتقد كفر مخرج من الملة. وكذا كل من اعتقد أن ثمة إلها غير اللَّه تعالى، أو أن ثمة نبيًا من هذه الأمة غير محمد ﷺ ، فقد كفر كفرًا مخرجا من الملة. • من نقل الإجماع: قال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "الغالية يُقتلون باتفاق المسلمين، وهم الذين يعتقدون الإلهية والنبوة في علي وغيره" (٢). وقال أيضا: "أما الغالية في علي ﵁ فقد اتفق الصحابة وسائر المسلمين على كفرهم" (٣). • مستند الإجماع: المسألة جلية من حيث الدليل، فأما كفر من ادعى الإلهية فإن النصوص مستفيضة في تقرير ذلك، بل إن أصل دعوة جميع الرسل كانت لتقرير هذا الأمر ومنه: ١ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ (٤). ٢ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾ (٥). ٣ - قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠)﴾ (٦). ٤ - قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾ (٧).

стр. 7473

٥ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ (١). ٦ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٢). ٧ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ (٣). ٨ - قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)﴾ (٤). والآيات في هذا الباب كثيرة. وأما ادعاء النبوة لغير محمد ﷺ ، فسبق في أول الفصل بيان الأدلة من الكتاب والسنة على أن النبي ﷺ خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، وكفر من خالف ذلك. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١١١/ ٤] المسألة الحادية عشرة بعد المائة: من سب اللَّه وجب قتله . • المراد بالمسألة: إذا سب المسلم ربه فإنه يكون مرتدًا بذلك، سواءً كان جادًا في سبه أو هازلًا، ويجب قتله، ما لم يتب. ويتبين مما سبق أنه لو تاب فقتله حينئذ محل خلاف، وهو غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال القاضي عياض (٥٤٤ هـ): "لا خلاف أن ساب اللَّه تعالى من المسلمين كافر حلال الدم" (٥) وقال ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "فصل: فيمن

стр. 7474

سب اللَّه تعالى: . . . فإن كان مسلمًا وجب قتله بالإجماع؛ لأنه بذلك كافر مرتد" (١). ويضاف إلى ذلك من نقل الإجماع على كفر من سب اللَّه تعالى، إذ يلزم من كفره أن يأخذ حكم المرتد، فإذا لم يتب ويسلم فإنه يقتل. وممن نقل الإجماع في كفر من سب اللَّه تعالى: قال إسحاق بن راهويه (٢٣٨ هـ): "أجمع المسلمون على أن من سب اللَّه تعالى، أو سب رسوله ﷺ ، أو دفع شيئًا مما أنزل اللَّه تعالى، أو قتل نبيًا من أنبياء اللَّه ، أنه كافر بذلك، وإن كان مقرًا بكل ما أنزل اللَّه" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾ (٣). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أن الاستهزاء باللَّه تعالى كفر، وسبه تعالى نوع من الاستهزاء به، فهو كفر، يوجب القتل ردة. ٢ - إجماع أهل العلم على كفر من سب اللَّه تعالى، مما ينتج عنه أنه يأخذ حكم المرتد بوجوب القتل. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١١٢/ ٤] المسألة الثانية عشرة بعد المائة: اعتقاد أن السحرة أولياء كُفر . • المراد بالمسألة: من اعتقد أن السحرة أولياء للَّه تعالى، وأن ما يفعلونه من التخييل سببه ولايتهم للَّه تعالى، فإن ذلك كفر.

стр. 7475

• من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "فمن اعتقد أن هؤلاء -أي السحرة- أولياء فهو كافر مرتد عن الإسلام باتفاق أئمة الإسلام" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن الولاية لا تكون إلا لمن جمع الإيمان والتقوى، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ (٢)، وقد دل القرآن على أن السحر كفر مخرج من الملة كما قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ (٣). والنصوص من الكتاب والسنة مستفيضة على تحريم السحر، وأن تعلمه كفر، وعلى هذا أجمع أهل العلم كما سبق بيانه (٤)، ومن اعتقد أو السحرة أولياء للَّه تعالى فقد كذب القرآن والسنة، وذلك كفر. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١١٣/ ٤] المسألة الثالثة عشرة بعد المائة: ولد المرتدين يكون كافرًا . • المراد بالمسألة: لو ارتد الأبوان، وكان أصولهما كفارًا، ثم بعد ردتهما حملت المرأة وأتت بمولود أو أكثر، فإن هذا المولود يكون كافرًا، وكذا كل

стр. 7476

مولود يأتي بعد ذلك فإنه يكون كافرًا كفرًا أصليًا، ويعامل معاملة الكافر الأصلي. ويتحصل مما سبق أن الولد لو كان موجودًا وقت الردة، أو كان جنينًا في بطن أمه، وكذا لو كانت الردة من أحد الأبوين دون الآخر، وكذا لو كان أحد أصول الجنين على الإسلام، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال النووي (٦٥٦ هـ): "وولد المرتد إن انعقد قبلها أو بعدها، وأحد أبويه مسلم فمسلم، أو مرتدان فمسلم، وفي قول مرتد، وفي قول كافر أصلي قلت: الأظهر مرتد، ونقل العراقيون الاتفاق على كفره" (١). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن المولود قد ولد بين أبوين كافرين، فيحكم بكفره كما لو ولد بين أبوين كافرين في الأصل (٢). • المخالف للإجماع: ذهب الشافعية في المنصوص (٣) إلى أنه يكون مسلمًا، وفي قول آخر للشافعية أنه مرتد (٤). • دليل المخالف: أما من قال بأنه مسلم؛ فعلته بقاء علقة الإسلام في أبويه. وأما من قال بأنه يكون مرتدًا؛ فعلته أن يكون تبعًا لأبويه (٥). النتيجة: يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة ليست محل إجماع محقق بين أهل العلم، وما نقله العراقيون من الاتفاق فيه يُراد به في المذهب الشافعي القديم حين كان في العراق (٦).

стр. 7477

[١١٤/ ٤] المسألة الرابعة عشرة بعد المائة: من أشرك باللَّه تعالى فقد كفر (١). • المراد بالمسألة: من جعل للَّه تعالى شريكًا في ربوبيته، بأن زعم أن مع اللَّه خالقأ، أو رازقًا، أو غير ذلك من أمور ربوبيته، أو أشرك باللَّه تعالى في ألوهيته، بأن صرف لغير اللَّه تعالى شيئًا من أنواع العبادة، كالدعاء، أو النذر، أو الذبح، أو غيرها، فكل ذلك كفر (٢). • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "ومن الشرك أن يدعو العبد غير اللَّه كمن يستغيث في المخاوف، والأمراض، والفاقات، بالأموات والغائبين، فيقول: يا سيدي الشيخ فلان، لشيخ ميت أو غائب، فيستغيث به، ويستوصيه، ويطلب منه ما يطلب من اللَّه، من النصر والعافية؛ فإن هذا من الشرك الذي حرمه اللَّه ورسوله باتفاق المسلمين" (٣). وقال ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): "من أشرك باللَّه تعالى كفر إجماعًا" (٤).

стр. 7478

• مستند الإجماع: الأدلة على مسالة الباب متضافرة من الكتاب والسنة، فمن ذلك: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ (١). ٢ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ (٢). ٣ - بيَّن تعالى أنه لم ينكر توحيد الربوبية إلا نزر من المكابرين المعاندين، المنكرين لما هو متقرر في فطرهم؛ ومن أشهر من عرف بذلك فرعون الذي قال لقومه كما أخبر اللَّه عنه: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (٤)، وكان كلامه هذا مكابرة ومعاندة مع قرارة نفسه بربوبيته تعالى، كما قال سبحانه على لسان موسى ﵇: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾ (٥)، وقال : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٦). ٤ - قد بين تعالى أن شرك المشركين إنما كان في توحيد الألوهية دون الربوبية، حيث كانوا يقرون بأن اللَّه تعالى هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، ولم ينفعهم ذلك؛ لإشراكهم معه غيره في حقوقه جل وعلا، ومن تلك الآيات ما يلي: أ- قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ

стр. 7479

الْعَلِيمُ (٩)﴾ (١). ب- قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ (٢). ج- قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ (٣). د- قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (٤)، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى. ٥ - أن اللَّه تعالى أمر لإخلاص العبادات له في أكثر من آية ومنها: أ- قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ (٥). ب- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ (٦). ج- قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ (٧). د- قوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٨). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7480

[١١٥/ ٤] المسألة الخامسة عشرة بعد المائة: من زعم أن الأرواح بعد موتها تنتقل إلى أجساد أخرى فهو كافر . • المراد بالمسألة: من المقرر شرعًا الإنسان إذا مات فإن روحه إما إلى نعيم أو عذاب، وثمة طائفة تنكر ذلك وترى أن الإنسان إذا مات انتقلت روحه إلى كائن آخر، وذلك كفر. وهذا يُعرف عند أهل العلم بتناسخ الأرواح: وهي عقيدة شاع أمرها بين الهنود وغيرهم من الأمم القديمة، مؤداها أن روح الميت تنتقل إلى حيوان أعلى أو أقل منزلة؛ لتنعم أو تعذب، جزاء على سلوك صاحبها الذي مات، وأصحاب هذه العقيدة لا يقولون بالبعث، ويسمى أيضًا: "تقمص الروح" (١). • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "أما من زعم أن الأرواح تنقل إلى أجساد أخر فهو قول أصحاب التناسخ، وهو كفر عند جميع أهل الإسلام" (٢). وقال ابن جزي (٧٤١): "لا خلاف في تكفير من نفى الربوبية أو الوحدانية. . . أو قال بالحلول، أو التناسخ" (٣). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: أن القول بالتناسخ يستند إلى الإيمان بخلود الروح، وإنكار البعث، وإنكار

стр. 7481

ثواب الآخرة وعقابها من عذاب القبر ونعيمه، الجنة والنار، وغير ذلك مما يتعلق بأمور الآخرة وذلك كفر كما قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ (١). وقد دل الكتاب والسنة والإجماع أن الإيمان بالبعث واليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة، فإنكارها كفر مخرج من الملة، كما سبق بيانه (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١١٦/ ٤] المسألة السادسة عشرة بعد المائة: من اعتقد أنه يسعه الخروج عن شريعة النبي ﷺ فذلك كفر مخرج من الملة . • المراد بالمسألة: الواجب على المسلم اتباع شرع محمد ﷺ ، أما من اعتقد أنه يمكنه الخروج عن شريعة محمد ﷺ ، فيكون على دين اليهودية، أو النصرانية، أو غيرها من الأديان، أو يشرع لنفسه شرعًا جديدًا، فكل ذلك كفر مخرج من الملة، ولو كان فاعله يشهد بأنه لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، فإن تلك الشهادة غير كافية في الدخول في الإسلام. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أنه يقاتل من خرج عن شريعة الإسلام، وإن تكلم بالشهادتين" (٣). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (٤).

стр. 7482

• وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى أخبر أن من سلك غير ما شرعه النبي ﷺ فإنه باطل لا يقبل. ٢ - قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١). • وجه الدلالة: أخبر تعالى أن النبي ﷺ قد أكمل الدين، وأن هذا الدين هو الذي رضيه اللَّه تعالى لنا، فالخروج عنه خروج عمَّا رضيه اللَّه لأمة محمد ﷺ . ٣ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٢). وفي لفظ لمسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن إحداث شيء في الشرع بلا دليل، وأن كل محدث ليس من شرع محمد ﷺ فهو مردود لا يُقبل، والخروج عن شريعة محمد ﷺ من أشد الأمور المحدثة التي لم يأت بها الشرع. ٤ - من النظر: أن في تجويز الخروج عن شريعة النبي ﷺ سبيل لإبطال الشرع، وذلك كفر. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١١٧/ ٤] المسألة السابعة عشرة بعد المائة: من أنكر الإسلام، أو الشهادتين، أو أحدهما كفر . • المراد بالمسألة: من أنكر الشهادة بأنه لا إله إلا اللَّه، أو أنكر شهادة أن محمد رسول اللَّه، فقد كفر باللَّه تعالى.

стр. 7483

• من نقل الإجماع: قال شمس الدين ابن قدامة (٦٨٢ هـ): "فمن أقر بالإسلام ثم أنكره، وأنكر الشهادتين، أو أحداهما، كفر بغير خلاف" (١)، ونقله عنه ابن قاسم (٢). وقال القاري (١٠١٤ هـ): "كلمة التوحيد وهي لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه؛ للإجماع على أنه لا يعتد في الإسلام بتلك وحدها" (٣). وكذا قاله المباركفوري بنفس أحرف القاري (٤). • مستند الإجماع: أما من أنكر شهادة أنه لا إله إلا اللَّه فيدل على كفره ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ (٥). والآيات الدالة على أن اللَّه تعالى أرسل الرسل لتحقيق هذه الشهادة، كثيرة جدًا. ٢ - قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ (٦). ٣ - قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ (٧). أما شهادة أن محمد رسول اللَّه فيدل عليها ما يلي: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (٨). ٢ - قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ

стр. 7484

وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ (١). ٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ (٢). ونصوص الشريعة متواترة على وجوب الشهادتين، ولذا كان الإقرار بالشهادتين واجب بالإجماع، بل هو أول الواجبات، خلافًا لما عليه بعض أهل المقالات من الأشاعرة ونحوهم، قال ابن أبي العز (٣): "أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان، ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه، بل يؤمر بالطهارة، والصلاة، إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك، ولم يوجب أحد منهم على وليه أن يخاطبه حينئذ بتجديد الشهادتين، وإن كان الإقرار بالشهادتين واجبًا باتفاق المسلمين" (٤). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة؛ لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١١٨/ ٤] المسألة الثامنة عشرة بعد المائة: من بلغته رسالة محمد ﷺ يؤمن به فهو كافر . • المراد بالمسألة: من بلغه أن اللَّه تعالى أرسل رسولًا لهذه الأمة يجب اتباعه، لكنه لم يؤمن بذلك فإن هذا كفر. • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "ثبت بالكتاب

стр. 7485

والسنة والإجماع أن من بلغته رسالة النبي فلم يؤمن به فهو كافر، لا يقبل منه الاعتذار بالاجتهاد" (١). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار) (٢). كما تدل عليه النصوص الدالة على أن شريعة محمد ﷺ ناسخة لجميع الشرائع (٣). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١١٩/ ٤] المسألة التاسعة عشرة بعد المائة: من استحل محاربة اللَّه تعالى ومحاربة رسول اللَّه ﷺ فهو كافر . • المراد بالمسألة: لو أن شخصًا حارب اللَّه تعالى ورسوله بأي نوع من أنواع المعاصي المجمع عليها كالسرقة، أو الزنى، أو شرب الخمر، أو أكل الربا، أو نحو ذلك، وهو مستحل لذلك من غير تأويل سائغ، فإن فعله ذلك كفر. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "أما قول ابن جريج: "ما نعلم أحدًا حارب رسول اللَّه ﷺ إلا أشرك" فإن محاربة اللَّه تعالى ومحاربة رسوله ﵇ تكون على وجهين:

стр. 7486

أحدهما: من مستحل لذلك، فهو كافر بإجماع الأمة كلها، لا خلاف في ذلك إلا ممن لا يعتد به في الإسلام. وتكون من فاسق عاص معترف بجرمه، فلا يكون بذلك كافرًا" (١). • مستند الإجماع: مما يدل على كفر من استحل ما حرمه تعالى أدلة منها: ١ - قول اللَّه : ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (٢). قال القرطبي: "دلت الآية على أن من استحل شيئًا مما حرم اللَّه تعالى صار به مشركًا" (٣). ٢ - قول اللَّه تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ (٤). وليس المراد بالآية أنهم كانوا يعبدون أحبارهم ورهبانهم، ولكنهم كانوا إذا أحل رهبانهم شيئًا استحلوا، وإذا حرموا شيئًا حرموه، فتلك عبادتهم لهم، كما جاء ذلك مبينًا عند الترمذي فيما أخرجه عن عدى بن حاتم قال: أتيت النبي ﷺ وفى عنقي صليب من ذهب، فقال: (يا عدي اطرح عنك هذا الوثن)، وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٥)، قال: (أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه) (٦). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7487

[١٢٠/ ٤] المسألة العشرون بعد المائة: من شك في كفر الكافر كفر . • صورة المسألة: جاءت نصوص الشريعة بالنص على كفر أشخاص وأنهم من أهل النار كفرعون وهامان، فمن نص الشرع على كفره وجب الجزم بأنه كافر من أهل النار، ومن شك في كفره فإنه كافر إذا توفرت فيه الشروط وانتفت الموانع. وينبه هنا إلى أن من قام فيه موجب الكفر بعمل أو قول كفري، فإن عدم تكفير ذلك الشخص أو الشك في كفره غير مراد في مسألة الباب (١). • من نقل الإجماع: قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ): "كُفْر فرعون، وموته كافرا، وكونه من أهل النار هو مما علم بالاضطرار من دين المسلمين، بل ومن دين اليهود والنصارى، فإن أهل الملل الثلاثة متفقون على أنه من أعظم الخلق كفرًا، ولهذا لم يذكر اللَّه تعالى في القرآن قصة كافر كما ذكر قصته في بسطها وتثنيتها، ولا ذكر عن كافر من الكفر أعظم مما ذكر من كفره واجترائه وكونه أشد الناس عذابًا يوم القيامة. ولهذا كان المسلمون متفقين على أن من توقف في كفره وكونه من أهل النار فإنه يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرًا مرتدًا" (٢). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب أن نصوص الشريعة جاءت بالنص على كفر جملة من أعيان الناس ومن ذلك: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ (٣). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ

стр. 7488

وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى نص على كفر أبي لهب (٢) وامرأته (٣) في الدليل الأول، وفي الدليل الثاني نص على كفر فرعون وهامان وقارون، فمن شك في كفر هؤلاء فقد شك في القرآن. ٣ - أن النبي ﷺ أمر بقتل كعب بن الأشرف؛ لأنه آذى اللَّه ورسوله ﷺ ، كما في الصحيحين من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى اللَّه ورسوله)؟ فقال محمد بن مسلمة: يا رسول اللَّه أتحب أن أقتله، قال: (نعم)، قال: ائذن لي فلْأقل، قال: (قل)، فأتاه فقال له -وذكر ما بينهما- وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة، وقد عنانا، فلما سمعه قال: وأيضًا واللَّه لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، قال: وقد أردت أن تسلفني سلفًا، قال: فما ترهنني، قال: ما تريد، قال: ترهنني نساءكم، قال: أنت أجمل العرب أنرهنك نساءنا؟ قال له: ترهنوني أولادكم، قال: يُسب ابن أحدنا فيقال رُهن

стр. 7489

في وسقين من تمر، ولكن نرهنك اللْأمة -يعني السلاح-، قال: فنعم، وواعده أن يأتيه بالحارث، وأبي عبس بن جبر، وعباد بن بشر، قال: فجاءوا فدعوه ليلًا، فنزل إليهم، فقالت له امرأته: إني لأسمع صوتًا كأنه صوت دم، قال: إنما هذا محمد بن مسلمة، ورضيعه وأبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلًا لأجاب، قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه، فإذا استمكنت منه فدونكم، قال: فلما نزل نزل وهو متوشح، فقالوا: نجد منك ريح الطيب، قال: نعم، تحتي فلانة هي أعطر نساء العرب، قال: فتأذن لي أن أشم منه، قال: نعم فشُم، فتناول فشَم ثم قال: أتأذن لي أن أعود، قال: فاستمكن من رأسه ثم قال: دونكم، قال: فقتلوه" (١). ٤ - سعيد بن المسيب عن أبيه (٢) أنه أخبره أنه لما حضرت أبا طالب (٣) الوفاة، جاءه رسول اللَّه ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام (٤)، وعبد اللَّه بن أمية بن

стр. 7490

المغيرة (١)، قال رسول اللَّه ﷺ لأبي طالب: (يا عم قل لا إله إلا اللَّه كلمة أشهد لك بها عند اللَّه) فقال أبو جهل وعبد اللَّه بن أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول اللَّه ﷺ يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : (أما واللَّه لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) فأنزل اللَّه تعالى فيه: ﴿مَا كَاَنَ لِلنِبيِّ. . .﴾ [التوبة: ١١٣] الآية (٢). • وجه الدلالة: الأحاديث جاءت صريحة صحيحة بكفر أناس معيَّنين، فالحديث الأول نص على كفر كعب بن الأشرف، والحديث الأول نص على كفر أبي طالب، فمن شك في كفر هؤلاء فقد شك الأحاديث الصحيحة، وهذا قدح في الشرع، وتكذيب له. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة لذا يظهر لي واللَّه أعلم أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم.

стр. 7491

الفصل الرابع مسائل الإجماع فيما لا يوجب حد الردة [١٢١/ ٤] المسألة الحادية والعشرون بعد المائة: من أسلم أبواه، وهو صغير في حجرهما لم ييلغ، فإنه مسلم بإسلامهما . • المراد بالمسألة: إذا وجد أبوان على غير دين الإسلام، من يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو غير ذلك، ولهما أولاد لم يبلغوا الحلم، فإنه إذا أسلم الأبوان حكم بإسلام الأولاد، الذين في حجرهم، فيتوارثون فيما بينهم، ويدفنون في مقابر المسلمين، إلى غير ذلك من أحكام الإسلام. ويتبين من هذا أنه لو أسلم أحد الأبوين، أو كان إسلام الأبوين بعد بلوغ الولد، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب، وكذا لو لم يكن الولد في حجرهم، بأن سبي الوالدان مثلًا، ثم أسلما في سبيهما، فإن الحكم لإسلام ولدهما الذي ليس في حجرهما، أو عدم إسلامه، ليس من مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن حزم (٤٥٦ هـ): "اتفقوا أن من أسلم أبواه، وهو صغير في حجرهما لم يبلغ، أنه مسلم بإسلامهما" (١). • مستند الإجماع: علل الفقهاء لمسألة الباب بأن الولد لا بد أن يكون له دين يُعرف، حتى تقام في حقه الأحكام الشرعية التي تختلف من المسلم للكافر، كمكان دفنه إذا مات، وكإرثه من غيره، وإرث غيره منه. . . إلخ، إلى غير ذلك من المسائل، وأقرب من يلتحق بدينهما أبويه (٢). النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم، لكن ينبه إلى أنه لا يلزم من الحكم

стр. 7492

بإسلامه أنه لو بلغ واختار غير دين الإسلام أنه يأخذ ذلك حكم المرتد، فإن هذه مسألة خلافية ليست مقصودة في الباب، وقد نبه عليه ابن حزم فقال: "اختلفوا أيُقتل إن أبى الإسلام بعد بلوغه وقد أسلم قبل ذلك أبواه معًا أم لا يُقتل" (١). [١٢٢/ ٤] المسألة الثانية والعشرون بعد المائة: حاكي الكفر لا يكفر . • المراد بالمسألة: لو قال أحد الأشخاص مقالة حكاها عن غيره، كأن يكون فيها استهزاء بالنبي ﷺ ، وكان قالها على وجه الشهادة عليه بأنه قال ذلك، أو على وجه تنقص القائل، وكشف أمره، أو لغير ذلك من الأغراض الشرعية إن حاكي المقولة لا يكفر. ويتبين من ذلك أنه إن حكاها عن غيره على وجه التفكه، والتسلي، والتنقص من النبي ﷺ ، فكل ذلك غير مراد في مسألة الباب. • من نقل الإجماع: قال ابن مفلح (٧٦٣ هـ): "ولا يكفر من حكى كفرًا سمعه ولا يعتقده، ولعل هذا إجماع" (٢)، ونقله عنه البهوتي (٣)، وابن قاسم (٤). وقال ابن المرتضى (٨٤٠ هـ) فقال: "لا يكفر حاكي الكفر إجماعًا" (٥). • مستند الإجماع: يدل على مسألة الباب ما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا

стр. 7493

هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ (١). • وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى حكى عن اليهود والنصارى قول الكفر، واستعمال هذا في القرآن كثير، مما يدل على جواز مثل ذلك. ٢ - ما في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (للَّه أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) (٢). • وجه الدلالة: بين القاضي عياض وجه الدلالة من ذلك فقال: "في قوله: "قال من شدة الفرح. . . إلى آخره" فيه أن ما قاله الإنسان من قبيل هذا من دهش وذهول غير مؤاخذ به وكذلك حكايته عنه على طريق علمي، وفائدة شرعية، لا على الهزء والمحاكاة والعيب لحكاية النبي ﷺ إياه، ولو كان منكرًا ما حكاه" (٣). ٣ - أن حاكي القول لا ينسب القول إليه، بل القول منسوب إلى القائل الأصلي، لا إلى الحاكي. النتيجة: لم أجد من خالف في المسألة، لذا يظهر لي -واللَّه أعلم- أن المسألة محل إجماع بين أهل العلم. [١٢٣/ ٤] المسألة الثالثة والعشرون بعد المائة: التكفير المطلق لا يلزم منه تكفير المعين إي إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع . • المراد بالمسألة: تقرر في الشريعة الإسلامية أن ثمة أمورًا ينتقض بها

стр. 7494

الإسلام، ويُحكم على صاحبها بالكفر، إلا أن الحكم بالتكفير المطلق لا يلزم منه تكفير المعين الذي فعل ما يوجب الكفر إلا إذا توفرت فيه شروط التكفير وانتفت موانعه. فمثلًا: القول بالحلول كفر (١)، لكن من قال بالحلول فإنه لا يُحكم بكفره إلا إذا توفرت فيه الشروط وانتفت الموانع. أما شروط التكفير وموانعه فهو مما يطول الكلام فيه، لكن أذكره على سبيل الإجمال فيما يلي: • أولًا: توفر الشروط: لا يتحقق في الشخص المعيَّن أنه كافر بعينه على إذا توفرت فيه شرط التكفير، بلوغ الحجة إليه بأن ذلك الفعل كفر مخرج من الملة. فيشترط لتكفير المعين قيام الحجة عليه بأن تكون قد بلغته الرسالة، والأدلة على شرطية بلوغ الرسالة كثيرة منها: ١ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢). ٢ - قول اللَّه تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ (٣). ٣ - قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الكتاب والسنة قد دلا على أن اللَّه لا يعذب أحدًا إلا بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملة لم يعذبه رأسًا، ومن بلغته جملة دون بعض التفصيل لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية. . . فمن قد آمن باللَّه ورسوله، ولم يعلم بعض ما جاء به الرسول، فلم يؤمن به تفصيلًا، أما

стр. 7495

أنه لم يسمعه، أو سمعه من طريق لا يجب التصديق بها، أو اعتقد معنى آخر لنوع من التأويل الذي يعذر به، فهذا قد جعل فيه من الإيمان باللَّه ورسوله ما يوجب أن اللَّه عليه، وما لم يؤمن به لم تقم عليه به الحجة التي يكفر مخالفها" (١). • ثانيًا: انتفاء الموانع: لا يُحكم على شخص بالكفر المعيَّن إلا إذا انتفت منه موانع التكفير وهي: • أولًا: الجهل، فمن كان حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية، وفعل فعلًا كفريًا مما معلوم من الدين بالضرورة كأن استحل الزنى، فهذا يُعذر الجهل، ولا يُحكم بكفره لقيام المانع فيه، قد حكى ابن تيمية اتفاق الأئمة على ذلك حيث قال: "وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث اللَّه به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما بعث اللَّه به رسوله ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام فأنكر هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول، ولهذا جاء في الحديث: (يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة) (٢) " (٣).
следующие страницы →