← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

- هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، لإسماعيل باشا البغدادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، سنة ١٩٥١ م. - الوابل الصيب من الكلم الطيب، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، أبو عبد اللَّه، تحقيق، محمد عبد الرحمن عوض، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٥ هـ، ١٩٨٥ م. - الوفيات، للحافظ الخطيب البغدادي، تحقيق سعد الدين فرج الحاوي، مؤسسة صوت القلم العربي للنشر والتوزيع. - وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان؛ لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر، بيروت. - وقعة صفين، لنصر بن مزاحم المنقري، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الطبعة: الثانية، ١٣٨٢ هـ. - يقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار، صديق حسن خان، تحقيق: د. أحمد حجازي السقا، مكتبة عاطف بجوار الأزهر.

стр. 7597

الكتاب: موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي إعداد: د. عادل بن محمد العبيسي الناشر: دار الفضيلة للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م

стр. 7598

سلسلة الرسائل الجامعية (٧٩) موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي [١١] مسائل الإجماع في أبواب الجنايات والديات إعداد د. عادل بن محمد العبيسي أستاذ الفقه المساعد بجامعة الملك سعود

стр. 7599

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراه من جامعة الملك سعود بتقدير ممتاز

стр. 7600

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إنَّ الحمد للَّه، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. أما بعد: فلا يخفى على طالب العلم الشرعي وخصوصًا طالب الفقه مكانة الإجماع وأهميته في الدين؛ إذ هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي، فمن خلاله نستطيع الوصول إلى الأحكام ومن ثَمّ العمل بها، وقد بين العلماء هذه المكانة وهذه الأهمية، ونبّهوا إلى خطورة مخالفة الإجماع وضرورة العمل به، بل إنه لا يكون العالم مجتهدًا حتى يكون على دراية به، كي لا يقع في الزلل والشذوذ في الرأي؛ ولذا كان مما ينبغي الاعتناء به دراسة مسائل الإجماع التي حُكيت في مصنفات الأئمة الكبار في المذاهب من كتب الفقه والحديث، أو ما أفرد من مصنفات مستقلة أطلق عليها أصحابها مسمى الإجماع. وحين ينظر الباحث في معنى حكاية الإجماع المبثوثة في كتب الفقه وشروح الحديث النبوي يعلم أن المسائل التي حكم عليها بالإجماع لم يحصل فيها الاستقصاء المطلوب، ولم يحصل فيه تمحيص ولم يُنقد إلا من قلة من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية حينما نقد مراتب الإجماع لابن حزم، والسبب في

стр. 7601

ذلك هو أن عناية هؤلاء العلماء بهذا الدليل لم تكن بقدر عنايتهم بالكتاب والسنة حيث كانت عنايتهم به من خلال كتبهم ولم يفرده بالتصنيف إلا قلة من العلماء أمثال: ابن المنذر، وابن عبد البر، وابن حزم، وابن تيمية ﵏ وغيرهم مما لا يجاوز عددهم أصابع اليد، ثم أصبح المتأخرون ينقلون عن المتقدمين حكايتهم للإجماع، إلا أن هذا النقل كان في الغالب يشوبه نقص في التدقيق والمقارنة والتحقيق، ولهذا كانت الحاجة ماسة إلى دراسة هذه المسائل وتمحيصها وتحقيقها، وكان قسم الثقافة الإسلامية في كلية التربية بجامعة الملك سعود ممن كان له محاولة جيدة في المشاركة في مثل هذه الموضوع، حيث تبنى مشروع جمع مسائل الإجماع، وقسمه على عدد من الباحثين، وقد شَرُفت بأن أكون أحد المنتظمين في حلقاته حيث كان نصيبي منه (مسائل الإجماع في أبواب الجنايات والديات)، أسأل اللَّه أن يوفق القائمين عليه والمنتظمين فيه، ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل. مشكلة البحث: إن مشكلة البحث تكمن في وجود كثير من المسائل التي حكي فيها الإجماع مبثوثة في كتب الفقه، إلا أن بعضها لم يحصل فيها تدقيق وتمحيص، حيث خالف هذا الإجماع بعض العلماء المعتبرين، بل إن بعضهم ينقل الإجماع على نقيض هذه المسألة، والبعض الآخر لا يعتد بخلاف الواحد والاثنين، ومما يزيد في مشكلة البحث أن عددًا من الإجماعات التي يطلقها الفقهاء لم توجد في مؤلفات مستقلة، بل هي مبثوثة في كتب الفقه الشاملة لجميع أبواب الفقه كالمغني والمجموع ونحوها، ولهذا كله كان هذا البحث لجمع هذه المسائل في بابي الجنايات والديات وتمحيصها وتدقيقها وبيان صحة الإجماع من عدمه فيها.

стр. 7602

حدود البحث: سوف تتحدد الدراسة في المحورين التاليين: أوّلًا: فيما يتعلق بصيغ الإجماع: ستقتصر الدراسة في الصيغ التالية: ١ - مصطلح (الإجماع) ومشتقاته. ٢ - مصطلح (الاتفاق) ومشتقاته. ٣ - مصطلح (نفي الخلاف) ومشتقاته وما في معناه. ثانيًا: فيما يتعلق بالأبواب والكتب: سوف تتحدد الدراسة في استقراء الإجماعات في أبواب الجنايات والديات، وذلك من خلال الكتب المعتمدة في المشروع (انظر الملحق الأول). مصطلحات البحث: تجدر الإشارة هنا إلى التعريف ببعض المصطلحات التي تحتاج إلى بيان وهي: ١ - الإجماع: وهو اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد وفاته في عصر من العصور على أمر ديني (١). ٢ - الجناية: وهي التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا (٢). ٣ - الدية: وهي المال الواجب في إتلاف نفس الإنسان أو عضو كامل من أعضائه، أما ما يجب في إتلاف جزء من عضو من أعضائه فهو الأرش (٣). ٤ - الشِجاج: جمع شَجّة، وهي الجرح في الرأس والوجه خاصة؛ سميت بذلك لأنها تقطع الجلدة (٤). ٥ - العاقلة: هم عصابة الإنسان الذكور من النسب والولاء قريبهم وبعيدهم حاضرهم وغائبهم حتى عمودي نسبه وهم آباء الجاني وإن علوا وأبناؤه وإن

стр. 7603

نزلوا سواء كان الجاني رجلًا أو امرأة (١). ٥ - القَسامة: وهي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم (٢). أهمية الموضوع وأسباب اختياره: تتضح أهمية البحث في موضوع الإجماع، من خلال محاور عدة، منها: أولًا: مكانة الإجماع في الفقه الإسلامي بشكل عام: وتبرز أهميته في هذا الجانب من خلال النقاط التالية: ١ - أنَّ الإجماع مصدرٌ أساسي من مصادر التشريع الإسلامي المتفق عليها بين العلماء، بل المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي. ٢ - أنَّ من شروط المجتهد أن يكون عالمًا بالمسائل المجمع عليها، فإنه لا يجوز أن يكون الرجل عالمًا ثم يقع في اجتهاده ما يخالف إجماع الأمة. ٣ - نص أهل العلم على كفر منكر الإجماع القطعي، ولأجل هذا تبرز أهمية معرفة الإجماع القطعي من غيره، لما يترتب عليه من آثارٍ وأحكام. ثانيًا: أهمية تحقق وجود الإجماع من عدمه في المسألة: وتبرز أهمية هذا المحور من خلال التالي: ١ - لقد تباينت عبارات الفقهاء في حكاية الإجماع، حيث يلاحظ تباين العبارات في المسألة الواحدة، فقد يذكرها بعض العلماء بلفظ الإجماع، وبعضهم بلفظ اتفاق العلماء، والبعض الثالث بلفظ نفي الخلاف (٣). ٢ - عند النظر والتأمل في هذه العبارات يصل الناظر إلى قناعة وهي: أن الحكم بالإجماع في المسألة ليس على إطلاقه في الحقيقة، فالبعض يطلق الإجماع والمراد به في واقع الأمر هو إجماع المذهب، وهذا كثيرا ما يسلكه

стр. 7604

فقهاء الحنفية ﵏ وبعضهم يعكس، فيحكي الاتفاق ومراده الإجماع كما يحصل من تعبيرات ابن رشد ﵀ وغيره من أهل العلم، وهناك من العلماء من يطلق لفظ الإجماع مع أن القائل به عوامّ العلماء فقط، أو عالم واحد فقط، أو عدد قليل جدًا من العلماء، بل إن بعض العلماء ينقل الإجماع في مسألة، وغيره ينقل الإجماع على نقيضها، ومن هنا تكمن أهمية التحقق من وجود الإجماع في تلك المسائل. ٣ - ومن أهميته أيضًا: الوقوف أمام تجاسر بعض من طلاب العلم في زماننا هذا، على مخالفة بعض مسائل الإجماع المروي عن العلماء، وذلك بنبش الأقوال الشاذة من بطون الكتب من هنا وهناك، وبعثها من مهدها، ومحاولة النفخ فيها، وجعلها خارقة للإجماع الصحيح، وهذا المسلك قد يكون سببه التلقي الخاطئ لمسائل العلم، وعدم المنهجية العلمية الواضحة والسليمة في طريقة التعامل مع المسائل الشرعية. ٤ - أن مثل هذه الدراسة ستُسهم في إزالة الفكرة التي فرضتها بعض الاجتهادات الخاطئة، والتي تشير إلى أن المسائل المجمع أو المتفق عليها قليلة جدّا بالنسبة للمسائل المختلف فيها، حتى ساد اعتقادٌ خاطئ هو أن المسائل المختلف عليها هي الأصل، وأن المسائل المجمع عليها لا يمكن تصوّرها في الواقع العملي. ٥ - أن مثل هذه الدراسة ستساعد على معرفة المواضع التي حصل فيها الإجماع من الفروع الفقهية وهذا يجسّد مظهرًا من مظاهر جمع كلمة المسلمين واتحاد آراءهم، وذلك لأن معرفة المواطن المتفق عليها والحرص على الالتزام بها يعتبر من أهم وسائل وحدة المسلمين.

стр. 7605

ثالثًا: أهمية مسائل الإجماع في أبواب البحث (الجنايات والديات): ١ - حيث تعدّ هذه الدراسة إضافة جديدة للمكتبة الإسلامية، وذلك من خلال تسهيل الاطلاع على مسائل الإجماع للمشتغلين بالعلم، خاصة وأن الدراسات في أبواب الجنايات والديات، قليلة في مقابل باقي أبواب الفقه. ٢ - حاجة المحاكم الشرعية، وكتّاب العدل في البلاد الإسلامية إلى تحرير المسائل المتعلقة بإجماع الأمة في أبواب الجنايات والديات، وذلك لأن المحاكم وكُتّاب العدل أكثر من يتناول هذه المسائل، فهي المرجع الشرعي والرسمي لجمهور المسلمين في مثل هذه القضايا، ولأجل هذا فإن حصر مسائل الإجماع ودراستها وتمييز الصحيح من غيره من أكبر العون للقضاة والمفتين وكُتّاب العدل في أداء مهامهم الشرعية. ٣ - انتشار جريمة القتل العمد والجناية على الآخرين وكذلك جريمة قتل النفس وخصوصًا في هذا الزمن، وذلك لقلة الوازع الديني في هذا العصر، فكان من الأهمية بمكان دراسة الإجماع في هذه المسائل حتى يرتدع الناس بتطبيق الأحكام الشرعية عليهم. ٤ - عدم وجود دراسة علمية متخصصة وشاملة -حسب اطلاعي- تناولت مسائل الإجماع في أبواب (الجنايات والديات). الدراسات السابقة: من خلال الرجوع إلى فهارس المكتبات العامة، والمراكز التي هي مظنة البحث في الدراسات الجامعية السابقة مثل مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلامية، ومكتبة الملك فهد الوطنية، وإصدارات الجامعات في المملكة العربية السعودية، وكذلك المكتبات العامة في الرياض، لم أقف على رسالة علمية تقوم على حصر ودراسة مسائل الإجماع في أبواب الجنايات والديات، ويمكن تقسيم الدراسات السابقة إلى قسمين:

стр. 7606

القسم الأول: الدراسات العامة: وهي عبارة عن موسوعات عامة تناولت مسائل الإجماع عمومًا من خلال تتبع أبواب الفقه، في عملية تقوم على الحصر دون الدراسة والتدقيق، وذلك في الاعتماد على مجموعة من الكتب الفقهية في المذاهب الأربعة، أو دراسة خاصة لفقه بعض العلماء المعتنين بحكاية الإجماع، وهي حسب التالي: ١ - موسوعة الإجماع: لسعدي أبو جيب، وتقع في ثلاثة أجزاء، وقد اقتصر مصنفها على استخلاص مسائل الإجماع من ستة عشر كتابًا فقط، ورتب مسائله على حروف المعجم. والفرق بينها وبين رسالتي هو: أ- أن المؤلف اقتصر فيها على حصر الإجماعات التي وردت في تلك الكتب المذكورة، في حين أن دراستي ستشمل أكثر من ذلك فهي شاملة لثلاثين كتابًا من كتب الفقه المشهورة كما هو المقرر في خطة المشروع (١). ب- أن هذه الموسوعة قاصرة على حصر وسرد المسائل التي حُكي فيها الإجماع، بينما دراستي ستشمل مع الإحصاء التحقيق والتدقيق في تلك المسائل لتبيين صحة الإجماع فيها من عدمه، وأوضّح زيادة على ذلك مستند الإجماع. ٢ - موسوعة الإجماع لشيخ الإسلام ابن تيمية: للدكتور عبد اللَّه البوصي، ويقع في مجلد واحد، قام المؤلف فيه على حصر مسائل الإجماع التي حكاها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. والفرق بينها وبين رسالتي هو: أ- اقتصار هذه الموسوعة على ذكر إجماعات إمام واحد وهو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، بينما ستشمل دراستي عدد من الأئمة المعتبرين بما فيهم

стр. 7607

شيخ الإسلام، بل يوجد أكثر من كتاب للإمام الواحد حيث بلغت كتب الدراسة المقرة في خطة المشروع ثلاثين كتابًا (١). ب- ثم إن هذه الموسوعة كالموسوعة السابقة اهتم فيها مؤلفها بالسرد والحصر دون التحقيق، في حين ستشمل دراستي مع الإحصاء التحقيق والتمحيص والموازنة والحكم على هذه المسائل من حيث ثبوت الإجماع من عدمه، وأذكر كذلك مستند الإجماع. ٣ - الإجماع لابن عبد البر، جمع فؤاد الشلهوب، وعبد الوهاب الشهري، وتقع في مجلد واحد. والفرق بين هذا الكتاب وبين بحثي هو أيضًا الاقتصار على ذكر إجماعات إمام واحد وهذه الإجماعات لم يحصل فيها تحقيق وتدقيق من مؤلفها وإنما اعتنى المؤلف فيها بالسرد فقط، أما دراستي فهي كما ذكرت شاملة لعدد من الأئمة، وكذلك عدد من الكتب التي تبلغ ثلاثين كتابًا، وتمتاز دراستي أيضًا بالتنقيح لهذه المسائل للوصول إلى نتيجة هذه الإجماعات، والحكم عليها مع ذكر مستند الإجماع. القسم الثاني: الدراسات الخاصة: أولًا: إجماعات ابن عبد البر، جمعًا ودراسة (الجنايات والديات والحدود) للباحثة منى المبارك، وهي رسالة ماجستير مقدمة في قسم الفقه بكلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. والفرق بينها وبين رسالتي هو: أ- اقتصار هذه الرسالة على دراسة مسائل الإجماع في تلك الأبواب عند إمام واحد وهو الإمام ابن عبد البر، بل إن الباحثة حصرت دراستها على ذكر

стр. 7608

الإجماعات التي حكى فيها الإمام ابن عبد البر الإجماع ابتداءً، ولم تذكر المسائل التي نقل عن غيره فيها الإجماع، بينما دراستي ستحتوي على مسائل الإجماع التي ذكرها أو نقلها الإمام ابن عبد البر، بل أيضًا ستزيد عليها في حصر من ذكر الإجماع في الكتب التي في المشروع (١). ب- بلغت المسائل التي جمعتها الباحثة في أبواب الجنايات والديات بعد طباعة الرسالة بضعًا وستين مسألة بينما بلغت المسائل التي جمعتها في رسالتي جمعًا مبدئيًا أكثر من ثلاثمائة مسألة وهذا يدل على الفرق الواضح بين الرسالتين من حيث عدد المسائل. ثانيًا: (المسائل التي حكى النووي فيها الإجماع في كتاب القصاص والديات والحدود) جمعًا ودراسة، للباحث محمد الجوهر بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في المعهد العالي للقضاء. والفرق بينه وبين رسالتي التي سأقدمها هو: أ- أن هذا البحث محصور في إجماعات النووي فقط، بل وفي كتابه شرح مسلم، بينما رسالتي ستشمل أكثر من كتاب من كتب النووي وكتب أخرى تبلغ ثلاثين كتابًا ذكرتها في الملحق الأول. ب- أن عدد المسائل التي جمعها الباحث بلغت ست مسائل في جميع أبواب الجنايات والديات، أما رسالتي فقد بلغت كما ذكرت أكثر من مائتي مسألة، وهذا العدد الذي جمعه الباحث يعتبر ضئيلًا جدًا عند المقارنة بالمسائل التي جمعتها جمعًا مبدئيًا مما يبين الفرق بين الرسالتين. أهداف البحث: ١ - استقراء وحصر جميع مسائل الإجماع في أبواب الجنايات والديات.

стр. 7609

٢ - دراسة هذه المسائل دراسة علمية قائمة على التتبع والتمحيص والتحقيق والموازنة للوصول إلى نتيجة الإجماع المحكي هل هي صحيحة أم لا؟ ٣ - بيان مستند الإجماع لتلك المسائل التي حكي فيها الإجماع. ٤ - إبراز الجانب المجمع أو المتفق عليه في الفقه الإسلامي وخاصة في أبواب الجنايات والديات، وبيان أن المسائل من هذا القبيل تمثل رصيدًا كبيرًا في الفقه الإسلامي. ٥ - إبراز جوانب متعددة مساعدة تمثل إضافة قوية لموضوع الإجماع، منها: تصنيف العلماء الذين ينقلون الإجماع، ومعرفة المدقق من المتساهل، وأيضًا حصر المسائل المجمع عليها، وبيان قوة الخلاف وضعفه، وأيضًا معرفة مآخذ الخلاف، فقد يتفق اثنان ممن يعتد بقولهم على مسألة مختلف فيها، ولكن مأخذ الخلاف يختلف. أسئلة البحث: سيجيب البحث -بإذن اللَّه- عن جملة من التساؤلات الهامة في موضوع الرسالة وهي: ١ - ما المسائل التي حُكي فيها الإجماع في أبواب الجنايات والديات؟ ٢ - من حكى الإجماع في تلك المسائل، ومن نقله عن غيره من العلماء؟ ٣ - من نقد الإجماع أو خالفه؟ وهل هذا النقد أو المخالفة معتبرة أم شاذة؟ وما هو التوجيه في ذلك؟ ٤ - ما مستند الإجماع في المسائل التي ذكر فيها الإجماع؟ منهج البحث: سيعتمد البحث على المنهجين العلميين التاليين: ١ - المنهج الاستقرائي: ويقوم على استقراء الكتب المحددة في المشروع بتتبع مسائل الإجماع فيها، وجمعها وتقييدها. ٢ - المنهج الاستنباطي: ويقوم على دراسة المسائل المقيدة دراسة علمية،

стр. 7610

أخلص في نهايتها إلى إثبات صحة الإجماع من عدمه باستعمال المدارك العلمية في ذلك. إجراءات البحث: أوّلًا: إجراءات الجمع: قمت في جمع مسائل الإجماع في أبواب الجنايات والديات بسلوك الطريقة التالية: ١ - حصر جميع الإجماعات الواردة في المسألة موطن البحث من خلال الرجوع إلى جميع الكتب المعتمدة في هذا المشروع، مع بذل الجهد في البحث والتقصي. ٢ - أقوم بترقيم تلك المسائل التي تم جمعها، وذلك بوضع رقمين يشير الأول منها إلى رقم عام بعدد المسائل الإجمالية لجميع أبواب البحث وفصوله، ويشير الثاني إلى رقم خاص بعدد المسائل في الفصل الواحد من فصول البحث. ٣ - أعنون المسألة التي حكي فيها الإجماع بصيغة مناسبة شاملة وأشرحها إذا كانت تحتاج إلى شرح وتفصيل وتمييز عن غيرها من المسائل التي قد تشتبه بها. ٤ - أذكر أول من ذكر الإجماع أو الاتفاق أو نفي الخلاف، ثم أذكر من نقله بعده مراعيًا الترتيب الزمني في ذلك. ٥ - أذكر النص الذي حكي فيه الإجماع بعينه، وعند تكرار ذكر الإجماع لعالم واحد في المسألة الواحدة فإني أكتفي بذكر نص واحد هو أوضحها وأصرحها وأشير إلى بقية النصوص في الهامش بذكر الكتاب والجزء والصفحة. ٦ - إذا كان العالم قد حكى عن غيره كأن ينقل ابن قدامة الإجماع عن ابن المنذر مثلًا، فإني أكتفي بذكر نص ابن المنذر، ثم أقول: ونقله عنه ابن قدامة. ٧ - إذا تبين لي قبل البحث أن جميع نصوص المسألة هي من قبيل الإجماع المذهبي، فإني لا أبحثها لأنها ليست محل الدراسة. ٨ - إذا كانت جميع نصوص المسألة هي من قبيل إجماع الصحابة فإني لا أبحثها لأنها ليست محل الدراسة كذلك، وذلك عند حصول الخلاف بعدهم.

стр. 7611

٩ - أذكر الإجماعات حسب الأبواب الفقهية على ترتيب متأخرّي الحنابلة ككتاب زاد المستقنع، للحجاوي، وقد أضيف بعض الفصول إذا رأيت أن ذلك حسنًا. ١٠ - إذا لم يذكر علماء المذهب الفقهي صيغة الإجماع في المسألة إلا أنهم يتفقون في حكمها مع من نقل الإجماع فإني أبين ذلك من خلال الرجوع إلى كتبهم المعتبرة. ١١ - أذكر مستند الإجماع من النصوص الشرعية إن علم، فإن لم يظهر ذلك فإني أذكره بطرق الاستنباط الأخرى مراعيًا أن تكون الصيغة شاملة ومختصرة. ١٢ - أقوم بتخريج الآيات القرآنية الواردة في الرسالة بذكر السورة ورقم الآية. ١٣ - أخرّج الأحاديث والآثار مبينًا الدرجة إن وجدت. ١٤ - أترجم للأعلام غير المشهورين ممن يرد ذكرهم في ثنايا البحث. ١٥ - أشرح المعاني الغريبة التي ترد في البحث. ثانيًا: إجراءات الدراسة: ١ - بعد ذكر المسألة التي حكي فيها الإجماع أنظر هل يوجد نقض للإجماع؟ إما بالنص على أن الإجماع منقوض أو حكاية خلاف في هذه المسألة أو نحو ذلك. وأبذل جهدي في التحقق من المسألة التي لم يحكِ الإجماع فيها إلا عالم أو عالمين مع اشتهار أحدهما بالتساهل في حكاية الإجماع، ويكون ذلك بالرجوع إلى كتب الخلاف والتأكد من عدم وجود خلاف مذهبي في هذه المسألة. ٢ - عند سلامة الإجماع أذكر النتيجة، مع بيان تحقق الإجماع المحكي في المسألة من عدمه.

стр. 7612

٣ - إذا وجد خرق للإجماع سواء كان معتبرًا أو غير معتبر فإني أبذل جهدي في التحقق من هذا الخلاف، وأذكر الخلاف المحكي في المسألة مع العزو إلى الكتب المعتبرة كما في الكتب المعتمدة في المشروع أو غيرها بحسب المذاهب الفقهية. ٤ - أبيّن ما يترجح لي في المسألة التي خرق فيها الإجماع، وأذكر النتيجة مع بيان الأسباب التي جعلتني أعتمدها. وقد بلغت مسائل الإجماع في أبواب الجنايات والديات مائتين وسبع وستين مسألة. التصور المبدئي لأبواب البحث وفصوله: تتكون خطة البحث من مقدمة، وتمهيد، وبابين، وهي حسب التالي: المقدمة: وتشتمل على أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وأهدافه، والدراسات السابقة، ومنهج البحث. التمهيد: ويتضمن مقدمة عامة عن الإجماع وحجيته وأهم أحكامه. الباب الأول: مسائل الإجماع في أبواب الجنايات؛ وفيه تمهيد، وتسعة فصول: التمهيد: يتضمن التعريف بالجناية وذكر أنواعها. الفصل الأول: أحكام الجناية على النفس. الفصل الثاني: الاشتراك في الجناية. الفصل الثالث: شروط القصاص. الفصل الرابع: شروط استيفاء القصاص. الفصل الخامس: العفو عن القصاص. الفصل السادس: إثبات القصاص.

стр. 7613

الفصل السابع: الجناية على ما دون النفس. الفصل الثامن: شروط القصاص فيما دون النفس. الفصل التاسع: القصاص في الجراح. الباب الثاني: مسائل الإجماع في أبواب الديات؛ وفيه تمهيد، وإحدى عشر فصلًا: التمهيد: يتضمن التعريف بالدية وتوضيح المصطلحات المتعلقة بهذا الباب. الفصل الأول: أحكام الديات. الفصل الثاني: جناية الدابة والجناية عليها. الفصل الثالث: التغليظ في الديات. الفصل الرابع: مقادير دية النفس. الفصل الخامس: دية الجنين. الفصل السادس: دية الأعضاء. الفصل السابع: الشجاج وكسر العظام. الفصل الثامن: ديات المنافع. الفصل التاسع: العاقلة. الفصل العاشر: القسامة. الفصل الحادي عشر: كفارة القتل. الخاتمة: وأعرض فيها أهم نتائج البحث التي توصلت إليها، وأيضًا أهم التوصيات التي يمكن أن تساهم في تقوية جانب الموضوع. الفهارس: وتشتمل على: - فهرس الآيات القرآنية. - فهرس الأحاديث النبوية والآثار.

стр. 7614

- فهرس الأعلام وتعريفاتهم. - فهرس الكلمات الغريبة. - فهرس المصادر والمراجع. - فهرس الموضوعات. صعوبات البحث: واجه الباحث بعض الصعوبات لإكمال هذا البحث ويمكن إجمالها فيما يلي: ١ - جمع نصوص الإجماع من مظان الكتب التي لم تكن متخصصة في حكاية الإجماع، فقد كان هناك صعوبة في جمع هذه النصوص واستقراء ذلك أخذ كثيرا من الجهد والبحث. ٢ - البحث عن مستند لبعض المسائل التي لم يكن المستند فيها واضحا، حيث احتاج الأمر إلى الاستفادة من عموميات بعض الأدلة وبعض قياسات الفقهاء. ٣ - التمييز في بعض مسائل البحث بين الإجماع الذي هو محل البحث وبين الإجماع المذهبي، حتى إن بعض هذه المسائل لم يتبين لدى الباحث أنها من الإجماع المذهبي إلا بعد بحثها بحثًا كاملًا. ٤ - عدم وجود رأي لفقهاء المذهب في بعض المسائل مما جعل البحث عن أرائهم واستقرائها أكثر صعوبة. شكر وعرفان: وفي الختام أحمد اللَّه تعالى وأشكره على إتمام هذا البحث، ثم أثنّي بالشكر بعد شكر اللَّه تعالى على من تكرم عليّ بالإشراف على هذا البحث، الأستاذ الدكتور/ علي بن عبد الرحمن الحسون وفقه اللَّه، أشكره على ما أعطى من وقته، ومن توجيهاته، وما قدم لي من دعم معنوي لإنجاز هذا البحث، وأسأل اللَّه أن يجزيه عنّي خير الجزاء، وأن يجعل ذلك في ميزان

стр. 7615

حسناته. والشكر موصول لأصحاب الفضيلة وفقهم اللَّه، الذين شرُفت بقبول مناقشتهم هذا البحث، وهم: فضيلة الأستاذ الدكتور/ محمد بن سعد المقرن، وفضيلة الأستاذ الدكتور/ عبد العزيز بن سعود الضويحي، وفضيلة الدكتور/ عمر بن شريف السلمي، وفضيلة الدكتور/ سعود بن فرحان العنزي، فجزاهم اللَّه عني خير الجزاء. ولا يفوتني أن أتقدّم بالشكر الجزيل للأستاذ الدكتور عبد اللَّه الناصر على ما قدم من جهد ودعم في تسجيل هذا المشروع في القسم، ودعمه لي في اختيار جزء الجنايات والديات منه. وكذلك أشكر كل من قدم لي العون والمساعدة في إكمال هذا البحث. هذا وما كان من صواب فمن اللَّه وحده وهو صاحب المنة، وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان وأستغفر اللَّه منه.

стр. 7616

التمهيد دراسة تأصيلية لمسائل تتعلق بالإجماع المبحث الأول: تعريف الإجماع لغة واصطلاحا أولًا: تعريف الإجماع في اللغة: أصل هذه الكلمة يدل على ضمّ الشيء بتقريب بعضه من بعض (١)، وهذه الكلمة تدل على أحد معنيين (٢): أحدهما: العزم على الشيء والتصميم عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، وهو بهذا المعنى، يمكن تصوره من فرد واحد. الثاني: الاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا، بمعنى اتفقت آراؤهم عليه، وهو بهذا المعنى، لا يمكن تصور حصوله من فرد واحد، بل من اثنين فأكثر. وهذا المعنى الثاني، هو المراد هنا؛ لأنه إذا اتفق المجتهدون على الحكم، يقال: أجمعوا عليه (٣). ويمكن القول بأن المعنى الأول يرجع إلى الثاني؛ فإن المعنى في قوله ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] توحيد الرأي مع الصف بضم آرائهم وأقوالهم إلى بعضهم بعضا (٤). ثانيًا: تعريف الإجماع اصطلاحًا: ذكر الأصوليون تعريفات كثيرة للإجماع (٥)، وقد عرّفه جمهورهم بقولهم: (اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد

стр. 7617

وفاته في حادثة على أمر من الأمور في عصر من الأعصار) (١). شرح التعريف: فقولنا (اتفاق مجتهدي) يعم الأقوال والأفعال والسكوت والتقرير، وخرج به صنفان من الناس: ١ - اتفاق العوام، فلا عبرة بوِفاقهم ولا خلافهم. ٢ - اتفاق بعض المجتهدين. وخرج بإضافة (المجتهدين) إلى (أمة محمد ﷺ ) اتفاق الأمم السابقة، يقول الإمام الجويني (٢): والكافر وإن حوى من علوم الشريعة أركان الاجتهاد، فلا معتبر بقوله أصلًا، وافق أو خالف؛ إذ إنه ليس مسلمًا، وإنما الحجة في إجماع المسلمين، والمبتدع إن كفّرناه لم يعتبر قوله، سواء وافق أو خالف، وإن لم نكفّره، فإن قوله معتبر إذا توفرت فيه شروط الاجتهاد (٣). وقولنا (بعد وفاته) قيد لا بدّ منه؛ فإن الإجماع لا ينعقد في زمانه ﵇؛ لأنه حينئذ يكون حكما ثابتا بالسنة الإقرارية. وخرج بقولنا (في حادثة) انعقاد الإجماع على الحكم الثابت بالنص والعمل به. وقولنا (على أمر من الأمور) يتناول الشرعيات والعقليات والعرفيات واللغويات، ليكون تعريفا للإجماع في كل فن، فإن أريد الإجماع في أحكام الشريعة خص حينئذ بالأمور الشرعية (٤).

стр. 7618

وقولنا (في عصر من الأعصار) ليَرفع وهمَ من يتوهّم أن المراد بالمجتهدين من يوجد إلى يوم القيامة؛ فإنه يؤدي إلى عدم تصور الإجماع. والمراد بالعصر من كان من أهل الاجتهاد في الوقت الذي حدثت فيه المسألة وظهر الكلام فيها، فهو من أهل ذلك العصر، ومن بلغ هذا بعد حدوثها فليس من أهل ذلك العصر (١). المبحث الثاني: حجية الإجماع . يقول الآمدي (٢): اتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم، خلافا للشيعة، والخوارج، والنَظّام (٣) من المعتزلة (٤). أولًا: أدلة الجمهور المثبتين لحجية الإجماع: وقد استدلوا بالكتاب والسنة والمعقول: فمن الكتاب، استدلوا بآيات، منها: أوّلًا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].

стр. 7619

وجه الدلالة كما يقول الفخر الرازي (١) ﵀: تقرير الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، فوجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجبًا، بيانُ المقدِّمة الأولى أنه تعالى أَلحق الوعيد بمَن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين، ومُشاقةُ الرسول وحدها موجبة لهذا الوعيد، فلو لم يكن اتباع غير سبيل المؤمنين موجبًا له لكان ذلك ضمًا لما لا أثر له في الوعيد إلى ما هو مستقل باقتضاء ذلك الوعيد، فثبت أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون اتباع سبيلهم واجبًا، وذلك لأن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين فإذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حرامًا لزم أن يكون عدم اتباع سبيل المؤمنين حرامًا، وإذا كان عدم اتباعهم حرامًا كان اتباعهم واجبًا؛ لأنه لا خروج عن طرفي النقيض (٢). ويقول ابن كثير (٣) رحمه اللَّه تعالى: والذي عوّل عليه الشافعي ﵀ في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تحرم مخالفته هذه الآية، بعد التروي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها. . (٤). ثانيًا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ

стр. 7620

تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. وجه الدلالة في هذه الآية من ناحيتين: الأولى: أنه إذا وقع التنازع عند معرفة الحكم الشرعي، وجب الرد إلى الكتاب والسنة، وإلا، بأن لم يوجد التنازع، وإنما كان هناك اتفاق، فهذا الاتفاق يقوم مقام الرجوع إلى الكتاب والسنة، وهذا هو معنى حجية الإجماع (١). الثانية: أن اللَّه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر، كما أمر بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، وأولو الأمر هم أولو الشأن، سواء في الدين أو في الدنيا وألو الأمر الديني -وهم المجتهدون-، إذا أجمعوا على حكم في الاجتهاد التشريعي، وجب اتباعه والالتزام بما حكموا به وتنفيذه، وذلك بنص القرآن، حيث يقول تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣]، وهذا الإجماع الذي قلناه، لا يكون واجب الاتباع إلا إذا كان حجة (٢). ثالثا: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وجه الدلالة كما يقول السعدي (٣) ﵀: وفي الآية دليل على أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة، وأنهم معصومون عن الخطأ؛ لإطلاق قوله "وسطا"، فلو قدر اتفاقهم على الخطأ، لم يكونوا وسطا إلا في بعض الأمور، ولقوله:

стр. 7621

"لتكونوا شهداء على الناس"، يقتضي أنهم إذا شهدوا على حكم أن اللَّه أحله أو حرمه أو أوجبه، فإنها معصومة في ذلك (١). ومن السنة، استدلوا بأحاديث، منها: ١ - قوله ﷺ : "إن اللَّه لا يجمع أمتي على ضلالة" (٢). ٢ - قوله ﷺ : "ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت، إلا مات ميتة جاهلية" (٣). وغير ذلك من الأحاديث في هذا المعنى. وجه الدلالة كما يقول ابن قدامة (٤) ﵀: وهذه أخبار لم تزل ظاهرة مشهورة في الصحابة والتابعين، لم يدفعها أحد من السلف والخلف، وهي وإن لم تتواتر آحادها، حصل لنا بمجموعها العلم الضروري أن النبي ﷺ عظم شأن هذه الأمة، وبيّن عصمتها من الخطأ (٥). ويقول أيضا: "ومن وجه آخر، أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين، يتمسكون بها في إثبات الإجماع، ولا يظهر فيه أحد خلافًا إلى زمن النظام، ويستحيل في مطرد العادة ومستقرها توافق الأمم في أعصار

стр. 7622

متكررة على التسليم لما لم تقم الحجة بصحته مع اختلاف الطباع وتفاوت المذاهب في الرد والقبول. . . ومن وجه آخر، أن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلًا مقطوعًا به، وهو الإجماع الذي يحكم به على كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ (١). واستدلوا لذلك من المعقول: قال عبد العزيز البخاري (٢): إنه قد ثبت بالدليل العقلي القطعي أن نبينا ﵇ خاتم الأنبياء، وشريعته دائمة إلى قيام الساعة، فمتى وقعت حوادث ليس فيها نص قاطع من الكتاب والسنة، وأجمعت الأمة على حكمها، ولم يكن إجماعهم موجبًا للعلم، وخرج الحق عنهم، ووقعوا في الخطأ، أو اختلفوا في حكمها، وخرج الحق عن أقوالهم، فقد انقطعت شريعته في بعض الأشياء، فلا تكون شريعته كلها دائمة، فيؤدي إلى الخُلف في أخبار الشارع، وذلك محال يوجب القول بكون الإجماع حجة قطعية؛ لتدوم الشريعة بوجوده، حتى لا يؤدي إلى المحال (٣). وكذا، فإن اتفاق جميع المجتهدين على رأي واحد -مع ما عرف من اختلاف في عقولهم وأفعالهم- يدل قطعًا أن ما اتفقوا عليه هو الصواب بعينه، وأنه لا يوجد دليل يعارضه؛ لأنه لو وجد، لما فات عليهم جميعًا، ولاختلفوا، ومعلوم أن المجتهدين، لا تجتمع عامتهم على ما يخالف سنة رسول اللَّه -صلي اللَّه عليه وسلم-، كما أنهم لا يجتمعون على خطأ (٤).

стр. 7623

ثانيا: أدلة النافين لحجية الإجماع: وقد استدلوا بالكتاب والسنة والمعقول: فمن الكتاب استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. وجه الدلالة: أن اللَّه تعالى لم يذكر هنا الإجماع، وإنما ذكر -فقط- الكتاب والسنة، في الرجوع إليهما عند التنازع، ولولا أن الإجماع ليس حجة لما ترك ذكره. ويمكن الرد على هذا بالقول: إن استدلالهم بالآية خارج عن محل النزاع، لأن اللَّه تعالى إنما شرط على المؤمنين في الرجوع إلى الكتاب والسنة عند حصول التنازع، ويشترط للإجماع الاتفاق لا التنازع. - ومن السنة، استدلوا بما روي عن معاذ ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ لما بعثه إلى اليمن، قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب اللَّه. قال: فإن لم تجد في كتاب اللَّه؟ قال: فبسنة رسول اللَّه. قال: فإن لم تجد في سنة رسول اللَّه؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: فضرب رسول اللَّه ﷺ صدره وقال: الحمد للَّه الذي وفق رسول رسول اللَّه، لما يرضي رسول اللَّه (١). قالوا: إن معاذا لم يذكر الإجماع، وقد أقره النبي ﷺ ، فدل على أن الإجماع لو كان حجة في التشريع لما أقره الرسول ﷺ على تركه. ويرد عليه، أنه لم يكن للإجماع وجود في حياة النبي ﷺ لأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاته ﷺ . كما استدلوا -كذلك- بالمعقول، إلا أن جميع أدلتهم مردودة، ولا تؤثر

стр. 7624

سلبًا في كون الإجماع حجة (١). المبحث الثالث: أهمية الإجماع وفوائده: من المعلوم أن الإجماع لا بد له من مستند شرعي، كما أنه لا ينسخ النص ولا يخالفه، وفي هذا الحال، هل للإجماع فائدة أو أي أهمية؟ ولم لا يُقتصر على النصوص والاستغناء عن الإجماع؟ فيقال: لا يماري أي عاقل في أن النصوص قد أحاطت بجميع الأحكام إما نصا وإما دلالة، ومع هذا، فإن للإجماع أهميته وفوائده، ومنها (٢): أولا: أن الإجماع المعلوم من الدين بالضرورة، يبين حجم الأمور التي اتفقت فيها الأمة الإسلامية، دون خلاف فيها أو إنكار، الأمر الذي يحول دون إفساد دين المسلمين عليهم من قبل أهل الضلال، كما حصل لليهود والنصارى، حيث كثر اختلافهم في أصول دينهم. ثانيًا: الإجماع سبب في زرع الثقة بالدين، وتأليف قلوب المسلمين، كما أنه يرد على الذين يزعمون أن الأمة الإسلامية مختلفة في كل صغيرة وكبيرة، فكيف يجمعها جامع، ويربطها رابط! ثالثًا: الإجماع دليل على تأكيد حكم المسألة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (٣): كذلك الإجماع دليل آخر كما يقال: قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها؛ فإن ما دل عليه

стр. 7625

الإجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة (١). رابعًا: أنه لا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ﷺ ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع (٢). خامسًا: قد يكون مستند الإجماع ظنيًا، فيرتفع بالإجماع من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع، فإنّ أيّ خبر عن النبي ﷺ لا يخالف ما أجمع عليه. سادسًا: أن الإجماع إذا وجد على المراد من النص، أو على صحة الحديث، انتفى الخلاف بين المجتهدين، حيث تختلف أفهامهم ومداركهم، سواء من ناحية المراد بالنص، أو من ناحية صحة الحديث من عدمه. ولأهمية الإجماع، فإنه يحكم بكفر منكر القطعي منه، دون الظني، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: والتحقيق: أن الإجماع المعلوم يكفر مخالفه كما يكفر مخالف النص بتركه لكن هذا لا يكون إلا فيما علم ثبوت النص به. وأما العلم بثبوت الإجماع في مسألة لا نص فيها فهذا لا يقع وأما غير المعلوم فيمتنع تكفيره (٣). المبحث الرابع: أنواع الإجماع: يتنوع الإجماع إلى أنواع كثيرة، نظرا لاعتبارات مختلفة، وفي ذلك مطلبان: المطلب الأول: أنواعه من جهة تكوينه . أما من جهة تكوينه، فهو نوعان: صريح، وسكوتي. النوع الأول: الإجماع الصريح: وهو اتفاق آراء المجتهدين على حكم واحد في المسألة المعروضة للنظر، فيبدي كل واحد منهم رأيه صراحة، قولًا أو فعلًا (٤).

стр. 7626

فيراد بالقول: بأن يعبر كل واحد منهم عن رأيه صراحة، فيقول -مثلًا-: رأي في المسألة الفلانية كذا وكذا، ثم يتفق الجميع على هذا الرأي. ويراد بالفعل: أن يفتي كل مجتهد، أو يفتي في المسألة، وتتحد فتوى أو قضاء الجميع في المسألة، حتى يصير الرأي متفقًا عليه من جميع مجتهدي العصر. وهذا النوع من الإجماع، حجة بلا خلاف. النوع الثاني: الإجماع السكوتي: وهو أن بعض مجتهدي الأمة يحكم في مسألة معينة، سواء أكان ذلك بفتوى أو قضاء أو تصرف، وينتشر ذلك الحكم بين المجتهدين في ذلك العصر، فيسكتون، ولا يبدون آراءهم في المسألة، دون أن توجد قرينة دالة على الموافقة أو المخالفة (١). قال ابن السبكي (٢): إذا قال بعض المجتهدين قولا في المسائل التكليفية الاجتهادية وعرَفه الباقون وسكتوا عن الإنكار، فإن ظهرت عليهم أمارات الرضا بما ذهبوا إليه فهو إجماع بلا خلاف، قال القاضي عبد الوهاب (٣) من المالكية، والقاضي الروياني (٤) من أصحابنا: وقضية ذلك أنه إن ظهرت عليهم

стр. 7627

أمارات السخط لا يكون إجماعا بلا نزاع. وكلام الإمام كالصريح في أن الخلاف جار وإن ظهرت أمارات السخط؛ فإنه قال: السكوت يحتمل وجوها سوى الرضا، وعَدّ منها أن يكون في باطنه مانع من إظهار القول، قال: وقد يظهر عليه قرائن السخط، والأشبه أن هذا ليس من محل الخلاف، وإن لم يظهر عليهم شيء سوى السكوت ففيه مذاهب (١). شروط تحقق الإجماع السكوتي: هذا، ولكي يتحقق الإجماع السكوتي، فلا بد من توفر ثلاثة أمور، هي (٢): ١ - تحقق علم الساكتين بقول القائلين، وذلك بعرض حكم المسألة عليهم، أو أن ينتشر ويظهر في الآفاق، حيث ينتفي عدم علمهم به. ٢ - مرور فترة كافية للبحث وتكوين الرأي، وهي عند بعض الأصوليين ثلاثة أيام، وعند أكثر الحنفية، ليس هناك مدة محددة للتأمل، وإنما ذلك بمرور مدة يعلم عادة أنه لو كان هناك مخالف لظهر خلافه. ٣ - ألا تكون هناك قرينة دالة على الموافقة أو المخالفة؛ لأنه إن وجدت الموافقة، فإن الإجماع يكون صريحا، وإن وجدن المخالفة، فإن الإجماع لا ينعقد في الأصل. حجية الإجماع السكوتي: اختلف العلماء في حجية الإجماع السكوتي إلى ثلاثة اتجاهات (٣):

стр. 7628

١ - اتجاه بكون الإجماع السكوتي حجة. ٢ - اتجاه بعدم كونه لا إجماعًا ولا حجة. ٣ - اتجاه بكونه حجة ظنية، ولكنه ليس إجماعًا. وسوف أتحدث عن كل اتجاه من هذه الاتجاهات، وما استدل به كل اتجاه منها، وقبل ذلك سأذكر سبب الخلاف بين العلماء في هذه المسألة: سبب الخلاف: وسبب الخلاف هو -كما ذكره الدكتور/ محمد بن حسين الجيزاني-: أن السكوت محتمل للرضا وعدمه، فمن رجح جانب الرضا وجزم به قال: إنه حجة قاطعة، ومن رجح جانب المخالفة وجزم به قال: إنه لا يكون حجة، ومن رجح جانب الرضا ولم يجزم به قال: إنه حجة ظنية (١). أما الاتجاهات فهي: الاتجاه الأول: أن الإجماع السكوتي إجماع وحجة، وبه قال أكثر الحنفية، والمالكية، والشافعية، وهو مروي عن الإمام أحمد (٢). وقد استدلوا على هذا بأدلة، منها (٣): ١ - أن سماع رأي كل مجتهد متعذر عادة، والمعتاد، أن تنتشر الفتوى من بعض أكابر العلماء وسكوت الباقين، الأمر الذي يدل على موافقتهم على رأي من أبدى رأيه في المسألة، فيكون بذلك إجماعًا وحجة. ٢ - أن سكوت المجتهدين بعد علمهم بقول الآخرين دليل على الموافقة عليه غالبًا؛ لأن المجتهدين الربانيين لا يخافون في إظهار الحق مهما كانت التبعة، فدل ذلك على أن سكوتهم في هذه الحال، دليل على موافقتهم.

стр. 7629

الاتجاه الثاني: أنه ليس إجماعًا ولا حجة، وبه قال: داود (١)، وعيسى بن أبان (٢)، والباقلاني (٣)، والغزالي (٤)، وبعض المعتزلة، ونسب القول به إلى الشافعي (٥). والقائلون بهذا استدلوا بأدلة، منها: أن سكوت الباقين ليس قرينة على موافقتهم على الحكم الذي صرح به آخرون، ولا ينسب إلى ساكت قول؛ لأن السكوت قد يكون لأسباب، منها: عدم الاجتهاد في المسألة، أو لتجنب الضرر فيما لو أظهر رأيه، أو لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب، لكون المسألة اجتهادية، أو لتعارض الأدلة عنده، أو غير ذلك (٦). وقد أجيب عن هذه الاستدلالات والاحتمالات بما يلي:

стр. 7630

أن سكوت المجتهد في معرض الحاجة إلى البيان بيان، ويلزم العالم أن ينكر المنكر، وإلا، دل سكوته على موافقته للفتوى أو الحكم، يقول الدكتور/ عياض السلمي: وما ذكر من الاحتمالات التي يمكن أن يحمل عليها سكوته، كلها احتمالات ضعيفة، إذ لو تحقق بعضها لقامت عليه قرائن تدل عليه، ولما سكت عن الإنكار إلى وفاته، ثم إن عادة العلماء الجهر بالحق وعدم الخوف من سلطان أو غيره، وإذا سكت العالم عن الإنكار علانية، فلن يسكت عن بيان الحق لطلابه وخاصته وناقلي فقهه، وأما سكوته لعدم نظره في المسألة، فلا ينافي الإجماع؛ لأنه حينئذ لا قول له في المسألة (١). الاتجاه الثالث: أنه حجة، وليس إجماعا، وبه قال بعض المعتزلة، وهو المشهور في مذهب الشافعية (٢). واستدلوا بأن سكوت من سكتوا يدل ظاهرًا على الموافقة، فيكون الحكم حجة يجب العمل به، مثل خبر الواحد والقياس، وإنما أنكروا كونه إجماعًا، لما وجد من احتمالات كثيرة حول سكوت الساكتين -كما سبق بيانه آنفًا-، ولوجود تلك الاحتمالات، فإن الاستدلال به يضعف، الأمر الذي يمنع كونه إجماعا (٣). وقد سبقت مناقشة هذه الاحتمالات، عند مناقشة أدلة الاتجاه الثاني. الترجيح: الظاهر في هذه المسألة -واللَّه أعلم- هو رجحان الاتجاه الأول القائل بحجية الإجماع السكوتي، فأدلة القائلين به أقوى من أدلة غيرهم، ولأنه

стр. 7631

لو اشترط لحجيته تصريح جميع المجتهدين بآرائهم لاستحال انعقاد الإجماع، الأمر الذي يؤدي إلى بطلان الإجماع من الأصل، وعدم الاستفادة منه، ومعلوم أن الإجماعات التي يحكيها العلماء، أغلبها من هذا النوع (١). المطلب الثاني: أنواع الإجماع من حيث القوة ينقسم الإجماع من حيث قوته إلى نوعين، قطعي وظني: النوع الأول: الإجماع القطعي: وهو الإجماع الذي ثبت وقوعه من الأمة بالضرورة (٢). وهذا الإجماع يشترط فيه ثلاثة شروط (٣): الشرط الأول: أن تتوفر فيه جميع شروط الإجماع، سواء المتفق عليها أو المختلف فيها. الشرط الثاني: أن تتفق آراء جميع المجتهدين في حكم المسألة، سواء أكان ذلك بأقوالهم أو أفعالهم، أو قول البعض وفعل البعض الآخر. الشرط الثالث: أن يتواتر إلينا نقل أقوالهم أو أفعالهم تلك. ويمثل لهذا الإجماع بإجماعات الصحابة المنقولة بالتواتر، والإجماع على كليات الدين (٤). النوع الثاني: الإجماع الظني: وهو الذي يعرف حدوثه بالتتبع والاستقراء،

стр. 7632

فيغلب على الظن فيه اتفاق جميع المجتهدين عليه (١). ويدخل في هذا النوع، الإجماع السكوتي، والاستقرائي، وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة. وهذا النوع من الإجماع هو الذي يكثر وروده في المدونات الفقهية (٢). المبحث الخامس: شروط الإجماع يشترط للإجماع شروط كثيرة، أهمها ما يلي: الشرط الأول: أن يصدر الاتفاق من جميع المجتهدين على الحكم الشرعي ، ويدل هذا على أنه لو اتفق أكثر المجتهدين على الحكم، فإن الإجماع لا ينعقد، ولو قل عدد المخالفين. ويتفرع على هذا الشرط، أن مخالفة الواحد والاثنين هل يعتبر معها الإجماع أم لا؟ في المسألة قولان لأهل الأصول: القول الأول: وهو للجمهور، أنه لا بد من أن يتفق جميع المجتهدين على الحكم، فإن خالف البعض لم ينعقد الإجماع (٣). واستدل أصحاب هذا القول بأدلة، منها: الدليل الأول: أن العصمة إنما تحصل للأمة بكليتها، وليس ببعضها، وهذه المسألة ليست إجماع جميع المجتهدين، بل خالف بعضهم فيها، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]. الدليل الثاني: إجماع الصحابة على أن مخالفة الواحد أمر سائغ، فقد خالف

стр. 7633

آحاد من الصحابة رأي الأكثرية منهم، ولم ينكر ذلك أحد منهم (١)، فلو ثبت أن اتفاق الأكثرية حجة ملزمة للأقلية، لما حدث ما ذكرنا، والإنكار الذي حصل من أكثرية الصحابة لهؤلاء الأقلية، إنما كان إنكار مناظرة، لا إنكار تخطئة (٢). القول الثاني: أن الإجماع ينعقد بقول الأكثرين، ومخالفة الواحد والاثنين لا يؤثر في ذلك (٣). وهذا القول، ذهب إليه محمد بن جرير الطبري (٤)، وأبو بكر الرازي الجَصّاص (٥)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٦). أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بأدلة، منها (٧): الدليل الأول: أن لفظ "الأمة" يصح إطلاقه على الأكثر. وأجيب عن هذا: أنه يجوز بطريق المجاز، ولا يجوز التخصيص بالتحكم،

стр. 7634

وإنما بالدليل والبرهان. الدليل الثاني: أن الأمة اعتمدت على انعقاد الإجماع على خلافة أبي بكر الصديق ﵁ عندما اتفق عليه أكثر الصحابة، في حين خالف بعضهم في ذلك، فلو لم يكن إجماع الأكثرية حجة مع مخالفة الأقل، لما ثبتت خلافة أبي بكر الصديق ﵁ بالإجماع. وأجيب عن هذا، بعدم التسليم له، حيث إن الصحابة أجمعوا جميعًا على خلافته، والذين تأخروا منهم عن مبايعته، إنما كان ذلك لعذر، وقد ظهر منهم الموافقة على ذلك فيما بعد. الترجيح: بعد تتبع أدلة الفريقين، ظهر لي -واللَّه أعلم- أن الراجح هو القول الأول، وذلك، لقوة أدلة القائلين به، وضعف أدلة القول الثاني. الشرط الثاني: أن يتصف المجمعون بالعدالة: والعدالة: صفة في الإنسان، تحمله على ملازمة تقوى اللَّه تعالى، واجتناب كل ما يخل بالمروءة (١). وهذا الشرط، قد اختلف العلماء فيه على قولين: القول الأول: وهو للجمهور، أن العدالة شرط يجب توفره في جميع المجمعين، وعليه، فلا اعتبار بمخالفة الفاسق (٢).

стр. 7635

أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بأدلة، منها: الدليل الأول: أن حكم الإجماع -وهو كونه ملزمًا- إنما يثبت بأهلية الشهادة، وهي، إنما تكون بالعدالة، قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُم﴾ [الطلاق: ٢]، والفاسق ليس عدلًا، فلا تقبل شهادته ولا روايته ولا قوله في الإجماع. الدليل الثاني: أنه كما لا يقبل قوله منفردًا، فكذلك لا يقبل مع غيره (١). الدليل الثالث: أن اللَّه -تعالى- أمر بالتثبت من أخبار الفاسق والتوقف فيه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فهذا زجر عن أن يعتمد قول الفاسق، ودليل على اشتراط العدالة في قبول قول المجتهد، وانتفاء صفة الفسق عنه (٢). القول الثاني: عدم اشتراط العدالة في المجتهدين الذين توفرت فيهم شروط الاجتهاد (٣). أدلة هذا القول: استدل القائلون بهذا القول بأدلة، منها (٤): الدليل الأول: أن الفاسق جزء من الأمة، وعليه فإن الدليل السمعي على عصمتها يتناوله. ويجاب عنه، بأن المراد بذلك العدول من الأمة دون الفساق. الدليل الثاني: أن العدالة، إنما تعتبر للرواية والشهادة، وليس للنظر والاجتهاد. ويجاب عنه: أن الفاسق يخبر عن نفسه بما أدى إليه نظره واجتهاده، وخبره لا يقبل بسبب فسقه، كما ثبت في آية الحجرات.
следующие страницы →