← Фикх общий

Фикх общий · id 32535

موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي - ط الفضيلة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (8 167 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.

стр. 7631

لو اشترط لحجيته تصريح جميع المجتهدين بآرائهم لاستحال انعقاد الإجماع، الأمر الذي يؤدي إلى بطلان الإجماع من الأصل، وعدم الاستفادة منه، ومعلوم أن الإجماعات التي يحكيها العلماء، أغلبها من هذا النوع (١). المطلب الثاني: أنواع الإجماع من حيث القوة ينقسم الإجماع من حيث قوته إلى نوعين، قطعي وظني: النوع الأول: الإجماع القطعي: وهو الإجماع الذي ثبت وقوعه من الأمة بالضرورة (٢). وهذا الإجماع يشترط فيه ثلاثة شروط (٣): الشرط الأول: أن تتوفر فيه جميع شروط الإجماع، سواء المتفق عليها أو المختلف فيها. الشرط الثاني: أن تتفق آراء جميع المجتهدين في حكم المسألة، سواء أكان ذلك بأقوالهم أو أفعالهم، أو قول البعض وفعل البعض الآخر. الشرط الثالث: أن يتواتر إلينا نقل أقوالهم أو أفعالهم تلك. ويمثل لهذا الإجماع بإجماعات الصحابة المنقولة بالتواتر، والإجماع على كليات الدين (٤). النوع الثاني: الإجماع الظني: وهو الذي يعرف حدوثه بالتتبع والاستقراء،

стр. 7632

فيغلب على الظن فيه اتفاق جميع المجتهدين عليه (١). ويدخل في هذا النوع، الإجماع السكوتي، والاستقرائي، وإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة. وهذا النوع من الإجماع هو الذي يكثر وروده في المدونات الفقهية (٢). المبحث الخامس: شروط الإجماع يشترط للإجماع شروط كثيرة، أهمها ما يلي: الشرط الأول: أن يصدر الاتفاق من جميع المجتهدين على الحكم الشرعي ، ويدل هذا على أنه لو اتفق أكثر المجتهدين على الحكم، فإن الإجماع لا ينعقد، ولو قل عدد المخالفين. ويتفرع على هذا الشرط، أن مخالفة الواحد والاثنين هل يعتبر معها الإجماع أم لا؟ في المسألة قولان لأهل الأصول: القول الأول: وهو للجمهور، أنه لا بد من أن يتفق جميع المجتهدين على الحكم، فإن خالف البعض لم ينعقد الإجماع (٣). واستدل أصحاب هذا القول بأدلة، منها: الدليل الأول: أن العصمة إنما تحصل للأمة بكليتها، وليس ببعضها، وهذه المسألة ليست إجماع جميع المجتهدين، بل خالف بعضهم فيها، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]. الدليل الثاني: إجماع الصحابة على أن مخالفة الواحد أمر سائغ، فقد خالف

стр. 7633

آحاد من الصحابة رأي الأكثرية منهم، ولم ينكر ذلك أحد منهم (١)، فلو ثبت أن اتفاق الأكثرية حجة ملزمة للأقلية، لما حدث ما ذكرنا، والإنكار الذي حصل من أكثرية الصحابة لهؤلاء الأقلية، إنما كان إنكار مناظرة، لا إنكار تخطئة (٢). القول الثاني: أن الإجماع ينعقد بقول الأكثرين، ومخالفة الواحد والاثنين لا يؤثر في ذلك (٣). وهذا القول، ذهب إليه محمد بن جرير الطبري (٤)، وأبو بكر الرازي الجَصّاص (٥)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٦). أدلة القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بأدلة، منها (٧): الدليل الأول: أن لفظ "الأمة" يصح إطلاقه على الأكثر. وأجيب عن هذا: أنه يجوز بطريق المجاز، ولا يجوز التخصيص بالتحكم،

стр. 7634

وإنما بالدليل والبرهان. الدليل الثاني: أن الأمة اعتمدت على انعقاد الإجماع على خلافة أبي بكر الصديق ﵁ عندما اتفق عليه أكثر الصحابة، في حين خالف بعضهم في ذلك، فلو لم يكن إجماع الأكثرية حجة مع مخالفة الأقل، لما ثبتت خلافة أبي بكر الصديق ﵁ بالإجماع. وأجيب عن هذا، بعدم التسليم له، حيث إن الصحابة أجمعوا جميعًا على خلافته، والذين تأخروا منهم عن مبايعته، إنما كان ذلك لعذر، وقد ظهر منهم الموافقة على ذلك فيما بعد. الترجيح: بعد تتبع أدلة الفريقين، ظهر لي -واللَّه أعلم- أن الراجح هو القول الأول، وذلك، لقوة أدلة القائلين به، وضعف أدلة القول الثاني. الشرط الثاني: أن يتصف المجمعون بالعدالة: والعدالة: صفة في الإنسان، تحمله على ملازمة تقوى اللَّه تعالى، واجتناب كل ما يخل بالمروءة (١). وهذا الشرط، قد اختلف العلماء فيه على قولين: القول الأول: وهو للجمهور، أن العدالة شرط يجب توفره في جميع المجمعين، وعليه، فلا اعتبار بمخالفة الفاسق (٢).

стр. 7635

أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بأدلة، منها: الدليل الأول: أن حكم الإجماع -وهو كونه ملزمًا- إنما يثبت بأهلية الشهادة، وهي، إنما تكون بالعدالة، قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُم﴾ [الطلاق: ٢]، والفاسق ليس عدلًا، فلا تقبل شهادته ولا روايته ولا قوله في الإجماع. الدليل الثاني: أنه كما لا يقبل قوله منفردًا، فكذلك لا يقبل مع غيره (١). الدليل الثالث: أن اللَّه -تعالى- أمر بالتثبت من أخبار الفاسق والتوقف فيه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فهذا زجر عن أن يعتمد قول الفاسق، ودليل على اشتراط العدالة في قبول قول المجتهد، وانتفاء صفة الفسق عنه (٢). القول الثاني: عدم اشتراط العدالة في المجتهدين الذين توفرت فيهم شروط الاجتهاد (٣). أدلة هذا القول: استدل القائلون بهذا القول بأدلة، منها (٤): الدليل الأول: أن الفاسق جزء من الأمة، وعليه فإن الدليل السمعي على عصمتها يتناوله. ويجاب عنه، بأن المراد بذلك العدول من الأمة دون الفساق. الدليل الثاني: أن العدالة، إنما تعتبر للرواية والشهادة، وليس للنظر والاجتهاد. ويجاب عنه: أن الفاسق يخبر عن نفسه بما أدى إليه نظره واجتهاده، وخبره لا يقبل بسبب فسقه، كما ثبت في آية الحجرات.

стр. 7636

الترجيح: بعد تتبع أدلة كلا الفريقين، تبين -واللَّه أعلم- أن الراجح هو القول الأول، وذلك، لما يظهر من قوة في أدلته، وضعف أدلة القول الثاني. الشرط الثالث: اعتماد المجمعين على مستند شرعي في إجماعهم . والمستند الشرعي: هو الدليل الذي اعتمد عليه الإجماع إبان صدوره (١). واستناد الإجماع إلى مستند شرعي، شرط عند جميع العلماء، إلا من شذ منهم. يقول الآمدي: اتفق الجميع على أن الأمة لا تجتمع على الحكم إلا عن مأخذ ومستند يوجب اجتماعها، خلافًا لطائفة شاذة، فإنهم قالوا بجواز انعقاد الإجماع عن توفيق، لا توقيف، بأن يوفقهم اللَّه تعالى لاختيار الصواب من غير مستند (٢). أدلة الجمهور: استدل الجمهور بأدلة، منها: الدليل الأول: أنه ليس للبشر الاستقلال بإصدار الأحكام الشرعية، ولو قلنا إنه يجوز الإجماع بلا دليل لجاز القول في الدين بلا دليل، ومعلوم أن القول في الدين بلا دليل باطل، وعليه فيكون الإجماع الشرعي بلا دليل باطلا (٣). الدليل الثاني: أن الإفتاء من غير مستند خطأ، وذلك قول في الدين بغير علم، والقول في الدين بغير علم مما نهى اللَّه عنه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] الدليل الثالث: أن العلماء ليسوا بآكد حالا من النبي ﷺ ، ومعلوم أنه ﵊ لا ينطق عن الهوى، كما أنه لا يحكم إلا عن وحي، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وإذا كان

стр. 7637

هذا حاله ﵊ وهو المعصوم عن الخطإ، فإن العلماء أولى ألا يقولوا في الدين إلا عن حجة ودليل (١). ومستند الإجماع قد يكون الكتاب، أو السنة، أو القياس، أو المصلحة. فمثال الإجماع المستند إلى الكتاب: الإجماع المنعقد على أن الزواج بالجدة محرم (٢)، والمستند إلى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالمراد بالأمهات في هذه الآية الأصول من النساء وإن علون، فهي بهذا المعنى تشمل جميع الجدات. ومثال الإجماع المستند إلى السنة: إجماع صحابة رسول اللَّه ﷺ على أن نصيب الجدة من الميراث السدس (٣)، فقد روي أن رسول اللَّه ﷺ أعطى الجدة السدس (٤). ومثال الإجماع المستند إلى القياس: ما أجمع عليه الصحابة رضوان اللَّه عليهم من ضرب شارب الخمر ثمانين جلدة (٥)، وذلك، بالقياس على الحد المقرر في حق القاذف، فعن أنس بن مالك ﵁ أن نبي اللَّه ﷺ جلد في الخمر

стр. 7638

بالجريد والنعال، ثم جلد أبو بكر أربعين، فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود، قال: فجلد عمر ثمانين (١). ومثال الإجماع المستند إلى المصلحة: إجماع الصحابة رضوان اللَّه عليهم زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ على النداء الثاني يوم الجمعة، وذلك، لما رآى عثمان أن الاقتصار على أذان واحد لا يفي بالمقصود الذي هو إشعار الناس بدخول وقت الصلاة، فلما كثر الناس، وسكن البعض بعيدا عن المسجد، فخاف أن يفوت بعضهم الصلاة، لذا، رأى أن يزاد أذان ثاني، وقد وافقه الصحابة على ذلك، فصار إجماعا مستندا إلى مصلحة إدراك عامة المسلمين الصلاة. روى الإمام البخاري (٢) ﵀: أن الذي زاد التأذين الثاني يوم الجمعة، عثمان بن عفان ﵁ حين كثر أهل المدينة، ولم يكن للنبي ﷺ مؤذن غير واحد، وكان التأذين يوم الجمعة، حين يجلس الإمام، يعني على المنبر (٣). تنبيه: الإجماع إذا كان مستندا إلى المصلحة، فإنه يظل كذلك ما دامت المصلحة قائمة، وإلا -بأن انتفت- فإن هذا الإجماع ينتفي، ويمكن الرجوع عنه، كما حصل للصحابة لما رأوا جواز قبول شهادة القريب على قريبه، وكذا الزوج على زوجته، إلا أن الأئمة الأربعة ﵏ خالفوا هذا الإجماع، لما رأوا انتفاء المصلحة التي كان الإجماع مستندا إليها (٤).

стр. 7639

المبحث السادس: خلاف أهل الظاهر يراد بأهل الظاهر: أتباع الإمام داود بن علي الأصفهاني، وقد سموا بذلك، لأخذهم بظواهر النصوص الشرعية، ويردون بقية الأدلة الشرعية الأخرى، من قياس، واستحسان، واستصلاح، وقول صحابي، وسد ذرائع، وعرف. . وغيرها، إلا الاستصحاب فقط (١). وقد اختلف العلماء في الاعتداد بخلاف أهل الظاهر (٢) على أربعة أقوال: القول الأول: أن خلافهم لا يعتبر مطلقًا، ولا يعتد به. نسب هذا القول إلى جمهور الفقهاء، يقول النووي (٣): ومخالفة داود لا تقدح في الإجماع عند الجمهور (٤). وقال الزركشي (٥): ولم يعدهم المحققون من أحزاب الفقهاء (٦).

стр. 7640

وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي: أنهم ينكرون القياس، الأمر الذي يدل على عدم معرفتهم بطرق الاجتهاد، مع العلم بأن معظم الشريعة صدرت عن اجتهاد، والنصوص لا تكاد تفي بعشر معشار الشريعة، وهذا الإنكار للقياس، إنكار لما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ لأنه قد دل عليه الدليل القاطع، فخالفوا بذلك صريح العقول وصحيح المنقول، ولأن كثيرًا من أهل البدع قد وافقوهم في قولهم، ومن كان هذا حاله، فلا اعتبار بخلافه (١). ويجاب عن هذه الأمور بما يلي: أولا: ما قيل بأن النصوص الشرعية لا تفي بجميع الأحكام الشرعية، وأنه يلزم إعمال القياس لإظهار الأحكام الشرعية، فقد رد على ذلك الإمام الشوكاني (٢) بقوله: أن من عرف نصوص الشريعة حق معرفتها، وتدبر آيات الكتاب العزيز، وتوسع في الاطلاع على السنة المطهرة، علم بأن نصوص الشريعة جمع جم، ولا عيب لهم إلا ترك العمل بالآراء الفاسدة التي لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا قياس مقبول. . . نعم، قد جمدوا في مسائل كان ينبغي لهم ترك الجمود عليها، ولكنها بالنسبة إلى ما وقع في مذهب غيرهم من العمل بما لا دليل عليه البتة قليلة جدا (٣).

стр. 7641

ثانيًا: وما قيل في أنهم أنكروا القياس، وهو أمر معلوم من الدين بالضرورة، فخالفوا بذلك صريح العقول وصحيح المنقول: فيقال: إن هذا هو محل النزاع بين أهل الظاهر وغيرهم، فكل واحد من الفريقين أداه إلى ما قال اجتهاده. ثالثًا: وما قيل بأن كثيرًا من أهل البدع وافقوا أهل الظاهر في قولهم: فيقول ابن حزم (١) في ذلك: ولسنا ننكر أن تقول اليهود: لا إله إلا اللَّه ونقولها نحن (٢). القول الثاني: اعتبار خلاف الظاهرية مطلقا. ومن القائلين بهذا: القاضي عبد الوهاب، حكى ذلك عنه الزركشي حيث يقول: "وقال القاضي عبد الوهاب. . . يعتبر (أي خلافهم)، كما يعتبر خلاف من ينفي المراسيل، ويمنع العموم، ومن حَمْلِ الأمر على الوجوب، لأن مدار الفقه على هذه الطرق (٣). وكذا قال به أبو منصور البغدادي (٤)، يقول ابن الصلاح (٥): والذي اختاره

стр. 7642

الأستاذ أبو منصور في هذا، وذكر أنه الصحيح من المذهب، أنه يعتبر خلافه (أي داود) (١). ومن حجة هذا القول (٢): ١ - أن الظاهرية جزء من أمة محمد ﷺ مثل غيرهم من المجتهدين، وكونهم أنكروا القياس، لا يخرجهم من هذه الدائرة، وعليه، فإنه يلزم الاعتداد بخلافهم. ٢ - أن مخالفتهم للإجماع القطعي قليل، وأن جل ما انفردوا به من قبيل الإجماع الظني. ٣ - أنه لا يرد اجتهاد بمثله، فخلاف الظاهرية إنما كان مبنيا على اجتهاد منهم، والذين يرون عدم الاعتداد بخلافهم، إنما بنوا ذلك على اجتهاد منهم كذلك. ٤ - أن إمام المذهب الظاهري -داود- كان عالمًا وفقيها بارزا ومشهورا، درّس وأفتى في زمن ازدهر فيه العلم وكثر العلماء، ومع ذلك، لم ينكروا عليه خلافه، الأمر الذي يدل على أن خلافه كان معتبرا. ٥ - أنه قد دل على اعتبار خلافهم، إيراد كثير من المؤلفين خلافهم في مؤلفاتهم، فلو لم يكن لخلافهم اعتبار، لما أوردوه في مؤلفاتهم. ٦ - أن القول بعدم اعتبار خلافهم، يؤدي إلى عدم اعتبار خلاف من ينكر العموم أو الآحاد أو المراسيل، ولا ذاهب إليه. القول الثالث: اعتبار خلافهم في غير المسائل القياسية، دون المسائل المتعلقة بالقياس. نقل الزركشي عن الأبياري (٣) قوله: بل إن كانت المسألة مما تتعلق بالآثار

стр. 7643

والتوقيف واللفظ اللغوي ولا مخالف للقياس فيها، لم يصح أن ينعقد الإجماع بدونهم، إلا على رأي من يرى أن الاجتهاد لا يتجزأ، فإن قلنا بالتجزؤ، لم يمنع أن يقع النظر في فرع هم فيه محقون، كما نعتبر خلاف المتكلم في المسألة الكلامية؛ لأن له فيه مدخلًا، كذلك أهل الظاهر في غير المسائل القياسية يعتد بخلافهم (١). وهذا القول، عند التأمل، نجد أنه راجع إلى القول الأول، القائل بعدم الاعتداد بخلافهم، لأن معظم المسائل قياسية، وهذا ما صرح به الجويني بقوله: فإن معظم الشريعة صدر عن الاجتهاد، والنصوص لا تفي بالعشر من معشار الشريعة (٢). القول الرابع: أن يعتبر خلافهم فيما خالف القياس الخفي، دون اعتباره فيما خالف الجلي. وأدلة هذا القول بالنسبة لاعتبار خلافهم في القياس الخفي، هي الأدلة التي وردت في القول الثاني، وأما ما يتعلق بعدم اعتباره فيما خالف القياس الجلي؛ فلبنائه على ما يقطع ببطلانه، والاجتهاد الذي يقع على خلاف الدليل القاطع، لا يعتد به، ويُنتقض حكم الحاكم به. ويمكن أن يعارض هذا القول، بالتفريق بين القياس الجلي والخفي، بأن هذا التقسيم للقياس -بحسب تقسيم الشافعية- هو تقسيم لما يطلق عليه القياس، لا القياس الشرعي المعروف بين الأصوليين، والذي نازع فيه

стр. 7644

الظاهرية. وعليه، فإن هذا القول (أي القول الرابع) راجع إلى القول الأول، الذي يرى عدم الاعتداد بخلاف الظاهرية مطلقًا، فيكون القول فيهما واحدًا. ويقال -كذلك- أن يكون عدم الاعتداد عامًا بخلاف من يخالف قول الأكثر في القياس من أهل القياس أنفسهم، أو أن يكون ذلك خاصًا بأهل الظاهر فقط، فإن قلنا بالأول، وهو عدم قبول قول كل من خالف في القياس الجلي، وعدم الاعتداد به، فهذا يؤدي إلى القول بأن هذا القياس قطعي، وهذا فيه نظر، لخلاف بعض القائلين بالقياس فيه. وإن قلنا بتخصيص نفاة القياس فقط، ففيه تحكم؛ لأنه ربما خالف في هذه المسألة التي يدعى أن القياس فيها جلي غير الظاهرية ممن يثبت القياس، فيكون خلاف الظاهري هنا قد أهمل، وأعمل خلاف غيره في مسألة واحدة، وهو تحكم (١). الترجيح: بعد التتبع والملاحظة، ظهر لي -واللَّه أعلم- أن الراجح في هذه المسألة، هو الاعتداد بخلافهم، وأنهم إذا خالفوا، فيكون ذلك مانعًا من انعقاد الإجماع، إلا فيما خالفوا فيه كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ فيحكم ببطلانه.

стр. 7645

المبحث السابع: القول الشاذ وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: تعريف القول الشاذ لغة واصطلاحًا: أوّلًا: الشاذ لغة: مفرد، جمعه: شواذ وشذاذ، ومعناه: المخالف والمناقض، وكل ما خالف القاعدة العامة، أو المألوف لدى الناس، أو القياس (١). ثانيًا: تعريفه اصطلاحًا: القول الشاذ: هو الذي خالف الحق بلا دليل معتبر وإن قال به جماعة. يقول الإمام ابن القيم (٢): إن الشاذ، ما خالف الحق، وإن كان الناس كلهم عليه إلا واحدا منهم، فهم الشاذون (٣). المسألة الثانية: فيم استعمل الفقهاء هذه الكلمة وقد استعمل الفقهاء هذه الكلمة في شيئين: أولهما: عندما يحكمون على القول الشاذ داخل المذهب الواحد، وهذا لا يدخل معنا هنا في الكلام؛ لأن القول بالشذوذ في مذهب معين، قد لا يكون كذلك في بقية المذاهب، حيث يمكن أن يكون له اعتبار في مذهب آخر، أو في بقية المذاهب. ثانيهما: -وهو المقصود هنا -: عند ما يحكمون على القول بالشذوذ بالنسبة إلى الحق والصواب.

стр. 7646

المسألة الثالثة: طرق التعرف على القول الشاذ: يمكن التعرف على القول الشاذ بواحد من هذه الأمور: الأول: إذا كان مخالفًا للنصوص الصحيحة الصريحة. الثاني: إذا خالف أصول الشريعة السمحة وقواعدها العامة. الثالث: إذا كان قد سبقه إجماع. الرابع: إذا لم يعمل به العلماء وهجروه. الخامس: إذا شذّ به صاحبه عن العلماء، ولم يكن مبنيًا على دليل صحيح. ولكن، من يمكنه تمييز الأقوال الشاذة من غيرها؟ وهذا السؤال، قد أجاب عنه الإمام الشاطبي (١)، حيث يقول: إنه من وظائف المجتهدين، فهم العارفون بما وافق أو خالف، وأما غيرهم، فلا تمييز لهم في هذا المقام (٢). المسألة الرابعة: حكاية القول الشاذ: الأصل في حكاية الشاذ من الأقوال التي تخالف الحق والصواب، أمر لا فائدة منه، وهي مضيعة للوقت والجهد، إلا إذا كان في حكايته فائدة، كأن يتعلق به الجهلة وأهل الأهواء، فيحكى لبيان ضعفه وخطئه، حتى يأخذ الناس حذرهم حياله، وإبراء للذمة، واتقاء من الدخول في وعيد اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩].

стр. 7647

وإذا كان القول شاذّا كما ذكرنا، فإنه لا يعتد به، ولا يبنى عليه، يقول الإمام الشاطبي: فإذا كان بيّنًا ظاهرا، أن قول القائل مخالف للقرآن أو للسنة، لم يصح الاعتداد به ولا البناء عليه، ولأجل هذا، ينقض قضاء القاضي إذا خالف النص أو الإجماع (١).

стр. 7648

الباب الأول مسائل الإجماع في أبواب الجنايات ويتضمن تمهيدا في أحكام الجنايات، وتسعة فصول: تمهيد في أحكام الجنايات تعريفها لغة واصطلاحا: أ - الجناية لغة: الجناية مصدر جني، يجني، جناية، وهي الذَّنْبُ والجُرْم وما يَفْعَلُه الإنسانُ ممَّا يُوجِبُ عليه العقاب أَو القصَاص في الدّنْيا والآخِرَةِ (١). ب - الجناية في الاصطلاح: - تعريف الجناية في اصطلاح الفقهاء: للجناية في الشرع معنيان، معنى عام، ومعنى خاص: فالجناية بالمعنى العام: هي كل تصرف محرم في الشرع، سواء وقع ذلك على نفس أو مال أو غيرهما (٢). يقول الماوردي (٣) ﵀: الجرائم محظورات شرعية زجر اللَّه تعالى عنها بحد أو تعزير (٤). ويراد بالمحظور: إما إتيان منهي عنه، أو ترك مأمور به. وأما الجناية بالمعنى الخاص (وهو اصطلاح خاص بالفقهاء): فهي التعدي على النفس أو الأعضاء بالقتل أو الجرح (٥).

стр. 7649

أنواع الجناية: للجناية بشكل عام بالنظر إلى المجني عليه نوعان (١): النوع الأول: جناية على البهائم والجمادات، ومبحثها -عادة- في باب الغصب والإتلاف. النوع الثاني: جناية على الإنسان، وهو المقصود بالدراسة هنا. وهذا النوع من الجناية له أنواع مختلفة تختلف باختلاف الاعتبارات أنواع الجناية على الإنسان باعتبار خطورتها: وهي بهذا الاعتبار ثلاثة أنواع (٢): النوع الأول: جناية على النفس، ويقصد بها القتل. النوع الثاني: جناية على ما دون النفس، ويقصد بها الجرح والقطع. النوع الثالث: جناية على ما هو نفس من وجه دون وجه، ويقصد بها الجناية على الجنين، وسبب تسميتها هكذا، كون الجنين غير مستقل في الواقع عن أمه، بل يعدّ جزءً منها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يعتبر نفسا مستقلة عنها عندما ننظر إلى المستقبل، وذلك، عندما ينفصل عنها وتكون له حياته الخاصة به. أولا: الجناية على النفس (القتل): الجناية على النفس بحسب القصد وعدمه عند جمهور العلماء خلافا للمالكية (٣) ثلاثة أنواع: عمد، وخطأ، وشبه عمد. النوع الأول: القتل العمد: وهو: قصد الجاني الفعلَ العدوانَ والشخصَ بما يغلب على الظن موته به، كان يضربه بحديد، أو سلاح، أو مثقّل فيموت به (٤).

стр. 7650

فالقتل العمد يجمع أوصافا ثلاثة: ١ - القصد إلى الجناية، فخرج بذلك ما لو لم يقصد الفعل الذي بسببه حصل القتل، كأن يسقط الرجل على آخر فيقتله. ٢ - القصد إلى الشخص، فخرج بذلك ما لو قصد شيئا فأصاب غيره، كما لو أطلق سهما ليقتل صيدا، فأصاب آدميا. ٣ - أن تكون آلة الجناية مما تقتل غالبا، فخرج بذلك ما لو كانت الآلة لا تقتل غالبا، كما لو ضرب شخص آخر بحجر صغير في غير مقتل فقتل بسببه. وقتل النفس المعصومة محرم، وهو من كبائر الذنوب، وقد توعد اللَّه تعالى مرتكبه بأشد العقاب، وقد قرنه بالشرك به سبحانه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]. ويترتب على قتل النفس المعصومة عمدا أمور، منها: أولا: ما يتعلق بحق اللَّه تعالى، فقد توعد اللَّه القاتل المتعمد الوعيد الشديد، كما سبق ذكره آنفا. ثانيا: ما يتعلق بحق أولياء القتيل، فهم مخيرون بين ثلاثة أمور؛ هي: الأمر الأول: القصاص؛ بشروطه، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. الأمر الثاني: الدية، وذلك إذا عفا جميع الأولياء أو بعضهم عن القصاص

стр. 7651

إلى الدية، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. قال الإمام السعدي رحمه اللَّه تعالى: أي: عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية أو عفا بعض الأولياء فإنه يسقط القصاص وتجب الدية وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي (١). الأمر الثالث: العفو مجانا عن القصاص وعن الدية. قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]. النوع الثاني: القتل الخطأ: وهو الذي يقع بغير قصد الاعتداء، لا للفعل ولا للشخص (٢). فالخطأ من جهتين: إما أن لا يقصد المتسبب الجناية أصلا، كأن يقع شخص على آخر، فيموت، وإما أن يقصد الفعل الذي تسبب في القتل، ولكن لم يقصد الشخص المجني عليه، كأن يرمي شخص صيدا، فيصيب آدميا، وليس في القتل الخطأ ولا في شبهه قصاص، وإنما فيه عقوبتان أصليتان، وهما: الدية المخففة على العاقلة والكفارة على القاتل، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢].

стр. 7652

النوع الثالث: القتل شبه العمد: أن يقصد الفعل العدوان والشخص بآلة لا تقتل في الغالب، فيموت بذلك، كأن يضربه بسوط خفيف أو لكمة خفيفة في غير مقتل، وسمي كذلك، لأن الجاني قصد الاعتداء، ولكنه لم يقصد القتل، فاجتمع فيه العمد والخطأ (١). فشبه العمد ما جمع أوصافا ثلاثة وصفين منها في قتل العمد، ووصف يختص به: ١ - أن يقصد الجاني إلى الجناية. ٢ - أن يقصد الجاني الشخص المجني عليه. ٣ - أن تكون الآلة المجني بها مما لا يقتل غالبا. والقتل شبه العمد محرم، لاشتماله على التعدي والظلم، يقول اللَّه سبحانه: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. ومعلوم أن الجاني في القتل شبه العمد، قد قصد التعدي، وإن كان لم يقصد القتل. ويترتب على القتل شبه العمد أمور، منها: الأمر الأول: وجوب الدية المغلظة وتكون على عاقلته، أي: قرابته من جهة أبيه، وذلك من باب النصرة وإعانة له، وذلك لما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا إن دية الخطأ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا، مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها" (٢). الأمر الثاني: وجوب الكفارة على القاتل، وهي حق للَّه تعالى، وتجب وإن

стр. 7653

عفا الورثة عن الدية. والكفارة هي: عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجدها، بأن لم تكن في ملكه، أو لم يجد ما يشتريها به، أو أنه لم يجد رقبة في الأصل، فيجب عليه صيام شهرين متتابعين، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢]. والحكمة من مشروعية الكفارة، هي محو الإثم الذي حصل بسبب الاعتداء على النفس التي حرم اللَّه قتلها إلا بحق. ثانيا: الجناية على ما دون النفس تعريفها: المقصود بالجناية على ما دون النفس، كل اعتداء على جسد إنسان لا يؤدي إلى موته، من قطع عضو، أو جرح، أو ضرب (١). أنواع الجناية على ما دون النفس: تتنوع الجناية على ما دون النفس باعتبار محل الجناية إلى ثلاثة أنواع (٢): النوع الأول: الجناية على الأطراف، وذلك بإتلاف العضو الذي وقعت عليه الجناية، كمن اعتدى على إنسان فأتلف عينه أو قطع يده أو لسانه، وما أشبه ذلك. النوع الثاني: الجناية على منافع البدن، وذلك بإتلاف منفعة العضو مع بقاء

стр. 7654

العضو، كمن اعتدى على غيره فأتلف سمعه، أو بصره، أو ذوقه، وما أشبه ذلك. النوع الثالث: الشجاج والجروح، وذلك بأن يعتدي على شخص، فيجرحه في رأسه، أو وجهه، أو بطنه، أو صدره، أو يكسر ساقه، أو فخذه، ونحو ذلك. عقوبة الجناية على ما دون النفس: الجناية على ما دون النفس، إما أن تكون عمدا أو خطأ: الحالة الأولى: إذا كانت الجناية على ما دون النفس عمدا، فيخير المجني عليه بين أمور ثلاثة: الأمر الأول: القصاص: ويشترط للقصاص هنا: أن تتحقق المماثلة في الاسم والموضع، وأن يؤمن من الحيف عند الاستيفاء، يقول تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]. الأمر الثاني: الدية أو الأرش: إن شاء المجني عليه عفا عن القصاص وأخذ بدله الدية، فإن أزال جنس منفعة العضو، أو عطل منفعته، وجبت الدية كاملة، وإلا، فبحسبه. الأمر الثالث: العفو مجانا، من غير قصاص ولا دية، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]. الحاله الثانية: إذا كانت الجناية على ما دون النفس خطأ: إذا كانت الجناية على ما دون النفس خطأ، فإن عقوبتها الدية أو الأرش، أو أن يعفو المجني عليه بلا مقابل. ثالثا: الجناية على الجنين: إذا ضرب شخص امرأة حاملا، أو أخافها فأجهضت أو ألقت الجنين، فلا يخلو الأمر من أحد أمرين: أن تلقيه ميتا، أو أن تلقيه حيا. الأمر الأول: أن تلقي الجنين ميتا: إذا ألقت الجنين ميتا، فعلى الجاني دية

стр. 7655

الجنين، وهي غرّة - عبد أو أمة (١)، قيمتها خمس من الإبل، وذلك لما جاء عن أبي هريرة ﵁ قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقضى أن دية جنينها غرة، عبدأو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها" (٢). الأمر الثاني: أن تلقيه حيًا: إذا ألقته حيا، ثم مات بسبب الجناية، فتجب الدية الكاملة، لا يرث الجاني منها شيئا (٣). وتجب الكفارة على الجاني، سواء انفصل الجنين حيا أو ميتا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].

стр. 7656

الفصل الأول أحكام الجناية على النفس [١/ ١] تحريم القتل بغير حق • المراد من المسألة: أن القتل العمد متى اجتمعت شروطه وانتفت موانعه وكان بغير حق فإنه محرم، ورتب الشارع عليه العقوبة، وقد أجمع العلماء على ذلك. • من نقل الإجماع: قال الإمام الماوردي (٤٥٠ هـ): فإذا ثبت تحريم القتل بالكتاب والسنة مع انعقاد الإجماع. . . (١). وقال الإمام ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ): اتفقوا أن دم المسلم الذي لم يقتل مسلمًا ولا ذميًا. . -ثم استثنى الصور التي قيل فيها بجواز القتل-. . حرام (٢). وقال الإمام العِمراني (٣) (٥٥٨ هـ): لا خلاف بين الأمة في تحريم القتل بغير حق (٤). وقال الإمام المَرغِيناني (٥) (٥٩٣ هـ): فالعمد ما تعمد ضربه بسلاح أو

стр. 7657

ما أجري مجرى السلاح، . . .، وموجب ذلك المأثم لقوله تعالى، . . .، وقد نطق به غير واحد من السنة وعليه انعقد إجماع الأمة (١). وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة (٦٢٠ هـ): وأجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع، . . .، ولا خلاف بين الأمة في تحريمه (٢). وذكره بهذا النص شمس الدين ابن قدامة (٣) (٤). وقال الأمام القَرافي (٥) (٦٤٨ هـ): وأصل تحريم الدماء الكتاب والسنة والإجماع، . . .، وأجمعت الأمم -فضلا عن هذه الأمة- على تحريم الدماء (٦). وقال الأمام الزَيلعي (٧) (٧٤٣ هـ) في القتل العمد: أي القتل الموصوف بهذه الصفة يوجب الإثم والقصاص متعينا، وأما وجوب المأثم فلقوله تعالى. . .

стр. 7658

وعليه إجماع الأمة (١). وقال البرهان ابن مُفلح (٢) (٨٨٤ هـ): وأجمع العلماء على تحريم القتل بغير حق (٣). وقال الإمام البَهوتي (٤) (١٠٥١ هـ): وأجمعوا على تحريم القتل بغير حق (٥)، وذكره بهذا النص ابن ضويان (٦) (٧). وقال الشيخ ابن قاسم (٨) (١٣٩٢ هـ): أجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق، . . .، والإجماع حكاه غير واحد (٩).

стр. 7659

• مستند الإجماع: يستند الإجماع على عدة أدلة منها: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]. ٢ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثَيِّب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة" (١). ٣ - عن أبي بَكرة ﵁ قال: خطبنا النبي ﷺ يوم النحر قال "أتدرون أيّ يوم هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم! فسكت حتى ظننا أنه سيُسميه بغير اسمه قال: "أليس يوم النحر؟ " قلنا: بلى، قال: "أيّ شهر هذا؟ " قلنا اللَّه ورسوله أعلم! فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: "أليس ذو الحجة؟ " قلنا: بلى، قال: "أيّ بلد هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم! فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: "أليست بالبلدة الحرام؟ " قلنا: بلى، قال: "فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلّغت؟ " قالوا: نعم، قال: "اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرُبّ مبلّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" (٢). ججج صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم وجود المخالف.

стр. 7660

[٢/ ٢] فسق من قتل مسلمًا عمدًا عدوانًا وعدم كفره • المراد من المسألة: أن من قتل مسلمًا عمدًا عدوانًا بدون استحلال ولا تأويل فهو فاسق، مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، ولا يكفّر بذلك، وعليه نُقل الإجماع. • من نقل الإجماع: قال الإمام الحسين بن مسعود البغوي (١) (٥١٦ هـ): اتفق أهل السنة على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر إذا لَمْ يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئًا منها، فمات قبل التوبة، لا يخلد في النار، بل هو إلى اللَّه، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنة برحمته (٢). وقال الإمام النووي (٦٧٦ هـ): مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم، وإن ماتوا مصرّين على الكبائر، كانوا في المشيئة (٣). وقد نقله عنه الشيخ المباركفوري (٤). وقال الإمام ابن أبي العزّ الحنفي (٥) (٧٩٢ هـ): أهل السنة متفقون كلهم على

стр. 7661

أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرا ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج إذ لو كفر كفرًا ينقل عن الملة لكان مرتدًا يقتل على كلّ حال ولا يقبل عفو ولي القصاص ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر! (١). وقال الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ) بعد كلام صاحب العروض (أن من قتل مسلمًا عمدًا عدونًا فسق)، قال ابن قاسم: لاقترافه كبيرة من كبائر الذنوب بالإجماع خلافًا للخوارج الذين كفروه بذلك (٢). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول المالكية وابن حزم من الظاهرية (٣). • مستند الإجماع: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. • وجه الدلالة: أن العبد إذا مات على الشرك؛ فإن اللَّه تعالى لا يغفر له، والمشرك مخلد في النار -والعياذ باللَّه- وإذا مات على ما دون الشرك من المعاصي بما في ذلك الكبائر كالقتل مثلًا، فإنه يدخل تحت مشيئة اللَّه سبحانه، لكنه لا يخلد في النار بدليل تفريق الآية بين الشرك وما دونه في المغفرة. ٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]. • وجه الدلالة: أن اللَّه لَمْ يُخِرج القاتل من الذين آمنوا وجعله أخًا لولي

стр. 7662

القصاص، والمراد أخوة الدين بلا ريب (١). ٢ - عن أبي ذر ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فقال: "ما من عبد قال لا إله إلا اللَّه ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة". قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق". قلت: "وإن زنى وإن سرق"؟ قال: "وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر" (٢). • وجه الدلالة: الحديث بيّن أن أصحاب الكبائر لا يخلّدون في النار، بل مصيرهم إلى الجنة إما أن يدخلوها ابتداءً بدون عقاب برحمة اللَّه وفضله، أو يعذّبون على قدر ذنوبهم بعدل اللَّه ثم يدخلون الجنة، ولا يؤخذ من الحديث تحتم دخولهم الجنة بدون عقاب كي نجمع بين هذا الحديث وبين النصوص التي تتوعد مرتكب الكبيرة بالعقاب، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. ججج صحة الإجماع في المسألة، وذلك لعدم المخالف. [٣/ ٣] توبة القاتل عمدا صحيحة ومقبولة • المراد من المسألة: أن من قتل مسلما متعمدا عدوانا، ثم تاب وأناب، فهل توبته هذه محتملة للقبول كالتوبة من سائر الذنوب أم أن قبولها ممتنع؟ . • من نقل الإجماع: قال الإمام النووي (٦٧٦ هـ): هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمدًا ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس ﵁ (٣). وذكر قريبًا من هذا القول في موضع آخر (٤)، وقد نقله عنه الإمام الشوكاني (٥).

стр. 7663

وقال الإمام ابن حجر العسقلاني (١) (٨٥٢ هـ): وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنة ما ورد من ذلك -أي من النصوص التي تتوعد قاتل العمد- على التغليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٧٢٨ هـ) يقول: ومن ذلك توبة قاتل النفس، . . .، وكل وعيد في القرآن فهو مشروط بعدم التوبة باتفاق الناس (٣). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٤)، وهو المشهور عند المالكية (٥). • مستند الإجماع: الأول: عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].

стр. 7664

• وجه الدلالة: ظاهر في مغفرة ذنوب من عمل هذه المعاصي والتي منها قتل النفس حيث استثنى اللَّه من معاقبة من فعل هذه المعاصى من تاب فدل على قبول توبة القاتل عمدًا (١). الثالث: ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب اللَّه عليه" (٢). • وجه الدلالة: أن النص عام في كل تائب، ولم يخصّ تائبا من تائب. • من خالف الإجماع: خالف في هذه المسألة: ابن عباس في الرواية المشهورة عنه، وزيد بن ثابت (٣)، وروي عن الإمام مالك فيها قولان، أخذ من قوله: (لا تجوز إمامته) عدم القبول، وأُخذ من قولِه: (ليكثر من العمل الصالح والصدقة والجهاد والحج) القبول (٤). وفي رواية للحنابلة عدم قبول توبته (٥). واستدلوا لذلك بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣] قال ابن عباس ﵄ عندما سئل عن هذه الآية: (هي آخر ما نزل وما نسخها شيء) (٦).

стр. 7665

وفي رواية لمسلم أن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس ﵄: ألمن قتل مؤمنًا متعمدًا من توبة؟ قال: لا. قال: فتلوت عليه هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨]، إلى آخر الآية. قال: هذه آية مكية نسختها آية مدنية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣] (١). ٢ - عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ وهو يقول: "كل ذنب عسى اللَّه أن يغفره إلا الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا أو الرجل يموت كافرًا" (٢). ججج عدم صحة الإجماع وذلك لثبوت الخلاف في المسألة وأدلة المخالفين لها وجه من النظر. [٤/ ٤] القَوَد (٣) مختص بالقتل العمد • المراد من المسألة: أن القود -وهو القصاص- لا يجب إلا في القتل الذي يكون عمدا فقط، ولا يجب القصاص أو القود في القتل الخطأ، ولا القتل شبه العمد. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن حزم (٤٥٦ هـ): ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن القود ليس إلا في العمد فقط (٤).

стр. 7666

وقال الإمام ابن رشد الحفيد (١) (٥٩٥ هـ): اتفقوا على أن الذي يجب به القصاص هو العمد (٢). وقال الإمام ابن حَجَر الهيتمي (٣) (٩٧٤ هـ): (وَلَا قصاص إلا في العمد) الآتي إجماعا (٤). وقال الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): والقتل، وهو فعل ما يكون سببا لزهوق النفس العمد، فهو الذي يختص به القود بلا نزاع (٥). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٦). • مستند الإجماع: يستند هذا الإجماع على عدة أدلة منها: ١ - عموم الآيات والأحاديث الدالة على القصاص كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [الإسراء: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقوله

стр. 7667

- ﷺ : "ومن قُتل له قتيل فهو بخير النظرين؟ إما يودي، وإما يقاد" (١). • وجه الدلالة: أن هذه النصوص أثبتت القصاص عند وجود عموم القتل والقتل العمد يدخل في هذا العموم، أما القتل الخطأ وشبه العمد فقد استثنيا من هذا العموم لوجود نصوص أخرى توجب غير القصاص وهو الدية كقوله تعالى عن القتل الخطأ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]. وقوله ﷺ عن شبه العمد: "عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد" (٢) ونحو ذلك من النصوص التي أخرجت قتل الخطأ وشبه العمد من هذا العموم. ٢ - عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "العمد قود، والخطأ لا قود فيه" (٣). • وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل موجب العمد القود، فاشترط العمد لوجوب القود، وبقية أصناف القتل لا عمد فيها، فلا يجب بها القود (٤). ججج صحة الإجماع في هذه المسألة لعدم وجود المخالف فيها.

стр. 7668

[٥/ ٥] من أصناف القتل العمد والخطأ • المراد من المسألة: أن أقل أصناف القتل التي اتفق عليها أهل العلم صنفان: القتل العمد، والقتل الخطأ، وما سواهما مختلف فيه. • من نقل الإجماع: قال الإمام ابن حزم الظاهري (٤٥٦ هـ): واتفقوا أن القتل يكون عمدًا ويكون خطأ (١). وقال الإمام ابن رشد الحفيد (٥٩٥ هـ): أجمعوا على أن القتل صنفان: عمد، وخطأ (٢). وقال الإمام ابن جُزَيّ المالكي (٣) (٧٤١ هـ): صفة القتل وهو على ثلاثة أنواع اثنان متفق عليهما وهما: العمد والخطأ، وواحد مختلف فيه وهو شبه العمد (٤). وقال الشيخ ابن قاسم (١٣٩٢ هـ): أكثر أهل العلم يرون القتل ينقسم إلى ثلاثة: عمد وخطأ، وهذان مجمع عليهما، والثالث وهو: شبه العمد، قال به جمهور العلماء (٥). • من وافق الإجماع: وافق هذا الإجماع المنقول الحنفية (٦)، والشافعية (٧).

стр. 7669

• مستند الإجماع: إثبات القرآن لهذين النوعين كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ. . . .﴾ [النساء: ٩٢]. الآية. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣] ٢ - ذِكر النبي ﷺ لهما في أحاديث كثيرة منها: حديث ابن عباس ﵁ قال رسول اللَّه ﷺ : "من قُتل في عِمِّيا أو رِمِّيا (١) بحجر، أو سوط، أو عصا، فعليه عقل الخطإ، ومن قتل عمدا فهو قود، ومن حال دونه فعليه لعنة اللَّه" (٢). • وجه الدلالة: أنه رتب على القتل العمد القصاص إذا اجتمعت شروطه وطالب أولياء القتيل بذلك، ورتب على القتل الخطأ الدية إذا طالب أولياء القتيل بها، وهذا يدل على وجود هذين النوعين وإثباتهما. ٣ - أن العمد والخطأ وصفان يرجعان إلى فعل القاتل، وقصده إلى الجناية لا يخلو من كونه مرادا أو غير مراد، فالقاصد للجناية عامد، والذي لَمْ يقصد مخطيء (٣). ججج صحة الإجماع وذلك لعدم وجود المخالف.

стр. 7670

[٦/ ٦] من صور القتل العمد: من قصد ضرب إنسان بآلة تقتل غالبًا كالسيف ونحوه وجرحه جرحًا كبيرًا فمات منه • المراد من المسألة: قد تقدم أن من شروط القتل العمد القصد إلى الجناية، والقصد إلى القتل، ومن المعلوم عادة أن الإحاطة بالقصد الثاني متعذرة، ولهذا السبب جعل من أماراتها نوع الآلة التي تتم بها الجناية، فكان الاتفاق على أن الآلة إذا كانت محددة أو جارحة فالقتل بها عمد. • من نقل الإجماع: قال الإمام الطبري (٣١٠ هـ): واختلف أهل التأويل في صفة القتل الذي يستحق صاحبه أن يسمى متعمدًا، بعد إجماع جميعهم على أنه إذا ضرب رجل رجلًا بحدّ حديد يجرح بحدّه أو يبضع ويقطع، فلم يُقلِع عنه ضربًا به حتى أتلف نفسه، وهو في حال ضربه إياه قاصد ضربه، أنه عامد قتله (١). وقال الإمام ابن المنذر (٢) (٣١٨ هـ): وأجمعوا على أن من ضرب رجلًا بسيف أو سكين أو سنان رمح أن عليه القود (٣). وقال الإمام الطحاوي (٤) (٣٢١ هـ): الأصل المجمع عليه أن من قتل رجلا بحديدة عمدا فعليه القَود وهو آثم في ذلك (٥).
следующие страницы →