سورة الحمد
١- ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ اختصار كأنه قال: أبدأ باسم الله. أو بدأت باسم الله.
٢- و (العالَمُونَ) أصناف الخلق الرُّوحانِيِّين، وهم الإنس والجن والملائكة، كلُّ صِنْفٍ منهم عالَم.
٤- و ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ يوم القيامة. سمِّي بذلك لأنه يوم الجزاء والحساب، ومنه يقال: دِنْتُه بما صَنَع. أي جازيته. ويقال في مَثَلٍ: "كما تَدِين تُدان" (١) يراد كما تَصنع يُصنع بك، وكما تُجَازِي تُجَازَى.
٦- و ﴿الصِّرَاطَ﴾ الطريق. ومثله ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (٢) ومثله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣) .
٧- ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يعني الأنبياء والمؤمنين.
و ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليهود.
و (الضَّالُّونَ) النصارى.
стр. 37
سُورة البَقَرَة
١- ﴿الم﴾ قد ذكرت تأويله وتأويل غيره - من الحروف المقطعة - في كتاب: "المشكل" (١) .
٢- ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شكَّ فيه.
﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: رُشدًا لهم إلى الحق.
٣- ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: يصدِّقون بإخبار الله عن الجنة والنار، والحساب والقيامة، وأشباهِ ذلك.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي: يُزَكُّونَ ويتصدقون.
٥- ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ من الفلاح؛ وأصله البقاء. ومنه قول عَبِيدٍ:
أَفْلِحْ بِمَا شِئْتَ ; فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضْ ... ضَعْفِ, وَقَدْ يُخْدَعُ الأَرِيبُ (٢)
أي: ابق بما شئت من كَيْس أو غفلة.
فكأنه قيل للمؤمنين: مفلحون؛ لفوزهم بالبقاء في النعيم المقيم. هذا هو الأصل.
стр. 38
ثم قيل ذلك لكل من عَقَلَ وحَزَمَ، وتكاملت فيه خِلالُ الخير.
* * *
٧- ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ بمنزلة طَبَعَ الله عليها. والخَاتَمُ بمنزلة الطابَع. وإنما أراد: أنه أقفل عليها وأغلقها، فليست تعي خيرا ولا تسمعه. وأصل هذا: أن كل شيء ختمتَه، فقد سددتَه وربطتَه.
ثم قال : ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ابتداء. وتمامُ الكلام الأول عند قوله: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ (١) .
والغِشَاوَة: الغِطاء. ومنه يقال: غَشِّه بثوب، أي: غَطِّه. ومنه قيل: غاشية السَّرْج؛ لأنها غِطاء له. ومثلُه قوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ (٢) .
* * *
٩- وقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ﴾ ؛ يريد: أنهم يُخَادِعُونَ المؤمنين بالله؛ فإذا خادعوا المؤمنين بالله: فكأنهم خادعوا الله. وخِدَاعُهُمْ إيّاهم، قولهم لهم إذا لقُوهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أي: مَرَدَتِهِمْ؛ ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (٣) . وما يُخَادِعون إلا أنفسهم: لأن وَبَالَ هذه الخديعة وعاقبتها راجعة عليهم؛. وهم لا يَشْعُرُون.
стр. 39
١٠- ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك ونفاق (١) . ومنه يقال: فلان يُمَرِّضُ في الوعد وفي القول؛ إذا كان لا يصححه، ولا يؤكده.
١٣- ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ يعني: المسلمين؛ ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ ؟! أي: الجهلة ومنه يقال: سَفِه فلانٌ رأيَه؛ إذا جَهِله (٢) . ومنه قيل [للبَذَاء] : سَفَهٌ؛ لأنه جهْل.
١٥- ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أي يجازيهم جزاء الاستهزاء.
ومثله قوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٣) ؛ أي جازاهم جزاء النسيان. وقد ذكرت هذا وأمثاله في كتاب "المشكل" (٤) .
﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ أي: يتمادى بهم، ويطيل لهم.
﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ أي: في عُتُوِّهِمْ وتكبُّرهم. ومنه قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ (٥) ؛ أي: علا.
﴿يَعْمَهُونَ﴾ يركبون رءُوسهم فلا يُبصرون. ومثله قوله:
стр. 40
﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ؟ (١) يقال: رجل عَمِهٌ وعَامِهٌ؛ أي: جائِرٌ [عن الطريق] . وأنشد أبو عُبَيْدَةَ:
وَمَهْمَهٍ أطْرَافُهُ في مَهْمِهِ ... أعْمَى الهُدَى بالجاهِلِينَ العُمَّهِ (٢)
١٦- ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: استبدلوا. وأصل هذا: أن من اشترى شيئا بشيء، فقد استبدل منه.
﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ والتجارةُ لا تَربح، وإنما يُربح فيها. وهذا على المجاز.
ومثله: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ﴾ (٣) ؛ وإنما يُعزم عليه. وقد ذكرت هذا وأشباهه في كتاب "المشكل" (٤) .
١٧- و ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي: أوْقَدَها.
١٩- و (الصَّيِّبُ) المطر؛ "فَيْعِل" من "صَابَ يَصُوبُ": إذا نزل من السماء.
٢٠- ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يَذْهَب بها. وأصل الاختطاف: [الاستلاب] ؛ يقال: اختطف الذئب الشاة من الغنم. ومنه يقال لما يخرج به الدَّلْوُ: خُطَّافٌ؛ لأنه يَخْتَطِفُ ما عَلِقَ به. قال النَّابِغَةُ:
خَطَاطِيفُ حُجْنٌ فِي حِبَالٍ مَتِينَةٍ ... تَمُدُّ بها أيْدٍ إلَيْكَ نَوَازِعُ (٥)
стр. 41
والحُجْنُ: المُتَعَقِّفَة.
وهذا مثل ضربه الله للمنافقين؛ وقد ذَكرته في كتاب "المشكل" وبينته (١) .
٢٢- ﴿أَنْدَادًا﴾ أي: شركاء أمثالا. يقال: هذا نِدُّ هذا ونَدِيدُهُ (٢) .
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعقِلون.
٢٣- ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ أي: ادعوهم لِيُعَاوِنُوكم على سورةٍ مثلِه. ومعنى الدعاء هاهنا الاستغاثة. ومنه دعاء الجاهلية ودعوى الجاهلية؛ وهو قولهم: يا آلَ فلان؛ إنما هو استغاثتهم.
وشهداؤهم من دون الله: آلهتهم؛ سُموا بذلك لأنهم يشهدونهم ويحضرونهم.
٢٤- ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ﴾ أي حطَبُها. والوَقود: الحطب؛ بفتح الواو. والوُقود بضمها: تَوَقُّدُها.
﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ قال المفسرون: حجارة الكبريت.
٢٥- ﴿جَنَّاتٍ﴾ بساتين.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ذَهَبَ إلى شجرِها لا إلى أرضها. لأن الأنهار تجري تحت الشجر.
﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كأنّه ذلك لِشَبَهِه به.
стр. 42
﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ أي يشبه بعضه بعضا في المناظر دون الطعوم.
﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ من الحيض والغائط والبول وأقذار بني آدم.
* * *
٢٦- ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ لما ضرب الله المثل بالعنكبوت في سورة العنكبوت، وبالذباب في سورة الحج - قالت اليهود: ما هذه الأمثال التي لا تليق بالله ؟! فأنزل الله (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) من الذباب والعنكبوت (١) .
وكَان أبو عبيدة [﵀] يذهب إلى أن "فوق" هاهنا بمعنى "دون" على ما بينا في كتاب "المشكل" (٢) .
فقالت اليهود: ما أراد الله بمثل يُنكره الناسُ فَيَضِلُّ به فريق ويَهْتدي به فريق؟ قال الله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ﴾
٢٧- ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ يريد أن الله سبحانه أمرهم بأمور فقبلوها عنهُ، وذلك أخذ الميثاق عليهم والعهد إليهم. ونقضهم ذلك: نَبْذُهم إيّاه بعدَ القبول وتركهم العمل به.
٢٨ - ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ يعني نطفا في الأرحام. وكُلّ شيء فَارَقَ الجسد من شعر أو ظُفُرٍ أو نطفة فهو ميتة.
﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ في الأرحام وفي الدنيا.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ في البعث. ومثله قوله حكاية عنهم: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (٣)
стр. 43
فالميتة الأولى: إخراج النطفة وهي حية من الرجل، فإذا صارت في الرحم فهي ميتة؛ فتلك الإماتة الأولى. ثم يحييها في الرحم وفي الدنيا، ثم يميتها ثم يحييها يوم القيامة.
٢٩- ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ عَمَدَ لها. وكل من كان يعمل عملا فتركه بفراغ أو غير فراغ وعمد لغيره، فقد استوى له واستوى إليه (١) .
وقوله: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ ذهب إلى السماوات السبع.
٣٠ - وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ أراد: وقال ربك للملائكة، و"إذْ" تزاد والمعنى إلقاؤها (٢) على ما بينت في كتاب "المشكل" (٣) .
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ يرى أهلُ النظر من أصحاب اللغة: أن الله جل وعزّ قال: إني جاعل في الأرض خليفة يفعل ولده كذا ويفعلون كذا. فقالت الملائكة: أتجعل فيها من يفعل هذه الأفاعيل؟ ولولا ذلك ما علمت الملائكة في وقت الخطاب أن خليفة الله يفعل ذلك. فاختصر الله الكلام على ما بينت في كتاب "المشكل".
٣١- ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ يريد أسماء ما خلق في الأرض (٤) .
стр. 44
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾ أي عرض أعيان الخلق عليهم ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾
٣٥- ﴿وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا﴾ أي رزقًا واسعًا كثيرًا (١) . يقال: أرْغَدَ فلان إذا صار في خصب وسعة.
٣٦- ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ من الزلل بمعنى اسْتَزَلَّهُمَا تقول: زلّ فلان وأزْلَلْتُه. ومن قرأ: "فأَزَالَهُمَا" أراد نَحّاهما (٢) ، من قولك: أزلتك عن موضع كذا أو أزلتك عن رأيك إلى غيره.
﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ قال ابن عباس - في رواية أبي صالح عنه -: كما يقال: هبط فلان أرض كذا (٣) .
﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ يعني الإنسان وإبليس ويقال: والحَيَّة (٤) .
﴿وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ موضع استقرار.
﴿وَمَتَاعٌ﴾ أي مُتْعة.
﴿إِلَى حِينٍ﴾ يريد إلى أجل.
٣٧- ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ أي قبلها وأخذها، كأن الله أوحى إليه أن يستغفره ويستقبله بكلام من عنده (٥) ففعل ذلك آدم ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (٦)
стр. 45
وفي الحديث: أن رسول الله ﷺ وعلى آله كان يتلقى الوحي من جبريل؛ أي يَتَقَبَّله ويأخذه.
٤٠- ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ أي: أوْفُوا لي بما قبِلتموه من أمري ونَهيي.
﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ أي: أوف لكم بما وعدتكم على ذلك من الجزاء.
* * *
٤٤- ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: وتتركون أنفسكم، كما قال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (١) أي: تركوا الله فتركهم.
٤٥- ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ أي: بالصوم. في قول مجَاهِد (٢) ﵀. ويقال لشهر رمضان: شهرُ الصبر (٣) ، وللصائم صابر. وإنما سُمِّي الصائم صابرًا لأنه حبس نفسه عن الأكل والشرب. وكُلّ من حبس شيئًا فقد صَبَرَه. ومنه المَصْبُورةُ التي نُهِيَ عنها، وهي: البَهيمة تُجْعَلُ غَرَضًا وتُرْمَى حتى تقتل.
وإنما قيل للصابر على المصيبة صابر لأنه حَبَسَ نفسه عن الجزع.
* * *
٤٦- ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ أي: يعلمون. والظن بمعنيين: شك ويقين (٤) على ما بينا في كتاب "المشكل" (٥) .
стр. 46
٤٧- ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: على عالمي زمانهم. وهو من العام الذي أريد به الخاصّ.
* * *
٤٨- ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: لا تقضي عنها ولا تُغْنِي. يقال: جزى عني فلان بلا همز، أي ناب عني. وأجزأني كذا - بالألف في أوله والهمز - أي: كفاني.
﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أي فِدْيَة قال: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ (١) أي: إن تفتد بكل شيء لا يؤخذ منها.
وإنما (٢) قيل للفداء: عَدْلٌ لأنه مثل للشيء، يقال: هذا عَدْلُ هذا وعَدِيلُه. فأما العِدْل - بكسر العين - فهو ما على الظهر.
* * *
٤٩- ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ قال أبو عبيدة: يولُونكم أشدّ العذاب (٣) . يقال: فلان يسومك خسفًا؛ أي: يوليك إذلالا واستخفافًا.
﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي: في إنْجَاء اللهِ إيّاكم من آل فرعون نعمة عظيمة.
والبلاء يتصرف على وجوه قد بيّنتها في كتاب "المشكل" (٤) .
٥٠- و ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أهل بيته وأتباعه وأشياعه. وآل محمد أهل بيته وأتباعه وأشياعه. قال الله : ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٥) .
стр. 47
٥٤- ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ أي خالقكم.
﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي ليقتلْ بعضكم بعضًا؛ على ما بينت في كتاب "المشكل" (١) .
وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ أي ففعلتم فتاب عليكم. مختصر (٢) .
٥٥- ﴿نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي علانية ظاهرا، لا في نوم ولا في غيره.
﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ أي الموت. يدلك على ذلك قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ (٣) . والصاعقة تتصرف على وجوه قد ذكرتها في كتاب "المشكل" (٤) .
٥٧- ﴿الْغَمَامَ﴾ السحاب. سُمِّي بذلك لأنه يغُمُّ السماءَ أي يسترها وكُلُّ شيءٍ غطيته فقد غممتَه. ويقال: جاءنا بإناء مَغْمُوم. أي مغطى الرأس.
وقيل له: سحاب بمسيره، لأنه كأنه ينسحب إذا سار (٥) .
﴿الْمَنَّ﴾ يقال: هو الطَّرَنْجَبِين (٦) .
стр. 48
﴿وَالسَّلْوَى﴾ طائر يشبه السُّمَانَى لا واحد له.
﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ أي ما نقصونا.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي ينقصون.
والظلم يتصرَّف على وجوه قد بينتها في كتاب "المشكل" (١) .
٥٨- وقوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ رفع على الحكاية. وهي كلمة أمروا أن يقولوها في معنى الاستغفار، من حَطَطْتُ. أي حُطَّ عَنَّا ذنوبنا.
٥٩- ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ أي قيل لهم: قولوا: حِطَّةٌ فقالوا: حِطَّا سُمْقَاتَا، يعني حنطة حمراء. (٢) .
و (الرِّجْزُ) العذاب.
٦٠- ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾ من عَثِيَ. ويقال أيضا من عَثَا، وفيه لغة أخرى عَاثَ يَعيثُ. وهو أشد الفساد.
وكان بعض الرواة ينشد بيت ابن الرقاع:
لولا الحياءُ وأنَّ رأسي قد عَنَا ... فيه المشيبُ لزرتُ أُمَّ القاسِمِ (٣)
وينكر على من يرويه: "عسا". وقال: كيف يَعْسُو الشيبُ وهو
стр. 49
إلى أن يرقّ في كبر الرجل ويلين، أقرب منه إلى أن يغلظ ويعسوَ أو يصلب؟ واحتج بقول الآخر:
* وَأَنْبَتَتْ هَامَتُهُ المِرْعِزَّى *
يريد أنه لما شاخ رقَّ شعره ولان، فكأنه مِرْعِزَّى [والمرعزى: نبت أبيض] .
٦١- (وَالْفُومُ) فيه أقاويل: يقال: هو الحنطة، والخُبْزُ جميعا. قال الفرّاء (١) هي لغة قديمة يقول أهلها: فَوِّمُوا، أي: اخْتَبِزُوا. ويقال: الفوم الحبوب.
ويقال: هو الثوم. والعرب تبدل الثاء بالفاء فيقولون جَدَث وجَدَف. والمَغَاثِير والمَغَافِير (٢) . وهذا أعجب الأقاويل إليّ؛ لأنها في مصحف عبد الله: "وثومها" (٣) .
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾ أي رجعوا. يقال: بُؤْتُ بكذا فأنا أبوء به. ولا يقال: باء بالشيء.
٦٢- ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ هم: اليهود.
﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ قال قتادة (٤) هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون [إلى] القبلة، ويقرأون الزَّبور.
стр. 50
وأصل الحرف من صَبَأْتُ: إذا خرجت من شيء إلى شيء ومن دين إلى دين. ولذلك كانت قريش تقول في الرجل إذا أسلم واتبع النبي صلى الله عليه وعلى آله -: قد صبأ فلان - بالهمز - أي خرج عن ديننا إلى دينه.
* * *
٦٣- و ﴿الطُّورَ﴾ الجبل. ورفعه فوقهم مبين في سورة الأعراف.
٦٥- ﴿اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ أي ظلموا وتَعَدَّوا ما أُمروا به من ترك الصيد في يوم السبت.
﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ أي: مبعدين (١) . يقال: خَسَأْتُ فلانًا عني وخسأتُ الكلبَ. أي: باعدته. ومنه يقال للكلب: اخسأ، أي: تباعد.
* * *
٦٦- ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا﴾ أي: قريةَ أصحاب السبت. نَكالا أي عِبْرَة لما بين يديها من القرى، وما خلفها ليتعظوا بها.
ويقال: لما بين يديها من ذنوبهمُ وما خلفها: من صيدهم الحيتان في السبت. وهو قول قتادَةَ (٢) . والأول أعجب إليّ.
٦٨- ﴿لا فَارِضٌ﴾ أي: لا مُسِنَّة. يقال: فَرَضَتْ البقرةُ فهي فارضٌ، إذا أَسَنَّتْ. قال الشاعر:
стр. 51
يَا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ وَضَبٍّ فَارِضِ ... لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحَائِضِ (١)
أي ضِغْن قديم.
﴿وَلا بِكْرٌ﴾ أي ولا صغيرة لم تلد، ولكنها ﴿عَوَانٌ﴾ بين تَيْنِك. ومنه يقال في المثل: "العَوَانُ: لا تُعَلَّمُ الخِمْرَة" (٢) . يراد أنها ليست بمنزلة الصغيرة التي لا تحسن أن تَخْتَمِر.
٦٩- ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ أي ناصع صاف.
وقد ذهب قوم إلى أن الصفراء: السوداء (٣) . وهذا غلط في نُعُوت البقر. وإنما يكون ذلك في نُعُوت الإبل. يقال: بعير أصفر، أي أسود. وذلك أن السود من الإبل يَشُوبُ سوادَها صفرة. قال الشاعر:
تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابِي ... هُنَّ صُفْرٌ أَوْلادُها كَالزَّبِيبِ (٤)
أي سود.
стр. 52
ومما يدلك على أنه أراد الصفرة بعينها - قوله ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ والعرب لا تقول: أسود فَاقِع - فيما أعلم - إنما تقول: أسود حالك، وأحمر قاني، وأصفر فَاقِع (١) .
* * *
٧١- ﴿لا ذَلُولٌ﴾ يقال في الدوابّ: دابّة ذَلُول بَيِّنةُ الذِّل - بكسر الذال (٢) وفي الناس: رجل ذليل بَيِّن الذُّل. بضم الذال.
﴿تُثِيرُ الأَرْضَ﴾ أي تُقَلِّبها للزراعة. ويقال للبقرة: المُثِيرَة.
﴿وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ أي لا يُسْنَى (٣) عليها فَيُسْتَقَى بها الماء لسقي الزرع (٤) .
﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ من العمل.
﴿لا شِيَةَ فِيهَا﴾ أي: لا لَوْنَ فيها يخالف مُعْظَم لونِها - كالقُرْحَة، والرُّثْمَة، والتَّحْجِيل (٥) وأشباه ذلك.
والشِّيَةُ: مأخوذة من وَشَيْتُ الثوبَ فأنا أشِيه وَشْيًا. وهي من المنقوص. أصلها وِشْيَة. مثل زِنَة، وعِدَة.
* * *
٧٢- ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ اختلفتم. والأصل: تَدَارَأْتُمْ. فأدغمت التاء في الدال، وأدخلت الألف ليسلم السكون للدال الأولى. يقال: كان بينهم
стр. 53
تَدَارُؤٌ في كذا. أي اختلاف. ومنه قول القائل (١) في رسول الله ﷺ : "كان شريكي فكان خير شريك: لا يُمَارِي ولا يُدَارِي" (٢) أي لا يخالف.
* * *
٧٣- ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ أي اضربوا القتيل ببعض البقرة. قال بعض المفسرين: فضربوه بالذنب. وقال بعضهم: بالفخذ فحَيِي.
٧٤- ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: اشتدت وصلُبت.
٧٨- ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ﴾ أي لا يعلمون الكتاب إلا أن يُحدِّثهم كبراؤُهم بشيء، فيقبلونه ويظنون أنه الحق وهو كذب. ومنه قول عثمان ﵁: "ما تَغَنَّيْتُ ولا تَمَنَّيْت" (٣) أي: ما اخْتَلَقْتُ الباطل.
وتكون الأمانِيُّ (٤) التلاوة. قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ [فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٥) يريد إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته] .
стр. 54
يقول: فهم لا يعلمون الكتاب إلا تلاوة ولا يعملون به، وليسوا كمن يتلوه حَقَّ تلاوته: فيُحِلُّ حلالَه ويُحَرِّم حرامَه، ولا يحرفه عن مواضعه.
* * *
٧٩- ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي يزيدون في كتب الله ما ليس منها؛ لينالوا بذلك غَرَضًا حقيرًا من الدنيا.
* * *
٨٠- ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ قالوا: إنما نُعذَّبُ أربعين يومًا قَدْرَ ما عَبَدَ أصحابُنا العجلَ.
﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ أي أتخذتم بذلك من الله وعدًا؟
* * *
٨٣- ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ﴾ أي أمرناهم بذلك فقبلوه؛ وهو أخذ الميثاق عليهم.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي وَصَّيْناهم بالوالدين إحسانًا. مختصر كما قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١) أي: ووصى بالوالدين (٢) .
* * *
٨٤- ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أي لا يَسْفِك بعضُكم دَم بعض.
﴿وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي لا يخرج بعضُكم بعضا من داره ويغلبه عليها.
стр. 55
﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أي ثم قبِلتم ذلك وأقررتم به.
﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على ذلك.
* * *
٨٥- ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وقد بينت معنى هذه الآية في المشكل (١) .
﴿تَظَاهَرُونَ﴾ تعاونون. والتَّظَاهُر: التعاون. ومنه قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ (٢) أي تعاونا عليه. والله ظَهِير أي: عَوْن.
وأصل التَّظَاهُر من الظَّهْر. فكأنّ التَّظاهر: أن يجعل كُلُّ واحدٍ من الرجلين أو من القوم الآخَرَ له ظَهْرًا يَتَقَوَّى به ويَسْتَنِدُ إليه.
* * *
٨٧ - ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ أي: أتْبَعْناه بهم وأرْدَفْنَاه إيَّاهم وهو من القفا مأخوذ. ومنه يقال: قَفَوْتُ الرجلَ: إذا سرت في أثره.
* * *
٨٨- ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ جمع أغْلَف. أي كأنّها في غِلاف لا تفهم عنك ولا تعقل شيئا مما تقول. وهو مثل قوله: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ (٣) يقال: غَلَّفْتُ السيفَ: إذا جعلته في غلاف، فهو سيف أغْلَف. ومنه قيل لمن لم يُخْتَن: أغْلَف.
стр. 56
ومن قَرَأه (غُلُفٌ) مُثَقَّل. أراد جمع غلاف. أي هي أوعية للعلم (١) .
* * *
٨٩- ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول: كانت اليهود إذا قاتلت أهل الشرك استفتحوا عليهم؛ أي اسْتَنْصَرُوا الله عليهم. فقالوا: اللهم انصرنا بالنبيّ المبعوث إلينا. فلما جاءهم النبي ﷺ وعَرَفوه كفروا به. والاستفتاح: الاستنصار.
* * *
٩٣- ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: حُبَّ العجل.
٩٦- ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ يعني اليهود.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني المجوس. وشركهم: أنهم قالوا بإلهين: النور والظلمة.
﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أراد معنى قولهم لملوكهم في تحيتهم: "عش ألف سنة وألف نَوْرُوز" (٢) .
﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ أي: بِمُباعدِه من العذاب طُول عمره؛ لأن عمره ينقضي وإن طال؛ ويصير إلى عذاب الله.
стр. 57
٩٧- ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ من اليهود (١) . وكانوا قالوا: لا نتبع محمدا وجبريلُ يأتيه؛ لأنه يأتي بالعذاب.
﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ يعني: فإن جبريل نزلَ القرآن ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾
* * *
١٠٠- ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ (٢) تركه ولم يعمل به.
* * *
١٠٢- ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: ما تَرْوِيه الشياطين على مُلْك سليمان. والتلاوة والرواية شيء واحد. وكانت الشياطين دفنت سحرًا تحت كرسيِّه، وقالت للناس بعد وفاته: إنما هلك بالسحر. يقول: فاليهود تتبع السحر وتعمل به.
﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أي: اختبارٌ وابتلاء.
(والخلاقُ) : الحظُّ من الخير، ومنه قول النبي ﷺ : " لَيُؤَيِّدَنَّ اللهُ هذا الدينَ بقوم لا خَلاق لهم " (٣) أي: لا حَظَّ (٤) لهم في الخير.
стр. 58
﴿شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي باعوها. يقال: شريتُ الشيء. وأنت تريد اشتريته وبعته. وهو حرف من حروف الأضداد.
* * *
١٠٣- (الْمَثُوبَةُ) : الثواب. والثواب والأجر: هما الجزاء على العمل.
* * *
١٠٤- ﴿لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ من "رعيتُ الرجل": إذا تأمّلته، وتعرَّفْت أحواله. يقال: أرْعِني سَمْعَك. وكان المسلمون يقولون لرسول الله ﷺ : رَاعِنَا وأرْعِنا سمعَكَ. وكان اليهود يقولون: رَاعِنَا - وهي بلغتهم سب لرسول الله (١) ﷺ بالرُّعُونَة - ويَنْوُون بها السبَّ؛ فأمر الله المؤمنين أن لا يقولوها؛ لئلا يقولَها اليهود، وأن يجعلوا مكانها ﴿انْظُرْنَا﴾ أي انتظرنا. يقال: نظرتك وانتظرتك بمعنى.
ومن قرأها "رَاعِنًا" بالتنوين (٢) أراد: اسمًا مأخوذًا من الرَّعْن والرُّعُونَة، أي لا تقولوا: حمقا ولا جهلا.
* * *
١٠٦- ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ أراد: أو نُنْسِكَهَا. من النِّسْيان.
стр. 59
ومن قرأها: "أو نَنْسَأْهَا". بالهمز (١) . أراد: نؤخِّرها فلا نَنْسَخها إلى مدة. ومنه النَّسِيئَةُ في البيع؛ إنما هو: البيع بالتَّأْخير. ومنه النَّسِيء في الشهور؛ إنما هو: تأخير تَحْرِيمِ "المُحَرَّم" (٢) .
﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ أي: بأفضلَ منها. ومعنى فَضْلِها: سهولتُها وخفتُها (٣) .
* * *
١٠٨- ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي ضلَّ عن وسط الطريق وقَصْدِه.
١١٤- ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ نزلت في "الرُّوم" حين ظهروا على "بيت المقدس" (٤) فخرَّبوه. فلا يدخله أحد أبدًا منهم إلا خائف.
﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي هوان. ذكر المفسرون: أنه فتح مدينتهم رُومِيَةَ.
стр. 60
* * *
١١٥- ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ نزلت في ناس من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله، كانوا في سفر فَعَمِيت عليهم القِبلَة: فصلّى ناسٌ قِبَل المشرق، وآخرون قِبَل المغرب (١) . وكان هذا قبل أن تُحَوَّل القبلة إلى الكعبة (٢) .
* * *
١١٦- ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ مُقِرُّونَ بالعبودية، مُوجِبُون للطاعة. والقنوت يتصرف على وجوه قد بيّنتها في "تأويل المشكل" (٣) .
١١٧- ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ مُبْتَدِعُهما.
١١٨- ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ هلا يكلمنا.
﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ في الكفر والفسق والقسوة.
١٢٣- ﴿وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ هذا للكافر. فليس له شافع فينفعَه؛ ولذلك قال الكافرون: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ (٤) حين رَأَوْا تَشْفيعَ اللهِ في المسلمين.
стр. 61
* * *
١٢٤- ﴿ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ أي: اختبر الله إبراهيم بكلمات يقال: هي عَشْرٌ مِنَ السُّنَّةِ (١) .
﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي عمِل بهن كلِّهن.
* * *
١٢٥- ﴿جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: مَعَادًا لهم، من قولك: ثُبْتُ إلى كذا وكذا: عُدْتُ إليه. وثَابَ إليه جسمه بعد العلة، أي: عاد.
أراد: أن الناس يعودون إليه مرّة بعد مرّة.
﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ المقيمين. يقال: عكف على كذا؛ إذا أقام عليه. ومنه قوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ (٢) . ومنه الاعتكاف؛ إنما هو: الإقامة في المساجد على الصلاة والذكر لله.
* * *
١٢٧- ﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ إسَاسَه (٣) . واحدها قاعدة. فأما
стр. 62
قواعد النساء فواحدها قَاعِد. وهي العجوز (١) .
١٢٨- ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أي: علِّمنا (٢) .
١٣٠- ﴿إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي من سَفِهَت نَفْسُه. كما تقول: غَبِنَ فلان رأيَه. والسَّفَهُ: الجهل.
١٣٥- (الحَنيفُ) : المستقيم. وقيل للأعرج: حَنِيفٌ؛ نظرًا له إلى السلامة.
١٣٧- ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ أي في عداوة ومُباينة.
١٣٨- ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ يقال: دينُ الله. أي: الزم دين الله. ويقال: الصِّبغة الختان. وقد بينت اشتقاق الحرف في كتاب "تأويل المشكل" (٣) .
* * *
١٤٣- ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: عَدْلا خِيارًا. ومنه قوله في موضع آخر: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ (٤) أي: خيرهم وأعدلهم. قال الشاعر:
стр. 63
هُمُ وَسَطٌ يَرْضَى الأنَامُ بحُكْمِهِمْ ... إذا نزلَتْ إحْدى الليالي بِمُعْظَمِ (١)
ومنه قيل للنبي صلى الله عليه وعلى آله: "هو أوْسَطُ قُرَيْش حسبا" (٢) وأصل هذا أن خير الأشياء أوساطها، وأن الغلو والتقصير مذمومان.
﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي على الأمم المتقدمة لأنبيائهم.
١٤٤- ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ نحوه وقَصْدَه.
* * *
١٤٨- ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ أي: قبلة.
﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أي: موليها وجهه. أي: مستقبلُها. يريد أن كل ذي مِلّة له قبلة.
* * *
١٥٠- ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: إلا أن يحتج عليكم الظالمون بباطل من الحُجَج. وهو قول اليهود: كنت
стр. 64
وأصحابك تصلون إلى بيت المقدس؛ فإن كان ذلك ضلالا فقد مات أصحابُك عليه. وإن كان هدى فقد حُوِّلتَ عنه.
فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١) أي: صلاتكم. فلم تكن لأحد حجة.
* * *
١٥٧- ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: مغفرة. والصلاة تتصرف على وجوه قد بينتها في كتاب "المشكل" (٢) .
* * *
١٥٨- ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ أي: لا إثم عليه.
﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ أي: يَتَطَوَّف. فأدغمت التاء في الطاء. وكان المسلمون في صدر الإسلام يكرهون الطواف بينهما، لِصَنَمَين كانا عليهما؛ حتى أنزل الله هذا (٣) .
وقرأ بعضهم: (ألا يَطَّوَّفَ بِهِمَا) (٤) . وفي هذه القراءة وجهان:
أحدهما: أن يجعل الطواف مُرَخَّصًا في تركه بينهما.
والوجه الآخر: أن يجعل "لا" مع "أن" صلة. كما قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ (٥) .
стр. 65
هذا قول الفراء (١) .
١٥٩- ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ قال ابن مسعود: إذا تلاعن اثنان وكان أحدهما غير مستحق للعن، رجعت اللعنةُ على المستحق لها؛ فإن لم يستحقها أحد منهما رجعت على اليهود (٢) .
* * *
١٦٠- ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ أي بَيَّنُوا التوبة بالإخلاص والعمل (٣) .
١٦٤- ﴿وَالْفُلْكِ﴾ السُّفن، واحد وجمع بلفظ واحد (٤) .
стр. 66
١٦٦- ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ﴾ يعني: الأسباب التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا.
١٦٧- ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ أي رَجْعَة.
﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ يريد: أنهم عملوا في الدنيا أعمالا لغير الله، فضاعت وبطلت.
* * *
١٦٨- ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي لا تتبعوا سبيله ومسلكه. وهي جمع خُطْوَة. والخُطْوَة: ما بين القدمين - بضم الخاء - والخَطْوَة: الفَعْلة الواحدة؛ بفتح الخاء. واتباعُهم خطواته: أنهم كانوا يحرمون أشياء قد أحلها الله، ويُحلون أشياء حرمها الله.
١٧٠- ﴿نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي وجدنا عليه آباءنا.
* * *
١٧١- ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً﴾ أراد: مثلُ الذين كفروا ومثلُنا في وعظهم. فحذف "ومثلنا" اختصارا. إذ كان في الكلام ما يدل عليه؛ على ما بينت في "تأويل المشكل" (١) .
﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ وهو: الراعي؛ [يقال: نعق بالغنم ينعق بها] ؛ إذا صاح بها.
﴿بِمَا لا يَسْمَعُ﴾ يعني الغَنَم.
стр. 67
﴿إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ حَسْبُ؛ ولا يفهم قولا (١) .
١٧٣- ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي غير باغ على المسلمين، مُفَارِقٍ لجماعتهم، ولا عَادٍ عليهم بسيفه (٢) .
ويقال: غير عاد في الأكل حتى يشبع ويتزوّد (٣) .
﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أي: ما ذُبح لغير الله. وإنما قيل ذلك: لأنه يذكر عند ذبحه غير اسم الله فيظهر ذلك، أو يرفع الصوت به. وإهلال الحج منه، إنما هو إيجابُه بالتَّلْبِيَةِ. واستهلالُ الصبيُّ منه إذا وُلِدَ، أي: صوتُه بالبكاء.
* * *
١٧٥- ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ ما أجرأهم. وحكى الفراء (٤) عن
стр. 68
الكسائي أنه قال: أخبرني قاضي اليمن: أنه اختصم إليه رجلان، فحلف أحدهما على حق صاحبه. فقال له الآخر: ما أصْبَرك على الله. ويقال منه قوله: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ (١) قال مجاهد: ما أصبرهم على النار، ما أعملهم بعمل أهل النار. وهو وجه حسن. يريد ما أدومهم على أعمال أهل النار. وتحذف الأعمال.
قال أبو عبيدة: ما أصبرهم على النار. بمعنى ما الذي أصبرهم على ذلك ودعاهم إليه. وليس بتعجب (٢) .
* * *
١٧٧- ﴿ابْنَ السَّبِيلِ﴾ الضَّيْف (٣) .
و ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ أي في الفقر. وهو من البؤس.
﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ المرض والزَّمَانَةُ والضُّرُّ. ومنه يقال: ضَرِيرٌ بَيِّنُ الضُّر. فأما الضَّر - بفتح الضاد - فهو ضِدُّ النفع.
﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي حين الشِّدَّة. ومنه يقال: لا بأس عليك. وقيل للحرب: البأس.
стр. 69
١٧٨- ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ قال ابن عباس (١) كان القصاص في بني إسرائيل ولم تكن [فيهم] الدِّيَةُ. فقال الله لهذه الأمة: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) والكتاب يتصرّف على وجوه قد بينتها في "تأويل المشكل" (٢)
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ قال (٣) قبول الدية في العَمْد، والعفو عن الدم.
﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي مطالبة بالمعروف (٤) . يريد ليطالب آخذُ الدية الجانيَ مطالبةً جميلةً لا يرهقه فيها.
﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ أي لِيُؤَدِ المُطَالَبُ ما عليه أداء بإحسان لا يَبْخَسُه ولا يَمْطُلُه مطل مُدَافِع.
﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ عما كان على مَنْ قَبْلَكُم. يعني القصاص.
стр. 70
﴿وَرَحْمَةٌ﴾ لكم.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي قتل بعد أخذ الدية.
﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال قَتَادَة: يقتل ولا تؤخذ منه الدية.
وقال رسول الله ﷺ : " لا أعافي رجلا قتل بعد أخذه الدية " (١) .
* * *
١٧٩- ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ يريد: أن سافِكَ الدم إذا أُقِيد منه، ارتدع من يَهُمُّ بالقتل فلم يَقْتُل خوفًا على نفسه أن يُقْتَل. فكان في ذلك حياة (٢) .
* * *
١٨٠- ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي مالا.
﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي يوصي لهم ويقتصد في ذلك، لا يسرف ولا يضر. وهذه منسوخة بالمواريث.
стр. 71
* * *
١٨١- ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ أي بدل الوصية. فإثْمُ ما بَدَّلَ عليه.
* * *
١٨٢- (الجَنَفُ) الميل عن الحق. يقال: جَنِفَ يَجْنَفُ جَنَفًا. يقول: إن خاف أي علم من الرجل في وصيته ميلا عن الحق، فأصلح بينه وبين الورثة، وكفَّه عن الجَنَف - ﴿فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ ، أي على المُوصِي.
قال طَاوُس: هو الرجل يوصي لولد ابنته يريد ابنته (١) .
١٨٣- ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ فُرِضَ.
١٨٤- ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي فعليه عِدّة من أيام أخر مثل عدة ما فاته.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ وهذا منسوخ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢) . والشهر منصوب لأنه ظرف. ولم ينصب بإيقاع شهد عليه. كأنه قال: فمن شهد
стр. 72
منكم في الشهر ولم يكن مسافرا فليصم. لأن الشهادة للشهر قد تكون للحاضر والمسافر (١) .
* * *
١٨٦- ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أي: يجيبوني، هذا قول أبي عبيدة، وأنشد:
وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ (٢)
أي: فلم يجبه.
* * *
١٨٧- ﴿الرَّفَثُ﴾ الجماع. ورفث القول هو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه من ذكر النكاح.
﴿تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: تخونونها بارتكاب ما حرّم الله عليكم (٣) .
﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني من الولد. أمْرُ تأديب لا فرض.
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أمرُ إباحة.
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ وهو بياض النهار.
стр. 73
﴿مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ وهو سواد الليل. ويتبين هذا [من هذا] عند الفجر الثاني (١) .
﴿عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [أي مقيمون] والعَاكِفُ: المقيم في المسجد الذي أوْجَبَ العُكُوفَ فيه على نفسه.
* * *
١٨٨- ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ أي لا يأكل بعضكم مال بعض بشهادات الزور.
﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ أي تدلي بمال أخيك إلى الحاكم ليحكم لك به وأنت تعلم أنك ظالم له. فإن قضاءَه باحتيالك في ذلك عليك لا يحل لك شيئا كان محرمًا عليك (٢) .
وهو مثل قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله (٣) " فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه؛ فإنما أقطَعُ له قطعة من النار ".
* * *
١٨٩- وقوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ قال
стр. 74
الزُّهْرِي: (١) كان أناس من الأنصار إذا أهلُّوا بالعُمْرَة لم يحل بينهم وبين السماء شيء، يتحرجون من ذلك. وكان الرجل يخرج مهلًّا بها فتبدو له الحاجة فيرجع فلا يدخل من باب الحجرة من أجل السقف ولكنه يقتحم الجدار من وراء. ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته. وكانت قريش وحلفاؤها الحُمس لا يبالون ذلك. فأنزل الله: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى) أي: بِرُّ من اتقى. كما قال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (٢) أي بِرُّ من آمن بالله.
* * *
١٩٠- ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ أي لا تعتدوا على من وَادَعَكُم وعَاقَدَكُم.
* * *
١٩١- ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي حيث وجدتموهم.
﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ يعني من مكة.
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ يقول: الشرك أشد من القتل (٣) في الحرم.
стр. 75
١٩٣- وكذلك قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (١) أي شرك (٢) .
وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ أي لا سبيل. وأصل العدوان الظلم. وأراد بالعدوان الجزاء. يقول: لا جزاء ظلم إلا على ظالم. وقد بينت هذا في كتاب "تأويل المشكل" (٣) .
١٩٤- ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ قال مجاهد: (٤) فخرت قريش أن صَدَّت رسول الله ﷺ ، عن البيت الحرام في الشهر الحرام في البلد الحرام. فَأَقَصَّهُ الله فدخل عليهم من قَابِلٍ في الشهر الحرام في البلد الحرام إلى البيت الحرام. وأنزل الله (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) (٥) .
وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ أي: من ظلمكم فجزاؤه