← Общие книги

Общие книги · id 32674

القضايا الكبرى

مالك بن نبي

Полный текст (213 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[القضايا الكبرى]ـ المؤلف: مالك بن الحاج عمر بن الخضر بن نبي (المتوفى: ١٣٩٣هـ) إشراف: ندوة مالك بن نبي الناشر: دار الفكر المعاصر بيروت - لبنان / دار الفكر دمشق - سورية الطبعة: ١٤٢٠هـ ٢٠٠٠م / ط ١: ١٩٩١م عدد الأجزاء: ١ أعده للشاملة/ العبد الضعيف الراجي عفو ربه: أبو ياسر الجزائري. [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

مالك بن نبي مشكلات الحضارة القضايا الكبرى دار الفكر المعاصر بيروت - لبنان دار الفكر دمشق - سورية

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القضايا الكبرى

стр. 4

مالك بن نبي مشكلات الحضارة القضايا الكبرى بإشراف ندوة مالك بن نبي دار الفكر المعاصر بيروت - لبنان دار الفكر دمشق - سورية

стр. 5

إعادة ١٤٢٠هـ = ٢٠٠٠م ط ١: ١٩٩١م

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ في عام ١٩٧١م ترك أستاذنا مالك بن نبي- ﵀ في المحكمة الشرعية في طرابلس لبنان، وصية سجلت تحت رقم ٢٧٥/ ٦٧ في ١٦ ربيع الثاني ١٣٩١ الموافق ١٠ حزيران (يونيو) ١٩٧١م، وقد حملني فيها مسؤولية كتبه المعنوية والمادية. وتحملاً مني لهذه الرسالة، ووفاءً لندوات سقتنا على ظمأ صافي الرؤية، رأيت تسمية ما يصدر تنفيذاً لوصية المؤلف (ندوة مالك بن نبي). وهي مشروع نطرحه كنواة لعلاقات فكرية، كان ﵀ يرغب في توثيقها. وإنني لأرجو من أصدقاء مالك وقارئيه، مساعدتنا على حفظ حقوق المؤلف في كل ما ينشر بالعربية أو الفرنسية مترجماً من قبل المترجمين أو غير مترجم. فقد حمّلني، ﵀، مسؤولية حفظ هذه الحقوق، والإذن بنشر كتبه. فإن وجدت طبعات لم تذكر فيه إشارة إلى إذن صادر من قبلنا، فهذه طبعات غير مشروعة، ونرجو إبلاغنا عنها. طرابلس لبنان ١٨ ربيع الأول ١٣٩٩هـ ١٥ شباط (فبراير) ١٩٧٩ م عمر مسقاوي

стр. 7

هذا الكتاب: بقلم: عمر كامل مسقاوي ــ نقدِّمه إلى القارئ تحت عنوان (القضايا الكبرى). لم يكن هذا العنوان من اختيار بن نبي وإنما وقع في يدنا عرضاً طبعة باللغة الفرنسية تحت عنوان ( Les grands thèmes)، أصدرها بعض تلاميذ بن نبي في الجزائر عام ١٩٧٦م، وقدّم له وعلَّق عليه الأستاذ نور الدين بوقروح بتكليف من السيد عمر بن عيسى. وحينما اطَّلعنا على مضمون هذا الكتاب باللغة الفرنسية، وخصوصاً مقدمته لفت نظرنا ذلك الاهتمام الكبير بفكر بن نبي، والذي يعكس المكانة اللائقة التي احتلتها أفكار بن نبي لدى الشباب. ثم تبيَّن لنا أن (القضايا الكبرى) هذه اشتملت على فصول خمسة: الثلاثة الأولى منها نشرت عام ١٦٦٤م باللغة الفرنسية، وترجمت تحت عنوان (آفاق جزائرية: للحضارة، للثقافة، للمفهومية). ترجمها الأستاذ الطيب الشريف، وأصدرتها مكتبة النهضة الجزائرية. أما الفصلان الأخيران، فقد صدر الرابع منهما (الديمقراطية في الإسلام) ضمن سلسلة محاضرات بعنوان (تأملات) أصدرتها دار الفكر بدمشق، والفصل الخامس صدر مستقلاًّ في كتيب تحت عنوان (إنتاج المستشرقين). وإذ نحن في صدد إعادة نشر مؤلفات بن نبي فقد أغرتنا فكرة الطبعة

стр. 8

الفرنسية التي صدرت تحت عنوان ( Les grands thèmes، القضايا الكبرى) لكي نعيد طبع سائر هذه المقالات تحت هذا العنوان، وبذلك يدخل كتاب (آفاق جزائرية) ضمنها للاعتبارات التالية: ـ[الاعتبار الأول]ـ: أن عنوان آفاق جزائرية يوحي بأنه يطرح مشكلة خاصة بالجزائر فيما هو فكر بن نبي، يتناول مشكلة الحضارة في العالم المثالث عموماً. فعبارة (القضايا الكبرى) بدت لنا أكثر اتفاقاً مع توجهات بن نبي، لأنها تشتمل على تحديد منهجي للمفاهيم التي تناولتها هذه المحاضرات المجموعة بين دفتي الكتاب. ـ[الاعتبار الثاني]ـ: أن هذه الطبعة الصادرة بالفرنسية تشتمل على المحاضرات الخمس التي تترابط فيما بينها وحدة المنهج الفكري لمالك بن نبي. إذ أنها تناولت مفاهيم الحضارة والثقافة والأيديولوجية، بما ينسجم مع طرح بنية فكرية وسلوكية تتصل بأصول الحضارة الإسلامية ومكوناتها الاجتماعية، التي شرحها في المحاضرة الرابعة تحت عنوان (الديمقراطية في الإسلام). ثم جاءت هذه المجموعة تتحدث عن المدى الذي صاغته الحضارة الغربية في تكوين الفكر والثقافة في مجتمعنا الحاضر عبر (إنتاج المستشرقين). وبذلك ترتسم فكرة بن نبي في تحديد مشكلة الحضارة التي لابدّ لنا في حلِّها من أن نطرح القضايا المرتبطة بفعالية البناء، وأن نُقَوِّم جهود المستشرقين الذين ألهموا فكر النخبة فينا، ونضعها في إطار الصراع الفكري الذي من خلاله تعامل العالم الاستعماري مع العالم المثالث، تعامل استغلال لموارده واسترخاء في إرادته. ـ[الاعتبار المثالث]ـ: أن الطبعة الفرنسية اشتملت على تقديم يشير بوضوح إلى

стр. 9

نضوج فكر بن نبي في مدارك الشباب الجزائري المثقف، وذلك مؤشر لابدّ من دفعه إلى المدى الذي يؤهل فكر بن نبي ليكون منطلق الفكر والرؤية في جيل الشباب الذي لا يزال منغمساً في فوضى الاتجاه وضبابية الرؤى وابتسار الحلول. فالمقدمة التي وضعها الأستاذ بوقروح قد طرحت المشكلة في عمقها الحاسم، ومن أجل بناء رؤية تعيد صياغة فكر النهضة عبر جيل لا يستطيع أن يتجاهل طويلاً كما قال الأستاذ بوقروح مالك بن نبي. وأمام هذه الرؤية التي طرحها مقدِّم الكتاب والمعلِّق عليه نجد لزاماً، أن يطّلع القارئ العربي على هذه الآفاق التي تضع فكر بن نبي في موقعه الملائم. ـ[الاعتبار الرابع]ـ: إزاء هذه الاعتبارات رأينا من المفيد للقارئ العربي أن يدرك المرامي البعيدة التي طرحها بن نبي في مختلف كتبه، والتي تتمحور حول محور واحد هو مشكلة الحضارة، وقد تضافرت في هذه المحاضرات الخمس حيث ألقيت الثلاثة الأولى منها في الجزائر عام ١٩٦٤م، إثر عودته إليها بعد الاستقلال مفعماً بالأمل في بناء دولة الاستقلال بعد أن تحقق استقلال الدولة. ولا نحب في هذه المقدمة أن نشير إلى الإحباط الشديد الذي أحاط ببن نبي حين ساهم كمدير للتعليم العالمي في الجزائر، مما نجد صداه في مجموعة المقالات التي نشرها في مجلة ( La révolution africaine) خلال عقد الستينات كما نجده في كتبه التي صدرت في تلك الحقبة، وبالخصوص كتاب (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي). لكننا وأمام هذا التجاهل الذي كان الأشد على نفسه، نرى في بادرة الشباب الجزائري عزاء لفكر بن نبي الذي لا يزال لاعتبارات تتصل بالصراع الفكري في البلاد المستعمرة يُسام الإغفال من مخططي الثقافة ويُلقي على فكره ستارٌ كثيفٌ يحول بين الأجيال والمنهج الفاعل في بناء نهضتها.

стр. 10

مالك بن نبي وقد مضى على وفاته سبعة عشر عاماً لا يزال يفتقده شبابنا المعاصر في ظلمة الشتات الفكري، ولكننا نرقب في هذه الظلمة أشعة اهتمام وإعجاب نراها في بعض المقالات والدراسات، وإن كانت لم تشكل حتى الآن تياراً فاعلاً في خطى المستقبل. ففكر بن نبي لا يزال ينادي الجيل من مكان بعيد، لكنه يقترب رويداً رويداً كلما استفحلت في عالمنا الهزيمة. فما كان غريباً على فهم القارئ من طروحات بن نبي في زمن الرومانسية المتفائلة التي ضجّ بها عالمنا منذ الخمسينات، بدا اليوم أقرب إلى إدراك الجيل، الذي أطبقت من حوله الآفاق وبات وجهاً لوجه أمام مخاطر الاجتياح الإسرائيلي، والتخلي العالمي عن قضاياه، في ظل التوافق الدولي. فبِنْ ني إذا كنا قد جحدناه في حياته أباً يرسم لنا شروط النهضة الفاعلة المستلهمة خطى الحضارات وتعاقبها؛ فإننا وكلما أفلسنا بالشعارات الرائجة في سوق العالم الغربي المعاصر نقترب من ذلك اليوم الذي يثرينا ميراثه بفعالية الإنجاز وسلامة الاتجاه. هذا الكتاب الذي يضم مجموعة محاضرات نشرت ثلاث منها في كتاب (آفاق جزائرية)، يحتوي على سائر المقدمات والتعليقات التي تضمنها ذلك الكتاب ترجمة (الطيب الشريف)، ثم إنه يحتوي على سائر المقدمات والتعليقات التي تضمنتها الطبعة الفرنسية التي يأتي هذا الكتاب ترجمة لها. وسوف نشير إلى تعليقات آفاق جزائرية التي نوردها أولاً، ثم نردفها بتعليقات الطبعة الفرنسية بإشارة ط. ف أي الطبعة الفرنسية. وإنني أشكر الدكتور بسام البركة الذي قام بجهد كبير في ترجمة تعليقات الطبعة الفرنسية وساهم في تحقيقها. طرابلس ١٩ رمضان ١٤١٠هـ ١٤ نيسان ١٩٩٠م عمر مسقاوي

стр. 11

مقدمة الطبعة الفرنسية ترجمة عمر كامل مسقاوي ــ كان جيلي في الثانية عشر من العمر حين أزف الاستقلال. واليوم إذا كان لم يعد على مقاعد الجامعة فهو مع ذلك يستفيق كل صباح على صوت النفير ليقدم التحية في وقفة انضباط، للعلم الوطني ساعة رفعه. وإذا كان لم يعد في المدرجات، أو في ثياب العمل، يُصَادَفُ في المصنع، في حقل، أو هو منتظم لِتَوِّه في مشروع عام؛ إلا أنه حيث يوجد، فهو يعبر عن قوة الإرادة في الجزائر، يتعلم فن العيش في حياة وطن، وهو ممتلئ بالتعاون. إنه الآن جاهز لحمل رسالة. عبر الماضي وفي أماكن أخرى من المعمورة أعطيت أجيال أخرى منحة نادرة، ساقتها العناية الإلهية المسيِّرة للعالم، حين جاءت إلى الوجود في اللحظة التي يبدو فيها أن شيئاً ما مخيفاً، يأتي ليزحزح مركز الاستقطاب والثقل، في توازن النشاط الإنساني في العالم. تلك فرصة فائقة أن تجد نفسك بين الأحياء في اللحظة الحاسمة حين تستعد الإنسانية لتشهد تجديداً، ولادة ثانية كالتي عرفت في منعطفات التاريخ حين تتوارى سريعاً حضارة لتظهر من جديد حضارة في حلّة جديدة. لطالما قيل، إن هنالك الإنسان وليس الإنسانية. ولمزيد من الإيضاح،

стр. 12

ففي ظل الإمبراطورية الرومانية مثلاً، فالإنسانية لم تكن جميع الشعوب المعروفة، بل النخبة المنتقاة. وبالطريقة نفسها في القرن التاسع لم يكن للإنسانية مفهوم غير ذلك الجزء الإنساني المثبت في الإطار الإسلامي. وهذا ما يفسِّر لنا أنه وحتى يومنا الحاضر حين نستدعي معنى الإنسانية نفكر في الجزء الشمالي من البسيطة وليس في القبائل الأسترالية. فالناس- الجنس البشري- لم يجتازوا يوماً كتفاً بكتف مختلف مراحل التاريخ العالمي. وظلام القرون الوسطى لم يكن شاملاً العالم كله. والقرن العشرون ليس قرن الفضاء لسائر الشعوب. والشعوب لم تصعد مجتمعة أية درجة. وهي لم تكن جميعها في العالم كله وفي وقت واحد في العلاء. القرن الحادي والعشرون، ربما كان هو الذي سوف يستطيع أن يستعمل كلمة إنسانية، التي لم تكن تشير حتى يومنا هذا، إلا إلى جزء يسير في الغالب مم المجموع الإنساني المسمى (حضارة)، بيد أن ذلك مشروط مسبقاً بقدرته على محو الفروقات النفسية والثقافية، فضلاً عن التقنية. تلك الفروقات التي ما زالت تجعل الإنسان يضع قدماً في القمر، وأخرى في جزيرة مجهولة. ... إن جيلي سيكون من أولئك الذين لا يعدهم حصر. والذين سيختمون الألف الثاني من التقويم الذي تعتمده مختلف الدول الحديثة. اختتام ألف عام!! دون أي ارتباط، أو علاقة، أو صلة، بذلك الهذيان التهديدي للألفية، فإن لدينا يقيناً مؤسساً على مؤلفات تتمتع بنفوذ معترف به، وعلى إرهاصات

стр. 13

الحضارة السائدة، يسمح بالتأكيد على أنه منذ الآن وإلى عام ألفين ستحدث تحولات عميقة على مستوى الشعوب، تؤدي لتجديد في أنماط حياة الإنسانية في داخلها كما في خارجها. وإلى أن يحين هذا، فإن الظّن بأن تغييراً أو انقلاباً يحدث حتماً بطرفة عين، وفجأة في ساعة الصفر صبيحة عام ألفين هو تفكير صبياني. معطيات هذا الانقلاب، هي في التطور التاريخي الذي بدأ منذ زمن ليس بقصير. فهل أدرك ذلك جيلي والذي سيعقبه والسابق عليه؟ إن عصرنا، يبدي كل أمارات الإرهاق، والانحلال البطيء. لكن في بعض أجزاء من كوكبنا قوى جديدة تتوقع تنتظر، وتعمل على سدّ الفراغ عبر أجهزة نفسية معاصرة ابتدعتها عبقريتها. وهذا ما يحدث بشكل رئيسي في الصين، وفي العالم المثالث، حيث الجزائر تحتل المركز الذي أهلتها له مواهبها أو إنجازاتها. إن عصرنا كما قيل، هو عصر مِفْصَل. إنه الوقت الملائم للتغيير، للثورة على الصعيد الكوني. وأمامنا، كما هو أمام سائر القوى، التي أشرنا إليها أمران حسب تعبير بن نبي لا ثالث لهما: رسالة أو خضوع. ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٤٧/ ٣٨). وخطاب القرآن الكريم هذا موجه إلى الشباب المسلم، العربي، شباب العالم المثالث، فمجموع الطاقات الجديدة هي التي ينبغي عليها أن تعيد من جديد صنع عالم مُهان مُذَل، في ظله لم تعش الإنسانية يوماً موحدة وكلية. لقد سقط الغربما، إذ بدلاً من أن يستجيب للخطاب الإنجيلي القائل:

стр. 14

((لقد جعلتك لتكون نور الأمم، لتحمل الخلاص حتى أطراف الأرض)) (أعمال الرسل: ١٣ - ١٤). إذا به يبنى فوضى كونية حاملاً الحرب والعبودية والاستغلال إلى أقاصي المعمورة. وها إن أبناءه انتهوا إلى لعنه، والهروب منه، وتدميره مؤكدين نبوءةٌ أخرى للإنجيل ((سيكرهون بعضهم بعضاً. بسبب الفظائع التي ارتكبوها ولسبب سائر خطاياهم)) (قزحيا: ٦ - ٩). الغرب يموت، لكن بغير توبة ضمير، فها هي أميركا الكبرى تتهاوى تحت ضربات موجهة إليها من الداخل من (الشباب الغاضب)، من السود، ومن الرأي العام الذي يطرد رئيسا غير نزيه، ويمنى بالهزيمة في فييتنام. أما أوروبا، فلم تعد سوى ظل نفسها فهي قد سقطت من الزمن. إن قارِعَ منتصف الليل يقترب في الظلام. ... يحدث أكثر من مرة في حوليات الفكر، أن رجلاً عظيماً يمر وهو شبه مغمور في زمنه؛ نيتشه عرف الإهانة حين نشر مؤلفاته على نفقته. بينما مرت ستة قرون قبل أن يعترف لابن خلدون كأب لفلسفة التاريخ (بعض الطروحات تدعي عكس ذلك، إذ تعتبره أباً لعلم الاجتماع، ونحن لا نعتقد ذلك، لأننا نرى فيه، وإن كان أول عالم اجتماع أكثر من عالم اجتماع. فهو المنشئ للتوقع والرؤية المسقبلية). وفي بعض الأحيان فإن مجرى الأمور في عالمنا يؤدي إلى ظلم وإجحاف كبيرين عندما لا يبدو الفكر العالمي يستأهل بصورة مؤكدة التمجيد بعد الموت.

стр. 15

سنوات، عقود، بل قرون يمكن أن تمر قبل أن تأتي مصادفة سعيدة تنفض عنه غبار النسيان. وهكذا نرى، أن العبقرية الإنسانية تهيم طو يلاً قبل أن تكتشف حصاداً تركه واحد من أبرز وجوهها. أوَلم تأخذ به علماً من قبل؟ ... إن جيلي يحب أن يدرك بأنه سادر في التنكر للمفكر الوحيد، ذي المدى العالمي الذي لم تنجب مثله الأرض الجزائرية. فأولئك الذين هم من أبناء جيلي، وبالطبع من أبناء الأجيال الأخرى، الذين يبذلون أنفسهم للبحث من أجل تكوين الفكر الجزائري لم يعد باستطاعتهم أن يتجاهلوا (مالك بن نبي) أكثر من ذلك. وليس المكان هنا لإعطاء نبذة عن حياته، أو حتى القول بدقة ماذا يمثل بن نبي بالنسبة لمختلف التيارات الفكرية العالمية. ولن يستخفنا المقام، لكي نعتبر أنفسنا مؤهلين في الوقت الحاضر إلى إحلاله في المقام الذي يعود إليه بين ابن خلدون، وهردر، وبوخار، وشبنجلر، وتوينبي، وباقي المفكرين والفلاسفة في هذا الوجود. يكفينا أن نلفت الانتباه، إلى أنه من الضروري لكي نفهم الأعمال (البنابية) محتواها وتوجهاتها، أن ندرس بعناية المؤلفين الذين أشرنا إليهم هنا وفي الشروحات اللاحقة والتعليقات. ليس هذا سوى إشارة أولى. فالمطلوب عمل وبحث، بكل معنى الكلمة من أجل أوسع معرفة حول مصائر مختلف المجتمعات والحضارات المعروفة.

стр. 16

فعندما نستذكر بن نبي فهذا يعني أننا نتكلم عن معنى الوجود، عن فن بناء الأمة، عن مستقبلنا التاريخي، فن بناء مفهوم الإنسانية في نهاية القرن ... هذه الطبعة (القضايا الكبرى) لا تعني أننا بدأنا بأهم أعمال بن نبي بكل معنى الكلمة. فالموضوعات التي عولجت في هذا الكتاب لا تشكل في الواقع، سوى الجزء اليسير من إنجاز بن نبي. فليس هنا سوى بعض النصوص، محاضرات ألقيت في الأصل في الجزائر وفي الخارج. وقد اعتقدنا أنه من المفيد أن نضيف إليها شروحاً لبعض النقاط. لأن ذلك يضيء لقارئ بن نبي لأول مرة، ويرفده بالعناصر الوثائقية الملائمة لمزيد من البحث الجاد. ولسنا بحاجة لأن نضيف، بأننا نأمل ألا نكون قد شوهنا فكر طبيبنا طبيب الحضارة، حين نعطي تفسيرات قد تكون خاطئة، أو نقحم فيه تعليقات في غير موضعها، أو نخضعه لمقارنات تحكمية. هذا أكثر ما نخشاه. أما فيما تبقى، فنحن أول من يدرك أن عملنا لا يخلو من قصور، وعلى كل فإن ما كتبه بن نبي هو وحده المهم. ... الآن، لا بد للقارئ أن يعرف من كان وراء هذا العمل، مشروع طبع الأعمال الكاملة لمالك بن نبي. إنهما صديقان هما عمر بن عيسى، وعبد الرحمن بن عمارة، اللذان يكنان الإخلاص لبِنْ نبي ويمحضانه جهودهما، وهما بذلك يعطيان المثل لجيل باحث في العمق، في الطابع الثقافي لبناء وطننا.

стр. 17

إنني أحييهما، وأشكرهما على ما أولياني من شرف القيام بمهمة دقيقة هي تقديم ثمرة من ثمرات والتعليق عليها. إذ كيف يمكن أن نرى في هذا العمل، غير المهمة التي تكشف للجيل الصاعد الروح التي تضع الجزائر في رؤية عليا للتاريخ، في أفق عالمي يتمازج مع الاتجاه الشامل للعالم. نور الدين بوقروح

стр. 18

الإهداء ... إلى الأمير عبد القادر إلى البطل الأُسطوري للملحمة الوطنية الذي يجسّد شخصُه، في فترة فاجعة من تاريخنا، مصيرَ: وطن، وثقافة، وحضارة ... مالك

стр. 19

مقدمة بقلم الدكتور: عبد العزيز خالدي ــ في سنة ١٩٣٩كانت الجزائر تعلم أن المقامرة على مصير العالم ستجري في ذلك الصدام الذي كان على الأبواب آنذاك. ولكي يعلم الوضعية التي تكتنف مصيره الخاص، كان الشعبُ يتتظر كلمةَ الأمر من مُسَيِّريه. ولكن (زعماءَنا) كانوا أكثر تعلُّقاً بما يُحَاك داخل: (كهف علي بابا) (١)، من الاهتمام بالطفرات التي كانت تَعْتَمِلُ في أعماق الوعي الشعبيِّ. فقد تُرِكَ الشعب وشأنه إلى الإدارة، حتى يُقَدَّم كَمُحْرَقَةٍ لِفُوهاتِ المدافع. ولقد أراد الاستعمار أن ينتهز الظروف لكي يضع أقفال ضمان أُخرى يغلق بها وعي (رعاياه). وعند نزول الحلفاء في الثامن من نوفبر (تشرين الثاني) سنة ١٩٤٢م، بينما كان جميع الطامعين في النفوذ يتآمرون بالجزائر العاصمة، لم تبدر أقلُّ حركة عن أيِّ شخص من (مُسَيِّرينا). ولكن العاصفة التي اجتاحت العالم، طوال حمس سنوات كانت قد فككت مفاصل الأقفال.

стр. 20

فقد كان الشعب الجزائري الذي احتفظت ذاكرتُه ببعض نُبَذٍ من التصريحات المغرية التي صدرت زمن الحرب، واعياً لمصيره. ولكي يُنْسيه تلك التَّصريحات، عمد الاستعمار إلى إغراقه في حَمَّام من الدِّماء، وغَمْسِه في محفل خليع من الانْتِخابات المضلِّلَة التي كان يرمي من ورائها إلى صرف الجماهير الجزائرية عن وجهتها، وإلى تقديم بديل خادع للخارج، يجعل الرأي الدُّولي المتواطئ أو السيِّئ الاطِّلاع، يعتقد أن الجزائر كانت تُقْبِلُ على عهدٍ ديموقراطيٍّ تحت رعاية الوالي نجلان ورينه مايير ( Le gouverneur Naegelen et René Mayer) . ولكنها كانت ساعة التحدي المنقذة التي أرغمت الشعب الجزائري على أن يمتلك ذاته لكي يجد نفسه من جديد. فقد فهم أنه يتعين عليه لكي يتخلص من عهد يسوده الالتباس و (البوليتيك) (١)، ويبرز إلى وضح النهار، أن يستعيد القيم التقليدية التي انبنى عليها تاريخه حتى سنة ١٨٣٠ (٢). وكان ذلك يقتضي أن يوجد العقل الموضوعي الذي يستطيع تحرير هذه التقاليد من ارتهانها ((لأوشاب ما بعد عهد الْمُوَحِّدين)). لقد قام الشيخ بن باديس ومدرستُهُ بجهد محمود في هذا الاتجاه، وإن كانا لم

стр. 21

يحقِّقا ذلك التَّحرُّر تحقيقاً تامّاً، لأن طريقة سيرهما قد ظلت رهينة لكل من علم الكلام والمغيَّبات. وكان كتاب (شروط النهضة) يمثل أوَّل جهد لعقل مسلم يستعيد (للإسلام) معناه التاريخي، لأنَّ الإسلام يتكامل ضمنه مع تركيب متآلف وأساسي للإنسان، والتراب والزمن. ولقد أدرك الاستعمارُ أكثر من ساستنا، القيمة الثورية لهذا التعبير الجديد عن الإسلام؛ ويقتضينا الواجب أن نضيف إلى ذلك أنه أقدم على عمل جريء لكي لا يجد هذا التصوُّرُ طريقه إلى الوعي الإسلامي. فالمحاضرات الثلاثة المنشورة هنا تشكِّل كُلاًّ متكاملاً، كما تُسَجَّل ضمن اهتمامات المؤلف منذ حوالي عشرين سنة. وهي تأتي في وقتها المناسب لتسدَّ ثغرة في سياسة جزائريَّة تزحمها المشاكل العاجلة وتجعلها تُضيع من هنا بالذات كل فعَّاليَّتها. ذلك أن السياسة لا يمكنها أن تغيِّر مصير مجتمع معين ما لم يتم تحديدها في كنف تصوُّر عام للعالم باعتبارها التعبير العيني الملموس لثقافة حضارة مُرتَسِمة على مُخَطَّط تعبئة ( Tactique) واستراتيجيَّة وطنيَّتَيْن. وغداة انعقاد مؤتمر جبهة التحرير الوطني، أُريد أن أُلِحَّ في هذه المقدِّمة على أهمِّيّة المشكلة المفاهيميَّة، لأن: ((المفهوميَّة، ليست مجرد مجموع أفكار شتيتة، ولكنها مُسَيَّرَةُ الطاقات، والسَّهم الذي يُعَيِّن للجماعة طريقها في التاريخ)). بينما نحن نعلم منذ الاستقلال أننا نمتلك برنامجاً: هو برنامج طرابلس، ولكننا لا نمتلك مفهومية. وهذا الفراغ الذي يشغل ويحيِّر الوطنيِّين الواعين، يشبع مطامع بعض المفاميِّين المشردين من أوطاضهم ( Cosmopolites) من

стр. 22

الدُّخلاء الباحثين عن أرض موعودة. وإننا لنجد من بين هؤلاء (الثوريِّين!) أولئك الحانقين الذين كَبَوا في اللحاق بموكب الثورة في بلدانهم وأُولئك المنتجعين لِلْكَلأ ( transhumants) (١) ، الذين ليسوا من هنا ولا من هناك، والذين نجدهم يتسلَّلُون في بلادنا إلى كلِّ مكان (٢) وهناك أيضاً الذين يتباهون بالنجاحات المشهودة لبعض النظم الاشتراكية المعينة ولكنهم لا يأخذون في اعتبارهم حساباً للحقائق الواقعيَّة الجزائريَّة بما فيه الكفاية. وإذن فالْخَطر يتهدَّدنا في عقر دارنا، ولذا يجب علينا أن نُفْهم الآخرين وَنُفْهِم أنْفُسَنا أن مفهوميَّة شعب ما لا يمكن أن تُصاغ إلا من طرف الآدميِّين الذين شكَّلت جِبِلَّتَهُمْ أحداثُ تاريخ هذا الشعب. ويزداد إلحاح ضرورة المفهوميَّة بقدر ما تشغل الجزائر مكانة خاصة في (المغرب)، والعالم العربي، وأفريقيا، وفي العالم الكادح. فقد اجتذب بالأمس النضال البطولي للشعب الجزائري تياراً ضخماً من التعاطف. واليوم أصبح العالم مُنْتَبِهاً لرسالة الجزائر الجديدة. وهذه الرسالة يجب أن لا تَتَنكَّر لتضحية شهدائنا، ولا أن تخيِّب رجاء معاصرينا.

стр. 23

وأخيراً وبالنسبة إليَّ وأنا أُقدِّم اليوم كتاب (آفاق جزائريَّة) فإنني لا أنسى أنني كنت قد قدمت بالأمس، منذ ستة عشر عاماً، كتاب: (شروط النهضة)؛ فها هنا يقوم استمرار موصول للصداقة وللفكرة. وذلك أمر جدير بالتَّنويه عبر صروف الدَّهر وتقلُّبات الأزمان؟ ... الدكتور عبد العزيز خالدي الجزا ئر العاصة في ١٥ مارس (آذار)

стр. 24

توطئة أيها الرفيق! ها هي ذي الساعة التي يتسلل فيها شعاع الفجر الباهت بين نجوم (الشرق)! كل ما هو مقبل على الصحو، قد بدأ ينتفض ويرتعش داخل خمول الكرى وأطماره ... قريباً ويشرق (الكوكب المثاليُّ) على كدحك الذي بدأ في السهل، حيث لا تزال المدينة التي هجعت بالأمس ... نائمة! ستحمل الأشعة الأُولى للنهار الجديد، بعيداً جدّاً ... أبعد من خطاك ... ظلَّ عملك المقدَّس في السهل الذي تبذر ... وسيحمل النسيمُ الذي يهبُّ الآن، البذارَ الذي يذرّهْ يمينُك أبعد من ظلّلك ... أبذر يا أخي الزارع! في الأُخدود الذي يمتدُّ بعيداً ... من أجلِ جيلٍ قادم ... ها هي بعضُ الأصوات قد ارتفعت! ... الأصوات التي أيقظتها خطواتُك، عندما كنتَ تغدو بالحاضرة إلى كدحك المبكِّر. فهؤلاء الذين استيقظوا بدورهم، سيلتحقون بك بعد حين ... غَنِّ يا أخي الزارع! لكي تحدُوَ بأُنشودتك الْخُطَى المقبلة في غبش الفجر، نحو الأُخدود الآتي من البعيد ...

стр. 25

وليرتفع نشيدك الطروب، كما ارتفع نشيد الأنبياء قديماً، عندما كانوا يغنُّون أشعاراً أُخرى، في تلك الساعات الملائمة التي تولِّد الحضارات ... ولتُدَوِّ أُغْنيتك! أقوى من الجوقة الصاخبة التي يعلو ضجيجها هناك ... فها هم قد أخذوا الآن ينصبون بباب المدينة التي بدأت تستعيد يقظتها، سرادق سوق الملاهي مع مسلّياتها، لتلهِية واحتجاز هؤلاء القادمين صوب خطاك ... لقد أقاموا الجحوش والمنصَّات من أجل المشعبذين والبهلوانات، حتى يغطي عجيجهم على نبرات حدائك ... ولقد أوقدوا المصابيح الخادعة، حتى يحجبوا بها النهار المقبل، ويلفُّوا شبحك بالقتام في السهل حيث تسير ... لقد زيَّنوا الوثن لكي يحقِّروا الفكرة! ولكن الكوكب المثاليّ يواصل سيره الذي لا ينثني. وهو لا محالة سيضيءُ قريباً انتصار الفكرة وأُفول الأوثان، كما تمَّ ذلك بالأمس في (الكعبة). مقتطفة من كتاب (شروط النهضة الجزائرية) سنة ١٩٤٨

стр. 26

١ - مُشْكِلَةُ الْحَضَارَةِ محاضرة أُلْقِيَتْ (باللغة الفرنسية) في الجزائر العاصة بتاريخ ٩/ ١/ ١٩٦٤ ــ

стр. 27

في بعض المنعطفات المعينة من التاريخ، يتعين على المجتمع أن يعرف بأي تقويم (أو ميزانية) ينخرط في إحدى المراحل الجديدة. ومن هنا يجدر بنا أن نتساءل: أين كُنَّا غداة الأوَّل من نوفمبر (تشرين الثاني) سنة ١٩٥٤؟! فقد وُلِدَتْ أجيالٌ جزائريَّة عديدة وسط الضباب الذي يُغَشِّي المجتمعات التي تضعها بعضُ الظروف الفاجعة على هامش التاريخ. وداخل الضباب يكون من العسير على الإنسان أن يشُقَّ له طريقاً معيناً، حق لَيَنتَهِيَ الفرد نفسُه إلى فَقْدِ الصِّلة مع المجموع ومع الجماعة، الأمر الذي يُفْضِي إلى تَقَوُّضِ شبكة الصِّلات الاجماعية على هذا المنوال. فالجزائريُّ الذي وُلِدَ ضمن هذه الشروط لم يكن شيئاً آخر سوى مجرد فرد: أي كائن معزول عن جماعة وُضِعَتْ على هامش التاريخ من جراء (القابلية للاستعمار) ( Colonisabilité) (١) كما أصبحت مفكَّكة الأوصال بفعل الاستعمار حتى لقد كان يُشْبِهُ الفردَ الذي تَبَقَّى على قيد الحياة بعد نوع بشريٍّ مُنْقَرِضٍ عقب كارثة جيولوجية.

стр. 28

وكانت الفاجعة التي يَعِيشُها تُشْبِهُ فاجعةَ حيوان (الماموث) الأخير ( Mammouth) المتبقي من العصر الجليديِّ الأوَّل، تائهاً عبر البراري المتجمِّدة وغير الرحيمة، التي كان لا يعثر فيها على قوته.

стр. 29

وكان الشعب الجزائريُّ يعيش في بلاد سُدَّ فيها المستقبل أمامه، حيث كان الفرد يولد والتشاؤُم يملأُ أعماقه وروحه، لأنه كان يفقد الدوافع الوجودية الباعثة التي تتيح للإنسان أن يُكَرِّسَ نفسَه للحياة أو الموت من أجل شيءٍ معيَّن. ففي المرحلة التي سبقت عَهْدَ اسْتعمار الجزائر، اكتفى الإنسان بمجرد الحياة الخاملة، واختلق له، لكي يُغالِطَ نفسَه بالنسبة إلى وضعه البائس، ضروباً من التَّعِلاَّت الصوفيَّة الكاذبة كان يُقِيمُها مقامَ الدَّوافع المعلِّلَة. ولقد تكفَّلت النزعة المرابطيَّةُ بمَدِّهِ بتلك التَّعِلاَّت مقابل ثمن منخفض أو مرتفع لِتَصْرِفَه عن ماضيه، وحاضره، ومستقبله. ثُمَّ ضاعف الاستعمار من خطورة هذه الوضعية، جاعلاً من الإنسان مجرد (شيءٍ) من جملة أشيائه، كما جعل من النزعة المرابطية جهازاً للإرسال مُضْطَلِعاً بإيصال توجيهاته إلى الشعب، بعد تحويلها إلى دوافع جديدة مطابقة لِمَرامِه.

стр. 30

وبعد الحرب العالمية الأُولى فحسب، استطاع الشعبُ الجزائريُّ أن يخرج من مرحلة ما قبل التاريخ المتَّفِقَة مع ما بَعْدَ عَهْدِ الموَحِّدين، لكي يَدْخُلَ إلى عالم القرن العشرين. فالحركة الإصلاحية، والحركة الوطنيَّة، قد ظهرتا إلى النُّور في هذه الفترة بالذات. وقد بدأت غشاوَةُ الأوشاب التي سادت ما بعد عهد الموحدين، في الانْفِراطِ والتَّفَتُّت، تحت تأثير جُهْدِ هذا النشاط الأخلاقيِّ والسياسيِّ المزدوج، الذي حرر الوعي الجزائريّ، وردَّه إلى جادَّة التّاريخ. كما بدأ تاريخ النهضة الجزائرية، في هذه الفترة بالذات، مع تزايد الضَّغْط الاستعماريِّ الذي كان يرمي إلى استبقاء الطاقات المستيقظة تحت مراقبته. فالتناقضُ الانفجاريّ الذي أدْخَلَ الجزائرَ إلى حيِّزِ الأزمنة العصريَّة، قد بدأ تاريخه من هذا الصِّدام القائم بين شعب اسْتَأْنَفَ سَيْرَه في الطريق، وإدارَة أجْنَبِيَّة كانت تعمل على إعاقَةِ هذا السَّير، باسْتِبْقائِها لضباب الاستعمار والقابلية للاستعمار ومحافظتها عليه. وكان هذا الصِّدامُ يقتضي أن يؤول بصورة حَتْمِيَّة إلى: الثَّورة؛ للنَّشاط المسلَّح لشعب مصمِّم على تقويض الحواجز التي تَسُدُّ مستقبلَه، عازمٍ على الخروج من مرحلة القرون الوسطى مهما كان الثَّمن. ولقد مَزَّقَ هذا النشاطُ الضَّباب الذي رانَ عليه، وإن كان لم يُزِحْهُ عنه إزاحةً تامةً، حيث تَبَقَّتْ على الطريق بعضُ الكَوْمات من هذا الضباب تُغَشّي آفاقَنا حتى هذا الحين.

стр. 31

بينما تستدعي المشاكل التي خلَّفَها لنا العهد الاستعماريُّ، والتي تَنْضافُ إليها مشاكل عهد الاستقلال، توفُّرَ كلِّ الوضوح الوضيء، الضروريِّ لحلولها. وضمن هذه الشروط بالذات، يواجه الجيلَ الراهن، من خلال نفس المشروع الثوري الذي يضطلع به، السؤالُ الرئيسي التالي: - ما هي الحضارة؟ ... ونحن عندما نضع هذا السؤال، ربَّما خامرتْ ذِهْنَنا آهتاماتٌ مختلفة قد يكون من بينها اهتمامُ المختصِّ في عِلْمِ الإنسان ( Anthropologue)، الذي يمثل لديه: (كلُّ شكل من أشكال التنظيم للحياة البشريَّة)، في أيِّ مجتمع من المجتمعات النَّامية أو المتخلِّفَة، نوعاً معيَّناً من الحضارة. وهذا الاستعمالُ لاصطلاح الحضارة، أوسعُ بكثير من نطاق الموضوع الذي نهْتَمُّ به، لا سِيَّما في بلاد مُنْهَمِكَةٍ - على وجه الدقة- في النِّضال ضدَّ مصاعب التخلُّف. فإذا كان شكلُ الحياة الذي وَرثَتْهُ هذه البلاد عن عهد القابلية للاستعمار والاستعمار، يُمثِّل (حضارة)، فإن السؤالَ الذي طرحناه سابقاً يصبح سؤالاً زائداً وبلا طائل ... بينما يظل هذا السؤال قائماً بالنَّظر إلى المشاكل التي تُواجِهُنا، وذلك باعتباره على الأقلِّ دعوةً تَسْتَحِثُّنا للبحث لها عن حلولها. ومن هنا يتعين علينا المزيدُ من تضييق حَيِّزِ موضوعنا، وإن كان هذا يتمُّ في نطاق اهتهامنا بامتلاك أداةٍ لعمل فعّال، وطريقة تزيد في تمكيننا من الهدف الذي نرمي إليه بحيث تضعه في مُتَناوَل وسائلنا الحقيقية، أكثر مِمَّا يتمُّ في نطاق اهتمامنا باستكشاف وإبراز حقيقة جديدة. ولكي نزيد في توضيح موضوعنا، نقول: إن المسألة

стр. 32

تنحصر في عمل شعب قام بإنجاز ثورته لكي يقذف بالمحتلِّ خارج حدوده، وهو يريد أن يُرْسِيَ داخل هذه الحدود، نظاماً عامّاً، وشكلاً من الحياة يمكن فيهما لكلِّ جزائريٍّ أن يجد كلَّ الدوافع وكلَّ الضَّمانات الضروريَّة لوجوده. - فهل هو يمتلك وسائل تحقيق هذه الغاية الطموحة؟ ... هذا هو السؤال الذي يفرض علينا تعريفاً أكثر انْضِباطاً للحدود التي وضعنا المشكلة في نطاقها. وإذن فالمسألة لا تتَمَثَّلُ هنا في اكتشاف حقائق جديدة، متعلقة بعلم الإنسان، وإنما تتمثَّل في تسليط الضوء بقدر الإمكان على الطريق المؤدية إلى الهدف المقصود، وفي الإشارة إلى مخرج من المصاعب الراهنة، وذلك باستفادتنا من سياسةٍ سبق لها أن قامت بصياغة آختياراتها، ومن الدلائل المتعلِّقة (بعِلم اجتماع) لا يُغْفِلُ المعطيات الخاصة بوضعيتنا الراهنة، أو بشروطنا الموضوعيَّة كما يُقال. - فما هي هذه الشروط؟ ... لقد أراد علم الاجتماع الذي كرَّس نفسَه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لدراسة قضايا العالَم الكادح ( Le tiers-monde) أن يطلق على مجموع مشاكل هذا العالم مصطلَحَ: (التَّخلُّف). ولا ريب في أن هناك ميزةً منهجيَّة معينة، في عملية تخفيض عدد هذه المشاكل بالرجوع بها إلى الوحدة التي تمكّننا من تركيز وسائل التفكير العقليِّ بدلاً من تشتيتها، وهذا في صورة ما إذا لم تُؤَدِّ بنا عمليَّةُ التَّخفيض تلك- على غير علم منَّا- إلى التَّغيير من طبيعة المشكلة، وبالتالي إلى تغيير طبيعة النتيجة النَّظريَّة، التي يجب أن تجد ترجمتها في عمل اجتماعيٍّ حقيقيٍّ، يتناول معطيات عينيَّة

стр. 33

ملموسة، كما يجب أن تُسجَّل ضمن برنامج واتِّجاه سياسة واقعيَّة، واعِيَةٍ لأهدافها، مدركة لوسائلها. وفي مراعاتنا لذلك الاحتراز وهذا المقصد، يكون من المشروع بالنسبة إلينا أن نتناول موضوعَنا تحت زاوية (التخلُّف)، حيث لا نفهم من هذا المصطلح معنى التفسير أو النَّتيجة لتحليل مشاكلنا، ولكن باتِّخاذنا له كمجرد تعبير شامل لها. ويتمُّ تحديد هذا المصطلح نفسه بمقابلته مع مصطلح آخر، يُشير إلى الظاهرة العكسية المتمثِّلة في: النُّمُوِّ. ونحن نعلم أن هاتيْن الظاهرتين تجدان ترجَمتَهما في صورة (مُنْحَنَيات بيانيَّة) ( diagramines) اقتصادية تميِّز بطابعها كلاًّ من الإنتاج والاستهلاك، وذلك على سبيل المثال فيما يتعلق بالورق، والفحم، والكهرباء؛ أو بالأرقام المطابقة لمتوسط المداخيل الفردية السنويَّة، وهو الأمر الذي يؤول إلى نفس النّتيجة. ويمكننا أن ننظر إلى هذه الأرقام، في اعتبارنا لها بالنسبة إلى سنة ١٩٥٥، لوجودها في حَوْزَتِنا (١)، حيث نلاحظ أنها تتراوح بالنسبة إلى السنة المذكورة بين: ١٨٣٥ دولاراً فيما يتعلق بالولايات المتحدة، وبين: ٣٨ دولاراً فيما يخصُّ (ليبيريا) أو (أندونيسيا). وبين أقصى هذين الطرفين توجد سائر الأرقام المتوسطة لبقية البلدان الأخرى، مهما تكن درجة نُمُوِّها. وَلْنَقُم حينئذٍ بإبداء ملاحظة بخصوص الحدِّ الأدنى أو المناسب من الدخل

стр. 34

الذي يمكننا أن نعتبره كافياً لِتَلْبيَة حاجات بلاد متخلِّصة من جميع علامات التخلُّف، ونقص الاستخدام، والأميَّة (أو اللاأبْجَدِيَّة)، ونقص التغذية إلخ ... فهذا الدخل الذي يمكننا أن ننظر إليه باعتباره العَتَبَة المفضية إلى النموِّ، هو متوسط دخل الفرد في اليابان، حيث يبلغ بها: ٢٠٠ (مئتي) دولار. والآن ولكي نجعل هذه الأرقام ذات دلالة بالنسبة إلى موضوعنا، فَلْنَقُمْ بتوزيعها على الخريطة الجغرافية، بالطريقة التي توضع على غرارها الأعلام الصغيرة على إحدى خرائط ضُباط أر كان الحرب كعلامات للمواقع الخاصة بكل جيش من الجيوش على حدة، في إحدى جبهات القتال. ومفهوم أن الأرقام الموزَّعة على هذا النحو، تصوِّر لنا بهده الطريقة المناطقَ المتحادَّة لكلٍّ من النُّموِّ والتخلُّف. وعندئذ تَتَبَدَّى أمامنا ملاحظة تفرض علينا نفسها: فَحَدَّا هاتين المنطقتين يرتسمان على الخريطة، كحديْن لقارتين متباينتين: تشمل إحداهما جميع البلدان المساهمة في مؤتمر باندونغ على وجه التقريب، أعني المساحة المُناهزة لنصف الكرة الجنوبيِّ، بينما تتضمَّن المساحة الأُخرى رقعةَ البلدان النَّامية التي تشمل بالتقريب سائر منتصف الكرة الشماليِّ (١). ومن شأن هذه الملاحظة أن تُدْخِلَنا بقدم راسخة إلى صميم موضوعنا، لأن تحديد مكان الوقائع الاقتصادية، يمثِّل في نفس الوقت تحديداً لمكان أسبابها أو

стр. 35

عواملها: إذِ المؤَكَّد أن كلَّ مساحة تحتوي في داخلها على حقيقتها الاقتصادية الخاصة بها، كما تحتوي في نفس الوقت سائرَ الاطرادات المتساوقة التي تفسِّرها. فالنُّموُّ والتخلُّف يُفسَّر كلٌّ منهما داخل المساحة التي تكتنفه، بمجموعة من الأَسباب المتطلبة للعرض على التحليل التاريخيِّ. فمفهوم: (حقْل الدراسة) الذي استخرجه أرنولد توينبي ( A. Toynbee) في المجال التاريخي، يمتدُّ هنا ليشمل المجال الاقتصادي كذلك (١). فنحن عندما نطرح السؤال التالي: ما هو النموُّ؟ - وهو سؤال يهمُّ بطبيعة الحال كل بلاد منهمكة في مواجهة مشاكل التخلف- لا نكون إذن منصرفين إلى عمل أحَد هُواة التسلية بالفنون الجميلة. إذ أننا نطرح السؤال على النقيض من ذلك ضمن اهتمامنا باستخلاص درس من تجربة معاشة غنيَّة وحيَّة، تقع نتائجها تحت أبصارنا في سائر البلدان النامية، مع بقائنا أحراراً في تحوير حدودها إذا

стр. 36

لَزِمَ الأمر حتَّى نتمكَّنَ من تكييفها مع حالتنا الخاصة، وهذا بشرط أن نحترم قانونَها مع ذلك. وتَمْثُلُ هذه التجربة في أساسها بالنسبة إلى البلدان المتخلِّفة، تحت المظهر النوعيِّ للتصنيع الذي أصبح بالفعل مَناطَ جميع مطامح كل البلدان (الأفريقا سيويَّة) وسائر مؤسَّساتها. إلا أن هذا المفهوم لا يحقَّق بطريقة واحدة؛ فهناك الطريقة التي تمَّ بها تصنيع اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، حيث وضع لينين ( Lénine) قاعدة ذلك التصنيع عندما أعلن الشعار الشهير الذي نادى فيه بأن: ((الشيوعية هي السوفيات (١) ( Soviets) مع الكهرباء))، وهو الشعار الذي يقتضي قاعدة انطلاق مفاهيمية معينة. ويمكن أن يُنجَزَ التصنيع كذلك على النحو الذي تمَّ في اليابان، باقتصارها على مجرد تبنِّي مناهج ومطامح مناوئيها، أي بصنع أُسطول مثل إنكلترا، وإعداد صناعة مثل فرنسا أو ألمانيا، وبطريقة احتلال المستعمرات كما هي الحال بالنسبة إلى هولندة، وإيطاليا إلخ ... إلا أن تجربة التصنيع لا تقترن بالإفادة النظرية المرجوَّة منها، إلا حيث أُتيح لها أن تطَّرد ضمن شروط عاديةٍ، ودونما إرغام من الخارج. وفي أوروبا الغربية بالذات تتبدَّى هذه التجربة أمامنا في شكلها النقيِّ، أي في صورتها المتخلِّصة من كل الأعراض المفاهيميَّة، وفي ارتباطها فقط بالوقائع الاقتصادية المحضة.

стр. 37

وعلى هذا يجب علينا متابعة اطرادها المتساوق في أوروبا بالذات، إذا أردنا أن نستخلص منها درساً يفيدنا. ويمكننا النظر إلى هذا الاطراد بصورة مشروعة باعتبار أنه قد بدأَ نقطة انطلاقه بالآلة البخارية. كما أنه من المشروع أن نقوم بعَزلِ مثل هذا الواقع، ليس فحسب لأن جميع نتائجه المترتبة عليه فيما بعد؛ الاقتصادية منها والاجتماعية، هي التي تكوِّن الواقع القابل للترقيم الذي يشار إليه بمصطلح النُّموِّ، ولكن لأن ظروف تكوينه الخاص كذلك- وأعني بها سائر سياق ذلك التَّسلسل الذي سبقه، والواقع في نطاق اختصاص علم الاجتماع- تظلُّ هي نفسها بالنسبة إلى جميع الوقائع المماثلة التي تَنْدَرِجُ هي الأُخرى داخل نفس الاطِّراد، قبل الآلة البخارية أو بعدها. وبناء على ذلك فإن سائر تلك الوقائع تجد جميع أسباب نموِّها، وجميع تأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية داخل نفس تلك المساحة التي سبق لنا تحديدها منذ قليل بأرقام متوسط الدخل الفردي السنوي، المنحصرة بين: ٢٠٠ (مئتي) دولار، و ١٨٣٥ دولاراً، أعني مساحة ظلت مستمرة الامتداد منذ عهد (غوتنبيرغ) (أ)، وأصبحت تشمل اليوم ما يناهز نصف الكرة الشمالي. وحتَّى الوجوه المحيطة بالوقائع الكبرى لهذا الاطّراد، نجدها تنْتَمِي لنفس

стр. 38

هذه المساحة: فالعالمان اللذان أنجزا الآلة البخارية على سبيل المثال هما: (دنيس بابان) و (وات) (ب) ويمكننا أن نختار وقائع أُخرى من مثل: القنبلة الذرية، أو القطن المصقول كيميائياً ( le coton mercerisé) ، فنجد ظروف تكوينها تشغل نفس الرقعة الجغرافية. وكذلك الشأْن بالنسبة إلى النموِّ الذي يشمل داخل اطراده جميعَ هذه الوقائع، والذي أصبحنا اليوم نحدد عن طريق المقابلة معه مجموع المشاكل التي نشير إليها بكلمة (التخلُّف)، فهو يمثل ظاهرة أُوروبية: كالحروب الصليبية، وعهد الإصلاح، والنهضة، والرأسمالية، والاستعمار إلخ .. فجميع الأسباب التي أنتجت هذه الوقائع، تشغل منذ أربعة قرون على الأقل، رقعة ما انفكَّت متواصلة الامتداد منذ عهد كريستوف كولومب ( Christophe Colomb) . والنموُّ الذي يتمُّ ضمن البعد الاقتصادي، ليس سوى فترة زمنيَّة من النموِّ العام لحضارة أوروبا داخل المكان والزمان؛ إنه المظهر الماديُّ لهذه الحضارة. وإذن فإن جميع الوقائع التي تتساوق في تسلسل ضمن اطرادها منذ الآلة

стр. 39

البخارية، أو ابتداء من آلة الطباعة، تُعَدُّ وقائع حضارة. كما أن جميع الأسباب التي تُنْتِجُ هذه الوقائع، وجميع ظروف تكوينها ناجمة عن نفس السبب العام، وعن نفس الظرف الرئيسيِّ، اللذين هما بكلمة واحدة: حضارة أوروبا التي تعدُّ الرّحِم الحقيقيَّ لكل جزئيَّة من تفاصيل النموِّ الأخلاقي والاجتاعي للإنسان المنتمي إلى مساحتها. ومن ثَمَّ فالحضارة هي التي تمنح إذن للمجتمع مع هذه القدرة الاقتصادية التي تميِّزه بخاصيتها كمجتمع نام، إرادة استخدام هذه القدرة في حلّ جميع المشاكل، وخاصة المشاكل التي تواجه المجتمع المتخلِّف بمدىً أشدُّ من القسوة. كما أن الحضارة هي التي تشكل هذه القدرة وهذه الإرادة اللَّتَين لا تقبلان الانفصال عن وظيفة المجتمع النَّامي، داخل المساحة الخاصة به، في إشعاعه الثقافي، والاقتصادي وحتَّى في تَوَسُّعه السياسيِّ أو الإمبرياليِّ كذلك. ولهذا يجب علينا الآن أن نَتَثَبَّتَ من أمر تعريف الحضارة الذي سبق لنا اقراحه فيما سلف من وجهة نظر متعلقة بعلم الإنسان، وهي الوجهة التي لا نريد تناول الموضوع من زاويتها؛ لأن الحضارة يجب أن تحدَّد من وجهة نظر وظيفيَّة: فهي مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيحُ لمجتمع معين أن يقدِّم لكل فرد من أفراده، في كل طور من أطوار وجوده، منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموِّه. فالمدرسة، والمعمل، والمستشفى، ونظام شبكة المواصلات، والأمن في جميع صوره عبر سائر تراب القطر، واحترام شخصية الفرد، تمثل جميعُها أشكالاً مختلفة للمساعدة التي يريد ويقدر المجتمع المتحضِّر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه. ولكن إذا كانت هذه الإرادة ملازمة لجوهر الحضارة ذاته، ومتضمِّنة في معطياتها الأصلية، في شكل إحسان، أو صدقة، أو زكاة إلخ ... مثلاً، فإن قدرتها تتشكل بصورة تدريجيَّة، لأنها لا تَكون في البداية سوى معطى مُضْمَر.

стр. 40

فالمجتمع النامي الراهن، أي المجتمع الغربي ضمن حدوده الحاضرة، أعني مع المجتمعات التي استوحت نموذَجَه، لم يكن منذ بضعة قرون مضت سوى معطى مُضْمَر في ذاتيَّة مجتمع القرون الوسطى المسيحيِّ؛ فإرادة هذا المجتمع كانت تحمل بذرة قدرة المجتمع الأوَّل. ولهذا فنحن عندى ما نريد أن نضع أصلَ النموِّ الاقتصادي للحضارة الراهنة موضعه، لا يتعين علينا أن نضع هذا الاختراع أو ذاك- من مثل الآلة البخارية، ونَوْل (جكار) (جـ)، والبوصلة، وآلة الطباعة- باعتباره مصدراً لذلك الأصل، ولكن جميع الظروف التاريخيَّة التي تَخَلَّقَتْ فيها بذورُ كلِّ الأفكار، وكل ضروب الخلق والإنشاء، وكل إنتاجات هذه الحضارة. فجميع ضروب الخلق هذه، لا تقبل التصور إلا ضمن الشروط العامة لحضارة معينة، وليس ضمن أبعاد عبقرية إنسان مفرد، ولا حتَّى بضع مئات من العباقرة ة فأمثال: غاليليه ( Galilée) ، وليونارد دي فانشي ( Léonard de Vinci) ، وميكال آنج ( Michel-Ange) ، ودانتي ( Dante) ، ومن لفَّ لَفَّهُم، ليسوا هم الذين صنعوا النهضة، ولكن شروط هذه الأخيرة هي التي صنعتهم. وههنا يكون من الملائم أن نتوقف عند خلاصة ذات أهمية نظرية وعملية بالنسبة إلى بلاد كالجزائر جنَّدتْها مشاكلُ التخلُّف؛ فإبداع شيء ما، أو إنشاؤُه، أو اكتشافه، لا يسبق الظروف العامة التي تصبح فيها العبقرية البشرية منتجة ضمن مساحة محدَّدة، ولكنه يتلو هذه الظروف. ذلك أن اطرادات التاريخ لا تقبل النكوص على أعقابها، وبعبارة أخرى فالزمن لا يدور في حلقة مغلقة.
следующие страницы →