لَزِمَ الأمر حتَّى نتمكَّنَ من تكييفها مع حالتنا الخاصة، وهذا بشرط أن نحترم قانونَها مع ذلك.
وتَمْثُلُ هذه التجربة في أساسها بالنسبة إلى البلدان المتخلِّفة، تحت المظهر النوعيِّ للتصنيع الذي أصبح بالفعل مَناطَ جميع مطامح كل البلدان (الأفريقا سيويَّة) وسائر مؤسَّساتها.
إلا أن هذا المفهوم لا يحقَّق بطريقة واحدة؛ فهناك الطريقة التي تمَّ بها تصنيع اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، حيث وضع لينين ( Lénine) قاعدة ذلك التصنيع عندما أعلن الشعار الشهير الذي نادى فيه بأن: ((الشيوعية هي السوفيات (١) ( Soviets) مع الكهرباء))، وهو الشعار الذي يقتضي قاعدة انطلاق مفاهيمية معينة.
ويمكن أن يُنجَزَ التصنيع كذلك على النحو الذي تمَّ في اليابان، باقتصارها على مجرد تبنِّي مناهج ومطامح مناوئيها، أي بصنع أُسطول مثل إنكلترا، وإعداد صناعة مثل فرنسا أو ألمانيا، وبطريقة احتلال المستعمرات كما هي الحال بالنسبة إلى هولندة، وإيطاليا إلخ ...
إلا أن تجربة التصنيع لا تقترن بالإفادة النظرية المرجوَّة منها، إلا حيث أُتيح لها أن تطَّرد ضمن شروط عاديةٍ، ودونما إرغام من الخارج.
وفي أوروبا الغربية بالذات تتبدَّى هذه التجربة أمامنا في شكلها النقيِّ، أي في صورتها المتخلِّصة من كل الأعراض المفاهيميَّة، وفي ارتباطها فقط بالوقائع الاقتصادية المحضة.
стр. 37
وعلى هذا يجب علينا متابعة اطرادها المتساوق في أوروبا بالذات، إذا أردنا أن نستخلص منها درساً يفيدنا.
ويمكننا النظر إلى هذا الاطراد بصورة مشروعة باعتبار أنه قد بدأَ نقطة انطلاقه بالآلة البخارية. كما أنه من المشروع أن نقوم بعَزلِ مثل هذا الواقع، ليس فحسب لأن جميع نتائجه المترتبة عليه فيما بعد؛ الاقتصادية منها والاجتماعية، هي التي تكوِّن الواقع القابل للترقيم الذي يشار إليه بمصطلح النُّموِّ، ولكن لأن ظروف تكوينه الخاص كذلك- وأعني بها سائر سياق ذلك التَّسلسل الذي سبقه، والواقع في نطاق اختصاص علم الاجتماع- تظلُّ هي نفسها بالنسبة إلى جميع الوقائع المماثلة التي تَنْدَرِجُ هي الأُخرى داخل نفس الاطِّراد، قبل الآلة البخارية أو بعدها.
وبناء على ذلك فإن سائر تلك الوقائع تجد جميع أسباب نموِّها، وجميع تأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية داخل نفس تلك المساحة التي سبق لنا تحديدها منذ قليل بأرقام متوسط الدخل الفردي السنوي، المنحصرة بين: ٢٠٠ (مئتي) دولار، و ١٨٣٥ دولاراً، أعني مساحة ظلت مستمرة الامتداد منذ عهد (غوتنبيرغ) (أ)، وأصبحت تشمل اليوم ما يناهز نصف الكرة الشمالي.
وحتَّى الوجوه المحيطة بالوقائع الكبرى لهذا الاطّراد، نجدها تنْتَمِي لنفس
стр. 38
هذه المساحة: فالعالمان اللذان أنجزا الآلة البخارية على سبيل المثال هما: (دنيس بابان) و (وات) (ب)
ويمكننا أن نختار وقائع أُخرى من مثل: القنبلة الذرية، أو القطن المصقول كيميائياً ( le coton mercerisé) ، فنجد ظروف تكوينها تشغل نفس الرقعة الجغرافية.
وكذلك الشأْن بالنسبة إلى النموِّ الذي يشمل داخل اطراده جميعَ هذه الوقائع، والذي أصبحنا اليوم نحدد عن طريق المقابلة معه مجموع المشاكل التي نشير إليها بكلمة (التخلُّف)، فهو يمثل ظاهرة أُوروبية: كالحروب الصليبية، وعهد الإصلاح، والنهضة، والرأسمالية، والاستعمار إلخ ..
فجميع الأسباب التي أنتجت هذه الوقائع، تشغل منذ أربعة قرون على الأقل، رقعة ما انفكَّت متواصلة الامتداد منذ عهد كريستوف كولومب ( Christophe Colomb) .
والنموُّ الذي يتمُّ ضمن البعد الاقتصادي، ليس سوى فترة زمنيَّة من النموِّ العام لحضارة أوروبا داخل المكان والزمان؛ إنه المظهر الماديُّ لهذه الحضارة.
وإذن فإن جميع الوقائع التي تتساوق في تسلسل ضمن اطرادها منذ الآلة
стр. 39
البخارية، أو ابتداء من آلة الطباعة، تُعَدُّ وقائع حضارة. كما أن جميع الأسباب التي تُنْتِجُ هذه الوقائع، وجميع ظروف تكوينها ناجمة عن نفس السبب العام، وعن نفس الظرف الرئيسيِّ، اللذين هما بكلمة واحدة: حضارة أوروبا التي تعدُّ الرّحِم الحقيقيَّ لكل جزئيَّة من تفاصيل النموِّ الأخلاقي والاجتاعي للإنسان المنتمي إلى مساحتها.
ومن ثَمَّ فالحضارة هي التي تمنح إذن للمجتمع مع هذه القدرة الاقتصادية التي تميِّزه بخاصيتها كمجتمع نام، إرادة استخدام هذه القدرة في حلّ جميع المشاكل، وخاصة المشاكل التي تواجه المجتمع المتخلِّف بمدىً أشدُّ من القسوة. كما أن الحضارة هي التي تشكل هذه القدرة وهذه الإرادة اللَّتَين لا تقبلان الانفصال عن وظيفة المجتمع النَّامي، داخل المساحة الخاصة به، في إشعاعه الثقافي، والاقتصادي وحتَّى في تَوَسُّعه السياسيِّ أو الإمبرياليِّ كذلك.
ولهذا يجب علينا الآن أن نَتَثَبَّتَ من أمر تعريف الحضارة الذي سبق لنا اقراحه فيما سلف من وجهة نظر متعلقة بعلم الإنسان، وهي الوجهة التي لا نريد تناول الموضوع من زاويتها؛ لأن الحضارة يجب أن تحدَّد من وجهة نظر وظيفيَّة: فهي مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيحُ لمجتمع معين أن يقدِّم لكل فرد من أفراده، في كل طور من أطوار وجوده، منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموِّه. فالمدرسة، والمعمل، والمستشفى، ونظام شبكة المواصلات، والأمن في جميع صوره عبر سائر تراب القطر، واحترام شخصية الفرد، تمثل جميعُها أشكالاً مختلفة للمساعدة التي يريد ويقدر المجتمع المتحضِّر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه.
ولكن إذا كانت هذه الإرادة ملازمة لجوهر الحضارة ذاته، ومتضمِّنة في معطياتها الأصلية، في شكل إحسان، أو صدقة، أو زكاة إلخ ... مثلاً، فإن قدرتها تتشكل بصورة تدريجيَّة، لأنها لا تَكون في البداية سوى معطى مُضْمَر.
стр. 40
فالمجتمع النامي الراهن، أي المجتمع الغربي ضمن حدوده الحاضرة، أعني مع المجتمعات التي استوحت نموذَجَه، لم يكن منذ بضعة قرون مضت سوى معطى مُضْمَر في ذاتيَّة مجتمع القرون الوسطى المسيحيِّ؛ فإرادة هذا المجتمع كانت تحمل بذرة قدرة المجتمع الأوَّل.
ولهذا فنحن عندى ما نريد أن نضع أصلَ النموِّ الاقتصادي للحضارة الراهنة موضعه، لا يتعين علينا أن نضع هذا الاختراع أو ذاك- من مثل الآلة البخارية، ونَوْل (جكار) (جـ)، والبوصلة، وآلة الطباعة- باعتباره مصدراً لذلك الأصل، ولكن جميع الظروف التاريخيَّة التي تَخَلَّقَتْ فيها بذورُ كلِّ الأفكار، وكل ضروب الخلق والإنشاء، وكل إنتاجات هذه الحضارة.
فجميع ضروب الخلق هذه، لا تقبل التصور إلا ضمن الشروط العامة لحضارة معينة، وليس ضمن أبعاد عبقرية إنسان مفرد، ولا حتَّى بضع مئات من العباقرة ة فأمثال: غاليليه ( Galilée) ، وليونارد دي فانشي ( Léonard de Vinci) ، وميكال آنج ( Michel-Ange) ، ودانتي ( Dante) ، ومن لفَّ لَفَّهُم، ليسوا هم الذين صنعوا النهضة، ولكن شروط هذه الأخيرة هي التي صنعتهم.
وههنا يكون من الملائم أن نتوقف عند خلاصة ذات أهمية نظرية وعملية بالنسبة إلى بلاد كالجزائر جنَّدتْها مشاكلُ التخلُّف؛ فإبداع شيء ما، أو إنشاؤُه، أو اكتشافه، لا يسبق الظروف العامة التي تصبح فيها العبقرية البشرية منتجة ضمن مساحة محدَّدة، ولكنه يتلو هذه الظروف. ذلك أن اطرادات التاريخ لا تقبل النكوص على أعقابها، وبعبارة أخرى فالزمن لا يدور في حلقة مغلقة.
стр. 41
(فابن سينا) لم يكن يعدو مجرَّدَ مُعطىً مُضْمَرَ ضمن أحَدِ (الصَّبْغِيَّات) (١)، والظروف العامة للمجتمع الإسلامي في عصره هي التي حقَّقتْه بالصورة التي برز عليها إلى الوجود.
ويمكننا أن نترجم ذلك بطريقة أخرى، بالاستناد إلى تلك القاعدة المعروفة في المنطق الدَّارج، والقائلة بأن النَّتيجة لا تسبق سببها، أو بالاستناد كذلك إلى مجرد الإدراك السليم للفلاح الذي يعلم أن المحراث لا يوضع أمام الثيران.
وكل ذلك يسمح لنا باستخدام صيغة تكوِّن بديهيَّة أساسية بالنسبة إلى هذا العرض: فالحضارة هي التي تصنع منتجاتها (الآلة البخارية، والثلاجة، أو الطائرة سواء)، وليست منتجاتها هي التي تصنعها. ولقد تمَّ التَّثَبُّث من أهمية هذه البديهية المقرَّرة في علاقتها بكل من علم المناهج ( Méthodologie) وعلم الاجتماع، بطريقة الْخُلْف ( par l'absurde) على نحو من الأنحاء، في المجتمع الإسلامي منذ قرن من الزمان، كما سنقوم ببيان ذلك فيما يلي:
فلو كانت النهضة الإسلامية قد اعتمدت أقلَّ منهج نقديٍّ إزاءَ ما استعصى عليها حله من مشاكل، لاتَّضح لها ذلك الخُلْفُ (أو تلك اللاَّمعقوليَّة)، بطرحها لمجرد هذا السؤال البسيط:
- ((هل كان هناك قبل الآلة البخاريَّة، وقبل ليونارد دي فانشي، وقبل القديس توما اللإكويني ( Saint Thomas D'Aquin) ، شيء ما، واطراد تاريخيٍّ معين، انْطَوَى في داخله على بذرة جميع اللحظات الزمنيَّة لفكر المجتمع الغربيِّ ونشاطه ابتداء من تَشَكُّل هذا المجتمع الذي لا زال ينطوي حتى هذا الحين على بذور نجهلها؟)).
стр. 42
وإذا كان الجواب على هذا السؤال بالإثبات فهلاَّ يتعيَّن علينا عندئذٍ أن نُعْطِيَ اسْماً خاصاً لهذا الاطراد، وأن نطلق عليه بالتالي اسم: الحضارة الغربية؟ ...
والبديهيَّة التي اكتفينا بإبراز أهميتها فحسب، عن طريق هذه الملاحظات البسيطة، تخوِّل لنا التمكن بصورة أفضل من الخصائص الأساسية للتجربة التي بدأت في المجتمع الإسلامي مع حركة النهضة منذ قرن من الزمان.
لقد بدأت هذه النهضة غداة حَدَثٍ غريب في ظاهره، عن تاريخ هذا المجتمع، وأعني بذلك: تمرُّد السِّيبايْ (أو الجنود الهنود بالجيش الإنكليزيّ) (د) الذي حدث سنة ١٨٥٨م، وكان لما ترتَّب عليه من نتائج بالنسبة إلى (الوضعية القانونية) الإسلامية للهند، دويّ هائل في العالم الإسلامي، لأن (جمال الدين الأفغاني) قد قام بتجميع أصدائه، كما تولى مع تابعه (الشيخ محمد عبده) شرح هذه الأصداء وبثّها بإضفاء الطابع المأْساويّ عليها أثناءَ تقديمها للجيل الذي عاصره.
ولقد بدأ تاريخ حركة الإصلاح منذ هذا العصر. فكيف أتيح لها أن تجد ترجمتها ضمن وقائع العالم الإسلامي التاريخية، والاجتماعية، والسياسية، وخاصة بالجزائر؟
стр. 43
إننا لا ندعي أن نقدم لذلك كله في الإطار الضيق لمحاضرة، دراسة متقصِّية مستوعبة لجميع التفاصيل (١).
وإنما نقتصر على القول بأن هناك تطوراً معيناً قد بدأ بالفعل منذ ذلك الحين، في العوائد، والأفكار الدارجة، وفي بعض الوقائع الاجتماعية المعينة، متخذاً في بعض الأحيان أشكالاً سياسية تعمل بمقتضى النزعة (اللاَّيِيكيَّة) غير الدينيّة في كثير أو قليل، من قبيل (ثورة تركيا الفتاة) سنة ١٩٠٨م، أو هو يتخذ أحياناً أخرى سياقاً إصلاحياً ينصرف اهتمامه إلى استخدام القيم التقليدية للإسلام في النزاع المفاهيمي والسياسي للقرن العشرين، بعد تجديده لها في قليل أو كثير.
ولكن هذه الحركة كانت ترمي من كلا جانبيْها في نهاية الحساب إلى أن تَمْهَرَ المجتمع الإسلامي بالوسائل الملائمة للدفاع عن ذاته أو لتبرير نفسه، بدل أن تقوم بتحويل الشروط الواقعية والأساسية لهذا المجتمع.
ومن أجل الدفاع عنه كانت المشاكل توضع ضمن حدود كمية، أي باعتبار: (كميّات الأشياء) الضرورية. وقد كان نفس شعار (جمال الدين) الذي يقول فيه: ((لو أن جميع الهنود يبصقون معاً، لأغرقوا الْجُزُرَ البريطانية في بحر من اللُّعاب! .. ))، يشير إلى أن (النهضة) كانت تنزلق في طريق (الشَّيْئِيّة) ( Choséisme) .
إلا أنه يجب علينا أن نضيف إلى هذا أن (الأفغاني) العظيم قد ترك لنا أفكاراً كذلك، فيما كتبه من أجل الدفاع عن العالم الإسلامي. وفي النهاية، ابْتُدِعَتْ من أجل تبرير هذا العالم، آلةٌ ذات مقطع مزدوج؛ فقد تمّت المحافظة
стр. 44
على ذائِقَة القيم الإسلامية أو أُعيد إنشاؤُها لمواجهة سيطرة الغرب الثقافية عليه. ولكن في الوقت الذي كان يُواجَهُ فيه الاستعمار على هذا النحو، كان يُحْتَفَطُ بمعطيات القابليّة للاستعمار، أو هي كانت تُتْرَكُ دون مساس بها.
وأشخاصُ الجيل الذي عاصرتُه ممن قرؤوا كتاب (الإفلاس الأخلاقي للسياسة الغربية في الشرق) لمؤَلِّفه التركي (أحمد رضا)، أو كتابات (شكيب أرسلان)، كانوا في الحقيقة يقرؤون أعمالاً للدفاع والتَّبرير، وليس أعمالاً للبناء والتوجيه.
فبدل أن تُتَرْجم الجهود الذهنية عن نفسها في صورة مذهب دقيق للنهضة، ومنهاج منسجم، كانت تنْطلق في صورة شعلات دفاعية أو جداليَّة. وكان المؤَلَّف المنهجيُّ الوحيد الذي خلَّفه (جمال الدين) يتمثل في مجادلة ضدّ (الماديّة) - أو (النَّاشوريّة) حسب تعبير كاتبه- وهو الكتاب الذي يتعين علينا أن نقرن به المجادلة المدوِّية لتلميذه (محمد عبده) ضدّ (رينانْ) ( Ernest Renan) .
والإصلاحُ الجزائريّ نفسُه، لم يكن بالإجمال سوى مجادلة ضدّ المرابطية والاستعمار.
إلا أن فكرة المذهب كانت تساور العقول في ذلك الجيل أو الذي يليه، كما يشهد بذلك مؤَلَّفٌ لكاتب ليس معروفاً بما فيه الكفاية، وأعني به (الكواكبي) (هـ)، الذي كان كتابه (أمّ القُرى) يمرّ طَيَّ التكتّم بالجزائر حوالي سنة ١٩٢٠. ولكنه لم يكن سوى عمل من صنع الخيال، أُعِدَّ كمُفَصَّلِ المشاهد
стр. 45
( Scénario) لضرب من (المجمع الدينيّ) التخيّليّ المنعقد في (مكَّة) من طرف علماء جميع بلدان الإسلام. على أن الموضوع لم يُتَناوَل هنا أيضاً إلا من زاوية الدفاع عن هذه البلدان، دون أي اهتمام بالتخطيط، أو بالإعداد للتَّخطيط.
ولكي نتمثّل ما ينقص جميع هذه الجهود الذهنية، يجب أن نتصور أحد أعمال ماركس ( Marx) أو أنغلز ( Engels) أو لينين في اقتصاره على مجرد نقد المجتمع الرأسمالي، دونما نظر إلى نواقص الطبقة العمّالية، أو انفتاح على بناء المجتمع الاشتراكي.
وأخيراً فإن المشكلة التي كان يجب أن تطرح في العالم الإسلامي منذ ما يزيد عن نصف القرن. ضمن حدود حضارة معينة، ولكن على مستوى أُسس هذه الحضارة وإرادتها وقدرتها، قد تم وضعها على مستوى منتجاتها.
أو إذا أردنا التعبير عن ذلك بصورة أخرى، نقول إن المشكلة قد وضعت على مستوى حاجات مجتمع انخرط مُنْذُئِذٍ في طريق الخيال ( l'utopie)، والشَّيْئِيَّة، والتَّكْديس الذي سنقوم بتحليله.
فبدل تناول الموضوع بطريقة (جبريّة) ( algébrique) تمكّن من الإشارة إلى حلّ قابل للتطبيق على مستوى مجتمع تقوم فيه نفس المشكلة، كالمجتمع الغربي طوال عصر النهضة، تمّ تبنِّي طريقة سير (حسابية) تعالج كلَّ حالة على حدة؛ فعوض معالجة وضعية تاريخية عامة، تمت معالجة قضايا سياسية مختلفة.
بينما العوامل التي أثَّرتْ منذ قرون على وضعية البلدان الإسلاميّة، لم تتشكَّل داخل الحدود الوطنية لبلاد معينة، ولكن داخل المجال الذي تكتنفه رقعةُ الحضارة الإسلامية، أي الرقعة التي يطلق عليها توينبي: (حقل الدراسة).
وإذا كانت الأسباب المحلية هي التي تحدد المظاهر السياسية لكل بلد، وهي التي تدين لها الجزائر مثلاً بما جعلها تؤُول إلى مستعمرة فرنسية على وجه
стр. 46
التخصيص، بدل أن تصبح مستعمرة إنكليزية أو برتغالية، خلال مئة وثلاثين عاماً؛ فإن الأسباب التاريخية العامة هي التي تحدّد الشروط الواقعية للتخلُّف في أي بلاد متخلفة. وليس من عمل الصدفة أن تمَّ إدماج (ليبيا) و (تونس) و (مصر) على سبيل المثال وبالتوالي، ضمن النظم السياسية لكل من: إيطاليا، وفرنسا، وإنكلترا في قليل أو كثير، ولكنها لم تندمج داخل النظم الاجتماعية- الثقافية لهذه البلدان النَّامية. فقد كان لهذه البلدان العربية الإسلامية والإفريقية الثلاثة طوال العهد الاستعماري، ثلاث وضعيات قانونية سياسية مختلفة، ولكن وضعيتها الاجتماعية- الثقافية كانت هي نفسها على وجه التقريب. ذلك أن العوامل المحلية تحقق التباين، بينما تعمل العوامل العامة على الوحدة.
ومشاكل الإنسان تظل متوقفة على هذه العوامل الأخيرة بالخصوص، ذلك أنها مشاكل حضارة.
ولقد ترتَّبَتْ على الواقع المتمثل في إهمال العالَم الإسلامي لهذا المظهر، النتيجة التي نشاهدها: حيث اقتحم الزِّيُّ الأوروبي، والبوقُ، والطنبور، والهاتف، والسيارة، شتى بلدان العالم الإسلامي بصورة مفاجئة منذ خمسين سنة، ولكن مشاكل التخلُّف ظلت راسخة القدم داخل هذه البلدان.
فقد أردنا بدل الاضطلاع بتشييد حضارة، أن نقوم بتكديس منتجاتها.
ولم يكن عملُ النهضة الإسلامية طوال السنوات الخمسين الأخيرة، يمثل تشييداً، ولكن تكديساً للعتاد.
فعملية البناء لم تبدأ بالعالم الإسلامي إلا سنة ١٩٥٢م في مصر، ومع ثورة أول نوفبر سنة ١٩٥٤م بالجزائر.
ولكن روح التكديس و (الشيئية)، التي يجب التخلُّص منها، ما انفكَّت مستمرة البقاء، وهي قد تَتَبَدَّى أحياناً تحت مظهر مشتطّ في الْهَزْلِ: وذلك عندما
стр. 47
نلاحظ- إذ نعبر العالم الإسلامي- أربعة أجهزة للتكييف الهوائي في مقصورة أحد رؤساء المصالح، أو خمسة أجهزة هاتفية على مكتبه (١) ...
وهذا التكديس للأشياء يزدوج على العموم مع تكديس للأشخاص؛ فالمكان الذي يجب أن يشغله خمسة موظفين أو مستخدمين، يوضع فيه أحياناً خمسة عشر أو عشرون، بطريقة تزدوج بها مشكلة البطالة العادية مع بطالة خاصة ناشئة عن الواقع الماثل في استحداثنا لموظفين دون أن نستحدث وظائفهم. ومفهوم جيداً أن جميع ذلك يتبدَّى في حسابات التقويم الاقتصادي والنفساني لبلاد تبحث عن التملص من شروط التخلف، ويتعين عليها أن تستخدم لبلوغه جميع ما يقع تحت طائلتها من الآدميّين، والأفكار، والأشياءَ المادية.
وعندئذ تتجلَّى لا معقولية المنهاج المعتمد بصورة تامة التأَكد، لأنه لكي يتسنى لنا صنع حضارة ابتداء من منتجاتها، حتى ولو كان هذا الأمر قابلاً: للتصور من وجهة نظر متعلقة بعلم المناهج- ونكرر أن هذا أمر غير معقول ..
стр. 48
فهلا يزال يتعين علينا أيضاً أن نكون قادرين على اقتناء جميع منتجاتها. الأمر الذي يعدّ استحالة محضة من وجهة النظر الاقتصادية.
إن هناك ما يدعونا إلى الإلحاح على هذة النقطة هنا، فالواقع الماثل في امتداد نهضة العالم الإسلامي عبر قرن كامل من الزمان، دون أن تتوصل حتى الآن إلى النتيجة التي بلغتها مجتمعات أخرى انطلقت من نفس النقطة، لا يعزى لفقدان الوسائل، وإنما يرجع إلى فقدان الأفكار. ولكي نستشهد بمثال لنجاح يمكنه أن يوحي لنا بلا فعّاليّة منهاجنا، نستطيع اتخاذ (اليابان) كحدّ للمقارنة. فقد كانت هذه البلاد سنة ١٨٥٣م- وهي الفترة التي تلقَّتْ فيها النذير الذي تهددها بالانفتاح لتوسُّع الغرب- في نفس النقطة التي كان يوجد بها العالم الإسلامي حوالي سنة ١٨٥٨م، (وهو التاريخ الذي اخترناه منذ حين كنقطة انطلاق للنهضة الإسلامية). ويُعَدُّ الفارق بين هذين التاريخين زهيداً عندما نُضْفيه على ما يناهز القرن من الزمان. وإن كانت النهضة اليابانية لم تبدأ في الواقع إلا عقب سنة ١٨٦٨م؛ مع عهد الحكومة المستنيرة، الذي يسمى فيها بعهد (الميجي) ( Meïji) ( و).
وقبل نهاية القرن الأخير كانت اليابان قد دخلت أسرة القوى الكبرى.
ولقد أمكن التحقق من ذلك، ولا سيما منذ الحرب الروسية- اليابانية الشهيرة،
стр. 49
التي بلغ منها أن سَرّبَتْ نفحةً ملحميّة للشعر العربي في ذلك الأوان، كما تذكرنا بذلك قصيدة لحافظ إبراهيم ...
- لكم نظمنا من قصائد جميلة حول نهضتنا، في الوقت الذي كانت فيه اليابان تتوّج نهضتها بانتصار أَراق ما لا يُسْتهانُ به من المداد في أوروبا، حيث كان (غليوم الثاني) (ز) يتحدث عن (الخطر الأصفر)، وعن (الرجل المريض) .. !
وقد كان (الإنسان المريض) في ذلك العصر، يعني العالم الإسلامي بالذات.
فقد انتقلت اليابان من عهد القرون الوسطى إلى العصر الحديث في مرحلة استغرقت خمسين حولاً تقريباً، وقد أنشأت جميع الشروط التي تجعل منها اليوم مجتعاً منتمياً (للنموذج النَّامي).
وفي إمكاننا أن نجد في الرقم الذي ذكرناه لمتوسط دخلها الفردي السنوي موضوعاً للتأمل. فالواقع أنه يبين لنا العلاقة القائمة بين أخلاق معينة، خاصة بسياسة تقشفية في مجتمع معلوم، وبين شروط نموّه الاجتماعي والاقتصادي.
فقد توصلت اليابان إلى الإنقاص من جميع مشاكل التخلف بفضل تنظيم معين للمجتمع على قواعد أخلاقية، يجعله يبلغ مستوى القدرة على مواجهة جميع أعبائه بواسطة وسائل تعدّ منقوصة على وجه الإجمال إذا قارناها ترقيمياً بالوسائل التي تقع في حوزة بلدان أخرى نامية.
стр. 50
وهذان المظهران للقضية هما اللذان يقدمان لنا الدرس المفيد، كما أنهما مظهران مترَابطان. فنحن نرى ضمن حالة ملموسة، وبصورة تلقائية، أن مشكلة التجهيز مرتبطة بقضية الإنسان والأفكار، وأن المحصول الاجتماعي للآلات مرتبط بفعالية وسلوك الفرد الذي يستخدمها.
ونحن هنا، ندرك ضمن حدّ معين، الصلة القائمة بين إرادة وقدرة مجتمع يبني ذاته على قاعدة حضارة، وليس على قاعدة منتجاتها. وهذا ما يفسر لنا كيف أن اليابان قد نجحت حيث لم يحقق العالم الإسلامي، حتى هذا الحين، نصراً حاسماً على التخلف، لأن نشاطه قد طبق في عالم الأشياء والمنتجات، بدل أن يطبق ضمن النسق البشري ونسق الأفكار.
وفي ضوء هذه الاعتبارات يصبح من الضروري أن نحول السؤال المثار بصورة ضمنية من خلال موقف العالم الإسلامي منذ قرن من الزمان:- كيف نصنع منتجات الحضارة؟ .. إلى سؤال صريح:- كيف نصنع الحضارة؟ ..
تلك هي المشكلة في انضباطها التام.
ولكي نتناول هذه المشكلة على هذا الشكل، يتعين علينا اللجوءُ إلى الطريقة المعتمدة في مختبر التحليلات.
فنحن لكي نقوم بتحليل مادة ما، لا ننقلها برمّتها إلى المختبر، ولكننا نقتصر على اقتطاع (عيّنات) منها فحسب. وعيّنات حضارة ما، هي منتجاتها الاجتماعية في جميع أشكالها.
فالصباح الذي نستنير به، والأفكار التي وجهت أمر تجهيزه، والآدميون الذين قاموا بعملية إنجازه، تمثل جميعها منتجات اجتماعية لحضارة معينة.
ونحن لو حللنا من وجهة نظر علم الاجتماع هذه (العيّنة)، لوجدنا أن
стр. 51
محتواها أو مادتها الجوهرية المتعلقة بعلم الاجتماع تؤول إلى ثلاثة حدود هي: التراب، والزمن، والإنسان.
فالتراب يتمثل ضمنها في صورة مواد أوّليّة واصلة أو عازلة. أما الزمن فيندمج داخل سائر الاطراد العلمي والفني الواقع بين اكتشاف الظاهرة الكهربائية، حوالي نهاية القرن الثامن عشر، وبين تطبيقه في ميدان الإنارة حوالي منتصف القرن التاسع عشر؛ ذلك أن الزمن يمثل نفس الركيزة التي يقوم عليها هذا الاطراد.
وأما الإنسان فينخرط ضمن التدخل البشري: (اليدوي والذهني) في هذا الاطراد ابتداء من غالفاني ( Galvani) حتى أديسون ( Edison).
وإذن فالمصباح باعتباره نتاجاً للحضارة، يمثل في الواقع إنتاجاً للإنسان، والتراب والزمن.
وكل عينة أخرى- وليس هناك محلّ لمضاعفة الأمثلة- تُحلَّل على نفس المنوال: فهي نتيجة للإنسان باعتباره صانعاً لجميع الوقائع الاجتماعية، وصانعاً لنفسه أولاً وبالذات بوصفه كائناً اجتماعياً؛ وللتراب الذي يجسّم سائر هذه الوقائع، ويدخلها إلى حيّز الملموس بمنحها الركيزة الطبيعية (أو الفيزيائية) والاقتصادية؛ وللزمن الذي يقدم للاطرادات المتعلقة بعلم الاجتماع الامتداد الضروري لنموّها واكتمالها. فإذا ما طبقنا الآن الطريقة (الجبريّة) الكلاسيكية على جميع منتوجات الحضارة تلك، بجمعنا لحدودها المتجانسة فيما بينها- حدّاً لِحَدٍّ- في سائر مركباتها ابتداء من مجرد الإبرة إلى الصاروخ. ومنذ الفكرة الأكثر شيوعاً حق معادلات (النظرية النسبية)، ومن مجرد الراعي باعتباره ذاتية اجتماعية إلى شخص أكبر عالم، توصلنا إلى هذه النتيجة الدالة المتمثلة في أن مجموع
стр. 52
منتوجات حضارة ما، يُساوي مجموع الأشخاص، بزيادة مجموع ضروب التراب، وزيادة مجموع الأزمنة.
ولكي نترجم هذه الصياغة إلى لغة عادية، يجب أن ندلي بملاحظة تخص كل حدّ من حدودها:
١ - فمجموع منتجات حضارة ما، ليس سوى هذه الحضارة نفسها، ولكن ضمن حالة شتيتة وسائبة، أعني دونما اعتبار لصلاتها الداخلية أو لتركيبها المتآلف، ما دامت خاصة التحليل ماثلة في شجب هذه الصِّلات.
٢ - ومجموع الأشخاص ليس إلا: (الإنسان) باعتباره كائناً اجتماعياً.
٣ - ومجموع ضروب التراب، ليس غير التراب ولكن مع كامل (مَشْروطِيَّتِه) المتعلقة بعلم الاجتماع ( Son conditionnement sociologique) ، ( أي رضوخه لضرورات فنية معينة) بما في ذلك وضعيته القانونية، و (تَوْضيبُه) الفنيّ: Son aménagement technique (١)
٤ - ومجموع الأزمنة ليس هو إلا الزمن الذي يتم تكييفه اجتماعياً حيث يحول إلى زمن اجتماعي بإدماجه ضمن جميع العمليات الصناعية، والاقتصادية، أو الثقافية، باعتباره ركيزة تقوم عليها سائر اطرادات هذه العمليات. وليست الملاحظات التي أدلينا بها حول النقط الثلاثة الأخيرة سوى ملاحظات توضيحية؛ وإن كان يتعين أن نضيف إليها ملاحظة ذات أهمية خاصة على علاقة بعلم الاجتماع، ويمكن استخلاصها من هذا التحليل، وهي المتمثلة في أن فاقَةَ البلدان المتخلِّفة لا تعدو كونها فاقة ظاهرية، حيث إن كلا من هذه البلدان
стр. 53
تمتلك عدداً من الآدميين يكفي لتحويلها، كما تمتلك أحياناً أخصب وأغنى تراب في العالم - كما هي الحال بالنسبة إلى (أندونيسيا) مثلاً-، وهي تمتلك بطبيعة الحال الزمن الذي يعدّ هو نفسه بطريقة صارمة بالنسبة إلى الجميع.
وعلى النقيض من ذلك فإن الملاحظة المتعلقة بالنقطة الأولى تضعنا في مواجهة مشكلة جديدة، لأن الحضارة حيثما تكون في حالة شتيتة أو تَمْثُلُ على صورة سائبة، لا تمثّل حضارة، ولكن ركاماً مكدَّساً من الأشياء المشتتة، الفاقدة للتآلف في قليل أو كثير، حتى ليمكن أن نتمثّلها في صورة متحف من الطُّرَف المستغربة والمثيرة للاستطلاع، أو سوق للسِّلَع الزهيدة القيمة والبضائع الكاسدة البائرة. وهذه الملاحظة تقدم لنا عن طريق المراجعة، المعنى الحقيقي المتعلق بعلم الاجتماع لظاهرة التكديس التي أشرنا إليها فيما سلف أثناءَ حديثنا عن الطريق الذي لا يفضي إلى مخرج، والذي انخرطت فيه نهضة العالم الإسلامي منذ قرن من الزمان.
فهذه العناصر الثلاثة التي هي: الإنسان، والتراب، والزمن، لا تمارس مفعولها ضمن حالة شتيتة، ولكن ضمن تركيب متآلف، يحقق بواسطتها جميعاً إرادة وقدرة المجتمع المتحضّر.
وإذن فإن مشكلة هذا التركيب المتآلف هي التي توضع أمامنا.
وأنا لا أعتقد أن هناك طريقتين لتناول هذه المشكلة، فالتجارب البشرية المعاشة هي التي يمكنها أن ترشدنا بدروسها، إما بطريقة مباشرة ضمن التاريخ، وذلك ما لم تعترض بعض الأسباب الثانوية كحائل بين الأسباب الأساسية ونتائجها، وإما من خلال الاطرادات التي توجب علينا أن نرجع عن طريق التحليل إلى الأسباب الأولى ذاتها.
ولذا يجب علينا حسب اقتضاء الظروف أن نَتَبَنَّى هذا المنهاج أو ذاك في
стр. 54
عملية استقصائنا، وإن كانت النتيجة العملية تظل هي نفسها، وهي التي تهمنا من حيث التطبيق؛ إذ إن الشروط الخاصة بحضارة ما لا تقبل الانفصال فيما بينها، بحيث يحقق تركيبها المتآلف بطريقة تلقائية شروط قيامها بوظيفتها كإرادة وقدرة.
والواقع أننا عندما نسائل التاريخ، نجد أن الحضارات قد تشكلت ضمن ظروف هيمنت عليها فكرة الخلاص، وسيطرت على وعي الإنسان حتى غيرت اتجاهه. وهذه الفكرة لا تشكل صياغتها، ولا تصبح حاسمة إلا أمام خطر مرعب.
ويمكن للخطر أن يَمْثُلَ في شكل تَحَدٍّ من طرف الطبيعة نفسها (في صورة جفاف، أو طوفان إلخ ... )، أو تَحَدٍّ من طرف التاريخ في صورة غَزْوٍ، أو حرب، أو تهديد بالاسترقاق. وإلى هذا الشكل من التحدّي بالذات، يُرْجِعُ توينبي ( Toynbee) (١) الظروف العامة التي تتشكل ضمنها الحضارات. فتشكل الحضارة المصرية، يدخل في رأيه ضمن هذه المقولة.
стр. 55
ولكن هذا التأويل لا يمدنا بتفسير لما حدث على وجه الدقة، عند الهجرة السكانية التي تمت في بداية الأزمنة التاريخية، عقب ذلك الجفاف الذي اجتاح المناطق المتاخمة للجزائر، فغير شروطها المناخية؛ وصيرها إلى مناطق صحراوية؛ إذ لابدَّ أن يكون قد حدث ضمن هذا الخروج ( exode) شيءٌ ما يظل خارجاً عن متناول التفسير بالتحدّي الطبيعيّ، ما دام جزء من السكان قد بقي بنفس المكان وتكيف مع الشروط الجديدة لحياته، والتحق جزء آخر بأعالي (النّيل) ليجد من جديد شروط حياته القديمة، واتجه جزء واحد من هؤلاء السكان إلى مستنقعات (الدّلتا)، فروّض الطبيعة الجديدة؛ وهكذا ولدت الحضارة المصرية، كنتيجة مترتبة ليس عن الظاهرة الطبيعية وحدها فحسب، ولكن عن اختيار حرّ وقاصد، أعني عن إرادة جماعية وأوّليّة وجَّهت خطى هذا الجزء من (الخروج العام) نحو صقع محدّد.
ونحن لا نفسر آلية هذه الإرادة، ولكننا نقتصر على إثباتها باعتبارها في الوقت ذاته ظاهرة تظل خارجة عن متناول التفسير الطبيعيّ، ومظاهرة تدشينيّة مع ذلك لمجتمع جديد وحضارة جديدة.
ويمكننا أن نستند لدعم وجهة نظرنا على التاريخ اليهودي، الذي يمدّنا فعلاً بمثال لخروج آخر ..
وإن كان هذا الخروج لا يُفَسِّرُ حضارة إسرائيل، إلا في الحد الذي يُفَسَّرُ فيه هو ذاتُه بالعمل الأوّلي (لموسى) الرسول. ويبيّن لنا (الكتابُ المقدَّس) أيَّ صعوبات لاقاها هذا الأخير في كنف شعب حَرونٍ عَنُودٍ من أجل تشكيل إرادته وقيادته قبل هذا الخروج وبعده.
(فموسى) بالذات هو الذي يفتح لنا النافذة المطلَّة على المظهر الآخر من القضية، أعني عندما تُنْهِضُ فكرةُ الخلاص شعباً ما وتشكل إرادته بصورة عامة،
стр. 56
لا أمام خطر ناتج عن الطبيعة، ولكن إزاءَ خطر (أُخْرَوِيّ) وغَيْبِيّ.
ولقد ولدت المجتمعات التي ما تنفك تسلَّط حتى هذا الحين انعكاسات حضاراتها على الخارطة الجغرافية، وأعني بها: الهندوسية، والبوذية، والموسويّة، والمسيحية، والإسلامية، من هذه الانطلاقة الروحية التي أقامت هياكل (براهما) و (يَهْوَهْ) ( Brahma et Jéovah) ومعابد البوذية، والكنائس القوطية، والمساجد الإسلامية.
فكل هذه الحضارات المعاصرة لنا، قد شكلت تركيبها المتآلف الأصليّ للإنسان والتراب والزمن، في مهد فكرة دينيّة. وإذا اقتضى الأمر أن نصدر حكماً بشأن المجتمع الذي هو بصدد التشييد حالياً باتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، باعتباره شكلاً من الحضارة- وأنا أعتقد أنه يمثل بالفعل شكلاً لحضارة- نجد أن تكوينه ونموّه يفسّران بنفس الطريقة.
فمن وجهة النظر التاريخية، يتعين علينا ملاحظة أن الأفكار (الماركسية) قد استخدمت لنموّها واكتمالها كلَّ البنية التَّحْتِيَّة ( L'infrastructure) النفسانية والمفاهيمية المسيحية للإنسان الذي حوَّل إنجيل (يسوع المسيح) إلى إنجيل (لماركس)، وجميع المطامح التوّاقة إلى (ملكوت الربّ الإله)، إلى مطامح متشبّثة (بالفردوس الأرضي)! ..
ومن وجهة النظر النفسية فإن العقيدة التي أقامت في الماضي (كاتدرائيات) إمبراطورية (إيفيان الرابع) (الملقب بإيفيان الرهيب)، هي التي تتولى اليوم تشييد المصانع والسدود في بلاد (خروتشوف) (١) ...
فالفكرة الدينية تتدخل إما بطريقة مباشرة، وإما بواسطة بديلاتها
стр. 57
اللادينية نفسها، في التركيبة المتآلفة لحضارة ما، وفي تشكيل إرادتها. فهل يتعين علينا أن نستخلص في ذلك أنه يلزمنا أن ننتظر أو نستثير وحي فكرة دينية جديدة، في كل مرة توضع في مواجهتنا مشكلة نهضة؟
لقد حسمت أوروبا حالتها الخاصة منذ بضعة قرون، داخل الإطار المسيحيّ دون ريب، ولكن مع مبادرات في الميدان الفني، والأدبي، والفلسفي، كانت تذهب إلى ما وراء المبدأ الإنجيليّ.
فقد تشكل الفكر الأوروبي المعاصر في جوّ العقلانية ( Rationalisme) الفرنسية، والجماليّة ( Esthétisme) الإيطالية. ومع ذلك ففي كل مرة كانت تنتاب فيها هذا الفكر استثارة أو تحدّ وافد من الخارج، كان يرجع من جديد إلى أصله المسيحيّ كما يبيّن لنا ذلك التصريح الشهير الذي أعلنه (شارل العاشر) على أمم أوروبا غداة احتلال الجزائر.
ولكن حالتنا نحن تمثل حالة شعب استلم عن سلفه السامي ( Sémitique) ميْسِمَ أقوى انطلاقة دينية. ففي أوروبا كانت الحركة الدينية للنهضة حركة مُبْعِدَة عن المركز ( Centrifuge) على وجه العموم؛ ومن ثَمَّ فقد كانت تبتعد عن المسيحية. وتمثل (الماركسية) ضمن اعتبار معين، نتيجة لهذه العملية الإقْصائِيَّة التي أبعدت الفكر الأوروبي عن المركز المسيحيّ؛ وعلى النقيض من ذلك، فإن الحركة الدينية للنهضة الإسلامية تمثل حركة مقرّبة من المركز ( Centripète) ومن أجل تحقيق الشكل الجديد لحضارته، كان المجتمع الإسلامي يبحث بطريقة مُنْبَهِمَة، ولكن في تشبّث لا ينثني منذ قرن من الزمان، عن القبس الديني الضروري لتركيبته الحيوية، التاريخية المتجانسة. ولا يعد عملاً من أعمال الصدفة، ولكن بفعل منطق داخلي آمِر، أن تكون الجهود الذهنية الأولى لنهضة هذا المجتمع قد وجدت تعبيرها المحظوظ والملائم في قليل أو كثير، ضمن أعمال من قبيل (رسالة التوحيد) للشيخ محمد عبده، وأن يكون نفس مجهود الإنهاض
стр. 58
الاجتماعي في هذه البلاد بين سنة ١٩٢٠ وسنة ١٩٣٦، والذي حمل اسم: (الإصلاح)، مُسْتَوْحًى من الدين.
وأخيراً، فقد سجلت الثورة الجزائرية ضمن ميثاق طرابلس (الإسلام) ( Islamisme) بين مبادئها الموجِّهة لها، ذلك أنها كانت تطيع المنطق نفسه، لِعِلْمِها أنها قد اسْتَقَتْ هي نفسُها أصفى جوهرها وأقوى عناصر مفهوميتها ( Idéologie) من هذا الدين. وهكذا سجلت على هذا الغرار مبدأ (مُحَضِّراً) سامِقاً ضمن مفهوميتها، عِلماً منها بأنها تستطيع أن تستمدّ منه الشرارة الضرورية لتركيبة الإنسان، والتراب، والزمن، المتماسكة بالجزائر.
ومن جهة أخرى فقد بدأنا نشاهد على الصعيد السياسي، والفني، أوّليات مثل هذا الجهد ضمن إجراءات فعلية؛ فقد تمَّ بالفعل على صعيد التربية مثلاً وضع مشكلة الإنسان ضمن اتجاه حضارة، كما أن الهيئات التي اضطلعت بالدفاع عن المناهج التربوية سائرة في نفس هذا الاتجاه، حيث نضجت موجّهاتها في بوتقة الروح التي قامت على إعداد ميثاق طرابلس.
والواقع أننا عندما نضع مشكلة الإنسان تحت زاوية النموّ، يبدو لنا الزمن كبُعد من أبعاد فعّاليته. فالمشكلتان (أعني مشكلتي الإنسان والزمن) مترابطتان فيما بينهما، والموجهات التي تقدم حلاًّ لأولاهما، تحلّ الثانية معها.
وفيما يتعلق بالمشكلة المثالثة (أعني مشكلة التراب)، فإن الإجراءات المتخذة في ميدان الإصلاح الزراعي، وعملية التشجير، والتّنقيب المنجمي، تضعها وضعها الصحيح، كما تحدد أمر (التَّوضيب) الجديد للتراب في علاقته الوظيفية بحاجات بلاد تريد اجتياز عتبة نموِّها (١).
стр. 59
وبكلمة واحدة، فإن التركيبة المتجانسة للإنسان والتراب والزمن بصدد التحقق، بالرغم من المصاعب الملازمة لتحولات اجتماعية لَمَّا تزل في بدايتها، مع ما ينضاف إليها من المصاعب المصطنعة التي تقام أمام خطانا، لكي تبرهن لنا أننا غير قادرين على السير وحدنا.
ولكن الثورة قد شحذت إرادة شعب يرمي إلى التحرر مهما كلفه الثمن، من ارتهانه الثقيل الوطأة للتخلف، ويعتزم في كلمة واحدة، أن يَنْضَوي إلى الحضارة.
стр. 60
٢ - مُشْكِلَةُ الثَّقَافَةِ
محاضرة أُلقيت باللغة الفرنسية في الجزائر العاصة بتاريخ: ١٥ - ١ - ٦٤.
وباللغة العربية في مدينة قسنطينة بتاريخ: ٣٠ - ١ - ٦٤
ــ
стр. 61
في نهاية المحاضرة الأخيرة توصلنا إلى بضعة نتائج منها:
١ - أن المشاكل العديدة التي نطلق على مجموعها مصطلح (التَّخلُّف)، هي في الواقع تعبيرات مختلفة عن مشكلة واحدة ومفردة تواجه كلَّ بلاد متخلِّفة، أي أنها مشكلة (حضارة)، وذلك بشرط أن نتقبَّل هذه العبارة في استخدامنا لها، بصورة محدودة، وأعني بهذا أن تكون أقلَّ تعميماً من المعنى الذي اعتاد علم الإنسان ( Anthropologie) أن يفهمها عليه.
وبعبارة أخرى فالحضارة ليست كلَّ شكل من أشكال التَّنْظيم للحياة البشرية، في أيِّ مجتمع كان، ولكنها شكلٌ نوعيٌّ خاص بالمجتمعات النامية، بحيث يجد هذا الشكل نوعيته في استعداد هذه المجتمعات لأداء وظيفة معينة ليس المجتمع المتخلف في حالة تكيُّف معها لا من حيث رغبته، ولا من حيث قدرته، أو بعبارة أُخرى: لا من حيث أفكاره، ولا من حيث وسائله.
٢ - وأن هذه الرغبة، وهذه القدرة لدى المجتمع المتحضِّر، ناتجتان ليس عن تكديس منتجات الحضارة، ولكن عن تركيب أصيل لعناصر: التراب، والإنسان، والزمن.
٣ - وأننا إذ نفترض أن مشكلة التراب قد وجدت حلها، أو هي في طريقها إلى هذا الحل، كما هي الحال بالنسبة إلى الجزائر، حيث يتمُّ تحوير وضعيتها القانونية، وإعدادها الفني في علاقتهما الوظيفية بالاختيار الاشتراكي - فإن المشكلتَيْن الأُخْرَيَيْن مرتبطتان بطريقة عضوية بالمشكلة الأُولى، لأننا منذ مواجهتنا لمشكلة الإنسان المطروحة في نطاق النموِّ، نجد أن الزمن يواجهنا بالضرورة كَبُعْدٍ لفعَّالية الإنسان.
هذه هي مجموعة النتائج التي سبق أن توصلنا إليها. وهي تدلّنا منذ عثورنا عليها على الاتجاه الذي ينبغي لنا أن نسلكه إزاءَ مشكلة الثقافة التي تجابهنا
стр. 62
اليوم، والتي نتخذ منها موضوعاً لمحاضرتنا الثانية. فهذه المشكلة لا تواجهنا ألبتة في دائرة المجرَّدات، أي في: المسرح، أو السينما، أو مكتب عمل أحد الروائيِّين، أو في أسلوب إحدى الرقصات الفلكلورية، ولكنها تطرح أمامنا في العالم العَيْنِيِّ الملموس لعملنا اليومي، في إحدى حظائر البناء، أو في حقل نقوم بزراعته، أو في المدرسة حيث نرسل بأطفالنا لتلقي المعرفة، وفي الطرقات التي نعبر بها، والقاطرات التي ننتقل بواسطتها، وأخيراً في كل مكان يوجد فيه شكل من أشكال حياتنا ونشاطاتنا اليدوية أو الذهنية. فالقضية تقوم بالنسبة إلينا ليس في مجرد إعطاء مضمون معين لأوقات فراغنا فحسب، ولكن في إعطاء هذا المحتوى لوجوه نشاطنا الأساسية أولاً وبالذات. وبكلمة واحدة فإن موضوعنا لا يقتصر على نطاق معين فحسب، ولكنه يتعلق بالإطار الاجتماعي كله، حيث تدور حياتنا، وتتساوق نشاطاتنا، وتتشكل المشكلات العديدة التي تستحوذ على أفكارنا تحت اسم (التخلُّف).
وهكذا فنحن عندما نطرح هذا السؤال: (ما هي الثقافة؟)، فإننا لا نجد فكرنا حرّاً، ولكننا نراه محاطاً بكل تلك المشاكل. ومعلوم أن هذا السؤال ليس له المعنى نفسه، عندما يتعلق الأمر بمجرد اهتمام ذهني- له علاقة بجمع الوثائق أو بالناحية العلمية- وعندما يتعلق غرضه بمصلحة اجتماعية أساسية. ففي الحالة الأُولى نواجه مجرد مشكلة تصوّر لواقعٍ اجتماعيٍّ قائم، وفي الحالة الثانية تتمثل المسألة في موقف يُطلَبُ إلينا اتِّخاذه لمواجهة فراغ اجتماعي معين. ذلك أنه توجد بالتأكيد، ومهما تكن وجهة نظر بعض أصدقائنا حيال هذا الموضوع، نوعية خاصة بالمشكلة المطروحة أمامنا دون هوادة، منذ اللحظة الأُولى لصياغتها، كما أنها تزداد مواجهة لنا مع كل خطوة من سيرنا. ومنذ الخطوة الأُولى نجد أنفسنا إزاء طريقَيْن اثنَيْن: ففي الطريق الأول تقوم المسألة في إعداد التقويم الفعليِّ لثقافة معينة سبق إعدادها من قبل، كالحضارة بأثينا أو في إمبراطورية روما.
стр. 63
وفي الطريق الثاني تقتصر المسألة على مجرد تصورها في مجرد محتواها الْمُضْمَر، وفي الخطوط المتفاوتة الغموض التي تكوِّن مشروعها.
فالفهم والعمل غير مترادفَيْن: هذا هو اليقين ذاته. ولكن هناك ما يدعو إلى أن يجد هذا اليقين ترجمته في موقفنا إزاء مشكلة الثقافة، لأنها عندما تطرح علينا من حيث المبدأ، يصبح من الضروري لنا أن نقوم بوضعها في مكانها بالنظر إلى علاقتها بوضعيتنا التاريخية الخاصة.
ولهذا فإن المشكلة يمكن أن تطرح بصفة عامة ضمن ثلاثة أوضاع مختلفة:
١ - فعندما نتساءل: كيف تتكوَّن ثقافة معيّنة؟ يكون سؤالنا متضمِّناً لجواب عن مرحلة تاريخية معينة.
٢ - وعندما نتساءل: ما هو الدور الذي تؤدِّيه ثقافة معيَّنة؟ أو ما هي الصورة التي تبرز فيها هذه الثقافة؟ نجدنا إزاء وجهة نظر أُخرى للمشكلة.
٣ - أما عندما نتساءل: كيف يتمُّ إعداد ثقافة معيَّنة؟ فإننا نكون إزاء زاوية نظر مختلف عن الوجهتين السابقتين.
وهذه الأوضاع الثلاثة للمشكلة، كلها ذات قيمة على الصعيد النظري، إلا أنه من الواضح أن الوضع المثالث هو الذي يتضن الجواب عن المرحلة التاريخية التي تنتظم بلاداً كالجزائر، باعتبارها بلاداً بصدد الخروج من العهد الاستعماري، مع كل المشاكل التي خلفها لها هذا العهد وراءه.
فنحن عندما نطرح بالجزائر هذا السؤال: ما هي الثقافة؟ لا نفكر بالدرجة الأولى في ضروب التسلية التي يمكن أن تقدمها لنا الفنون الفلكلورية، والمسرح، والشعر؛ ولكننا نفكر أولاً في الحقائق المحسوسة للتخلُّف: في البطالة، والأُميّة، ونقص التغذية إلخ ...
стр. 64
وللتَّخلُّف جغرافيته، وتاريخه.
أما جغرافيته، كما سبق أن بيَّنَّا ذلك في محاضرتنا الأخيرة، فهي تشمل المساحة التي تنتظم على وجه التقريب نصف الكرة الجنوبي، والتي تقع في نطاقها في جميع الأحوال بلدان باندونغ ( Bandoeng) التسعة والعشرون (١).
وأما من الناحية التاريخية، فيجب علينا أن نميِّز بين شكلَيْن اثنَيْن للتخلُّف في هذه الرقعة الجغرافية: الشكل الذي يُعزَى إلى عوامل عرضية كالتَّقهقر الذي ينتاب الآن أو انتاب في الماضي تطور المجتمعات التي كانت نامية سابقاً، كما هي الحال بالنسبة إلى المجتمع الإسلامي حتى آخر عهد الدولة الموحديَّة؛ والشكل الذي يعزى إلى عوامل دائمة ومزمنة من الركود، كما هي الحال بالنسبة إلى العوامل التي انتابت حتى هذا الحين حياة السكان الذين يكوِّنون ما نسميه بالمجتمعات البدائية. وعلاوة على ذلك يجب أن نأْخذ في حسابنا الاستعمار الذي يمكنه أن يصبح عامل ركود أو تقهقر راجح الكفَّة.
ولكن مهما يكن مصدره التاريخي، فإن التخلُّف- عندما نعبِّر بمصطلحات اقتصادية عن الحقائق الواقعية لمجتمع في حالة ركود أو تقهقر- لا يشكل سوى مظهر من مظاهر مشكلة الإنسان الذي لم يتعلم طريقة استعمال وسائله الأولية، التي هي التراب والزمن بصورة فعالة، أو هو قد نسي ما تعلمه من هذا
стр. 65
الاستعمال، مع ملاحظة أن فعَّالية الإنسان بالذات هي التي تقوم بتحديد بقية العوامل الأخرى.
وإذن فإن الإنقاص من عدم فعَّالية الفرد، يعني الإنقاص من تخلُّف المجتمع ... إلا أنه يتبقَّى لنا أن نعقد الصلة بين الثقافة والفعَّالية باعتبارها صفة ملازمة للإنسان المتحضِّر. فنتيجة الفعَّالية أمر مؤكد بصورة إجمالية في الوضعية الاجتماعية والاقتصادية لمجتمع متحضر معين، باعتبار أن حضارته ليست إلا التعبير عن مستوى معين للإنسان والتراب والزمن، المتَضَمنَة جميعها في كل نتاج من منتجاتها، وفي تركيبها الأصيل بصورة عامة.
كما أن نتيجة الفعالية أمر مؤكد أيضاً في بعض الحالات المعينة، وذلك عندما يوجد مجتمع معين نامٍ على الصعيد الصناعي، في بعض الظروف الخاصة من تاريخه، ضمن حالة لا يملك فيها غير وسائله الأوَّليّة، بحيث لا يستطيع أن يستعمل من أجل إعادة بنائه إلا هذه الرسائل فحسب، أي الإنسان والتراب والزمن. وهذه الحالة هي التي نقدِّم لها على سبيل المثال قضيّة إعادة بناء ألمانيا عقب سنة ١٩٤٥م. فقد وجد الشعب الألماني نفسه، عقب الحرب، محروماً من جميع أبعاده الأُخرى، وخاصة فقدانه لسيادته السياسيّة، بحيث لم يعد يملك لمواجهة مشاكله إلا عضلاته وأفكاره، أو بعبارة أُخرى طاقته الحيوية، وثقافته.
ولكن فعاليّة الفرد الألماني، من أجل إعادة بناء بلاده، تقتصر في نهاية الحساب، ومن وجهة النظر الاجتماعيّة، على ثقافته لا غير.
وإذا ما دعينا على أية حال إلى القيام بتحديد القسط المعزوِّ إلى العضلات في هذا التحوُّل المدهش، الذي تمَّ في مدة عشر سنوات، فإننا ندعو بدورنا هؤلاء الذين يطرحون علينا هذا السؤال، إلى الالتفات لحظة ما نحو المساحة التي تعاني
стр. 66
التخلُّف، وإلى التساؤل عن السبب الذي أذى بالإنسان الذي يعيش على هذه المساحة إلى عدم الإنقاص من مشاكله الحيويّة بواسطة عضلاته فحسب؟
وإذن فإن مشكلة الثقافة هي التي تواجهنا على رقعة البلدان المتخلفة. ولهذا فنحن عندما نقوم بالموازنة بين النموِّ والتخلُّف، على المستوى الجماعي، أو بين الفعَّاليّة وعدم الفعَّاليّة على المستوى الفرديِّ، نكون قد قمنا بالمقارنة بين مستويات ثقافيّة معيّنة، أي بين ثقافة معيّنة من ناحية، وبين شيء معيّن يمكننا - لكي نحافظ على الروح المنهجيّة التي نعتمدها- أن نَسِمَهُ بطابع يشبه اللاثقافة، من ناحية أُخرى.
وعلى هذا فنحن عندما نطرح مشكلة الثَّقافة في بلاد متخلِّفة معيّنة، لا نملك الخيار عند طرحها، لأن الثقافة محدَّدة بواسطة كل معطيات التخلُّف، وبواسطة المعطى البشري أولاً وبالذات، بحيث يتعيَّن علينا أن نطرح المشكلة بصورة حاسمة في الشكل الدقيق الذي تواجهنا عليه، أي في وضعها المثالث:
- كيف يتمُّ إعداد ثقافة معيّنة؟
وهذا لا يعني وجوب اعتبار الوضعين الآخرَيْن كوضعَيْن قابلَيْن للإهمال، لأن وجهة نظرنا يمكنها على أيّة حال أن تشمل هنا حقلاً أوسع للتَّقصِّيات، وأن تنفتح على ثقافات بلدان أُخرى، حيث تمَّ إعداد الثَّقافة عبر مجرى القرون.
إلا أن المشكلة بالنسبة إلينا تمثل قضيَّة ذات نسق عمليٍّ: فنحن نريد اكتساب الفعَّاليّة الضَّروريّة لنا، والتخلُّص من وجوه عدم فعَّاليّتنا الحاليّة. والمشكلة تطرح علينا تحت المظهر الإيجابيِّ والمظهر السلبيِّ معاً: حيث يتعيَّن علينا أن نكوِّن رصيدنا الثَّقافي الفعَّال، وأن نُصَفِّيَ راسِبَنا السلبيِّ.
والحق أنه قد تمَّ الشروع بالجزائر في عمل مزدوج للبناء، ولإزاحة الأنقاض،
стр. 67
وذلك منذ ميلاد الحركة العصريَّة التجديديَّة، والحركة الإصلاحيَّة. ولكن المحاولة لم تكن في هذا الميدان بالخصوص موجهة بمقتضى عملية تخطيطيَّة، لأنها سلكت طرق الخبرة الساذجة. فقد حدث أن نسي الصبح بالمدرسة أن يقوم بإصلاح نفسه، وكان (رجل الصَّفوة المتعلِّمة) الذي تلقَّى دروسه بالمدرسة العصريَّة، والذي ربما أُتيح له أن يستكمل دراساته بباريس، منفصلاً في قليل أو كثير عن وسط آبائه، وعن المعارك الدائرة بهذا الوسط، فيما عدا بعض المعارك الانتخابيّة (١). إلا أنه يجب علينا على الأقل أن نعزو إلى حساب هذه الحركة الإصلاحيّة عمليّة تصفية ذلك القسط هن راسبنا الثَّقافي السلبيّ المتمثِّل في النَّزعة المرابطيّة.
ولكن (الفراغ الثَّقافي) يبلغ إجمالاً في حالة المتعلِّم المستغرب، حدّاً يضاعف من خطورته فراغ اجتماعي معيّن، وذلك عندما يقوم هذا المتعلِّم بشَجْبِ جميع الرّوابط التي تصله بوسط آبائه، وأحياناً مع أُسرته نفسها. وكان هذا الانْبِتاتُ الاجتماعيُّ يتخذ في بعض الأحيان بُعْدَ الفضيحة عندما تقوم إحدى العائلات بنبذ أحد أبنائها. ومثال ذلك ما حدث حوالي سنة ١٩٣٠م، عندما نشر أحد المتعلِّمين الجزائريين بباريس كتاباً أثار موجة غضب في سائر البلاد لأنه مَسَّ بكرامتها. كما كان يتَّخذ كذلك شكلاً أكثر شيوعاً وهو ما يتمثَّل في ذلك المروق الذي يدعو الأفراد إلى استبدال جنسيتهم، الأمر الذي كان رائجاً في الجيل السابق.
وهكذا يبدو لنا أن نتيجة المدرسة قد كانت سلبيّة في غالب الأحيان على الصعيد الاجتماعي. ولكن هذا التَّقويم نفسه، يمكننا استخلاص فائدة معيّنة، من تجربة وطنيَّة معاشة، وذلك في اعتبارنا لحدودها في صورتها النسبيّة، ذلك
стр. 68
أن التجربة لم تكن وطنيّة إلا بتأثيراتها، وليس بأسبابها، لأن العائلات في الجيل السابق كانت ترسل بأطفالها إلى المدرسة لا لكي تعدّهم للقيام ببعض الواجبات المعيّنة، ولكن لكي تهيِّئهم للحصول على بعض الفوائد المعيَّنة.
وعلى أيّة حال فقد أتاحت لنا تجربة المدرسة الفرنسية طوالى منتصف القرن المنصرم، أن نلمس بأصابعنا على نحو ما، وفي أكثر من مناسبة، حقيقة معيّنة: وهي أن المتعلِّم الجزائري الذي تمَّ تشكيله على مقاعد هذه المدرسة، كان من الناحية الاجتماعية أقلَّ فعَّالية من زميله الأوروبي أو اليهودي، كما لو كان مصاباً بمُعامِل معيَّن من النقص. ومع هذا فقد كان يبرهن في أكثر من حالة، على صفاته الشخصيّة، بما كان يحظى به من تقديرات متفوِّقة في ختام دراساته. ومنذئذٍ نجدنا إزاء هذه الملاحظة الأولى التي تفرض نفسها، والمتمثِّلة في أن المحصول الاجتماعيّ أو فعَّالية الفرد، ليست بالدرجة الأُولى على علاقة وظيفيَّة باستعداداته الشخصيّة؛ بالإضافة إلى ملاحظة ثانية: وهي أن المدرسة لا تحلُّ وحدها مشكلة الثِّقافة، لأن حلَّها يبدو لنا مُتَأتِّياً عن شروط أكثر عموماً.
وهذه الملاحظة الأخيرة تتيح لنا إذن أن نطرح مشكلة الثَّقافة في علاقتها بالمدرسة بطريقة أفضل، ما دمنا قد عرفنا أن المدرسة لا تقدِّم للتلميذ الصفات المحدّدة للمحصول الاجتماعي أو الفعَّالية- وأعني بها الصفات التي ننتظرها من الثقافة- إلا ضمن شروط معيّنة تتجاوز الإطار المدرسي. ولكن قبل أن نقوم باستخلاص نتيجة معيّنة أصبحت الآن ماثلة في أذهاننا، يتعيَّن علينا أن نزيد في تحديد ما نعنيه بالمحصول الاجتماعي والفعَّالية، وذلك بأن نستشهد لهذه العبارات بشواهد خاصة بالإطار الجزائري.
فقد أُتيح للفرد الجزائري المنتمي إلى الصَّفوة المتعلِّمة أن يبرز على المسرح السياسيِّ خلال عهد (الأمير خالد). وكان يكوِّن مجموعَ هذه الصَّفوة المتعلِّمة:
стр. 69
ثُلّةٌ من الأطبَّاء، وبعض المحامين، وبضعة من الأساتذة، وحفنة من المُعلِّمين. ولا ريب في أن أفراد الجيل الذي عاصرتُه لا يزالون يذكرون أصداء النضال الذي خاضته هذه الصَّفوة المتعلِّمة في سبيل الحصول على حق الالتحاق بالمدرسة. فالمؤكد أن البذور الأُولى للمطالبة بالحقوق الوطنيّة، قد تشكَّلت داخل هذه المناقشة وما دار فيها من أخذٍ وردٍّ. ولكن الذي يهمّنا هنا، ليس هو الجانب التاريخي للحركة الوطنيّة إبان بوادرها الأولى، وإنما هو النتيجة المحسوسة للموقف المتّخذ إزاء مشكلة اجتماعيّة محدَّدة، وذلك لكي نتَّخذ منها معياراً لحكمنا على فعَّالية (نُخبتنا) المتعلِّمة في ذلك العهد.
فهذه النُّخبة لم توفِّر لا من رصيدها الكلامي ولا من أزواد حبرها، فقد كانت خطبها الرنَّانة تتجاوب في الآفاق، كما كانت مقالاتها تملأُ أوراق الصحافة الوطنية. ولكننا يجب أن نسجِّل أن مشكلة الالتحاق بالمدرسة قد ظلّت مطروحة مع ذلك دائماً، ما دامت هذه المشكلة لا تنفكُّ تواجه الحكومة الجزائريّة حتى هذا اليوم بالمدى نفسه من الحدّة (١). وهنا نجدنا إزاء واقع، ومعيار معيَّنَيْن.
وفي مقابل ذلك يجب علينا أن نأخذ في اعتبارنا واقعاً آخر؛ فنحن لا نزال نذكر أن حكومة فيشي ( Vichy) قد قامت خلال سنة ١٩٤٠م بتمديد تطبيق القرار الهتلري لنورمبورغ ( Décret Hitlérien de Nuremberg) على المجموعة اليهودية الجزائرية. وفي هذه الحالة الدقيقة، رأينا الفرد اليهودي المنتمي إلى الصفوة المتعلِّمة، والذي تمَّ تشكيله في المدرسة الفرنسية نفسها، يجابه المشكلة الاجتماعية نفسها. ولكن المتعلِّم اليهودي لم يتناول هذه المشكلة بالطريقة نفسها
стр. 70
التي تناولها بها المتعلِّم الجزائري؛ فهو لم يجعل منها موضوعاً للمطالبة، فاتحاً بذلك باب الديماغوجية، بل جعل منها موضوعاً لالتزام شخصي، ولعملٍ مستقلٍّ بذاته. فقد قام بتحويل ذاته، خارج دائرة وظيفته، إلى معلِّم أو أُستاذ، يزاول مهمته تحت سقف بيته الخاص، بحيث كان في إمكان التلميذ أو الطالب اليهودِيَّيْن أن يواصلا دروسهما في البيت بصورة عاديّة تقريباً، حسب مواقيت وبرامج ملائمة.
وفي هذه الظروف التي زادت من خطورة المشكلة بالنسبة إلى أطفالنا نحن، حتى في صورتها النسبيَّة، لأن إجراء الاستيلاء التحكُّميِّ زمن الحرب كان يمارس في حريَّة ضدَّ تعليمنا الحرّ، رأينا الأطفال اليهود ينفلتون مع ذلك من تأْثيرات صرامة الأحكام العنصريّة الخاصّة بقانون العدد المحدود لنورمبورغ ( Numérus Clausus de Nuremberg)، بفضل فعَّالية المتعلِّم اليهوديّ.
وهذه حالة تمكننا عند ملاحظتنا لفعَّالية الآخرين، وكلما قمنا بإعادة النظر إلى أنفسنا، من مشاهدة لافعَّاليّتنا الخاصة على مستوى نخبتنا، أي على المستوى الذي عهدنا فيه عادة أن تحقق ضمنه ثقافةٌ معيَّنة أقصى ما تملك من جهودها ومن تأْثيراتها.
إلا أن هذه الظروف نفسها تمدُّنا بحالة أُخرى، تكون عملية المقارنة ضمنها أكثر إفادة لنا في هذه المرَّة، وذلك على الصعيد السياسي. فالواقع أننا لا نزال نذكر في الثامن من شهر نوفبر سنة ١٩٤٢م، وعند حلول الحلفاء بالجزائر خاصة، أن غياب نخبتنا المتعلِّمة كان ملحوظاً في هذا الظرف بالخصوص؛ بينما كان أحد الأساتذة اليهود يتقدم في ذلك الحين باسم أبناء دينه مصحوباً بعدد معين من المطالب، كما لو كانت المجموعة التي ينتمي إليها هي المضطلعة بتمثيل الشخصية الجزائرية بكل ما يناط بها من أعباء، وما يُعزَى إليها من مصالح. ويمكننا ابتداء من هنا أن نقوم بملاحظتَيْن اثنتَيْن:
стр. 71
١ - فالفرد لا يدين بصفاته الاجتماعيّة لتشكيله المدرسي، ولكن لشروط خاصة بوسطه.
٢ - أما من حيث سلوكنا السَّلبي إزاء هذه المشكلة أو تلك، فإن جميع أسباب اللافعَّالية الخاصة بوسطنا هي التي تجعل منا أشخاصاً فاقدين للفعَّالية.
وها هنا نقوم باستخلاص تلك النتيجة التي سبق أن أشرنا إليها منذ حين، والتي أصبحت الآن ماثلة في أذهاننا، كما أنها قد أصبحت مشروعة تماماً، وهي أن الثقافة ليست ظاهرة صادرة عن المدرسة، ولكنها ظاهرة ناجمة عن البيئة.
ومن ناحية أخرى، فنحن لكي نقوم بتفسير كل الأسباب المتفشية في هذه البيئة، والتي تجد ترجمتها في السلوك الفعَّال أو غير الفعَّال، لا نعثر إلا على تفسيرَيْن ممكنَيْن: إذ يمكننا أن نفسِّر تلك الأسباب بمعطيات ذات نسق بيولوجي، بالطريقة التي يعتمدها غوبينو ( Gobineau) ، وهتلر ( Hitler) ، ولويس برتراند ( Louis Bertrand) أو رينان ( Renan) ، أو بالعوامل ذات النسق الاجتماعي التي تنتاب مجتمعاً معيناً خلال مرحلة معينة من تاريخه، إما في طور من أطوار تقهقره، أو في حالة من حالات ركوده.
إلا أن التفسير الأول لا يمكنه أن يصمد في وجه النقد التاريخيّ، وذلك إذا لم نقم بالحكم على أحد المجتمعات في مرحلة معينة من تاريخه، ولكن في دروة كاملة من دورات تطوره.
وحينئذٍ يَمْثُل أمامنا الجنس الذي يمنحه (رينان) الأوّلية (١)، على صورة
стр. 72
لا تبلغ شأْوَ (جنس السادة) عندما نحكم على جهده المتطاول عبر القرون من أجل التخلص من نير الموالي الذين كانوا يرضخونه لأشنع ضروب المقت والهوان، من قبيل حقّ الوَطء ( Droit de jambage) الذي يُقضِّي المولى بمقتضاه الليلة الأُولى على فرايق الزوجية برفقة عروس تابعه.
ومن جهة أخرى فإن الجنس الذي يرصده (رينان) لكي يزجَّ به في غيابات أقبية عمل الرقيق (١)، سيتكشف له تحت ملامح مغايرة لما يتصوره عليه، عندما كان هذا الجنس يحمل مشعل الحضارة في عصور أُخرى.
إلا أنه يتبقَّى لنا مع هذا أن نحسم مشكلة ضروب التباين في السلوك، التي سبق أن لاحظنا وجودها ضمن وضعيات مختلفة.
فقد توصلنا إلى ثلاث نقط في هذا الموضوع، وهي:
١ - أن التخلف هو نتيجة أو حاصل ضروب اللافعَّالية الفردية؛ فهو فقدان للفعَّالية على مستوى مجتمع معيّن.
٢ - وأن اللافعَّالية لا يمكن التخفيض منها بواسطة تكوين يقتصر تصوُّره على الإطار المدرسي وحده.
٣ - وأن مشكلة السلوك ترجع إلى الثقافة، ولكن هذه الثقافة يجب أن يتمَّ تصورها وإعدادها ضمن إطار اجتماعي يشمل سائر المجتمع، ولا يقتصر على صنف اجتماعي معين. وهذه النقطة المثالثة الناجمة عن ملاحظاتنا المتعلقة بأحداث
стр. 73
تجربة تمت في ألمانيا، وبتجربتنا الخاصة بالجزائر منذ خمسين عاماً، وبالتجربة التي احتكَّ بها جيلنا خلال السنوات الواقعة بين عام ١٩٤٠م وعام ١٩٤٤م، تثير أمامنا مشكلة الثقافة ضمن حدودها الصحيحة، وفي صورتها التالية:
- كيف يتمُّ إعداد ثقافة معينة؟
أما السؤالان الآخران:- كيف تتكوَّن ثقافة معينة؟ وما هو الدور الذي تؤدِّيه ثقافة معينة؟ أو ما هي الصورة التي تبرز فيها ثقافة معينة؟ فهما سؤالان مهمَّان، ولكنهما ليسا بالأساسيَّيْن بالنسبة إلى موضوعنا.
فالسؤال الأول يمكن أن يحظى باهتهام عالم الاجتماع في بلاد تكفَّل فيها الزمن خلال تعاقب القرون ببلورة القيم الثقافية التي تغذت منها وتشرَّبتها أجيال متوالية، بحيث تمكنت بالتدريج من تغيير عوائدها إلى آليات للسلوك.
والسؤال الثاني يمكن أن يشغل بال الناقد الأدبي أو الناقد الفني، أو أحد هواة الفلكلور إلخ ...
أما السؤال الذي يهمّنا والذي نطرحه بطريقة منهجية، فيجب أن نزيد من تحديده بطريقة نصوغ بمقتضاها في جلاء صريح موضوغ ثقافتنا ذاتها، بحيث يتعين أن يُثار السؤال في علاقته الوظيفية بهذا الموضوع نفسه، ضمن هذه الصورة:- كيف يتمُّ إعداد ثقافة متلائمة مع السلوك الفعَّال؟
لقد تأكد لنا من خلال التجارب التي سلف أن أشرنا إليها في دراستنا هذه، أن السلوك الذي ندعوه بالسلوك الفعَّال، لم يتم تشكيله داخل المدرسة لأن التعليم الفرنسي لم يمنح للجيل الجزائري الذي سبق جيل الثورة عادات الفعَّالية التي نجدها ضمن السلوك الذي شاهدناه في مواضع أخرى.
وإذن فهذا السلوك الأخير لا يتشكل على مقاعد المدرسة، ولكن ضمن مجموع الإطار الاجتماعي- الثقافي الذي يحيط بالفرد.
стр. 74
ومنذئذ يصبح في الإمكان أن نحدد الثقافة باعتبارها نتاجاً للبيئة. فنحن مدعوون إلى صياغة هذا التعريف في الحدود التي نلاحظ ضمنها في البلدان النامية، أن الثقافة باعتبارها مصدراً لوجوه السلوك، ليست مقصورة على صنف اجتماعي معيّن، ولكنها جميع الطبقات الاجتماعية.
فالبيئة تُعدّ إذن بمثابة الرَّحِم بالنسبة إلى القيم الثقافية. الأمر الذي يمكننا ضمن تعريف إجمالي أوَّليّ، من أن نعتبر الثقافة نفسها كبيئة مكونة من الألوان، والأصوات، والأشكال، والحركات، والأشياء المأنوسة، والمناظر، والصور، والأفكار المتفشيّة في كل اتجاه (١).
فهي بيئة تمارس مفعولها على الراعي وعلى العالم سواء. وهي الوسط الذي يتشكل داخله الكيان النفسي للفرد، بالصورة نفسها التي يتم بها تشكل كيانه العضوي داخل المجال الجويّ الحيويّ الذي ينتظمه.
فنحن لا نتلقى الثقافة، وإنما نتنفسها ونتمثلها بالطريقة نفسها التي يتم بمقتضاها تنفسنا وتمثّلنا لأكسجين الهواء.
стр. 75
والمدرسة عامل مساعد من عوامل الثقافة، ولكننا نخطئُ في تقدير وظيفتها عندما نعتقد أن في إمكانها أن تحلَّ مشكلة الثقافة وحدها.
وهي لا يمكنها أن تقوم بدور العامل المساعد إلا في الحدود التي تندمج فيها وظيفتها ضمن الخطوط الكبرى لمشروع ثقافة، على المنوال الذي تجري فيه الآن محاولة إنجاز ذلك في إطار التعليم الجزائري الذي تواجهنا جميع مشاكله، وفي مستوى التعليم الابتدائي بالخصوص، ضمن حدود التكوين بدلاً من حدود المعرفة.
إلا أنه يتعيّن علينا على أيَّة حال أن لا نضيع فائدة تجربتنا، طوال نصف القرن الماضي، وهي المتمثلة في إدراكنا أن الثقافة تمثل ظاهرة بيئة، قبل أن تكون ظاهرة مدرسة (١).
ولكي نقوم بإعداد ثقافة يجب أن نركِّز انتباهنا على مجموع الإطار الثقافي، على المنوال نفسه الذي يتمُّ فيه إنجاز ذلك خلال بعض التجارب الراهنة، وخاصة بالجمهورية الصينية، حيث شرع في تغيير البيئة على مستوى قد يثير دهشة الملاحظ الغربيِّ أحياناً، لا سيما إذا كان قد أنِسَ الوجه التقليديّ للصين القديمة، وذلك عندما يشاهد على سبيل المثال بائع الفطائر وهو يرتدي الكساء الأبيض النقيّ، ويتناول أقراص بضاعته بملاقط من النِّيكل، وكأنه أحد أطباء الجراحة.
ولا يهمنا كثيراً إذا كانت هذه الجزئية، التي ينعكس من خلالها ذلك التحوُّل، ستدعو هاوِي الفلكلور إلى الابتسام حيالها، ولكن الذي يهمنا هو أن ننظر إليها باعتبارها مقابلاً واقعياً لتحوُّل شامل لوجوه السلوك.