← Общие книги

Общие книги · id 32674

القضايا الكبرى

مالك بن نبي

Полный текст (213 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

١ - فالفرد لا يدين بصفاته الاجتماعيّة لتشكيله المدرسي، ولكن لشروط خاصة بوسطه. ٢ - أما من حيث سلوكنا السَّلبي إزاء هذه المشكلة أو تلك، فإن جميع أسباب اللافعَّالية الخاصة بوسطنا هي التي تجعل منا أشخاصاً فاقدين للفعَّالية. وها هنا نقوم باستخلاص تلك النتيجة التي سبق أن أشرنا إليها منذ حين، والتي أصبحت الآن ماثلة في أذهاننا، كما أنها قد أصبحت مشروعة تماماً، وهي أن الثقافة ليست ظاهرة صادرة عن المدرسة، ولكنها ظاهرة ناجمة عن البيئة. ومن ناحية أخرى، فنحن لكي نقوم بتفسير كل الأسباب المتفشية في هذه البيئة، والتي تجد ترجمتها في السلوك الفعَّال أو غير الفعَّال، لا نعثر إلا على تفسيرَيْن ممكنَيْن: إذ يمكننا أن نفسِّر تلك الأسباب بمعطيات ذات نسق بيولوجي، بالطريقة التي يعتمدها غوبينو ( Gobineau) ، وهتلر ( Hitler) ، ولويس برتراند ( Louis Bertrand) أو رينان ( Renan) ، أو بالعوامل ذات النسق الاجتماعي التي تنتاب مجتمعاً معيناً خلال مرحلة معينة من تاريخه، إما في طور من أطوار تقهقره، أو في حالة من حالات ركوده. إلا أن التفسير الأول لا يمكنه أن يصمد في وجه النقد التاريخيّ، وذلك إذا لم نقم بالحكم على أحد المجتمعات في مرحلة معينة من تاريخه، ولكن في دروة كاملة من دورات تطوره. وحينئذٍ يَمْثُل أمامنا الجنس الذي يمنحه (رينان) الأوّلية (١)، على صورة

стр. 72

لا تبلغ شأْوَ (جنس السادة) عندما نحكم على جهده المتطاول عبر القرون من أجل التخلص من نير الموالي الذين كانوا يرضخونه لأشنع ضروب المقت والهوان، من قبيل حقّ الوَطء ( Droit de jambage) الذي يُقضِّي المولى بمقتضاه الليلة الأُولى على فرايق الزوجية برفقة عروس تابعه. ومن جهة أخرى فإن الجنس الذي يرصده (رينان) لكي يزجَّ به في غيابات أقبية عمل الرقيق (١)، سيتكشف له تحت ملامح مغايرة لما يتصوره عليه، عندما كان هذا الجنس يحمل مشعل الحضارة في عصور أُخرى. إلا أنه يتبقَّى لنا مع هذا أن نحسم مشكلة ضروب التباين في السلوك، التي سبق أن لاحظنا وجودها ضمن وضعيات مختلفة. فقد توصلنا إلى ثلاث نقط في هذا الموضوع، وهي: ١ - أن التخلف هو نتيجة أو حاصل ضروب اللافعَّالية الفردية؛ فهو فقدان للفعَّالية على مستوى مجتمع معيّن. ٢ - وأن اللافعَّالية لا يمكن التخفيض منها بواسطة تكوين يقتصر تصوُّره على الإطار المدرسي وحده. ٣ - وأن مشكلة السلوك ترجع إلى الثقافة، ولكن هذه الثقافة يجب أن يتمَّ تصورها وإعدادها ضمن إطار اجتماعي يشمل سائر المجتمع، ولا يقتصر على صنف اجتماعي معين. وهذه النقطة المثالثة الناجمة عن ملاحظاتنا المتعلقة بأحداث

стр. 73

تجربة تمت في ألمانيا، وبتجربتنا الخاصة بالجزائر منذ خمسين عاماً، وبالتجربة التي احتكَّ بها جيلنا خلال السنوات الواقعة بين عام ١٩٤٠م وعام ١٩٤٤م، تثير أمامنا مشكلة الثقافة ضمن حدودها الصحيحة، وفي صورتها التالية: - كيف يتمُّ إعداد ثقافة معينة؟ أما السؤالان الآخران:- كيف تتكوَّن ثقافة معينة؟ وما هو الدور الذي تؤدِّيه ثقافة معينة؟ أو ما هي الصورة التي تبرز فيها ثقافة معينة؟ فهما سؤالان مهمَّان، ولكنهما ليسا بالأساسيَّيْن بالنسبة إلى موضوعنا. فالسؤال الأول يمكن أن يحظى باهتهام عالم الاجتماع في بلاد تكفَّل فيها الزمن خلال تعاقب القرون ببلورة القيم الثقافية التي تغذت منها وتشرَّبتها أجيال متوالية، بحيث تمكنت بالتدريج من تغيير عوائدها إلى آليات للسلوك. والسؤال الثاني يمكن أن يشغل بال الناقد الأدبي أو الناقد الفني، أو أحد هواة الفلكلور إلخ ... أما السؤال الذي يهمّنا والذي نطرحه بطريقة منهجية، فيجب أن نزيد من تحديده بطريقة نصوغ بمقتضاها في جلاء صريح موضوغ ثقافتنا ذاتها، بحيث يتعين أن يُثار السؤال في علاقته الوظيفية بهذا الموضوع نفسه، ضمن هذه الصورة:- كيف يتمُّ إعداد ثقافة متلائمة مع السلوك الفعَّال؟ لقد تأكد لنا من خلال التجارب التي سلف أن أشرنا إليها في دراستنا هذه، أن السلوك الذي ندعوه بالسلوك الفعَّال، لم يتم تشكيله داخل المدرسة لأن التعليم الفرنسي لم يمنح للجيل الجزائري الذي سبق جيل الثورة عادات الفعَّالية التي نجدها ضمن السلوك الذي شاهدناه في مواضع أخرى. وإذن فهذا السلوك الأخير لا يتشكل على مقاعد المدرسة، ولكن ضمن مجموع الإطار الاجتماعي- الثقافي الذي يحيط بالفرد.

стр. 74

ومنذئذ يصبح في الإمكان أن نحدد الثقافة باعتبارها نتاجاً للبيئة. فنحن مدعوون إلى صياغة هذا التعريف في الحدود التي نلاحظ ضمنها في البلدان النامية، أن الثقافة باعتبارها مصدراً لوجوه السلوك، ليست مقصورة على صنف اجتماعي معيّن، ولكنها جميع الطبقات الاجتماعية. فالبيئة تُعدّ إذن بمثابة الرَّحِم بالنسبة إلى القيم الثقافية. الأمر الذي يمكننا ضمن تعريف إجمالي أوَّليّ، من أن نعتبر الثقافة نفسها كبيئة مكونة من الألوان، والأصوات، والأشكال، والحركات، والأشياء المأنوسة، والمناظر، والصور، والأفكار المتفشيّة في كل اتجاه (١). فهي بيئة تمارس مفعولها على الراعي وعلى العالم سواء. وهي الوسط الذي يتشكل داخله الكيان النفسي للفرد، بالصورة نفسها التي يتم بها تشكل كيانه العضوي داخل المجال الجويّ الحيويّ الذي ينتظمه. فنحن لا نتلقى الثقافة، وإنما نتنفسها ونتمثلها بالطريقة نفسها التي يتم بمقتضاها تنفسنا وتمثّلنا لأكسجين الهواء.

стр. 75

والمدرسة عامل مساعد من عوامل الثقافة، ولكننا نخطئُ في تقدير وظيفتها عندما نعتقد أن في إمكانها أن تحلَّ مشكلة الثقافة وحدها. وهي لا يمكنها أن تقوم بدور العامل المساعد إلا في الحدود التي تندمج فيها وظيفتها ضمن الخطوط الكبرى لمشروع ثقافة، على المنوال الذي تجري فيه الآن محاولة إنجاز ذلك في إطار التعليم الجزائري الذي تواجهنا جميع مشاكله، وفي مستوى التعليم الابتدائي بالخصوص، ضمن حدود التكوين بدلاً من حدود المعرفة. إلا أنه يتعيّن علينا على أيَّة حال أن لا نضيع فائدة تجربتنا، طوال نصف القرن الماضي، وهي المتمثلة في إدراكنا أن الثقافة تمثل ظاهرة بيئة، قبل أن تكون ظاهرة مدرسة (١). ولكي نقوم بإعداد ثقافة يجب أن نركِّز انتباهنا على مجموع الإطار الثقافي، على المنوال نفسه الذي يتمُّ فيه إنجاز ذلك خلال بعض التجارب الراهنة، وخاصة بالجمهورية الصينية، حيث شرع في تغيير البيئة على مستوى قد يثير دهشة الملاحظ الغربيِّ أحياناً، لا سيما إذا كان قد أنِسَ الوجه التقليديّ للصين القديمة، وذلك عندما يشاهد على سبيل المثال بائع الفطائر وهو يرتدي الكساء الأبيض النقيّ، ويتناول أقراص بضاعته بملاقط من النِّيكل، وكأنه أحد أطباء الجراحة. ولا يهمنا كثيراً إذا كانت هذه الجزئية، التي ينعكس من خلالها ذلك التحوُّل، ستدعو هاوِي الفلكلور إلى الابتسام حيالها، ولكن الذي يهمنا هو أن ننظر إليها باعتبارها مقابلاً واقعياً لتحوُّل شامل لوجوه السلوك.

стр. 76

فكل جزئية تندرج مع علامتها السالبة أو الموجبة ضمن تقويم ثقافة معينة، لأن كل جزئية تافهة أو غير مألوفة تَشيعُ داخل البيئة التي يتطور ضمنها الراعي والعالم سواء، من شأْنها أن تدعو الطفل الناشئ إليها، وتقيم معه منذ ميلاده حواراً يظل مستمراً حتى شيخوخته، بحيث ينطبع في كل حدّ من حدوده على ذاتيته، وعلى شخصيته ووجوه الإلهام الخلاقة التي تسجِّل أعظم لحظات العبقرية البشرية، كانت مرتبطة بجزئيات تبدو في ظاهرها غير ذات معنى، من قبيل: الحوض بالنسبة إلى أرشميدس ( Archimède)، والتفاحة بالنسبة إلى نيوتن ( Newton)، وآنية غليان الماء بالنسبة إلى دنيس بابان ( Denis Papin)، وفوَّارة الماء بالنسبة إلى ليست ( List). وعلى هذا فإن مشروع ثقافة معينة، يجب أن يشمل سائر البيئة مع اعتباره للجزئية حسب علاقتها السلبية أو الإيجابية، وحسب انخراطها ضمن رصيد ثقافي فعَّال، أو ضمن ركام سالب. فمشكلة الثقافة تطرح ضمن هذا المظهر المزدوج بالذات. إلا أننا في اهتمامنا بالمنهج الذي نعتمده، لا نتناولها هنا إلا ضمن مظهرها الأول أي الموجب، تاركين المظهر الثاني السلبيّ لغيرنا من الباحثين أو لمناسبات أُخرى. ومع هذا يتعيَّن علينا أن نلحَّ على أهمية مظهرها السلبي، وخاصة عندما يجب على أحد المجتمعات أن يشرع في التخلُّص من رواسبه البالية، وفي وضع الأُسس التي يقوم عليها نظام جديد، كما كان يفعل إبراهيم ﵇ عندما كان يمسك بمِعْوَلِه ويحطِّم أوثان المدينة التي ولد فيها من بلاد الكلدانيين، لكي يُرْسي الدعائم الراسخة لعالم التوحيد. فالمسألة تقوم بالنسبة إلى الجيل الذي حقق الثورة الجزائرية، في الاضطلاع بمشروع ثقافة يكون في مستوى مهامِّ الثورة، حسب ما نُصَّ عليها في برنامج

стр. 77

طرابلس، مع أخذه بعين الاعتبار للمشاكل النوعية الخاصة بالتخلُّف وباللافعَّاليّة (١). فقد علَّمتنا تجربتنا بالجزائر أن الثقافة لا تُسْتَورَدُ بنقلها من مكان إلى آخر، بل يجب خَلْقُها في المكان نفسه، لأن البيئة ليست إحدى لوحات الرسم التي نفكُّها من مسمار الجدار الذي عُلِّقت عليه، لكي ننقلها إلى منزلنا. مضافاً إلى ذلك أن البيئة تقدِّم لنا عناصرها على صورة متراكمة وغير منظَّمة. ولهذا يتعيَّن علينا أن نقوم بترتيب عناصرها لكي ندرج احتشادها ضمن إطار موحِّد. ونحن نلاحظ في احتكاكنا للوهلة الأُولى بعملية الترتيب هذه، أنها تتمُّ في الحياة الاجتماعية بطريقة تلقائية على نحو ما، في شكل أُسلوب معيَّن للحياة خاص بالمجتمع المتحضَّر، وسلوك معيّن خاص بأفراده. ويمثل هذا تركيباً أوَّليّاً للعناصر الثقافية، ولكننا نلاحظ في الوقت نفسه وكنتيجة أُولى مترتبة على هذا التركيب المتآلف، وجود نشاط متبادَل بين أُسلوب الحياة، وبين السلوك، بطريقة تجعل أحدهما يرمي إلى الاحتفاظ بالآخر في خط مطلبه واقتضائه الخاص. وبعبارة أُخرى فإن المجتمع يقتضي سلوكاً معيناً من الأفراد، وهؤلاء يقومون بردِّ الفعل عن طريق اقتضائهم الخاص في صورة أسلوب معيّن للحياة، بحيث يتم هذا التبادل الذي يتولَّى تعديل الإطار الثقافي بطريقة ذاتية في صورة إرغام اجتماعي من ناحية، وعملية نقدية من ناحية أُخرى. فعندما يقوم مجتمع بدائي بوضع المحرمات ( tabous) حول تقاليده، ومعتقداته، وأذواقه، واستعمالاته، لا يكون (المحرَّم) مَدْعاةً للضحك في ذاته

стр. 78

- وذلك على افتراض أن هناك ما يدعو إلى السخرية في هذا المجال- ولكنه الفراغ الثقافي، أو اللاثقافة التي يقوم بالدفاع عليها، وأعني بهذا مجموعة الأسباب التي تستبقي هذا المجتمع على ما هو عليه من ركود. أما بالنسبة إلى مجتمع تاريخيّ، فإن دفاعه عن أُسلوب حياته، هو دفاع عن شخصيته، وعن مبدأ إدماج أفراده في نطاقه، وتحديد علاقاتهم به بحيث يصبحون بمثابة التعريف به، كما يصبح مجتمعهم بمثابة المعرِّف لهم، فالإرغام الاجتماعي، والموقف النقديّ للفرد- سواء كان هذا الفرد واعظاً في جمعية إرشاد، أو صحفياً في جريدة أُسبوعية، أو شاعراً هزلياً، أو فناناً مهتماً بالجماليات، أو ناقداً أدبياً، أو ناقداً سياسياً، أو قاضياً عدلياً- هما المظهران الأساسيان لثقافة معينة في وظيفتها الاجتماعية. ففي المجتمع المتحضر يقع كل خطأ في الأسلوب تحت طائلة النقد، ويقع كل خطأ في السلوك تحت إرغام المجتمع. وبواسطة هذه الوظيفة الثنائية الجانب يحافظ المجتمع على نقاوة أُسلوبه، وعلى الصفات المميزة لفعَّاليته. وهذه الوظيفة إنما هي على وجه الدقة وظيفة الثقافة بالذات: كما أن كلَّ ثقافة تُحدَّد في أصلها على هذه القاعدة من الضمانات المتبادلة بين الجسم الاجتماعي والفرد. ومبدأ التبادل هذا هو الذي وضعه القرآن بصورة مجملة عند تعريفه للمسلمين على الوجه التالي: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ٣/ ١١٠]. فوظيفة الثقافة الإسلامية هي المعنيَّة في وضوح ضمن هذا الفرض الذي يرمي في جلاء إلى الدفاع عن أُسلوب المدينة المسلمة، كما أن هذا المبدأ قد تناولته السُّنة النَّبوية في أكثر من موضع، وخاصة في مَثَلِ السفينة الرمزيِّ التي يوجد على ظهرها عدد معين من المسافرين، وكان بعضهم على جسرها، في مواجهة السماء،

стр. 79

وهم يمثلون هنا العنصر الواضح المرئيّ من المجتمع، أي المجتمع ذاته، وبعضهم الآخر في قاع السفينة، وهم يمثلون هنا العنصر الْمُعْتم، اللامرئيَّ، والخفيَّ من المجتمع، أي الشُّذَّاذ، وضروب السلوك الهامشية. ويقدم لنا الرسول ﷺ هؤلاء الأخيرين ضمن صورة مؤامرة تواطؤوا خلالها فيما بينهم على القيام بثقب حاجز السفينة، حتى يتمكنوا من استجلاب الماء من هذا الثقب دون الصعود إلى الجسر. فكان الرسول ﷺ يقول للأولين: إذا تركتموهم يقومون بذلك، فإنهم سيهلكون وستهلكون أنتم بدوركم معهم، وإذا ضربتم على أيديهم، فإنكم ستنجون وستنجونهم بدورهم معكم. وكل ثقافة يجب أن تتولى الدفاع عن تراثها وذلك بأن تضع أولاً بين الجسم الاجتماعي والفرد ذلك التبادر الذي يُقَوِّم الأخطاء من حيثما تأتَّتْ ومهما يكن مصدرها. إلا أن هذه المبادلة لا يمكن أن تمارس إلا إذا تمَّ ربط الفرد بالجسم الاجتماعي؛ بالصورة التي تلتحم بها مادة البناء بكامل البناية، وذلك لكي نستعمل مرة أُخرى صورة مقتبسة عن الرسول. ودور الثقافة إنما يتمثل على وجه الدقة في خلق هذه اللُّحمة الاجتماعية أولاً وبالذات. وبخصوص هذه الوظيفة يبدوأن الثقافات قد تباينت فيما بينها بحيث آلت إلى نموذجَيْن، متطابقَيْن مع رسالتَيْن اثنتَيْن: فقد أسست الشعوب السامية ثقافتها على احترام القاعدة المتَّبعة، أي على القيم الأخلاقية؛ أما الشعوب الآرية، فقد أقامت حضارتها على القيم الجمالية، وعلى الصورة (أو الشكل) التي بلغت اكتمالها بأثينا، حيث قامت هذه الأخيرة بدورها بنقل شعيرتها هذه إلى عهد النهضة بأُوروبا. والراجح مما هو مشاهَد أن هناك نموذجاً جديداً بصدد التشكُّل أو هو قد

стр. 80

تشكَّل بالفعل، في المجتمعات التي وَسَمَتْها إرادة القوَّة بمَيسِم القيمة الفنية أو العلميَّة، حسب ما يستخلص من دراسة حديثة النشر خصصت بمجلة الأزمنة العصرية ( Les Temps Modernes) لموضوع (النمو الثقافي بالاتحاد السوفياتي). ولكن المجتمع يحدِّد باختياره لنموذجه الثقافيِّ الخاص به، جميع شروط تطوُّره حتى منتهاه الأخير- وإن كنت أعتقد أن هذا الاختيار مرتبط بأسباب لا يلتقطها وعيُه في وضوح- ذلك أن ثقافة ما يمكنها أن تَنْتَهِيَ إلى نزعة قطعية معتمة، تستغلُّها إحدى نزعات الدروشة المرابطية، أو إلى خلاعة مطلقة العنان تحكمها إحدى الامبراطوريات الماجنات، كما تمَّ ذلك في عهد الانحلال الذي شاع تحت حكم الإمبراطورة مِسَّالين ( Messaline)، ويمكنها كذلك أن تؤول إلى كارثة نوويَّة محتملة. والجزائر مدعوة اليوم للقيام باختيارها، ليس لكي تقدِّم محتوى لضروب التسلية الخاصة بصنف معين من الناس، ولكن لكي تعطي مضموناً للنشاطات الأساسية الخاصة بشعب يقف في مواجهة مشاكل حيويَّة. مضافاً إلى ذلك أنها قد أصبحت على بصيرة من أمرها في قيامها بهذا الاختيار، حيث تُنير أمامها السبيل تجربتها الخاصة، وتجربة الآخرين حتى لا تعمد إلى اختيار مجْحِفٍ بقيمها الثقافية الموروثة، وبوجهاتها المفاهيمية والسياسية، ولا إلى اختيار قاصر لاقتصاره على ذاته. وإذا كان الوفاءُ للقاعدة المتبعة، والتعلُّق بالقيمة الأخلاقية يجب أن يعملا على شدّ وحدتها الملتحمة، في ربطهما للفرد بالجسم الاجتماعي، فإن الاهتمام بالصورة (أو الشكل)، وشعيرة القيمة الجمالية، يجب أن يعملا على الاحتفاظ لأُسلوب حياتها برونقه. لأنه يتعين أن يكوّن التركيب المتآلف للحقيقة والجمال أساساً لثقافتها. فشعيرة الحق يجب أن تسود في حياة شفافة متخلصة من أوشاب

стр. 81

زواياها المعتمة حيث تتلاقى الأرواح الخبيثة للتآمر على أسلوبها، كما يتكاتف قُطَّاع الطرق عادة ضد أمن بلادٍ ما. وشعيرة الجمال لا يجب أن تقتصر هياكلها الخاصة على المسرح، والموسيقى أو الشعر، ولكن يتعيَّن أن تنبثَّ في سائر وجوه النشاط، حتى في طريقة زراعة (الكرنب) و (البصل) بتربة أحد الحقول. والمؤكد أن المسرح الذي يبذل في هذه الآونة جهوداً محمودة، بمعيّة فرقتنا الوطنية الفتية، وموسيقيّينا وشعرائنا الذين توفرت لهم الموهبة، وكذلك فنوننا الفلكلورية الثمينة القيمة، تكوّن بالنسبة لنا رصيداً يجب أن يحتل مكانته المرموقة ضمن مشروع ثقافة وطنية جزائرية. ولكن يجب أن تكون حياتنا جميعها لوحة جميلة، وأنشودة منغومة، قصيداً خلاباً، وحركة موقعة متناغمة، وعطراً متضوعاً آسراً، من مثل ذلك الأريج الذي أوحى إلى أحد المغنّين الفرنسيِّين، بتلك الأغنية التي طالما ردّد جيل الحرب لازمتها القائلة: ((ما أطيب أريجك العبق يا فرنسا!)) ... ونحن عندما نشاهد خرقاً في كساء أحد المتسوِّلين، يجب أن نشعر بوجود خرق في ثقافتنا. وعندما نسمع صوتاً ناشزاً، كضوضاء أبواق السيارات التي ترعد صاخبة في شوارعنا أحياناً، حتى لتكاد تمزق صماخ آذاننا، يجب علينا أن نحسَّ بوجود تمزّق في ثقافتنا، وبانتهاك يتمُّ عن حمق أو عن وعي ضدّ أسلوب حياتنا، وبتحدٍ لسُلوكنا. إلا أن هذا الشأْن الشاغل ينخرط ضمن فصل من الثقافة لا يدخل في نطاق هذه المحاضرة، وربما تناولناه مستقبلاً في مبحث مستقل تحت عنوان: المعركة المفاهيمية (١). ومهما يكن من شيء، فإنه يتعين على الجزائر أثناء قيامها باختيارها

стр. 82

أن تأْخذ بعين الاعتبار واقعاً جديداً يتمثل في معرفة أن كل قيمة ثقافية محدَّدة في إطار وطني، قد أصبحت تمتزج من هنا فصاعداً في تيار ثقافة عالمية شاملة. مضافاً إلى ذلك أن هذا الواقع الجديد هو الذي يفرض علينا اليوم أن نضع كلَّ مشاكلنا في حدود النسبيَّة. وإذا كنا نضع إحدى هذه المشاكل- وأعني بها مشكلة الثقافة- في حدود التخلُّف واللافعَّاليَّة، فذلك لأن المجتمعات النامية تفرض علينا سُلَّم نُمُوِّها ومعايير فعَّاليَّتها. ويتعيَّن علينا نحن، أن نتولَّى بأنفسنا فرض المعايير ضمن وجوه نشاطنا، مع إدماجنا لمفهوم الزمن داخلها؛ إذ لا يكفي أن نقتصر على مجرد القيام بصنع شيء من الأشياء، وإنما يتعيَّن أن نتوفَّر على إنجازه في أقصر فترة ممكنة من الزمن. فالعمل يجب أن يقترن بتَعْليلِه الأخلاقيِّ والاجتماعيّ، كما يجب أن يتَّخذ شكلاً معيّناً، وأن يكون ملبِّياً لبعض المقاييس الجمالية المعينة: وهذا يمثِّل شرطاً من شروط فعَّاليته. وعلاوة على ذلك يجب أن يتوفَّر للعمل نَسَقُهُ الخاص أيضاً، وهذا لكي يُلَبِّي معايير الفعَّالية في عالم أصبح يسيطر فيه على وجوه النشاط من هنا فصاعداً مفهوم سرعة الإنتاج. ولهذا يتعيَّن أن نُدْخل في تحديد ثقافة ما، علاوة على المعطى الأخلاقيِّ والمعطى الجماليِّ مفهومَ المنطق العمليِّ في الوقت ذاته. فهذا المفهوم يجد تبريره بصورة ملموسة على نحو ما في المجتمعات النامية التي يمتدُّ فيها مبدأُ تطبيق المنهج (التِّيْلُورِيِّ) - باعتباره المنهج الذي يَعْمَدُ إلى تنظيم العمل بشكل مُنَمٍّ لمحصوله- ليشملَ جميع أشكال النشاط قاطبة. أما تبريره العام

стр. 83

فيتولَّى التاريخُ تقديمَه لنا، لأن التاريخ نفسَه ليس إلا تقويماً لحركات اليد والفكر، فهو لا يعدو أن يكون في حدِّ ذاته غيرَ ذلك فِعْلاً في نهاية الحساب. وأخيراً فإن المنطق العمليَّ ليس هو على نحو من الأنحاء إلا مدخلاً للفصل الموالي من فصول الثقافة، وهو المتمثِّل في الفنِّ الصياغيِّ الذي يتعلَّق بالعمل في مستوى التخصُّص، مع العلم بأن هذا التَّخصُّص يشمل الراعي كما يشمل فنَّ العالِم سواء. فالثقافة التي يتمُّ تصوّرها في صيغة بيداغوجية هي كل هذا جميعاً؛ فهي تركيب متآلف للأخلاق، والجمال، والمنطق العملي، والفنِّ الصياغي. وإذ تحقِّق بلاد كالجزائر هذا التركيب المتآلف، تكون قد حدَّدت أُسلوبَها في الحياة العامة، والسلوكَ الفعَّال لكل فرد من وَطَنِيِّيها. وتكون قد خلقت في النهاية مجموع الشروط التي تُهَيِّئُها لمواجهة مشاكل التَّخلُّف. ولكي يتمُّ إنجاز ذلك يتعيَّن أوَّلاً أن تكون البلاد المتخلِّفة على اقتناع بأن تثقيف الإنسان أكثر أهميَّة من تَثْقِيف نَباتِ الأرض من قبيل زراعة البطاطس على سبيل المثال ... ومهما يكن من شيء فإنه يتعيّن على الجزائر أن تؤول إلى حظيرة للثقافة، ومدرسة يتاح فيها لكل فرد أن يتعلَّم ويُعَلِّم، ومُخْتبَر يتمُّ فيه إعداد القيم الثقافية المتطابقة مع ضرورات النموِّ، ومُلتَقىً يتمكن الشعب داخله من إثارة قضايا الحقيقة والجمال ومناقشتها.

стр. 84

٣ - مُشْكِلَةُ الْمَفْهُومِيَّةِ DE L'IDEOLOGIE محاضرة أُلقيت (باللغة الفرنسيَّة) في الجزائر العاصة بتاريخ ٢٤/ ٢/ ١٩٦٤م ونشرت كاملة بجريدة الشعب (الفرنسية) في فيفري (شباط) سنة ١٩٦٤م. ــ

стр. 85

تكوِّن المفهومية بصورة عامة جزءاً من ظاهرة القرن العشرين الذي تَمَّ تعميده عند ميلاده، باسم: قرن البخار. إلا أن العامل الفنِّي قد حوَّل منذ ذلك الحين جميع شروط الحياة البشرية، وعجَّل حركة التاريخ؛ ومن ثَمَّ أُعيد تعميد قرننا على التوالي باسم: قرن الكهرباء، ثم الطاقة الذريَّة، وأخيراً: قرن الفضاء. ولكن هذا القرن كان يولد تحت جميع تلك المظاهر الفنيَّة حقيقة بشرية كبرى: فمفعول القوة الذي أطلق عنان الحربين العالميتين قد تمَّ وقفه بمفعوله المضادِّ، نتيجة إبرازه لبؤرة حرب عالمية ثالثة. ومنذئذ تخلَّت علاقات القوة عن مكانها لعلاقات جديدة، راضخة لمعايير الأفكار؛ بحيث أصبحت الديموقراطية، والاشتراكية، والسلام، تمثِّل فواتح لجميع الدساتير الوطنية، وتطبع بمَيْسِمها القبلة التي يتَّجه صوبها تطور البشريَّة. ويبدو أن هذه الأفكار الثلاثة، تصور مقدَّماً عناصر دستور شامل، وتكوِّن منذ الآن مبادئ مفهوميَّة عالميَّة، لكي تتوِّج عمل الإنسان وهو ينخرط في العهد العالمي (١). ولكن هذه المفهومية لمّا تحقِّق بعد شروط وحدتها داخل العالَم. إذ يبدو في الواقع أن هناك ثلاث جبهات: جبهة الديموقراطية مع مواقعها الاستراتيجية في

стр. 86

أوروبا الغربية وفي أمريكا؛ وجبهة الاشتراكية التي يقع مركزُ جاذبيتها بالمعسكر الشرقي؛ وأخيراً جبهة السلام التي جمعت أركانها ذات مرَّة في باندونغ ( Bandoeng). وتحت هذا المظهر العام بالذات توضع مشكلة المفهومية في العالم، مع تلك المناطق البيضاء المنبثَّة هنا وهناك للبلدان التي توجد في حالة تقاعد بالنسبة إلى المعركة المفاهيمية، أعني البلدان المتغيبة فعلاً عن المأساة البشرية الكبرى لعصرنا. وعلاوة على ذلك فإن مشكلة المفهومية تثار على المستوى الوطني داخل كل بلاد فرضت فيها شروطها الخامة ضمن طور معين من أطوار تاريخها، أنماطاً من العمل الجماعي، أعني حيث يطرد تأثير الشروط الفنية لنشاط مشترك على مساحة جغرافية فسيحة بما فيه الكفاية، ومخطَّطة في قليل أو كثير. ودراسة هذا النشاط ترجع بنا على أيِّ وجه إلى دراسة المقومات التي يقوم عليها تركيبه. فالنشاط الفردي الذي يمثل أحد مركبات ذلك النشاط الجماعي خاضع في حدِّ ذاته لشروط تجعله لا يستطيع التحقُّق بدونها. فقد تعودنا بالنسبة إلى الآلة على الواقع القائم في أن عملها لا يمكنه أن يتحقق إذا نقصتها حَزْقة أو صامولة ( écrou). ولكننا لم نُقِرَّ في ذهننا نفسَ القاعدة بالنسبة إلى العمل البشريِّ. بينما يبدو جيداً في حالات معينة، أن الإنسان تنقصه هذه (الحزقة) بالذات: حيثما فَقَد نشاطُه تَمكُّنَه من الأشياء، فكان نشاطاً رخْواً، أو هو لا يندمج بطريقة منتظمة مع النشاط المشترك للجماهير. ويمكننا أن نقول الكثير عن هذه الظاهرة التي تنطبع مؤثِّراتُها على أبعد الصور عن التوقع، وعلى أكثر الميادين تنوُّعاً؛ في موقف التلميذ مثلاً، حينما يتخلَّى عن دراسته في منتصف الطريق، وفي موقف الكاتب (الوجودي) الباحث عن معناه في هذا العالم، أو الذي يتخلى عن هذا

стр. 87

البحث كما هي الحال بالنسبة إلى (كلولن ولسن) مؤَلِّف (اللاَّمَنْتَمي) (١)؛ وبصورة عامة في كل مكان لا ينخرط فيه النشاط الفرديُّ ألبتَّة ضمن النشاط الجماعي. ففي جميع هذه الحالات يمكننا القول بأنه حَيْثُما تُفْتَقَدُ المفهومية، فإن الآلة الاجتماعية تظل فاقدة لإحدى الحزقات. وقد أُتيح لنا في الجزائر أن نلاحظ النشاط الفردي والنشاط المشترك في فسحة زمنية قصيرة نسبياً، ضمن مرحلتين مختلفتين: طوال الثورة، وبعدها. فقد اقتادت الثورة الجميع إلى نشاط جماعي مسلح انخرط ضمنه كل فرد بنشاطه الخاص. وعقب سنة ١٩٦٢ حدث كما لو أن الثورة قد اسْتَلَّت شُعْلَتَها من نشاط الفرد؛ فنحن لكي نضطلع بالعمل على المستوى الوطني؛ وهو العمل الذي يقتضيه بناءُ حضارة، وتستدعيه مهام ثقافة، نظل نفتقد (صامولة) بالفعل. وإذن فهذه الثغرة تضع أمامنا مشكلة سياسية واجتاعية جديرة بأن تطرح في صراحة. وهي قد طرحت بالفعل عند عقد المؤتمر الأخير للطلبة الجزائريين منذ بضعة أشهر (٢). فمن النادر أن يصارح رئيس دولة بلاده بأن قوسها السياسي ينقصه وَتَرٌ معين. ومع ذلك فقد قال الرئيس لشبيبة البلاد المثقفة المجتمعة في هذا المؤتمر: ((إننا نمتلك برنامجاً، ولكننا لا نمتلك مفهومية)). فهذا التصريح قد قضى أولاً على حكم مسبق متسلط على أذهاننا، كنا قد ورثناه عن ماض عكر، وقامت الثورة لحسن الحظ بوضع حدٍّ له.

стр. 88

وقد ورثنا هذا الحكم المسبق عن ذلك (البوليتيك) (١) الذي يدفعه الْخَلْطُ إلى تسمية نفسه (بالسياسة) والذي يقوم بفَصْلِ الفكرة عن النشاط بطريقة تظل بها الأُولى عاجزة، ويظل الثاني أعمىً فاقداً للبصيرة والبصر. ولقد ترتب عن ذلك تلك المظاهرات المناهضة للثقافة التي أصبحت تسفر عن وجهها بصورة متكررة داخل حركتنا الوطنية. إلا أن هذه النزعة ليست قاصرة على بلادنا وحدها، فقد سبق لماركس أن عرفها، ومجادلاته ضدَّ العمَّاليِّين ( Ouvriéristes) جديرة بالتذكُّر في هذا الصدد. كما سبق لسقراط أن وسم هذه النزعة في المجتمع الأثيني وقرع ممثليها بأن أطلق عليهم اسم (مفترسي الأفكار) ( Idéophages) . وإذن فالداءُ ليس وليد هذا القرن فحسب، ولا هو خاص ببلاد واحدة. إلا أن تفكير (مفترس الأفكار) في بلادنا نحن بالذات ليس مجرد سمة من سمات سجيَّة شخصية وكفى، ولكنه علامة عامة من علائم تخلُّفنا، وخاصة في الميدان السياسي حيث تتطابق (صبيانيتنا) مع سنٍّ نفساني معين، وهو السن الذي لم يدخل فيه الطفل بعدُ إلى عالم الأفكار. ومع تصريح رئيس الدولة نجتاز على وجه الدقة خطوة حاسمة؛ فبعد أن اجتزنا بصورة لا هي بالحسنة ولا هي بالرديئة، الطور الذي تمثل فيه (الأشياء) لدينا مقياساً لجميع المعطيات، ننتقل اليوم إلى الطور الذي تتحول فيه مراكز اهتمامنا من عالم الأشخاص، إلى عالم الأفكار. وإذن فنحن نخرج من (البوليتيك) وندخل إلى (السياسة)، ولكن مع

стр. 89

امتلاكنا لبرنامج، وافتقادنا لمفهومية (١). وهذه الأولية التي تمت صياغتها بمؤتمر الطلبة تترتب عليها نتائج نظرية وعملية جَسيمة فهي تَسْتَحِثُّنا إلى القيام بمراجعة موقفنا العقلي، وإلى معاودة مراجعة سياستنا من جديد. ولكن لنحدِّدْ أوَّلاً معنى مصطلحاتنا: فالبرنامج، وليكن برنامج طرابلس مثلاً، يمثِّل تَعْداداً للمهامِّ المطلوب إنجازها. و (الفهومية): ما عساها تكون إذن؟ إنه في إمكاننا أن نعطيها تعريفاً حرفياً لا يقدِّمنا في شيء. كما يمكننا أن نعطيها تعريفاً عن طريق المماثلة باستنادنا إلى المناهج المفاهيمية القائمة، فلا يزيد ذلك من تقديمنا في شيء، لأنه توجد بلدان يبدو لنا منها أنها تمتلك سياسة، ومع ذلك فهي لا تمتلك مفهومية؛ وهذا المظهر من شأنه أن يخدعنا في البلدان ذات الحضارة الموطدة؛ فإنكلترا على سبيل المثال، تمثل بلاداً تبدو فيها السياسة مستوحاة دائماً من اعتبارات عملية، بدلاً من أن تكون مستوحاة من اعتبارات مفاهيمية؛ ومع ذلك فقد تساوق نمو سياستها منذ قرون بمقتضى مفهوميَّةٍ إمبراطوريةٍ، وجدت في شخص كبلنغ ( Kipling) حادِيها. وفي أيامنا هذه، يبدو لنا أن (فرنسا) تخط سياستها- بوصفها بلاداً أُخرى ذات حضارة وطيدة- حسب مجرد اعتبارات اقتصادية بسيطة. ولكن عندما

стр. 90

يستحدث دي غول ( De Gaulle) الفرنك الجديد، فإنه من العسير أن نؤوّل مبادرته هذه، باعتبارها مجرد إجراءٍ بسيط متعلق بالاقتصاد أو بالنظام المالي، إذ هو يمثل على النقيض من ذلك مبادرة مستوحاة بصورة مشاهدة من مفهومية العَظَمَة (١). وبصورة عامة فإن المظهر يمكنه أن يخدعنا في البلدان المتحضرة، حيث تتولى الثقافة في كلِّيتها تحريك السياسة، كما تُحَقِّقُ في دفعة واحدة جميع شروطها النفسية- الزمنية. والذي يجب أن نقوله هو أن هذه الشروط ليست هي ذاتها في بلاد سبق لها أن أصبحت في حالة حركة، وفي بلاد يتعين عليها أن تنتج الحركة الضرورية لكي تتغلب على جميع ضروب العطالة ( inerties) الخاصة بمرحلة الانتقال. فالجزائر تمثل بلاداً فَتِيَّة يتعين عليها أن تجد الدافع المحرك لسياستها في علاقته الوظيفية بشروطها التاريخية الخاصة؛ وبتعبير آخر، يجب عليها أن تجد بمجهودها الخاص أفضل الوسائل والطرق الملائمة لشروطها، مع علمها بأن ما يكون ممكنناً ببلاد في طور من الحضارة متقدم في قليل أو كثير، قد لا يكون كذلك دائماً ببلاد لا تزال في فجر حضارة، أعني عندما يتعين الانطلاق من الصِّفر. فكل شعب يجب أن يصنع تاريخه بوسائله الخاصة، وبأيديه ذاتها. والتاريخ، في أي مستوى من الحضارة يتمُّ إنجازه، إنما يمثل النشاط المشترك للأشياء، والأشخاص، والأفكار المتاحة في ذلك الحين بالذات، أي في نفس الأوان الذي يُواكِب عمليَّةَ إنجازه.

стр. 91

وهذا الحكم المسبَّق يجب أن نجعله قابلاً للإدراك بتطبيق طريقة التقسيم، والتحليل؛ ومن هنا يتعين علينا أن نحلل التاريخ إلى أجزائه الذَّريَّةَ، فالنشاط الفردي يمثل ضمن بعض الشروط المعيّنة: (ذرَّة) من التاريخ. ويمكننا أن نتمثله ضمن أكثر أشكاله بساطة، في صورة نشاط الصانع اليدوي المنْكَبِّ على عمله والمِقَصُّ في يُمْناه؛ أو في صورة نشاط الجندي المسلَّح بِبُنْدُقِيَّتِه في ميدان القتال. فهذان الآدميان يصنعان التاريخ إذا تحقق لهما توفر الشروط العادية. ونحن نلاحظ في كلا الحالتين، أن نشاط العمل اليدوي أو الفلاحي أو الحربي، إنما يتم إنجازه ابتداء من حدّيْن مشاهدين هما: الإنسان وأداته؛ وإن كان الواقع أن هذين الحدَّيْن المشاهدين يُخْفِيان واقعاً أشد تعقيداً، لأن النشاط لا يتمُّ إنجازه فعلياً إلا ضمن شروط من شأنها أن تقدّم بالضرورة جواباً عن سؤالين هما: ((كيف)) يكون ذلك؟ .. ، و ((لماذا)) يكون؟ فالإنسان لا يتصرف كيفما اتَّفق، ولا دونما أسباب، وإلا جازف بالاضطلاع بمهمة مستحيلة أو لا معقولة. والنشاط البشري لا يمكنه أن يُحدَّد بمعزل عن الطرائق التي تشرط إنجازه العملي، ولا بمعزل عن بواعثه الْمُعَلِّلَة (أ) ( Ses motivations) . ولذا فهو يتضن

стр. 92

بالضرورة مُحْتَوىً فكريًّا يتلخَّص فيه كل التقدم الفنيّ والاجتماعي، والأخلاقي لمجتمع ما. ولا ريب في أن (ماركس) كان يشير إلى ذلك بطريقة أخرى عندما قال: ((إن ما يميِّز في دفعة واحدة أسوأ المعماريين عن (النَّحْلَة) الأكثر خبرة، هو أن المعماريَّ يبني الْخَلِيَّة في دماغه قبل أن يَبْنيها داخل قفير النَّحْل، وأن عمله يفضي إلى نتيجة كانت سابقة الوجود فكريّاً في مخيِّلته)). وأعتقد أن هذا التحليل الماركسي للنشاط لا يزال غير كافٍ في حدود المعنى الذي لا يتعلق فيه بغير الطريقة التي تشرط إنجازه العملي؛ فهو يسكت عن ذكر (الباعث الْمُعَلِّل) القائم في المحتوى الفكري، بينما الباعث المعلّل بالذات هو الذي يحدد على وجه الدقة الطابع الاجتماعي أو اللاَّاجتماعي ( Anti -social) للنشاط؛ فالصانع اليدوي ومِقَصُّه يمكنهما أن ينجزا عملاً فنيّاً، أو أن يقوما بتحطيمه، والإنسان وبُنْذُقِيَّتُه يمكنهما أن يدافعا عن المجتمع، أوأن يهدِّدا أَمْنَه. وإذن فمشكلة الباعث المعلِّل داخلة بالضرورة ضمن مشكلة النشاط الفردي أو الجماعي. ففي إمكان النشاط أن يصنع المجتمع أو أن يقوم بتقويضه، وذلك حسب العلامة المقترنة بباعثه المعلِّل. إلا أن نشاط المجتمع المشترك لا يتكون في بساطة من مجرد مجموع النشاطات الفردية، حتى ولو كانت هذه الأخيرة من نفس الجنس، وحتى ولو كانت متحدة كلُّها في نفس الاتجاه؛ إذ يجب أيضاً أن يتمَّ تنظيمها في كنف النشاط الإجمالي حسب مخطَّط تنظيمي ( Organigramme) يتولى تحديد فعالية هذا النشاط. فهذا (التنظيم) للنشاطات الفردية بالذات في كنف نشاط إجمالي مشترك هو الذي يضع على وجه الدقة مشكلة المفهومية. لأن (العمل الصالح) و (العمل الصالح) لا يَنْضافانِ إلى بعضهما البعض بالضرورة، بل ويمكنهما في بعض الحالات المعينة حتَّى أن يُلْغِيا بعضَهما البعض.

стр. 93

فنحن قد تعوَّدنا الدقة البالغة التي يمتاز بها (النمل) أثناءَ قيامه بعمله، عند أداء كل (نملة) لعملها الخاص على حدة؛ إلا أن (النمل) يبدو لنا أحياناً عندما يتشكل في مجموعة أنه قد ضلَّ سبيله حتى لكأن غريزته تعوزه في هذا الحين بالذات، حيث نراه على سبيل المثال منهمكاً حول فريسة يحاول كما هو الشاهد أن يسحبها إلى مسكنه، ولكن بما أن كل (نملة) تمضي في سحب الفريسة إليها، فإن الذي يحدث فعلاً هو أن الفريسة تظل باقية في مكانها لا تَريم. وإذن فالعمل المشترك يستلزم بالضرورة: تنظيم وتنسيق جميع المعطيات، وخاصة جميع الأفكار التي تنهض بالنشاطات الفردية. وهذا هو السبب الذي يجعلنا نرى اليوم في الميدان الديني على سبيل المثال: انعقاد مجمع في (روما) يتمثل موضوعه في تنظيم (النشاط المسيحي) بطريقة لا تؤدِّي (بنشاط صالح بروتستانتي)، و (نشاط صالح كاثوليي) إلى أن يُلْغِيا بعضَهما البعض. والواقع أن هذا الموقف المتخذ من طرف الفاتيكان ( Vatican) للبحث عن مفهومية مسيحية، يعني تطوراً مزدوجاً؛ تطور الوضعية الدولية التي تنتقل من طور التسلح الذريِّ، إلى طور التسلح المفاهيمي؛ وتطور المسيحية نفسها، التي أصبحت تجابه تحدِّياً جديداً في عالم ينتقل من (الاستعمار) إلى (تصفية الاستعمار)؛ فالنشاط المسيحي إذا تعذَّر عليه الاستناد من هنا فصاعداً إلى الحجج العسكرية أو التأييدات الإدارية في عالم يتمُّ فيه (نزع الأسلحة النوويَّة) و (تصفية الاستعمار)، يتعين عليه لا محالة أن يبحث عن وسائله الجديدة ... وهذا هو المشكل الذي يوضع حالياً (بالفاتيكان)؛ فالمجمع المنعقد (بروما) مدعوٌّ حسب كل احتمال لإيجاد وسائله الجديدة ضمن مفهومية ملائمة للطور الجديد من النشاط المسيحيِّ

стр. 94

ومن جهة أخرى فإن التجارة نفسها سيعرض لها مثلُ هذا التحوُّل؛ بل لقد عرض لها ذلك بالفعل، حيث لم تعد (باريس) و (لندن) توفدان أيّاً كان من (السَّماسِرَة) الأغنياء بالأقوال المنمَّقة المعسولة لتقديم بضائعهما في البلدان (الأفريقاسيويَّة)، ولكنهما أصبحتا توفدان أشخاصاً موهوبين بحس تجاريٍّ حادٍّ ولا ريب، كما أنهم مزوَّدون برصيد وازنٍ من الأفكار كذلك. وضمن هذا الاتجاه تُعَدُّ زيارة الدكتور شاخت ( Dr. Schacht) إلى الجزائر العاصمة منذ بضعة أشهر، علامة من علامات الأزمنة. وإذن فإن الجزائر تجابه اليوم: مشكلة الأفكار على مستوى النشاط المشترك لجماعة وطنية في مرحلة معينة من تاريخها. فقد توصل الشعبُ الجزائري إلى الاستقلال من خلال ثورة كَهْرَبَتْ جهدَه البطولي طوال سبع سنوات، التحمت خلالها جميعُ (النشاطات الفردية) دونما تحفُّظ ضمن الانطلاقة الثورية. وقد كانت الأشياءُ مكتفيةً بنفسها على نحو من الأنحاء، بقدر ما كانت تلك (الانطلاقة) توفِّر للنشاطات الفردية بواعثَها المعلِّلَة (من حيث كانت تفرض على العموم- وعلاوة على ذلك- ضروباً من السلوك البسيطة بما فيه الكفاية) كما توفر في ذات الوقت الباعثَ المعلِّل لنشاط مشترك مسلح، قائم على محورِ هدفٍ بسيط، مُفرَدٍ ومُحَدَّدٍ هو: الاستقلال. ولقد تمَّ اليوم بلوغ ذلك الهدف. وفي الحدِّ الذي فَقَدَ فيه (النشاط المشترك) على نحو من الأنحاء باعثَه المعلِّل المعتاد، حدث عندئذ ما يشبه الانحسار في النشاط الفرديِّ الذي انسحب من النشاط المشترك، مِمَّا نتج عنه ظهور النزعات الفردية كَرَّةً أخرى في نفس الحدود التي لم يَعِ فيها الشعبُ الجزائري بعدُ البواعثَ المعلِّلة لنشاطه المشترك الجديد.

стр. 95

فوجوه الإهمال في بعض المصالح، والمخالفات أو التَّعَدِّيات التي نلاحظها في بعض ضروب السلوك الفردية يمكنها أن تُفسَّر باعتبارها أعراضاً لهذه النُّقلة بين المرحلة الثورية وما بعد المرحلة الثورية. ويُعزَى الباقي في جانب منه على الأقل إلى قصور في (التَّرويض) الإداري لموظفينا، وفي (التَّرويض) المدنيِّ على وجه العموم. ويمكننا أن نضيف إلى هذا الواقع النصيبَ الْمَعْزُوَّ إلى (الميكيافيليَّة). فالاستعمار قد ارتحل، ولكنه ترك لنا أَنْسالَهُ الصغار الذين ما انْفَكُّوا يُعْرِبونَ لنا عن وجودهم بواسطة تلك الحوادث المؤسفة من قبيل حوادث (وَهْران). وعلى هذا النحو أصبح الشعب الجزائري يواجه تحدِّياً جديداً، هو: تحدِّي استقلاله. فنحن عندما نشاهد جزائريّاً قليلَ الاكتراث بدفع الضرائب المستحقَّة عليه، أو مواطناً يهمل العمل الذي يجب عليه إنجازه، أو يرفض أن يراعيَ نظاماً نافذ الفعول بحجَّة أننا لم نعد (مستعمرين) الآن، فإننا نرى في هذا علامة للأزمة الصبيانية التي نجتازها، أي علامة لذلك الهبوط الخطير في الطاقة الكامنة الذي يشير إلى أن المجتمع بصدد استرجاع أنفاسه بعد المجهود الكبير الذي بذله، حتَّى ينخرطَ في المرحلة الموالية. وفي هذه الآونة يوجد بالجزائر فراغ مفاهيميّ في نفس الحدِّ الذي لم يَعِ فيه الشعب الجزائري بعدُ بما فيه الكفاية البواعثَ المعلِّلة الجديدة لنشاطه المشترك، أو بصورة أصرح، في الحدّ الذي لم تجد فيه بعدُ المهامّ المعدِّدة في (برنامج) طرابلس جذورَها داخلَ روحه بصورة كافية. ويمكن تلخيص هذه المهامّ على هذا الغرار:

стр. 96

فهي تتمثل في تصفية راسب العَسْفِ المتخلِّف عن العهد الاستعماري؛ ومجموع ضروب العطالة التي ندين بها إلى القابليَّة للاستعمار؛ وفي الاضطلاع بالبناء الاشتراكي؛ وفي توجيه البلاد صوب قِبْلَةِ مُنْتَمَى جماعتها التاريخيَّة المغربية، والعربية، والإسلامية. أما الجهد الثوري فلا يجب أن يَتَباطأ، ولكن يتعين أن ينمو في علاقته الوطيفية بتأخُّرنا: ذلك أن المشاكل التي تبقى معلَّقة لا تظل في حالة عقم؛ بل هي تضاعف إنْسالَها. والواقع أنه يجب علينا اليم أن نجابه مشاكل (قصورنا) قبل الاستقلال، ومشاكل (بلوغنا) بعده. فالمشاكل لا تكتفي بالتضاعف فحسب، ولكنها تتعقَّد بمظاهر نفسانية جديدة. فمن وجهة النظر الأُولى، يكون من السهل أن نفهم ذلك في بساطة عندما نأخذ في اعتبارنا مجرد العامل السُّكَّانيِّ الذي يَبْهَظُ جميع مهامِّنا الاجتماعية في كل عام أكثر من الذي سبقه بأن يقرن بها مُعامِلاً مضاعفاً. أما من وجهة النظر الثانية، فإن المهام تتعقد في علاقتها الوظيفية ببعض العقد الجديدة، وذلك على سبيل المثال عندما تصبح كلمة (الاستقلال) مبرراً لبعض ضروب الإهمال التي تُثْقِلُ بعبئها الوازن على سَيْرِنا. إلا أنه يتعين على المجتمع في الساعات الخطرة أن يقوم بقفزة يتخطَّى بها الهاوية، أو أن يخرج من التاريخ ويتخلَّى عن مكانه لمجتمع آخر. فبعد موقعة (آليزيا) (١) تعيَّن على المجتمع الغالي ( Gaulois) أن يترك مكانه للمجتمع الروماني.

стр. 97

وفي مثل هذه الفترات يجب أن توضع المشاكل ضمن حدود جديدة، ذلك أن التحديدات الأساسية يعاد وضعها موضع الاستفهام من جديد. فعندما يجد المجتمع نفسه أمام محنة حاسمة من مِحَنِ تاريخه لا يستطيع التفوُّق عليها بواسطة العمل الذي يتمُّ تصوره ضمن المعايير المعتادة، فإنه يكون مرغماً آنَئِذٍ على قلب هذه المعايير، وعلى إعطاء (العمل) تعريفاً ثوريّاً. وعندما يتعين على المرء القفز فوق الهاوية، يكون مرغماً على تمديد طاقته الكلية للقيام بوثبة؛ وعندئذ يصبح العمل كلَّ طاقة الشعب المحتشدة في نشاطه المشترك لاجتياز محنة حاسمة. وفي مثل هذه الفترات لا تتمثل المسألة في العمل من أجل مجرد العيش، ولكن من أجل البقاء. والواقع أن النساءَ الجزائريات اللاَّتي وَهَبْنَ حُلاهُنَّ في السنة الماضية، قد أطَعْنَ أوامِرَ مثل هذا العمل الحافِز، بِخَلْقهِنَّ لِجَوِّهِ المفاهيميِّ. فالحِليَةُ التي وُهِبَتْ قد لا تكون ذات أهميَّة من حيث قيمتها المادِّية، ولكنها تتضمن قيمة رمزيَّة، إنها إسهام المرأة التي قَدَّمَتْها في النشاط المشترك. وهي بهذا الاعتبار تحملُ فعَّاليَّة المشْحَذ ( Catalyseur) الْمُسَرِّع للطاقة الوطنية المجنَّدة في عمل حافز. فقد رأينا بالنسبة إلى مجتمع آخر كيف استطاعت ألمانيا الْمَنْزوفة الدماء سنة ١٩٤٥م، أن تدهش العالم بنهوضها العجيب من جديد سنة ١٩٥٥م، كما سلف أن بَيَّنَّا ذلك في محاضرة سابقة. وهذه الأعجوبة لم تحدث من تلقاء نفسها، ولا بطريق الصدفة: إنها نتيجة للعمل التطوُّعي، المتمثِّل في ذلك (العمل الآليِّ) الذي انخرط فيه الشعب بأكمله، حيث قام كل ألماني- سواء أكان رجلاً، أو امرأة، أو طفلاً- بتقديم ساعتين إضافيتين من العمل إلى وطنه وهذا الرَّأسمالُ الضخم المتجمع من ساعات العمل هو الذي صنع تلك العجزة.

стр. 98

فنحن نشاهد هنا، ضمن مثال ملموس، كيف لا يكتفي النشاط الفردي في الساعات الخطرة من التاريخ بمجرد المضاعفة من حِدَّتِه فحسب، ولكنه ينخرط (طوعيّاً) كذلك في النشاط المشترك لأُمة كاملة يُنْهِضُها الحكماس في قَوْمةٍ واحدة عقب أخطر هزيمة لها في تاريخها (١). كما أن (المفهوميَّة الألمانية) هي التي أحدثت هذا الحكماس، وقادت الشعب الألماني إلى حظائر الشغل كما يقود النشيد الوطني الفيالق إلى ميادين القتال. لأن (المفهومية) يجب أن تكون أولاً وبالذات: النشيد الذي يقود عمل الشعب بأسره، فهي الصوت الحادي الذي يضبط إيقاع مجهود الأمة، وهي تنادي الجماعة بِـ: (هَبَّا ارْفَعْ!) لكي تتضافر على إنهاض مصيرها إلى أعلى (٢). فالعمل المشترك يستدعي إيقاعاً ووزناً يُوَتِّران الجهود الفردية، ويُفْرِغانِها في الوقت نفسه داخل الجهد الجماعي. وتقدم لنا أغاني المجذِّفين السود على أنهار إفريقيا، تلك التي تواكب مجاذيفهم في ارتفاعها وانخفاضها لدفع الزَّوارق بمزيد من السرعة، أبسطَ صورة

стр. 99

للعمل المشترك؛ كما تمثِّل تلك الأغاني الحانية لِنَواتِيِّ نهر الفولغا ( Volga) التي ترافق انهِماكَهُمْ في سحب الحبال الجاذبة للقوارب، صورة مُفْصِحَةً أخرى للوضع نفسه الذي ينتظم العمل البشري عندما يُنَفَّذُ بأيدٍ عديدة. وفي حالة ألمانيا تتَّحد المفهومية من حيث هَوِيَّتُها مع الثقافة الألمانية ذاتها، وهي ثقافة (الأنا) و (الإنسان الأعلى) لكلٍّ من فِخْتَهْ ونِيتْشَه ( Fichte et Nietzsche). ويمتلك العمل في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية نشيده كذلك، وهو النشيد الذي أدَّى بعمال السكك الحديدة في موسكو سنة ١٩٢١ إلى التطوع بتقديم ساعات إضافية، كما شحَذَ هِمَّة الأودارنيكيِّين ( Oudarnikis) فانقضُّوا على البريَّة ورَوَّضوها، ثم اسْتَحَثَّ الستاخانوفيِّين ( Stakhanovistes) لذلك الكدح الجبَّار الذي تَوَّجَهُ غاغارينْ ( Gagarine) بغَزوِ الفضاء ... وقد كانت للمجتمع الإسلامي الوليد نفسُ الهِمَّة عندما كان يسمع نشيد الإسلام الفتيِّ في أعماق روحه، ذلك النشيد الذي كان يسوق الأبطال إلى ميادين القتال، أو إلى حظائر الشغل سواء. فقد كان (عمَّار بن ياسر) بطلَ الشُّغل الذي سمع هذا النشيد في غور روحه، عندما كان يحمل صخرتين بدل صخرة واحدة لبناء المسجد الأوَّل للإسلام (بالمدينة). إلا أن هذا النشيد الذي يقود الشعب، عندما تتعلق القضيَّة بمصيره، إلى ميادين القتال أو إلى حظائر الشغل، لا ينبعث من العدم، أو من مجرد ارتجال أدبيٍّ أو موسيقيّ، ولا حتى من صرخة الألم التي يطلقها إنسان جريح؛ فهذا النشيد لا يمكن أن ينبعث إلا من روح الشعب ذاتها، من تقاليده، ومن تاريخه، ومن كل ما يجعل عمَلَه أو نضالَه مقدَّساً في ناظرَيْه.

стр. 100

ويتعيَّن عليَّ أن أُشير هنا إلى قضية فرانز فانون ( F. Fanon)، مع كل التأثُّر والتقدير اللَّذيْن يسْتَشْعِرُهُما كلُّ جزائريٍّ عند ذكر هذا الاسم. فعمل فانون - الذي سوف يبقى في نظرنا ذا قيمة لا تُقَدَّر- لا يقدم ولا يمكنه أن يقدم نشيد النِّضال والعمل للشعب الجزائري، لأنه لا يغوص إلى الجذور العميقة من ذاتية هذا الشعب، ولا هو يعانق كُلِّيَّةَ موضوعيَّته الاجتماعية والتاريخية؛ فالنشيد الذي يحشد طاقة الشعب، كما يحشد المكثِّفُ الشُّحنة الكهربائية، لا يمكنه أن يتشكَّل على سجلٍّ أجنبيٍّ، حتى في مجرد تعبيره الفنيِّ أو الموسيقي أو الأدبي؛ لأن عملية تركيبه تتمُّ داخل روح الشعب أولاً، لكي يُتَرْجَمَ فيما بعد ضمن فكر إنسان يكوِّن جزءاً من تلك الروح الجماعية. فليس رفاق (غاندي) من الإنكليزيِّين- أمثال: بيرسن والآنسة سلاد ( Pearson et Miss Slade) - هم الذين ألَّفوا النشيد العظيم الذي اقتاد الجموع الهنديَّة إلى (التحرير)؛ ولكن (المهاتما غاندي) نفسه هو الذي جمَّع جوهره من ذات روحه الْمُفْعَمَة بحَمِيَّة الهند. كما لم يكن أمريكيّاً ذلك الذي ألَّف النشيد الوطني الفرنسي المدعوّ بالمارسيليَّة ( La Marseillaise) أو نشيد تجمُّع العمال الثوريِّين المدعوّ بالدُّوليّة ( L'Internationale)؛ والمؤكد أن (فانون) يمثل الموسيقي العظيم القادر على استخراج أصفى النبرات الثورية من الروح الإفريقيَّة، فقد كان فنُّه رائع الحكمِيَّة، كما كانت شبَّابته تقدم أحياناً أشجى الألحان الثوريَّة وأشدَّها إثارة للعواطف؛ ولكن سجله الشخصيّ- البالغ الخصب من جوانب أُخرى- كان يفتقد اللَّمسة التي تهزُّ الروح الجزائرية، وتصلها بذلك الرَّعْش المقدَّس الذي دفع بالشعب الجزائري إلى النضال المحرَّر، والذي يتعيَّن اليوم أن يدعم انطلاقته الثوريَّة إلى حظائر الشغل والعمل. وإننا لنظم (فانون) نفسه، عندما نجعله- كما أُريدَ به ذلك- يلعب دور

стр. 101

صاحب النظرية الثوريَّة الجزائريَّة؛ فلكي يتكلم المرء لغة شعب معين يجب أن يقاسمه معتقداته: وقد كان (فانون) إنساناً مُلْحِداً. ولكنا سَنَظْلِمُه كذلك إذا ما نسينا أو قلَّلْنا من قيمة دوره في تشييد مفهوميَّة إفريقيَّة، ففي هذا الميدان يمثِّل (فانون) كُلاًّ متكاملاً، لأنه يحمل في روحه: كلَّ روح إفريقيا، وكلَّ تاريخها، وكلَّ مأساتها. ومن ناحية أخرى فالمفهومية التي يجب أن تحمل الانطلاقة، يتعين عليها كذلك أن تحمل مبدأ نظاميّاً؛ فقبل أن يُرَوِّض المجتمعُ الطبيعة، يتعين عليه أن يروِّض نفسَه، حيث ينصاعُ إلى القاعدة، وينضبط مع المعيار الضروري للعمل المشترك. صحيح أنه لا مَعْدى عن الطاقة التي تَمْهَرُ بها الطبيعةُ كلَّ فرد لإنجاز المهامِّ اليوميَّة؛ ولكن هذه الطاقة إذْ تُحرَّرُ دونَما اشتِراطٍ تكون مُكْتَسِحَةً مُجْتاحَةً، بحيث تقوِّض النظام، وتلتهم الانضباط، وتحطم القاعدة والمعيار، وتجعل العمل المشترك مستحيلاً. ومن هنا يجب أن تُصَدَّ هذه الطاقة بحواجز، وأن تَتِمَّ تَقْنِيَتُها؛ أو هي- إذ نستخدم المصطلحات البافلوفية ( Pavloviennes) - يجب أن تُرْضَخَ (لِمشْروطِيَّةٍ) تجعل منها طاقة مخصَّصة للمرامي الدقيقة التي يستهدفها مجتمع بصدد بناء كيانه. فمشكلة الحرِّيَّة إنما توضع ضمن هذه الحدود الدقيقة، وليس ضمن حدود اعْتِباطِيَّة. ذلك أن حريَّة (القِرْد) يمكنها أن تكون كليَّة دون أن تضرَّ بمصلحة النَّوع (القِرَدِيِّ)، ولكن حريَّة (الإنسان) لا يمكنها أن تكون مطلقة إلا مقابل فوضى غير متلائمة مع جميع ضرورات التنظيم الاجتماعي، والنظام العام.

стр. 102

وقد جاءَت كلُّ الديانات- وأعني هنا جميع المفهوميَّات الدينية- لترويض الطاقة الحيويَّة للإنسان، وجعلها مخصَّصة للحضارة. وبناءً على ذلك يضع الدين الحرية الفردية بين حدود عمل المجتمع، ومقتضيات الحرية الخاصة بهذا المجتمع. والتشريعات المدنية نفسها لا يمكنها أن تُخِلَّ بهذا المبدأ دون أن تعرِّض للخطر نظامَ المجتمع في الداخل، وكرامَتَهُ في الخارج. وتتمثل خاصِّيَّةُ المفهومية السياسية في ترسيخها لمثل هذا المبدأ بقرارة الفرد، بطريقة تجعله يدرك كيف ينخرط في حريَّة: بحريَّته ونشاطه الفرديَّيْن داخل حرية المجتمع ونشاطه المشترك (١) وحرية بلاد ما إنما تُشادُ مع مثل هذه التَّقييدات للحرية الفردية؛ ثم يَتَبَقَّى لهذه البلاد أن تختار جنسَ هذه التقييدات وذلك إما بفرضها عن طريق الإكراه الحكوميِّ (الذي يقدِّم مصلحة الدولة على ما عداها)؛ وإما بترسيخها في الأفراد عن طريق تربية كل فرد بصورة تجعل سلوكه راضخاً لمراقبة وازِعِه الأخلاقي الخاص. وقد أعرب الشعب الجزائري عن وجهة نظره في هذا الموضوع بتَبَنيهِ للمبدأ الديمقراطي في دستوره؛ ولذا يجب على التربية الوطنية أن تُفْهِمَ الجيلَ الفَتيِيَّ أن دربَ الحريَّة يمرُّ بين أقصى طرفين هما: المحافظة المفرطة، التي تفضي إلى تحجُّر الفكر داخل الغشاوة السياسيَّة، وتعمّد (عدم المحافظة) بطريقة منهجيَّة، مما يؤدِّي إلى فوضى الأشخاص، والأشياء، والأفكار، وبالتالي إلى انفجار الإطار السياسيِّ.

стр. 103

ففي إحدى الحالين: نصل إلى نموذج من المجتمع المُتَراصِف النَّضْدِ، العاجز عن التقدُّم كما كان المجتمع الهندي والمجتمع الصينيُّ طوال قرون طويلة؛ وفي الحالة الأخرى: نؤول إلى نسق من المجتمع الْمُذَرْذَرِ (الْمُفَكَّكِ الذَّرَّات) كما كان المجتع العربيُّ الجاهلي، مجتمعاً عاجزاً عن الاضطلاع بنشاط مشترك، وبالتالي محكوماً عليه بأن يَقْبَعَ على هامش التاريخ. ومن وجهة النظر النفسانيَّة، يجب أن تُبَيِّن تربيتُنا كذلك أنَّ خطَّ سَيْرِ نشاطنا الشخصي أو الجماعي يجب أن يَمُرَّ بين ذُهانَيْنِ ( Deux Psychoses) يبدو أنهما يَنْتابانِ سائر البلدان الإسلامية، وهما: ذُهانُ (الشيء السهل)، الذي لا يستدعي أيَّ مجهود، والذي يَسْتَمِيلُنا إلى الكسل؛ وذُهانُ (الشيء المستحيل) الذي يجعلنا نحم مُسَبَّقاً ومن أول وهلة بأنَّ النشاط فوق مستوى وسائلنا، مِمَّا يفضي بنا على هذا المنوال إلى الشَّلَلِ التَّام. فمُهِمَّةُ تربيتنا الشَّعبيَّة والمدرسية، إنما تتمثل في تبْصيرِها لنا بأن: ليس هناك (شيءٌ سهل) ولا (شيء مستحيل)، وإنما لكل مشكلة واقعية حلها الذي تنحصر القضية في تطبيقه بالجهد الذي يستلزمه. لقد حان الأوان لكي نتحرَّر من جميع ضروب العطالة التي توقف الجهد، ومن سائر أعذار العطالة التي تُبَرِّرُ كَسَلَنا. وإنه لمن المستحسن أحياناً أن نعيد التفكير في تجربة غيرنا عندما تكون قابلة للتطبيق على حالتنا نحن، لكي نكيِّفها مع شروطنا الخاصة. وضمن هذا الاتجاه نرى أن التطهير النفساني الذي استخدمَهُ النظامُ الصِّينيُّ الحالي أثناءَ بداياته، لا يخلو من بعض الفائدة إذا ما اسْتُعْمِلَ في مجتمع مُعَقَّد ينطوي على الكثير من (الْمُرَكّبات النَّفسية) القائمة في العديد من ضروب الْخَجَلِ المكبوتة؛ فقد فهم المسيِّرون الصينيُّون مدى صعوبة تحقيق الوحدة

стр. 104

الأخلاقية والإرادة الجماعية داخل بلادهم دون القيام بتصفية عُقَدِها المخجلة، تلك العقد التي لا يقبل المواطنون الإقرار بها، والموروثة عن النظام السابق، عندما كان الصينيُّ يُخْضِعُ مواطنَه لكي يَبْتَزَّهُ، أو هو يَتَّجِرُ على كاهله مع الاستعمار. فقد كانت مثلُ هذه العُقَد تقيم بين المواطنين ضمن النظام الجديد تُخوماً أخلاقية يزداد مَحْذورُها بالقدر الذي تتمكَّن فيه ضروبُ الخجل المكبوتة تلك من الإفصاح عن ذاتها في بساطة بالارتكاس الْمُتَمَحِّضِ إلى (الجريمة)، أو بموقف من المغالاة الاعتباطية التي تُقَنِّعُ عمليَّة (تَعْويضٍ) مُجْحِفَةٍ بانسجام العمل الاجتماعي. فالإدماج المتكامل لجميع المواطنين داخل الجماعة يستدعي إلغاءَ تلك التُّخوم؛ ولقد أدرك المسيِّرون الصينيُّون ذلك، ولذا فتحوا حملة النَّزاهة الشهيرة، التي قدَّمت لكل مواطن صينيٍّ فرصة الإقرار بأخطائه الماضية، وإراحة ضميره من عبء إثْمٍ كان يُرْضِخُهُ لِضَغْطٍ داخليٍّ لا يُحتَمل، جاعلاً منه شخصاً فاقد الصَّلاحية بالنسبة إلى النشاط المشترك. ولقد ورثت الجزائر عن العهد الاستعماري ما لا يُسْتَهان به من جِنْسِ هذه العُقَد؛ وإنه لمن الحكمة أن نفكِّر في أنَّ ضروب الارتكاس إلى (الجريمة)، ووجوه المغالاة الاعتباطية المؤذية، تظل ممكنة الحدوث ما لم تتمَّ تصفيةُ العقد المخجلة داخل مجتمعنا. ويمكننا القول بأن هذه العقد هي التي كوَّنت (رأس المال) الذي استثمره الاستعمار في جهازنا الإداري لكي يَسْتَبْقِيَ داخله ثغرات ملامئة لنشاطه المباشر، أو أسباباً للاختلال يمكنها أن تُبَلْوِرَ استياءَ من تتولَّى الإدارة شؤونَهم. ومن ناحية أُخرى فإن هذا التطهير النفساني لا يمثل ابتداعاً صينيّاً محضاً، إلا في شكل نشاطه العمومي، ومن حيث غاياته السياسيَّة. فقد سبق أن مارسه المجتمع المسيحيُّ بشكل آخر، ولغايات مغايرة، فيما يُعْرَفُ عنده (بكرسيِّ الاعتراف).

стр. 105

ولقد مارسه المجتمع الإسلامي الوليد كذلك، لغايات تطهيريِّة في تلك الضروب الذائعة الصيت من (الإقرار بالذَّنب، أو الإعلان عن الخطيئة) من مثل اليوم الذي اعتقد فيه الخليفة (عمر) أنه قد أثْمَلَتْهُ نَشْوَةَ السُّلطة، فما كان منه إلا أن استدعى (الصحابة) وجمعهم حذو المِنْبَر، ليعلن أمامهم ما مُؤدّاه: أنه لم يكن شيئاً مذكوراً، بل هو أقلّ من اللاَّشيء؛ وأنه لا يعدو كونه مجرد راعي ماشية جعل منه الإسلام خليفة. وهكذا كان (عمر) العظيم الذي نعرف مدى حساسيته الأخلاقية المتوفِّرة، أوَّلَ من فتح طريق (النقد الذَّاتي) (١). ففي جميع هذه الحالات الخاصة، أو العمومية، سواءً أتَمَّتْ لغايات أخلاقية، أو سياسية، تتمثل القضية في تطهير نفساني يتكفل بإدماج الفرد، ومُكامَلَتِه أخلاقياً في قلب جماعة من المواطنين أو المؤمنين. والملاحظ أن مشكلة المكاملة الاجتماعية للفرد، تمثّل مشكلاً قائماً على وجه العموم في (جزائر) ما بعد الثورة. فقد تمَّ تفكيك المجتمع الجزائريّ من طرف الاستعمار بمقتضى المبدأ الرُّومانيِّ الذَّائع: (فَرِّقْ تَسُدْ)! ... ولقد دَحَرَتْ البِنائِيَّاتُ الاستعمارية الفردَ وألْجَأَتْهُ إلى الحياة من أجل ذاته؛ بل ولقد بلغ الأمر ببعض الأفراد أن نَما لديهم: (خُلاعُ الاحتكاك) بالآخرين، ( Phobie de Contact) ، حتى جعلهم يقضون على أنفسهم بالانعزال والانزواء، الأمر الذي يحملهم أحياناً على الانقطاع الاجتماعي التَّام في نفس كنف أُسْرَتهم الخاصة ... وهكذا تم تجريد الأفراد من إنسانيَّتهم، وانْتُزِعَ منهم حتَّى مجرد انْتواء الاحتكاك البشريّ-، بحيث مات المجتمعُ في قرارة طواياهم.

стр. 106

ولقد تَمَّ بعثُ المجتمع الجزائري من جديد كمجتمع، بفضل الثورة التي أدَّتْ بالأفراد- وأعني أغلبيَّةَ الشعب- إلى إقامة صلاتهم الاجتماعية لخدمة القضيَّة الوطنية، إما في نطاق المقاومة المدنية التي بلغت حدَّ الرَّوْعَة، وإما ضمن النشاط المسلَّح الذي بلغ ذَرْوَةَ البطولة (١). ولكن ابتداءً من وقف إطلاق النار، اتَّضَحَ أن الفردية قد ولدت من جديد، ضمن تلك الحالات العديدة التي جدَّد فيها الفردُ شَجْبَ روابطه الاجتماعية لكي يَنْقَضَّ على إحدى الوظائف التي تُدِرُّ دَخْلاً دونما كبير عمل، أو لكي يَجْتازَ إحدى الملكيَّات الشاغرة؛ ولقد فَصَمَ التسابق على المغنم الشخصيِّ على نحو من الأنحاء عُرَى الروابط التي أنشأها (مَوْثِقُ) الثورة الوطنيَّة (٢). ومن أجل الحقيقة التاريخيَّة يجب أن نضيف إلى ذلك أن أعضاء (الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية) هم الذين أعطوا المثال بأن كانوا القدوة الْمُحْتَذاةَ لهذا السِّباق المُنْهِكِ المِتْلاف! ..

стр. 107

فقد تخلَّى البعضُ عن مشروع كامل في طرابلس، حيث لم يُستكملْ بعدُ حتَّى مجرد تحرير (البرنامج)، والتحقوا (بتونس) لترتيب (شؤونهم الشخصية)، والتفرُّغ لاسْتِتْمام (تشكيلاتهم) قبل أن يضعوا أقدامهم على أرض الوطن في لَبوس المحرِّرين وبادر البعضُ الآخر إلى السَّبْق باجتياز خَطِّ موريس ( Ligne Morice) فركضوا حثيثاً إلى قرية (بومرداس) (١) لمباغتة ما يقدرون عليه من سُلْطَةِ دَوْلَةٍ لم يكن مولدُها سوى مجرد احتمال، أو هي لَمَّا تخرجْ بعدُ من أقْماطِها في جميع الأحوال، دون أيّ اكتراتٍ بما إذا كان هذا السلوك الْمُسْتَغْرَبُ في بابه سوف يؤدِّي إلى قتل الوليد الغَضَّ في مهده! .. وعندما اشْتَمَّ بعضُ الذئاب أثناءَ مغادرتهم للمقاومة بالأدغال رائحة الوليمة (الزَّرْدَة) تحدَّروا من الجبل إلى المدن لاغتصاب كل ما يقدرون عليه: محطة إرسالط إذاعية هنا، ومَبْنًى إدارياً هناك! ... وعلى النقيض من ذلك اتَّجه بعضُ الضِّباع في بَزَّةِ (الْحَرْكِيِّين) أو زِيِّ المدنيِّين صوب شعاب الجبل لكي ينحدروا ثانية من هناك في صورة أبطال، بعد أن أَنْسَوْا غيرهم أنهم قد شبعوا حتَّى البِطْنَة طوال سبع سنوات ممَّا نهشوه من لحم الشعب وما امتصُّوه من دمائه! .. ونحن نعلم بقية القصة، وكيف ألقى الشعبُ بنفسه تحت تأثير قَرَفِه وتقزُّزه، دونما سلاح في قلب الاشتباك (أو الزَّحْمَة) لكي يسدَّ الطريق في وجه عصبَّة الولايات ( Le Wilayisme) . لقد قيل: إن الْحكم هو التَّبَصُّر. و (الحكومة المؤقَّتة للجمهورية

стр. 108

الجزائرية) لم تكتف بعدم التبصُّر بالوضعيَّة التي تَلَتْ وَقْفَ إطلاق النار فحسب، ولكنها استحثَّتْ قيام هذه الوضعيَّة بسلوك أعضائها. أجَل! إنها لم تتَبَصَّر عواقبَ هذه الوضعيَّة، وهو واقع لا نزاع فيه؛ ولكننا عندما نعيد مراجعة الاطراد المتساوق الذي اقْتادَنا إلى ذلك، نكون محولين على القول بأنها لم تكتف بالتعجيل من خَطْوِها فحسب، ولكن بلغ بها الأمرُ حَدَّ خلق هذه الوضعيَّة أثناءَ مرحلة سيادتها. فحتى اليوم الذي فَزِعَ فيه هؤلاء (المحرِّرون) إلى (بومرداس) للاستيلاء على النُّفوذ، لم تكن لِتَدورَ برؤوسهم سوى فكرة واحدة وهي: احتلال الجزائر من جديد بقدر إجلاء الاستعمار لقوَّاته الخاصة، وذلك حتى لا تتاح للشعب الجزائريّ أيَّةُ إمكانية لمحاسبتهم على تسييرهم للبلاد. ففي (القاهرة) وفي (تونس) لم تكن مشكلةُ الثورة لتُثار بالنسبة إليهم في حدود (التَّحرير) ولكن في حدود احتلال جديد. وكان الشعب هو الذي اضطلع بأعباء التحرير مع قوات (جيش التحرير الوطني) المنخرطة في النضال حَقّاً وواقِعاً. لأن جيش التحرير الوطني نفسَه، قد انْتابَهُ هذا العملُ المفَكَّكُ من طرف الحكومة المؤقَّتة للجمهورية الجزائريَّة، التي كان كلُّ عضو فيها يريد أن يضمن لنفسه ثُلَّةَ من هذا الجيش لاستخدامها في اجتياح إقطاعيَّة خاصة. فالتَّفَكُّك الذي برز لوضح النُّور منذ الوهلة الأولى التي تَلَتْ وَقْفَ إطلاق النار، قد وجد أصلَه البعيد في هذا العمل التَّقسيميِّ الذي قام به أعضاءُ الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية قبل إبرام (اتِّفاقيَّات إيفيان) بوقت طويل جدّاً. وهؤلاء هم المسؤولون في نهاية الحساب عن ذلك الانفجار الذي حاقَ بالوحدة المعنويَّة للبلاد في شهر جويلية (تموز) سنة ١٩٦٢، أو عن تخريب هذه الوحدة على

стр. 109

الأقلِّ. فالذي حصل هو أن الجماعة الوطنية التي انصهرتْ ولُحِمَتْ في نار الثورة، قد فُتِّتَتْ وذُرْذِرَت من جديد في مضمار السِّباق على المنفعة الشخصيَّة. لقد خلق الشعب بنفسه مفهوميَّتَه الخاصة طوال سنوات الثورة، باستثماره فيها لجيع قِيَمِه الأخلاقية، تلك القِيَم التي جعلت نضالَه مقدّساً في نظره الخاص ولكنَّ مفعول هذا التقديس أخذ يتدهور شيئاً فشيئاً تحت تأثير طوفان جَرَّافٍ من انتهاك الحرمات، وتدنيس المقدَّسات؛ فالأشخاص الذين استلموا سُكَّانَ القارب وَدَفَّتَهُ عقب حادثة السطو على الطائرة التي كانت تُقِلُّ (بن بلَّة) من (الرباط) إلى (تونس)، كانوا أبعد ما يكون عن تقدير الأهمية السياسية لهذا الانحطاط الذي ساد الجوّ الأخلاقي، وخاصة بالنسبة إلى حقبة ما بعد الثورة، أعني في الطور الجديد من المعركة الشعبية. وإن مسيِّرينا في تلك المرحلة الذين لم (يفكِّروا) - بالمعنى الدقيق للكلمة- في أي مشكلة من مشاكل الثورة، لا يمكنهم من باب أَوْلى أن (يفكِّروا) في المشاكل العامة التي كانت متوقَّعة في الجزائر عقب الثورة؛ وبالتالي فهم أبعد ما يكون عن الانشغال بوضع مشكلة (مفهوميَّة) ما بعد الثورة. تلك هي الوضعية الحالية للمسألة. فالمشكلة التي توضع اليوم أمام شعبنا، وأمام حكومتنا، إنما تتمثَّل في تجديد الموثق (أو الحلف) القابل للاضطلاع من جديد بإقامة الوحدة المعنوية للأُمَّة، والنهوض كَرَّةً أخرى بالطاقات التي انْتابَها التَّخاذُلُ والتَّقاعُسُ لفترة معينة من جرَّاء الاستقلال. إذ يتعين على الشعب الجزائري أن يستأنف سَيْرَهُ مجدَّداً نحو مَرامِيَ جديدة؛ كما يتعيَّن على هذه المقاصد أن تمدَّه بالبواعث المعلِّلَة الجديدة لنشاطه المشترك، و (بالقاسم المشترك) الذي سيعضد سائر النشاطات الفردية: سواء منها

стр. 110

نشاطات المهتمِّ بالشؤون الفكرية، أو نشاطات التاجر، أو العامل، أو الفلاح. فقد تَقَشَّعَت اليوم الهالةُ التي كانت تحجب بِطُفاوَتِها المشاكل الملموسة عن عيون الشعب الجزائري أثناءَ الثورة، كما جُرِّدَت المشاكل من ظُلامَتها المضَلِّلَة. ومن هنا فصاعداً يجب أن يُسَمَّى القِطُّ قِطّاً، بحيث لا يجب أن يوجد ألبَتَّة أمام أنظار الشعب الجزائري مُثَقَّفون زائفون، وأبطال مصطنعون، ومشاكل مفتعلة؛ إذ يجب البدءُ أولاً بتصفية مشاكل الاستقلال الطُّوباويّ (أو الخياليّ) الذي تركت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية سَطْوَتَه تَنْمُو وتتفوَّق على بعض الأذهان في بلادنا؛ حتى لقد أصبحنا نلاحظ في أيامنا هذه وجود علائم قائمة قَلْباً وقالباً للتَّخاذل والتراخي في بلادنا كما لو كان يتعيَّن على (الاستقلال) أن يحلَّ جميع مشاكلنا العموميَّة والخصوصيَّة بطريقة آليَّة؛ بينما يجب علينا أن نفهم أن قطاعنا العمومي بالخصوص لا يزال يَحْيا على ما تركه لنا المستعمر بعد رحيله؛ وعندما يُسْتَنْفَذُ هذا الرَّأسمال، فما عسانا نصنع إذا كانت الضرائب لا تدخل الخزينة، وإذا أهمل الموظَّف أو المستخدم واجبه؟ ... فالمعدَّات المتنقلة من شبكة السكك الحديدية على سبيل المثال ماضية إلى النَّفاد على مَرْأى من أبصارنا، لأنه قد تمَّ إهمال صيانتها كما هو المشاهد؛ وذلك مع إغفالنا للحديث عن تكرار عدم مراعاة جدول المواقيت على خَطٍّ حديديٍّ هام مثل خط قسنطينة- الجزائر العاصمة ... وإذن فإنه من المقتضيات الملحَّة أن نعيد التفكير في مشاكل البلاد، على ضوء إدراكنا لكون المشاكل القائمة في مرحلة ما بعد الثورة إنما هي مشاكل (البنْيَة القاعِدِيَّهَ)، أعني مشاكل: الإنسان، والتراب، والزمن، وأنها هي التي يجب أن تُثار قبل غيرها؛ كما يجب أن نُوجِدَ (القاسم المشترك) لحلولها؛ وهذا القاسم المشترك إنما يتمثَّل في المفهومية التي يجب أن تكوّن (حِلفاً) بين الأشخاص، و (فَنّاً) صِياغِيّاً تجاه الأشياء، و (مَنْهَجاً) على صعيد (الأفكار).
следующие страницы →