← Акыда

Акыда · id 326

رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 169 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

دخلتُ على زينب امرأة عبد الله أعودها من حمرة ظهرت بوجهها، وهي معلقة بخرز، فإني لجالسة دخل (١) عبد الله، فلما نظر إلى الحِرْز أتى جذعًا معارضًا في البيت فوضع عليه رداءه، ثم حسر عن ذراعيه، فأتاها، فأخذ بالخرز فجذبها حتى كاد وجهها أن يقع في الأرض فانقطع، ثم خرج من البيت، فقال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك، ثم خرج فرمى بها خلف الجدار، ثم قال: يا زينب، أعندي تُعَلِّقين؟ ! إني سمعت رسول الله [٦٧٤] ﵌ يقول: نهي عن الرقى والتمائم والتولية، فقالت أم ناجية: يا أبا عبد الرحمن، أما الرقى والتمائم فقد عرفنا فما التولية؟ قال: التولية ما يهيج النساء» (٢). كذا وقع في النسخة (التولية) والمعروف: التولة، ووقع فيه: (الحرز) بالحاء المهملة، والظاهر: (الخرز) بالمعجمة. والله أعلم. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: دخل عبد الله على امرأته وهي مريضة فإذا في عنقها خيط معلق، فقال: ما هذا؟ فقالت: شيء رقي لي فيه من الحمَّى، فقطعه فقال: إن آل إبراهيم أغنياء عن الشرك (٣). كذا وقع في النسخة: (الحمَّى)، و (آل إبراهيم)، والصواب: (الحمرة)، و (آل عبد الله). وأخرج عن إبراهيم قال: رأى ابن مسعود على بعض أهله شيئًا قد تَعَلَّقَهُ

стр. 1052

فنزعه منه نزعًا عنيفًا، وقال: إن آل ابن مسعودٍ أغنياء عن الشرك (١). وأخرج من طريق قتادة عن رافع بن سحنان (٢) قال: قال عبد الله: مَن علّق شيئًا وكل إليه (٣). وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه من طريق عبد الرحمن بن حرملة، عن عبد الله بن مسعود قال: كان رسول الله ﵌ يكره عشر خلال، الحديث، ذكر فيه: «الرقى إلا بالمعوذات، وعقد التمائم» (٤). [٦٧٥] وبالجملة فحديث قيس بن السكن عن ابن مسعود صحيح لا مغمز فيه، وبقية الروايات شواهد قوية وعواضد يبلغ بها الحديث غاية الصحة.

стр. 1053

وفي صحيح مسلمٍ عن عوف بن مالكٍ الأشجعيِّ قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعرضوا عليّ رُقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شركٌ» (١). هذا شاهد لحديث ابن مسعود في الجملة لدلالته على أن من الرقى ما هو شرك، وهو في أحاديث أخرى في الإذن بالرقى قد مرّ بعضها تبيِّن حديث ابن مسعود بدلالتها على أنَّ من الرقى ما ليس بشرك. وتفسير ذلك أن الرقى على ثلاثة أضرب: الضرب الأول: الرقية بكتاب الله تعالى وذكره ودعائه اللَّذَيْنِ أُذِنَ في مثلهما فهذا حق وإيمان، ولكن الأولى بالمؤمن ألَّا يسأل غيره أن يرقيه، كما تقدَّم إيضاحه في الدعاء (٢). الضرب الثاني: ما كان فيه تعظيم لغير الله ، فهذا إن كان مما أنزل الله تعالى به سلطانًا فهو كالأول وإلا فهو شرك، ومن ذلك الإقسام بالكواكب وأسماء الشياطين وبالحروف (٣) والأسماء التي يزعمون أنها أسماء الروحانيِّين. ويلحق بذلك في المنع ما كان فيه كلمات أعجمية لا يدرى معناها، وإن كان معها ذكر لله وثناء عليه؛ لأن المشركين يخلطون عبادة الله تعالى بعبادة غيره. وكذا ما كان فيه حروف مفردة فإنه لا

стр. 1054

يؤمَنُ أن تكون كلمات أعجمية شركية قُطِّعَتْ حروفًا. [٦٧٦] الضرب الثالث: ما كان من الرقى كلمات عربية ليس فيها تعظيم ولا مدح، فإن كان يرى أو يجوِّز أن لتلك الكلمات أثرًا يستند إلى غيبيٍّ كالروحانيين والجن والكواكب ونحوها فحكمه كالقسم الثاني، والله أعلم. وإن كان لا يجوِّز ذلك، وإنما يقول: لعلَّ للحروف والكلمات خواصّ كخواصّ الأشجار والأحجار، فالحكم في هذا مشتبه، ولم نجد له مستندًا ثابتًا في الشريعة ولا في الحسِّ والعادة القطعيَّين. والذي أختاره الآن المنعُ من هذا؛ لأنه إن لم يكن فيه نفسه حرج فهو ذريعة إلى القسم الثاني، والله أعلم. وفي فتح الباري: «وقال ابن التين: .... وتلك الرقى المنهي عنها التي يستعملها المعزِّم وغيره ممن يدَّعي تسخير الجن له فيأتي بأمور مشتبهة مركَّبة من حق وباطل يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يَشُوبُه من ذكر الشياطين والاستغاثة بهم والتعوُّذ بمَرَدَتهم. ويقال: إن الحية لعداوتها للإنسان بالطبع تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم، فإذا عزَّم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها، وكذا اللديغ إذا رُقِيَ بتلك الأسماء سالت سمومها من بدن الإنسان. ولذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة وباللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئًا من الشرك. وعلى كراهة الرقى بغير كتاب الله علماء الأمة. قال القرطبي: الرقى ثلاثة أقسام: أحدها: ما كان يرقى به في الجاهلية مما لا يعقل معناه فيجب اجتنابه؛ لئلا يكون فيه شرك أو يُؤدي إلى الشرك.

стр. 1055

الثاني: ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز، فإن كان مأثورًا فيستحب. [٦٧٧] الثالث: ما كان بأسماء غير الله من مَلَك أو صالح أو مُعظَّم من المخلوقات كالعرش، قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه، ولا من المشروع الذي يتضمَّن الالتجاء إلى الله والتبرك بأسمائه؛ فيكون تركه أولى إلَّا أن يتضمن تعظيم المرقيِّ به فينبغي أن يُجتنَب كالحلف بغير الله» (١). أقول: ذكر اسم المَلَك أو الصالح أو المعظَّم في معرض الرقية بذكره تعظيم وأيُّ تعظيم، فالحقُّ ما قدَّمناه في الكلام على الضرب الأول. ثم قال في الفتح: «وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية، فقال: لا بأس أن يُرقى بكتاب الله وما يُعْرَف من ذكره. فقلت: أَيَرقي أهلُ الكتاب المسلمين؟ قال: نعم إذا رَقَوْا بما يُعْرَف من كتاب الله وبذكر الله. اهـ ... وروى ابن وهب عن مالك كراهة الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط والذي يكتب خاتم سليمان، وقال: لم يكن من أمر الناس القديم ... وسُئِل ابن عبد السلام عن الحروف المقطَّعة، فمنع منها ما لا يُعْرَف؛ لئلا يكون فيها كفر» (٢). * * * *

стр. 1056

التمائم قد تقدَّم حديث ابن مسعود. وأخرج الإمام أحمد والحاكم في المستدرك وغيرهما عن عقبة بن عامرٍ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «مَن تعلَّق تميمةً فلا أتمَّ الله له، ومَن تَعَلَّق وَدَعَة فلا ودع الله له» (١). [٦٧٨] وأخرج الإمام أحمد والحاكم وغيرهما عن عقبة أيضًا أن رسول الله ﵌ أقبل إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحدٍ، فقالوا: يا رسول الله بايعت تسعة وتركت هذا، قال: «إن عليه تميمةً»، فأدخل يده فقطعها فبايعه، وقال: «مَن عَلَّق تميمةً فقد أشرك» (٢). وقال ابن أبي شيبة في المصنف: «ثنا شبابة، ثنا ليث بن سعد، عن يزيد، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامرٍ قال: موضع التميمة من الإنسان

стр. 1057

والطفيل (١) شركٌ»، وهذا سندٌ صحيحٌ. وقال: «ثنا شريك، عن هلال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن النبيِّ ﵌ قال: «مَن تعلَّق (٢) التمائم وعقد الرقى فهو على شعبةٍ من الشرك»، وهذا مرسلٌ. وقال: «ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم والرقى والنشر». وقال: «ثنا حفص، عن ليث، عن سعيد بن جبير قال: من قطع تميمة عن إنسان كان كعدل رقبة» (٣). وقد اختلف في تفسير التمائم. فقيل: إن التميمة خرزة مخصوصة. وقيل: بل كل ما يُعلَّق رجاءً للنفع. وممَّا يدل على الثاني ما في مصنف ابن أبي شيبة: [٦٧٩] «ثنا هشام (هشيم)، ثنا مغيرة، عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كُلَّها من القرآن وغير القرآن». ثنا هشيم، أنا يونس، عن الحسن أنه كان يكره ذلك (٤).

стр. 1058

وفيه: «ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن إبراهيم بن المهاجر، عن إبراهيم، عن عبد الله أنه كره تعليق شيء من القرآن. وقال: «ثنا هشيم، عن مغيرة، قلتُ لإبراهيم: أعلِّق في عضدي هذه الآية: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] من حُمَّى كانت بي؟ فكره ذلك. وقال: «ثنا وكيع، عن ابن عون، عن إبراهيم أنه كان يكره المعاذة (١) للصبيان، ويقول: إنهم يدخلون به الخلاء» (٢). ومما يدلُّ على أن التمائم يتناول (٣) ما كان من القرآن ونحوه: ما أخرجه الحاكم في المستدرك وغيره عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: «ليست التميمة ما تُعُلِّق به بعد البلاء، إنما التميمة ما تُعُلِّق به قبل البلاء». قال الحاكم: «هذا حديث على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولعل متوهمًا يتوهم أنها من الموقوفات على عائشة ﵂، وليس كذلك؛ فإن رسول الله ﵌ قد ذكر التمائم في أخبارٍ كثيرةٍ، فإذا فسرت عائشة ﵂ التمائم فإنه خبرٌ مسندٌ» (٤).

стр. 1059

ودلالته على العموم من وجهين: الأول: ظاهر قولها: إنما التميمة ما تُعُلِّق به. [٦٨٠] وكلمة (ما) من قولها: (ما تُعُلِّق به) اسم موصول، فيعمُّ كلَّ ما يُتَعَلَّق به. الثاني: أن كلمة (أل) في قولها: (التميمة) ليست للجنس، بدليل أن المعروف في اللغة بل المتواتر أن التميمة يطلق على الخرزة التي تُعَلَّق رجاء نفعها، سواء بعد البلاء عُلِّقت أم قبله، وإنما هي للعهد. أرادت ــ والله أعلم ــ ليست التميمة التي نهى عنها النبي ﵌ .... ولو جعلنا التميمة في كلامها خاصًّا بالخرزة لدلّ كلامها أن تعلُّق الخرزة بعد البلاء غير منهي عنه، وهذا باطل لعموم الأحاديث في النهي وما في بعضها من ذكر السبب وأنه كان بعد البلاء، مع ما سيأتي عن عائشة نفسها من إنكارها جَعْلَ الخلخالين على الصبي، والصبي حينئذٍ مبتلىً. فالصواب ــ والله أعلم ــ حمل التميمة في كلامها على كل ما يُتعلَّق رجاء النفع، ثم يستثنى من ذلك الخرز ونحوها فإنها منهي عنها مطلقًا، ويبقى ما يُعلَّق مما فيه ذكر الله تعالى، فهذا هو الذي يجيء فيه التفصيل، فإن عُلِّق قبل البلاء فهو تميمة منهي عنها، وإن عُلِّق بعد البلاء فلا حرج فيه. وحديثها هذا هو ــ والله أعلم ــ حجَّة القائلين بمنع الرقى والمعاذات قبل البلاء والترخيص فيها بعد البلاء. قال الحافظ في الفتح: «وقال قوم: المنهي عنه من الرقى ما يكون قبل وقوع البلاء، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابن عبد البر والبيهقي

стр. 1060

وغيرهما (١)، وكأنه مأخوذ من الخبر الذي قرنت فيه التمائم بالرقى»، فذكر [٦٨١] حديث ابن مسعود المتقدم، ثم قال: «والتمائم جمع تميمة، وهي خرز أو قلادة تُعَلَّق في الرأس، كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات، والتولة .... شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر، وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله. ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه؛ فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه». فذكر حديث: كان إذا أوى إلى فراشه ينفث بالمعوذات، وحديث تعويذه ﵌ الحسن والحسين، وما في معنى ذلك، ثم قال: «لكن يحتمل أن يقال: إن الرقى أخص من التعوذ، وإلا فالخلاف في الرقى مشهور، ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله تعالى والالتجاء إليه في كل ما وقع وما يتوقّع» (٢). أقول: أما ما كان من تعويذ الإنسان بالقول والنفث ونحوه لنفسه ولولده أو لولد غيره بدون سؤال، فهذا لا يدخل في الرقية ولا يُمنَع قبل البلاء ولا بعده. وأما ما يكون لغيره بسؤال ولا سيَّما إذا كان المسؤول منه لا يعرف بالخير والصلاح أو كان من أهل الكتاب، فهذا هو الرقية التي يمنع منها قبل البلاء ويرخص فيها بعده، بشرط أن تكون بذكر الله تعالى. فأما إذا كان المسؤول معروفًا بالخير فقد كان الصحابة ﵃ ربما يذهبون بأطفالهم الأَصِحَّاء إلى النبي ﵌ يدعو لهم، ولكن لم

стр. 1061

يكن ذلك يتكَرَّر، ولم يفعل السلف فيما نعلم مِثْلَ ذلك مع غير النبي ﵌، فلم يكونوا يذهبون بأطفالهم إلى أبي بكرٍ أو عمر أو غيرهما. [٦٨٢] وأما ما يكتب ويُعَلَّق فالفرق بينه وبين تعويذ الإنسان نفسه وولده ظاهر، وقول الحافظ: «وكأنه مأخوذ من الخبر الذي قُرِنَتْ فيه التمائم بالرقى» صريح أو كالصريح في أن الحكم المذكور مُسَلَّم في التمائم أي إنها إنما يرخص فيها بعد البلاء، وهذا لا يصح في الخرز، فإنه لا يرخص فيها أصلًا، كما يدل عليه قوله: «وإنما كان ذلك من الشرك؛ لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله»، فإن هذا المعنى موجود في تعليق الخرز سواء أقبل البلاء عُلِّقت أم بعده، ولكن ينبغي أن يزاد بعد قوله: «من عند غير الله» بغير إذنه؛ لإخراج التداوي بالأدوية المعروفة. فالحاصل: أن التمائم التي يرخص فيها بعد البلاء هي المعاذات المكتوب فيها ذكر الله . والله أعلم. وقال البيهقي في السنن الكبرى في الكلام على حديث ابن مسعود: «وقال أبو عبيد: ... وأما الرقى والتمائم فإنما أراد عبد الله ما كان بغير لسان العربية مما لا يُدرى ما هو؟ قال الشيخ (١): والتميمة يقال إنها خرزة ... , ويُقال: قلادة تُعلَّق فيها العُوَذ»، ثم ذكر حديث عقبة بن عامرٍ، ثم قال: «وهذا أيضًا يرجع معناه إلى ما قال أبو عبيدٍ، وقد يحتمل أن يكون ذلك وما أشبهه من النهي والكراهة فيمن

стр. 1062

تعلّقها وهو يرى تمام العافية وزوال العلَّة منها على ما كان أهل الجاهلية يصنعون. فأما من تعلّقها متبركًا بذكر الله تعالى فيها وهو يعلم أَلَّا كاشف إلَّا الله ولا دافع عنه سواه فلا بأس بها إن شاء الله» (١). اهـ. فكلام أبي عبيدٍ صريحٌ في أن التمائم تطلق على ما يكتب، وكذا كلام البيهقي أخيرًا؛ فإنه في التمائم بدليل قوله: «فيمن تعلقها وهو يرى تمام العافية»، [٦٨٣] وصريح في أن مراده التمائم المكتوبة؛ بدليل قوله: «فأما من تعلقها متبركًا بذكر الله تعالى فيها». بقي كلام في حديث عائشة، وهو أن لفظه عند البيهقي في رواية: «ليست التميمة ما يُعلَّق قبل البلاء، إنما التميمة ما يُعَلَّق بعد البلاء ليدفع به المقادير» (٢). كذا وقع في هذه الرواية، ورجح البيهقي الرواية التي قَدَّمناها عن المستدرك، وكأنه انقلب الحديث في هذه الرواية، على أنها لو صحت لكان لها معنى، بأن يقال: المراد بالتمائم الخرز؛ فما علق قبل البلاء لزينة مثلًا فلا بأس به، وإنما البأس فيما يُعلَّق بعد البلاء لدفع المقادير، ولكن في هذا المعنى ركاكة؛ إذ لا يكون فائدة للتقييد بقبل البلاء وبعده، بل المدار على الباعث على التعليق، فكان وجه الكلام لو أريد هذا المعنى أن يُقال: ليس التمائم ما عُلِّق للزينة؛ وإنما التمائم ما علق رجاء النفع أو نحو ذلك، فالصواب ما رجَّحه البيهقي، وأن المتن في هذه الرواية انقلب على الراوي، والله أعلم.

стр. 1063

والحاصل أن التمائم إن أريد بها الخرز ونحوها مما لا كتابة فيه فهو ممنوع البتة، وقد ورد فيه حديث ابن مسعود وحديث عقبة بن عامر، وقد تقدَّما. وأخرج الحاكم في المستدرك عن طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أن أمه حدثته أنها أرسلت إلى عائشة ﵂ بأخيه مخرمة، وكانت تداوي من قرحة تكون [٦٨٤] بالصبيان، فلما داوته عائشة وفرغت منه رأت في رجليه خلخالين جديدين (كذا)، فقالت عائشة: أظننتم أن هذين الخلخالين يدفعان عنه شيئًا كتبه الله عليه، لو رأيتهما ما تداوى عندي، وما مُسَّ عندي، لعمري لخلخالان من فضة أطهر من هذين». قال الحاكم: صحيح الإسناد، وأقره الذهبي (١). وفي تهذيب التهذيب في ترجمة بكير بن عبد الله: «وقال أحمد بن صالح: إذا رأيت بكير بن عبد الله روى عن رجل فلا تسأل عنه؛ فهو الثقة الذي لا شك فيه». ولعل الصواب: (خلخالين حديدًا) بدل (جديدين)، بدليل قولها: «لخلخالان من فضة أطهر من هذين». وأخرج الإمام أحمد وابن ماجه من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن قال: أخبرني عمران بن حصين أنَّ النبيَّ ﵌ أبصر على عضد رجل حلقة، أُراه قال: من صُفْر (٢)، فقال: «ما هذه؟ » قال:

стр. 1064

من الواهنة (١)، قال: «أما إنها لا تزيدك إلا وهنًا! انبذها عنك؛ فإنك لو متّ وهي عليك ما أفلحت أبدًا» (٢). أقول: لكن في مصنف ابن أبي شيبة: «ثنا هشيم، أنا يونس، عن الحسن، عن عمران بن حصين أنه رأى في يد رجل حَلْقَة من صُفْرٍ، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، قال: لم تزدك إلا وهنًا، ولو مت وأنت تراها نافعتك لمتَّ على غير الفطرة. ثنا هشيم، قال: أنا منصورٌ (٣)، [٦٨٥] عن الحسن، عن عمران بن الحصين، مثل ذلك». أقول: وهذا هو الصحيح, موقوفٌ. المبارك بن فضالة متكلَّم فيه، وقد تابعه على رفعه مَنْ هو دونه، وهو أبو عامرٍ الخزاز صالح بن رستم. أخرجه الحاكم في المستدرك من طريقه عن الحسن، عن عمران بن حصينٍ قال: دخلت على النبي ﵌ وفي عضدي حلقة صُفْرٍ، فقال: «ما هذه؟ » فقلت: من الواهنة، فقال: «انبذها». قال الحاكم: «صحيح الإسناد»، وأقرَّه الذهبي (٤).

стр. 1065

وأخرج الإمام أحمد والحاكم في المستدرك وغيرهما من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، قال: دخلت على أبي معبد الجهنيِّ وهو عبد الله بن عُكَيمٍ وبه جمرٌ (كذا) (١)، فقلت: ألا تعلِّق شيئًا، فقال: الموت أقرب من ذلك، قال رسول الله ﵌: «مَن تعلَّق شيئًا وُكِلَ إليه» (٢). محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى إمامٌ في الفقه، ولكنه غير قويٍّ في الحديث، ولكن في كنز العُمَّال (٣) أن ابن جريرٍ أخرج هذا الحديث وصحَّحه، والله أعلم. وقال ابن أبي شيبة في المصنف (٤): «ثنا علي بن مسهر، عن يزيد، أخبرني زيد بن وهب قال: انطلق حذيفة إلى رجل من النَّخَع يعوده، فانطلق وانطلقتُ معه، فدخل عليه ودخلت معه، فلمس عضده فرأى فيه خيطًا، فأخذه فقطعه، ثم قال: لو مُتَّ وهذا في عضدك ما صَلَّيتُ عليك. [٦٨٦] ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن حذيفة قال:

стр. 1066

دخل على رجل يعوده فوجد في عضده خيطًا، فقال: ما هذا؟ قال: خيط رُقِيَ لي فيه، فقطعه، ثم قال: لو مُتَّ ما صَلَّيتُ عليك». وقال (١): «ثنا عبدة، عن محمد بن سُوقة، أن سعيد بن جبير رأى إنسانًا يطوف بالبيت في عنقه خرزة فقطعها. ثنا حفص، عن ليث، عن سعيد بن جبيرٍ قال: مَن قطع تميمة عن إنسان كان كعدل رقبة». وكُلُّ هذا يدلُّ على ما قدَّمنا في التمهيد أن مَن تعلَّق خرزة أو نحوها مجوِّزًا أن تكون سببًا لنفعٍ غيبيٍّ كان ذلك شركًا، وإن لم يكن يجوِّز ذلك ولكنه يرجو أن تكون لها خاصِّيةٌ طبيعيَّةٌ في سرور النفس أو طرد الجنِّ أو دفع العين أو نحو ذلك فهذا أيضًا ممنوع سدًّا للذريعة. وعموم الأحاديث يتناول الخيط الذي يُرْقَى فيه، ويُصَرِّح بذلك أثر ابن مسعود وأثر حذيفة؛ فإنهما لم يلتفتا إلى أن ذلك الخيط رقي فيه، ولم يسألا عن تلك الرقية بماذا كانت؟ أبذكر الله تعالى أم بغيره؟ وكأن ذلك ــ والله أعلم ــ لشبهه بالخرزة، فمُنِعَ سدًّا للذريعة، وإلَّا فقد يقاس على ما صح عن النبيِّ ﵌ أنه كان يدني يديه مِنْ فيه فيتعوَّذ وينفث فيهما ثم يمسح بهما بدنه؛ فإنَّ هذا يدلُّ أنَّ نَفْثَ القارئ يقتضي حصولَ بركة فيما نفث فيه. فأما إذا اختار الراقي شيئًا مخصوصًا كجلد أرنب أو نحو ذلك مما لم يأت به سلطان أو عقد في الخيط فلا شبهة أنه في معنى الخرزة قطعًا، والله أعلم.

стр. 1067

[٦٨٧] وأما ما جرت به العادة أن يؤتى إلى الراقي بماء فيقرأ عليه ويدعو فيه ثم يُذْهَب به فَيُسْقاه المبتلى ويُرَشُّ عليه منه فلا أرى به بأسًا، والأولى بالمؤمن أَلَّا يسأله لنفسه على ما علمتَ فيما مرّ، والله أعلم. وأما المَعَاذات وهي ما يكتب من القرآن والدعاء ويُعلَّق فقد تقدمت آثار بكراهتها وجاءت آثار بالرخصة فيها، والظاهر الجواز بعد البلاء بشرط أَلَّا يُكتَب إلَّا ما ثبت من الشرع التبرّك به من القرآن والدعاء الخالص عَمَّا لم يأذن الله تعالى به، وبشرط ألَّا يتحرَّى شيئًا لا سلطان من الله تعالى على تَحَرِّيه، وذلك كأن يكون القلم من حديدٍ، أو يكون الرقُّ جلد غزالٍ، أو يكون المداد فيه زعفران، أو يكون الخط بالسريانيَّة، أو أن يبخِّر عند الكتابة، أو أن يكتب عددًا مخصوصًا إلا الثلاثة أو السبعة فإن لتحرِّيهما أصلًا في الشريعة، أو يتحرَّى وقتًا مخصوصًا كوقت الكسوف، أو مكانًا مخصوصًا كساحل البحر، أو أن يكتب على هيئة مخصوصة كالأوفاق (١)، أو يراعي حساب الجمَّل، أو طبائع الحروف على زعم أن لها طبائع، وغير ذلك مما هو معروفٌ في كتب العزائم كشمس المعارف وغيره، وعامَّة ذلك مأخوذ عن الصابئة، كما تقدَّم عن الشهرستاني (٢). فإذا تحرَّى في المَعاذة شيئًا من هذه الأشياء التي لم يجئ بها سلطان من كتاب الله ولا من سنّة نبيّه ﵌ كانت المعاذة في معنى الخرزة، وعامة كتب العزائم والتعاويذ على خلاف الشريعة، وفي كثير منها الكفر البواح والشرك الصراح، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 1068

[٦٨٨] فصل في التِّولة والسحر قد تقدم (١) في حديث ابن مسعود أن التولة شرك. وفي النهاية (٢): «التولة: ــ بكسر التاء وفتح الواو ــ ما يحبِّب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره، جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدَّره الله تعالى». وقال الحافظ ابن حجر: «والتولة بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففًا: شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها وهو ضرب من السحر، وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله» (٣). أقول: تحبُّب المرأة إلى زوجها على وجهين: الأوَّل: تحبُّبُها بما جرت العادة المبنيَّة على الحسِّ والمشاهدة أنه يحبِّب، كالتزيُّن والتدلُّل وإظهار فَرْطِ محبتها له ونحو ذلك، وليس هذا من التولة. الثاني: تحبُّبُها بما لم تَجْرِ به العادة كذلك، وإنما هو مستَنِد إلى قوَّة غيبيَّة، فهذا إن جاء سلطان من الله تعالى بالإذن فيه فذاك، وإلا فهو من التِّوَلة. وإنما جاء السلطان بالإذن في الدعاء المجرّد عن البدع والخرافات وفي كلّ ما هو طاعةٌ لله كالصلاة والصيام والصدقة. وكل ما لم

стр. 1069

يجئ به سلطان فهو من التولة، وهي شرك؛ لأنها تتضمَّنُ خضوعًا يطلب به نفع غيبِيٌّ لم ينزل الله تعالى به سلطانًا، وتتضمَّن طاعة للشياطين والمعزِّمين وَالعَجَائِز ونحوهم فيما يُطْلَب به نفع غيبِيٌّ ولم ينزل الله تعالى بها سلطانًا، والله أعلم. وقال ابن حجر الهيتميُّ في كتابه الإعلام بقواطع الإسلام: «قد مرَّ أن السحر قد يكون كفرًا، وغرضنا الآن استقصاء ما يمكن من الكلام فيه وفي أقسامه وحقيقته وبيان أحكامه رَدْعًا لكثيرين انهمكوا عليه وعلى ما يقرب منه، وعَدُّوا ذلك شرفًا وفخرًا، [٦٨٩] فنقول: مذهبنا في السحر ما بسطناه فيما مرَّ. وحاصله: أنه إن اشتمل على عبادة مخلوق كشمس أو قمر أو كوكب أو غيرها أو السجود له أو تعظيمه كما يعظَّم الله سبحانه أو اعتقاد أنَّ له تأثيرًا بذاته أو تنقيص نبي أو مَلَكٍ بشرطه السابق أو اعتقد إباحة السحر بجميع أنواعه كان كفرًا وردَّةً ..... وأما الإمام مالكٍ رحمه الله تعالى فقد أطلق هو وجماعةٌ سواه الكفر على الساحر، وأن السحر كفر، وأن تعلمه وتعليمه كفر كذلك، وأنَّ الساحر يُقتل ولا يستتاب (١)، سواء سحر مسلمًا أم ذِمِّيًّا كالزنديق، ولبعض أئمة مذهبه كلام نفيس ...... وحاصله: أن الطرطوشي قال: قال مالك وأصحابه: الساحر كافرٌ ..... ويؤدَّبُ من تَرَدَّدَ إلى السحرة إذا لم يباشر سحرًا ولا علمه؛ لأنه لم يكفر، ولكنه ركن للكفر. قال: وتعلمه وتعليمه عند مالكٍ كفرٌ.

стр. 1070

وقالت الحنفية (١): إن اعتقد أن الشياطين تفعل له ما شاء فهو كافر، وإن اعتقد أنه تخييل وتمويه لم يكفر. وقالت الشافعية ﵃: يصفه؛ فإن وجدنا فيه كفرًا كالتقرّب للكواكب ويعتقد أنها تفعل فيلتمس منها فهو كفر, وإن لم نجد فيه كفرًا فإن اعتقد إباحته فهو كفر (٢). قال الطرطوشي: .... واحتج مَن لا يقول إن تعلمه كفرٌ بأن تعلُّم الكفر ليس بكفرٍ، فإن الأصوليَّ (٣) يتعلَّم جميع أنواع الكفر ليحذِّر منه ولا يقدح في شهادته .... قال القرافي (٤): هذه المسألة في غاية الإشكال على أصولنا، فإن السحرة يعتمدون أشياء تأبى القواعد الشرعية أن نكفِّرهم، كفعل الحجارة المتقدم ذكرها قبل هذه المسألة، وكذلك يجمعون عقاقير ويجعلونها في الأنهار والآبار أو في قبور الموتى أو في باب يفتح إلى الشرق، ويعتقدون أن الآثار تحدث عن تلك الأمور بخواصِّ نفوسهم التي طبعها الله تعالى على الربط بينها وبين تلك الآثار عند صدق العزم، فلا يمكن تكفيرهم بجمع العقاقير ولا بوضعها في الآبار ولا باعتقادهم حصول تلك الآثار عند ذلك الفعل؛ [٦٩٠] لأنهم جرَّبوا ذلك فوجدوه لا يخرم عليهم لأجل خواصِّ نفوسهم، فصار ذلك الاعتقاد كاعتقاد الأطباء عند شرب الأدوية, وخواصِّ

стр. 1071

النفوس، ولا يمكن التكفير بها؛ لأنها ليست من كسبهم، ولا كُفْرَ بغير مُكْتَسَب. وأما اعتقادهم أن الكواكب تفعل ذلك بقدرة الله، فهذا خطأ؛ لأنها لا تفعل ذلك، وإنما جاءت الآثار من خواصِّ نفوسهم التي ربط الله بها تلك الآثار عند ذلك الاعتقاد، فيكون ذلك الاعتقاد في الكوكب كما إذا اعتقد طبيب أن الله تعالى أودع في الصَّبِر والسَّقَمُونِيا (١) عَقْدَ البطن وقَطْعَ الإسهال، وأما تكفيرهم بذلك فلا. وإن اعتقدوا أن الكواكب تفعل ذلك والشياطين تُقْدِرها لا بقدرة الله تعالى؛ فقد قال بعض علماء الشافعية: هذا مذهب المعتزلة من استقلال الحيوانات بقدرتها دون قدرة الله تعالى، فكما لا تكفر المعتزلة بذلك لا يكفر هؤلاء. ومنهم مَن فَرَّق بأن الكواكب مظنة العبادة، فإذا انضمَّ إلى ذلك اعتقاد القدرة والتأثير كان كفرًا. وأجيب عن هذا الفرق: بأن تأثير الحيوان في القتل والضرِّ والنفع في مجرى العادة مشاهد من السباع والآدميين وغيرهم، وأما كون المشتري أو زُحَل يوجب شقاوة أو سعادة فإنما هو حزر وتخمين للمنجمين لا حجة في ذلك، وقد عبدت البقر والشجر, فصار هذا الشيء مشتركًا بين الكواكب وغيرها. والذي لا مرية فيه أنه كفر إن اعتقد أنها مستقلَّة بنفسها لا تحتاج إلى الله

стр. 1072

تعالى، فهذا مذهب الصابئة، وهو كفرٌ صُراحٌ .... وقال قبل ذلك: .... ذكروا أنه يؤخذ سبعة أحجار ويرجم بها كلب شأنه أنه إذا رمي بحجر عضَّه، فإذا رمي بسبعة أحجار وعَضَّها كلها لُقِطت بعد ذلك وطُرِحت في ماء، فمن شرب منه ظهر فيه آثار [٦٩١] خاصّة يعبِّر عنها السحرة، فهذه تثبت للسحر، وليس ما يذكره الأطباء من الخواصِّ في هذا العالم للنباتات وغيرها من هذا القبيل .... » (١). أقول: أما ما اشتمل على عبادة غير الله تعالى من خضوع يطلب به نفع غيبِيٌّ ولم يأذن به الله تعالى أو طاعة فيما يطلب به نفع غيبِيٌّ ولم يأذن به الله تعالى فهو شرك وكفر قطعًا؛ فوضع العقاقير في قبور الموتى ونحوها إن كان الواضع يرى أو يجوِّز كون الوضع مرضيًّا عند الله أو عند الروحانيِّين أو أرواح الموتى أو الجنّ أو الشياطين أو الكواكب فوضعه لها خضوع وطاعة يطلب بهما نفع غيبِيٌّ، وإذْلم يأذن الله به فهو شرك. وإن كان لا يجوِّز شيئًا من ذلك وإنما يرى ما يحصل من قبيل الخواص الطبيعيّة؛ فإن ثبت أن تلك الآثار من مُسمَّى السِّحر كان حكمُه حكم السحر الذي لا يتضمّن كفرًا آخر، وسيأتي ما فيه إن شاء الله تعالى. وهكذا رَمْيُ الكلب بالأحجار ولَقْطُها وَوَضْعُها في الماء إن جوّز الرامي أن عمله ذلك يرضي الله أو الروحانيِّين أو أرواح الموتى أو الجنّ والشياطين أو الكواكب فهو من الشرك، وإن كان لا يجوِّز ذلك وإنما يرى ذلك لخاصيَّة في لُعاب الكلب عند غضبه؛ فإن ثبت أن تلك الآثار من مسمَّى السحر كان حكمُه حكمَ السحر، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 1073

فأما اعتقاد التأثير، فاعلم أن التأثير على ضربين: الأوَّل: ما ثبت بالعادة القطعيَّة المبنيَّة على الحسِّ والمشاهدة، كتأثير الآدميين الأحياء وغيرهم من الحيوان [٦٩٢] إلى الحدِّ المحدود المعروف، وتأثير الشمس للحرارة واليبوسة وتأثير الأدوية في الصحة والمرض ونحو ذلك، فلا يكفر إلا مَنْ يُخْرجها من خلق الله تعالى أصلًا. فأما من يقول: إن الله تعالى أودع في النار قُوَّة الإحراق مثلًا فهي تؤثِّر بذلك إلا أن يشاء الله سَلْبَها قوَّةَ الإحراق فيسلبها فلا يكفر هذا وإن خطَّأه كثير من العلماء (١). ويدخل في هذا ما لم يكن قطعيًّا ولكنه مستند إلى قطعيٍّ، كما سلف في التمهيد. الضرب الثاني: ما لم يثبت بالعادة القطعيّة المبنيَّة على الحسِّ والمشاهدة، فإن بلغ اعتقاد التأثير إلى زعم أن ذلك المؤثِّر مدبِّرٌ استقلالًا، وقد مرَّ تفسيره، فهو شرك. وإن لم يبلغ ذلك؛ فإن كان في ذلك الاعتقاد تكذيب لله أو كذب عليه فهو كفر وشرك، وإلا فهو من الخرص المذموم. هذا حكم الاعتقاد، فأما إن صحبه خضوع أو طاعة فقد مرّ حكم ذلك.

стр. 1074

ولا يتوقّف كون الخضوع أو الطاعة شركًا على فساد الاعتقاد في التأثير؛ فإن من اعتقد أن الملائكة والجنّ قد ينفعون بني آدم بإذن الله تعالى وقد يضرّونهم بإذن الله تعالى مصيب في اعتقاده، ولكنه إن خضع للملائكة خضوعًا لم يأذن به الله تعالى يكون مشركًا. وكذلك إن خضع للجنِّ أو أطاعهم قائلًا: إنما أخضع لهم لكي ينفعوني إذا أذن لهم الله تعالى في نفعي ولكي لا يضرُّوني إذا أذن الله تعالى لهم في ضري، بل من عمد إلى شجرة فزعم أن التمسُّح بها ينفع عند الله يكون مشركًا مع أنه لم يعتقد للشجرة تأثيرًا أصلًا، ولو اشتهرت شجرة بأنها تُعبد ثم جاء إنسان إليها فصنع كما يصنع عابدوها لكان مشركًا، وإن زعم أنه لم يعتقد أن عبادتها تقرِّب إلى الله تعالى. [٦٩٣] حكم السحر وتعليمه وتعلمه أما إذا كان في السحر عبادة لغير الله تعالى، أو كذب عليه ، أو تكذيب بآياته, فلا شبهة في التكفير، وربما لا يخلو السحر عن ذلك، ولكن لاشتباه معنى العبادة كثيرًا مَّا يخفى الشرك. وهذا مصداق ما جاء في الحديث عنه ﵌ أنه قال: «أيها الناس اتقوا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل» الحديث (١). وقد تقدَّم في الأعذار بشواهده (٢). وتعليمه وتعلُّمه إن كانا بمباشرة الشرك أو مع اعتقاد الكفر فكلاهما

стр. 1075

كفر، وذلك كأن يباشر المعلم والمتعلم الأعمال الشركية، كأن يلبسا اللباس الخاص بزُحَل ويبخِّرا ببخوره، ويقْعُدا يدعُوانه ويعظِّمانه، أو يقرِّبا القُرْبان المخصوص بالجنِّ ويقعدا يدعُوان الجنَّ، أو اعتقدا أنَّ تعظيم الكواكب جائز أو أنَّ تعظيم الملائكة يحملهم على نفع المعظِّم، وقس على ذلك. وإن لم يكن إلَّا ذكر الصفة وسماعُها فليس في ذلك كفر، لكن إذا عَلِمَ الواصفُ أنَّ السامع يريد العمل فلا شكَّ أنه لا يجوز له حينئذٍ الوصف، بل ربما يكفر به؛ فإن كان راضيًا بأن يعمل السامع فلا شك في كفره، والله أعلم. وكذلك إذا خاف الإنسان من نفسه أنه إذا علم الصفة نازعته نفسه إلى العمل بها فإنه لا يجوز له استماع الصفة، فأما إذا كان عازمًا على العمل فهذا العزم كفر. ويظهر لي أن مجرَّد ذكر الصفة مع ظنِّ الواصف أنَّ السامع لا يريد العمل لا يَصْدُقُ عليه أنه تعليم، وكذلك مجرَّد استماع الصفة مع عدم إرادة السامع العمل لا يُسمَّى تعلُّمًا، فتدبَّر. وأما السحر الذي ليس فيه عبادة لغير الله تعالى ولا كذب عليه سبحانه ولا تكذيب بآياته [٦٩٤] ففيه نظرٌ، وقد يُحْتَجُّ لمالكٍ ومَن وافقه بقول الله : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ

стр. 1076

كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢ - ١٠٣]. والمراد بكلمة (مَا) من قوله: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ السحر، كما جاء به التفسير عن السلف، والسياق يبيِّنه، كان الشياطين يعلِّمون الناس السحر ويزعمون أن سليمان ﵇ كان يعرفه ويعمل به، وأنه كان قِوَام مُلكه. فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ معناه: ما سَحَر, كما جاء به التفسير عن السلف، وهو واضح من السياق، فدلَّ هذا أن السحر كفر. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ بينه بقوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ فدلَّ ذلك أن تعليم السحر كفر. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ ظاهر في أن تعلُّمه كفر. وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [٦٩٥] ظاهر في كونه كفرًا؛ إذ لا يصدق على أحد أنه لا خلاق له في الآخرة إلَّا إذا كان مخلَّدًا في النار، وإنما يخلَّد الكفار، فأما الملكان فقد تقدَّم العذر عنهما (١). ولا يمتنع أن يُغَلِّظَ الشرع في السحر فيجعله كفرًا وإن لم يتضمّن شركًا، ولا كذبًا على الله تعالى، ولا تكذيبًا بآياته. أو يقال: قد علم الله تعالى أن السِّحْر لا يخلو عن الشرك بالله أو الكذب عليه أو التكذيب بآياته. هذا أقصى ما يُوَجَّه به إطلاق مالك رحمه الله تعالى. وقد يجاب عن الآية باحتمال أن الضرب الذي نسبه الشياطين إلى سليمان ﵇ من السحر فيه شرك وكذب على الله وتكذيب بآياته،

стр. 1077

فقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ أي: ما سحر هذا الضرب من السحر، فلا يلزم من ذلك أن كلَّ سحرٍ كُفْرٌ. وأما كفر الشياطين بتعليمهم فلأنهم يعلِّمون الناس ذلك الضرب من السحر الذي هو كفر، راغبين في أن يعمل الناس به مُرغِّبين لهم في العمل به. ويشهد لذلك أن الملَكين يُعَلِّمان ولكنهما لا يرضيان بالعمل؛ فلذلك لم يكن التعليم في حقهما كفرًا. وأما قول الملكين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ فالمعنى: لا تعمل به فتكفر. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ فاشتراؤه هو العمل به، والله أعلم. ولنذكر بعض الطرق التي يُتوصَّل بها إلى السحر. [٦٩٦] طرق تحصيل قوة السحر (١) أشهر الطرق بين الحكماء هي رياضة النفس بالجوع والسهر والخلوة والتفرغ عن الشواغل، وحصر الفكر في شيء محصور, وألَّا يأكل روحًا ولا ما خرج من روح، ويمسك عن الجماع، ويَجمع همته ويرتب تَنَفُّسَه على نظام معروف عندهم ونحو ذلك، فمن واظب على هذه الأمور وكان في نفسه استعداد اكتسبت نفسه قوة غريبة هي السحر. ويزعمون أنَّ مما يعين على حصول تلك القوة أن يكون المرتاض بريئًا من الحسد والبغضاء والطمع، يحب نفع المخلوقات كلها وخاصة الحيوان، وليس من شرطها دين مخصوص؛ لكن يرون أنَّ مما يساعد على حصول تلك القوة أن يجتهد المرتاض فيما يعتقد أنه عبادة سواء أكان لله أم لغيره.

стр. 1078

والحكماء وأشباههم يزعمون أن المقصود من هذه الرياضة تصفية النفس وتهذيبها وترقيق الحجب الجسمانية الحائلة بين النفس وبين ما هو ممكن لها من إدراك العلوم الدقيقة، والإشراف على العالم الروحاني وتطهير النفس من الأخلاق الذميمة والشهوات الحيوانية، وأن يستعمل المرتاض ما يحصل له من القوة الغريبة في تحصيل العلوم ونفع الخلق. ويقولون: إن من اشتغل بهذه الرياضة لحصول تلك القوة الغريبة فقط أو حصلت له تلك القوة فاستعملها في الأغراض الخسيسة من تحصيل جاه أو مال أو شهوة أو ضَرَّ بها مخلوقًا فهو إنسان مذموم ساقط الهمة، وأنه لا ينبغي للأستاذ أن يعلِّم إنسانًا الرياضة أو يساعده عليها حتى يَعْلَمَ حُسْنَ قصده. [٦٩٧] ومن العجيب (١) أن المتصوفة نقلوا هذه الرياضة إلى الإسلام وألصقوها به، كما أشرنا إليه فيما تقدم (٢)، وذلك معروف في كتبهم، والمحققون منهم يعترفون بأن هذه الرياضة ليست من الدين، وأن ما يحصل بسببها من القوة الغريبة لا يتوقف على كون المرتاض مسلمًا. وفي تاريخ الهند أن بعض المسلمين كان يرتاض على يد بعض العارفين بهذا الفن من الوثنيين، وأن بعض الوثنيين ارتاض على يد بعض المتصوفة من المسلمين. والغلاة من أصحابها من المتصوفة والوثنيين وغيرهم يزعمون أن الأديان كلها حق، وقد صرّح بذلك جماعة من زعماء المتصوفة وإن تأوّله بعض أتباعهم، وقد اشتهر في هذا العصر بين البحّاثين

стр. 1079

أن من العقائد الأساسية للتصوف تساوي الأديان. وصرَّح كثير من المتصوِّفة بأن المرتاض على تلك الطريقة تحصل له قوَّة غريبة يستطيع أن يعمل بها العجائب، ولكنهم يحذِّرون المريد أن يكون ارتياضه لأجل حصول تلك القوة, وأن يقف عندها إذا حصلت له, أو يستعملها في أغراضه، وأنه إن فعل ذلك هلك. وسماها بعضهم ــ كصاحب الإنسان الكامل ــ: السحر العال (١) , وذكر أن السالك يمرّ عليها, فيكون بحيث لا يريد شيئًا إلا حصل له, وأنه نفسه مرّ عليها. أما حكم هذه الطريقة, فإن تضمَّنت كفرًا ــ كاعتقاد أن الأديان كلَّها حقٌّ، أو كذبًا على الله تعالى بإلصاق ما ليس من دين الإسلام به، أو تكذيبًا بشيء من آيات الله تعالى، أو عبادة لغير الله تعالى، أو نحو ذلك مما [٦٩٨] هو كفر أو شرك ــ فالأمر واضح، وإلا فالإقدام على القول بأن تعلُّمها وتعليمَها كفرٌ صَعْبٌ؛ فإن كثيرًا من المعْتَقَدِين عند المسلمين قد سلكوها وعلَّموها وألَّفوا فيها الكتب، والله المستعان، وقد عَلِمْتَ مذهب مالك رحمه الله تعالى. فأما من ارتاض وحصلت له تلك القوَّة وعمل بها ــ كما اشتهر عن جماعة أنهم كانوا يقتلون بالحال ونحو ذلك ــ فالكفر بذلك أقرب، ولكن لا يغيبنّ عنك ما قدمناه في فصل الأعذار، ولا تجترئ فتحكم بأن كل ما يُنْقَلُ عن المتصوفين من الغرائب هو من هذا القبيل؛ فإن الصالحين في المسلمين كثير وكرامات الأولياء حق، وعليك بالتدبر والابتهال إلى الله أن

стр. 1080

يرزقك نورًا وفرقانًا تفرق به بين المشتبهات. والله الموفق. (٢) ومن طرق التعليم رياضة أخفُّ من هذه، يكون فيها أعمال مخصوصة، يزعمون أن العامل بها إذا ثبت عليها صارت له سلطة على الروحانيين والجن، فيساعدونه فيما يريد، ويزعمون أن الجنّ يعرضون للمرتاض بها ويخيِّلون له أمورًا مخيفة يهوِّلون عليه بها لكي يقطع رياضته؛ فإذا كان رابط الجأش ثبت إلى أن يُتِمَّ رياضته، فتتمَّ له السلطة، وإن خاف وقطع رياضته فاته ذلك، وربما يزول عقله من الخوف. وهذه الطريق لا تخلو عن خضوع للروحانيين والجن، وتَدَيُّنٍ بما لم ينزل به الله تعالى سلطانًا، وغير ذلك مما هو شرك وكفر. (٣) ومنها: ما في «شمس المعارف» (١) وغيره من العزائم التي تتلى على هيئات مخصوصة يزعمون أن من عمل بها تمكَّن من مخاطبة الروحانيين واستخدامها، وعامَّتُها مشتملٌ على الشرك والكفر. [٦٩٩] (٤) ومنها: المندل، وأصل هذه الكلمة في الهندية: «مَنْتَر» , وله عندهم صور: منها: أن يستحضر العامل صبيًّا ويضع له إناء من ماء أو نقطة كبيرة من المداد أو غير ذلك من الأشياء الصقيلة، ويأمر الصبي أن يحدِّق في ذلك الشيء، والعامل يكرِّر ألفاظًا أعجمية وربما يكتبها أيضًا، ويزعمون أن الصبيّ يتراءى في ذلك الشيء الصقيل أشخاصًا من الروحانيين، ويأمره العامل أن يخاطب أولئك الأشخاص كأن يقول لهم: أحضروا كبشًا، ثم يقول لهم: اذبحوه، اسلخوه، قطِّعوه، اطبخوه، كلوه؛ فيراهم يفعلون ذلك

стр. 1081

كلّه، ثم يسألهم عن غائب أو سرقة فيحضرون له ذلك الغائب بهيئته التي هو عليها حينئذٍ حتى إذا كان ميتًا يُرُونَه إياه ميتًا أو يُرُونَه قبره، ويُرُونَه الموضع الذي خبئت فيه السرقة، أو يحضرون له السارق فيراه، كُلُّ ذلك على سبيل التخييل والتمثيل، يراه الصبي في ذلك الشيء الصقيل. هكذا يزعمون، ولا أدري ما صحته. وقد دعاني بعضهم وأنا صبي صغير، فكتب أسماء، ووضع على ظفر إبهامي نقطة كبيرة من المداد، وبقي يكرر ألفاظًا أعجمية، فيما أحسب، وأمرني بالتحديق في النقطة، وأن أقول: احضروا، ثم سألني هل ترى أشخاصًا فلم أر شيئًا؛ ولكن من شدَّة التحديق وتعب النظر مع جهد الفكر كنت أرى خيال بعض الأشياء الحاضرة، فأَتَوهَّمُ أنها صورة شخص، فإذا تأملت لم أثبته، فاعتذر العامل بأني ليس في نفسي استعداد لذلك. وهذا العمل من الشرك؛ لما فيه من الخضوع للجنِّ ودعائهم وغير ذلك. [٧٠٠] (٥) ومنها: التقرُّب إلى الشياطين بالإقدام على أعمال خبيثة كقتل الصبيان والزنا بالمحارم وغير ذلك من الفظائع، وذلك شرك كما علمت مما تقدّم. (٦) ومنها: ما يسمُّونه التعفين والتحريق، وقد ذُكِرَ في تذكرة داود الأنطاكي (١). وظاهر وصفه أنه من قبيل الخواصّ الطبيعية الغريبة، فيلحق

стр. 1082

بالشعبذة، ولا أرى الشعبذة كفرًا إلا أن يقصد بتعلُّمها دعوى النبوة، أو الولاية ليضل الناس عن سبيل الله ويكذب على الله، فإن لم يقصد ذلك وقصد ما هو محرَّم كالاستعانة على السرقة ونحوها فحرام، وإلا فقد يتجه إطلاق التحريم أيضًا سدًّا للذريعة. وقد قال ابن سعد: «أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، ثنا عطاف بن خالد قال: كنت قائمًا مع سالم بن عبد الله فأُتِي بغلام ومعه غلمان وهو أشقُّهم، فسلّ خيطًا من إزاره (١) فقطعه، ثم جمعه بين إصبعيه، ثم تفل فيه مرتين أو ثلاثًا، ثم مدّه فإذا هو صحيح لا بأس به، فقال سالم: لو وليت من أمره شيئًا لصلبته» (٢). * * * *

стр. 1083

[٧٠١] القسم بغير الله في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﵌ أنه قال: «مَن حلف فقال في حلفه: باللات والعُزَّى, فليقل: لا إله إلا الله» الحديث (١). وفي صحيح مسلمٍ عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﵌: «لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم» (٢). وفي الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله ﵌ قال: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، مَن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (٣). وفي مسند أبي داود الطيالسي: ثنا شعبة، عن منصورٍ والأعمش ــ قال أبو داود: وأنا لحديث الأعمش أحفظ، والإسناد واحدٌ ــ، سمعا سعد بن عبيدة يحدِّث عن ابن عمر أن رجلًا سأله عن الرجل يحلف بالكعبة فقال: لا تحلف بالكعبة ولكن احلف بربِّ الكعبة، فإن عمر كان يحلف بأبيه فقال له

стр. 1084

رسول الله ﵌: «مَن حلف بغير الله فقد أشرك» (١). أقول: هذا إسنادٌ جليلٌ على شرط الشيخين إلَّا أن للحديث علَّةً. قال الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن منصور، عن سعد (٢) بن عبيدة قال: كنت عند ابن عمر فقمت وتركت رجلًا عنده من كندة فأتيت سعيد بن المسيب [٧٠٢] قال: فجاء الكندي فزعًا، فقال: جاء ابنَ عمر رجلٌ، فقال: أحلف بالكعبة؟ فقال: لا، ولكن احلف برب الكعبة، فإن عمر كان يحلف بأبيه فقال رسول الله ﵌: «لا تحلف بأبيك؛ فإنه مَنْ حلف بغير الله فقد أشرك» (٣). وقال أيضًا: ثنا حسين بن محمد، ثنا شيبان، عن منصور، عن سعد بن عبيدة قال: جلست أنا ومحمد الكندي إلى عبد الله بن عمر ثم قمت من عنده. فذكر الحديث بنحوه، وفيه: فجاء صاحبي ــ يعني الكندي ــ وقد اصفرَّ وجهه وتغيّر لونه، فقال: قم إليَّ، قلت: ألم أكن جالسًا معك الساعة، فقال سعيد (٤): قم إلى صاحبك، قال: فقمت إليه، فقال: ألم تسمع إلى ما قال ابن عمر ... , فذكره بنحوه (٥). وقال الطحاوي: إن ابن مرزوق قد حدّثنا، قال: حدّثنا شعبة، عن منصور ... فذكره بنحوٍ من رواية محمد بن جعفرٍ ــ غندر ــ، عن شعبة. ثم

стр. 1085

قال الطحاوي أيضًا: «وأن يزيد بن سنان قد حدثنا، قال: حدثنا الحسن (١) بن عمر بن شقيقٍ، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصورٍ .... فذكره بنحوٍ من رواية غندر عن شعبة أيضًا (٢). فهذه الروايات عن منصورٍ تبين أن سعد بن عبيدة إنما سمع القصة من محمد الكندي، وهو رجل مجهول. فإن قلت: سعد بن عبيدة لم يوصف بتدليس فليحمل على أنهما قصتان سمع سعد من ابن عمر إحداهما وسمع الأخرى من محمد الكندي عن ابن عمر، ويوجَّه إخباره بالثانية عن الكندي مع أنه قد سمع مثلها من ابن عمر بأن في الثانية زيادةً وهي بيان ما لحق الكندي [٧٠٣] من الرَّوْع والفزع. قلت: إنه لمحتملٌ ولكن ليس بالبيِّن، ويُضعفه أن أبا داود الطيالسي أشار إلى أنه لم يتقن الحديث كلَّ الإتقان. وقد أخرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم من طريق أبي خالدٍ الأحمر، عن الحسن بن عبيد الله النخعي، عن سعد بن عبيدة أن ابن عمر سمع رجلًا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله ﵌ يقول: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (٣).

стр. 1086

أقول: قوله في هذه الرواية «إنَّ ابن عمر سمع رجلًا يقول: لا والكعبة» يدل أن هذه قصة أخرى غير التي سمعها سعد من الكندي؛ لأن في تلك «جاء ابنَ عمر رجلٌ، فقال: أحلف بالكعبة؟ » ولكن قد يُقال: إن مثل هذا الاختلاف كثيرًا ما يقع في حكاية القصة الواحدة، والحسن بن عُبيد الله ثقةٌ وثَّقه الأئمة، وأخرج له مسلمٌ في صحيحه، وأما البخاري فقال: «لم أخرج حديث الحسن بن عُبيد الله؛ لأن عامَّة حديثه مضطرب» حكاه في تهذيب التهذيب (١). ولما ذكر الإمام أحمد هذه الرواية في المسند أعاد عقبها روايته عن محمد بن جعفر غندر، عن شعبة (٢) التي مرَّت؛ كأنه يشير إلى احتمال أن تُعَلَّلَ بها. وصَرَّح بذلك البيهقي في السنن (٣)، ذكر رواية أبي خالد الأحمر، ثم قال: «وهذا مما لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر»، فذكر حديث أحمد عن غندر، كما مضى. [٧٠٤] وتعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: «قلت: قد رواه شعبة عن منصور عنه قال: كنت عند ابن عمر، ورواه الأعمش، عن سعد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن عمر» (٤).

стр. 1087

كذا قال، فإن كان أراد رواية شعبة التي ذكرها الإمام أحمد عن غندر عنه فلا يفيد قول سعد: «كنت عند ابن عمر» , فإن بعده: «فقمت وتركت رجلًا ... » كما تقدم، وهو صريح أنه لم يسمع القصة، وإن أراد غيرها فلم أقف عليها. وكذلك رواية الأعمش، عن سعد، عن أبي عبد الرحمن السلمي لم أقف عليها، وستأتي رواية للأعمش على غير هذا الوجه. وفي المستدرك من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الحسن بن عُبيد الله النخعي، عن سعد بن عبيدة، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﵌ قال: «مَن حلف بغير الله فقد كفر» (١)، وقال: «هذا حديث صحيحٌ على شرط الشيخين؛ فقد احتجَّا بمثل هذا الإسناد وخَرَّجاه في الكتاب، وليس له علَّةٌ، ولم يخرجاه. وله شاهدٌ على شرط مسلمٍ .... شريك بن عبد الله، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «كل يمينٍ يُحْلَف بها دون الله شركٌ». أقرَّه الذهبي. وأعاده بعد عدَّة أوراقٍ من طريق إسرائيل، عن سعيد بن مسروقٍ، عن سعد بن عبيدة، عن ابن عمر قال: قال عمر: لا وأبي، فقال رسول الله ﵌: «لا تحلفوا بآبائكم، مَن حلف بشيءٍ دون الله فقد أشرك». [٧٠٥] ومن طريق محمد بن يحيى، ثنا عبد الرزاق، أبنا سفيان، عن أبيه والأعمش ومنصورٍ، عن سعد بن عُبيدة، عن ابن عمر قال: كان عمر يحلف: وأبي، فنهاه النبي ﵌ فقال: «مَن حلف بشيءٍ من دون

стр. 1088

الله فقد أشرك»، وقال الآخر (١): «فهو شركٌ». ثم أعاد رواية جرير بن عبد الحميد من طريق أخرى ثم قال: «هذا حديث صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وإنما أودعته كتاب الإيمان للفظ الشرك فيه، وفي حديث مصعب بن المقدام عن إسرائيل: «فقد كفر». فأما الشيخان فإنما أخرجاه من حديث سالمٍ ونافعٍ وعبد الله بن دينارٍ عن ابن عمر أنَّ النبيَّ ﵌ قال لعمر: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»، وهذا غير ذاك» (٢). ورواية عبد الرزاق عن سفيان أخرجها الإمام أحمد في المسند (٣)، وسفيان هو الثوري، ورواية إسرائيل عن سعيد بن مسروق ــ وهو والد الثوري ــ ذكرها الطحاوي في مشكل الآثار (٤). فهذه الروايات أقرب إلى أن يُحْكَمَ لها بالسلامة من العلَّة؛ لأنه غير مستنكر أن يكون سعد بن عبيدة قد سمع هذا الحديث المرفوع من ابن عمر، ولكنه لم يسمع كلام ابن عمر في شأن الكعبة فاحتاج أن يذكره عن الكندي عن ابن عمر. ويؤيد هذا: قال الإمام أحمد «ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن سعد بن عبيدة

стр. 1089

قال: كنت مع ابن عمر في حلقة فسمع رجلًا في حلقة أخرى وهو يقول: لا وأبي، فرماه ابن عمر بالحصى وقال: إنها كانت يمين عمر فنهاه النبي ﵌ [٧٠٦] عنها وقال: إنها شرك» (١). وقال الطحاوي: «حدثنا بكار، حدثنا يحيى بن حماد, حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة» فذكره بنحوه (٢). ففي هذه الرواية تصريح سعد بسماعه هذا الحديث من ابن عمر، وأكَّد ذلك أن في هذه الرواية قصة غير القصة التي ذكرها عن الكندي قطعًا، وليس من المحتمل أن تكون القصة واحدة، ولكن فيه شيء وهو أن الأعمش مدلِّس ولم يصرِّح في هذه الرواية بالسماع, وإن كان قد صرَّح به في رواية أبي داود الطيالسي التي صَدَّرْنا بها. نعم, ذكر الذهبي في ترجمة الأعمش من الميزان أن روايته عن شيوخه الذين أكثر عنهم محمولة على الاتصال. كذا قال، وفيه نظر. وبالجملة، فإن جاء في روايةٍ تصريحُ الأعمش بالسماع في الرواية التي صرَّح فيها سعدُ بن عبيدة بسماعه هذا الحديث من ابن عمر، فالحديث صحيح على شرط الشيخين حتمًا، وكذا إذا كان شعبة قد روى عن منصور عن سعد مصرِّحًا بالسماع كما سبق عن تلخيص الحبير، أو صحَّ رواية سعد الحديث عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن عمر كما سبق من تلخيص الحبير أيضًا، وإلا فالحديث حسن كما قاله الترمذي. ويؤكِّد ذلك جزم

стр. 1090

الحاكم بأن الحديث صحيح على شرط الشيخين وليس له علَّة وأقرَّه الذهبي، ويبعد أن يكونا لم يطَّلعا على الرواية التي ذُكِرَ فيها الكندي. وقد صحَّح الحديث أيضًا ابن حبان، رواه من طريق الحسن بن عُبيد الله (١). وقد أشار البخاري في صحيحه إلى صحة هذا الحديث فإنه قال: «باب مَن [٧٠٧] أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال» ثم ذكر الأحاديث في ذلك، ثم قال: «باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا» ثم ذكر قول عمر لحاطب: إنه منافق، وقول معاذ للرجل الذي فارقه في الصلاة: إنه منافق، وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «من حلف منكم فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله»، وحديث نافع عن ابن عمر أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه فناداهم رسول الله ﵌: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله وإلَّا فليصمت» (٢). فأما حديث أبي هريرة فكأن البخاري استنبط من اكتفاء النبي ﵌ بقوله: «فليقل: لا إله إلا الله»، أنه لم يجعل ذلك رِدَّة مع أن الكلمة كلمة كفر؛ ولكن لما كانت لا تقع منه عمدًا وإنما يسبق لسان بعضهم إليها لاعتياده قولها قبل أن يُسْلِمَ عَذَرَهُمْ بذلك، وأخبرهم بما يدفع مَعَرَّةَ التلفظ بها وهو أن يعلن بنقيضها وهو قول لا إله إلا الله. قال في الفتح: «وقال ابن العربي: مَن حلف بها جادًّا فهو كافر، ومَن
следующие страницы →