أقول: قوله في هذه الرواية «إنَّ ابن عمر سمع رجلًا يقول: لا والكعبة» يدل أن هذه قصة أخرى غير التي سمعها سعد من الكندي؛ لأن في تلك «جاء ابنَ عمر رجلٌ، فقال: أحلف بالكعبة؟ » ولكن قد يُقال: إن مثل هذا الاختلاف كثيرًا ما يقع في حكاية القصة الواحدة، والحسن بن عُبيد الله ثقةٌ وثَّقه الأئمة، وأخرج له مسلمٌ في صحيحه، وأما البخاري فقال: «لم أخرج حديث الحسن بن عُبيد الله؛ لأن عامَّة حديثه مضطرب» حكاه في تهذيب التهذيب (١).
ولما ذكر الإمام أحمد هذه الرواية في المسند أعاد عقبها روايته عن محمد بن جعفر غندر، عن شعبة (٢) التي مرَّت؛ كأنه يشير إلى احتمال أن تُعَلَّلَ بها. وصَرَّح بذلك البيهقي في السنن (٣)، ذكر رواية أبي خالد الأحمر، ثم قال: «وهذا مما لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر»، فذكر حديث أحمد عن غندر، كما مضى.
[٧٠٤] وتعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: «قلت: قد رواه شعبة عن منصور عنه قال: كنت عند ابن عمر، ورواه الأعمش، عن سعد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن عمر» (٤).
стр. 1087
كذا قال، فإن كان أراد رواية شعبة التي ذكرها الإمام أحمد عن غندر عنه فلا يفيد قول سعد: «كنت عند ابن عمر» , فإن بعده: «فقمت وتركت رجلًا ... » كما تقدم، وهو صريح أنه لم يسمع القصة، وإن أراد غيرها فلم أقف عليها. وكذلك رواية الأعمش، عن سعد، عن أبي عبد الرحمن السلمي لم أقف عليها، وستأتي رواية للأعمش على غير هذا الوجه.
وفي المستدرك من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الحسن بن عُبيد الله النخعي، عن سعد بن عبيدة، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﵌ قال: «مَن حلف بغير الله فقد كفر» (١)، وقال: «هذا حديث صحيحٌ على شرط الشيخين؛ فقد احتجَّا بمثل هذا الإسناد وخَرَّجاه في الكتاب، وليس له علَّةٌ، ولم يخرجاه. وله شاهدٌ على شرط مسلمٍ .... شريك بن عبد الله، عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «كل يمينٍ يُحْلَف بها دون الله شركٌ». أقرَّه الذهبي.
وأعاده بعد عدَّة أوراقٍ من طريق إسرائيل، عن سعيد بن مسروقٍ، عن سعد بن عبيدة، عن ابن عمر قال: قال عمر: لا وأبي، فقال رسول الله ﵌: «لا تحلفوا بآبائكم، مَن حلف بشيءٍ دون الله فقد أشرك».
[٧٠٥] ومن طريق محمد بن يحيى، ثنا عبد الرزاق، أبنا سفيان، عن أبيه والأعمش ومنصورٍ، عن سعد بن عُبيدة، عن ابن عمر قال: كان عمر يحلف: وأبي، فنهاه النبي ﵌ فقال: «مَن حلف بشيءٍ من دون
стр. 1088
الله فقد أشرك»، وقال الآخر (١): «فهو شركٌ».
ثم أعاد رواية جرير بن عبد الحميد من طريق أخرى ثم قال: «هذا حديث صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، وإنما أودعته كتاب الإيمان للفظ الشرك فيه، وفي حديث مصعب بن المقدام عن إسرائيل: «فقد كفر».
فأما الشيخان فإنما أخرجاه من حديث سالمٍ ونافعٍ وعبد الله بن دينارٍ عن ابن عمر أنَّ النبيَّ ﵌ قال لعمر: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»، وهذا غير ذاك» (٢).
ورواية عبد الرزاق عن سفيان أخرجها الإمام أحمد في المسند (٣)، وسفيان هو الثوري، ورواية إسرائيل عن سعيد بن مسروق ــ وهو والد الثوري ــ ذكرها الطحاوي في مشكل الآثار (٤).
فهذه الروايات أقرب إلى أن يُحْكَمَ لها بالسلامة من العلَّة؛ لأنه غير مستنكر أن يكون سعد بن عبيدة قد سمع هذا الحديث المرفوع من ابن عمر، ولكنه لم يسمع كلام ابن عمر في شأن الكعبة فاحتاج أن يذكره عن الكندي عن ابن عمر.
ويؤيد هذا: قال الإمام أحمد «ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن سعد بن عبيدة
стр. 1089
قال: كنت مع ابن عمر في حلقة فسمع رجلًا في حلقة أخرى وهو يقول: لا وأبي، فرماه ابن عمر بالحصى وقال: إنها كانت يمين عمر فنهاه النبي ﵌ [٧٠٦] عنها وقال: إنها شرك» (١).
وقال الطحاوي: «حدثنا بكار، حدثنا يحيى بن حماد, حدثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة» فذكره بنحوه (٢).
ففي هذه الرواية تصريح سعد بسماعه هذا الحديث من ابن عمر، وأكَّد ذلك أن في هذه الرواية قصة غير القصة التي ذكرها عن الكندي قطعًا، وليس من المحتمل أن تكون القصة واحدة، ولكن فيه شيء وهو أن الأعمش مدلِّس ولم يصرِّح في هذه الرواية بالسماع, وإن كان قد صرَّح به في رواية أبي داود الطيالسي التي صَدَّرْنا بها. نعم, ذكر الذهبي في ترجمة الأعمش من الميزان أن روايته عن شيوخه الذين أكثر عنهم محمولة على الاتصال. كذا قال، وفيه نظر.
وبالجملة، فإن جاء في روايةٍ تصريحُ الأعمش بالسماع في الرواية التي صرَّح فيها سعدُ بن عبيدة بسماعه هذا الحديث من ابن عمر، فالحديث صحيح على شرط الشيخين حتمًا، وكذا إذا كان شعبة قد روى عن منصور عن سعد مصرِّحًا بالسماع كما سبق عن تلخيص الحبير، أو صحَّ رواية سعد الحديث عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن عمر كما سبق من تلخيص الحبير أيضًا، وإلا فالحديث حسن كما قاله الترمذي. ويؤكِّد ذلك جزم
стр. 1090
الحاكم بأن الحديث صحيح على شرط الشيخين وليس له علَّة وأقرَّه الذهبي، ويبعد أن يكونا لم يطَّلعا على الرواية التي ذُكِرَ فيها الكندي. وقد صحَّح الحديث أيضًا ابن حبان، رواه من طريق الحسن بن عُبيد الله (١).
وقد أشار البخاري في صحيحه إلى صحة هذا الحديث فإنه قال: «باب مَن [٧٠٧] أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال» ثم ذكر الأحاديث في ذلك، ثم قال: «باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا» ثم ذكر قول عمر لحاطب: إنه منافق، وقول معاذ للرجل الذي فارقه في الصلاة: إنه منافق، وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «من حلف منكم فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله»، وحديث نافع عن ابن عمر أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وهو يحلف بأبيه فناداهم رسول الله ﵌: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله وإلَّا فليصمت» (٢).
فأما حديث أبي هريرة فكأن البخاري استنبط من اكتفاء النبي ﵌ بقوله: «فليقل: لا إله إلا الله»، أنه لم يجعل ذلك رِدَّة مع أن الكلمة كلمة كفر؛ ولكن لما كانت لا تقع منه عمدًا وإنما يسبق لسان بعضهم إليها لاعتياده قولها قبل أن يُسْلِمَ عَذَرَهُمْ بذلك، وأخبرهم بما يدفع مَعَرَّةَ التلفظ بها وهو أن يعلن بنقيضها وهو قول لا إله إلا الله.
قال في الفتح: «وقال ابن العربي: مَن حلف بها جادًّا فهو كافر، ومَن
стр. 1091
قالها جاهلًا أو ذاهلًا يقول: لا إله إلا الله، يكفِّر الله عنه، ويرد قلبه عن السهو إلى الذكر، ولسانه إلى الحق، وينفي عنه ما جرى به من اللغو» (١).
وأخرج النسائيُّ بسندٍ صحيحٍ عن سعد بن أبي وقَّاصٍ قال: حلفت باللات والعزَّى، فقال لي أصحابي: بئس ما قلتَ، قلتَ هُجْرًا (٢)، فأتيت رسول الله ﵌ فذكرت ذلك له، فقال: «قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؛ وانفث عن [٧٠٨] يسارك ثلاثًا، وتعوَّذْ بالله من الشيطان، ثم لا تَعُدْ».
وفي روايةٍ أخرى له: عن مصعب بن سعدٍ، عن أبيه، قال: كنا نذكر بعض الأمر وأنا حديث عهدٍ بالجاهليَّة، فحلفت باللات والعزَّى، فقال لي أصحاب رسول الله ﵌: بئس ما قلت، ائت رسول الله ﵌ فأخبره؛ فإنا لا نراك إلا قد كفرت، فأتيته فأخبرته فقال لي: «قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثلاث مرَّاتٍ، وتعوَّذ بالله من الشيطان ثلاث مرَّاتٍ، واتفل عن يسارك ثلاث مرَّاتٍ، ولا تَعُدْ له» (٣).
وأما ذِكْرُ البخاري لحديث عمر فقال في الفتح: «وقصد بذكره هنا
стр. 1092
الإشارة إلى ما ورد في بعض طرقه: «مَن حلف بغير الله فقد أشرك». لكن لما كان حلف عمر بذلك قبل أن يسمع النهي كان معذورًا فيما صنع، فلذلك اقتصر على نهيه ولم يؤاخذه بذلك» (١).
أقول: ومن الواضح أن احتجاج البخاري بحديث عمر في هذا الباب أنه يرى أن من حلف بأبيه غير جاهل ولا ذاهل فقد كفر، ويؤخذ من ذلك أنه يرى أن حديث سعد بن عبيدة صحيح ثابت. والله أعلم.
ومن شواهد الحديث ما في مصنف ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: قال عمر: حَدَّثْتُ قومًا حديثًا فقلت: «لا وأبي»، فقال رجل من خلفي: «لا تحلفوا بآبائكم»، فالتفتُّ؛ فإذا رسول الله ﵌ يقول: «لو أنَّ أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خيرٌ من آبائكم» (٢).
قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا مرسلٌ يتقوَّى بشواهده (٣).
وفي كنز العمال عن مصنَّف عبد الرزاق عن الشعبي قال: مرَّ النبي ﵌ برجلٍ يقول: وأبي، فقال: «قد عُذِّب [٧٠٩] قومٌ فيهم ابن مريم، خير من أبيك، فنحن منك براءٌ حتى ترجع» (٤).
وأخرج الحازمي في كتاب الاعتبار وابن عساكر وغيرهما عن يزيد بن سنان أنَّ النبيَّ ﵌ كان يحلف زمنًا فيقول: «لا وأبيك»
стр. 1093
حتى نُهِي عن ذلك، ثم قال النبي ﵌: «لا يحلف أحدكم بالكعبة؛ فإن ذلك إشراكٌ، وليقل: وربِّ الكعبة».
قال الحازمي: «هذا حديث غريب من حديث الشاميِّين، وإسناده ليس بذاك القائم غير أن له شواهد»، ثم ذكر حديث «أفلح وأبيه إن صدق» ونحوه (١).
وأنا إنما ذكرته شاهدًا لحديث سعد بن عبيدة؛ لأن فيه: «فإنه إشراك».
وأخرج الإمام أحمد والنسائي والحاكم في المستدرك ــ وقال صحيح الإسناد وأقرَّه الذهبي ــ عن قُتَيْلَة بنت صَيْفِي ﵂ أن يهوديًّا أتى النبي ﵌ فقال: إنكم تُندِّدون، وإنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﵌ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: وربِّ الكعبة، ويقول أحد [هم]: ما شاء الله ثم شئت» (٢).
وأخرج أبو داود والحاكم في المستدرك ــ وقال: صحيح الإسناد وأقرَّه الذهبي ــ[٧١٠] عن بريدة قال: قال رسول الله ﵌: «مَن
стр. 1094
حلف بالأمانة فليس منا» (١).
حقيقة القَسَم
وقع اشتباه في معناه، وارتباك في الجمع بين الأحاديث المتقدمة وإقسامِ الله ﵎ في كتابه بأشياء من مخلوقاته، كالشمس والقمر والتين والزيتون، وما صحَّ عن النبيِّ ﵌ من قوله: «أفلح وأبيه إن صدق» (٢)، وقوله: «وأبيك لتنبأنَّ» (٣)، وجاء عن أبي بكرٍ ﵁ أنه كان يقول للرجل الذي اتُّهِم بالسرقة وكان يقوم الليل: «وأبيك ما ليلك بليل سارقٍ» (٤).
وألَّف الأستاذ حميد الدين الفراهي الهندي رسالة سماها: «الإمعان في أقسام القرآن» أجاد فيها، وسألخِّص هاهنا ما استفدته منها ومن غيرها، وما ظهر لي، فأقول:
أصل المقصود من القسم التوكيد اتفاقًا؛ ولذلك ــ والله أعلم ــ سمي
стр. 1095
يمينًا أخذًا من اليمين بمعنى القُوَّة، ويمكن أن يكون من اليد اليمين لما جرت به العادة من الصفق باليمين عند المحالفة، وسمي أليَّة من قولهم: أَلا يألو إذا اجتهد، لا من قولهم: ألا يألو إذا قصَّر.
وفي سنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﵌ إذا اجتهد في اليمين قال: «والذي نفس أبي القاسم بيده» (١).
وأما القَسَم فاسمٌ من قولهم: أَقْسَم إذا حلف، وكأنه مأخوذ من القَسْم بوَزْنِ فَلْسٍ، [٧١١] وهو الشك، كما في القاموس وغيره (٢)، فقالوا: أقسم، أي: أزال القَسْم، كما قالوا: أشكاني الأمير، أي: أزال شكواي، كما في كتب اللغة والتصريف، والحالف إنما يحلف ليزيل الشكَّ.
وأما الحَلِفُ فكأنه مأخوذ من حلافة اللسان أي حدَّته ــ كما في القاموس وغيره (٣) ــ؛ لأن حديد اللسان يكثر من القَسَم. ولذلك ــ والله أعلم ــ لم يجئ لفظ الحلف في القرآن إلا في معرض الذمِّ, قال تعالى:
стр. 1096
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢] , وآيات أخرى كلُّها في المنافقين، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [ن والقلم: ١٠].
فأما وجه إفادة القسم التوكيد فمختلِفٌ باختلاف المقسَم به، وهو على أضرُبٍ:
الضرب الأوَّل: أن يكون في اعتقاد الحالف ومخاطَبيه ذا قدرة غيبية، فمعنى الحلف به جَعْلُه كَفيلًا وشاهدًا على الحالف بألَّا يُخْلِفَ ولا يكذب، قال الله ﵎: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١].
وقال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤].
قال ابن جرير: «فقال بعضهم: نزلت في الأخنس بن شريق، قَدِمَ على رسول الله ﵌ فزعم أنه يريد الإسلام وحلف أنه ما قَدِمَ إلا لذلك ... حدثني يونس قال: أنا ابن وهب قال: قال ابن زيد ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إلى قوله: ﴿ .. وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ قال: كان رجل يأتي إلى النبي ﵌ فيقول: أي رسول الله، أشهد أنك جئت بالحق ... ثم يقول: أما والله يا رسول الله إن الله ليعلم ما في قلبي مثل ما نطق به لساني (١).
[٧١٢] فالجَعْلُ للمحلوف به كَفيلًا ظاهرٌ فيما إذا كان الحلف على فعل
стр. 1097
شيء في المستقبل أو تركه، وإشهاده ظاهر فيما يكون الحلف على أنه وقع أو لم يقع، أو أنه واقع في الحال، أو غير واقع، وكذا على أنه سيقع في المستقبل، أو أنه لن يقع؛ لأن العلم إذا أحاط بوقوع شيء في المستقبل أو عدم وقوعه صار كأنه حاضر فتصحُّ الشهادة والإشهاد عليه كما يقول المؤمن: أشهد أن الساعة ستقوم، ونحو ذلك.
ويمكن أن يكون الحلف على الوقوع وعدمه تكفيلًا، كأن الحالف يجعل المحلوف به كفيلًا عليه ألَّا يكذب. ومن هذا الضرب: الحلف بالكعبة، لأن الحالف يرى أنها كريمة عند الله ، بحيث يغضب على من احتقرها واستهان بها، ومن جعل شيئًا كفيلًا ولم يفِ أو شهيدًا على كَذِبٍ فقد احتقره واستهان به.
ومنه أيضًا الحلف بالأصنام؛ لأن الحالف يزعم أنها كريمة عند مَن جُعِلَتْ تماثيل لهم، وهم أولو قدرة غيبيَّة أو مكرمون عند الله تعالى الذي له القدرة الغيبيَّة، فيزعم أن احتقارها والاستهانة بها احتقار لهم، وقس على ذلك.
وإنما يثق المحلوف له باليمين في هذا الضرب؛ لأنه يعلم أن الحالف يُجِلُّ المحلوف به ويخاف سطوته الغيبيَّة، فيبعد أن يجعله كفيلًا ثم لا يفي له أو شهيدًا على الكذب، وعلى فرض أن الحالف يجترئ على ذلك فالمحلوف به يعاقبه ويوفي المحلوف له حقَّه من عنده.
[٧١٣] الضرب الثاني: أن يكون المحلوف به عزيزًا على الحالف ولا يرى له قدرة غيبية، وذلك كما يحلف بعض الناس بشرفه، كأنه يقول: إن شرفي كفيل عليَّ، بمعنى: أني إن لم أفِ أو إن كنتُ كاذبًا فقد احتقرتُ
стр. 1098
شرفي أو فلا شرف لي. ومنه قولهم: وحقِّك، كأنه يقول: إن لم أفِ أو إن كنت كاذبًا فقد ضيَّعْتُ ما لك من الحقِّ عليَّ. وقد يكون منه قولهم: وحياتِك، ورأسِك، وجَدِّك، كأنه يقول: إن لم أف أو إن كنت كاذبًا فقد احتقرتُ حياتك واستهنتُ بها، فاعددني حينئذٍ عدوًّا, فيثق المحلوف له بهذه اليمين؛ لعلمه أن الحالف حريصٌ على بقاء المودَّة.
الضرب الثالث: أن يكون المحلوف به مما له خطر عند الحالف، بحيث يضرُّه أن يَتْلَفَ أو يَنْقُصَ، فيحلف به على معنى أني إن لم أفِ أو إن كنت كاذبًا فالإله يتلف هذا الشيء أو ينقصه، كحلف بعضهم برأسه وعينيه وحياته. ويمكن أن يكون منه قول أحدهم لصديقه: وحياتك، ورأسك، وجدِّك، كأنه يقول: إن حياتك أعزُّ عليَّ من حياتي، فهي أولى أن أقسم بها. وهذا المعنى المفهوم من القسم يَغفِرُ ما يؤول إليه المعنى؛ إذ حاصله: إن لم أَفِ أو إن كذبتُ فأفقدني الله تعالى حياتك، وكأن القائل (١):
فإن تكُ ليلى استودعتني أمانةً ... فلا وأبي أعدائها لا أخونها
استشعر هذا المعنى، فرأى أنه إن قال: وأبيها, كان حاصله: أفقدني الله تعالى [٧١٤] أباها إن خنتها، وفي هذا ما فيه من الإساءة، فعدل عن أبيها إلى أبي أعدائها؛ لأنَّ فقد أبي أعدائها يسرُّها ولا يضرُّها، ولم يبال باختلال أصل المعنى اتِّكالًا على أن القرائن تبين أنه إنما أراد القسم بأبيها، ولكنه عدل إلى أبي أعدائها لما تقدَّم.
ويظهر أن لفظ الأب مقحم، وأنه أراد القسم بها، ولكن لما كان واو
стр. 1099
القسم لا يدخل على الضمير أقحم لفظ أب، ثم أقحم لفظ أعداء، لما تقدم.
ويشبه هذا قولهم: (الأبعد) كناية عن ضمير المتكلم مثلًا، كقولهم: إن غدر الأبعد فأهلكه الله، يريدون: إن غدرتُ، ولكن يتنزهون عن نسبة الغدر إلى النفس صريحًا.
ومثل هذا قول الآخر:
لعمر أبي الواشين إني أحبها (١)
وقد يكون البيتان من الضرب الرابع، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الضرب الرابع: أن يكون في المحلوف به دلالة على المحلوف عليه، فكأن الحالف جعله كفيلًا وشاهدًا بالنظر إلى حاله، كقول الحصين بن الحُمام المُرِّي يرثي نعيم بن الحارث:
قتلنا خمسة ورموا نُعيمًا ... وكان القتل للفتيان زينا
لعمر الباكيات على نعيم ... لقد جلَّت رزيته علينا (٢)
أقسم بالباكيات منهم استدلالًا ببكائهن على عظم رزيته عليهم.
ويقرب منه قول الشويعر يتنصل إلى امرئ القيس مما بلغه عنه أنه هجاه:
стр. 1100
لعمر أبيك الذي لا يهان ... لقد كان عرضك مني حراما
وقالوا: هجوت ولم أهجه ... وهل يجدن فيك هاجٍ مذاما (١)
استشهد بعِزَّة أبي امرئ القيس وسلامته من الذام على أنه لم يهجه، وأوضح ذلك بقوله: «الذي لا يهان»، وقوله: «وهل يجدن فيك هاج مذاما».
وقد يكون من هذا قول الآخر وقد مرّ: «فلا وأبي أعدائها لا أخونها»، كأنه جعل أعداءها كفلاء عليه لا يخونها، وإنما جعلهم كفلاء نظرًا إلى حالهم؛ لأنهم قد جرَّبوه وعرفوا صدق محبته لها وشدة حرصه على كتمان سرِّها، فلو سُئِلوا لقالوا: هيهات [٧١٥] أن يبوح هذا الرجل بسرِّ هذه المرأة.
وكذا قول الآخر وقد تقدَّم أيضًا: «لعمر أبي الواشين إني أحبُّها»، فإن الواشين أعرف الناس بمحبته لها وأحرص الناس على إذاعتها، أي: فمن شك في محبتي لها فليستمع إلى ما يقوله الواشون عني وعنها، ففي ذلك شهادة كافية. ومنه قول أبي خراش الهذلي:
لعمر أبي الطير المُرِبَّة (٢) غدوة ... على خالد لقد وقعن على لحم (٣)
أراد على لحم عظيم؛ لأن التنكير قد يفيد التعظيم، وأقسم بالطير التي وقعت عليه لأنها أعرف الخلق به. وكلمة: «أبي» في هذه الأبيات الثلاثة مقحمة كما علم من تفسيرها، وكأن الباعث على إقحامها الفرار مما يوهمه
стр. 1101
القسم من إجلال الأول أعداء محبوبته والثاني الواشين بخليلته والثالث الطير الواقعة على صاحبه، فرأى الأول أن إيهام إجلال أبي أعدائها أهون, وقس عليه، هذا مع مراعاة الوزن في الأبيات الثلاثة.
الضرب الخامس: أن يكون المحلوف به شيئًا حقيرًا، فيحلف به على كلام قصد به التهكم والاستهزاء، ويكون الحلف به قرينة على ذلك، كقول عروة بن مرة الهذلي:
وقال أبو أمامة يا لَبَكْرٍ ... فقلت ومَرخةٍ (١) دعوى كبيرُ (٢)
وقد حقق الأستاذ الفراهي أن عامة أقسام القرآن من الضرب الرابع، وذلك واضح في كثير منها، ويحتاج في بعضها إلى تدبُّرٍ.
فأما قوله ﵌: «أفلح وأبيه إن صدق»، وقول أبي بكر: «وأبيك، ما ليلُك بليل سارق»، فيظهر أنه من الضرب الرابع.
[٧١٦] كأنه ﵌ استشهد حال ذلك الرجل؛ لأنها تدل على أنه سيفلح؛ فإن في قصته: «جاء رجل إلى رسول الله ﵌ فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﵌: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليَّ غيرهنَّ؟ قال: لا، إلَّا أن تطوَّع، وصيام شهر رمضان، فقال: هل عليَّ غيره؟ فقال: لا، إلا أن تطوَّع، وذكر له رسول الله ﵌ الزكاة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوَّع، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على
стр. 1102
هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﵌: أفلح إن صدق.
وفي رواية: «أفلح وأبيه إن صدق، أو: دخل الجنة وأبيه إن صدق» (١).
فمجيء الرجل من نجد واهتمامه بالسؤال عن فرائض الإسلام واعتناؤه بذلك حتى سأل بعد كل فريضة: هل عليَّ غيرها؟ ثم إدباره بعد ذلك، فعلم أنه إنما جاء للسؤال عن فرائض الإسلام لم يخلط بذلك رغبة في دنيا، ثم إقسامه ألّا يزيد على الفرائض ولا ينقص، وفي إقسامه ألَّا يزيد ما يدلُّ على صدق لهجته؛ إذ أظهر ما في نفسه ولم يبال بأنَّ عليه في ذلك غضاضة، كلُّ هذا يدلُّ على صدق إيمانه وقوَّة يقينه وتصميم عزيمته على الوفاء بفرائض الإسلام، وفي ذلك أقوى علامة على فلاحه.
فأما قول النبيِّ ﵌: «إن صدق»، فهو كقول القائل: لأقضينك دينك إن شاء الله، فليس تعليقًا محضًا بحيث يخدش في دلالة الكلام على عزم المتكلم أن يقضي، وإنما هو دلالة على أنَّ عزمه على القضاء لا يقتضي علم اليقين بأنه سيقضي، وإنما يحصل علم اليقين بذلك العزم مع مشيئة الله ، فهكذا: أفلح وأبيه إن صدق؛ معناه: إنني أظنُّ ظنًّا قويًّا أنه سيفلح، ولكن ظنِّي هذا لا يكفي وحده [٧١٧] لحصول الفلاح، بل لا بدَّ معه من أن يصدق الرجل فيما وعد به أن يؤدِّي الفرائض ولا ينقص منها شيئًا.
стр. 1103
أو يُقال: إن زيادة «إن صدق» دفع لما قد يتوهم أن المعنى: قد أفلح الرجل على كلِّ حال حتى على فرض أنه يُقَصِّر بعد ذلك في أداء الفرائض.
وأما ما روي عن أبي بكر ﵁ من قوله: «وأبيك ما ليلك بليل سارقٍ»، فواضحٌ أنه من هذا الضرب؛ لأن قيام الليل دائمًا يدلُّ دلالة قويَّة أن صاحبه ليس بسارقٍ.
وأما قول النبي ﵌: «وأبيك لتنبَّأنَّه»، فأصل الحديث: «عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله، أيُّ الصدقة أعظم أجرًا؟ فقال: أما وأبيك لتنبَّأنَّه: أن تَصدَّقَ وأنت صحيحٌ شحيحٌ .... » (١).
السائل يعلم أنَّ النبيَّ ﵌ عالم بما سأله عنه، وأنه ﵌ سينبئه بذلك، وكأنه ﵌ رأى من هيئة الرجل وكلامه ما يظهر منه أنه كالمتردد: أينبئه النبي ﵌ بما سأل عنه أم لا، فكأنه قال له: لم هذا التردد مع علمك بأنك إنما تسأل رسول الله، وأنه عالم بما تسأله عنه، وأنه لا يقصِّر في تعليم الناس ما يحتاجون إليه في دينهم، والله أعلم.
وقد علمت من تفسيرنا للحديثين والأثر عن أبي بكر أننا نرى أن لفظ الأب [٧١٨] مقحم فيها كما هو مقحم في الأبيات المارَّة، وكأنَّ الباعث على الإقحام أنَّ واو القسم لا تدخل على الضمير فتوصل إليه بإقحام لفظ الأب،
стр. 1104
وباعث آخر معنوي، وهو تبعيد إيهام التعظيم؛ فإنه يتوهم تعظيم المخاطبين؛ لأنهم مسلمون، بخلاف آبائهم المشركين، والله أعلم.
وهناك أجوبة أخرى عن الحديثين، منها: الطعن في زيادة «وأبيه» في الأول، وزيادة «أما وأبيك لتنبأنه» في الثاني بتفرد بعض الرواة بهما.
وفي مسند أحمد: ثنا إسماعيل (١)، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي إسحاق (٢)، قال: حدثني رجلٌ من غفارٍ في مجلس سالم بن عبد الله، حدثني فلان أن رسول الله ﵌ أتي بطعامٍ من خبزٍ ولحمٍ، فقال: «ناولني الذراع»، فَنُووِل ذراعًا فأكلها، قال يحيى: لا أعلمه إلا هكذا، ثم قال: «ناولني الذراع»، فَنُووِل ذراعًا فأكلها، ثم قال: «ناولني الذراع»، فقال: يا رسول الله، إنما هما ذراعان، فقال: «وأبيك، لو سكتَّ ما زلتُ أناوَلُ منها ذراعًا ما دعوتُ به»، فقال سالم: أمَّا هذه فلا، سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن الله ﵎ ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» (٣).
فأنكر سالم بن عبد الله بن عمر هذه الزيادة، وهو سلفٌ لمن أنكرها في الحديثين السابقين، ويمكن تأويلها في هذا الحديث بمثل ما تقدَّم، كأن
стр. 1105
النبيَّ ﵌ استشهد حال السامع من علمه بأن الله تعالى كثيرًا ما يخرق العادة لرسوله، وأقحم لفظ الأب، كما تقدَّم.
ومن الأجوبة: ما نقله الحافظ في الفتح، أن القَسَم في هذه المواضع للتأكيد محضًا، [٧١٩] كأن قائل ذلك أراد أن القسم انسلخ عن التكفيل والاستشهاد المستلزمين غالبًا للتعظيم، وصار بمنزلة إنَّ ونحوها للتوكيد فقط، كأنه قال: «أؤكِّد».
قال البيهقي في السنن: «ويحتمل أن النهي إنما وقع عنه إذا كان على وجه التوقير له والتعظيم لحقه دون ما كان بخلافه، ولم يكن ذلك منه على وجه التعظيم، بل كان على وجه التوكيد» (١).
ومنها: قول السهيلي: إنه للتعجب، كأنه أراد أن قوله: «وأبيه» بمنزلة قولهم: «لله أبوه»، وقس عليه.
هذه أقوى الأجوبة فيما أرى، والجواب الذي قدَّمته أشفُّها (٢)، إلا أنه قد يُطعن فيه بأنَّ دعوى إقحام لفظ الأب لا يعرف لها نظير في العربية.
وقد ردَّ أبو حيان قولَ مَن قال: إن كلمةَ «مثل» من قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] زائدة، ردَّه بأن الأسماء لا تُزاد. ويُدْفَعُ هذا بأنَّ المعنى إذا اقتضى توجيه اللفظ بزيادة أو نقص أو تغيير لا تأباه الحكمة ولا تدفعه الصورة الكلية المرتسمة في ذهن العارف باللغة وما يقع فيها من التغيير، فإن ذلك التوجيه يُقْبَلُ وإن لم يوجد له نظير.
стр. 1106
وقد قال ابن جني: «أما إذا دلَّ الدليل فإنه لا يجب إيجاد النظير ... » (١).
أوَ لا ترى إلى صيغة (أَفْعِلْ بِه) في التعجب، نحو قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ﴾ [مريم: ٢٨]، كيف وَجَّهوها بأنَّ: ﴿أَسْمِعْ﴾ فعل ماضٍ، أصله: أَسْمَعَ كأكرم، ومعناه: صار ذا سمع، فأصله في الآية: أسمَعُوا أي صاروا ذوي سمع، [٧٢٠] ثم حُوِّل إلى موازنة صيغة الأمر مع بقائه على الماضوية، ثم زيدت الباء وجوبًا، فوجب تغيير الفاعل من صورة ضمير الرفع، وهو الواو هنا، إلى صورة ضمير الجر. ولو تَطَلَّبْتَ في اللغة فعلًا ماضيًا صورته صورة الأمر لما وجدتَّه إلَّا ما ادَّعوه في هذا الموضع، فلم يمنعهم عَدَمُ النظير من توجيه اللفظ على ما سمعت لمَّا كان المعنى يقتضي ذلك، فكذلك نقول نحن. ومع هذا فقد وجدنا النظير، ولله الحمد، وهو قول الله ﵎: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]؛ فقد قال جماعة: إن كلمة (اسم) مقحمة، وإن المعنى: سبِّح ربك الأعلى، والأحاديث عن النبيِّ ﵌ والآثار عن الصحابة ﵃ تدلُّ على ذلك، انظرها في روح المعاني وتفسير ابن جرير، وأنشدوا للبيدٍ (٢):
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومَن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر
فأما حديث أبي داود وغيره عن الفُجَيع (٣)، وفيه: أنَّ النبيَّ صلَّى الله
стр. 1107
عليه وآله وسلَّم قال: «ذلك ــ وأبي ــ الجوعُ» (١)، فهو حديث ضعيف. وكذلك حديث يزيد بن سنان ــ وقد تقدَّم سنده ــ ضعيف، ولكنه يشهد لحديث سعد بن سنان فيما اتفقا فيه كما مرَّ، والله أعلم.
بقي أنه قد جاء في كلام الصحابة وغيرهم «لعمري»، وهي على المشهور بمعنى: أقسم بحياتي، فيكون قسمًا بغير الله تعالى.
فأقول: قد جاء في تفسير قول الله : ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] ما أخرجه ابن جرير وغيره من طريق سعيد بن زيد، قال: ثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء [٧٢١] عن ابن عباس قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم على الله من محمد ﵌، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى ذكره: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وأخرج ابن جرير أيضًا من طريق الحسن بن أبي جعفر (٢)، قال: ثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، قال: ما حلف الله تعالى بحياة أحد إلا بحياة محمد ﵌، قال: وحياتك يا محمد، وعُمْرك، وبقائك في الدنيا، ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: في ضلالتهم يعمهون، أي:
стр. 1108
يلعبون» (١).
أقول: في ترجمة أبي الجوزاء من التاريخ الكبير للبخاري (٢): «وقال لنا مُسَدَّد: عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء قال: أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة ليس من القرآن آية إلا سألتهم عنها. قال محمد: في إسناده نظر».
ونبه الحافظ ابن حجر في ترجمة أبي الجوزاء من تهذيب التهذيب (٣) على أن البخاري إنما قال هذا لمكان النكري، قال: «والنكري ضعيف عنده» أي: عند البخاري، ولم يذكر في ترجمة النكري أحدًا وثَّقه إلا قول ابن حبان في الثقات (٤): «يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه، يخطئ ويغرب». وقد عُرِفَ من مذهب ابن حبان في الثقات أنه يذكر فيها المجاهيل، ومع ذلك فقوله: «يعتبر حديثه» ظاهر في أنه لا يعتمد عليه.
وقوله: «يخطئ ويغرب» الظاهر أنه وصف للأب؛ لأن هذا الكلام في ترجمته، ولأنه الموافق لقوله: «يعتبر حديثه»؛ [٧٢٢] إذ الحكم عندهم فيمن يخطئ ويغرب أن يعتبر به ولا يعتمد عليه، ولأن كلام ابن حبان في الابن صريح في أنه لا يعتبر بروايته أصلًا، فهو عنده أسوأ حالًا من أن يكون يخطئ ويغرب فقط، والله أعلم.
стр. 1109
فأما قول الذهبي في الميزان (١): «ثقة» فإنما اعتمد ذكر ابن حبان له في الثقات، وقد علمت ما فيه.
وسعيد بن زيد مختلف فيه، والحسن بن أبي جعفر ضعيف جدًّا على عبادته.
وأخرج ابن جرير أيضًا من طريق أبي صالح، عن معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾، يقول: لَعَيْشُك، ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ قال: يتمادون (٢).
وهذا السند ضعيف عندهم، إلا أن البخاري يستأنس بما رُوِيَ به فيعلِّقه في صحيحه، وأبو صالح ومعاوية بن صالح مختلف فيهما، وعلي بن أبي طلحة فيه شيء، ونصَّ الأئمة أنه لم يسمع من ابن عباس، ولكن ذكروا أنه سمع التفسير من مجاهد عن ابن عباس، وهذا لا يغني؛ لأننا لا ندري في هذه الرواية أمِمَّا سمعه من مجاهد هي أم لا؟ (٣).
وقال ابن جرير: «وحدثني أبو السائب قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يقول الرجل: لعمري، يرونه
стр. 1110
كقوله: وحياتي» (١).
أقول: أبو معاوية والأعمش يدلِّسان.
[٧٢٣] وذكر في لسان العرب (٢) الأثر عن ابن عباس ثم قال: «قال أبو الهيثم: النحويون ينكرون هذا، ويقولون: معنى لعمرك: لدينك الذي تعمر.
وأنشد لعمر بن أبي ربيعة (٣):
أيها المنكح الثريّا سهيلًا ... عمرك الله كيف يجتمعان
قال: عمرك اللهَ: عبادتك الله، فنصب.
وأنشد (٤):
عمركِ الله ساعةً حدِّثينا ... ودَعِينا مِنْ قَول مَنْ يؤذينا
أقول: لأهل اللغة اضطرابٌ كثير في هذه الكلمة، وحاصله أن العَمر بالفتح يأتي بمعنى الدِّين، وبمعنى العبادة، ويمكن أن يكون المعنيان واحدًا، وبمعنى الحياة لغة في العُمر بضم العين، والضم أشهر، ولم يأت قولهم: لعمرك إلا بالفتح، وهذا مما يضعف تفسيره بالحياة.
ولا حاجة للإطالة، بل نقول: إنَّ ما صح عمَّن يُعْتَدُّ بقوله من الصحابة
стр. 1111
وغيرهم من قولهم: لعمري ولعَمرك، فالظاهر أنهم رأوا العَمر بمعنى العبادة، ثم قصدوا به المعبود، من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول، كقولهم: فلان عدل رضى، أي: مرضي.
فأما قولهم: (لعمر الله) فإن صح عمن يُعْتَدُّ بقوله فكأنه قصد بالعَمر البقاء، كما يقوله بعض أهل اللغة، وبقاء الله صفة له، فلا يكون القَسَمُ بها قسمًا بغير الله.
ثم رأيت هذا المعنى؛ فقد ترجم له البخاري: «باب قول الرجل: لعمر الله، قال ابن عباس: لعمرك: لعيشك»، ثم ذكر ما قاله أسيد بن حضير في حديث الإفك: «لعمر الله لنقتلنه» (١).
وقال الحافظ في الفتح: «وقال أبو القاسم الزَّجَّاج (٢): العمر الحياة، فمن قال: لعمر الله كأنه حلف ببقاء الله (٣) ...
ومن ثم قال المالكية (٤) والحنفية (٥): تنعقد بها اليمين؛ لأن بقاء الله من صفة ذاته.
стр. 1112
وعن مالك: لا يعجبني الحلف بذلك ....
وقال الشافعي وإسحاق: لا تكون يمينًا إلا بالنية (١)؛ لأنه يطلق على العلم، وعلى الحق، وقد يراد بالعلم المعلوم، وبالحق ما أوجبه الله ....
وأجابوا عن الآية: أن يقسم (٢) من خلقه بما شاء وليس ذلك لهم، لثبوت النهي عن الحلف بغير الله .... » (٣).
وأما قولهم: عَمْرك الله، فعَمْر بمعنى العبادة أو التعمير، أي: اعتقاد البقاء، وهو من باب المناشدة، كأنه قال: أنشدك بعبادتك الله أو باعتقادك بقاءه، وهذه المناشدة ليست من القَسَمِ في شيء، والله أعلم.
فأما الآية فلا مانع من أن يكون العَمْر فيها بمعنى الحياة، وقد أقسم الله تعالى في كتابه بكثير من المخلوقات كما علمت. والله أعلم.
[٧٢٤] فصل
القَسَم من الضرب الأول يُفْهِمُ إجلالَ الحالف للمحلوف به، واعتقادَه أن له سطوة غيبية بحيث ينالُ الحالفَ النفعُ الغيبي إذا وفى وصدق، وأنه إن لم يف أو يَصْدُقْ نالته عقوبته ونال المحلوفَ له النفعُ الغيبِي بإيفائه حقه إن كان له حق.
ومن ذلك: الحلف بالكعبة يُفْهِمُ احترامَ الحالف لها واعتقادَه أن لها سطوة غيبية، بمعنى أنها كريمة على الله ، بحيث ينال الحالف بها
стр. 1113
النفعُ الغيبي أو العقوبةُ الغيبيَّةُ من الله .
ونحوه الحلف بالصنم يُفْهِمُ احترامَ الحالف له واعتقادَه أن له سطوة غيبيَّة، بمعنى أنه كريم على من له سطوة غيبية، وهو مَنْ جُعِلَ الصنمُ تمثالًا أو تذكارًا له، أو أنه كريم عند مَنْ هو كريم عند مَنْ له سطوة غيبيَّة، وهذا فيمن يجعل الصنم تمثالًا لإنسان ولا يعتقد لذلك الإنسان سطوة غيبية ذاتية، ولكنه يقول: ذلك الإنسان كريم على الله ، ولله تعالى السطوة الغيبيَّة.
إذا ثبت هذا فقد ثبت أن القَسَم من هذا الضرب خضوع وتعظيم للمُقْسَم به يُطْلَب به نفعٌ غَيْبِيٌّ للحالف أو للمحلوف له على فَرْضٍ، وهذا الخضوع والتعظيم هو العبادة كما مرّ تحقيقه، والعبادة إذا لم ينزل الله تعالى بها سلطانًا فهي عبادة لغير الله وعبادة غير الله كفر وشرك.
والحلف بالكعبة من هذا؛ لأن الله تعالى لم ينزل سلطانًا بجواز الإقسام بها، وإنما كان يقع من قريبي العهد بالإسلام غير عالمين بأنه شرك، فلما بين لهم النبي ﵌ ذلك اجتنبوه.
[٧٢٥] ويجوز أن الذين كانوا يقولون: والكعبةِ، كانوا يريدون: وربِّ الكعبة، ولكن لما لم تكن هناك قرينة ظاهرة على الإضمار كان ظاهر الكلام شركًا.
فأما الحلف باللات والعزى غَيْرَ جاهل ولا ذاهلٍ فشركٌ لا ريب فيه كما تقدَّم.
وقد سبق أنَّ اللات والعزى ومناة في الأصل أسماء للإناث الخياليات
стр. 1114
التي كان يزعم المشركون أنهن الملائكة، ثم أُطْلِقَتْ هذه الأسماء على الأصنام؛ لأنها تماثيل لتلك الإناث (١).
ولم يُفَرَّقْ في الأحاديث بين مَنْ قصد باللات والعزى الأصنامَ ومَنْ قصد الإناث الخياليات، ومَنْ قصد الملائكة على قياس ما تقدَّم (٢) في توجيه رواية: «تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترجى»، فَعُلِمَ من عدم التفرقة أنه لا فرق.
وهذا مع ما تقدَّم في ذكر الحلف بالمسيح ومع عموم النصوص أن الحلف بغير الله شرك، وما حقَّقناه أنَّ القَسَم من الضرب الأول عبادة, كلُّ ذلك واضح في أنَّ الحلف بالملائكة والأنبياء والصالحين كالحلف بالكعبة.
فأمَّا ما جاء عن بعض الحنابلة في صحة القَسَمِ بالنبي ﵌ (٣)، فإن كان إنما أراد أنَّ من أقسم بالنبي ﵌ تلزمه الكفارة تغليظًا، كما يقوله الحنفية والحنابلة فيمن نذر معصية أنَّ عليه كفارة يمين، مع قولهم: إنَّ نذر المعصية حرام أو كفر، بل قال الحنفية: إنَّ من حلف باللات والعزى والأصنام تلزمه الكفارة، قالوا: لأنَّ الله تعالى أوجب في الظهار الكفارة؛ لكون الظهار منكرًا من القول وزورًا، والحلف بالأصنام كذلك. وإنما خصَّ هذا القائل النبي ﵌ لأنه لعلوِّ درجته يُخْشَى على الناس الغلوُّ فيه.
стр. 1115
أقول: إن كان أراد ذلك القائل هذا المعنى فله وجه، وإن كان أراد أن القَسَمَ [٧٢٦] بالنبي ﵌ جائز، فَزَلَّةُ عالم؛ إذ لا يُعْلَمُ له سلطان على ذلك.
وكذا ما نقله الحافظ في فتح الباري عن ابن المنذر أنه قال: «اختلف أهل العلم في معنى النهي عن الحلف بغير الله، فقالت طائفة: هو خاصٌّ بالأيمان التي كان أهل الجاهلية يحلفون بها تعظيمًا لغير الله تعالى، كاللات والعزى والآباء، فهذه يأثم الحالف بها ولا كفَّارة فيها. وأما ما كان يؤول إلى تعظيم الله، كقوله: وحقِّ النبيِّ والإسلام والحج والعمرة والصدقة والعتق ونحوها مما يراد به تعظيم الله والقربة إليه فليس داخلًا في النهي. وممن قال ذلك: أبو عبيد وطائفة ممن لقيناه، واحتجوا بما جاء عن الصحابة من إيجابهم على الحالف بالعتق والهدي والصدقة ما أوجبوه، مع كونهم رأوا النهي المذكور، فدلَّ على أن ذلك عندهم ليس على عمومه؛ إذ لو كان عامًّا لَنَهَوْا عن ذلك ولم يوجبوا شيئًا».
قال الحافظ عقبه: «تعقبه ابن عبد البر بأن ذِكْرَ هذه الأشياء وإن كان بصورة الحلف فليست يمينًا في الحقيقة، وإنما خرج على الاتِّساع، ولا يمين في الحقيقة إلا بالله» (١).
أقول: المرويُّ عن الصحابة في العتق والهدي والصدقة إنما هو فيمن قال: كلُّ مملوك لي حرٌّ وإبلي هديٌ ومالي صدقة إن فعلت كذا، ونحو ذلك من صيغ الالتزام المعلَّقة، وذلك من باب النذر وهو الذي يسميه الشافعية
стр. 1116
نذر اللَّجاج، والآثار صريحة في ذلك، انظرها في سنن البيهقي (١) ومصنف ابن أبي شيبة (٢) وغيرهما (٣)، وليس ذلك من القَسَم في شيء.
نعم، كانوا يسمُّون ذلك حلفًا، فيقولون: حلف فلان بالعتق ألَّا يكلم فلانًا، إذا قال: كلُّ مملوك لي حرٌّ إن كلَّمْتُه، [٧٢٧] وهذا أيضًا ثابت في الآثار، وإنما سمَّوه حلفًا لأنه يُقْصَدُ به ما يُقْصَد بالحلف الحقيقيِّ من الامتناع، ولأنه قد جاء عن النبيِّ ﵌ أن كفارته كفارة يمين.
وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﵌ قال: «كفارة النذر كفارة اليمين» (٤).
وفي سنن أبي داود والمستدرك وغيرهما عن ابن عبَّاسٍ أن رجلًا جاء إلى النبي ﵌ فقال: إن أختي جعلت عليها المشي إلى بيت الله، قال: «إن الله تعالى لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، قل لها: فلتحجَّ راكبة ولتكفِّر عن يمينها». قال الحاكم: «صحيحٌ على شرط مسلمٍ» (٥).
стр. 1117
وفي رواية للحاكم: جاء رجل إلى النبي ﵌ فقال: إن أختي حلفت أن تمشي إلى البيت ... (١).
وفي روايةٍ لأبي داود عن ابن عبَّاسٍ: إن أخت عقبة بن عامرٍ نذرت أن تحجَّ ماشيةً (٢).
والحديث في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله وأمرتني أن أستفتي لها النبي ﵌ فاستفتيته فقال: «لتمش ولتركَبْ» (٣).
وهذا المعنى ــ أعني تسمية النذر يمينًا وحلفًا ــ كثيرٌ في الآثار، ونحوه حديث الصحيحين وغيرهما: «مَن حلف بغير ملَّة الإسلام فهو كما قال» (٤).
وفي الفتح: «قال ابن دقيق العيد: الحلف بالشيء حقيقة هو القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه كقوله: والله والرحمن، وقد يطلق على التعليق بالشيء يمين كقولهم: مَنْ حَلَف بالطلاق فالمراد تعليقُ الطلاق، وأُطْلِق عليه الحَلِفُ لمشابهته باليمين في اقتضاء الحثِّ والمنع، وإذا تقرّر
стр. 1118
ذلك فيحتمل أن يكون المراد المعنى الثاني لقوله: «كاذبًا متعمّدًا». والكذب يدخل القضيّة الإخبارية التي يقع مقتضاها تارة ولا يقع أخرى، وهذا بخلاف قولنا: «والله» وما أشبهه، فليس الإخبار بها عن أمر خارجيٍّ، بل هي لإنشاء القَسَم، فتكون صورة الحلف هنا على وجهين:
أحدهما: أن تتعلق بالمستقبل, كقوله: إن فعل كذا فهو يهوديٌّ.
والثاني: تتعلق بالماضي, كقوله: إن كان فعل كذا فهو يهودي».
ثم قال بعد كلام: «ولهذه الخصلة من حديث ثابت بن الضحَّاك شاهدٌ من حديث بريدة، أخرجه النسائيُّ وصحَّحه من طريق الحسين بن واقدٍ، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه رفعه: «مَنْ قال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال, وإن كان صادقًا لم يَعُدْ إلى الإسلام سالمًا» (١) يعني إذا حلف بذلك (٢).
[٧٢٨] والحاصل: أن تسمية النذر يمينًا وحلفًا والقول بأن كفارته كفارة يمين أمر معروف عن السلف ، فكلُّ ما جاء عنهم من إطلاق الحلف بالعتق والهدي والصدقة إنما يقصدون به النذر، وإطلاق الحلف واليمين على النذر مجاز. وَهَبْ أنه حقيقة أيضًا، فالنهي عن الحلف بغير الله إنما المقصود به أن يقول: والكعبة، أو أقسم بالكعبة، أو نحو ذلك. ولا يدخل فيه الحلف بمعنى النذر، كقول القائل: إن كلَّمتك فعليَّ الحجُّ ماشيًا، أو نحو ذلك. وجواز النذر ولزوم الكفارة به ــ وإن سُمِّيَ حَلِفًا ويمينًا ــ لا يَدلُّ على جواز الحلف
стр. 1119
بغير الله بمعنى قوله: والكعبة، ونحو ذلك. وهذا واضح جدًّا، والفرق المعنوي بينهما كفلق الصبح؛ فإن القائل: «والكعبة» معظِّم للكعبة كما علمت، والقائل: «إن كلَّمتُ فلانًا فعليَّ صدقة» لا يُفْهم منه تعظيم للصدقة، والله أعلم.
فأما القَسَمُ من الضرب الثاني فقد يُشْكِل دخوله في النهي والتحريم من جهة أن أصل معنى قول الرجل: «وشَرَفِي»: إن كذبت أو إن لم أفِ فأنا محتقر لشرفي ومضيِّع له أو فلا شرف لي، وهذا اللفظ لا يظهر كونه حرامًا لو عبر به. نعم، يمكن أن يتطرَّق إليه التحريم؛ لما فيه من مدح النفس والافتخار والإعجاب، ولكن لا يستمرُّ هذا المعنى في جميع الألفاظ من هذا الضرب، مثل: وحقِّك، ولكن الذوق يشهد أنَّ الإجلال والتعظيم الذي يُفْهَم من قوله: وشرفي, وقوله: وحقِّك، [٧٢٩] أعظم جدًّا مما يُفْهَم من قوله: إن كذبت، أو: إن لم أفِ فلا شرف لي، أو: فأنا مُخِلٌّ بحقك، وكأن ذلك لأنَّ المعروف في القسم أن يكون بالمعبود.
وفي الفتح: «قال الخطَّابي: اليمين إنما تكون بالمعبود المعظَّم، فإذا حلف باللات ونحوها فقد ضاهى الكفار ... » (١).
فإما أن يكون اختصاص القَسَم بالمعبود من أصل الوضع, ويكون ما شاع عنهم من القسم بغير المعبود مجازًا على سبيل المبالغة والغلو.
وإما أن يكون لاشتهار القسم بالمعبود أكثر من غيره صار يسبق إلى الفهم من قولهم: وحقِّك ــ مثلًا ــ أن الحالف يُجِلُّ حَقَّ صاحبه إجلال
стр. 1120
المعبود، وهذا المعنى ظاهر لا يتيسَّر إنكاره، ولا سيَّما إذا انضم إليه دلالة الحال على التعظيم والإجلال، كما في قولهم: وشرفي، وأبي.
إذا تقرَّر هذا، فأقول: إن ظاهر هذا الضرب من القَسَم أن الحالف يُجِلُّ المحلوف به إجلال المعبود، وذلك كفر وشرك، ولا مانع من أخذ الشرع بهذا الظاهر، فإذا ثبت من الشرع ما يدلُّ على ذلك وجب القول به، وقد تقدَّم ما بلغنا عن الشرع في ذلك. والله أعلم.
وأما الضرب الثالث، فقد يقال: ليس في أصل معناه إجلال وتعظيم، وإنما فيه المحبة. وأقول: المحبة تستلزم الإجلال والتعظيم؛ لأن حبيب الإنسان جليل عظيم عنده، كما قيل (١):
أحبك إجلالًا وما بك قدرة ... عليَّ ولكِنْ مَلْءُ عينٍ حبيبُها
[٧٣٠] وفي أشعار العجم ومحاوراتهم العشقية كثير مما معناه: أنا أعبدك، وأنتِ معبودتي، ونحو ذلك، فإذا أقسم الإنسان بما يحبه كان ظاهر ذلك أنه يحبه كما يحبُّ المعبود، وقد علمت توجيه ذلك، وبقية الكلام عليه كالكلام على الضرب الثاني.
وأما الضرب الرابع، فليس في أصل معناه تعظيم ولا ما يستلزم التعظيم، ولكنه يُمْنَعُ منه إذا كان يُتَوَهَّمُ أنه من الأَضْرُب السابقة.
وأقسام الله ﵎ لا يُتَوَهَّم فيها ذلك؛ إذ كيف يتخيل أن الله
стр. 1121
تبارك وتعالى يتخذ شيئًا من خلقه معبودًا أو يجلّه كما يجلّ العابد المعبود أو يحبه كما يحب العابد المعبود.
وقد جاء عن السلف ما يشير إلى أن إقسام الله ﵎ بمخلوقاته من هذا الضرب.
قال في الفتح: «وأسند ــ يعني الطبري ــ عن مطرف بن عبد الله أنه قال: إنما أقسم الله بهذه الأشياء ليعجِّب بها المخلوقين، ويُعَرِّفَهُم قدرته؛ لعظمة شأنها عندهم، ولدلالتها على خالقها» (١).
وكذلك ما تَقَدَّم من قول النبي ﵌: «وأبيه»، «وأبيك»؛ إذ لا يتوهم أنَّ النبيَّ ﵌ يعظِّم مشركًا أجنبيًّا عنه تعظيمَ المعبود.
وعلى كلِّ حال فينبغي المنعُ من القَسَم من هذا الضرب ما لم تكن القرينةُ الصارفة عن تَوَهُّمِ كونه من الأَضْرُبِ الثلاثة الأولى واضحةً. والله أعلم.
[٧٣١] وأما الضرب الخامس، فالظاهر المنع منه؛ لأنه من قبيل إطلاق الكلمة التي ظاهرها كفر على وجه الاستهزاء، وذلك لا يجوز، بل نصَّ جماعة من العلماء على تكفير فاعل ذلك.
إذا تقرَّر هذا، فحَلِف الإنسان بأبيه منهيٌّ عنه مطلقًا، وقد عَلِمْتَ الأدلَّةَ الدالَّة على أنه شرك، أما إذا كان من الأضرب الثلاثة الأولى فظاهر، وأما إذا كان من الرابع قصدًا فالظاهر لا يساعد على هذا القصد، بل يكون الظاهر أنه من أحد الأضرب الثلاثة الأولى.
стр. 1122
فأما إقسامه بأبي غيره فقد يساعد الظاهر على أنه قصد به من الضرب الرابع، كما تقدَّم في كلمتي النبي ﵌ وكلمة أبي بكر ﵁، وعلى هذا فإما أن يكون ذلك مُخَصِّصًا لعموم قوله ﵌: «لا تحلفوا بآبائكم»، وإما أن يُقال: إن الإضافة في قوله: «بآبائكم» كهي في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، والمعنى: لا يُقْسِمْ أحدٌ منكم بأبيه، وعلى هذا فلا يدخل فيه حلف أحدهم بأبي غيره، ويبقى حكم ذلك مسكوتًا عنه، فما كان بمعنى المنصوص أُلْحِقَ به وما لا فلا. فأما قوله ﵌: «مَن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليسكت»، وقوله: «مَن حلف بغير الله فقد أشرك»، فعامٌّ مخصوص تُخَصِّصه الأدلَّة الدالَّة على جواز ما يجوز من الضرب الرابع.
ولقائلٍ أن يقول: إنَّ القسم الجائز من الضرب الرابع لا يسمَّى حلفًا، بدليل أنَّ الحلف لم يجئ في القرآن إلاّ في معرض الذمّ، كما تقدّم، ولا يُذمُّ القَسَم [٧٣٢] من الضرب الرابع؛ لأنه عبارة عن إقامة دليل وحجة، وليس فيه تعظيم لغير الله تعالى ولا ما يستلزم تعظيمًا ولا ما يوهمه، ولذلك كثر إقسام الله في كتابه، مع قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠].
ويستأنس لهذا بأن الحلف مأخوذ من حلافة اللسان كما تقدَّم، وحلافة اللسان مأخوذ من قولهم: سنان حليف، إذا كان مُحَدَّدًا، وحِدَّة اللسان وحلافته عندهم ليس بمدح، فكأنهم إنما يريدون بها ما لا يستند إلى الدليل والحجة؛ لأن الاستناد إلى الدليل والحجة ليس موضعًا للذمِّ، ولا يناسب أن يقال لصاحبه: حديد اللسان، بل يوصف بالسداد والبيان والثبات ونحو ذلك، فتأمل.
стр. 1123
والحاصل: أن القَسَم الجائز من الضرب الرابع لا يدخل تحت النهي، إما لأنه لم يتناوله النهي أصلًا، وإما لأنَّ الدليل أخرجه. والله أعلم.
فإن قلت: حاصل كلامك أنك أبقيت قوله ﵌: «مَن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» على ظاهره إلا ما استثنيته من الضرب الرابع، وهذا خلاف ما عليه أهل العلم. فقد قال الترمذي عقب هذا الحديث: «وفُسِّر هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله: «فقد كفر أو أشرك» على التغليظ، والحجة في ذلك حديث ابن عمر أنَّ النبيَّ ﵌ سمع عمر يقول: وأبي وأبي، فقال: «ألا إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم».
وحديث أبي هريرة عن النبيِّ ﵌ أنه قال: «مَن قال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله».
[٧٣٣] قال أبو عيسى: هذا دليل على ما روي عن النبيِّ ﵌ أن الرياء شرك (١)، وقد فسر بعض أهل العلم هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية [الكهف: ١١٠]، قال: «لا يرائي» (٢).
стр. 1124
قلت: قد خالفه أستاذه البخاريّ بذكره حديث عمر محتجًّا به على أنَّ من قال لأخيه: يا كافر متأوِّلًا أو جاهلًا لا يكفر بعد جزمه أن مَنْ قال ذلك غير متأوِّل ولا جاهل يكفر، وقد تقدم بيان ذلك، وعُلم بذلك الجوابُ عن احتجاج الترمذي بحديث عمر, وحاصله: أنَّ عمر كان معذورًا، ولا يلزم من عدم إكفار المعذور عدمُ إكفار مَنْ لا عذر له.
وأما احتجاج الترمذيّ بحديث: «مَن قال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله» فعجيبٌ؛ فإنه لا حجَّة له فيه، والحلف باللات والعزى كفرٌ جزمًا، إلا إن كان الحالف جاهلًا أو ذاهلًا فيعذر، كما أشار إليه البخاري وصرَّح به ابن العربي، وقد مرَّ.
وهذا الحديث نفسه حجة في ذلك؛ فإن أمره بقول: (لا إله إلا الله) ظاهر في أنَّ الحلف باللات والعزى ينقض الشهادة الأولى، ونقض الشهادة الأولى هو الكفر والشرك، ويلزم من انتقاض الأولى انتقاض الثانية، أعني شهادة أنَّ محمدًا رسول الله.
غاية الأمر أنَّ الحالف إذا كان جاهلًا أو ذاهلًا لم تنتقض شهادته الأولى حقيقة، ولكن حصل فيها خللٌ مَّا ينقضها صورةً، فشُرِعَ جبرانه بقول: (لا إله إلا الله) تجديدًا للشهادة الأولى، ولم يشرع تجديد الشهادة الثانية؛ لأنه [٧٣٤] لم ينقضها صورة, ولم تنتقض الشهادة الأولى حقيقة فيلزمَ من ذلك انتقاضُ الشهادة الثانية، فتدَبَّرْ.
فإن قلت: ما نَسَبْتَه إلى البخاريِّ يردُّه قوله في ترجمة أخرى: «باب مَنْ حلف على مِلَّةٍ سوى مِلَّة الإسلام، وقال النبي ﵌:
стр. 1125
«مَن حلف باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله» ولم ينسبه إلى الكفر» (١).
قلت: مراد البخاري والله أعلم أنَّ من حلف بملَّة سوى الإسلام جاهلًا أو ذاهلًا لا يكفر، بدليل حديث: «مَن حلف باللات والعزى» إلخ، فإنَّ النبيَّ ﵌ قاله عالمًا أنَّ أحدًا من أصحابه لا يحلف باللات والعزى إلَّا ذاهلًا، فأمر مَنْ وقع منه ذلك أن يقول: «لا إله إلَّا الله» ولم ينسبه إلى الكفر، فدلَّ هذا على أنَّ مَن حلف بملَّة سوى الإسلام على نحو تلك الصفة، أي: جاهلًا أو ذاهلًا، لا يكفر.
وهذا من البخاري ﵀ بيان للحديث الذي ساقه في هذه الترجمة، وهو قوله ﵌: «مَن حلف بغير ملَّة الإسلام فهو كما قال»، أي: إنه محمولٌ على مَن حلف غير جاهلٍ ولا ذاهلٍ. هكذا يجب أن يُفْهَم كلام البخاري رحمه الله تعالى ليوافق صنيعه المتقدم؛ إذ كيف يُظَنُّ به أن يرى أنَّ حَلِف الإنسان بأبيه غير جاهلٍ ولا ذاهلٍ كُفْرٌ، ومع ذلك يرى أن حلفه باللات والعزى ليس بكفر مطلقًا.
وإخراج الذاهل قد جاء في رواية لمسلم بلفظ: «مَن حلف بملة سوى ملة الإسلام كاذبًا متعمِّدًا فهو كما قال» (٢). وكذا في صحيح البخاريِّ بلفظ: «مَن حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمِّدًا فهو كما قال» (٣).
فإن قلت: فهلَّا إذْ أراد البخاري الإشارة إلى استثناء الجاهل والذاهل كما زعمت أشار إلى هذه الرواية فإنها أصرح في ذلك؟