قال في الفتح: "ولما عَبَّر الراوي بالعبادة احتاج أن يوضِّحها بقوله: "ولا تشرك به شيئًا"، ولم يحتج إليها في رواية عمر؛ لاستلزامها ذلك" (١).
[٨] وفي الصحيحين أيضًا حديث ابن عبَّاسٍ في قصَّة وفد عبد القيس، وفيه: أمرهم بأربعٍ، ونهاهم عن أربعٍ. أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا رسول الله ... " (٢).
[ب ٥] وفي صحيح مسلمٍ من حديث أبي سعيدٍ في هذه القصة: "آمركم بأربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا ... " (٣).
فيُعلَم بما تقدَّم أن الصحابة ﵃ كانوا يرون اتِّحاد معنى شهادة أن لا إله إلا الله ومعنى التزام عبادة الله وعدم الشرك به، وهو المطلوب، والله أعلم.
هذا، ومَن تدبَّر تبيَّن له أن الشروط السابقة ــ وهي الاعتراف والتصديق والتسليم والرضا ــ إنما هي بمثابة الوسيلة للالتزام، وكأنه المقصود.
بل لو قيل بأن جانب الالتزام هو المغلَّب في شهادة أن لا إله إلا الله لما كان بعيدًا، بدلالة الاكتفاء بها من المشرك المحارب وإن لم يسمع شيئًا من البراهين المبطلة للشرك.
стр. 107
وفي حديث أسامة قال: بعثنا رسول الله ﵌ إلى الحُرَقة من جهينة، قال: فصبَّحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجلٌ من الأنصار رجلًا منهم، قال: فلما غشيناه قال: (لا إله إلا الله)، قال: فكفَّ عنه الأنصاريُّ، فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، قال: فقال لي: "يا أسامة، أقتلته بعد ما قال: (لا إله إلا الله)؟ " قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوِّذًا، قال: "أقتلته بعد أن قال: (لا إله إلا الله)؟ " قال: فما زال يكرِّرها عليَّ حتى تمنَّيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم (١).
وفي حديث المقداد أنه قال: يا رسول الله، إن لقيتُ كافرًا فاقتتلنا، فضرب يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ بشجرةٍ، وقال: أسلمتُ لله، آقتله بعد أن قالها؟ قال رسول الله ﵌: "لا تقتله". قال: يا رسول الله، فإنه طرح إحدى يديَّ ثم قال ذلك بعد ما قطعها، آقتله؟ قال: "لا تقتله؛ فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" (٢).
وفي حديث ابن عمر "قال: بعث النبيُّ ﷺ خالد بن الوليد إلى بني
стр. 108
جَذِيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: (أسلمنا)، فجعلوا يقولون: (صبأنا) فجعل خالدٌ يقتل ويأسر" الحديث، وفي آخره: فرفع النبيُّ ﷺ يده، فقال: "اللهمَّ إني أبرأ إليك مما صنع خالدٌ" (١).
وفي حديث أنسٍ: ... فجاء أبو طلحة فخطب أمَّ سُلَيمٍ، وهي أمُّ أنس، فكلَّمها في ذلك، فقالت: يا أبا طلحة، ما مثلُك يُرَدُّ، ولكنك امرؤٌ كافرٌ، وأنا امرأةٌ مسلمةٌ، لا يصلح لي أن أتزوَّجك. فذكر الحديث، وفيه: فانطلق أبو طلحة يريد النبيَّ ﷺ ، ورسول الله جالس في أصحابه، [ب ٦] فلما رآه [٩] قال: "جاءكم أبو طلحة، غُرَّة الإسلام بين عينيه" الحديث (٢).
بل قال الله ﵎: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤].
فهؤلاء شهدوا أن لا إله إلا الله على سبيل الالتزام وقُبِلَتْ منهم مع شهادة الله تعالى عليهم بأنه لم يدخل الإيمان في قلوبهم، وبذلك انتفى صدقُ الاعتراف، وانتفى التصديقُ، وانتفى الرضا الحقيقي، فلم يبق إلَّا الالتزام، فتدبَّرْ.
وقد قال العلماء: إن (لمَّا) النافية تشعر بأن المنفيَّ سيقع بعدُ، وعلى
стр. 109
هذا ففي الآية وَعْدٌ من الله لهؤلاء القوم بأنه سيدخل الإيمان في قلوبهم، وقد وعدهم صريحًا بقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، فيُعلَم من هذا أن هؤلاء لم يكونوا من المنافقين؛ فإن الله تعالى وعد هؤلاء بما سمعت، وأوعد المنافقين بأن يُضِلَّهم ويزيدَهم مرضًا ورِجْسًا.
والفرق بين الفريقين أنَّ المنافقين التزموا بألسنتهم وكانوا ينقضونه في السرِّ بالتكذيب والطعن والعدوان والسعي بالفساد وكيد الإسلام وأهله. وأما هؤلاء الأعراب فإنهم التزموا ووفَوْا بما التزموه وإن لم يكن قد دخل الإيمان في قلوبهم، فتدبَّرْ.
ثم رأيت الإمام الشافعيَّ رحمه الله تعالى قد ألمَّ بهذا في كتاب (إبطال الاستحسان)، قال: "ثم أَطْلَع الله رسولَه على قومٍ يظهرون الإسلام ويُسِرُّون غيره .... فقال لنبيِّه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ... ﴾ [الحجرات: ١٤].
قال الشافعيُّ: ﴿أَسْلَمْنَا﴾، يعني: أسلمنا بالقول بالإيمان مخافة القتل والسِّباء، ثم أخبر أنه يجزيهم إن أطاعوا الله ورسوله، يعني: إن أحدثوا طاعة الله ورسوله، وقال له في المنافقين وهم صنفٌ ثانٍ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ... ﴾ [المنافقون: ١] " (١).
محلُّ الشاهد قوله في المنافقين: "وهم قسم ثانٍ" (٢).
والمقصود أن الأحكام الدنيويَّة بُنِيت على الالتزام وحده، ولو ممن عُلِم أنه لم يؤمن قلبه. وبهذا يُعلَم أنَّ ما جاء في بعض روايات حديث أسامة من
стр. 110
قول النبيِّ ﵌: "فهلَّا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا" ليس المراد منه: آمن قلبه أم لا، بل المراد ــ والله أعلم ــ: آلتزم الإسلام بقلبه كما التزمه بلسانه أم لا؟ لأنَّ حرمة القتل لا تتوقَّف على الإيمان بالقلب كما سمعت.
وقال الله : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].
[ب ٧] استثناؤه مَن أُكرِه وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان يدلُّ أن المستثنى منه وهو قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ يعمُّ مَن تظاهر بالكفر وإن لم يكفر قلبه، وإنما استثنى مَن تظاهر بالكفر مكرهًا. وعلى هذا فقوله: ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ يعمُّ مَن تظاهر به مختارًا غير مكرهٍ وإن لم يكفر بقلبه؛ فإن تظاهره بالكفر مختارًا كافٍ في شرح الصدر بالكفر، وذلك أنه بتظاهره بالكفر قد نقض التزامه. وظاهر الآية أن المكرَه إذا كفر وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان قد كفر بعد إيمانه، ولكن لما كان معذورًا وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان عذره الله تعالى، فالعذر مبنيٌّ على الأمرين معًا: الإكراه، واطمئنان القلب بالإيمان، فلا يكفي أحدهما، والله أعلم.
[١٠] ويشهد لهذا قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ
стр. 111
عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩].
أخرج البخاريُّ عن ابن عبَّاسٍ أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثِّرون سواد المشركين على رسول الله ﵌، يأتي السهم فيصيب أحدهم فيقتله، أو يُضرب فيُقتل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾ الآية (١).
وأخرج البخاريُّ عن ابن عبَّاسٍ أيضًا أنه تلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾، قال: كنتُ أنا وأمِّي ممن عذر الله (٢).
وهذا الأثر الثاني يدلُّ أن ابن عبَّاسٍ لم يرد بالأثر الأوَّل أن الآية خاصَّةٌ بمن كان يكثِّر السواد في الحرب، بل تعمُّ المتخلِّفين عن الهجرة. وجاء عن بعض السلف أن هؤلاء المتخلِّفين غيرَ المعذورين كفروا بعد إيمانهم، واستبعده بعض المتأخِّرين ظنًّا أنه لم يقع منهم إلَّا التخلُّف عن الهجرة. والذي تدلُّ عليه الآثار أن المتخلِّفين كانوا يُكرَهون على الكفر، [١١] وعلى هذا فمُكْثُ مَن مكث منهم مع استطاعته الهجرة وعلمِه أنه إن لم يهاجر أُكرِه على الكفر= ضربٌ من الاختيار؛ فلذلك ــ والله أعلم ــ لم يُعذَروا.
ثم رأيت في سنن البيهقيِّ ما لفظه: "قال الله جَلَّ ثناؤه في الذي يُفْتَن عن
стр. 112
دينه، قَدَر (١) على الهجرة فلم يهاجر حتى توفي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية [النساء: ٩٧] " (٢). وهذا صريحٌ فيما ظهر لي، ولله الحمد.
هذا، وقوله تعالى في الذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلًا: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ فيه دلالةٌ على [أن] مَن أُكرِه منهم على الكفر فتظاهَر به فقد أساء، وإن كان معفوًّا عنه، أي ــ والله أعلم ــ: لأنه كان الأولى لهم أن يصبروا [ب ٨] على العذاب أو القتل ولا يتظاهروا بالكفر. وقد كان جماعةٌ من أصحاب النبيِّ ﵌ قبل أن يُؤذَن لهم بالهجرة يعذَّبون فصبر أكثرهم، وقال النبيُّ ﵌ لعمَّارٍ وأبيه وأمِّه وهم يعذَّبون: "صبرًا آل ياسر؛ فإنَّ موعدكم الجنَّة" (٣).
ومما يدلُّ على الالتزام قول الله جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾، إلى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ﴾، إلى قوله: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠ - ١٢].
стр. 113
يعني ــ والله أعلم ــ: فبايعهنَّ على ذلك عند قدومهنَّ من دار الكفر، على أن هذه المبايعة كانت غير خاصَّةٍ بهنَّ؛ ففي الصحيحين عن عبادة بن الصامت أحد النقباء أنَّ النبيَّ ﵌ قال وحوله عصابةٌ من أصحابه: "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا" الحديث، كما في بيعة النساء (١).
وجاء نحوه عن جرير بن عبد الله وعبد الله بن عمرو بن العاص (٢).
وهذه المبايعة كالتفسير للشهادتين وبعض ما يتعلَّق بهما؛ ولذلك ــ والله أعلم ــ ترك أئمَّةُ الصحابة ومن بعدهم مبايعةَ مَنْ يُسلم مثل المبايعة المذكورة اكتفاء بالشهادتين، وبأنَّ معناهما وما يتعلَّق به [١٢] قد اشتهر بين الناس.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية [البقرة: ٨٣].
فأَخَذَ الميثاق منهم لا يعبدون إلا الله على وجه الالتزام، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
ومما يوضِّح اشتراط الالتزام أنَّ الكافر لو قال: أنا أعلم أن دين الإسلام حقٌّ ولكن لا أدع ديني، أو قال: أنا أعلم أن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله حقٌّ ولكني لا أحبُّ الدخول في الإسلام، أو قال: أنا لا أدع ديني أبدًا مع أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله؛ فإنه لا
стр. 114
يصير بشيءٍ من ذلك مسلمًا، ولا تلزمه أحكام الإسلام. وقد وردت في معنى هذا آثارٌ كثيرةٌ، منها قصة أبي طالبٍ (١) ومنها قصَّة ابن صُوريا (٢) وغيره من اليهود كانوا يعترفون ولكنهم أبَوْا الدخول في الإسلام، فلم يَعُدَّ النبي صَلّى الله عليه وآله [١٣] وسلَّم اعترافَهم إسلامًا، ولا تمسُّكَهم بعده بدينهم ردَّة.
ومنها قصة هرقل (٣) والأعشى ميمون (٤) وغير ذلك.
стр. 115
وقد أطلت في بيان هذا الشرط لأنني لم أره مشروحًا فيما وقفت عليه.
ثم رأيت صاحب "الهَدْي" ذكر قصَّةً وقعت لبعض النصارى في العهد النبويِّ، ثم قال: [ب ٩]: "وفيها: أن إقرار الكاهن الكتابي لرسول الله ﵌ بأنه نبي لا يُدْخِلُه في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته، فإذا تمسَّكَ بدينه بعد هذا الإقرار لا يكون ردّة منه، ونظير هذا قول الحَبْرَين له وقد سألاه عن ثلاث مسائل، فلما أجابهما قالا: نشهد أنك نَبِيٌّ، قال: فما يمنعكما من اتِّباعي؟ قالا: نخاف أن تقتلنا اليهود (١)، ولم يَلْزَمْهُما بذلك الإسلامَ، ونظير ذلك شهادةُ عمِّه أبي طالبٍ له بأنه صادقٌ وأنّ دينه من خير أديان البريّة دينًا (٢)، ولم تدخله هذه الشهادة في الإسلام.
ومَن تأمَّل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له ﵌ بالرسالة، وأنه صادق، فلم تُدخلهم هذه الشهادة في الإسلام، عَلِمَ أن الإسلام أَمْرٌ وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفةَ والإقرار والانقياد
стр. 116
والتزام طاعته ودينه ظاهرًا وباطنًا" (١).
وبعد ذلك رأيت في حاشية عبد الحكيم على شرح المواقف ما لفظه: " .... من حصل له تصديقٌ بلا اختيارٍ إذا التزم العمل بموجبه يكون إيمانًا اتِّفاقًا. ولو صدَّق النبيَّ بالنظر إلى معجزاته اختيارًا ولم يلتزم العمل بموجبه بل عانده فهو كافرٌ اتِّفاقًا. فعُلم أن المعتبَر في الإيمان الشرعيِّ هو الاختيار في التزام موجب التصديق لا في نفسه، وهذا هو التسليم الذي اعتبره بعض الفضلاء أمرًا زائدًا على التصديق" (٢).
وإذ قد تبيَّن أن من شرط الاعتداد بشهادة أن لا إله إلا الله أن تقع على وجه الالتزام، فمن الواضح أنه لا بدَّ من معرفة معناها كسائر صيغ العقود التي يلتزم بها المكلَّف ما لم يكن ملتزمًا له قبل.
ثم إذا وقعَتْ كلمة الشهادة مستكملة للشروط فشرط استمرار حكمها ألا يحدث من صاحبها ما يخلُّ بموجَبها، وهذا هو المقصود الحقيقي والثمرة المطلوبة، ولذلك وقع الاتِّفاق على أنَّ السجود للصنم أو الشمس أو نحوهما ردَّةٌ تخرج من الإسلام إلا المكرَه بشرطه، ولم يشترط في الحكم برِدَّة الساجد للصنم أو الشمس أن يُسَمِّي ما سجد له إلهًا أو يُسَمِّي سجوده عبادةً، بل لو كان حال السجود معلنًا بثباته على شهادة أن لا إله إلا الله وكانت هناك قرينةٌ تدلُّ أن سجوده إنما كان لغرضٍ عارضٍ، كأن جُعِلَ له مالٌ
стр. 117
عظيمٌ على السجود فسجد، لم يُفِدْه ذلك ظاهرًا ولا باطنًا. والسرُّ في ذلك: أنَّ سبب الكفر ها هنا ليس محصورًا فيما يدلُّ عليه السجود من الاعتقاد في الشمس، بل له وجه آخر وهو الإقدام على ما عُلم أنه في حكم الشرع كفرٌ، فالإقدام عليه بغير إكراهٍ دليلٌ واضحٌ على رضاه بأن يكون كافرًا، وسيأتي لهذا مزيدٌ إن شاء الله تعالى.
وإذا علمت أن المقصود الحقيقيَّ هو الاستمرار على مقتضى الشهادة حتى لا يقع من الشاهد ما ينقضها علمت أنه لا بدَّ من معرفة معناها؛ إذ مَن لا يعرف معناها لا يؤمَن عليه أن يقع فيما ينقضها، وهذا بغاية الوضوح.
[ب ١٠] شبهةٌ وجوابها
فإن قيل: أفلا يكفي الإنسان أن يكون معترفًا بصدق الرسول في جميع [١٤] ما جاء به مصدِّقًا به مسلِّمًا راضيًا ملتزمًا العمل بموجَب ذلك عازمًا عليه، فلما سمع كلمة أن لا إله إلا الله وعلم أنَّ الرسول جاء بها اعترف بها وصدّق وسلّم ورضي والتزم وعزم على العمل بموجَبها مع جهله بمعناها كما يكفيه نحو هذا في الآيات القرآنيَّة والأحاديث المتواترة، وإذا وقع منه عملٌ يخالف موجَبها عُذِرَ بالجهل؟
قلت: الأدلَّة التي قدَّمناها صريحةٌ في أن المطلوب في الشهادة الاعترافُ والتصديق والتسليم والرضا والالتزام والعمل بالموجَب على وجه التحقيق في كلِّ واحد منها، وذلك لا يكون إلا مع العلم بالمعنى كما قدَّمنا. فأمَّا حصول هذه الأمور بمجرَّد خبر المعصوم مع جهل المعنى، فلا يكون على وجه التحقيق كما هو ظاهر. وقد يجمع الجاهل بالمعنى بين الاعتراف بلا إله إلا الله على الوجه المذكور وبين الاعتراف بما يناقض معناها، أعني
стр. 118
الشركَ، وإنكارَ حقيقة معناها، أعني التوحيد، وهكذا يُقال في التصديق وبقيَّة الأمور. وحينئذٍ فلم يحصل له شيء من المقصود وهو أن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا، وما يدرينا لَعَلَّ هذا الرجل لو عَلِمَ حقيقة معناها لما اعترف ولا صدَّق، وهكذا الباقي.
ووجه ذلك: أنه قد تقوم لديه شبهاتٌ تعارض عنده ما يعتقده من صدق الرسول أو يكون ذلك الأمر مخالفًا لهواه. وللهوى سلطان عظيم على النفوس، فربما عُرِضَت الحقيقة البينة على النفس وهي غير مخالفة لهواها فتقبلها، ثم تُعرض عليها حقيقة مثل تلك في الوضوح أو أبين، ولكنها مخالفة لهواها فتردّها. وهل كذّب المشركون رسلهم إلا لمجيئهم بما يخالف أهواءهم؟ وفي الحديث: "حُبُّك للشيء يُعْمي ويُصِمّ" (١).
ومن تتبع مناظرات أهل النحل المختلفة وتأويلاتهم البراهينَ الواضحةَ تبين له ما ذكرناه، بل من تتبع مناظرات الفرق الإسلامية وما تحتجُّ به كلُّ فرقةٍ منها، [ب ١١] وتردُّ ما يخالفها من الأدلَّة أو تتأوَّله عرف ما للهوى من عظمة السلطان، على أن كثيرًا من أولئك المتأوِّلين التأويلات التي لا يشكُّ البريء من الهوى في بطلانها هم ممن ثبتت معرفته وأمانته وأنه لا يتعمَّد الباطل، ولكن الهوى أعماه وأصمَّه فقاتل الحقَّ وهو يظنُّ أنه يقاتل عن الحقِّ.
стр. 119
ولله درُّ البُرَيق الهذلي في قوله (١):
أَبِنْ لي ما ترى والمرء تأبى (٢) ... عزيمته ويغلبه هواه
[١٦] فيعمى ما يرى فيه عليه ... ويحسب ما يراه لا يراه
وكما أن الإنسان قد يجتهد في الطاعة في العمل ولكنه لو كُلِّفَ عملًا شديد المشقة لم يُطِع، قال الله : ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦ - ٣٧]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، وقال ﵎ لرسوله ﵌: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] = فكذلك قد يجتهد الإنسان في التصديق فإذا كُلِّف التصديق بما يخالف هواه لم يُصَدِّق، فربما أُخْبِر بخبر لا يفهمه فصدَّق على عادته، ولو تبيَّن له معناه وكان مخالفًا لرأيه وهواه لكذَّب أو ارتاب أو توقَّف؛ فقد كان مشركو قريشٍ يعلمون أمانة النبيِّ ﵌ حتى خصُّوه بلقب الأمين، ولما سأل هرقل أبا سفيان عن النبيِّ ﵌: هل كنتم تتَّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: لا (٣). وأبو سفيان يومئذ رأسُ المشركين وأشدُّهم عداوةً لرسول الله ﵌.
стр. 120
وأخرج الحاكم في المستدرك عن ناجية بن كعبٍ (١)، عن عليِّ بن أبي طالبٍ، قال: قال أبو جهلٍ: "قد نعلم يا محمَّد أنك تصل الرحم وتَصْدُق الحديث، ولا نُكذِّبك، ولكن نُكذِّب الذي جئت به"، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ الآية [الأنعام: ٣٣].
قال الحاكم: "صحيحٌ على شرط الشيخين"، تعقَّبه الذهبي، فقال: "ما خرَّجا لناجية شيئًا" (٢).
[ب ١٢] أقول: أجل، لم يخرجا له، ولكن قد وثَّقه العجليُّ وابن حِبَّان، وقال ابن مَعين: "صالحٌ". فأما قول ابن المدينيِّ: "ما روى عنه غيرُ أبي إسحاق، وهو مجهولٌ"، فقد قال السخاوي في فتح المغيث ــ بعد ذكر مَن يقبل المجهول ــ: "وخصَّ بعضهم القَبول بمن يزكِّيه مع رواية الواحد أحدٌ من أئمة الجرح والتعديل، واختاره ابن القطَّان في بيان الوهم والإيهام، وصحَّحه شيخنا، وعليه يتمشَّى تخريج الشيخين في الصحيحين لجماعةٍ ... " (٣).
أقول: وبهذا الاعتبار يصحُّ قول الحاكم: "على شرط الشيخين".
فأما قول الجوزجاني في ناجية: "مذمومٌ"، فالجوزجانيُّ كان فيه نصبٌ وانحرافٌ شديد عن عليٍّ ﵇، يرى محبَّة عليٍّ جرحًا؛ ولهذا لم يلتفت العلماء إلى كلامه في أصحاب عليٍّ ومحبِّيه، وقد صرَّح بذلك ابن
стр. 121
حجرٍ وغيره في مواضع. وعليه فقوله في ناجية: "مذمومٌ" معناه أنه كان يحب عليًّا، "وتلك شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارها" (١).
نعم، أخرج الترمذي الحديث في جامعه من طريق معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية، عن عليٍّ.
ثم أخرجه من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجية، أنَّ أبا جهل ...
قال الترمذي: "فذكر نحوه ولم يذكر فيه: عن عليٍّ. وهذا أصحُّ" (٢).
أقول: ابن مهديٍّ أثبت من معاوية، ولكن رواية المستدرك من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ناجية، عن عليّ. وقد قال ابن مهدي نفسه: إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة والثوريِّ.
أقول: ولعلم مشركي قريشٍ بمنزلة النبيِّ ﵌ من الصدق والأمانة فزعوا إلى قولهم: (مسحورٌ)، (مجنونٌ)، ونحو ذلك.
والمقصود أنه ﷺ لو جاءهم بخبرٍ لا يخالف هواهم أو لا يعرفون معناه لصدَّقوه، ولكنه لما جاءهم بـ (لا إله إلا الله) وهم يعرفون معناها بما يخالف هواهم أنكروا.
стр. 122
وفي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت أنَّ النبيَّ ﵌ جمع قريشًا [١٧] ثم قال لهم: "أرأيتكم لو أخبرتُكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدِّقيَّ؟ " قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إلَّا صدقًا، قال: "فإني [ب ١٣] نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديدٍ". فقال أبو لهبٍ: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنَزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (١) [المسد: ١].
وقال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وقال جلَّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠].
وقد تقدَّم بيان أن فرعون وقومه كانوا مستيقنين بصدق موسى ﵇، ومع ذلك كان منهم ما كان. وكان عمرو بن عبيد من زُهَّاد المسلمين وعُبَّادهم يُضْرَب به المثل في ذلك، حتى قال الخليفة المنصور العباسي في العُبّاد:
كلُّكم طالب صيد
كلُّكم يمشي رويد
غير عمرو بن عبيد
стр. 123
ورثاه لما مات بأبياتٍ مشهورةٍ.
ومع ذلك فإنها أخذته فتنةٌ في القَدَر غلا فيها حتى قال: "إن كان ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ في اللَّوح المحفوظ فما لله على ابن آدم حجَّةٌ".
وسُئل مرَّةً عن ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ كانت في اللوح المحفوظ؟ فقال: "ليس هكذا كانت"، قيل: وكيف كانت؟ فقال: "تبَّت يدا مَن عمل بمثل ما عمل أبو لهبٍ"، كأنه يريد أنها كانت: "تبَّت يدا مَن أشرك بالله وكذَّب رسوله" مثلًا، ثم لما أشرك أبو لهب وكذَّب علم الله تعالى ذلك منه، فجعل بدل هذا ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾؛ لأنَّ مقصود عمرٍو نفي علم الله بأن فلانًا سيكفر وفلانًا سيفجر، وإنما يَعلم ذلك بعد وقوعه.
ورُوِي له عن الأعمش، عن زيد بن وهبٍ، عن ابن مسعودٍ، عن النبيِّ ﵌ حديثٌ (١) رآه مخالفًا لهواه، فقال: لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذَّبته، ولو سمعته من زيد بن وهبٍ لما صدَّقته، ولو سمعت ابن مسعودٍ يقوله لما قبلته، ولو سمعتُ رسول الله ﵌ (٢) لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا [١٨] لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا!
ونُقِلَت عنه أشياء أخرى من هذا الباب. وجاء عنه أنه قال: "لو أن عليًّا
стр. 124
وعثمان وطلحة والزُّبير شهدوا عندي على شِراك نعلٍ ما أجزته" (١).
وليس هذا رأي عمرٍو وحده، بل كلُّ مَن يعتقد عقيدةً مستندًا فيها إلى عقله يزعم أنها يقينيَّةٌ عنده، بحيث يستحيل أن يجيء يقينٌ بخلافها.
قال الغزالي: "أمَّا اليقين فشرحه أنَّ النفس إذا أذعنت للتصديق بقضية من القضايا وسكنت إليها فلها ثلاثة أحوال:
أحدها: أن تتيقَّن وتقطع به .... بل حيث لو حُكي لها عن نبي من الأنبياء أنه أقام معجزة وادَّعى ما يناقضها فلا تتوقف في تكذيب الناقل، بل تقطع بأنه كاذب، أو تقطع بأن القائل ليس بنبي، وأنَّ ما ظن [ب ١٤] أنه معجزة فهي مخرقة (٢)، وبالجملة فلا يؤثِّر هذا في تشكيكها بل تضحك من قائله وناقله .... " (٣).
وقد عرّفتك أن كلَّ معتقد عقيدة مسندًا لها إلى العقل يزعم أنها يقينية. ومعنى ذلك أنه لو لقي النبي ﵌ فشافهه النبي ﵌ بما يخالف تلك العقيدة لكذّبه، والعياذ بالله. [١٩]
فلا تحسبنْ هندًا لها الغدر وحدها ... سجيةَ نفسٍ، كلُّ غانيةٍ هندُ (٤)
ولكن القوم إذا جاء دليل شرعي يخالف عقيدتهم فتارة ينكرون ثبوته
стр. 125
عن النبيِّ ﵌، بل يزعمون أن ثبوته محال، وتارة يستكرهونه على التأويل، وقد مرَّ مثال ذلك عن عمرو بن عُبيدٍ.
وقد علمنا أنهم مختلفون في العقائد؛ فهذا يعتقد أمرًا ويزعم أنه يقينيٌّ، وذاك يعتقد نقيضه ويزعم أنه يقينيٌّ. وبهذا يُعلَم أن من العقائد التي يزعم أصحابها أنها يقينيَّةٌ ما هو باطلٌ قطعًا، فلو فرضنا أن أصحابها لقوا النبيَّ ﵌ فأخبرهم ببطلان عقيدتهم فماذا يكون حالهم؟ أيردُّون قوله ﵌ ويكذِّبونه ويقطعون بأنه ليس بنبيٍّ وأن معجزاته مخرقةٌ ويضحكون منه وممن يتَّبعه، أم يتردَّدون، أم يرجعون عن عقيدتهم التي زعموا أنها يقينيَّةٌ يستحيل أن يجيء يقينٌ بخلافها؟ ومَنْ تأمل تأويلاتهم المستكْرَهة للآيات القرآنيَّة وما وقع فيه شجعانهم كابن سينا وابن رشدٍ وغيرهما لم يجزم بحسن الظنِّ بهم.
إنَّ مَن غَرَّه النساء بودٍّ ... بعد هندٍ لجاهلٌ مغرورُ
كلُّ أنثى وإن بدا لك منها ... آية الحبّ حبُّها خيتعورُ (١)(٢)
هذا مع أن هؤلاء ــ وعمرٌو في مقدمتهم ــ إذا سمعوا آية من القرآن لم يفهموا معناها لم يتردَّدوا في تصديقها، وكذلك إذا كانت مخالفةً لعقيدتهم فإنهم يصدِّقونها بعد تأوُّلها على ما يوافق عقيدتهم، ولكن لو فُرِض [٢٠] أنَّ آيةً جاءت قطعيَّة الدلالة على خلاف قولهم فما ندري ماذا يصنعون؟ وقد
стр. 126
نُقِل عن عمرٍو أنه جحد أن تكون ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] السورة، وقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] الآيات، من القرآن.
وذهب بعض المنتسبين إلى الإسلام من المتفلسفين إلى أنَّ [ب ١٥] في القرآن والأحاديث الثابتة كذبًا كثيرًا، ويقولون: هو كذبٌ حسن للمصلحة. وذهب بعضهم إلى إنكار أن يكون القرآن من عند الله، وإنكار أن يكون الأنبياء معصومين عن الكذب، قالوا: وإنما هم رجالٌ صالحون مصلحون تكلَّموا بمقدار فهمهم وعلمهم فغلطوا كثيرًا.
وفي قصة ابن أبي سرحٍ أنه كان يكتب للنبيِّ ﵌، فربَّما أملى عليه النبيُّ ﵌: "عليمٌ حليمٌ"، فيقول: أو: "عزيزٌ حكيمٌ"، فيقول النبيُّ ﵌: "كلاهما سواءٌ"، فارتدَّ ابن أبي سرحٍ (١). هذا ضربٌ.
والضرب الثاني، من أمثلته: ما في صحيح مسلمٍ من حديث أبيِّ بن كعبٍ في اختلاف القراءة، وفيه: قال أُبيٌّ: "فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله ﵌ ما قد غشيني ضرب في صدري، فَفِضْت عَرَقًا، وكأنما أنظر إلى الله فَرَقًا" (٢).
وفي خبر الرجل الذي قاتل مع النبي ﵌ أشدَّ
стр. 127
القتال، وقال النبيُّ ﵌: "هو من أهل النار"، فكاد بعض المسلمين يرتاب (١).
[٢١] وفي قصَّة الحديبية، ويوم أحدٍ، ووفاة النبيِّ ﵌ ما يشبه ذلك.
والمقصود أن الإيمان الإجماليَّ لا يؤمَن تزلزله أو زواله إذا جاء في التفصيل ما يخالف الرأي والهوى، ولكنَّ أُبيًّا وأضرابه كان الله ﵎ يتداركهم فورًا ويخرجهم من الظلمات إلى النور.
[٢٢] وإنما لم يكلِّف الله العباد بالإيمان التفصيليِّ بجميع ما جاء به الرسول بحيث لا يُقبَل إيمان العبد حتى يعلم الشريعة من أوَّلها إلى آخرها؛ لما في ذلك من المشقَّة الشديدة، بل عدم الإمكان، فلو كلَّفهم بذلك لم يكد يصحُّ إيمان أحدٍ، فاكتُفي بالعلم التحقيقيِّ بمعنى الشهادتين مع الإيمان الإجماليِّ، ثم كُلِّف الناس بعد ذلك ما يطيقون. والتوحيد رأس الدين وعماده، ف لا يلزم من الاكتفاء بالإيمان الإجماليِّ بالقرآن والسنَّة بدون معرفة المعاني كلِّها أن يُكتفى بمثل ذلك في الشهادتين .
[ب ١٦] فإن قيل: فما القول في صبيان المسلمين: أمسلمون أم لا؟ وفيمَن كبر منهم وبلغ ولم يعلم معنى الشهادتين تحقيقًا أمسلمٌ أم لا؟ وفيمَن قبل الإسلام من الأعاجم ونحوهم وهو لا يعلم معنى الشهادتين أيصحُّ إسلامه أم لا؟
стр. 128
قلت: هؤلاء كلُّهم مسلمون، وإنما الكلام في الإيمان المنجي؛ فالصبيُّ ومَن بلغ مجنونًا ينجوان لعدم التكليف؛ فإن الأعراب وإن كانوا يعلمون معنى الشهادتين إلَّا أنهم لم يصدِّقوا به بقلوبهم، وهؤلاء لم يعلموا معنى الشهادتين حتى يُعلَم أيصدِّقون أم لا، ولكن الشريعة قد قبلت إسلام هؤلاء وهؤلاء وأجرت عليهم أحكام المسلمين.
فإن قلت: فإذا كان رجلٌ عارفٌ بالتوحيد الذي تدلُّ عليه (لا إله إلا الله) تحقيقًا مصدِّقًا به مسلِّمًا راضيًا ملتزمًا عالمًا بموجَبه ولكنه لا يعلم معنى (لا إله إلا الله)، ومع ذلك يقولها امتثالًا مؤمنًا بها إجمالًا؟
قلت: أمَّا هذا فالأمر فيه قريبٌ، ولكن الغالب أن الجاهل بمعنى (لا إله إلا الله) يكون جاهلًا بحقيقة التوحيد، ومَن كان كذلك يُخشى عليه أن يكون مشركًا وهو لا يشعر، [٢٣] أو أن يعرض له الشرك فيقبله وهو لا يدري، أو أن يرمي غيره من المسلمين بالشرك، [ب ١٧] وكلا الأمرين خطرٌ شديدٌ.
(٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٩].
وقال جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) [٢٤] وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٥].
وقال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢].
[ب ١٨] وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩].
وقال : ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣ - ٢١٤].
وقال جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
وقال ﵎: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [المؤمن: ١٨].
هذا مع أن الله قد عصم ملائكته وأنبياءه وخاتمهم عليهم الصلاة والسلام من الشرك ومما هو دونه, ولكن نَبَّه بما تقدَّم من الآيات المتعلقة بهم على عِظَمِ أمر الشرك وخطره، مع أنَّ التعليم والتحذير هو من جملة العصمة.
стр. 131
فصلٌ
ومما يبيِّن فظاعة الشرك وشدَّة بغض الله له: النظر فيما ورد في تعظيم شأن ضدِّه وهو التوحيد.
قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
جاء عن ابن عبَّاسٍ وغيره تفسير العبادة بالتوحيد (١). ووَجْه ذلك: أن الله يحبُّ أن يُعبد العبادة التي يقبلها، وهو لا يقبل إلا العبادة الخالصة التي لا شرك معها.
[٢٥] ومما يبيِّن عظمة شأن التوحيد وشدَّة خطر الشرك: أن أعظم سورة في القرآن، والسورة التي تعدل ثلثه، وإنما هي بضع عشرة كلمة، والسورة التي ورد أنها تعدل ربعه، وأعظم آية في القرآن= كلُّها مبنيَّةٌ على توحيد العبادة.
أما أعظم سورة في القرآن فأمُّ الكتاب.
روى البخاريُّ وغيره عن أبي سعيد بن المعلَّى أن النبيَّ ﵌ قال له: "ألا أعلِّمك أعظم سورةٍ في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ "، فأخذ بيدي، فلما أردنا أن نخرج، قلت: يا رسول الله، إنك قلت: لأعلِّمنَّك أعظم سورةٍ من القرآن، قال: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" (٢).
стр. 132
أشار ﵌ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧].
وجاء نحوه من حديث أُبَيِّ بن كعبٍ وأبي هريرة (١).
وصحَّ في عدَّة أحاديث تسميتها أمَّ الكتاب وأمَّ القرآن. وفي ذلك أوضح الدَّلالة على أنها أعظم السور؛ لأن أمَّ الشيء في اللغة أعظم ما فيه، يُقال للدِّماغ: أمُّ الرأس.
[ب ١٩] ومما يدل على عظمتها: أن الله ﵎ فرض قراءتها في كلِّ ركعةٍ من الصلاة، فانظر كم شُرِع تكرارها كلَّ يومٍ، والصلاة أعظم الفرائض الدينيَّة.
وجاء أن الفاتحة هي الصلاة؛ ففي صحيح مسلمٍ وغيره من حديث أبي هريرة عن النبيِّ صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم: "قال الله تعالى: قَسَمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله تعالى: حمدني [٢٦] عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي" الحديث، فصَّل فيه الفاتحة فقط فجعلها هي الصلاة (٢). ويشهد لذلك تسمية الصلاة صلاةً، فإن الصلاة في اللغة: الدعاء، وليس في الصلاة دعاءٌ أعظم من الفاتحة، والشيء إنما يسمَّى باسم جزئه إذا كان ذلك الجزء كأنه كلُّه.
стр. 133
وبيان كون الفاتحة مبنيَّةً على توحيد العبادة: أن صدر السورة تمهيدٌ لقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
فقوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] معناه كما حقَّقه المفسِّرون وغيرهم: لا نبتدئ بشيءٍ مستعينين به أو متبرِّكين إلا باسم الله الرحمن الرحيم، وتَضَمُّنُ هذا للتوحيد ظاهر.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ معناه على ما حقَّقه المفسرون وغيرهم: كلُّ حمدٍ فهو مستحَقٌّ لله وحده، أي ليس معه تعالى أحدٌ يستحقُّ شيئًا من الحمد، وإيضاحه: أنَّ الكمالات التي يُسْتَحَقُّ عليها الحمد كلُّها لله ؛ فإنَّ ما يُنْسَب إلى غيره من الكمالات فهو أثرٌ من آثار خلقه تعالى وفضله ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
رُوِي عن جعفر بن محمَّد بن عليِّ بن الحسين بن عليٍّ ﵈ قال: فَقَدَ أبي بغلة له فقال: لئن ردَّها الله لأحمدنَّه بمحامد يرضاها، فما لبث أن أُتِيَ بها بسرجها ولجامها، فركبها، فلما استوى عليها وضَمَّ عليه ثيابه، رفع رأسه إلى السماء وقال: الحمد لله، لم يزد عليها، فقيل له في ذلك، فقال: وهل تركتُ أو أبقيتُ شيئًا؟ جعلتُ الحمد كلَّه لله (١).
وإذا كان لا يستحق شيئًا من الحمد إلا الله ، فقد بان من ذلك أنه لا يَستحق غيرُه تعالى شيئًا من العبادة.
стр. 134
قال ابن جريرٍ: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الشكر خالصًا لله جَلَّ ثناؤه دون سائر ما يُعبد من دونه ودون كُلِّ ما يُرَى من خلقه" (١).
[ب ٢٠] ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي مالكهم ومدبِّرهم، بيده ملكوت كلِّ شيءٍ، يدبِّر الأمر كلَّه، فكيف يعبد أحدٌ من عباده المخلوقين المربوبين عبدًا مخلوقًا مربوبًا مثله؟ !
[٢٧] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا إبطالٌ لما توهَّمه بعض المشركين بل جميعهم كما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى في بيان اعتقاد قدماء المصريِّين (٢)، توهَّموا أن الناس لحقارتهم وجهلهم وفجورهم لا ينبغي لهم أو لا يغنيهم التوجُّه إلى مَن له الكبرياء والجلال والعظمة ﵎، بل لا بدَّ لهم أن يتوجَّهوا إلى المقرَّبين عنده كالروحانيِّين والصالحين ليكونوا شفعاءهم عند الله ويقرِّبوهم إليه زُلفى؛ لأنهم متوسِّطون بين الجبار وبين سائر الخلق، فدرجتهم لا ترفعهم عن الالتفات إلى العامَّة ولا تضعهم عن نظر الجبَّار تعالى إليهم وقبول شفاعتهم.
ويقول بعضهم: إذا كثرت ذنوب الإنسان كان حريًّا بألَّا تناله رحمة العزيز الجبَّار إلا أن يشفع له أحد المقرَّبين، وهذا جهلٌ برحمة الله تعالى التي قال فيها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقال جلَّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾، إلى قوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [المؤمن: ٧]. وسيأتي بسط هذا المعنى إن شاء الله تعالى.
стр. 135
[٢٨] ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيه ردٌّ على مَن يقول: أما الدنيا فإن الله ﵎ يوسِّع فيها على البرِّ والفاجر؛ فيمكن ألَّا يحتاج المخلوق فيها إلى شفاعةٍ، وأما الآخرة فلا غنى فيها عن الشفاعة؛ فأخبر الله تعالى أنه مالك يوم الدِّين بما فيه، فهو الذي يملك الشفاعة والشافعَ والمشفوعَ له، ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦].
فمَن تدبَّر الآيات المتقدِّمة من الفاتحة واستحضر ما تضمنته من دلائل التوحيد لم يبقَ عنده ريب في أنَّ الله هو وحده المستحق للعبادة، فإذا كان مع ذلك مستحضرًا أنه قائمٌ بين يدي ربِّ العالمين يثني عليه ويتضرَّع إليه، لم يتمالك نفسه أن يقول بلسانه وقلبه وعقله: [ب ٢١] ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ومعنى ذلك كما أطبق عليه المفسرون وأهل العربية وأهل المعاني: نَخُصُّك اللَّهمَّ بعبادتنا ونَخُصُّك باستعانتنا، أي: لا نعبد غيرك، ولا نستعين أحدًا سواك.
وعبارة ابن جريرٍ: "وتأويل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لك اللهم نخشع ونذلّ ونستكين إقرارًا لك يا ربنا بالربوبيَّة". ثم روى بسنده عن ابن عبَّاسٍ قال: "قال جبريل لمحمَّدٍ ﵌: قل يا محمَّد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ نُوَحِّد ونخاف ونرجو يا ربَّنا لا غيرك"، إلى أن قال ابن جريرٍ: "ومعنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: وإيَّاك ربنا نستعين على عبادتنا إياك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها لا أحدًا سواك، إذ كان مَنْ يكفر [٢٩] بك يستعين بسواك، ونحن
стр. 136
بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة". ثم روى بسنده عن ابن عبَّاسٍ: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: "إيَّاك نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلِّها" (١).
وعلاقة بقيَّة السورة بالتوحيد تظهر بالتدبُّر.
ثم رأيت في نظم الدرر للعلامة البقاعيِّ تلميذ الحافظ ابن حجرٍ في الكلام على الفاتحة ما لفظه: "فالغرض الذي سيقت له الفاتحة هو: إثبات استحقاق الله تعالى لجميع المحامد وصفات الكمال واختصاصه بملك الدنيا والآخرة وباستحقاق العبادة .... ، ومدار ذلك كله مراقبة العباد لربهم. والمقصود من جَمْعهم تعريفهم بالمَلِكِ وبما يرضيه وهو إفراده بالعبادة، وهو مقصود القرآن الذي انتظمته الفاتحة لإفراده بالعبادة فهو مقصود الفاتحة بالذات، وغيره وسائل إليه ..... ؛ لأن [المقصود من] (٢) إرسال الرسل وإنزال الكتب: نصبُ الشرائع، والمقصود من نصب الشرائع: جمع الخلق على الحق، والمقصود من جمعهم: تعريفهم بالملِك وبما يرضيه، وهو إفراده بالعبادة، وهو مقصود القرآن الذي انتظمته الفاتحة بالقصد الأوَّل" (٣).
أقول: ويتلخَّص من كلامه بإيضاحٍ أنَّ مقصود الشرائع مجموعٌ في
стр. 137
الإسلام، ومقصود الإسلام مضمَّنٌ في القرآن، ومقصود القرآن منتظمٌ في الفاتحة، ومقصود الفاتحة في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. وتقرير هذا يُحْوِج إلى إطالةٍ، ويكفي في إثباته قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
[ب ٢٢] وأما السورة التي تعدل ثلث القرآن، فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ففي صحيح البخاري "عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، يردِّدها فلما أصبح جاء إلى رسول الله ﵌ فذكر ذلك له، وكأَن الرجل يتقالُّها، فقال رسول الله ﵌: "والذي نفسي بيده، إنها لتعدِل ثلثَ القرآن"" (١).
وفي صحيح مسلم "عن أبي الدرداء عن النبي ﵌ قال: أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلته ثلث القرآن؟ قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن". وفيه: "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: احشُدوا (٢) فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فحشَد مَن حشَد، ثم خرج نبيُّ الله ﵌، فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. ثم دخل فقال بعضنا لبعض: إني أرى هذا خبرٌ (٣) جاءه من السماء فذاك الذي أدخله، ثم خرج نبيُّ الله صلى الله عليه
стр. 138
وآله وسلم فقال: إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا إنها تعدل ثلث القرآن" (١).
وفي الصحيحين وغيرهما أحاديث أخرى في هذا المعنى وفي فضلها.
فأما بناؤها على توحيد العبادة فإن قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ معناه عند السلف ما لخَّصه ابن جرير في قوله: "هو الله الذي له عبادة كل شيء، لا تنبغي العبادة إلا له ولا تصلح لشيء سواه" (٢).
ومَن حمله على أَحديَّة الذات أو على ما يشمل الأمرين فالمراد بأحديَّة الذات، والله أعلم، الرَّدُّ على النصارى في قولهم: (ثلاثة أقانيم)، وانجرُّوا بذلك إلى القول بأن عيسى إله يستحق العبادة، وسيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح ذلك، وعلى هذا فإثبات أحديَّة الذات مقصود منه إثبات الأحديَّة في استحقاق العبادة.
﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾، ساق ابن جرير آثارًا في تفسيره ثم قال: "قال أبو جعفر: الصمد عند العرب هو السيد الذي يُصْمَد إليه، الذي لا أحد فوقه، وكذلك تسمِّي أشرافَها، ومنه قول الشاعر (٣):
стр. 139
ألا بكَّر الناعي بخيري بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيِّد الصَّمَد
وقال الزِّبْرِقان (١):
ولا رهينة إلا سيِّد صمد
فإذا كان كذلك فالذي هو أولى بتأويل الكلمة المعنى المعروف من كلام مَن نزل القرآن بلسانه" (٢).
[ب ٢٣] وفي الكشاف (٣): "الصمد فَعَل بمعنى مفعول من صمد إليه إذا قصده وهو السيد المصمود إليه في الحوائج".
أقول: وإنما زاد ابن جرير قوله: "الذي لا أحد فوقه" لما فهمه والله أعلم من الحصر في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، أي: لا صَمَد إلَّا الله، وقد نص غيره على الحصر وأنه لأجله عُرِّف (الصمد) دون (أحد)؛ لأن المشركين لم يدَّعوا الأحديَّة لغير الله ، وإنما ادَّعوا الصمدية فأتى بالحصر ردًّا عليهم. وقد نص أهل البلاغة في بحث المسند أنَّ نحو "زيد الأمير" قد يفيد القصر، أي: لا أمير إلا زيد.
وكأن ابن جرير رأى أن غير الله تعالى قد يصمد الناس إليه كالملوك والرؤساء وأن الصمْد إليهم قد يكون مباحًا، فرأى أنه لا يتأتَّى الحصرُ إلا مع
стр. 140
الزيادة المذكورة "الذي لا أحد فوقه"، والصواب: أنه لا حاجة إليها، ولكن الصمد في الآية صمد خاص تعيِّنه القرائن، وسيأتي بيانه في تحقيق الدعاء إن شاء الله تعالى، وهذا الصَّمْد الخاصُّ عبادة لا يستحقه إلَّا الله تعالى.
﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ردٌّ على من زعم أن لله تعالى ولدًا، ومنهم مشركو العرب في قولهم: (الملائكة بنات الله)، والنصارى في شأن عيسى وغيرهم، وهؤلاء زعموا لله تعالى ولدًا ثم أشركوا ذلك المزعوم أنه ولد في العبادة، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.
﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ فيه رد على النصارى في قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧، ٧٢]، ثم عبدوه مع أنه مولود.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ فيه [ردٌّ] (١) على جميع أصناف المشركين الذين يؤلهون غير الله، فإنهم يجعلونهم أكفاءً له من حيث استحقاق العبادة وإن كانوا لا يسوُّونهم به في كل شيء، وسيأتي إيضاح هذا إن شاء الله تعالى. ولبناء هذه السورة على توحيد العبادة سميت سورة الإخلاص، والله أعلم.
وأما السورة التي ورد فيها أنها تعدل ربع القرآن فـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ففي روح المعاني (٢): "وجاء في حديث أخرجه الطبراني في الأوسط (٣) عن ابن عمر مرفوعًا، وفي آخر أخرجه في
стр. 141
الصغير (١) عن سعد بن أبي وقاص كذلك أنها تعدل ربع القرآن".
وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم وغيرهم من طريق فروة بن نوفل الأشجعي، عن أبيه أنه أتى النبيَّ ﵌ فقال: يا رسول الله علِّمني شيئًا أقوله إذا أويت إلى فراشي، قال: "اقرأ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فإنها براءة من الشرك". قال الحاكم: "صحيح الإسناد" وأقره الذهبي (٢).
стр. 142
وجاء نحوه من حديث جَبَلة بن حارثة (١)، وهو كما في الإصابة في ترجمته: "حديث متصل صحيح الإسناد" (٢).
[ب ٢٤] وورد نحوه من حديث أنس، أخرجه البيهقي في الشعب (٣)، ومن حديث خبَّاب أخرجه البزار وابن مردويه (٤)، ذكرهما في روح
стр. 143
المعاني (١) قال: "وأخرج أبو يعلى والطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: "ألا أدلُّكم على كلمة تنجيكم من الإشراك بالله؟ تقرؤون: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ عند منامكم" (٢).
فأما بناؤها على توحيد العبادة فظاهر.
وأما الآية فآية الكرسي؛ ففي صحيح مسلم وغيره "عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله تعالى معك أعظم؟ قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، قال: فضرب في صدري: وقال: والله ليَهْنِك العلمُ، أبا المنذر" (٣).
وقد وردت في فضلها أحاديث أخرى لا حاجة إلى ذكرها هنا.
وأما بيان بنائها على توحيد العبادة فهاكه:
стр. 144
قال تعالى في الآية التي قبلها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
المراد، والله أعلم، بنفي الخلَّة: ما لم يكن في طاعته، كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وهذه الآية تقدَّمها في سورة الزخرف ذكر شأن مشركي العرب في عبادتهم الملائكة، وقولهم: "بنات الله"، وذكر شأن النصارى في عبادتهم عيسى وقولهم: "ابن الله"، فيظهر من هذا أن قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾ الآية فيه إشارة إلى ذلك، أي أن مشركي العرب يحبون الملائكة ويعبدونهم، والنصارى يحبون المسيح ويعبدونه، فإذا كان يوم القيامة كان الملائكة والمسيح أعداء لمن عبدهم من دون الله، وقد بين الله ذلك في مواضع من القرآن كما يأتي إن شاء الله تعالى.
وهكذا قوله: ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ المراد بها، والله أعلم، الشفاعة التي يطمع فيها المشركون من الملائكة وعيسى ونحوهم، فأمر الله المؤمنين ألَّا يتَّكلوا على الشفاعة التي يتَّكل عليها المشركون، ونبَّه على ذلك بقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
ثم رد الله تعالى على الكافرين زعمهم وبيَّن حقيقة الشفاعة بقوله: [٣٠] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبرٌ برهن عليه بما [ب ٢٥] يعترف به المشركون وغيرهم، وهو أنه :
стр. 145
﴿الْحَيُّ﴾ وحياته حياة ذاتية تامة كاملة، نسبة حياة الملائكة والجن والإنس إليها أضعف من نسبة موتهم إلى حياتهم. وإلى هذا ــ والله أعلم ــ أشار سبحانه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١].
المدعوُّون هنا الملائكة أو هُم وغيرهم، وصفهم سبحانه بأنهم أموات غير أحياء، أي بالنظر إلى الحياة الكاملة، وهي حياته . وسيأتي الكلام على هذه الآية إن شاء الله تعالى.
﴿الْقَيُّومُ﴾ قال الراغب (١): "أي القائم الحافظ لكل شيءٍ والمعطي له ما به قوامه، وذلك هو المعنى المذكور في قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: ٣٣] "، ولا أحد سواه تعالى يشاركه في ذلك ولا يقاربه.
﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، فيه توضيح لكمال حياته وقيُّوميَّته.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، بما فيه الداعون من دونه والمدعوون وغيرهم، وكل خير وشر يحتاج المخلوق إلى جلبه أو دفعه.
فهذه الصفات يعترف بها المشركون لله ويعترفون باختصاصه بها؛ فثبت بها أنه سبحانه هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ لأن العبادة إن كانت إجلالًا فالله هو الجليل على الحقيقة، وإن كانت شكرًا فهو المنعم على الحقيقة، وإن كانت استجلابًا لنفعٍ أو استدفاعًا لضرٍّ فهو سبحانه