اللغة العربية، ولا البلاغة القرآنية، والفصل الثاني في احتجاج بعضهم بالحديث الضعيف، واستغرق ذلك سبع صفحات، ثم عاد المؤلِّف فأثبت الكلام الذي حذفه سابقًا في بداية الدفتر الثاني الذي عثرتُ عليه بتوفيق الله، واستمرَّ ترقيم الدفتر الثاني من حيث انتهى الدفتر الأول قبل زيادة سبع الصفحات، ولا يُشوِّشْ عليك تكرُّر الترقيم من ص (٨٥) إلى ص (٩١) في الدفتر الثاني مرَّةً أخرى؛ لأنه الموافق للأصل الأصيل قبل الزيادة، فلزم بقاؤه كما كان.
ومن الأدلَّة على صحَّة موضع هذا الدفتر أنَّ المؤلِّف أحال على عدَّة مواضع منه، وتأكَّدتُّ من مطابقة أرقام الصفحات المحال عليها فإذا فيها المعلومات المُشار إليها سواء بسواء.
سابعًا: ثم رسالة في معنى كلمة التوحيد. بالرقم ٤٧١٣. وأظنها المسوَّدة الأولى للكتاب. واستفدتُّ منها فائدة كبيرة في تكميل النقص الحاصل في الكتاب بسبب الدَّفترين المفقودَيْن بعد الدفترَيْن الأوَّلين. وموضعها بعد الدفتر الثاني مع الفاصل الذي أشرنا إليه عند الحديث عن نسخة (ب)، ورمزت لها بالحرف (س).
ثامنًا: قطعة غير مرقمة ولا مفهرسة، ورمزت لها بالحرف (س) أيضًا، لكن يبدأ ترقيمها بـ (س ١١٥/أ) من حيث انتهى الدفتر الذي قبله.
تاسعًا: رسالة في الكلام في الحكم بغير ما أنزل الله وتفسير آية ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآية، بالرقم ٤٦٥٨/ ٨، وهي صفحة واحدة. وموضعها قبل بداية الدفتر الرابع من نسخة (أ).
стр. 72
عاشرًا: الدفتر الرابع من كتاب العبادة. وهو محفوظ في مكتبة الحرم المكي بالرقم العام ٤٩٣٧. وهو متسلسل الصفحات بدءًا بـ ص ٢٨٩ وانتهاء بـ ص ٣٩٦، ثم تتصل ببقية صفحات نسخة (أ) ابتداءً بـ ص ٣٩٧ إلى ص ٧٤١، وهي آخر ما عُرف من الكتاب.
* عاشرًا: عملي في الكتاب، و منهج التحقيق .
١ - قمت بنسخ الرسالة، ووضعتُ رقم صفحة المخطوط بين معقوفين أمام بداية كلِّ صفحة من صفحات المخطوط.
٢ - ميَّزتُ بالحرف (ز) أرقامَ صفحات المخطوط التي زدتُّها من القطع الثلاث التي وضعتُها في أوائل الكتاب، وعلَّمتُ بالحرف (س) أرقامَ صفحات المخطوط التي أضفتُها من نسخة (س) ورديفتها غير المرقمة، تمييزًا بين الأرقام المتشابهة، كما ميَّزتُ بالحرف (ب) أرقام صفحات نسخة (ب).
٣ - قابلت الرسالة بعد نسخها بالأصل مرتين.
٤ - قام المؤلف بعزو الآيات إلى سورها، وتخريج الأحاديث وتوثيق الأقوال غالبًا، واستكملت النقص في القضايا الثلاث عند الحاجة، وعلَّقت على ما رأيته بحاجة إلى تعليق.
٥ - ترجمتُ للأعلام الواردين في الرسالة ممن رأيته يحتاج إلى التعريف به.
٦ - أثبت تعليقات المؤلف في الحاشية وختمتها بـ (المؤلف).
٧ - عرَّفت بالبلدان المغمورة غير المشهورة.
٨ - خرَّجت الأبيات الشعريَّة.
٩ - شرحت الألفاظ الغريبة.
стр. 73
١٠ - أمّا ما يتعلَّق بتخريج الأحاديث، فقد التزمت ذكر الكتاب والباب ورقم الحديث، وكذلك رقم الجزء والصفحة إذا أغفلهما المؤلِّف دون تمييز لزياداتي على المؤلِّف لكثرة ذلك، ولأن المؤلف مال أخيرًا إلى الاكتفاء بذكر الكتاب والباب دون ذكر الجزء والصفحة كما صنع في نسختَيْ (ب) و (ز).
١١ - في إصلاح الخطأ وإكمال النقص سلكت الآتي:
أقمت بتصحيح ما كان مخالفًا لقواعد العربية مع التنبيه عليه.
ب أصلحتُ ما وقع من الأخطاء في نصوص الآيات القرآنية وإحالاتها، دون تنبيه.
ت للمؤلِّف بعض الرموز والاختصارات، مثل: (هـ) و (اهـ)، اختصارًا للفظ (انتهى)، وقد يكتبها كاملة، وذلك في آخر النصوص التي ينقلها أحيانًا، فأبقيت ذلك كلَّه عدا الأول، فقد جعلته هكذا: (اهـ). وقد يجرِّد اسم السورة من أداة التعريف عند عزو الآيات إلى سورها، ويخلي أحيانًا اسم الكتاب من أداة التعريف كذلك، فأكملت ذلك كلَّه دون تنبيه، اكتفاء بما ذكرته هنا.
١٢ - قدَّمت للرسالة بمقدِّمة تضمَّنت تحديد عنوان الكتاب وتحقيق نسبته إلى المؤلف، مع ذكر تاريخ تأليفه له، وبيان أهمية الكتاب وقيمته العلمية، وبيان منهج المصنف، وموارده وطبعات الكتاب ووصفًا للنسخ المخطوطة، وبيان موضوع الرسالة وموضوعاتها.
رسالة العبادة
(رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله
والفرق بين التوحيد والشرك بالله)
للعلَّامة
أبي عبد الله عبد الرحمن بن يحيى بن علي
المعلِّميِّ اليمانيِّ المكِّيِّ
١٣١٢ - ١٣٨٧ هـ
تحقيق
عثمان بن معلِّم محمود بن شيخ علي
стр. 97
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي خلق الجنَّ والإنس ليعبدوه، وبعث إليهم رسله ليوحِّدوه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ، كما صلَّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإني تدبَّرت الخلاف المستطير بين الأمَّة في القرون المتأخِّرة في شأن الاستعانة بالصالحين الموتى، وتعظيم قبورهم ومشاهدهم، وتعظيم بعض المشايخ الأحياء، وزَعْم بعض الأمَّة في كثيرٍ من ذلك أنه شركٌ، وبعضِها أنه بدعةٌ، وبعضِها أنه من الحقِّ، ورأيتُ كثيرًا من الناس قد وقعوا في تعظيم الكواكب والروحانيِّين والجنِّ بما يطول شرحه، وبعضه موجودٌ في كتب التنجيم والتعزيم كـ"شمس المعارف" (١) وغيره، وعلمتُ أن مسلمًا من المسلمين لا يُقْدِمُ على ما يعلم أنه شركٌ، ولا على تكفير مَن يعلمُ أنه غير كافرٍ، ولكنه وقع الاختلاف في حقيقة الشرك، فنظرتُ في حقيقة الشرك؛ فإذا هو ــ بالاتِّفاق ــ: اتِّخاذ غير الله إلهًا من دونه، أو عبادة غير الله ، فاتَّجه النظرُ إلى معنى الإله والعبادة؛ فإذا فيه اشتباهٌ شديدٌ؛ فإنَّ المعروف في تفسير (إله) قولهم: (معبود)، أو: (معبود بحق)، ومعنى العبادة
стр. 98
مشتبهٌ جدًّا ــ كما ستراه إن شاء الله تعالى ــ، فعلمتُ أن ذلك [٢] الاشتباه هو سبب الخلاف، وإذا الخطر أشدُّ مما يُظَنُّ؛ لأن الجهل بمعنى (إله) يلزمه الجهل بمعنى كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله)، وهي أساس الإسلام وأساس جميع الشرائع الحقَّة من قبل، قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وقد دلَّ الكتاب والسنة والإجماع والمعقول على أنَّه لا يكفي النطق بها بدون معرفة معناها. وإيضاح ذلك أن الاعتداد بالنطق بها له شروطٌ:
منها: أن يكون على سبيل الاعتراف؛ للقطع بأن المشرك إذا نطق بها حكايةً عن غيره لا يُعْتَدُّ بذلك؛ كالمسلم إذا نطق بكلمة الكفر حكايةً عن غيره، وأنت خبير أن العبارة لا يُحْكَم بكونها اعترافًا حتى يُعْلَم أن المتكلِّم بها يعرف معناها، فلو أثبت زيدٌ على إنسانٍ أعجميٍّ أنه قال: أنا رقيقٌ لزيدٍ، ووجدنا هذا الأعجميَّ لا يعرف العربيَّة ولا يعرف معنى هذه العبارة، وإنما لقَّنوه إيَّاها بدون إعلامه بمعناها، لم يُعْتَدَّ باعترافه، وهذا مما لا خلاف فيه أصلًا.
[ب ٢] ومنها: العلم بمضمونها، والعلم هو الذي يُعَبِّرُ عنه أهل الكلام بالتصديق، وقيل: التصديق أخصُّ، قال الله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩].
[٣] وقال : ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. فقيَّد نفع الشهادة, قيَّده بالعلم بالمشهود به.
стр. 99
قال ابن جريرٍ في تفسيرها: "اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولا يملك عيسى وعزيرٌ والملائكة الذين يعبدهم هؤلاء المشركون بالله (١) الشفاعة عند الله لأحدٍ إلا مَن شهد بالحق فوحَّد الله وأطاعه على علمٍ (٢) منه بتوحيد الله وصحَّة ما (٣) جاءت به رسله".
ثم أسند نحوه عن مجاهد، وفيه: "إلا مَن شهد بالحقِّ، وهو يعلم الحقَّ".
ثم قال: "وقال آخرون: عُنِيَ بذلك: ولا تملك الآلهة التي يدعوها المشركون ويعبدونها من دون الله الشفاعة، إلا عيسى وعزيرٌ وذووهما والملائكة الذين شهدوا بالحقِّ فأقروا به وهم يعلمون حقيقة ما شهدوا به".
ثم أسند نحوه عن قتادة، ثم قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله تعالى ذِكْره أخبر أنه لا يملك الذين يعبدهم المشركون من دون الله الشفاعة عنده لأحدٍ إلا مَن شهد بالحق، وشهادته بالحق هو إقراره بتوحيد الله، يعني: إلا مَن آمن بالله وهم يعلمون حقيقة توحيده" (٤).
стр. 100
وقال الله ﵎: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ [٤] لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤].
وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١].
وفي القرآن آياتٌ كثيرةٌ في المنافقين تبيِّن هذا المعنى.
وفي صحيح مسلمٍ عن عثمان قال: قال رسول الله ﵌: "مَن مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة" (١).
وفيه عن عمر قال: كنا مع النبيِّ ﵌ في مسيرٍ، فذكر الحديث، وفيه: فقال ــ يعني النبيَّ ﵌ ــ عند ذلك: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنِّي رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة" (٢).
وفيه عن أبي هريرة عن النبيِّ ﵌ من حديث طويل: "فَمَنْ لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة" (٣).
стр. 101
وفي صحيح البخاريِّ عن أبي هريرة عن النبيِّ ﵌ قال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة مَن قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه أو نفسه" (١).
[ب ٣] وفيه عن معاذٍ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله [٥] وسلَّم قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حَرَّمه الله على النار" (٢). وأصل الحديث في صحيح مسلمٍ (٣).
وحديث الصحيحين وغيرهما في سؤال القبر سيأتي في الكلام على التقليد (٤) إن شاء الله تعالى.
واعلم أن هذا الشرط مجمعٌ عليه أيضًا، فأما ما نُقِل عن الكرّامية من أن الإيمان هو النطق بالشهادتين فقط، وأن المنافق مؤمنٌ حقيقةً، فهو نزاع لفظي؛ لأنهم يقولون: إن هذا الإيمان الذي هو النطق إنما هو بالنظر إلى الأحكام الدنيوية (٥)، فأما النجاة من النار فلا بدَّ فيها من التصديق القلبيِّ.
стр. 102
هكذا نقله عنهم الشهرستاني (١)، والسعد التفتازاني (٢) وغيرهما. هذا، مع مخالفة قولهم للنصوص القرآنية والنبويَّة والإجماع السابق قبلهم.
إذا تقرَّر ما ذُكِر فلا ريب أن الجاهل بمعنى (لا إله إلا الله) لا علم له بمضمونها، ولا يصحُّ أن يُقال: شهد بها "وهو يعلم"، "مؤمنًا بها قلبه"، "غير شاكٍّ"، "مستيقنًا بها قلبه"، "خالصًا من قلبه أو نفسه"، "صدقًا من قلبه"، فتدبَّرْ.
وفي فتح الباري عن الحليميِّ (٣): "لو قال الوثنيُّ: "لا إله إلا الله" وكان يزعم أن الصنم يقرِّبه إلى الله لم يكن مؤمنًا حتى يتبرّأ من عبادة الصنم" (٤).
ومنها: التسليم، ويُعَبَّر عنه بالرضا، واكتفى جماعة عنه بالتصديق، زاعمين أنه يتضمنه. قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا [٦] فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وفي صحيح مسلمٍ من حديث العباس بن عبد المطلب قال: قال
стр. 103
رسول الله ﵌: "ذاق طعم الإيمان مَن رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّد رسولًا" (١)، وقال الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١ - ١٠٢].
وقال سبحانه: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٢ - ١٤].
فعُلِم من هذه الآيات أن فرعون وقومه كانوا عالمين مستيقنين، ولم ينفعهم ذلك لعنادهم؛ إذ لم يعترفوا ولم يُسَلِّموا ولم يرضوا. ومَنْ لا يعلم معنى (لا إله إلا الله) لا يدلُّ تسليمه ورضاه بقولها على تسليمه ورضاه بمدلولها.
ومنها: أن يكون النطق بها على وجه الالتزام، أعني: التزام أن يعمل طول عمره بمقتضاها، وألا يخالفه. وأدلَّته أكثر من أن تحصى.
[ب ٤] قال الله ﵎: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
اتَّفق المفسِّرون على أن قوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إلخ تفسيرٌ لقوله:
стр. 104
﴿كَلِمَةٍ﴾. وقال ابن جريرٍ: "وقال آخرون: هو قول "لا إله إلا الله"". ثم أسند عن أبي العالية قال: "كلمة السواء: لا إله إلا الله" (١).
أقول: ويبيِّنه أن النبيَّ ﵌ كان يدعو إلى (لا إله إلا الله). وفي قوله تعالى في الآية: ﴿كَلِمَةٍ﴾ ما يرشد إلى ذلك.
فيتحصَّل مما ذُكِر أن قوله تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بسطٌ لمعنى (لا إله إلا الله). وقد تضمَّن قوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إلخ الالتزام، فاتَّضح بذلك أن (لا إله إلا الله) تتضمَّن الالتزام، وهو المطلوب.
[٧] وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقد فُسِّر قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ في آياتٍ أخرى.
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلى أن قال: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ الآيات [الأعراف: ٦٤ - ٧٠]. وجاء نحو هذا في قصة صالحٍ (٢)، وشعيبٍ (٣)،
стр. 105
وجاء نحوه في سورة هودٍ، ونحوه عن نوحٍ (١).
ودلالة هذه الآيات على الالتزام واضحةٌ، وهي مفسِّرةٌ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ في الأنبياء.
فظهر من ذلك تضمُّن الكلمة الطيِّبة للالتزام، وأن المطلوب من الخلق أن يقولوها على سبيل الالتزام.
وإيضاحه: أن هذه الآيات تصرِّح بأن إرسال الرسل إلى قومهم كان لدعوتهم إلى أن يعبدوا الله ويذروا عبادة غيره، وإجابة الرسل معناها قبول ما أُرسِلوا به. ولما جُعِلَت الشهادة إعلانًا بقبول ما أُرسِل به الرسل كانت متضمِّنةً التزامَ الشاهد أن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا.
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة في حديث جبريل ﵇، إذ سأل النبيَّ ﵌ عن الإيمان والإسلام، قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به" (٢).
وفي صحيح مسلمٍ حديث عمر في هذه القصة: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله" (٣).
стр. 106
قال في الفتح: "ولما عَبَّر الراوي بالعبادة احتاج أن يوضِّحها بقوله: "ولا تشرك به شيئًا"، ولم يحتج إليها في رواية عمر؛ لاستلزامها ذلك" (١).
[٨] وفي الصحيحين أيضًا حديث ابن عبَّاسٍ في قصَّة وفد عبد القيس، وفيه: أمرهم بأربعٍ، ونهاهم عن أربعٍ. أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا رسول الله ... " (٢).
[ب ٥] وفي صحيح مسلمٍ من حديث أبي سعيدٍ في هذه القصة: "آمركم بأربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا ... " (٣).
فيُعلَم بما تقدَّم أن الصحابة ﵃ كانوا يرون اتِّحاد معنى شهادة أن لا إله إلا الله ومعنى التزام عبادة الله وعدم الشرك به، وهو المطلوب، والله أعلم.
هذا، ومَن تدبَّر تبيَّن له أن الشروط السابقة ــ وهي الاعتراف والتصديق والتسليم والرضا ــ إنما هي بمثابة الوسيلة للالتزام، وكأنه المقصود.
بل لو قيل بأن جانب الالتزام هو المغلَّب في شهادة أن لا إله إلا الله لما كان بعيدًا، بدلالة الاكتفاء بها من المشرك المحارب وإن لم يسمع شيئًا من البراهين المبطلة للشرك.
стр. 107
وفي حديث أسامة قال: بعثنا رسول الله ﵌ إلى الحُرَقة من جهينة، قال: فصبَّحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقت أنا ورجلٌ من الأنصار رجلًا منهم، قال: فلما غشيناه قال: (لا إله إلا الله)، قال: فكفَّ عنه الأنصاريُّ، فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، قال: فقال لي: "يا أسامة، أقتلته بعد ما قال: (لا إله إلا الله)؟ " قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوِّذًا، قال: "أقتلته بعد أن قال: (لا إله إلا الله)؟ " قال: فما زال يكرِّرها عليَّ حتى تمنَّيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم (١).
وفي حديث المقداد أنه قال: يا رسول الله، إن لقيتُ كافرًا فاقتتلنا، فضرب يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ بشجرةٍ، وقال: أسلمتُ لله، آقتله بعد أن قالها؟ قال رسول الله ﵌: "لا تقتله". قال: يا رسول الله، فإنه طرح إحدى يديَّ ثم قال ذلك بعد ما قطعها، آقتله؟ قال: "لا تقتله؛ فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" (٢).
وفي حديث ابن عمر "قال: بعث النبيُّ ﷺ خالد بن الوليد إلى بني
стр. 108
جَذِيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: (أسلمنا)، فجعلوا يقولون: (صبأنا) فجعل خالدٌ يقتل ويأسر" الحديث، وفي آخره: فرفع النبيُّ ﷺ يده، فقال: "اللهمَّ إني أبرأ إليك مما صنع خالدٌ" (١).
وفي حديث أنسٍ: ... فجاء أبو طلحة فخطب أمَّ سُلَيمٍ، وهي أمُّ أنس، فكلَّمها في ذلك، فقالت: يا أبا طلحة، ما مثلُك يُرَدُّ، ولكنك امرؤٌ كافرٌ، وأنا امرأةٌ مسلمةٌ، لا يصلح لي أن أتزوَّجك. فذكر الحديث، وفيه: فانطلق أبو طلحة يريد النبيَّ ﷺ ، ورسول الله جالس في أصحابه، [ب ٦] فلما رآه [٩] قال: "جاءكم أبو طلحة، غُرَّة الإسلام بين عينيه" الحديث (٢).
بل قال الله ﵎: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤].
فهؤلاء شهدوا أن لا إله إلا الله على سبيل الالتزام وقُبِلَتْ منهم مع شهادة الله تعالى عليهم بأنه لم يدخل الإيمان في قلوبهم، وبذلك انتفى صدقُ الاعتراف، وانتفى التصديقُ، وانتفى الرضا الحقيقي، فلم يبق إلَّا الالتزام، فتدبَّرْ.
وقد قال العلماء: إن (لمَّا) النافية تشعر بأن المنفيَّ سيقع بعدُ، وعلى
стр. 109
هذا ففي الآية وَعْدٌ من الله لهؤلاء القوم بأنه سيدخل الإيمان في قلوبهم، وقد وعدهم صريحًا بقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، فيُعلَم من هذا أن هؤلاء لم يكونوا من المنافقين؛ فإن الله تعالى وعد هؤلاء بما سمعت، وأوعد المنافقين بأن يُضِلَّهم ويزيدَهم مرضًا ورِجْسًا.
والفرق بين الفريقين أنَّ المنافقين التزموا بألسنتهم وكانوا ينقضونه في السرِّ بالتكذيب والطعن والعدوان والسعي بالفساد وكيد الإسلام وأهله. وأما هؤلاء الأعراب فإنهم التزموا ووفَوْا بما التزموه وإن لم يكن قد دخل الإيمان في قلوبهم، فتدبَّرْ.
ثم رأيت الإمام الشافعيَّ رحمه الله تعالى قد ألمَّ بهذا في كتاب (إبطال الاستحسان)، قال: "ثم أَطْلَع الله رسولَه على قومٍ يظهرون الإسلام ويُسِرُّون غيره .... فقال لنبيِّه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ... ﴾ [الحجرات: ١٤].
قال الشافعيُّ: ﴿أَسْلَمْنَا﴾، يعني: أسلمنا بالقول بالإيمان مخافة القتل والسِّباء، ثم أخبر أنه يجزيهم إن أطاعوا الله ورسوله، يعني: إن أحدثوا طاعة الله ورسوله، وقال له في المنافقين وهم صنفٌ ثانٍ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ... ﴾ [المنافقون: ١] " (١).
محلُّ الشاهد قوله في المنافقين: "وهم قسم ثانٍ" (٢).
والمقصود أن الأحكام الدنيويَّة بُنِيت على الالتزام وحده، ولو ممن عُلِم أنه لم يؤمن قلبه. وبهذا يُعلَم أنَّ ما جاء في بعض روايات حديث أسامة من
стр. 110
قول النبيِّ ﵌: "فهلَّا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا" ليس المراد منه: آمن قلبه أم لا، بل المراد ــ والله أعلم ــ: آلتزم الإسلام بقلبه كما التزمه بلسانه أم لا؟ لأنَّ حرمة القتل لا تتوقَّف على الإيمان بالقلب كما سمعت.
وقال الله : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].
[ب ٧] استثناؤه مَن أُكرِه وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان يدلُّ أن المستثنى منه وهو قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ يعمُّ مَن تظاهر بالكفر وإن لم يكفر قلبه، وإنما استثنى مَن تظاهر بالكفر مكرهًا. وعلى هذا فقوله: ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ يعمُّ مَن تظاهر به مختارًا غير مكرهٍ وإن لم يكفر بقلبه؛ فإن تظاهره بالكفر مختارًا كافٍ في شرح الصدر بالكفر، وذلك أنه بتظاهره بالكفر قد نقض التزامه. وظاهر الآية أن المكرَه إذا كفر وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان قد كفر بعد إيمانه، ولكن لما كان معذورًا وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان عذره الله تعالى، فالعذر مبنيٌّ على الأمرين معًا: الإكراه، واطمئنان القلب بالإيمان، فلا يكفي أحدهما، والله أعلم.
[١٠] ويشهد لهذا قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ