← Акыда

Акыда · id 326

رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 169 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال" (١). هكذا رواه الجماعة عن الزُّهري: ابن جُرَيجٍ ويونُس بن يزيد في الصحيحين، وابن أخي الزُّهري عند البخاري، والليث بن سعدٍ والأوزاعي وابن عُيَينة (٢) عند مسلمٍ، وغيرهم. ووقع في رواية عبد الرزَّاق عن معمرٍ عن الزُّهري عند مسلمٍ: "فقال: لا إله إلا الله"، ورواية الأكثر أثبت، على أن الإمام أحمد أخرج الحديث من طريق ابن جُرَيجٍ: "أخبرني الزُّهري" فذكره، وفيه: "فقال: أسلمت لله، أقاتله يا رسول الله؟ "، فذكر الحديث. ثم قال أحمد: "ثنا عبد الرزَّاق، ثنا معمرٌ"، فذكر أوَّل الحديث، ثم قال: "فذكر الحديث، إلا أنه قال: أقتله أم أدعه؟ " (٣). فظهر بهذا أن في رواية أحمد عن عبد الرزاق عن معمر "فقال: أسلمت لله" كما في رواية ابن جريج قبلها؛ إذ لم يستثن أحمد إلا قوله "أقتله أم أدعه"، فعُلِم أن الباقي سواءٌ، ولو كان في حديثه "لا إله إلا الله" لكان ذكر ذلك أهمَّ من ذكر "أقتله أم أدعه" كما لا يخفى، فقد اختلفت الرواية عن معمرٍ، ولا خفاء أن الترجيح فيها لما يوافق رواية الجمهور.

стр. 247

وفي شرح مسلمٍ للأُبِّيِّ عن القرطبيِّ: فيحتجُّ به للدخول في الإسلام بكلِّ ما يدلُّ على الدخول فيه من قولٍ أو فعلٍ ما يتنزَّل منزلة النطق بالشهادتين، وقد حكم النبي ﵌ بإسلام بني جَذِيمة الذين قتلهم خالدٌ وهم يقولون: "صبأنا صبأنا"، ولم يحسنوا أن يقولوا: "أسلمنا"، فلما بلغ ذلك النبيَّ ﵌ رفع يديه إلى السماء، وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالدٌ"، ثم وداهم ﵌ (١). قال الأُبِّيُّ: "وكان الشيخ ــ يعني شيخه أبا عبد الله محمد بن عرفة ــ يقول: كلمة: "أسلمت لله" إنما توجب الكفَّ عن القتل ثم يستَفهم بعد ذلك"، قال الأُبِّيُّ: "وهو خلاف ما دلَّ عليه الحديث" (٢). أقول: وذلك من وجهين، الأول: أنه ﵌ أطلق النهي ولم يقل: لا تقتله حتى تستفهمه وتعرض عليه النطق بالشهادتين، فإن أبى فاقتله، أو نحو ذلك. الثاني: قوله: "فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله" والمعنى الظاهر من هذا أنه مسلم، والظاهر حجة. فائدة: اختلف في معنى قوله: "وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته". ولا نزاع أن الظاهر "وأنت كافر"، ولكن الجمهور أبوا هذا؛ لأن من أصلهم أن ارتكاب

стр. 248

الكبيرة ليس بكفر. وأجيب بأن المعنى: إن قتلته مستحلًّا لقتله، ولا نزاع أن استحلال الحرام القطعي كفر. ولم يرتضوا هذا؛ يرون أنه ليس في الكلام ما يدل على هذا القيد. وأنت إذا تأملت وجدت الدلالة واضحة فإن سؤال المقداد إنما قصد به معرفة الحلِّ أو الحرمة لعلمه أنَّ النبيَّ ﵌ إذا أذن في القتل كان حلالًا، فقوله: أأقتله؟ في قوَّة قوله: أيحلُّ لي قتله؟ أو: أأستحلُّ قتله؟ وبحسب هذا يكون الجواب (١) قوله ﵌: "فإن قتلته" في قوَّة قوله: "فإن استحلَلْت قتله"، والله أعلم. وقصَّة بني جَذِيمة التي أشار إليها القرطبيُّ هي في صحيح البخاريِّ (٢). وفيها من قول ابن عمر: "فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا وجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا"، وهذا ظاهرٌ أنهم لو قالوا: (أسلمنا) ما اشتبه الأمر على خالدٍ. [ز ٣٦] وفي الصحيحين في حديث أسامة لما صمد في الجهاد لرجل ليقتله فقال الرجل: لا إله إلا الله، فقتله أسامة فَلامَه النبيُّ ﵌، قال أسامة: "حتى تمنَّيت أني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم" (٣).

стр. 249

وفي رواية لمسلمٍ أنَّ النبيَّ ﵌ قال لأسامة: "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا أتتك يوم القيامة؟ " وكرَّر ذلك، وهذا ظاهرٌ في حكمه ﵌ بإسلام الرجل مع أنه لم يأت بلفظ: "أشهد" ولا بشهادة أن محمَّدًا رسول الله، ما ذاك إلا أن الظاهر من قوله: لا إله إلا الله، أنه أراد بها الدخول في الإسلام. وفي صحيح مسلمٍ من حديث عائشة في قصَّة المشرك الذي اتَّبع النبيِّ ﵌ في طريقه عند خروجه إلى بدر "قال له رسول الله ﵌: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك"، وفيه أنه رجع ثم عاد كذلك قالت: "ثم رجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم، فقال له رسول الله ﵌: فانطلق" (١). وفيه في قصة العقيليِّ: أسره المسلمون وأوثقوه، فمرَّ به النبيُّ ﵌، فناداه: يا محمَّد، يا محمَّد، فرجع النبيُّ ﵌، فكلَّمه، ثم مضى. فناداه ثانيًا، فرجع إليه، فقال: إني مسلمٌ، قال: "لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كلَّ الفلاح" (٢).

стр. 250

وفيه أن تلك الكلمة ضامنةٌ لأن يفلح كلَّ الفلاح لولا أنه قالها وهو لا يملك أمره، والفلاح كلُّ الفلاح هو النجاة في الآخرة، فثبت أن تلك الكلمة إسلامٌ لو قالها وهو يملك أمره. فإن قيل: يمكن أن يكون النبي ﵌ إنما كان يكتفي بنحو "أسلمتُ لله" بعد أن اشتهر أمر الإسلام وأنه يدعو إلى الشهادتين، وكان العرب يعرفون معناهما، فقام قولُ أحدهم: "أسلمتُ لله" ــ مع معرفته لما ذُكِر ــ مقامَ إتيانه بالشهادتين عارفًا بمعناهما. قلت: يكفي في ردِّ هذا قصة بني جذيمة، فإنها كانت في أواخر السنة الثامنة للهجرة، ومع ذلك لم يحسنوا أن يقولوا: "أسلمنا"، فكيف يُظَنُّ بهم معرفة ما هو أخفى من ذلك؟ على أنه قد سلف أن العرب مع معرفتهم أصل معنى الإله كانت تشتبه عليهم أشياء، فلم يكونوا يعلمون أن من طاعة الرؤساء وقبول وسوسة الشيطان واتِّباع الهوى ما هو تأليهٌ لهذه الأشياء، وكذلك ما يقع في الرقى والتِّوَلة والقسم بغير الله مما كان يشتبه على الصحابة حتى بَيَّنَهُ لهم النبيُّ ﵌، وعلى بعض التابعين حتى بَيَّنَهُ لهم الصحابة، ومن ذلك قصَّة ذات أنواطٍ وغيرها. فالذي يقتضيه ما مرَّ أنه يكفي لدخول الكافر في الإسلام أن يتقبَّله مع معرفة أنه دينٌ مشتملٌ على عقائد وأحكامٍ وأنه ملتزمٌ لها سواءٌ أوافقت ما كان عليه أم خالفته، فإنه بذلك يَنْسَلِخُ عن كفره ويُسَلِّم نفسه للإسلام ويلتزمه جملةً؛ والله الموفق.

стр. 251

[ز ٣٧] فصل المنتسبون إلى الإسلام أقسام: الأوَّل: مَن تحكم له أيَّها القارئ بالإسلام، فلا كلام فيه. الثاني: مَن تكفِّره أو تتردَّد فيه لعلَّةٍ غير الشرك، وهذا لا كلام فيه هنا. الثالث: مَن تكفِّره أو تتردَّد فيه لعلَّة الشرك خاصة، وكلامُنا في هذا. فاعلم أن كلَّ مكلَّفٍ مَنْ هؤلاء لا بدَّ أن يكون قد ثبت له حكم الإسلام؛ لأنه لا يخلو أن يكون هو الذي دخل في الإسلام وكان آباؤه على ملَّةٍ أخرى كاليهوديَّة والنصرانيَّة، أو يكون نُسِبَ إلى الإسلام على سبيل التبعيَّة، أَوْ لا. فالذي أسلم هو نفسه قد ثبت له حكم الإسلام. فإذا قلنا: إنه يكفي للدخول في الإسلام كلُّ ما يؤدِّي معنى التزامه فذاك، وإن قلنا: لا بدَّ من الإتيان بالشهادتين مع معرفة معناهما فقد عرفت أن المراد معرفته في الجملة، والعادة مستمرة إلى الآن أن الكافر إذا أراد الدخول في الإسلام يلقِّنُه الناس الشهادتين ويفسِّرون له معناهما فيعرفه في الجملة، يعرف أنه لا مدبِّر بقوَّته الذاتيَّة إلا الله ولا معبود بحقٍّ إلا الله، ويعرف من العبادة الصلاة والصيام فيعرف أنه لا يستحقُّ أن يُصَلَّى ويُصام له إلا الله، وأن تعظيم الأوثان والسجود لها أو للشمس أو القمر أو الصليب عبادةٌ لغير الله، إلى غير ذلك، مع التزامه للإسلام جملةً. وهذا كافٍ للدخول في الإسلام وثبوت حكمه كما تقدَّم. والمنسوب تبعًا إما أن تكون موافقًا على ثبوت الإسلام له بالتبعيَّة أو

стр. 252

غير موافقٍ، فالأوَّل قد ثبت له حكم الإسلام اتِّفاقًا. والثاني الذي يكثر وجوده من صوره هو مَنْ كان آباؤه متلبِّسين بتلك الأمور التي تراها شركًا، فتقول: آباؤه مشركون فكيف يُحكم له بالإسلام تبعًا لهم؟ فاعلم أن هذا لا بدَّ أن يكون أحدُ أجداده كان كافرًا فأسلم فثبت له حكم الإسلام كما مرّ، وقد يكون هذا الجدُّ تلبَّس بتلك المحدثات، وسيأتي، وقد لا يكون تلبَّس بها فكان مسلمًا اتِّفاقًا، وتبعه ابنه في الإسلام ثم ابن ابنه، وهكذا إلى أوَّل جدٍّ تلبَّس بالمحْدَثات. فأوَّلُ جَدٍّ تلبَّس بالمحْدَثات إما أن يكون هو الذي دخل في الإسلام، وإما أن يكون ابن رجل مسلم لم يتلبس بها، وعلى كلا الحالين قد ثبت لهذا الجدِّ حُكْمُ الإسلام اتفاقًا، ومَنْ ثبت له حكم الإسلام فالأصل بقاؤه عليه ولا يخرج عنه إلا بحجَّةٍ واضحةٍ. وقد علمت أن من قَبِلَ الإسلام ثم جهل وأخطأ بما هو شرك قد يُعْذَرُ، ولا يظهر حَدٌّ لذلك إلا قيام الحجَّة كما سيأتي. فذلك الجدُّ الذي ثبت له حكم الإسلام لا يخرجه عنه تلبُّسه بتلك المحدثات ما لم تعلم قيام الحجة عليه، وأنت لا تعلم ذلك، فبقي على إسلامه، فيتبعه ابنه في الإسلام، فيبقى له حكمه وإن تلبس بتلك المحدثات، وهكذا. وهبك أثبتَّ قيام الحجَّة على أحد الآباء فإنَّك لا تعلم قيامها على الأمِّ فَبَقِيَتْ على حكم الإسلام فتبعها ولدها. وهَبْكَ أثبتَّ قيامها على الأبوين فلعلَّها إنما قامت عليهما بعد العلوق بالولد وثبوت حكم الإسلام له، وهَبْكَ أثبتَّ قيامها على الأبوين قبل العلوق بالولد فقد قال بعض أهل العلم كالشافعيَّة: إنه إذا كان في أصول الطفل المعروفة سلسلةُ نسبِه إليهم مسلمٌ حُكِمَ للطفل بالإسلام وإن كان ذلك الأصلُ قد مات قبل زمانٍ طويلٍ وكان

стр. 253

الأقرب حيًّا (١)، فإن لم ترض هذا فقد قال بعض أهل العلم ــ وهو الذي [ز ٣٨] حكاه ابن المنذر (٢) عن الشافعيِّ وبه أخذ أكثر أصحابه وصحَّحه الرافعيُّ وخالفه النوويُّ، لكن تعقَّبه ... (٣) فصوَّب تصحيح الرافعيِّ، وأطال البلقينيُّ في تصويب ما قال الرافعيُّ ... (٤) ــ: إن ولد المرتدَّيْنِ محكومٌ بإسلامه وإن كان العلوق به بعد ردَّتهما. والذي يخالف في هذا إنما يقوى قوله إذا كانت الردَّة مكشوفة يُصَرِّح صاحبها بأنه قد بدَّل دينه وترك الإسلام. وإيضاح هذا أن المدْرَك فيما يظهر في الحكم بإسلام الطفل أو كفره قبل أن يعرب عن نفسه هو النظر فيما يظهر أنه يختاره إذا بلغ، وأظهرُ أسباب الاختيار أمران: وضوح الحجة واتباع الآباء. والأول وهو وضوح الحجة خاصٌّ بالإسلام فإن وافقه الثاني بأن كان الآباء كلهم المعروفة سلسلة النسب إليهم مسلمين فالحكم بالإسلام بغاية الوضوح. وإن خالفه البتة بأن كان الآباء كلهم المعروفة سلسلة النسب إليهم كفارًا أصليين فالحكم بالكفر ظاهر؛ لأن الغرام باتِّباع الآباء شديدٌ، كما تشاهده في اليهود والنصارى وقلَّةِ مَن يُسْلِمُ منهم. وإن وافقه مِن وجهٍ وخالفه مِنْ وجهٍ نُظِرَ في الراجح فيوضع مثلًا إسلام الأب والأمر الأوَّل وهو وضوح حجة الإسلام في كفَّةٍ، وكفر الأم والأصول من الطرفين في كفَّةٍ، فيرجح أنه يختار الإسلام، وقس على ذلك. وموضع التفصيل كتب الفقه،

стр. 254

ونقتصر هنا على النظر في مسألتنا. الطفل إذا بلغ فعرف أنَّ أسلافه كانوا مسلمين حتى تنصَّر أبواه مثلًا فإن غرامه بالنصرانيَّة لا يكون كغرام من عرف أن أسلافه مضوا عليها من قرونٍ كثيرةٍ، فهذا يحتمل أن يميل إلى النصرانيَّة؛ لأن أبويه صارا إليها ويحتمل أن يميل إلى الإسلام؛ لأنَّ أسلافه مضوا عليه حتى صار أبواه إلى خلافه، فله شبه بمن كان أحد أبويه مسلمًا والآخر كافرًا. هذا في الرِّدَّة المكشوفة، ودونها درجات. فأما مسألتنا وهي أن يعرف أنَّ أسلافه مضوا على الإسلام، وأنَّ أبويه عاشا ينتسبان إلى الإسلام مغتبطَين به يعتقدان أنه هو الدين الحق ويبذلان أنفسهما في سبيله، ويُعَظِّمان القرآنَ ويعتقدان أنَّ كلَّ ما فيه حقٌّ، ويحبَّان النبيَّ ﵌ ويعتقدان أن كلَّ ما جاء به حقٌّ، ويحترمان سلف الأمة وعلماءها، ويتمسكان بشعائر الإسلام، ويعتقدان حقًّا عليهما أن لا يخالفاه، ويحكمان على أنفسهما أنهما إن خالفاه ولم يعذرهما الله هلكا، ولكنهما وقعا في شيء كانا يزعمان أنه لا يخالف الإسلام وجماعة من أهل العلم يقولون إنه مخالف. فهذا الغلام إن لم توضح له الحجة على أنَّ تلك المخالفة كفرٌ فالظاهر أنه يتبع أبويه عليها، ولكن هذا لا يكفي للحكم عليه من طفوليَّته بعدم الإسلام؛ فإن النظر في هذا الباب مبني على فرض قيام الحجة، ألا ترى أنه يحكم بالإسلام للطفل الذي أبوه وأسلافه كلهم نصارى وأمه مسلمة مع العلم بأنه إذا لم توضح له حجة الإسلام إنما يتبع أباه وأسلافه. وإذا أوضحت له الحجة فأمامه طرقٌ:

стр. 255

الأولى: أن يتَّبع أبويه على تلك المخالفة تعصُّبًا لهما ويرضى لنفسه بأمورٍ: منها: ترك الإسلام الذي اتَّضح له أنه الحق ومضى عليه أسلافه ومضى أبواه أنفسهما على الانتساب إليه والاغتباط به كما مر، ونشأ هو نفسه على حبه والاغتباط به والافتخار بالانتساب إليه. ومنها: اختيار الكفر الذي مضى أسلافه وأبواه أنفسهما ونشأ هو نفسه على بغضه ومقته وشدة النفور عنه والعلم بأنه هلاك أبدي. [ز ٣٩] ومنها: عداوة الله ورسله والمؤمنين، وقد مضى أسلافه وأبواه أنفسهما ونشأ هو نفسه على محبتهم وتعظيمهم والاغتباط باتِّباعهم. ومنها: غضب الله والخلود في نار جهنم. الطريق الثانية: أن يتبع الحق ويشهد على أبويه بالكفر. الطريق الثالثة: أن يتبع الحق ويرجو العذر لأبويه. أفلا ترى سلوكه الطريق الأولى أبعد جدًّا من اختيار مَن كان أبوه وأسلافه نصارى وأمُّه مسلمةً للنصرانيَّة؟ فبقي النظر في الطريقين الأخريين، فإن لم تتَّضح له الحجَّة على هلاكهما وعلى أن الشكَّ في هلاكهما كفرٌ فلا ريب أنه يختار الطريق الثالثة، ولكن هذا لا ينافي الحكم بإسلامه؛ لوجوه: الأوَّل: أن النظر في هذا الباب مُرَتَّبٌ على فرض قيام الحجة كما مرَّ. الثاني: أنه إذا لم تقم عليه الحجة القاطعة بهلاكهما لا يكون رجاؤه العذر لهما كفرًا.

стр. 256

الثالث: أن كفر المتلبِّس بالمحدثات التي الكلام فيها ليس في هذه الأزمنة من الأمور الواضحة التي يكفر مَن شكَّ أنها كفرٌ مطلقًا، فكيف مَنْ لم يشكَّ أنها كفرٌ ولكنَّه يرجو العذر لبعض مَن تلبَّس بها؟ وعلى فرض أنك أثبتَّ قيام الحجة على أحد الأجداد وامرأته وإصرارهما قبل العلوق بالولد وأنه لم يُقْنِعْكَ ما تقدَّم من الاستدلال على أن ذلك لا يمنع الحكم للولد بالإسلام فبماذا تحكم للولد في صغره؟ إن قلتَ: أحكم أنه مرتد قيل لك: أنَّى يكون مرتدًّا ولم يُحْكَم له بالإسلام قطُّ؟ وأصل معنى الارتداد هو الرجوع، فكيف يُقال: إنه رجع عن الإسلام مَنْ لم يكن عليه قطُّ؟ وقد جاء عن الصحابة أنهم سَبَوْا أولاد المرتدِّين (١)، والمرتدُّ لا يُسْبَى. وقد كان خطر لي أن أحتجّ بمعاملة النبي ﵌ مشركي العرب معاملة الكفَّار الأصليين مع أن أسلافهم كعمرو بن لُحَيٍّ وأقرانه كانوا مرتدِّين عن شريعة إبراهيم ﵇، وكانت الأنساب إليهم معروفةً. ثم ظهر لي أنه قد يجاب عن هذا بأن الإسلام شريعةٌ جديدةٌ يطالبهم باتِّباعه، حتى لو رجعوا إلى شريعة إبراهيم ولم يتَّبعوا الإسلام لم يخرجوا من الكفر، فلا يلزم من عدم حكمه عليهم حكم المرتدين أنهم لم يكونوا في حكم المرتدِّين عن شريعة إبراهيم. ويمكن أن يناقش في هذا

стр. 257

الجواب ولكن فيما تقدَّم كفاية إن شاء الله تعالى. فلم يبق إلا أن تقول: أحكم لذلك الولد بأنه كافرٌ أصليٌّ، فيُقال لك: أنت خبيرٌ أن كلامنا إنما هو في المنتسبين إلى الإسلام الذين لا ترميهم بالكفر إلا لتلبُّسهم بتلك المحدثات التي تراها شركًا ويزعمون أنها مما أذن الله تعالى فيه، وتعلم أن هؤلاء القوم لا يميز الولد منهم إلا وقد تلقن الشهادتين وأحبَّ الإسلام واغتبط به وعزم أن يدين به حتى يموت، فإن فرضت أنه في صغره محكوم له بالكفر الأصلي فإنه يسلم قبل أن يبلغ، وإذا بلغ استمرَّ على ذلك، وقد تقدَّم (١) أنه يكفي الكافر للدخول في الإسلام والحكم له به ما هو أقلُّ من ذلك. فقد اتضح بحمد الله سبحانه أنه ما مِنْ منتسبٍ إلى الإسلام ممن ترميه بالكفر لتلبُّسه بتلك المحدثات فقط إلا وقد ثبت له حكم الإسلام، وهذا ما أردنا بيانه. فصلٌ مَن ثبت له حكم الإسلام ثم أعلن عن نفسه أنه قد رغب عن الإسلام وتركه فأمره واضحٌ، وهذه هي الردَّة المكشوفة. وأما مَن يدَّعى أنه مستمرٌّ على الإسلام فإنه لا يُحْكَم عليه بالردَّة إلا بحجَّةٍ واضحةٍ؛ إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان. وإذ كان كلامنا إنما هو في العبادة فالمثال الواضح فيها أن يصرِّح بأنه يتَّخذ مع الله إلهًا أو يعبد غيره على الحقيقة، [ز ٤٠] وهذه الدرجة هي حال أهل الجاهليَّة كما تقدَّم، ويليها أن يتلبَّس بما هو تأليهٌ وعبادةٌ لغير

стр. 258

الله تعالى مع قيام الحجَّة بأنه يعلم ذلك وإن لم يعترف به. هذا طرفٌ. ويقابله الطرف الذي يتَّضح فيه أن ما تلبَّس به مما صورته صورة التأليه والعبادة لغير الله تعالى ليس في نفس الأمر كذلك، أو أنه وإن كان في نفس الأمر كذلك فصاحبه معذور. أما الأول فبيانه متوقف على تحقيق معنى الإله والعبادة، وسيأتي إن شاء الله تعالى (١). وأما الثاني فينبغي لمن أراد التحقيق أن يستحضر أمورًا: الأوَّل: ما قدمناه في الأعذار (٢). الثاني: قول الله ﵎: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [خواتيم البقرة]، ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢، والأعراف: ٤٢، والمؤمنون: ٦٢]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]. قال المحقِّق الشاطبيُّ: "قد ثبت في الأصول العلميَّة أن كلَّ قاعدةٍ كلِّيَّةٍ أو دليلٍ شرعيٍّ كلِّيٍّ إذا تكرَّرت في مواضع كثيرةٍ وأُتِيَ بها شواهدَ على معانٍ أصوليَّةٍ أو فروعيَّةٍ ولم يقترن بها تقييدٌ ولا تخصيصٌ مع تكرُّرِها وإعادة تقرُّرها فذلك دليلٌ على بقائها على مقتضى لفظها من العموم ... " (٣).

стр. 259

ويظهر من كلام ابن جرير في بعض المواضع محاولة تخصيصها، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨، والفرقان: ٩] (١). أقول: في قوله: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أوجهٌ: أحدها: ما أشار إليه. الثاني: ما اختاره في آية الفرقان، قال: "يقول: فلا يجدون سبيلًا إلى الحقِّ إلَّا فيما بعثتك به"، وروى نحوه عن ابن عبَّاسٍ (٢). الثالث: فلا يستطيعون سبيلًا إلى ما حاولوه من الطعن في نُبُوَّتك. والسياق يقتضيه، وفي آثار السلف ما يوافقه. فعلى الوجهين الأخيرين لا كلام، وأما على الأوَّل فالآية كما يدلُّ عليه السياق والآثار إنما وردت في أفرادٍ عاندوا وتمرَّدوا فختم الله على قلوبهم، وسيأتي الكلام على ذلك. وقد تقدَّم في الأصل الأول (٣) عن ابن جرير تأويله (٤) قولَه تعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩]، ما ينفي قول الجبرية، وتقدَّم هناك (٥) ما رواه عن السُّدِّيّ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾

стр. 260

[الأعراف: ٨٩]، وفيه: "فالله لا يشاء الشرك". وقد تقدَّم في الأصل الأوَّل (١) حكمة الخلق بما عُلِمَ به يقينًا أن الله تعالى لم يخلق الخلق عبثًا، ولا ليُعْنِتَهُم. وقال تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [المؤمن: ٣١]، في آياتٍ كثيرةٍ ينفي الله ﵎ عن نفسه الظلم. وقد تقدَّم في هذا الأصل (٢) كمال عدل الله سبحانه حتى إنه يوم القيامة لا يحكم بمجرد علمه، وفي الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ... " إلى أن قال: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفِّيكم إيَّاها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه" (٣). واختلف الناس في معنى الظلم الذي ينفيه الله ﵎ عن نفسه، فقال الجبريَّة ومَن تابعهم: هو "أن يتصرَّف في غير ملكه" (٤). قال عبد الرحمن: مَن نظر إلى كثرة الآيات في القرآن وتدبَّرها اتَّضح له بطلان هذا التفسير، وعليك أن تعتبر ذلك بأن تجعل التفسير مكان المفسَّر في الآيات كأن تجعل مكان قوله في الآيتين السابقتين "ظلمًا" قولك:

стр. 261

"تصرفًا في غير ملكه" وانظر كيف يصير الكلام، وراجع ما قدَّمناه في كمال عدل الله تعالى يوم القيامة. وقال غيرهم: هو: "أن ينقص عبده من حاقِّ ثوابه أو يعذبه بغير ذنب" (١)، قالوا: وما يُشَاهَدُ في الدنيا من إيلام الأطفال والمعتوهين والبهائم، فكل ذلك مطابق لحكمة الله وعدله، فإن لم نعرف وَجْهَ ذلك في بعضها فعدم العلم ليس علمًا بالعدم ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. وغلت القدرية وتجارت بها أهواؤها حتى جحدت علم الله تعالى بالحوادث قبل حدوثها (٢)، وربما ضاق الأمر على بعضها فأنكر آيات من القرآن كما سلف عن عمرو بن عبيد (٣)، وأحجمت المعتزلة عن هذا الغلوِّ ولكنها تطرَّفت من جهاتٍ: منها: قولهم: إن العقل يحكم بأن الظلم قبيحٌ محرَّمٌ على الله تعالى، ويحكم بأنه سبحانه ليس له أن يتصرَّف في ملكه إلا بالعدل (٤)، وغير ذلك

стр. 262

من الألفاظ التي يتبادر [ز ٤١] إلى الفهم منها أنهم يزعمون أن العقل حاكمٌ على الله يوجب عليه ويحرِّم ويسأله عمَّا يفعل ويناقشه الحساب. وأهل الحقِّ أغنياء عن تلك المقالات بما تقدَّم في الحديث القدسيِّ "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي" إلى قوله: "فمن وجد خيرًا فليحمد الله" (١). ومنها: تحريف الآيات الواردة في القضاء والقدر، وردّ الأحاديث الثابتة في ذلك. وعارضهم المُجْبِرة فادَّعوا صراحتها في الجبر، وآل بهم الأمر إلى أن حرَّفوا أضعاف أضعافها من الآيات والأحاديث وجحدوا حكمة الله وعدله، وسمّوا الحكمة غرضًا والعبث اختيارًا والعدلَ عجزًا، وجعلوا خلق الله تعالى وأمره كله لهوًا ولعبًا (٢)، بل شرًّا من ذلك؛ فإنَّ اللاهي واللاعب له فائدةٌ مَّا مِنْ لهوه ولعبه. وأهل الحقِّ أغنياء عن ذلك كلِّه بقول النبيِّ ﵌: "اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه" (٣). وما صحَّ عن عبد الله بن عمرٍو قال: هجَّرت إلى رسول الله ﵌ يومًا، قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية فخرج علينا رسول الله ﵌ يُعْرَفُ في وجهه الغضب فقال: "إنما

стр. 263

هلك مَنْ كان قبلكم باختلافهم في الكتاب" (١). وتلك الآية التي اختلفا فيها كانت متعلقة بالقدر، فقد أخرج ابن ماجه بسندٍ صحيحٍ عن عمرو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جدِّه، وجدُّه هو عبد الله بن عمروٍ قال: خرج رسول الله ﵌ على أصحابه وهم يختصمون في القدر فكأنما يُفْقَأُ في وجهه حَبُّ الرُّمَّان من الغضب، فقال: "بهذا أُمرتم أو لهذا خُلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض، بهذا هلكت الأمم قبلكم" (٢). فهم يقبلون كلَّ ما ثبت عن الله ورسوله، ويأخذون بالواضح معناه من ذلك ويتفهَّمون ما عداه، فإذا فهموا نظروا فإن كان إظهار ذلك مما تدعو إليه ضرورةٌ أو لا تترتَّب عليه مفسدةٌ أظهروه، وإن لم يروا لإظهاره ضرورة وخافوا من إظهاره اختلافًا وافتراقًا في الدين وسعهم السكوت. وقد كان كلام الراسخين في العلم من السلف مجملًا تبعًا لإجمال الكتاب والسنة، وكانوا ينكرون على من حدث من القدرية وجرَّه هواه إلى ما جرَّه كما تقدَّم، فربَّما كان في إنكارهم ما يوهم طرفًا من الجبر، فأراد إمام التابعين الحسن البصريُّ رحمه الله تعالى أن يشرح الأمر، فلامه أهل العلم؛ لأنهم ــ والله أعلم ــ خافوا أن يكون في ذلك تقويةٌ مَّا لبدعة القدريَّة مما يجرُّ كثيرًا من الناس إلى مقالتهم، وفوق ذلك رأوا أن في الشرح والتفسير مخالفةً لصنيع الكتاب والسنَّة من الإجمال، وأنه ربَّما أَدَّى إلى الاختلاف والافتراق في الدين، فَكَفَّ رحمه الله تعالى عن ذلك.

стр. 264

ثم صار الناس يقولون في كلِّ من شَمُّوا منه رائحة الميل إلى الشرح والتفسير: "كان يرى القدر"، قالوا ذلك في الحسن البصريِّ وقتادة وسعيد بن أبي عروبة وابن أبي ذئبٍ ــ الذي قال فيه أحمد بن حنبلٍ: "ابن أبي ذئبٍ أصلح في بدنه وأورع وأقوم بالحقِّ من مالكٍ" (١) ــ، وكذلك قالوا في ابن إسحاق وعبد الوارث بن سعيدٍ وحسَّان بن عطيَّة في خلقٍ كثيرٍ. ولم يكن هؤلاء الأعلام من القدريَّة الذين عُرِفَ عنهم الغلوُّ ولا يقولون مقالات المعتزلة، ولا كان المنكرون عليهم الذين ينسبونهم إلى القدر جبريَّةً، حاشاهم، وإنما الفرق بين الفريقين أن هؤلاء مالوا إلى إظهار شيءٍ من الشرح والتفسير، وهؤلاء يرون أن الصواب أن لا يُظْهَرَ إلا الإجمالُ كما جاءت به السنَّة. ولكن بعد أن ظهرت بدعة الجبريَّة وجَرَّتْ إلى ما جَرَّتْ إليه كما تقدَّم حَقَّ على أهل العلم أن ينكروا عليهم وينزِّهوا السلف الصالح عن بدعتهم، فذلك الذي دعاني إلى بيان ما سمعتَ، وأسأل الله التوفيق. وإن لم يفهموا (٢) عملوا بما أمرهم الله تعالى به في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ [ز ٤٢] مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٧ - ٨]. واعلم أن الذي استقرَّ عليه قول علماء الأصول من الأشعريَّة وغيرهم منع التكليف بما ليس في الوُسْعِ، ويسمُّونه التكليف بالمحال والتكليف بما

стр. 265

لا يُطاق، وإنما يستثنون صورةً واحدةً هي ما عَلِمَ الله تعالى أنه لا يكون، قالوا: قد علم الله تعالى أن أبا جهلٍ لا يؤمن؛ فإيمانه محالٌ، ومع ذلك كان مكلَّفًا بالإيمان (١). قال عبد الرحمن: هذه الصورة لا يُحْتَاج إلى استثنائها من قول الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ولا من قولهم: لا يكلِّف الله تعالى أحدًا بما لا يطيق؛ لأن علم الله تعالى بعدم إيمان أبي جهلٍ لا ينافي أنه كان في وسعه الإيمان وأنه كان يطيقه ويقدر عليه (٢)، ألا ترى أنك تقول: لم أفعل كذا وكان في وسعي أن أفعله أو وكنت أطيقه أو وكنت أقدر على فعله. ولو ضرب رجلٌ ابنك وأنت غائب فلما حضرت قلت له: لو كُنْتُ حاضرًا ما قَدَرْتَ على ضربه، فقال: لم يكن في وسع أحد ولا قدرته حتى رب العالمين (على) (٣) منعي من ضربه، لبادَرَ الناس بحقٍّ إلى تكفيره. ومع نصهم أنه لا يستثنى إلا هذه الصورة البعيدة ففي كلامهم ما يُشْعِرُ باستثناء أخرى هي التي جَرَّتْنا إلى هذا البحث. قال العضد في مواقفه في الكلام على خلود الكفَّار في النار: "قال الجاحظ والعنبريُّ: هذا في الكافر المعاند (٤)، وأما البالغ في اجتهاده إذا لم يهتد للإسلام ولم تَلُحْ له دلائل الحق فمعذورٌ، وكيف يُكَلَّف بما ليس في

стр. 266

وسعه ويعذَّب بما لم يقع فيه تقصيرٌ من قِبَله" (١). وحكى عياضٌ في الشفاء نحوه عن داود إمام أهل الظاهر وثمامة (٢)، قال: "وقد نحا الغزاليُّ قريبًا من هذا المنحى في كتاب التفرقة (٣)، وقائل هذا كلِّه كافرٌ بالإجماع على كفر من لم يكِّفر أحدًا من النصارى واليهود وكلِّ مَن فارق دين المسلمين أو وقف أو شكَّ" (٤). قال عبد الرحمن: في نظم عبارة عياضٍ ما فيه على أنه لم يحك عن العنبري ولا عن أحد ممن ذكر معه أنه لا يُكَفِّر أحدًا ممن لم يلتزم الإسلام من النصارى وغيرهم، بل ولا أنه إنما يكفر بعضهم دون بعض، ولا أنه يقول بعذرهم جميعًا. وأما القول بعذر بعضهم (٥) فهو في الجملة حق، والعذر لا يستلزم عدم الكفر كما أن الكفر لا يستلزم عدم العذر، ألا ترانا نقول بعذر صبيان الكفار ومجانينهم مع قولنا بكفرهم، وحُكْمِنا عليهم حُكْمَ الكفار في

стр. 267

المناكحة والتوريث والدية والكفارة وما يصنع بالميت وغير ذلك؟ وفي المواقف عَقِبَ ما مرَّ: "واعلم أن الكتاب والسنّة والإجماع يُبْطِلُ ذلك، إذ يعلم قطعًا أن كفار عهد الرسول الذين قتلوا وحكم بخلودهم في النار لم يكونوا عن آخرهم معاندين، بل منهم من يعتقد الكفر بعد بذل المجهود، ومنهم من بقي على الشكِّ بعد إفراغ الوسع لكن ختم الله على قلوبهم ولم يشرح صدورهم للإسلام، ولم يُنْقَلْ عن أحدٍ قبلَ المخالفين هذا الفرقُ" (١). قال عبد الرحمن: إن كان مراده بدلالة الكتاب والسنة والإجماع ما فيها من أن الكفار مُخَلَّدُون في العذاب فقد بيَّنتها الحجج الدالَّة على أن الله تعالى لا يعذب حتى يقيم الحجة، ولا يكلف نفسًا إلا وسعها، وغير ذلك مما سلف، [ز ٤٣] فإما أن يكون المراد بالكفر في أدلَّة التعذيب كفرًا خاصًّا هو الكفر الحقيقيُّ فلا يدخل فيها الكفر الحكميُّ، كالكفر المحكوم به على صبيان الكفار ومجانينهم وسائر المعذورين، وإما أن تكون (٢) من العامِّ المراد به الخصوص أو العامِّ المخصوص، وأدلَّةُ العذر صريحةٌ محكمةٌ فلا بدَّ من حمل ما يوهم خلافها على ما يوافقها. وإن كان مراده أن الكتاب والسنة والإجماع تدلُّ على أن مَنْ قُتِلَ في عهد النبي ﵌ من الكفار مُخَلَّدُون جميعهم في النار، فالجواب أن ما كان فيها من دلالة خاصة كما ورد في أبي جهل وأصحاب القليب قليب بدر، فمحمولٌ على أنهم كانوا معاندين أو مقصِّرين، والآثار تدلُّ على ذلك. وما كان فيها من دلالة عامَّة فقد يُقال: تُبَيِّنُها حُجَجُ العذر

стр. 268

على ما سمعت آنفًا، ويزاد على ذلك احتمال أن يكون ما في السنَّة والإجماع مَبْنِيًّا على الظاهر أن مَن أصرَّ على الكفر بعد بلوغ الدعوة وطول الإنذار مع ظهور حجج الحق وضعف شبهات الكفار فهو إما معاندٌ أو مقصِّرٌ. وقول العضد: "إذ يُعْلَمُ قطعًا إلخ" مردودٌ عليه، بل لنا أن نقول: المعلوم خلافه، ولنا على ذلك حجج: منها: ما أسلفنا أنهم كانوا قائمة عليهم الحجة قبل البعثة لتقصيرهم، فما ظنك بهم بعدها؟ ومنها: ما أسلفناه (١) فيما يلزم مَنْ بلغه بعثة نبيٍّ. ومنها: أن شبهات الكفار كانت ضعيفةً، مَنْ تأمَّلَهَا عَرَفَ أنه لا يتفكر فيها عاقل إلا بان له بطلانها أو ضعفها، فَمَنْ لم يكن منهم تفكَّر فيها قبل البعثة فلا ريب أن خبر البعثة يدعوه إلى التفكُّر فيها، فإن لم يفعل فهو مقصِّرٌ؛ وإن تفكَّر فلا بدَّ أن يظهر له ضعفها إلا أن يُقَصِّر في النظر لما غلب عليه من الغرام بما أَلِفَ واعتاد وأدرك عليه الآباء والأجداد فهو مقصِّرٌ. ومَن نظر ولم يقصِّر ظهر له ضعفها فلا بدَّ أن يرجو أن يجد عند النبي ﵌ ما هو خير منها. هذا إن لم يبلغه هنا ما يورث علمًا أو ظنًّا بصدقه، فإن لم يَسْعَ ليعرف ما عند النبي ﵌ فهو مقصِّر، وإن تعرَّض لمعرفتها ولكن هواه وغرامه بما كان عليه هو وآباؤه واستكباره عن أن يقبل الحق حالت بينه وبين أن ينظر حق النظر فهو معاندٌ مقصِّرٌ أخذ من كلٍّ منهما طرفًا. وإن نظر مخلصًا للحق راغبًا فيه حريصًا على إصابته فإننا بما نعلم من ظهور حجج الحق وَوَهَنِ شبهات الشرك نعلم أنه لا بدَّ أن يتبيَّن له صدقُ الرسول أو على الأقلِّ يتبين له أنَّ ما يدعو إليه الرسول خيرٌ من الكفر، فإن لم

стр. 269

يتَّبعه فهو معاندٌ أو معاندٌ ومقصِّرٌ معًا. هذا وقد مكث النبيُّ ﵌ قبل القتال نحو خمس عشرة سنةً يدعو الناس ويعرض نفسه عليهم، واتَّبعه على ذلك مَنْ اتَّبعه، حتى اتَّبعه الأنصار وهم مِنْ أقرب الناس إلى معرفة الدِّين لمجاورتهم أهلَ الكتاب. بل واتبعه بعض علماء أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، وشاع عنه ﵌ قبل النبوَّة ما شاع من شرف المحتد وكرم الأخلاق وغير ذلك، ثم شاع عنه بعد النبوَّة ما يدعو إليه من تعظيم الله والأمر بالعدل والإحسان وصلة الرحم والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وشاع عنه أشياء من المعجزات وغير ذلك. فَمَنْ أصرّ من الكفار بعد ذلك كلِّه على الكفر وغضب له فقاتل عليه حتى قُتِل فلا يكون إلا معاندًا أو مقصّرًا، وحسبك في عنادهم قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. وقد أوضح الله ﵎ حال الكفار الذين يستحقُّون النار بقوله سبحانه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [ز ٤٤] أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [خواتيم الجاثية]. وقال : ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا

стр. 270

فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ [الملك: ٦ - ١١]. ومن الحجج: أننا قد علمنا من النصوص القاطعة التي تقدَّم بعضها أن الله ﵎ لا يعذب إلا معاندًا أو مقصِّرًا، فإذا ثبت بحجة واضحة أن كلَّ مَنْ قُتِلَ مِنَ الكفار في عهد النبي ﵌ يُعَذَّبون عَلِمْنَا أنهم كانوا بين معانِدٍ ومقصِّرٍ. ومنها: قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [خواتيم العنكبوت]. السورة مكِّيَّةٌ كما نصُّوا عليه (١) ونقلوه عن ابن عبَّاسٍ (٢) وابن الزُّبير (٣)

стр. 271

وجماعة من التابعين (١)، وتَدَبُّرها يقضي بذلك، واستثنى بعضهم آيات من أوائلها وأثنائها (٢)، فعلى كلِّ حال هاتان الآياتان مَكِّيَّتَان، والقتال إنما شُرِعَ بالمدينة. وتفسير (جاهدوا) بـ (قاتلوا) يُخِلُّ بحُسْن الكلام وبديع نظمه، بل الذي يقتضيه النظم أن يكون المراد بالجهاد هنا هو دفاع الهوى والشبهات. لَمّا قضى في الآية الأولى بهلاك مَنْ افترى على الله كذبًا أو كذَّب بالحق لما جاءه، وكِلا هذين مما يدعو إليه الهوى والشبهات، فقابل ذلك في الآية الثانية بمن جاهد الهوى والشبهات في سبيل الحقِّ فرارًا من الافتراء والتكذيب، وتكفَّل الله لمن فعل ذلك أن يهديه سبله. والله أعلم. وقد اعترف العضد بأن مِن قَتْلَى الكفار مَن كان معاندًا ومَن كان مقصِّرًا، ثم زعم أن فيهم مَن بذل المجهود واستفرغ الوسع فبقي معتقدًا للكفر أو على الشكِّ (٣). ومعلوم أنَّ مَنْ نظر وهو مستكبرٌ عن الحق متعصِّبٌ لما أَلِفَهُ وأدرك عليه سلفه فلم يبذل المجهود ولا استفرغ الوسع. وعليه فالمدَّعى أنَّ منهم مَنْ بذل المجهود واستفرغ الوسع راغبًا في الحق حريصًا على إصابته، فنقول: صاحب هذه الصفة مجتهد ليعرف الحق عند الله فيتبعه، فهو مجاهد في الله وهو آتٍ بما أوجبه الله عليه، فهو محسن، ومن كان كذلك فلا بدَّ أن

стр. 272

يهديه الله تعالى كما صرحت به الآية. ومن قُتِلَ كافرًا فلم يهده الله تعالى، فلم يكن مجاهدًا محسنًا، فلم يكن ممن بذل مجهوده واستفرغ وسعه راغبًا في الحق حريصًا على إصابته، فانكسر ساعد العضد واتَّضح أن قوله "إذ يُعْلَمُ قطعًا إلخ" دعوى باطلة. أما قول العضد: "ولكن ختم الله على قلوبهم ولم يشرح صدورهم للإسلام"، فهذه مسألة القدر وقد تقدَّم طرفٌ منها، ويكفينا هنا أن نقول: قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [خواتيم العنكبوت]. بيَّنت هذه الآية وآياتٌ أخرى في معناها أن الله تعالى إنما يُضِلُّ مَنْ سَبَقَ منه ما يستحقُّ به العذاب، وآية الختم نفسها تدلُّ على هذا، قال تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، إلى أن قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [ز ٤٥] لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١ - ٧]؛ فأخبر بسبق كفرهم. وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ مما يُسْتَشْكَل؛ لأن كثيرًا من الكفار نفعهم الإنذار فآمنوا. وحَلُّه فيما يظهر لي: أن المراد بالكفر في قوله ﴿كَفَرُوا﴾ كفرٌ خاصٌّ هو أشدُّ أنواع الكفر وهو ما يكون عن عنادٍ واستكبارٍ وتمرُّدٍ شديدٍ. وما روي عن بعض السلف أن المراد أحبار يهود الذين علموا أن محمَّدًا رسول الله، ثم جحدوا وأصرُّوا على الجحود، وعن بعضهم أن

стр. 273

المراد جبابرة المشركين الذين أُلْقُوا في قليب بدر لا يخالف ما ظهر لي؛ فإن كثيرًا من تفاسير السلف يخرج مخرج التمثيل كما نبَّه عليه أهل العلم (١). هذا، وسياق الآية يدلُّ أن الختم وما معه ضربٌ من العقاب، ولهذا عطف عليها قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وفي روح المعاني: "إسناد الختم إليه باعتبار الخلق، والذمُّ والتشنيع الذي تشير إليه الآية باعتبار كون ذلك مسبَّبًا عما كسبه الكفار من المعاصي كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، وإلا أشكل التشنيع والذمُّ على ما ليس فعلهم. هكذا قاله مفسرو أهل السنة عن آخرهم فيما أعلم" (٢). وأما آية الشرح فهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٤ - ١٢٥]. ففي الآية الأولى مثالٌ مِنْ عنادهم، وفي الآية الثانية أن الإضلال

стр. 274

وتحريج الصدر إنما يجعله الله تعالى على الذين لا يؤمنون. وقد قصَّ الله تعالى دعاء موسى وهارون على فرعون وملئه، وفيه: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨ - ٨٩] لَمَّا عَلِمَا عناد فرعون وملئه ــ كما قال تعالى بعد ذكر ما أراهم من الآيات: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]ــ عَلِمَا أنهم قد استحقُّوا العذاب الأليم وأحبَّا أن ينالهم البتَّة. فالختم والشَّدُّ على القلب عقوبةٌ يعجِّلها الله لمن كفر واستكبر وعاند وتمرَّد. فإن قيل: فالمختوم على قلبه هل يبقى مكلَّفًا؟ قلت: نعم، أمَّا بترك الأقوال والأفعال التي هي فجورٌ أو كفرٌ فظاهرٌ؛ إذ الختم على القلب لا يمنع مِن تركها، وأمَّا بأصل الإيمان فللتكليف أثران: الدعوة والمؤاخذة، فالدعوة قد يقال: لا فائدة لها؛ إذ قد عُلِمَ أنه لا يؤمن ولم يقع الختم حتى قامت الحجة على أَتَمِّ ما يكون، وقد قال الله تعالى لرسوله ﵌: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩] في وقت الصعق والجنون والختم على القلب. [ز ٤٦] وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [خاتمة سورة ق]، وقال ﵎: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]. وقد يقال: دلالة هذه الآيات غير واضحة ولا يخلو تجديد الدَّعوة عن فائدةٍ، والله أعلم.

стр. 275

وأمَّا المؤاخذة فهو مؤاخَذٌ على أقواله وأفعاله كما علمْتَ، وعلى عدم الإيمان؛ إذ المانع عن الإيمان ليس هو الختم فحسب بل الهوى وبغض الحق والاستكبار الذي منعه قبل الختم باقٍ وهو بعد الختم المانعُ في الظاهر، وهو مانعٌ آخر في الباطن. فمؤاخذته بالنظر إلى هذا المانع لا إشكال فيها وإنما هو كمن كان ممتنعًا عن أداء الزكاة بُخْلًا ثم عرض له ذو سطوة فَوَكَّلَ به مَنْ يلازمه قائلًا: إن أدَّيت الزكاة قتلتك، فما دام المانع الذي في نفسه وهو البخل قائمًا فهو آثم ولا ينفعه وجود المانع الآخر وهو الإكراه. ومع ذلك فإن مانعيَّةَ الختم هي أثر الختم، والختم أثر عناده الذي كان باختياره. واختيارُ الأمر المنهيِّ عنه يُعَدُّ اختيارًا لما يترتَّب عليه من المفاسد ولو مع الجهل والعجز؛ فإن الله ﵎ إذا نهى عن أمرٍ عُلم أنه يترتَّب عليه مفاسد إن عَرَف الإنسان بعضها خفي عنه بعضها، وإنما يحيط بها الحكيم العليم جَلَّ وعلا، فإذا اختاره الإنسان كان مختارًا لكلِّ ما يترتب عليه من المفاسد على وجه الإجمال. قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]. وقصَّ سبحانه قصَّة قتل ابن آدم أخاه، ثم قال: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. وفي الحديث: " ... ومَنْ سنَّ في الإسلام سنَّةً سيِّئَةً فَعُمِلَ بها بعده كُتِب عليه مثلُ وِزر مَن عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيءٌ" (١).

стр. 276

ورواه غيره بلفظ: " ... ومَنْ سنَّ سنَّةً سيِّئَةً فَعُمِلَ بها كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئًا" (١). وقوله في الرواية الأولى: "في الإسلام" ليس بقيدٍ، وإنما فائدته ــ والله أعلم ــ التنصيص؛ لئلا يتوهَّم أن هذا الحكم خاصٌّ بمن قبلنا وأنه من الإصر المرفوع عنا، فتدبَّرْ. وفي الحديث: "لا تُقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها؛ لأنه كان أوَّلَ مَن سَنَّ القتل" (٢). وليس هذا من التكليف بما لا يُطاق، وإنما هو أثر التكليف بالأمر الأوَّل. فالإنسان منهيٌّ عن الإحداث في الدين، قائمةٌ عليه الحجَّة بأن الله إذا نهى عن شيءٍ فإنه تترتَّب عليه مفاسد لا يحيط بعلمها إلا هو، فإذا أقدم على الإحداث فقد اختار كلَّ ما يترتَّب عليه كما مرَّ. وعقوبة الذنب على مقدار ما تحقَّق من شرِّه، فكلَّما عَمِل عاملٌ بتلك المحدثة تحقَّق لإحداث المُحْدِث الأوَّل شرٌّ جديد، فلا تزال تضاعف عليه العقوبة بمقدار ما يتضاعفُ من الشَّرِّ والعياذ بالله. هذا، وقد قال أهل العلم: إن المتعدِّيَ بسُكْرِه مؤاخَذٌ بما يقع منه وهو سَكْران (٣). والعقل لا ينكر هذا، ألا ترى لو أن ثلاثة نفرٍ سَكِرُوا؛ أما أحدهم

стр. 277

فسقاه الطبيب دواءً لا يدري أنه مسكرٌ، وأما الآخران فتعمَّدا شرب [ز ٤٧] الخمر. فأما الأوَّل فاشتدَّ به السكر وعَرْبَد حتى وقع على أخته وقتل أمَّه وكذلك وقع لأحد المتعمِّدين. وأما الثالث فضُبِطَ وأُغْلق عليه بيت حتى أفاق، أفلا ترى أن جُرْم الثالث في صدور الناس دون جرم الثاني بكثيرٍ، وأما الأوَّل فلا يرون له جرمًا، وإن نَفَرَتْ منه الطباع عَذَرَتْهُ العقول. ولو أنَّ ثلاثة نفر عَمَد كلٌّ منهم إلى رجلٍ مصوِّبًا بندقيته إليه ورماه عامدًا لقتله، فأخطأ أحدهم، وأصاب الثاني فجرح، وأصاب الثالث فقتل، لكانت أجرامهم متفاوتةً في حكم الله وفي عقول الناس مع أن أصل فعلهم الذي وقع بأصل اختيارهم واحدٌ. بقي قول العضد: "ولم يُنْقَلْ عن أحد قبل المخالفين هذا الفرقُ"، وقد يجاب بمنع عدم النقل، كيف وقد نقل القول بمنع التكليف بما لا يطاق، وهذه المسألة من فروعه وإن لم تُنْقَلْ بخصوصها. ولعلَّهم إنما سكتوا عنها لأنه لا يُعْلَم صدق اليهودي مثلًا في قوله: "قد تدبَّرتُ حجج الإسلام وبذلتُ المجهود واستفرغتُ الوُسْع راغبًا في الحقِّ حريصًا على اتِّباعه فتبيَّن لي بطلان الإسلام". ولم يُفَرِّق الشرعُ بين مَن يَدَّعي هذه الدعوى وغيره من الكفَّار المصرِّحين، فرأوا أن البحث في نجاته في الآخرة إن صدق بحثٌ قليل الجدوى وتنشأ عنه مفاسد لا تحصى. قال عبد الرحمن: الصواب ما قدَّمته أن حجج الإسلام واضحةٌ، وشبهات الكفر واهيةٌ، وقد تكفَّل الله تعالى لمن جاهد فيه محسنًا أن يهديه ويكون معه، فإطلاق السلف أن كلَّ مَن بلغته الدعوة وأمكنه النظر فلم يُسْلِمْ هالكٌ، حقٌّ واضحٌ؛ فإن مَن كان كذلك لا يكون إلا مُقَصِّرًا أو معاندًا. ومَن

стр. 278

قال: "إن مَن استوفى مجهوده مخلصًا للحقِّ فظهر له أن الحقَّ في غير الإسلام فلم يُسْلِمْ فهو معذور عند الله تعالى"، فليس في هذا القول شناعة ولا مخالفة للسلف إلا في تَوَهُّمِ الإمكان. فأمَّا مَنْ قال بالإمكان أو قضى بالوقوع كما صنع العضد ثم قضى بعدم العذر فهو المخطئ. والله المستعان. فإن قال قائلٌ: إن آية الجهاد على ما فسَّرْتَها به تَسُدُّ باب الأعذار كلِّها لحَصْرها الأقسام في مهديٍّ ومعاندٍ ومقِّصرٍ، والمهديُّ مصيبٌ والمقصِّرُ لا يستحقُّ العذر. فعن هذا أجوبةٌ: أخصرها: أن قوله تعالى: ﴿سُبُلَنَا﴾ المراد بها سبل النجاة عنده سبحانه، كما قال سبحانه في صفة القرآن: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]، والسَّلام هو السَّلامة كما نصَّ عليه أهل التفسير (١). ومما يبيِّن ما قلناه جمعُ السبل في الآيتين، وسبيل الحقِّ في نفس الأمر واحدٌ، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. فللحقِّ في نفس الأمر سبيلٌ واحدٌ، وللنجاة والسلامة سبلٌ، أوَّلها: سبيل الحقِّ في نفس الأمر وهو المتعين بالنظر إلى أصل الدين في حقِّ المكلَّف الذي بلغته الدعوة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].

стр. 279

وثانيها: سبيل بَذْلِ الوسع. وثالثها: سبيل الإتيان بما كُلِّفَ به من البحث وهو دون الوسع. وهذا قد يكون مع حرمة الاستقصاء أو كراهيته أو إباحته أو استحبابه، كالقاضي يتَّجِه له الحكم بدليلٍ ظنِّيٍّ فيحرم عليه أن يقول: لا أقضي حتى أراسل علماء الأرض كلَّهم، فلعلَّ عند بعضهم دليلًا يخالف ما ظهر لي، ويُكْرَه له التأخير حتى يُسَائِلَ علماء البلدان القريبة، وقد يُباح له أن يؤخِّر حتى يُسائِل علماء البلد إذا كانت القضيَّة متوسِّطةً، ويُستحبُّ له إذا كانت كبيرةً كالقتل. ويمكن تعداد سبلٍ أخرى، وفيما ذُكِرَ كفايةٌ إن شاء الله تعالى. [ز ٤٨] فإن قيل: فإن الآية الأولى (١) ونظائرها من القرآن تنصُّ على هلاك مَن كذب على الله تعالى أو كذَّب بالحقِّ، والخطأ في الدِّين لا يخرج عن ذلك، فمن أخطأ في النبيذ المسكر يقول: إن الله أَحَلَّه، وهذا خبرٌ عن الله تعالى، فإذا كان غيرَ مطابق للواقع فهو كذبٌ، ويردُّ قولَ مخالفه، فإذا كان حقًّا ففي ردِّه إياه تكذيبٌ له، ويَرُدُّ الأدلَّة التي يستدلُّ بها مخالفه وهي من جملة حجج الله وآياته، ففي ردِّه لها تكذيبٌ لها، أفلا يكون كاذبًا على الله تعالى مُكَذِّبًا بالحقِّ والآيات؟ فالجواب: أن الحكم الأول هو أنه لا أظلم ممن افترى على الله كذبًا. وافتراء الكذب هو اختلاقه، وذلك أن الخبر يتضمَّن خبرًا آخر، فالقائل "أحلَّ الله النبيذ المسكر". يتضمَّنُ خبرُه خبرًا آخر صورته: "وأنا أعتقد أن الله تعالى أحلَّ النبيذ المسكر"، فافتراء الكذب هو عدم مطابقة كلٍّ من الخبرين

стр. 280

للواقع بأن يكون الله تعالى لم يُحِلَّ ويكون المخبر لا يعتقد أن الله أحلَّ. فأما إذا كان الله تعالى لم يُحِلَّ ولكنَّ المخبر يعتقد أنه أَحَلَّ فليس بمفترٍ، ومن أهل العلم مَن يقول: وليس هو بكاذب أيضًا. فإنْ بَنَيْنَا على قول الجمهور ــ أنه يَصْدُق على مثل ذلك أنه كذبٌ ــ فإننا نقول: الحكم في الآية منصبٌّ على الافتراء لا على مطلق الكذب، وكذلك في نظائرها من الآيات. فأما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٢]، فهذه الآية وإن لم تقيَّدْ بالافتراء لكنها عطفت التكذيب بالواو، فأفهمت أن الحكم منصبٌّ على مَنْ جَمَعَ بين الكذب والتكذيب بخلاف بقيّة الآيات، فإنها لَمَّا قيدت بالافتراء عطفت التكذيب بأو، فأفهمت أن الحكم منصبٌّ على كلٍّ من الرجلين أعني مَن انفرد بافتراء الكذب على الله، ومَن انفرد بالتكذيب بالحق لما جاءه أو بآيات الله. وبعض الآيات تقتصر على أحد الأمرين، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ [الأنعام: ١٥٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [الجُرُز: ٢٢]. وأمَّا قوله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود: ١٨]، فواضحٌ أن المعنيَّ بقولهم: ﴿كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أُريدَ به: افترَوْا عليه الكذب، كما تصرِّح به أوَّلُ الآية.

стр. 281

وأما قوله ﵎: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٥٩ - ٦٠]، فلا يخفى أن قوله ﴿كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ هو في قومٍ جمعوا بين الكذب والتكذيب بالآيات استكبارًا كما يُبيِّنُه أوَّلُ الآية وآخرُها. وأما الحكم الثاني فهو أنه لا أظلم ممن كذَّب بالحقِّ لما جاءه، فالتكذيب هو نسبة الخبر إلى الكذب بأن يقول: هذا كذبٌ، وفي معناه أن يُعْرِضَ عنه ويستمرَّ على خلافه كما نَبَّهَتْ عليه آية الجُرُز. والحقُّ والصدق المراد به ــ والله أعلم ــ ما هو حقٌّ وصدقٌ في دين الله في نفس الأمر وإن لم تقم الحجَّة بأنه حقٌّ؛ فإن الآيتين لم تُفَصِّلا ولكن التكذيب مُقَيَّدٌ بوقوعه وقت مجيء الحق بقوله في الأولى: ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ وفي الثانية: ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾. والمعنى أنه لم يَكَدْ يسمع الحقَّ حتى بادر إلى تكذيبه بدون نظرٍ ولا تفكُّرٍ ولا تأمُّلٍ ولا تدبُّرٍ، فهو كالحاكم الذي يجيئه المتظلِّمُ فلا يكاد يَعْرِفُ أنه متظلِّمٌ حتى يُكَذِّبَه بدون نظرٍ في شكواه، وهذا من أشدِّ الظلم في الناس؛ لأنه [ز ٤٩] ظَلَمَه بعدم إنصافه وبعدم سماع شكواه وبتكذيبه، فمَنْ فعل مثل هذا بالحق الجائي عن الربِّ فذاك الذي لا أظلم منه. وأما مَنْ كذَّبَ بالحق في دين الله وقد قامت به الحجة فهو المعبَّرُ عنه بالتكذيب بآيات الله، وهي حججه الظاهرة كما يقال لأعلام الطريق الظاهرة: آيات. وهذا أيضًا لا أظلم منه، فإن الآيات التي عبَّرت بالتكذيب بآيات الله لم تُقَيِّد التكذيب بكونه وقت المجيء، بل تقدَّم في آية الجُرز: ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾. وهذا إن كان المكذِّبُ بالحق أظلم منه من جهة أنه كذَّبه ولم ينظر فهذا أظلم من جهة

стр. 282

أنه كذَّب وقد بان له الصدق. فتحصَّل من الآية أنه لا أظلم من اثنين: أحدهما: مَن افترى على الله كذبًا. الثاني: مَن كذَّب بالحق في دين الله وقت ما جاءه، وعُلِمَ من بقيَّة الآيات أن مِثْلَه مَن كذَّب بآيات الله وهي حججه الواضحة أو أعرض عنها. وخرج عن الآية مَنْ أخبر عن الله بما يعتقده واقعًا وهو في نفس الأمر غير واقع، ومن جاءه الحقُّ في دين الله فنظر وتدبَّر فلم تتبيَّن الحجة فكذَّبه أو أعرض عنه. فتبيَّن بحمد الله أن الآية لا تَسُدُّ باب العذر على المخطئين. فإن قلت: خروج هذين عن الآية إنما معناه خروجهما عن الأظلميَّة، ولا يلزم من ذلك خروجهما من الظلم، قلت: نعم، ولا يستلزم دخولَهما في الظُّلم. فإن قلت: فما حالهما؟ قلت: المخطئ إن دخل في الآية الثانية فهو على سبيلٍ مِنْ سُبُل النجاة كما عَرَفْتَ، وإلا فهو المقصِّر، فإن أدَّاه تقصيره إلى عدم التزام الإسلام فهالكٌ لا محالة كما سلف، وأمَّا إذا كان ملتزمًا للإسلام فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. الأمر الثالث (١): قال ابن جرير: "الوُسْع: الفُعْلُ، من قول القائل: وَسِعَني هذا الأمر فهو يسعني سعةً، ويُقال: هذا الذي أعطيتك وُسْعِي، أي: ما يَتَّسِع لي أن أعطيك فلا يضيق عليَّ إعطاؤكَه، وأعطيتك من جهدي إذا

стр. 283

أعطيتَه ما يجهدك فيضيق عليك إعطاؤه، فمعنى قوله ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] هو ما وَصَفْتُ من أنها لا تُكَلَّف إلا ما يَتَّسِعُ لها بذلُ ما كُلِّفَتْ بَذْلَه فلا يضيق عليها ولا يجهدها" (١). وروى في موضعٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ "قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: هم المؤمنون، وسَّع الله عليهم أَمْرَ دينهم فقال الله جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٨٧]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] (٢). قال عبد الرحمن: المقصود هنا معرفة معنى الوُسْعِ، فأمَّا العموم والخصوص فقد مضى الكلام فيه. وقال الراغب: "والوُسْعُ من القدرة ما يَفْضُلُ عن قَدْرِ المكلَّف، قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ تنبيهًا أنه يُكَلِّف عبده دُوَيْنَ ما ينوء به قدرته" (٣). وفي الشريعة مواضع توضِّح ذلك، منها: أن الله تعالى لم يكلِّف الأعراب الذين أسلموا ولَمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم لزومَ المسجد وسماعَ القرآن ونحو ذلك مما من شأنه أن يكسبهم الإيمان.

стр. 284

ومنها: ما سبق أنه كان يخفى على العرب شيء من دقائق معنى الإله والعبادة، ولم يكن النبيُّ ﵌ [ز ٥٠] يُلْزِمُ مَن أسلم أن يتعلَّم جميعَ ذلك على الفور، بل رُبَّما كان أحدُهم يُسْلِم فيأمره لوقته أن يذهب للجهاد. ومنها: حديث "اتَّقُوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل" (١)، ولم يأمرهم النبيِّ ﵌ أن يستفرغوا أوقاتهم في التعلُّم، بل أرشدهم أن يقولوا: "اللهم إنا نعوذ بك مَن أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم". ومنها: أن المسلمين مِنْ عهد الصحابة وهَلُمَّ جرًّا كانوا يكتفون ممن يقبل الإسلام من الأعاجم بأن يُلَقِّنَهُ مسلمٌ الشهادتين ويُفَسِّرَ له معناهما كما تيسَّر، ولا يُلْزِمونه أن يسائل كلَّ مَن لقيه من أهل العلم، ولا أن يرتحِل إليهم فيسائلهم حتى يعلم اتفاقهم، ولا أن يبادر إلى تعلُّم العربية والقرآن وتفسيره والسنَّة حتى يحصل له المعرفة التامَّة، بل لا نعلمهم أوجبوا أن يتعلَّم من القرآن إلا ما لا بدَّ منه لصحَّة الصلاة ولا نعلمهم أوجبوا معرفة تفسير ذلك. وقريبٌ من كلمة الوُسْعِ كلمتا الاستطاعة والطَّاقة، وقد فُسِّر قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] بوجدان الزاد والراحلة، وذلك دون المجهود. وفي الصحيحين وغيرهما من طرقٍ حديث المعراج وفيه قول موسى لمحمَّدٍ عليهما الصلاة والسلام في المراجعة في فرض الصلوات: "إن أمَّتك

стр. 285

لا تستطيع ذلك" (١)، وفي رواياتٍ: "لا تطيق ذلك" (٢) حتى قال له ذلك في خمس صلواتٍ. وقال الراغب: "فقوله: ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي ما يصعب علينا مزاولته، وليس المعنى: لا تُحَمِّلْنا ما لا قدرة لنا به" (٣). وفي الصحيح من حديث عمران بن الحصين، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﵌ عن الصلاة، فقال: "صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ" (٤). قال أهل العلم: المراد بنفي الاستطاعة وجود المشقَّة الشديدة. راجع فتح الباري، شرح الحديث المذكور (٥). وفيه أن عند الطبرانيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ: "يصلِّي قائمًا، فإن نالته مشقَّةٌ فجالسًا، فإن نالته مشقَّةٌ صلَّى نائمًا" (٦).
следующие страницы →