وأما قوله ﵎: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٥٩ - ٦٠]، فلا يخفى أن قوله ﴿كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ هو في قومٍ جمعوا بين الكذب والتكذيب بالآيات استكبارًا كما يُبيِّنُه أوَّلُ الآية وآخرُها.
وأما الحكم الثاني فهو أنه لا أظلم ممن كذَّب بالحقِّ لما جاءه، فالتكذيب هو نسبة الخبر إلى الكذب بأن يقول: هذا كذبٌ، وفي معناه أن يُعْرِضَ عنه ويستمرَّ على خلافه كما نَبَّهَتْ عليه آية الجُرُز. والحقُّ والصدق المراد به ــ والله أعلم ــ ما هو حقٌّ وصدقٌ في دين الله في نفس الأمر وإن لم تقم الحجَّة بأنه حقٌّ؛ فإن الآيتين لم تُفَصِّلا ولكن التكذيب مُقَيَّدٌ بوقوعه وقت مجيء الحق بقوله في الأولى: ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ وفي الثانية: ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾. والمعنى أنه لم يَكَدْ يسمع الحقَّ حتى بادر إلى تكذيبه بدون نظرٍ ولا تفكُّرٍ ولا تأمُّلٍ ولا تدبُّرٍ، فهو كالحاكم الذي يجيئه المتظلِّمُ فلا يكاد يَعْرِفُ أنه متظلِّمٌ حتى يُكَذِّبَه بدون نظرٍ في شكواه، وهذا من أشدِّ الظلم في الناس؛ لأنه [ز ٤٩] ظَلَمَه بعدم إنصافه وبعدم سماع شكواه وبتكذيبه، فمَنْ فعل مثل هذا بالحق الجائي عن الربِّ فذاك الذي لا أظلم منه. وأما مَنْ كذَّبَ بالحق في دين الله وقد قامت به الحجة فهو المعبَّرُ عنه بالتكذيب بآيات الله، وهي حججه الظاهرة كما يقال لأعلام الطريق الظاهرة: آيات. وهذا أيضًا لا أظلم منه، فإن الآيات التي عبَّرت بالتكذيب بآيات الله لم تُقَيِّد التكذيب بكونه وقت المجيء، بل تقدَّم في آية الجُرز: ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾. وهذا إن كان المكذِّبُ بالحق أظلم منه من جهة أنه كذَّبه ولم ينظر فهذا أظلم من جهة
стр. 282
أنه كذَّب وقد بان له الصدق.
فتحصَّل من الآية أنه لا أظلم من اثنين: أحدهما: مَن افترى على الله كذبًا. الثاني: مَن كذَّب بالحق في دين الله وقت ما جاءه، وعُلِمَ من بقيَّة الآيات أن مِثْلَه مَن كذَّب بآيات الله وهي حججه الواضحة أو أعرض عنها. وخرج عن الآية مَنْ أخبر عن الله بما يعتقده واقعًا وهو في نفس الأمر غير واقع، ومن جاءه الحقُّ في دين الله فنظر وتدبَّر فلم تتبيَّن الحجة فكذَّبه أو أعرض عنه.
فتبيَّن بحمد الله أن الآية لا تَسُدُّ باب العذر على المخطئين.
فإن قلت: خروج هذين عن الآية إنما معناه خروجهما عن الأظلميَّة، ولا يلزم من ذلك خروجهما من الظلم، قلت: نعم، ولا يستلزم دخولَهما في الظُّلم.
فإن قلت: فما حالهما؟ قلت: المخطئ إن دخل في الآية الثانية فهو على سبيلٍ مِنْ سُبُل النجاة كما عَرَفْتَ، وإلا فهو المقصِّر، فإن أدَّاه تقصيره إلى عدم التزام الإسلام فهالكٌ لا محالة كما سلف، وأمَّا إذا كان ملتزمًا للإسلام فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
الأمر الثالث (١): قال ابن جرير: "الوُسْع: الفُعْلُ، من قول القائل: وَسِعَني هذا الأمر فهو يسعني سعةً، ويُقال: هذا الذي أعطيتك وُسْعِي، أي: ما يَتَّسِع لي أن أعطيك فلا يضيق عليَّ إعطاؤكَه، وأعطيتك من جهدي إذا
стр. 283
أعطيتَه ما يجهدك فيضيق عليك إعطاؤه، فمعنى قوله ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] هو ما وَصَفْتُ من أنها لا تُكَلَّف إلا ما يَتَّسِعُ لها بذلُ ما كُلِّفَتْ بَذْلَه فلا يضيق عليها ولا يجهدها" (١).
وروى في موضعٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ "قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: هم المؤمنون، وسَّع الله عليهم أَمْرَ دينهم فقال الله جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٨٧]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] (٢).
قال عبد الرحمن: المقصود هنا معرفة معنى الوُسْعِ، فأمَّا العموم والخصوص فقد مضى الكلام فيه.
وقال الراغب: "والوُسْعُ من القدرة ما يَفْضُلُ عن قَدْرِ المكلَّف، قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ تنبيهًا أنه يُكَلِّف عبده دُوَيْنَ ما ينوء به قدرته" (٣).
وفي الشريعة مواضع توضِّح ذلك، منها: أن الله تعالى لم يكلِّف الأعراب الذين أسلموا ولَمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم لزومَ المسجد وسماعَ القرآن ونحو ذلك مما من شأنه أن يكسبهم الإيمان.
стр. 284
ومنها: ما سبق أنه كان يخفى على العرب شيء من دقائق معنى الإله والعبادة، ولم يكن النبيُّ ﵌ [ز ٥٠] يُلْزِمُ مَن أسلم أن يتعلَّم جميعَ ذلك على الفور، بل رُبَّما كان أحدُهم يُسْلِم فيأمره لوقته أن يذهب للجهاد.
ومنها: حديث "اتَّقُوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل" (١)، ولم يأمرهم النبيِّ ﵌ أن يستفرغوا أوقاتهم في التعلُّم، بل أرشدهم أن يقولوا: "اللهم إنا نعوذ بك مَن أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم".
ومنها: أن المسلمين مِنْ عهد الصحابة وهَلُمَّ جرًّا كانوا يكتفون ممن يقبل الإسلام من الأعاجم بأن يُلَقِّنَهُ مسلمٌ الشهادتين ويُفَسِّرَ له معناهما كما تيسَّر، ولا يُلْزِمونه أن يسائل كلَّ مَن لقيه من أهل العلم، ولا أن يرتحِل إليهم فيسائلهم حتى يعلم اتفاقهم، ولا أن يبادر إلى تعلُّم العربية والقرآن وتفسيره والسنَّة حتى يحصل له المعرفة التامَّة، بل لا نعلمهم أوجبوا أن يتعلَّم من القرآن إلا ما لا بدَّ منه لصحَّة الصلاة ولا نعلمهم أوجبوا معرفة تفسير ذلك.
وقريبٌ من كلمة الوُسْعِ كلمتا الاستطاعة والطَّاقة، وقد فُسِّر قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] بوجدان الزاد والراحلة، وذلك دون المجهود.
وفي الصحيحين وغيرهما من طرقٍ حديث المعراج وفيه قول موسى لمحمَّدٍ عليهما الصلاة والسلام في المراجعة في فرض الصلوات: "إن أمَّتك
стр. 285
لا تستطيع ذلك" (١)، وفي رواياتٍ: "لا تطيق ذلك" (٢) حتى قال له ذلك في خمس صلواتٍ.
وقال الراغب: "فقوله: ﴿مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي ما يصعب علينا مزاولته، وليس المعنى: لا تُحَمِّلْنا ما لا قدرة لنا به" (٣).
وفي الصحيح من حديث عمران بن الحصين، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﵌ عن الصلاة، فقال: "صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ" (٤).
قال أهل العلم: المراد بنفي الاستطاعة وجود المشقَّة الشديدة. راجع فتح الباري، شرح الحديث المذكور (٥).
وفيه أن عند الطبرانيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ: "يصلِّي قائمًا، فإن نالته مشقَّةٌ فجالسًا، فإن نالته مشقَّةٌ صلَّى نائمًا" (٦).
стр. 286
وفي صحيح مسلمٍ من حديث أبي سعيد الخدريِّ، سمعت رسول الله ﵌ يقول: "مَن رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه (١)، وذلك أضعف الإيمان" (٢).
المراد بعدم الاستطاعة في الحديث أن يخاف على نفسه ضررًا، ولذلك عُدَّ الاقتصار على الإنكار بالقلب أضعف الإيمان، فإنَّ قويَّ الإيمان لا يَصُدُّه خوفُ الضرر عن أن ينهى عن المنكر. فأما العاجز البتَّة كمن كان مقعدًا أخرس ورأى منكرًا بعيدًا عنه فأنكره بقلبه فلا يتعيّن أن يكون هذا من أضعف الإيمان، بل إذا صمّم بقلبه على أنه لو كان يمكنه المشي لمشى إلى ذلك المنكر حتى يغيِّره بيده كان ذلك من أقوى الإيمان. والله أعلم.
وقد يُعْتَرَضُ ما تقدَّم بوجهين:
الأول: أن حَمْل الوُسْع والطاقة والاستطاعة على ما فيه مشقَّةٌ شديدةٌ يقضي على تلك النصوص بالإجمال، وذلك أن المشقَّة الشديدة لا تنضبط كما اعترفوا به في تقرير عِلَّة قَصْرِ الصَّلاة، قالوا: إنَّ أصل الباعث على ذلك المشقَّة لكن لعدم انضباطها ضبطها [ز ٥١] الشارع بالسفر (٣)، ولا يمكن
стр. 287
ضبطها بالعرف لاضطرابه، وقد دلَّت مسألة القصر على عدم اعتباره، ولا يُقال: كلُّ إنسان فقيهُ نفسه؛ لأن ذلك يؤدِّي إلى تساهل أكثر الناس وتسامحهم.
الوجه الثاني: أن من المشاقِّ الشديدة ما ألغاه الشارع وكَلَّف بما هو فيه، مِنْ ذلك تكليفُ الكافر بالإسلام مع أنه يشقُّ عليه مشقَّةً شديدةً أن يَدَعَ دينًا قد أَلِفَهُ واعتاده وأدرك عليه آباءه وأجداده. ومِنْ ذلك تكليف مَنْ هام بامرأة وصادفها في خلوةٍ وتمكَّن منها أن لا يَقْرَبَها مع أنه يشقُّ عليه الانكفاف عنها مشقَّةً شديدةً. ومِنْ ذلك تكليفُ مَنْ أدمن الخمر في كفره ثم أسلم بأن يجتنبها، واجتنابها بدون تدريجٍ يشقُّ عليه مشقَّةً شديدةً.
والجواب عن الوجه الأوَّل بتسليم الإجمال في الجملة، ولكن الشريعة قد تضمَّنَتْ ما يُرْشِد إلى التفسير، ولكنها ترَكت مجالًا للاختلاف لحِكَمٍ عديدةٍ، منها: ما تقدم في الأصل الثاني. ومنها: ما سيأتي في الكلام على التقليد. ومنها: توسعة المجال لاجتهاد أهل العلم ليعظم ثوابهم. ومنها: تركُ مُتَّسَعٍ لاحتياط أهل التقوى من أقوياء المؤمنين ليأخذوا أنفسهم بالورع والتوقِّي فيعظم أجرهم ويُعْرَف فضلهم، وللضعفاء ليمكن لهم الترخُّص بدون المعصية، ولو شُدِّد عليهم لرموا بأنفسهم في المعصية. ومنها: تهيئة سبيلٍ لحسن ظنِّ المسلمين بعضهم ببعضٍ فيرى المتشدِّد أن للمترخِّصِ وجهًا وسبيلًا.
والجواب عن الوجه الثاني: أن المشقَّة في الأمثلة المذكورة ونحوها ليست بشديدةٍ إلى حدِّ الخروج عن الوُسْع، نعم إنها تقارب ذلك وربَّما اعتدَّ الشارع بأخفَّ منها، ولكن الشارع قد يُلْغِي المشقَّة التي ربَّما يظهر أنها
стр. 288
شديدةٌ لأسبابٍ، منها: أن يكون اتِّفاقها نادرًا، والفقهاء يلاحظون هذا، قالوا: لو أخطأ الحُجَّاج فوقفوا عاشر ذي الحجَّة أجزأهم حجُّهم، ولو أخطؤوا فوقفوا حادي عشره كان عليهم القضاء لندرة الخطأ بيومين (١). والثلاثة الأمثلة مما يندر، فما كلُّ أحدٍ يشقُّ عليه ترك دين آبائه ولا يتَّفق له ذلك إلا مرَّةً في عمره، والعاشق يندر أن يصادف معشوقته في خلوةٍ بدون تحرِّيه ذلك، ومدمن الخمر إذا أسلم فعزم على تركها إن شقَّ عليه ذلك فأيَّامًا معدودةً ثم ينساها أبدًا.
ومنها: أن تكون المفسدة التي تترتَّب على الفعل عظيمة، ولهذا قالوا: لو أكره على قتل مؤمنٍ لم يجز له، وعظم المفسدة في الأمثلة ظاهرٌ.
ومنها: أن لا تنضبط المشقَّة وتترتَّب على الفعل مفسدةٌ عظيمةٌ، كمن أُغْضِبَ فجنى على إنسان وادَّعى أن المجنيَّ عليه أغضبه فلم يَتَمالَكْ نفسه أن جنى عليه. فإنه لا دليل على أن الغضب بلغ ذلك المبلغ، ولو رُخِّصَ له لادَّعى أكثرُ الجناة مثلَ ذلك؛ إذ أكثر ما يقع القتل عند الغضب، بل لربما استحلَّ المغْضَبُ القتلَ لتوهُّمِه أنه قد بلغ به الغضبُ ذلك الحدِّ. ويأتي هذا في تلك الأمثلة، فإن المفسدة فيها عظيمة كما مرّ، ولو رُخِّصَ لهم لاستحلَّ الكافر المتبصِّر البقاءَ على دين آبائه لتوهُّمه أن المشقَّة شديدةٌ، وأن الله تعالى لا يكلِّفه بتحمُّلها. وكذلك الآخران، وإذًا لأوشك أن يدَّعيَ كلُّ زانٍ وكلُّ شاربِ خمرٍ نحوَ تلك الدعوى.
ومنها: أن تكون المشقة ناشئة عن مخالفة من المكلَّف لولاها لم يقع في المشقة، بل ربما ألغى الشارع هذه المشقَّةَ ولو خرجت عن الوُسْعِ بل
стр. 289
وعن القدرة، كالمتعدِّي بِسُكْرِه يؤاخَذُ بما يقع منه، وسيأتي توجيه ذلك في المختوم على قلبه.
[ز ٥٢] ومَنْ أَدْرَكَ آباءه على الكفر ثم نُبِّهَ على ذلك كان عليه أن يبحث وينظر ويحقِّق، وهذا لا يشقُّ عليه مشقَّة تُذْكَر، فلو قام به لهداه الله تعالى فعرف بطلان دينهم وأن البقاء عليه مُوجِبٌ لغضب الجبار والخلود في عذاب النار، وإذًا لهان عليه ترك دينهم بل لما استطاع البقاء عليه.
والعاشق قد كان عليه أن يسعى في تقوية إيمانه وتحصيل الإيقان بأنَّ ربَّه معه أبدًا، وأن الكرام الكاتبين لا يفارقونه، ودوام استحضار ذلك، ولو قام بهذا لما شقَّ عليه تركُ الزنا؛ فإننا نعلم أنه لو كان حين صادف معشوقته يرى أن إنسانًا ينظر إليهما ويخاف أن يحقره ويمقته ويُفْشِيَ سرَّه ويسيء سمعته لمنعه ذلك من مقاربتها، بل لو قيل لَما استطاع أن يقع بها لم يَبْعُد.
ومُدْمِن الخمر لو قَوِيَ إيمانه لصحَّ عزمُه على تركها، وإذًا لهان عليه تركُها، وقد كان الصحابة ﵃ يعتادون شربها فلما حُرِّمَتْ أعرضوا عنها البتَّة، وهكذا عامَّة مَنْ أسلم بعد تحريمها. وإنما يشقُّ تركها على مَنْ لم يصحَّ عزمه فتبقى نفسه تنازعه إليها، وعن ذلك يكون تضرُّره في بدنه إن صدق الأطباء، فأما مَنْ صَحَّ عزمه فبإذن الله تعالى لا ينالُه إلا كلُّ خيرٍ.
هذا، والمشقَّة في تلك الأمثلة ونحوها وإن لم يعتدَّ بها الشارع في رفع التكليف فقد اعتدّ بها إلى حدٍّ ما من جهة أخرى، أما من نشأ على كفر آبائه فخَفَّفَ عنه بقبول العهد والذمَّة والأمان ولم يشدِّدْ عليه كما شدَّد على مَن
стр. 290
كان آباؤه مسلمين ونشأ هو على الكفر؛ فإن هذا مرتد لا يُقْبَل منه إلا الإسلام، وهكذا يكون التخفيف في الآخرة، فعذاب المرتدِّ أشدُّ من عذاب الكافر الأصليِّ، والله أعلم.
وأما العاشق الذي صادف صاحبته في خلوة فلعلَّ الله أن يلطف به فيحجزه عنها أو يستره ويتوب عليه أو يخفِّف عنه من العذاب. ونحو هذا يقال في مدمن الخمر، وفي قصَّة النعيمان (١) ما يشهد لذلك. والله أعلم.
الأمر الرابع: أن الذي جرى عليه العمل في عهد الصحابة والتابعين هو التوسعة على العامَّة في عِلْم الدين، فيُكْتَفَى للعامِّيِّ بأن يعمل ما يرى عليه المسلمين، فإن عرضت له قضيَّة سأل مَن يتفق له ممن يُعْرَف بالعلم، ولما نشأت البدع كان العلماء يُنَفِّرُون العامَّة عن المبتدع لئلَّا يعتمدوا عليه، وربما كان يشتهر العالِمُ في جهة فتميل عامَّة تلك الجهة إلى الاعتماد عليه دون مَنْ يخالفه ما لم يظهر لهم خطؤه.
والعامَّة في القرون المتأخِّرة لم يزالوا في الظاهر على تلك الطريق، وإنما الفرق أن الذين كانوا يشتهرون في عهد السلف بأنهم علماء هم علماء حقًّا، والذي كان يُنَفِّر عنه العلماء بأنه مبتدع ضالٌّ كان مبتدعًا ضالًّا حقيقة، والحال في العصور المتأخرة على خلاف ذلك، فإن الذين يشتهرون فيها بأنهم علماء عامَّتُهم مقلِّدون لمذاهبهم، وكلُّ مذهب منها قد ضُمَّ إليه
стр. 291
أضعافٌ مضاعفةٌ. مثال ذلك: مذهب الإمام الشافعيِّ رحمه الله تعالى، كان له أصحابٌ جمعوا كلامه وقاسوا على أقواله وفَرَّعُوا وضمُّوا جميع ذلك إلى المذهب، ثم جاءت طبقةٌ بعدهم جمعوا كلام مَنْ تَقَدَّمَهُم وقاسوا عليه وفَرَّعوا وضمُّوا جميع ذلك إلى المذهب، وهكذا طبقةً فطبقةً.
ولما ظهر كلام الأشعريِّ في العقائد مال إليه بعضُ فقهائهم وأنكره بعضهم، ثم غلب عليهم فصار عامَّةُ الشافعيَّة أشاعرةً، وصار عند المتأخِّرين كأنه جزءٌ من المذهب، حتى إنه كان يستغرب في القرن الخامس والسادس فضلًا عما بعدهما أن يُقال: إن فلان (١) فقيهٌ شافعيٌّ ولكنه ليس بأشعريِّ، ويرى طلبة العلم والعامَّة أن هذا قريبٌ من المحال لتوهُّمِهِم أن رأيَ الأشعريِّ قطعةٌ من مذهب الشافعيِّ، فكيف يكون الرجلُ شافعيًّا وليس بأشعريٍّ؟ ! (٢).
/وكانت تظهر المقالة والرأي فيتكلَّم فيها بعض فقهاء المذهب غير مستندٍ إلى المذهب بل متأثِّرًا بآثارٍ خارجيَّةٍ، وقد يحاول هو إلصاقها بالمذهب أو يحاول مَنْ بعده ذلك فلا تلبث أن تَلْصَقَ بالمذهب ثم تصبح أصلًا يُقاس عليه. وربما ظهرت البدعة فقصَّرت طبقةٌ في إنكارها، فشارك فيها بعضُ الطبقة التي تليها فَضَمَّتْها الثالثة إلى المذهب ثم تصبح أصلًا يقاس عليه.
على أنه في القرون المتأخرة صار كثير من المحدثات متفقًا عليه بين
стр. 292
فقهاء المذاهب, فصار المعروف بين الناس أنها مذهب أهل السنة. وقضيَّة ذلك أنها مما أجمع عليه سلف الأمة، على أنها إذا ألصقت بمذاهب أهل السنة فبقية المذاهب أولى بها، بل إن غالب المحدثات إنما هو من نتائج بعض مذاهب أهل البدع، أو مما لَصِقَ بها من ضلالات الديانات الباطلة كاليهودية والنصرانية والمجوسية وغيرها، وإنما سرى إلى أن أُلْصِقَ بمذاهب أهل السنة فأصبح بحيث يُظَنُّ إجماعًا، ومَنْ وُجِدَ مِنْ علماء الحقِّ في هذه القرون المتأخِّرة رُمِي بالابتداع ومخالفة الإجماع. فالعامَّة في هذه القرون شبيهون بالعامة في القرون الأولى في اتِّباعهم مَنْ يرونهم علماء السنة ونفورهم عمن يرونه مبتدعًا. (١) واعلم أن كثيرًا من الناس يستندون في هذه الأمور ــ أعني معرفة معنى (لا إله إلا الله) وما يتفرَّع عنه من الاعتقاد في بعض الأعمال أنها شركٌ أو ليست بشركٍ ــ إلى أمورٍ لا يُعتَدُّ بها شرعًا؛ فأرى أن أنبِّه عليها.
стр. 293
بابٌ في أمورٍ يُستنَد إليها في بناء الاعتقاد
وهي غير صالحةٍ للاستناد
فمن تلك الأمور: التقليد ، وقد دلَّ الكتاب والسنة وأقوال أهل العلم أن التقليد في أصول العقائد لا يكفي، ومعرفة معنى (لا إله إلا الله) أصل الأصول.
أما دلالة القرآن، فقد تقدَّم أدلَّة اشتراط العلم (١)، وفيها قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقوله : ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، وما قاله ابن جريرٍ في تفسيرها، وما رواه عن مجاهدٍ وقتادة.
والتقليد ليس بعلمٍ؛ لأن العلم عند أهله هو: حكم الذهن [ب ٢٨] الجازم المطابق؛ لموجبٍ، أي لحجَّةٍ قاطعةٍ.
قالوا: خرج بقوله: (لموجِبٍ) اعتقاد المقلِّد ونحوه؛ فإنه قد يكون جازمًا ومطابقًا، ولكنه ليس لحجَّةٍ قاطعةٍ.
أقول: فالاعتقاد ضربٌ من الظنِّ، وقد ردَّ الله على المشركين ما كانوا يعتقدونه، ثم قال: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، في آياتٍ أخرى بهذا المعنى. قال جماعةٌ من أهل العلم: هذه الآيات واردةٌ فيما يُطلَب فيه العلم كالعقائد، فأما فروع الأحكام العمليَّة فقد ثبت بالحجج القطعيَّة وجوب العمل فيها بأنواعٍ من الظنِّ، كالظنِّ
стр. 294
الحاصل من خبر الواحد بشرطه.
وقال بعضهم: الآيات على عمومها، وما قامت الحجَّة القطعيَّة على وجوب العمل به من الأدلَّة الظنِّيَّة كخبر الواحد بشرطه في الأحكام الفرعيَّة فالعمل به اتِّباعٌ لتلك الحجَّة القطعيَّة، وهي مفيدةٌ للعلم، فالعمل به اتِّباعٌ للعلم لا اتِّباعٌ للظنِّ.
ألا ترى لو أن النبيَّ ﵌ شافه بعض أصحابه بقوله: (إذا جاءك رجلٌ تظنُّه ثقة فأخبرك عنِّي بخبرٍ وجب عليك أن تعمل بخبره)، أليس وجوب العمل على ذلك الصحابيِّ بخبر من يظنُّه ثقةً واجبًا عليه قطعًا؟ أوليس إذا عمل به فإنما يستند إلى الأمر الذي تلقَّاه مواجهةً وهو قطعيٌّ معلومٌ له؟ أفلا ترى أنه متَّبعٌ للعلم لا متَّبعٌ للظنِّ؟ تدبَّر.
/وأما السنة فقد مرَّ (١) في أدلّة اشتراط العلم قوله ﵌: «مَن مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنَّة»، وقوله ﵌: « .... فمَن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشِّره بالجنَّة».
وفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكرٍ، عن النبيِّ ﵌ في صلاة الكسوف، وفيه: فلما انصرف رسول الله ﵌ حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما من شيءٍ كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنَّة والنار، ولقد أُوحِي إليَّ أنكم تفتنون في القبور مثل ــ أو قريبًا من ــ فتنة
стр. 295
الدجَّال ــ لا أدري أيَّهما قالت أسماء ــ يُؤتى أحدكم، فيُقال له: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن ــ أو الموقن، لا أدري أيَّ ذلك قالت أسماء ــ فيقول: محمَّدٌ رسول الله، جاءنا بالبيِّنات والهدى، فأجبنا وآمنَّا واتَّبعنا، فيُقال له: نم صالحًا، فقد علمنا إن كنت لموقنًا. [ب ٢٩] وأما المنافق ــ أو المرتاب، لا أدري أيَّتهما قالت أسماء ــ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته» (١).
وقد رُوِي نحو هذا الحديث في سؤال القبر عن أم المؤمنين عائشة، وعن أنسٍ، وعن البراء، وعن أبي سعيدٍ، وعن جابرٍ، وعن أبي هريرة، وعن غيرهم من الصحابة من طرقٍ كثيرةٍ بعضها في الصحيحين. انظر: فتح الباري (٢).
стр. 296
وفيه: «ولابن حِبَّان وابن ماجه من حديث أبي هريرة، وأحمد من حديث عائشة: «ويُقال له: على اليقين كنتَ، وعليه متَّ، وعليه تُبعث إن شاء الله»».
وفيه أيضًا: (وله ــ أي: لأحمد ــ من حديث أبي سعيدٍ (١): «فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا عبده ورسوله»».
وفيه عند الكلام على حديث البراء الذي في الصحيحين في هذا المعنى: «وقد رواه زاذان أبو عمر عن البراء مطوَّلًا مبيَّنًا، أخرجه أصحاب السنن، وصحَّحه أبو عوانة وغيره، وفيه من الزيادة ... : «فيقولان له: مَن ربُّك؟ فيقول: ربِّي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: وما يدريك؟ فيقول: قرأتُ القرآن كتابَ الله فآمنتُ به وصدَّقتُ، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]»» (٢).
وقوله: «وقرأتُ القرآن» إلخ، يريد أنه قرأه فعرف ما فيه من البراهين
стр. 297
فحصل له اليقين. «وأما المرتاب فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته»، ولا يخفى أيُّ الرجلين المقلِّد؟
وقد دلَّت هذه الأحاديث على توُّقف النجاة على اليقين، واليقين هو العلم القطعيُّ اتِّفاقًا. قال الراغب: «اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها» (١).
وبالغ الغزاليُّ في المستصفى فخصَّه، فقال في صفة النفس الموقنة [ب ٣٠]: « ... بل حيث لو حُكي لها عن نبيٍّ من الأنبياء أنه أقام معجزة وادَّعى ما يناقضها، فلا تتوقَّف في تكذيب الناقل، بل تقطع بأنه كاذبٌ أو تقطع بأن القائل ليس بنبيٍّ، وأنَّ ما ظنَّ أنه معجزة فهي مَخْرَقَة (٢). وبالجملة/فلا يؤثر هذا في تشكيكها، بل تضحك من قائله وناقله. وإن خطر ببالها إمكان أن يكون الله قد أطلع نبيًّا على سرٍّ به انكشف له نقيضُ اعتقادِها فليس اعتقادها يقينًا، مثاله: قولنا: الثلاثة أقلُّ من الستة، وشخصٌ واحد لا يكون في مكانين، والشيء الواحد لا يكون قديمًا حادثًا موجودًا معدومًا ساكنًا متحرِّكًا في حالة واحدة».
ثم قال: «الحالة الثانية: أن تصدِّق بها تصديقًا جازمًا ولا تشعر بنقيضها البتة، ولو أُشعرت بنقيضها تعسَّر إذعانها للإصغاء إليه، ولكنها لو ثبتت وأصغت وحُكي لها نقيض معتقدها عمَّن هو أعلم الناس عندها كنبيٍّ أو صِدِّيق أورث ذلك فيها توقُّفًا، ولْنُسَمِّ هذا الجنس اعتقادًا جزمًا، وهو أكثر اعتقادات عوامِّ المسلمين واليهود والنصارى في معتقداتهم وأديانهم، بل
стр. 298
اعتقاد أكثر المتكلمين في نصرة مذاهبهم؛ فإنهم قبلوا المذهب والدليل جميعًا بحسن الظن في الصِّبا، فوقع عليه نشؤهم؛ فإنَّ المستقلَّ بالنظر ــ الذي يستوي ميلُه في نظره إلى الكفر والإسلام ــ عزيزٌ.
الحالة الثالثة: أن يكون لها سكونٌ إلى الشيء والتصديق به وهي تشعر بنقيضه، أو لا تشعر ولكن لو أُشعِرت به لم ينفر طبعها عن قبوله، وهذا يُسمَّى ظنًّا، وله درجاتٌ .... » (١).
أقول: وفيما قاله نظرٌ؛ فإنَّ الحسَّ والمشاهدة تفيد العلم اليقين، ومع ذلك فقد تشكَّك فيها الحكماء السوفسطائيُّون (٢) كما هو معروفٌ، ومن تأمَّل شُبَههم قد يعرض [له] توقُّفٌ ما. وقال تعالى: ... (٣) وجلُّ أو كلُّ البراهين على الأصول الدينيَّة مبنيَّةٌ على المحسوسات، ومع ذلك يرد على البناء شبهاتٌ عديدةٌ. ولوصحَّ ما قاله لما وُجِد مؤمنٌ موقنٌ إلَّا أن يكون من الملائكة والنبيِّين، وهذا باطلٌ قطعًا. والحقُّ أن اليقين لا يختصُّ بما ذكره، بل يعمُّ كلَّ اعتقادٍ جازمٍ عن دليلٍ قاطعٍ كالحسِّ والمشاهدة وما ينبني عليهما انبناءً واضحًا، وأنَّ إمكان التشكيك لا يدلُّ على عدم سبق اليقين. وقد قدَّمنا تحت عنوان: (شبهةٌ وجوابها) ما يصحُّ إيراده ها هنا.
ونحن نرى كثيرًا من الناس يتعقَّلون البراهين القطعيَّة، ومع ذلك لا يزالون مرتابين لغلبة الهوى والتقليد عليهم. فالحقُّ أنَّ مَن تعقَّل البرهان
стр. 299
القطعيَّ وأذعن وانقاد ظاهرًا وباطنًا فهو موقنٌ، وأنه إن عرض له بعدُ شكٌّ (١) أو شبهةٌ فإن دفعها فورًا فهو موقنٌ، وما عرض له وسوسةٌ في (٢) حكم الشرع. وإن استقرَّت في نفسه وأورثته ريبةً أو جحودًا زال يقينه السابق، وهو العلم الحقيقيُّ.
والحقُّ أنه ليس بين اليقين وبين الظنِّ منزلةٌ. قال الله : ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]، [ب ٣١] إلى قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢].
وكأن الغزاليَّ يشير بهذا الاصطلاح إلى تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] بأن المراد الظنُّ الذي ليس بجازمٍ. وهبه تمَّ له هذا، فما يصنع بالآيات والأحاديث الناصَّة على اشتراط العلم واليقين وقد تقدَّمت؟
والحقُّ أنَّ التقليد لا يفيد إلا الظنَّ غير الجازم، وما يظهر من جزم مَن نراه مقلِّدًا لا يخلو عن ثلاثة أحوالٍ:
الأولى: ألَّا يكون مقلِّدًا في الواقع، بل قد يعقل برهانًا قطعيًّا، وهذا حال عوامِّ المسلمين غالبًا في إيمانهم بالله ورسوله.
الثانية: أن يكون قد قام عنده ما توهَّمه برهانًا قاطعًا؛ إما على العقيدة نفسها، وإما على عصمة إمامه، وقد يجتمع الأمران كما وقع لبعض مقلِّدي
стр. 300
أرسطو من المتفلسفة.
الثالثة: أن يكون غلب عليه الهوى والعصبيَّة. وقد تقدَّم الكلام في الهوى، ويأتي له مزيدٌ إن شاء الله تعالى (١).
وقال الآمديُّ: «اختلفوا في جواز التقليد في المسائل الأصوليَّة المتعلِّقة بالاعتقاد في وجود الله تعالى، وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه، وما يجب له وما يستحيل عليه. فذهب عُبَيد الله بن الحسن العنبريُّ والحشويَّة والتعليميَّة (٢) إلى جوازه .... وذهب الباقون إلى المنع، وهو المختار؛ لوجوهٍ:
الأول: أن النظر واجبٌ .... ، ودليل وجوبه أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، الآية، قال ﵇: «ويل لمن لاكها بين لَحْيَيه ولم يتفكَّر فيها»». أقول: أخرجه جماعةٌ، منهم ابن حِبَّان في صحيحه (٣). قال (٤): «توعَّد على ترك النظر والتفكُّر فيها، فدلَّ على وجوبه».
стр. 301
الثاني: الإجماع من السلف منعقد على وجوب معرفة الله تعالى وما يجوز عليه وما لا يجوز، فالتقليد إما أن يقال: إنه محصِّل للمعرفة أو غير محصِّل لها. القول بأنه محصل للمعرفة ممتنع لوجوهٍ:
الأول: أن المفتي بذلك غير معصوم، ومَنْ لا يكون معصومًا لا يكون خبره واجب الصدق، فخبره لا يفيد العلم.
الثاني: أنه لو كان التقليد يفيد العلم لكان العلم حاصلًا لمن قلَّد في حدوث العالَم ولمن قلد في قِدَمه وهو محال لإفضائه إلى الجمع بين كون العالَم حادثًا وقديمًا.
الثالث: أنه لو كان التقليد مفيدًا للعلم فالعلم بذلك إمَّا أن يكون ضروريًّا أو نظريًّا، لا جائز أن يكون ضروريًّا وإلا لما خالف فيه أكثر العقلاء، ولأنه لو خُلِّي الإنسان ودواعي نفسه من مبدأ نشئه لم يجد ذلك من نفسه أصلًا، [ب ٣٢] والأصل عدم الدليل المفضي إليه فمن ادّعاه لا بدَّ له من بيانه.
الوجه الثالث ــ من الوجوه الأُوَل ــ: أن التقليد مذمومٌ شرعًا، فلا يكون جائزًا، غير أنَّا خالفنا ذلك في وجوب اتِّباع العامِّيِّ للمجتهد فيما ذكرناه (١) من الصور فيما سبق» يعني: فروع الفقه «لقيام الدليل على ذلك، والأصل عدم الدليل الموجب للاتِّباع فيما نحن فيه، فنبقى على مقتضى الأصل.
وبيان ذمِّ التقليد قوله تعالى حكايةً عن قومٍ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، ذكر ذلك في معرض الذمِّ (٢) لهم».
стр. 302
أقول: والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ، ثم ذكر المعارضات وأجاب عنها، إلى أن قال: «قولهم: إن التقليد عليه الأكثر والسواد الأعظم، قلنا: ذلك لا يدلُّ على أنه أقرب إلى السلامة؛ لأن التقليد في العقائد المضلَّة أكثر من الصحيحة، على ما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]، وقال ﵇: «تفترق أمَّتي ثلاثًا وسبعين فرقةً، واحدةٌ ناجيةٌ، والباقي في النار» (١) ... ) (٢).
أقول: والذي يقع لي: أن القول بالاكتفاء بالتقليد إنما جرى على الألسنة لما لجَّ النزاع بين السلفيِّين والمتكلِّمين ، كأنه لما بالغ بعض السلفيِّين فكفَّر مَن يخوض في علم الكلام بالغ بعض المتكلِّمين فزعم أنَّ مَن لا يعرف الكلام فهو مقلِّدٌ؛ ولا إيمان لمقلِّدٍ، فقال بعض السلفيِّين: التقليد كافٍ في الإيمان، يريدون إن كان الاقتصار في النظر على الطريقة التي درج عليها السلف تقليدًا فالتقليد كافٍ في الإيمان، ولم يريدوا أنَّ التقليد الحقيقيَّ يكفي.
فأما حكاية الآمديِّ عن العنبريِّ والحشويَّة والتعليميَّة الجواز
стр. 303
فالمشهور عن العنبريِّ أنه كان يرى أنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ سواء في العقائد أو في الفروع.
فقيل: إنه إنما كان يقول هذا في المجتهدين من المسلمين ــ أعني في الضرب الثاني من العقائد ــ فيصوِّب مَن يثبت القدر ومَن ينفيه، ومَن يثبت الرؤية ومَن ينفيها، ونحو ذلك، ويقول: «هؤلاء عظَّموا الله، وهؤلاء نزَّهوا الله»، يريد أن المخطئ منهم مصيبٌ، على نحو ما يقوله غيره في المجتهدين في الفروع، وبهذا لا يكون الخلاف فيها اختلافًا في الدين ولا افتراقًا بين المسلمين.
وقيل: بل كان يقول بهذا في غير المسلمين أيضًا؛ فيرى أنَّ الكافر إذا بذل مجهوده في البحث والنظر يريد الحقَّ ويحرص عليه فأدَّاه نظره إلى أنَّ الإسلام ليس بحقٍّ فهو معذورٌ، وحُكِي عنه الرجوع عن ذلك. انظر: الاعتصام (١) [ب ٣٣] وانظر ترجمة عُبيد الله في تهذيب التهذيب (٢) وغيره.
وقد حكوا القول بعذر الكافر إذا بذل مجهوده كما تقدَّم عن الـ (٣) أيضًا. قال بعض العلماء: ومال إليه الغزاليُّ في فيصل التفرقة (٤).
أقول: وهذه مسألةٌ أخرى، والحقُّ فيها أنه لا يوجد إنسانٌ يبذل مجهوده في البحث والنظر مريدًا للحقِّ حريصًا عليه مخلصًا في قصده ثم يظهر له أنَّ
стр. 304
الإسلام ليس بحقٍّ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، فهذا الإنسان مجاهدٌ في الحقِّ محسنٌ فكيف لا يهديه الله تعالى؟ (١).
فإن فُرِضت المسألة فرضًا، فإن (٢) قال قائلٌ: إنه لو وُجِد إنسانٌ بهذه الصفة لكان حكمه في الشرع حكمَ غيره من الكفَّار، وأمَّا في الآخرة فيكون في الذين يُمتحَنون فتُرفَع لهم نار، إلى آخر ما جاء في الأحاديث. فليس هذا القول بخروجٍ عن الإسلام، ولكن مثل هذا مما تواصى العلماء بالسكوت عنه لما قد يترتَّب على إظهاره من المفاسد.
وبالجملة فذلك النقل عن العنبريِّ ليس بنصٍّ في جواز التقليد في أصول الدين، مع أنه قد نُقِل عنه الرجوع عن مقالته.
стр. 305
وأما الحشويَّة فإن أراد بهم أهل الحديث المتَّبعين للسلف فقد سبق الجواب عنهم، وأنهم إنما ينكرون النظر على الطريق الفلسفيَّة ويوجبون النظر على الطريق السلفيَّة.
وأما التعليميَّة (١) فهم عند عامَّة المسلمين مبتدعةٌ، ومن المسلمين مَن يكفِّرهم. والمعروف عنهم أنهم إنما يرون الاتِّباع للإمام؛ لأنه عندهم معصومٌ، فاتِّباعه في زعمهم ليس بتقليدٍ بالمعنى المتعارَف.
وبالجملة ف الأصول الضروريَّة من العقائد التي لا يكون المؤمن مؤمنًا إلا بها لا نعلم أحدًا يقول: يكفي فيها التقليد الحقيقيُّ ، والله أعلم (٢).
واعلم أنه لا فرق في التقليد بين أن يكون لعالم واحد وأن يكون لجماعة من العلماء / (٣) وإن اشتهر أنهم أهل السنة وأن مخالفهم من أهل البدعة.
أولًا: لأن اشتهار أن هذا قول أهل السنة جميعهم قد يكون غير صحيح، ويكون جماعة من أئمة السنة على خلافه. بل قد يكون القول الذي زعموا لك أنه قول أهل السنة إنما هو قول طائفة من المتأخرين، ويكون قول سلف هذه الأمة الذين هم أهل السنة في الحقيقة (٤) على خلافه، وسيأتي قريبًا قول ابن مسعود وحذيفة وغيرهما: إنها ستنتشر البدع ويألفها الناس حتى إذا تُرِكَ منها شيء قالوا: قد تُرِكَت السنة، وأن ذلك في حكم المرفوع، على أنها
стр. 306
ستأتي أحاديث كثيرة تفيد هذا المعنى.
ثانيًا: أن قول أهل السنة وحدهم ليس بإجماع، فلا يكون حجة كما هو مقرَّر في أصول الفقه، قال الإمام الغزالي: «المبتدع إذا خالف لم ينعقد الإجماع دونه، إذا لم يكفر، بل هو كمجتهد فاسق، وخلاف المجتهد الفاسق معتبر ... والمبتدع ثقة يقبل قوله؛ فإنه ليس يدري أنه فاسق ... » (١).
وإذا لم يكن حجة مطلقًا فكيف يكون حجة في العقائد التي لا يصح بناؤها إلا على الحجج القطعية المفيدة لليقين؟
ثالثًا: أن أهل السنة إنما حصل لهم الشرف باتباع الكتاب والسنة، فإنما يكون تقليدهم فيما يجوز فيه التقليد أولى لأن الظاهر أن قولهم موافق للكتاب والسنة، فإذا فُرِضَ أنه تبيَّن بالبحث والتحقيق أنهم قالوا في مسألة خلاف ما يدل عليه الكتاب والسنة فلا قيمة لقولهم فيها.
وإنما ننبِّهك على هذا؛ لأنَّ مِنْ طَبْع الإنسان أنه إذا عرف في طائفة أنهم على الحق في كثير من المسائل، وعرف في طائفة أخرى أنهم على باطل في كثير من المسائل، ثم ذكرت له مسألة اختلفت الطائفتان فيها، فإنه يتسرَّع إلى الحكم بأن الحقَّ فيها مع الطائفة الأولى، ولو لم يعرف لهم حجَّة، بل قد تُتْلى عليه الحجج الموافقة للطائفة الثانية، وتكون قويَّة ولا يعرف حجَّة للطائفة الأولى، ولكنه لا يستطيع دفع ذلك الوهم عنه، وهذا من أشنع الغلط.
وفي الحديث: «الكلمة الحكمة ضالَّة المؤمن، حيثما وجدها فهو أحقُّ
стр. 307
بها»، أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعًا (١).
وأخرج الديلمي وابن عساكر نحوه من حديث علي ﵇ كما «في المقاصد الحسنة» للسخاوي.
أقول: ومعناه صحيح يشهد له الكتاب والسنة. ومما يشهد له من السنة حديث أحمد وغيره في اليهوديّ الذي جاء إلى النبي ﵌ فقال: إنكم تشركون وتندِّدون، تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فنهى النبي ﵌ أصحابه عن ذلك (٢)، وسيأتي هذا الحديث وما في معناه إن شاء الله تعالى.
وحديث الحكمة يُشير إلى أمور: منها: أن الحق كثيرًا ما يوجد عند مَنْ ليس من أهله فضلًا عمن أسيئت سمعته، ولهذا قال: «فهو أحق بها» يريد: فهو أحق بها ممن وجدها عنده، وذلك صريح في أنه وجدها عند من ليس من أهلها. بل قوله: «ضالة المؤمن» إلخ صريح في أنه قد توجد الحكمة عند كافر. ولهذا يكون المؤمن أحق بها ممن وجدها عنده؛ إذ لو وجدها عند مؤمن لكان كلٌّ منهما حقيقًا بها، وإذا أمكن وجودها عند كافر فإمكان وجودها عند مبتدعٍ أو فاسقٍ أولى.
стр. 308
ومنها: أنه قد لا يوجد الحق في بعض المسائل عند من اشتهر بالحق؛ لأن من شأن الضالة أنها تقع في محلٍّ غير مناسب لها فلا توجد إلا فيه، ولا توجد في المحلِّ المناسب لها، فمن اقتصر على طلبها في المواضع المناسبة لها لم يظفر بها.
ومنها: أنه لا ينبغي للمؤمن أن يستنكف عن طلب الحق عند من اشتهر بخلاف الحق ولا عن قبوله منه، فإن من ضلّ خاتمه مثلًا فوجده في كُنَاسَة أو بيد مشرك أو مبتدع أو من يلابس القاذورات مثلًا لم يمنعه ذلك من أخذه، ولو امتنع لعُدَّ أحمق.
ومنها: أنه ينبغي للمؤمن أن يتعرَّف الحق من حيث هو حق، ولا يلتفت إلى حال من قاله، حتى لو اختلف عليه وليٌّ وفاجر أو إمام وجاهل لم يحمله ذلك على تلقّي كلام الوليِّ أو العالم بالقبول بدون تحقُّق أنه الحق، كما أن من ضلّ خاتمه مثلًا فلقيه وليٌّ وفاجر أو إمام وجاهل بيد كلٍّ منهما خاتم يقول له: أرى أن هذا خاتمك لم يلتفت إلى جلالة الوليّ أو الإمام ودناءة الفاجر أو الجاهل، بل يتأمَّل الخاتمين فأيُّهما عرف أنه خاتمه أَخَذَه، وإن كان هو الذي بيد الفاجر أو الجاهل.
ومنها: أن ترك الأخذ بقول وليٍّ أو إمام لا يكون تحقيرًا له ولا استخفافًا بحقه؛ فإن من عرف أن خاتمه هو الذي بيد الفاجر أو الجاهل، فأخذه وترك الذي بيد الوليِّ أو الإمام لم يُعَدَّ مُهينًا لهذين ولا مُسيئًا إليهما كما أنه لا يُعَدُّ معظِّمًا مبجلًا لذلك الفاجر أو الجاهل، وإن كان عليه شكره.
ومن أمعن في تدبُّر الحديث ظهر له أكثر مما ذكرنا.
стр. 309
ومما يحسن ذكره هنا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
تقول العرب: جَرَمَه بُغْضِي أن يظلمني أو على أن يظلمني أي: جعله بغضي يكسب ظلمي الذي هو جُرْمٌ، أي: ذنب.
ومن العدوان وترك العدل أن تردَّ قول العالم بدون حجة، ولكن لأنك تسيء الظنّ به أو لأن كثيرًا من الناس أو أكثرهم يخالفونه ويدَّعون عليه أنه يخالف الحقَّ في بعض المسائل. وكما أن هذا عدوان على ذلك العالم، فهو عدوان على الحق أيضًا؛ لأن عليك أن تطلبه بالحجة والبرهان، فَتَرَكْتَ ذلك، وعدوانٌ على نفسك أيضًا؛ لأنك ظالم لها.
والحاصل: أن طالب الحق إذا اختلف عليه العلماء كان عليه أن ينصب نفسه منصب القاضي فيسمع قولَ كلِّ واحد منهم وحجته، ثم يقضي بالقسط، فكما أن القاضي إذا اختصم إليه وليٌّ وفاجر أو مؤمن وكافر ليس له أن يقضي للوليِّ أو المؤمن بدون حجة، ولا أن يسمع منه ويُعْرِضَ عن خصمه، ولا أن يمتنع عن الحكم للفاجر أو الكافر إذا توجَّه له الحق، فكذلك طالب الحق في المسائل المختلف فيها.
ولعلك قد بلغك ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ في أيام خلافته أنه رافع يهوديًا إلى القاضي شريح وبيد اليهودي درعٌ،
стр. 310
فادَّعى أمير المؤمنين عليٌّ ﵇: «إنها درعي»، فأنكر اليهودي، ولم يكن لأمير المؤمنين بينة، فقضى القاضي لليهودي، فلما رأى اليهوديّ ذلك أسلم واعترف بأن الدرع درع أمير المؤمنين، فلما رأى أمير المؤمنين إسلامه واعترافه وهب له الدِّرْعَ.
والقصة ثابتة في كتب الحديث والتاريخ (١).
وبعض الناس يتوهَّم أنَّ مثل هذا الحكم إنما هو من باب طرد القواعد، وإلَّا فلا ريب في صحة قول أمير المؤمنين وبطلان قول اليهوديّ. وفيه أنه يجوز خلاف ذلك لجواز أن يكون أمير المؤمنين وَهَبَها أو باعها ثم نسي أو اشتبهت عليه درع بدرع أو نحو ذلك، فتدبَّرْ. والله أعلم.
واعلم أن أكثر العلماء المنتسبين إلى المذاهب لم ينصبوا أنفسهم منصب القضاة، وإنما نصبوا أنفسهم منصب المحامين، كلٌّ عن المذهب المنتسِب إليه (٢). فعلى طالب الحق أن ينزلهم منازلهم فلا يعدّهم قضاة يُقْبل قولهم في تأييد المذهب المنتسبين إليه وتخطئة غيره، بل عليه أن يعرف أنهم محامون عن مذاهبهم، فلا يسمع من أحد منهم إلا كما يسمع القاضي من المحامي.
ورُوِّينا من حديث عليٍّ بن أبي طالبٍ ﵇ أن رسول الله ﵌ قال له: «إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر؛ فسوف تدري كيف تقضي». قال عليٌّ: «فما زلت قاضيًا
стр. 311
بَعْدُ». رواه أحمد، والترمذيّ وحسَّنه، وأبو داود، وقوَّاه ابن المدينيّ، وصحَّحه ابن حِبَّان (١). وله شاهدٌ عند الحاكم من حديث ابن عبَّاسٍ (٢). كذا في بلوغ المرام (٣).
واشتهر من قول أمير المؤمنين عليٍّ ﵇: «لا تنظر إلى مَنْ قال وانظر إلى ما قال» (٤)، وسيأتي كثيرٌ مما يؤيِّد هذا المعنى.
وقال الإمام الغزالي: «الغلطة الثالثة: سببها سَبْقُ الوهم إلى العكس، فإنَّ ما يُرَى مقرونًا بالشيء يُظَنُّ أنَّ الشيء أيضًا لا محالة مقرون به مطلقًا، ولا يُدْرَى أنَّ الأخصَّ أبدًا مقرون بالأعمِّ، والأعمُّ لا يلزم أن يكون مقرونًا بالأخص. ومثله نُفْرَة نفس السَّلِيم وهو الذي نهشته الحيَّة عن الحبل
стр. 312
المبرقَش اللَّون؛ لأنه وجد الأذى مقرونًا بهذه الصورة، فتوهم أنَّ هذه الصورة مقرونة بالأذى. وكذلك تنفر النفس عن العسل، إذا شُبِّه بالعَذِرة؛ لأنه وجد الأذى والاستقذار مقرونًا بالرَّطْب الأصفر، فتوهَّم أنَّ الرَّطْبَ الأصفر مقرون به الاستقذار، ويغلب الوهم حتى يتعذَّر الأكل وإن حكم العقل بكذب الوهم، لكن خُلِقَتْ قُوَى النفس مطيعة للأوهام وإن كانت كاذبة، حتى إنَّ الطبع لينفر عن حسناء سمِّيت اسم اليهود إذا وجد الاسم مقرونًا بالقبح، فظنَّ أنَّ القبح أيضًا ملازم للاسم. ولذا تُوْرَد على بعض العوامِّ مسألة عقلية جليلة فيقبلها، فإذا قلت: هذا مذهب الأشعري أو الحنبلي أو المعتزلي نفر عنه إن كان يسيء الاعتقاد فيمن نَسَبْتَه إليه، وليس هذا طبعَ العامِّيِّ خاصَّة، بل طبعُ أكثر العقلاء المُتَّسمين بالعلوم، إلا العلماء الراسخين الذين أراهم الله تعالى الحقَّ حقًّا، وقوَّاهم على اتِّباعه .... » (١).
أقول: ومما يوضح ما قاله الغزالي أنك قد ترى من يشبه صديقًا لك فتميل إليه نفسك، مع أنك لم تره قبل ذلك، وترى من يشبه بغيضًا لك، فتنفر نفسك عنه، وترى من يشبه مخوفًا لك فتخافه، وقس على هذا. حتى إن الإنسان ليميل إلى سَمِيِّ صديقه، وينفر عن سميِّ بغيضه، ونحو ذلك، وقد يكون عهدك بصديقك أو بغيضك أو مخوفك بعيدًا، أو تكون مشابهة هذا له غير واضحة، فيخفى عنك السبب، فتبقى متعجبًا ما بال نفسي مالت إلى هذا الشخص مع أني لم أره قبل الآن. وما لها نفرت عن هذا مع أني لم أره قبل الآن، وأكثر الناس يوجِّهون ذلك بتعارف الأرواح أو تناكرها، وهذا وإن كان صحيحًا في الجملة إلَّا أنَّ الغالب ما تقدّم، وأنت إذا تذكّرت وتفكَّرْت
стр. 313
عرفت صحَّة ما ذكرنا. وهذا الباب واسع حتى لقد ترى الشخص فتظنُّه عالمًا، وما ذلك إلا لمشابهةٍ بينه وبين رجلٍ عالمٍ قد عرفته قبل ذلك.
فأمَّا ما ذكره الغزاليُّ أنَّ الإنسان قد تُذْكَر له مسألة عقلية جليلة فيقبلها، فإذا قيل له: هذا قول الأشعرية وكان يسيء الظن بهم نفر عنها، فقد يكون لما ذكر بأن يكون هذا الإنسان طالب علم، وقد عرف مسائل أخطأ فيها الأشعرية، فلما نُسِبَتْ هذه المسألة إليهم نفرت نفسه عنها لمشابهتها لتلك المسائل في أنَّ الجميع من قول الأشعرية، فتوهَّم أنَّ المشابهة في هذا الأمر تشعربالمشابهة في الخطأ، وقَوِيَ هذا المعنى في وهمه حتى غلب ما قام لديه من دليلٍ على صحَّة قولهم في تلك المسألة.
وقد يكون طالع مذهب الأشاعرة فظهر له أنَّ الغالب فيما يخالفون فيه المعتزلة الخطأ، فاجتمع عنده القياس الوهميُّ السابق مع الحمل على الغالب.
وقد يكون سمع كثيرًا ممن يحسن الظن بهم يذمّون الأشعرية، وقد يكون وجد آباءه وأشياخه على الاعتزال ونشأ عليه، فصار يكره أن يُنْسَب الغلط إلى مذهبه ومذهب آبائه وأشياخه. وهذا هو التعصب، وهو أوْخَم هذه الأمور، فلقد بلغ بكثير من الناس إلى ما يظهر منه اعتقاد العصمة في فرد من أفراد الأمة؛ فإنك تجد كثيرًا من المقلدين للشافعيِّ مثلًا لا يجوِّزون الخطأ عليه. فإن قيل: إنهم لا يصرِّحون باعتقاد العصمة. قلت: نعم، ولكن ألا تراهم كلما عُرِضَ عليهم قولٌ من أقوال الشافعي اعتقدوا أنه الحق، ولا يتردَّدون فيه، ولو خالف القرآن أو خالف الأحاديث الصحيحة أو خالف أكابر الصحابة أو خالف جمهور الأمة؟ فلولا أنهم يعتقدون له العصمة لكانوا إذا بُيِّنَتْ لهم الحجة على خلافه خضعوا لها.
стр. 314
ولقد كثر اعتقاد العصمة في كثير من أفراد الأمة فضلًا عن الطوائف كالأشعرية والمعتزلة ونحوها، ومع هذا فلا نقول فيمن لم يصرِّح باعتقاد العصمة إنه يعتقدها، وإنما وقعوا فيما وقعوا فيه بالتعصب ومحبة النفس، فإنَّ أحدهم يحب نفسه حتى لا تطاوعه نفسه إلى الاعتراف بأنَّ آباءه أو مشايخه أو أهل مذهبه أخطؤوا، فلذلك تجده لا يميل إلى الاعتراف بأن إمامه أخطأ، وإن قامت الحجة عليه، بل يذهب يحرِّف الحجج ويؤوِّلها. وليس هذا بالتقليد الذي أجازه العلماء في الفروع وأنكره بعضهم، وإنما التقليد المجوَّز أن تأخذ بقول مجتهد لا تعلم حجَّته، ولكن قد قام عندك دليل يفيد الظن بأنَّ قوله صواب، فإذا أُخْبِرْتَ بدليل أقوى من الدليل الأول يدلُّ على أنَّ ذلك المجتهد أخطأ، وأنَّ الصواب قول مجتهد آخر، لزمك أن ترجع إلى قول الآخر، فإن منعك التعصُّب فعليك أن تكتفي بقول: «لعلّ لإمامي جوابًا عن هذا الدليل». واعلم أنَّ هذا لا أراه ينجيك؛ لما تقرَّر في الأصول من وجوب اعتقاد أنَّ الدليل الظاهر على ظاهره، والعمل بمقتضى ذلك حتى يتمَّ البحث، فإن ظهر بالبحث أنَّ هناك دليلًا آخر يوجب تخصيص الأول أو تأويله عُمِلَ به من حين ظهوره. ذَكَرَ أهلُ الأصول هذه المسألة في بحث الأمر وبحث العامِّ (١).
ولا فرق بين المقلِّد وغيره؛ لأنَّ قول إمامه وإن كان شبه قرينة على أن لذلك الدليل مخالفًا، فهذه القرينة معارَضَةٌ بقول مَنْ قال من المجتهدين بظاهر ذلك الدليل، والتفاوت بين المجتهدين يسير لا يقاوِم الدليلَ الظاهرَ
стр. 315
من الكتاب والسنة.
والمقصود أنَّ قولك: «لعلَّ لإمامي جوابًا عن هذا الدليل» لا ينجيك، ولكنه أهون من أن تَعْمِد إلى الأدلَّة المخالفة لمذهبك فتحرِّفها وتؤوِّلها وتبدلها، والعياذ بالله. هذا مع أن التقليد المجوَّز إنما هو في فروع الفقه، فأمَّا أصول الدين فلا يغني فيها التقليد المحض (١).
/ولو جاز التقليد في أصول الدين، لكان سلف الأمة أولى بأن يقلِّدهم الناس، فإنَّ لهم مزايا يعزُّ وجودها فيمن بعدهم.
منها: قربهم من عهد النبوَّة.
ومنها: بعدهم عن التقليد لغير المعصوم. فكان الصحابة ﵃ لما علموا أن أمور الدنيا ربما يرى النبيُّ ﷺ رأيًا يكون غيرُه أولى منه لا يمنعهم علمهم بعظيم قدره ﵌، وتفانيهم في محبته وتوقيره، عن الإشارة عليه بخلاف رأيه. وهذا كثير في الأحاديث، وثبت في حديث جابر في شأن الجمل الذي اشتراه رسول الله ﵌ منه، قال جابر: «كنا نراجعه مرَّتين في الأمر إذا أَمَرَنَا به، فإذا أَمَرَنَا الثالثة لم نراجعه» (٢). ومن كان له اطِّلاع على الحديث وجد المراجعة ثلاثًا موجودة في أحاديث كثيرة يكفي بعضها في تواتر هذا المعنى.
فأمَّا في أمور الدين فكانوا يعلمون عصمته ﵌ فيها فلم يكونوا يراجعونه في شيء منها إلَّا نادرًا، حيث يعلمون أنه صلَّى الله
стр. 316
عليه وآله وسلَّم استند إلى اجتهاده، كما راجعه عمر ﵁ في الصلاة على ابن أبيٍّ المنافق (١)؛ لأنَّ عمر فَهِم أنَّ النبيَّ ﵌ إنما استند في ذلك إلى رأيه. ثم كان أصاغرهم يخالفون أكابرهم في أمور الدين مع احترامهم لهم، وهكذا التابعون وأتباعهم والأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة وغيرهم يخالفون أكابر الصحابة فضلًا عن غيرهم. ولم يكن يخطر ببال العالم منهم أنَّ مخالفته مَنْ تَقَدَّمَه فيها احتقار أو سوء أدب في حقِّه، بل كان أحدهم يعترف بأنَّ مَنْ فوقه أفضلُ وأعلم منه، ولا يمنعه ذلك من مخالفته إذا ترجَّح له خلافُ قوله.
ومنها: الإخلاص، فكان أحدهم إذا سئل عما لا يعلمه حقَّ العلم لم يتوقف عن قول: لا أدري، وإذا أخطأ في شيء ثم وُقِفَ عليه لم يتوقَّف عن قوله: أخطأتُ، ولا يتكلَّم في علم لم يتقِنه، بل يقول: لا خبرة [٤٤] لي بهذا العلم، ولا يبالي بأنَّ ذلك قد ينقص مكانته في قلوب الناس ويعظم مكانة غيره من معاصريه ومخالفيه. وحسبك ما كان بين أمير المؤمنين عليٍّ وبين معاوية من النزاع، ولم يمنع ذلك معاوية أن يستفتي أمير المؤمنين عما أشكل عليه من الأحكام، كما في قضية الرجل الذي قتل آخر زاعمًا أنه وجده مع امرأته، وغير ذلك (٢).
والعلوم كالصنائع، قد يكون الرجل نَجَّارًا ولا يحسن من الصنائع
стр. 317
غيرها، ولا يمنعه ذلك أن يقال: إنه صانع ماهر، فهكذا قد يكون الرجل ماهرًا في العربية فقط كسيبويه، ولا يمنعه ذلك أن يقال: إنه عالم علَّامة إمام.
وكان أهل القرون الأولى من الورع والمعرفة بحيث إن العالم بفنٍّ لا يتعاطى الكلام في غيره، والعامَّة لا يسألون في كلِّ علمٍ إلَّا من عُرِفَتْ له الإمامةُ فيه. فكان الناس في بغداد في زمن المأمون وما بعده مَنْ أحب أن يسأل عن شيء من الحديث وفقهه سأل الإمام أحمد وأضرابه، ومَنْ أحب أن يسأل عن شيء من الرأي والقياس سأل أصحاب الإمام أبي حنيفة، ومَنْ أحبّ أن يسأل عن شيء من العربية سأل أصحاب الكسائي وأضرابهم، ومَنْ أحبَّ أن يسأل عن شيء من الورع وأمراض القلب سأل أضراب بشر الحافي وأصحابه، ومَنْ أحبَّ أن يسأل عن شي من [٤٥] المغازي والأخبار سأل أصحاب الواقدي وأمثالهم، وقس على ذلك.
وقد كان جماعة من أئمة الحديث المضروب بهم المثل إذا سئل أحدهم عن مسألة فقهية يقول للسائل: سَل الفقهاء.
ولكن في العصور الوسطى تغيَّر الحال، فكم من عارف بفنٍّ خاصٍّ تعاطى الكلام في غيره، واغترَّت العامة بشهرته فقلَّدوه في جميع العلوم.
وبالجملة فمزايا السلف كثيرة، وحسبك قول النبي ﵌: «خير أمتي القرن الذين يلوني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته».
والحديث في الصحيحين وغيرهما عن جماعةٍ من الصحابة (١)، وفي
стр. 318
ألفاظه اختلافٌ، واللفظ الذي ذكرناه لمسلمٍ في صحيحه عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ (١).
وفي مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرها عن عرباض بن سارية ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﵌ ذات يوم ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مُوَدّع فأوصنا، فقال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة» (٢).
стр. 319
[٤٦] وفي سنن أبي داود وسنن الدارمي وغيرهما عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: «يُفتح القرآن على الناس حتى يقرأه المرأة والصبيُّ والرجل، فيقول الرجل: قد قرأتُ القرآن فلم أُتَّبَع، والله لأقومنَّ به فيهم لعلي أُتَّبع، فيقوم به فيهم فلا يُتَّبَع، فيقول: قد قرأتُ القرآن فلم أُتَّبَع، وقد قمت به فيهم فلم أُتَّبَع، لأحتظرنَّ في بيتي مسجدًا لعلي أُتَّبَع، فيحتظر في بيته مسجدًا فلا يُتَّبَع، فيقول: قد قرأتُ القرآن فلم أُتَّبَعْ، وقمتُ به فيهم فلم أُتَّبَع، وقد احتظرتُ في بيتي مسجدًا فلم أُتَّبَع، والله لآتينَّهم بحديث لا يجدونه في كتاب الله ولم يسمعوه عن رسول الله لعلِّي أُتَّبَع، قال معاذ: فإياكم وما جاء به؛ فإنَّ ما جاء به ضلالة» (١).
وفي سنن الدارمي أيضًا عن الحسن قال: «سننكم، والله الذي لا إله إلا هو، بينهما: بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى وهم أقل الناس فيما بقي .... » (٢).
وفيها أيضًا عن ابن مسعود ﵁ قال: «كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير إذا تُرِكَ منها شيء [٤٧] قيل: تُرِكَت السنَّة ... » (٣).
стр. 320
أقول: وهذا الموقوف له حكم المرفوع؛ لأنه مما لا يُقال بالرأي.
وفي كتاب ابن وضاح (١) عن حذيفة ﵁: «أنه أخذ حجرين فوضع أحدهما على الآخر ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله! ما نرى بينهما من النور إلَّا قليلًا، قال: والذي نفسي بيده لتظهرنَّ البدع حتى لا يُرى من الحق إلا قَدْر ما بين هذين الحجرين من النور، والله لتفشُونَّ البدع حتى إذا تُرِكَ منها شيء قالوا: تُرِكت السنة ... ». وهذا الموقوف له حكم المرفوع أيضًا؛ لأنه لا مجال للرأي فيه.
ومن أعظم مزايا السلف: ما نبَّه عليه ابن الحاج (٢) ﵀, قال ما معناه: كان في عهد السلف إذا ابتدعت العامّة بدعة قام العلماء في إبطالها، وأما علماء الخلف فإنهم إذا ابتدع أحد من العامَّة والأمراء والأغنياء بدعةً قام العلماء في الترغيب فيها والانتصار لها وتوجيهها.
أقول: وقد صدق وبرَّ، ومَن أراد من أمرائنا وأغنيائنا فليجرِّب بأن يُحْدِثَ بدعة، ثم يستعين بالعلماء والمتصوِّفين فسيجدهم أسرع ما يكون إلى الترغيب فيها وتحريف الكتاب والسنة في سبيل تحسينها وتضليل أو