← Акыда

Акыда · id 326

رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 169 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

المشركين إنما كانوا يرجون شفاعة الملائكة، وقد بيَّن الله في عدَّة آيات صفات الملائكة الشريفة، وبيَّن في عدَّة آيات أنهم لا يسمعون دعاء المشركين، وأنهم غافلون عنه، وبذلك تكون القرينة على الحذف ظاهرة. وهنا جواب آخر لعله أقوى من هذا, وهو أنَّ المراد لا يملكون شيئًا ملكًا ذاتيًّا، أي بغير تمليك الله سبحانه إيَّاهم ولا يعقلون عقلًا ذاتيًّا أي غير موهوب لهم من الله ، والملائكة كذلك. والمعنى يؤيِّده، فإنَّ المدار على إثبات أنهم لا يستحقُّون العبادة، واستحقاق العبادة إنما يكون بالقدرة الذاتيَّة، فأمَّا القدرة الموهوبة من الله فإنها لا تفيد في استحقاق العبادة، فإنَّ بني آدم أنفسهم يملكون ما ملَّكهم الله تعالى ويعقلون بعقلٍ موهوب لهم منه، ولم يستحقوا العبادة، ومثل هذا المعنى كثير في القرآن مِنْ نفي الملك (والضرِّ والنفع) (١) الذاتي. وبعد هذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ... قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٧٣ - ٧٧]. وقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي .... ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] والسياق يدل (أن) (٢) المراد الملائكة.

стр. 597

وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (١) كما يأتي في بحث الدعاء إن شاء الله تعالى. أما المفسرون فقال الإمام الرازي وغيره عند [س ١١٩/أ] قوله تعالى ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]: هذا ردٌّ لما يجيبون به, وهو أنَّ الشفعاء ليست الأصنام أنفسَها بل أشخاص مقرَّبون هي تماثيلُهم (٢). أقول: وهذا يحتاج إلى توجيهٍ وإيضاحٍ, فأستعين الله وأقول: قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ على وِزان قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١] وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان معناها ومعنى ما بعدها من الآيات قريبًا (٣). وحاصل معناها أنها استفهامٌ, أي: أم هل اتخذوا آلهة [س ١١٩/ب] يعتقدون أنهم ينشرون من الأرض؟ فإن كان ذلك فهاك الجواب: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ..... ﴾ [الأنبياء: ٢٢] مع أنَّ المشركين لم يعتقدوا في

стр. 598

آلهتهم أنهم ينشرون من الأرض, كما نصَّ الله على ذلك في آيات كثيرة، ويجمعها ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ولكنَّ الآية تعريض بجهلهم كأنه يقول: لو اتخذوا آلهة يظنون أنها تنشر من الأرض لكان جهلُهم أخفَّ من أن يتخذوا آلهة ليسوا كذلك. أقول: فكذا قوله : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ فهي استفهام عن شأنهم في عبادتهم الأصنام، أي: أم هل اتخذوا معبودات يعتقدون أنها تشفع لهم؟ فإن كان ذلك فهاك الجواب: ﴿أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ والآية الثانية على ما قاله الإمام الرازي وغيره (١). وعلى هذا فليس في الآية أنَّ المشركين كانوا يزعمون أنَّ الأصنام [س ١٢٠/أ] شفعاء، وإنما الآية تعريض بهم أي أنهم لو عبدوا شيئًا يظنون أنه يشفع لهم لكان جهلهم أخفَّ من أن يعبدوا شيئًا لا يرجون منه شفاعة وهو الأصنام. فالمشركون يجيبون بأنهم وإن كانوا لا يرجون من الأصنام أنفسها شفاعة فإنهم يرجون من الأشخاص التي هي تماثيل أو تذاكر لهم، وعبادتهم لها إنما هي ذريعة لعبادة أولئك الأشخاص. فيُنْتَقَل إلى محاجَّتهم في أولئك الأشخاص. وقبل أن نخرج من بحث الأصنام نذكر سؤالين مهمَّين: الأول: قد جاءت آثار كثيرة في شأن اللَاّت تخالف ما تقدَّم، ففي صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس قال: كان اللات رجلًا يلتُّ سَويق

стр. 599

الحاجِّ (١). وأخرج النسائي وغيره (٢) عن مجاهد نحوه مطوَّلًا، وفيه: فلما مات عبدوه، وقالوا: هو اللات، وكان يقرأ: "اللاتَّ" مشددة. وأخرج الفاكهي (٣) عن ابن عباس: أنَّ اللات لما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم يمت ولكنه دخل الصخرة فعبدوها وبنوا عليها بيتًا. [س ١٢٠/ب] وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ﴾ قال: كان رجل من ثقيف يلتُّ السويق بالزيت فلما توفي جعلوا قبره وثنًا (٤). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩]، قال: اللات كان يلتُّ السويق بالطائف فاعتكفوا على قبره، والعُزَّى شجرات (٥). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي صالح قال: اللات الذي كان يقوم على آلهتهم، وكان يلتُّ لهم السويق، والعُزَّى بنخلة كانوا يعلِّقون عليها

стр. 600

الستور والعهن، ومناة حجر بقُديد (١). وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء قال: اللات حجر كان يلتُّ السويق عليه، فسُمِّي اللات (٢). السؤال الثاني: أنَّ لهم أصنامًا مذكَّرة الأسماء كهُبل ومناف، وهذا يدفع أن يكون هذا الضرب تماثيل أو تذاكر للملائكة؛ لأنهم كانوا يزعمون أنَّ الملائكة إناث؟ [س ١٢١/أ] الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلَّى لله وسلَّم وبارك على خاتم أنبيائه وآله وصحبه. أما السؤال الأوَّل فعنه أجوبة، وقبل الشروع فيها نذكر كلام أهل اللغة والتفسير في اللات، قال بعضهم: هي على وزن باب وأصلها ليَت، وقيل: أصلها لَوَيَة والتاء فيها للعوض كهي في ذات، وقيل: أصلها لاهة، وقيل: إنهم اشتقوا هذا الاسم من لفظ الجلالة، قاله الواحدي وغيره، وقالوا نحوه في العزى ومناة. وقال أهل اللغة: إن من العرب من يقف عليها بالهاء ومنهم من يقف عليها بالتاء، والقراءات المشهورة كلُّها بتخفيف التاء إلَّا رواية عن ابن كثير فإنها بتشديد التاء، كما رُوي عن ابن عباس ومجاهد, والمعروف في اللغة الخفَّة، قال زيد بن عمرو بن نفيل (٣):

стр. 601

عزلتُ اللات والعُزَّى جميعًا ... كذلك يفعل الجَلْدُ الصبور وأنشدوا لبعضهم (١) في بعض حروب النبي ﷺ : غلبت خيلُ الله خيل اللَّات ... وخيلُه أحقُّ بالثبات وقال آخر (٢): وفرَّت ثقيف إلى لاتها ... بمنقلب الخائب الخاسر وقال عمرو بن الجعيد (٣): فإني وتركي وَصْل كأسٍ لكالَّذي ... تبرَّأ مِن لاتٍ، وكان يدينها ثم اختلفوا في موضعها ولمن كانت؟ فقال قتادة: كانت لثقيف بالطائف (٤)، وقال أبو عبيدة وغيره: كان بالكعبة (٥)، وقال ابن زيد: كان بنخلة [س ١٢١/ب] عند سوق عكاظ تعبده قريش (٦)، قال أبو حيان: يمكن الجمع بأن يكون المسمى بذلك أصنامًا فأخبر عن كلِّ صنم بمكانه (٧).

стр. 602

ثم إنَّ ما ذكره ابن عباس ﵁ وتلامذته وتلامذتهم حاصله بعد الجمع بين الروايات أنه كان في الطائف رجل كان سادنًا لأصنامهم يلتُّ السويق للحاجِّ على صخرة معروفة، ويظهر أنها كانت بمحلِّ أصنامهم، فلما مات قال عمرو بن لُحَيٍّ: إنه لم يمت ولكنه دخل الصخرة، فالصخرة هي التي كان يلتُّ عليها السَّويق، وهي قبره الموهوم، إن لم يكن قُبِرَ تحتها ــ الله أعلم ــ فعُبدت الصخرة. إذا علمتَ هذا فأقول: الجواب الأول: قد يكون عَمْرُو بن لُحَيٍّ قال لهم: إنَّ تلك الصخرة مباركة لأنها كانت بقرب الأصنام وكان يلتُّ عليها السويق للحاجِّ، ثم إنها ابتلعت صاحبها مع أنَّ وصف ذلك السادن وهو لفظ اللاتّ مشدَّدًا يقارب اسم أحد الملائكة اللات مخفَّفة، اختلق لهم عَمرو هذا الاسم مروِّجًا لصحته بأنه مشتقٌّ من لفظ الجلالة كما ذكره الواحدي وغيره (١)، فينبغي أن تُجعل تذكارًا لهذا الملَك وتُسمَّى باسمه اللات، فقرأ ابن عباس ــ إن صحَّ عنه ــ وبعضُ تلامذته بالتشديد، كأنه والله أعلم تحاشيًا عن النطق بها مخفَّفة لما في [س ١٢٢/أ] وضْع هذا الاسم كذلك من الكفر والبَهْت، وقد يكون في ذلك نقلٌ عن النبي ﵌، وهو الظاهر، وقرأها الجمهور بالتخفيف اتِّباعًا، ولأنَّ هذا الاسم كذا وُضع، وحاكي الكفر ليس بكافر. ومَنْ وقف عليها بالهاء نظر إلى أصل وضع الاسم، ومَنْ وقف عليها بالتاء حرص على ما قصده عَمْرو بن لُحيٍّ من موافقة الاسم لصفة ذلك

стр. 603

السادن. وعلى كلِّ حالٍ فهي مؤنَّثة، فقد قال أبو بكر الصديق ﵁ لعروة بن مسعود الثقفيِّ يوم الحديبية: اُمْصُصْ بظر اللات. الجواب الثاني: قد لا يكون سُمِّيت اللات مخفَّفة من أوَّل الأمر وإنما سُمِّيت اللاتُّ مشدَّدة بصفة السادن ثم خفِّفت لكثرة الاستعمال، ثم تقادم العهدُ فنُسِيَتْ قصَّة السادن وظنُّوا أنَّ اللات اسمُ مَلَك من الملائكة، وتلك الصخرة تذكار له. الجواب الثالث: [س ١٢٢/ب] أنَّ اللاتَّ مشدَّدةً اسمُ الصخرة المذكورة ثم خُفِّفَتْ لكثرة الاستعمال فقد قال الشاعر (١): وفرَّت ثقيف إلى لاتها ... بمنقلب الخائب الخاسر وصار يُؤَنَّثُ باعتبار الصخرة، ولذلك قال الصِّدِّيق ما قال. وكان لقريش صنم آخر سمَّوه اللات مخففة مؤنَّثة زعموا أنه اسم لملَك اشتقاقًا من لفظ الجلالة. وفي هذا الجواب الثالث ضعف، والأوَّل قويٌّ, والثاني أسلم من التكلُّف وأشبه بطبيعة النشوء التي تكاد تكون عامَّة في الوثنيَّة. ثم رأيت في شرح القاموس (٢) ما يؤيِّده، ثم رأيت في معجم البلدان (٣)

стр. 604

لياقوت ما لفظه: ودام أمرُ عَمرٍو وولدِه عليه نحو ثلاثمائة سنة، فلما مات استمرُّوا على عبادتها وخفَّفوا التاء، ثم قام عَمْرو بن لُحَيٍّ فقال لهم: إنَّ ربَّكم كان قد دخل في هذا الحَجَر يعني تلك الصخرةَ، ونصبها لهم صنمًا يعبدونها ... اهـ. وفي القصَّة تخليط شديد فراجِعْ. ويؤيِّد الجوابين الأوَّلين تعدُّد التماثيل أو التذاكر التي يسمُّونها اللات، وذلك أنَّ اللات عندهم هو اسم الملَك، فيمكن أن يجعلوا له عدَّة تماثيل أو تذاكر يُسمُّون كلَّ واحد منهم باسمه [س ١٢٣/أ] كما تقدَّم في قصَّة نوح (١) أنَّ الشيطان جعل لهم تماثيل لأولئك الرجال الصالحين وسمَّى كلَّ تمثالٍ باسم صاحبه، ووضعوها في مُصَلَّاهم ثم جعل مثل ذلك لكلِّ أحد في بيته، وهكذا نرى الوثنيِّين في الهند تتعدَّد تماثيلُ (٢) لشخصٍ واحد. وإنما امتازت لاتُ ثقيفٍ لأنها الأُولى من نوعها لقصَّة السادن، والله أعلم. وأما السؤال الثاني, فعنه جوابان: الأول: أنَّ تلك الأصنام كأخواتها تماثيل للملائكة، ولكن كأن الشيطان لم يوحِ إليهم باسم ذلك الملَك فسمَّوا الأصنام أنفسها [س ١٢٣/ب] بأسماء مذكَّرة اعتبارًا بلفظ الصنم أو الوثن أو نحو ذلك. الجواب الثاني: يمكن أن يكون الشيطان أوحى إليهم أنهم كما جعلوا تماثيل للملائكة يعظِّمونها فالله لا ينبغي أن يكون أقلَّ حظًّا فجعلوا

стр. 605

لله تماثيل أو تذاكر كما أوحى إليهم الشيطان، ولكنهم تحاشَوْا أنْ يسمُّوها باسمه فسمَّوها أنفسها بهبل ومناف وغير ذلك. ومما يساعد هذا أنَّ هبل كان عندهم أعلى من غيره، ولهذا قال أبو سفيان يوم أحد: اعْلُ هُبَل، فخصَّه بالذكر في ذلك المقام، فأمر النبيُّ ﵌ أصحابه أن يجيبوه: "الله أعلى وأجلُّ" (١). ويظهر أنَّ هذا الجواب يتضمَّن إبطال هُبل، إذا كان وُضع على أن يكون تمثالًا لله ؛ فإنَّ قوله: "الله أعلى وأجلُّ"، يبيِّن أنه أعلى وأجلُّ مِن أن يُجعل له تمثال، ولهذا عدل أبو سفيان إلى قوله: "لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم"، كأنه يقول: لنا شفيع ولا شفيع لكم. فأمرهم النبي ﵌ بأن يجيبوه: الله مولانا ولا مولى لكم [س ١٢٤/أ] أي: أن الله نفسه مولانا وناصرُنا ومعينُنا ولا مولى لكم. خلاصة اعتقاد المشركين في الأصنام أنها تماثيل وتذاكر للملائكة، وقد يكون فيها تمثال أو تذكار لله كما تقدَّم، وأنها أنفسها لا تضرُّ ولا تنفع، وإنما هي ذريعة إلى عبادة مَنْ جُعِلَتْ تمثالًا أو تذكارًا له. تعظيمهم للأصنام (٢) كانوا يتمسَّحون بها ويعكُفون عليها ويُضَمِّخونها بالطيب ويتقاسمون بالأزلام عندها ولم أر نقلًا صريحًا في أنَّ المشركين كانوا يسجدون

стр. 606

للأصنام، بل جاء ما ينفي ذلك، فأخرج مسلم في صحيحه (١) عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفِّر محمد وجهه بين أظهركم فقيل: نعم، الحديث، وهذا يدلُّ أنهم كانوا يستشنعون السجود، ولو كانوا يسجدون للأصنام ما أنكروا عليه ﵌ السجود لله. ومما يُروى عن أبي طالب في أسباب توقُّفه عن الإسلام أنَّه استشنع السجود قائلًا: والله لا تعلوني استي أبدًا، والقصَّة في مسند أحمد وغيره (٢). [س ١٢٤/ب] وهل جاء في القرآن أنهم كانوا يدعونها؟ لم أر ما هو صريح في ذلك إلَّا أن يكون قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٣ - ٧٦].

стр. 607

فإن هذه الصفة لا تقال في المعدوم وهي الإناث الخياليات (١)، ولا تصدُق على الملائكة أو الشياطين لأنهم قد يستطيعون الاستنقاذ من الذباب كالآدميِّين على الأقلِّ، اللهمَّ إلَّا أن يُقال: إنَّ المراد: لا يستنقذوه منه بقدرة ذاتيَّة لهم أي بغير إذن الله تعالى؛ لأنَّ الكلام إنما هو في قدرة تؤهِّلُهم لأَنْ يُدْعَوا من دون الله تعالى، ويؤيَّد هذا بأنَّ الضمائر ضمائرُ العقلاء. وقد جاءت آيات في الملائكة وفي المسيح ﵇ وفي الشياطين أنهم لا ينفعون ولا يضرُّون، والمراد بغير إذن الله تعالى, فلماذا لا يُحْمَل ما هُنا على ذلك؟ بل إنَّ عمومَ سَلْبِ النفع والضر يتناول سَلْبَ الاستنقاذ من الذباب. وعلى هذا فقوله: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾، المراد به الضعف الذاتيُّ؛ فإنَّ الملائكة وغيرهم متَّصفون بالضَّعف الذاتيِّ، وما كان لهم مِن قدرة فليست ذاتيَّة، وإنما هي موهوبة من الله تعالى ومحصورة فيما يأذن به. ومما يؤيد أنّ المراد الملائكة/ (٢) السياق: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾، أي والله أعلم: أنَّ أكابر الملائكة ليسوا إلَّا رسلًا يصطفيهم الله تعالى كما يصطفى الرسل من الناس، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، كقوله في آية الكرسي: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، والمراد سيأتي إن شاء الله تعالى. وقال صاحب روح المعاني (٣) في تفسير الآية: "والآية وإن كانت نازلة

стр. 608

في الأصنام فقد كانوا كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يطلونها بالزعفران (ورؤوسها بالعسل) ويغلقونه عليها, فيدخل الذباب من الكُوى ويأكله, إلَّا أنَّ الحكم عامٌّ لسائر المعبودات الباطلة". ونفي القدرة الذاتية يشترك فيه جميع المخلوقين. وقوله في الآية: "نزلت في الأصنام" لم تقم به حجة فيما أعلم، وفي صحته نظر، أوّلًا لأنَّ آيات الدعاء في القرآن في حق مشركي العرب منها ما هو صريح في أنَّ المراد الإناث الخياليَّة وما هو صريح في أنَّ المراد الشياطين، ومنها ما هو محتمل، فالأَوْلى حملُ المحتمِل على الصريح. ويوضحه الوجه الثاني وهو: أنَّ الدعاء على ما يأتي إن شاء الله هو الرغبة إلى المدعو والسؤال منه، وقد تقدَّم أنَّ المشركين لم يكونوا يعبدون الأصنام إلَّا على أنها تماثيل أو تذاكر للملائكة فكيف يسألونها؟ اللهمَّ إلَّا أنْ يقال: لعلَّهم كانوا يوجِّهون الدعاء إليها والمقصود دعاءُ الأشخاص الذين جُعلت تماثيلَ لهم وإنما وجَّهوا الدعاء ... (١). فأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ... ﴾ [الأعراف: ١٩٤ - ١٩٥]، فسيأتي تفسيرها إن شاء الله تعالى في معنى الدعاء (٢) (٣).

стр. 609

والأزلام قداح مُعَدَّة للقرعة والاستخارة، ولم يكن من شرطها أن تكون عند الأصنام، فقد جاء أنَّ ... خرج إلى حنين والأزلام معه يستقسم بها، وفي قصة سراقة بن مالك بن جُعْشُم أنه لما خرج يتبع أثر النبي ﵌ حين هاجر كانت الأزلام معه يستقسم بها (١)، ولكن كانوا يرون أنَّ كونها عند الأصنام أنجح كما في قصة امرئ القيس ... للأخذ بثأر أبيه، فاستقسم عند ذي الخَلَصَة فخرج القِدْحُ الذي يفيد النهي عن الخروج فقال: لو كنت يا ذا الخلصة (٢) الموتورا ... دوني وكان شيخك المقبورا لم تنه عن قتل العُداة زُورا (٣) وكانوا يقترعون بها عند اختلافهم ويقضون بها، وقد جاء ذلك في قصة عبد المطلب عند نذره ذبح ولده عبد الله (٤)، وكانوا عند القرعة أو الاستخارة بها يدعون آلهتهم أن يرشدوهم إلى الصواب. ومن الأصنام شجر ينوطون ... , ومنها ... أي حجارة يتحرَّون الذبح عليها ذاكرين أسماء آلهتهم، ولم يتبيَّن لي سبب ذلك عندهم.

стр. 610

وكانوا يزورون الأصنام من الأماكن البعيدة ويطوفون بها كما يطوفون بالكعبة (١)، وكانت الأوس والخزرج يُهِلُّون لمناة الطاغية ثم يجيئون إلى الصَّفا والمروة فيسعون بينهما (٢). والله أعلم. [س ١٢٥/أ] اعتقادهم في الملائكة اعلم أنَّ أكثر الناس في غفلة عن كون مشركي العرب جميعهم أو غالبهم كانوا يعبدون الملائكة، وأنت إذا تدبَّرْتَ ما تقدَّم من الآيات في فَصْلَي التأليه والعبادة في الملائكة والإناث الخياليَّات فإنهما واحد عند المشركين [وأهل] (٣) النحل المتقدمين, والآيات الآتية في فصل الدعاء إن شاء الله تعالى علمت ذلك قطعًا. وفي القرآن آيات أخرى, فنجد القرآن يفرد في بعض المواضع محاجَّتهم في نسبة الولد إليه، وفي بعضها في جعل الولد إناثًا وفي بعضها في جعل الملائكة إناثًا، وفي بعضها في عبادة الملائكة, فيمكننا أن نقول: إنَّ الأقسام أربعة: الثلاثة الأولى تتعلَّق بذوات الملائكة، والرابع بعبادتهم، وإفراد القرآن كلَّ واحد منها بالإنكار يَدُلُّ أنَّ كلَّ واحد من الأقسام بهتان على حِدة. وتخصيص الإناث بهتان آخر أي بحيث لو فُرض جواز نسبة الولد إليه لكان جَعْلُ ذلك الولد إناثًا بهتانًا؛ لأنَّ اتِّخاذه تعالى ولدًا إناثًا أشدُّ امتناعًا من اتخاذه ولدًا ذكورًا. وجَعْلُ

стр. 611

الملائكة إناثًا بهتان ثالث أي بحيث لو لم يقولوا هم: ولَدُ الله, بل اعترفوا بأنهم من خلقه لكان جَعْلُهم إناثًا بهتانًا. والعبادة بهتان، أي بحيث لو قالوا: إنَّ الملائكة مِنْ خلق الله تعالى، ليسوا [س ١٢٥/ب] وَلَدَه، ولم يقولوا: إنهم إناث، ولكنهم أصرُّوا على عبادتهم لكانت عبادتهم بهتانًا، فتأَمَّلْ هذا وتدَبَّرْ آياتِ القرآن تجدْه بغاية الوضوح إن شاء الله تعالى. والذي يُهِمُّنا هنا إنما هو القسم الرابع فنقول: قد تقدَّم بيان القرآن بغاية الصراحة أنَّ المشركين كانوا يعترفون لله بالانفراد بالخلق والرَّزْق وتدبير الأمر والقبض على ملكوت كل شيء وأنه يجير ولا يجار عليه، إذن فماذا أبقوا للملائكة؟ أبقَوا لهم الشفاعة فقط. أخبر الله عنهم أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. لعلَّهم كانوا يعتقدون أنَّ شفاعتهم تنفع وإن لم يرض الله ؟ [س ١٢٦/أ] كلَّا، فإنها حينئذ لا تكون شفاعة بل تكون أمرًا وإلزامًا. وأيضًا فاعترافهم بأنه سبحانه يجير ولا يجار عليه يُبْطِلُ هذا. فلعلَّهم يقولون: إنَّ البارئ لا بدَّ أن يقبل إكرامًا للملائكة، وإن كان هو غيرَ راض؟ كلَّا، فإنهم يعترفون بأنه تعالى بيده ملكوت كلِّ شيء، ومَنْ بيده ملكوتُ كلِّ شيء لا يكون محتاجًا إلى أحد حتى يقبل شفاعته مُكْرَهًا، فإنَّ أهل الدنيا إنما يقبلون الشفاعة مُكْرَهين ممن هم محتاجون إليه، وقد كانوا يقولون في تلبيتهم كما في الصحيح: لبَّيك لا شريك لك إلَّا شريكًا هو لك تملكه وما ملك (١).

стр. 612

فلعلَّهم كانوا يقولون: إنَّه لمحبته للملائكة لا بدَّ أن يقبل شفاعتهم برضاه؟ (١) ربما يدفعه اعترافهم بأنه يجير ولا يجار عليه؛ فإن إطلاق "يجير" يشمل الملائكة بل إجارة الملائكة هي المقصودة بالذات في الآية، فإذا كانوا يعترفون بأنه سبحانه يجير من الملائكة لو فُرِضَ أنهم أرادوا إلحاق الضرر بأحد، فقد دلَّ هذا على اعترافهم بأنَّ الله تعالى ليس رَهْنَ إرادةِ الملائكة. [س ١٢٦/ب] لِنَدَعْ هذا، فالظاهر أنهم كانوا يقولون: إن البارئ تعالى يقبل غالب شفاعة الملائكة برضاه، أما هذا فنعم، وهل هذا القَدْرُ باطل حتى نرى معظم محاجَّة البارئ تعالى لهم في القرآن مع كثرتها تدور على الشفاعة؟ ليس المحاجَّةُ في هذا وإنما هي في طمعهم في أنَّ الملائكة يشفعون لمن يعبدهم وأن الشفاعة تنفعهم، وقد تفنَّن القرآن في إبطال هذا الزعم، ويجمع الكلامَ على ذلك مرتبتان: المرتبة الأولى: يُبيِّن أنَّ الملائكة لا يشفعون لهم، وذلك على درجات: الأولى: أنهم لم يعبدوا الملائكة، وذلك لوجهين: الأول: أنَّ عبادتهم في قصدهم موجَّهة بالذات إلى البنات الوهميّات، [س ١٢٧/أ] وهم وإن زعموا أنهنَّ هنَّ الملائكة فقد قامت الحجَّة بخلاف ذلك، وبعبارة أخرى: إنما يعبدون الملائكة بعنوان أنهم بنات الله، تعالى الله عن ذلك، بحيث لو اعترفوا أنهم ليسوا بنات الله لما عبدوهم، فالعبادة

стр. 613

موجَّهة إلى صفة البنتيَّة وقد قام البرهان على عدمها. الوجه الثاني: أنَّ العمل إنما يُعدُّ تعظيمًا للشخص إذا كان يحبه ويرضاه، وليس عندهم دليل على أنَّ الملائكة يحبون ويرضون أنْ يُعْبَدوا؛ لأنهم لم يأمروا المشركين بعبادتهم، والدليل قائم على أنَّ الملائكة يَكْرَهون أنْ يُعْبَدُوا من دون الله ، إذ قد قامت الحجَّة أنهم ليسوا إلَّا عبادًا مخلصين، والعبد المخلص لا يحبُّ أنْ يُعَظَّم كما يُعظَّم ربُّه، فإنْ أحبَّ أن يُعظَّم تعظيمًا مَّا فبقَدْرِ ما يأذن به ربُّه. فإذا كان تعظيمُ المشركين للملائكة يضاهي تعظيمَ الله فقد تبيَّن أنَّ الملائكة لا يرضَون ذلك، وإن كان دونه فليس عندهم بيِّنةٌ بأنَّ ذلك القَدْرَ يرضاه الله وترضاه [س ١٢٧/ب] الملائكة، فكان العقل يقضي عليهم بأن يقفوا عند الحدِّ الذي تقوم الحجة على أنه مأذون به، ولم يفعلوا ذلك، فما هو الباعث لهم على هذا؟ هو الشيطان، فإذن ليس الباعث لهم على عبادة الملائكة محبَّتَهم إيَّاهم، لأنَّ المحبة شَرْطُها أنْ يقف المُحِبُّ مع رضا المحبوب، وإنما الباعث لهم طاعتهم للشيطان، فروحُ تلك العبادة موجَّه إلى رضا الشيطان. وقد بيَّن هذا المعنى بقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، ولعلَّ مِنْ ذلك قولَه تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٢ - ١٣]، وقد تقدَّم في فَصْلَي التأليه والعبادة آيات أُخَر.

стр. 614

[س ١٢٨/أ] الدرجة الثانية: أن الله إنما منح البشر قدرة محدودة يتصرَّفون فيها باختيارهم ظاهرًا ابتلاء لهم واختبارًا ليتبيَّن المطيع من العاصي، فأما الملائكة فلا حاجة لهم للابتلاء فهم مطهَّرون معصومون، وهذا يفيد أنَّ القدرة الممنوحة لهم إنما يتصرَّفون بها إذا أمرهم الله ﵎، وقد بيَّن ذلك بقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨]، ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾، معناه: لا يعملون إلا بأمره؛ لأنَّ تقديم الجارِّ والمجرور يفيد الحصر. فتفيد هذه الآية أنهم لا يعملون إلَّا إذا أمرهم ولا يفعلون إلَّا ما أمرهم. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠]. أقول: فإذا كان الملائكة لا يقولون إلَّا ما أمرهم الله ولا يفعلون إلا ما أمرهم, فما معنى الخضوع لهم وطلب الشفاعة منهم؟ لا أرى في ذلك إلا محاربةً الله ، ومطاوعةً الشيطان. [س ١٢٨/ب] الدرجة الثالثة: لنصرف النظر عن هذا، فقد قامت الحجة أن الملائكة ليسوا إلَّا عبادًا مخلصين، والعبد المخلص لا يفعل إلَّا ما يرضَى? ربُّه، فكيف إذا كان الربُّ هو الله الذي يعترفون بعظمته وغناه عما سواه، والعبيد هم الملائكة المطَهَّرون المنزَّهون عن حظوظ النفس المستغرقون في محبة ربهم .

стр. 615

فثبت بهذا أنَّ الملائكة لا يشفعون إلا لمن ارتضى ربهم ، إذن فالعاقل لا يوجِّه همَّته إلَّا إلى رضا الله ، وإذا حصل على ذلك لا يهمه غيره؛ لأنه إما أن يُنِيلَه مرادَه بدون شفاعة، وإمَّا أنْ يأذنَ للملائكة فيشفعوا له، وهم بطبيعتهم يشفعون لأنهم مستغرقون في محبة الله ، وقد علموا أنه ما أذن لهم في الشفاعة [س ١٢٩/أ] لهذا الشخص إلَّا وهو يحبها. لنفرض مُحالًا أنهم لا يحبُّون الشفاعة حينئذٍ أوْ لا يشفعون, أليس قد حصل المقصود وهو رضا الله ، وإنما يأذن للملائكة في الشفاعة إظهارًا لكرامتهم عنده ... (١). ألستم تعترفون أنَّ الله بيده ملكوت كل شيء، ومن ذلك قلوبُ الملائكة خصوصًا, وقد ثبت أنهم ليسوا إلَّا عبادًا لله تعالى، فإن فُرِضَ أنهم قد يشفعون بدون أمر الله (٢) فهو الذي يوجِّه قلوبَهم إلى الشفاعة أو عدمِها، وإذا كان الأمر هكذا فالمهمُّ هو رضا الله . وإذا كان كذلك فرِضَا الله إنما يُكْتَسَب بطاعته، فإنْ علم يقينًا أنه أمر بشيء اتَّبَع ويَتْرُك ما لا يعلم أطاعة هو أو معصية، ويكتفي بصدق القصد أنه لو علم كيف يطيعه لأطاعه, كما صحَّ عن زيد بن عمرو بن نفيل, فإنه تَرَكَ عبادةَ غير الله تعالى، وكان يقول: اللهم إني لو أعلم أحبَّ الوجوه إليك لعبدتُّك به، ولكني لا أعلم, ثم يسجد على راحته (٣). والمشركون قَبْلَ بَعْثِ محمَّد ﵌ لم يفعلوا هكذا، وكذلك مَنْ أدركتْه

стр. 616

البعثة لم يعملوا كذلك قبلها ولا بعدها، ولو أنهم [س ١٢٩/ب] خضعوا للحقِّ إلى هذا القَدْر لما تردَّدوا في تصديق النبيِّ ﵌ وقبول الإسلام، لأنَّ الإسلامَ جارٍ على ذلك الأصل؛ إلا أنه فصَّل الطاعات بحججٍ بيِّنات قام البرهان أنها من عند الله . فعلى كلِّ حالٍ قد ثبت أنَّ ما كان عليه المشركون يوجب غضبَ الله حتى مع صرف النظر عن نبوَّة محمَّد ﵌، وقد تقدَّم إثباتُ أنَّ الملائكة لا يشفعون إلَّا لمن ارتضى، وهو لا يرتضي الشفاعة لمن أشرك به، فالملائكة لا يشفعون للمشركين. وأغلب آيات الشفاعة ــ وعليها مدار محاجَّته تعالى للمشركين ــ تدور على هذا الأمر، وهو أنهم لا يشفعون إلَّا لمن ارتضى، حتى إنَّ أعظم آية في القرآن وهي آية الكرسي مبنيَّة عليه, [س ١٣٠/أ] فإنَّ قبلها قولَه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، أجمل في هذه الآية نَفْيَ الشفاعة وأراد بها ــ والله أعلم ــ الشفاعة المتعارَفَةَ بين الناس مِنْ أنَّ الشافع يُقْدِمُ على الشفاعة مِنْ دون إذنٍ من المشفوع إليه، وهذا تحذير للمؤمنين من الاتِّكال على الشفاعة إلى حدٍّ يتهاونون فيها بطاعة الله، ولم يقل هنا: "ولا شفاعة إلا بإذنه" أو نحو ذلك مبالغة في التحذير من الاتِّكال، ولكن نبَّه على المراد بالآية الثانية آية الكرسي، والخطاب وإن كان للمؤمنين فإنَّ فيه تعريضًا بالمشركين في اتِّكالهم على شفاعة الملائكة، ولذلك قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وهذا رد على المشركين

стр. 617

في اتخاذهم آلهة من دونه، ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [س ١٣٠/ب] هذه الصفات كان يعترف بها المشركون، ففي ذكرها استدلال على توحُّدِه بالألوهية وعلى ما بعده وهو قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ أي ــ والله أعلم ــ: أنَّ اتِّصافه بالصفات المذكورة ــ والمشركون يعترفون بذلك ــ يُحيل أن يتجرَّأَ أحدٌ مِنْ عباده على الشفاعة عنده. أي ــ والله أعلم ــ: في الآخرة مطلقًا, وفي الدنيا بالنسبة إلى الذين عنده كالملائكة. ثم رأيت في الدُّرِّ المنثور ما لفظه: "وأخرج الطبراني في السنَّة عن ابن عباس ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ يريد الذي ليس معه شريك, فكلٌّ معبود من دونه فهو خلق من خلقه لا يضرُّون ولا ينفعون ولا يملكون رزقًا ولا حياة ولا نشورًا ... ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ يريد الملائكة مثل قوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ يريد من السماء إلى الأرض ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يريد ما في السموات، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ يريد مما أطلعهم على علمه ... " (١). والآية التي استشهد بها هذا سياقُها: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨].

стр. 618

ثم أردفها الله تعالى بتمام الاستدلال على أنَّ الشفاعة عنده لا تكون إلا بإذنه فقال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الضمير للملائكة كما سمعتَ عن ابن عباس. وكذا قال مقاتل فَسَّر ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ بما بعد خلق الملائكة، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ بما قبل ذلك. وقد علمتَ أنَّ الملائكة مذكورون قبل ذلك (١)، فلا [س ١٣١/أ] مانع من عود الضمير عليهم. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ﴾ أي الملائكة ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، فلا يعلمون بعبادة المشركين لهم ولا بحاجاتهم ومقاصدهم إلا أن يشاء الله تعالى أنْ يُعْلِمَهم، (ويؤيِّد كونَ المراد الملائكة .... ) (٢). فإذن الأمر كله لله، والذي ينبغي للعاقل الاهتمام به رضا الله تعالى، وفيه إشارة إلى أنَّ اتخاذهم وسائط بين العباد وربِّهم جهل؛ لأنهم لا يطَّلعون على شيء من أحوالهم إلَّا إذا أطْلَعَهم الله ، فكيف يكون الله هو الذي يعلم بأحوالنا دون الملائكة، فيذهب العباد إلى أن يطلبوا منه تعالى أن يُطْلِع الملائكة أنهم يطلبون منهم أنْ يشفعوا لهم عند ربهم ؟ فليُرْضُوه تعالى من أوَّل الأمر ويطلبوا منه حاجاتهم. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ بيان لعِظَمِ ملكه وكمال قدرته، وشمولها كلَّ شيء وأنَّه مدبِّر كلِّ شيء، وحافظ، ولا يشقُّ عليه ذلك، فإذن هو الغنيُّ لا يحتاج إلى معونة أحد من الملائكة أو غيرهم.

стр. 619

[س ١٣١/ب] المرتبة الثانية: أنه لو فُرِضَ أنَّ الملائكة يشفعون لهم بدون إذنٍ لما نفعهم ذلك؛ فإنَّ الله تعالى هو الذي بيده ملكوت كلِّ شيء ويجير ولا يجار عليه باعتراف المشركين، فمِن ذلك قولُه تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]، قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني الملائكة عندما يقضي الله القضاء بالإذن لهم لشفاعة أو غيرها. أخرج البخاري في صحيحه والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: إنَّ نبيَّ الله ﵌ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعانًا (١) لقوله كأنه سَلْسَلَة على صَفْوان، فإذا فُزِّع عن قلوبهم ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ قالوا للذي قال: الحقُّ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ " الحديث (٢). وفي صحيح مسلم والترمذي والنسائي عن ابن عباس قال: كان رسول

стр. 620

الله ﵌ جالسًا في نفر من أصحابه فرُمِيَ بنجم فاستنار، الحديث. وفيه (١) قوله ﵌: "ولكن ربنا إذا قضى أمرًا سبَّح حملة العرش ثم سبَّح أهل السماء الذين يلون حملة العرش فيقول الذين يلون حملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ويخبرُ أهلُ كلِّ سماء سماءً" الحديث (٢). وفي سنن أبي داود عن ابن مسعودٍ [عن النبيِّ ﵌] قال: "إذا تكلم الله تعالى [بالوحي سمع أهل السماء الدنيا صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل ... ] (٣) (٤).

стр. 621

وأخرج ابن جرير وابن خزيمة وغيرهما [عن النوَّاس بن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله أن يوحي بأمرٍ تكلَّم] (١) بالوحي، فإذا تكلَّم بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله تعالى, فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا سجَّدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد فيمضي به جبريل ﵇ على الملائكة كلما مرّ بسماءٍ سماءٍ سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل" الحديث (٢). وفي هذا [المعنى] آثار ... (٣) والله أعلم (٤). والدليل النظري على أنَّ الشفاعة وقوعها بدون إذنٍ منه لا تنفع [بل] [س ١٣٢/أ] تكون معصية له تعالى، وجرأة عليه؛ إذ المشركون معترفون بعظمة الله وجلاله وكبريائه، وقد قامت الحجة عليهم أنَّ الملائكة ليسوا إلَّا خلقًا من خلقه, فلو اجترؤوا على أنْ يشفعوا لديه في حقِّ مَنْ سوَّاهم به تعالى في العبادة وعصاه بتعظيمهم لكان ظاهر ذلك رضاهم

стр. 622

بفعله، ورِضاهم بفعله محاربة لله ، وقد قال تعالى في الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]، وقد عصم الله الملائكة من الشفاعة بغير إذنه، وإنما هذا فرضٌ وتقدير حتى تقوم الحجة على العباد. [س ١٣٢/ب] فلم يبق أمام المشركين إلا شبهتان: إحداهما: التشبُّث بالقَدَر. الثانية: التقليد. أما الأولى فقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٥٠]. وقال : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٥ - ٣٧].

стр. 623

وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ [س ١٣٣/أ] مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف: ٢٠ - ٢٥]. قوله تعالى عقب الآية الأولى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وفي سياق الآية الثانية ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ وفي سياق الثالثة: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ يدل أنهم أرادوا بالتشبث بالقدر تكذيب الرسول ﵌. كأنهم أرادوا ــ والله أعلم ــ: أنت تقول: إن الله يأمرنا بترك الشرك وترك التحريم من عند أنفسنا، وهذا باطل؛ إذ لو كان الله يأمر بذلك كما تقول لكان يشاؤه، ولو كان يشاؤه لما وقع خلافه. فأجابهم الله بأمرهم أن يتفكَّروا في أحوال مَن تقدّمهم من الأمم التي (١) كانوا على مثل حالهم من الشرك والتقوُّل على الله تعالى، وجاءهم رسل منهم يبلِّغونهم أوامره ونواهيه كما جاء محمد ﵊ هؤلاء [س ١٣٣/ب] يبلِّغهم عن الله أوامره ونواهيَه, فكذَّب فريق من أولئك كما يكذِّب فريق من هؤلاء فعذَّب الله المكذبين أولئك (٢)، فليعتبر هؤلاء ويعلموا أنهم

стр. 624

إن أصرُّوا على التكذيب عذَّبهم الله تعالى كما عذَّب أولئك. وهذا وإن كان ظاهره مجردَ وعيد فقد تضمَّن حجَّة بيِّنة على صدق محمَّد ﵌ أوَّلًا وعلى سقوط شبهتهم ثانيًا. أما الدلالة على صدق محمَّد ﵌ فإنَّ حاله في نفسه وأخلاقِه وما يدعو إليه وما جاء به من الآيات كحال الأنبياء قبله إن لم يزد عليهم لم يَقِلَّ عنهم، وقد بان صدقُ أولئك واعترف المشركون بصدقهم أو أكثرُهم وبأنَّ مَن آمن بهم من قومهم نَجا ومَنْ كذَّبهم هلك، ولا تزال آثار عذاب المكذِّبين ماثلة أمام أعينهم، ذكَّرهم الله تعالى بها في غير موضع. فثبت بهذا أنَّ محمَّدًا ﵌ صادق وأنَّ الإيمان به نجاة وتكذيبه هلكة. وأما سقوط شبهتهم فإنَّ حال أمم الأنبياء [الأولين] (١) ﵈ كحال هؤلاء سواء، وكانت [عين هذه الشبهة] (٢) قائمة في حقهم، قالوها أم لم يقولوا، ومع [ذلك أهلكهم الله] (٣) باعتراف هؤلاء. فتبيَّن سقوط هذه الشبهة. [س ١٣٤/أ] وإيضاح هذا أنَّ المشركين كانوا يعترفون بنبوَّة الأنبياء الأوَّلين أو بعضهم، وبأنَّ الله تعالى بعثهم إلى أممٍ ضالَّة ليهدوهم، وأنَّ من كذبهم أو خالفهم ظالم فاجر, مع أنَّ هذه الشبهة قائمة في حقهم؛ إذ يقال: لو شاء الله ما كذَّبوا الأنبياء ولا عادَوْهم ولا قتلُوهم.

стр. 625

ونبَّه الله على هذا بقوله: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، كأنه قال: ويلزم المشركين باعتقادهم ضلالَ مَن كذَّب الأنبياء الماضين وعاداهم أن يكونوا معتقدين بأنَّ المكذبين كانوا متمكِّنين من التصديق والطاعة، ولو جاؤوا بهذه الشبهة لكانوا مناقضين لأنفسهم في معاداة الرسل؛ إذ يلزمهم إن اعتقدوا تلك الشبهة أن يعتقدوا أنَّ ما عليه الرسل حق؛ إذ لو شاء الله تعالى ما كان منهم (من تكذيب) (١) الرسل ما كان، وهكذا في شأن فاعلي المحرَّمات. فإذا وَزَنَ المشركون حالَهم بهذا الميزان تبيّن لهم قطعًا سقوط شبهتهم، أي أنها لا [تصلح] (٢) لما قصدوه بها من تكذيب محمد ﵌ [وإثبات] (٣) أنَّ ما هم عليه حق يحبه الله ويرضاه ... (٤) الأنبياء الماضين وأممهم، وثانيًا: تناقض اعتقادهم في المحرمات، وثالثًا: أن [القضية بعكس ظنهم] (٥). فإذًا بان لهم سقوط الشبهة بهذا التقرير، ومع ذلك كان هذا راسخًا في فِطَرِهم [س ١٣٤/ب] أنَّ ما شاءه الله كائن لا محالة، ولم يهتدوا إلى جامعٍ بين العقيدتين فليسترشدوا عقولَهم؛ فإن العقول تقول لهم: إذا كنتم مطمئنِّين بالعقيدتين فإنكم لا بدَّ أن تطمئنُّوا بأنَّ بينهما جامعًا يدفع ما يظهر

стр. 626

من التناقض، وعِلْمُ ذلك الجامع لا يُهِمُّكُم، بل المهمُّ أن تسلكوا الطريق المنجيَ, فَدَعُوا (١) الشرك والتقوُّل على الله تعالى، واتَّبِعوا الرسول وأطيعوه فتكونوا عاملين بكلا (٢) العقيدتين ناجين على كلِّ حال؛ لأنكم إذا فعلتم ذلك كنتم قد عملتم بعقيدتكم في صدق الأنبياء الماضين وما يترتَّب عليها، وبالبراهين القائمة على حقِّيَّة ما عليه محمَّد ﵌، وصحَّ مع ذلك أن يقال: إن الله لو شاء ألَّا تتركوا الشرك لما تركتموه. [س ١٣٥/أ] فأما أن تبقوا على الشرك بعد علمكم بأن البقاء عليه ضلال موجب للهلاك والعذاب لمجرد جهلكم بالجامع بين العقيدتين, فهذه سفاهة بل جنون. فقد تبيَّن أنَّ إرشادهم إلى النظر في حال الأنبياء المتقدِّمين مع أممهم كان في إقامة الحجَّة وأنه لا حاجة إلى فتح باب القَدَر (٣) إقراره، واكتَفَى بالإشارة إليه بقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ والله أعلم. ثم ذكر الله حجة أخرى لإسقاط تشبُّثهم بتلك الشبهة فقال تعالى في الموضع الأول: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ وفي الموضع الثالث: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ يريد

стр. 627

ــ والله أعلم ــ أنَّ زعمكم أنَّ التشبُّث بتلك الشبهة يصلح (لإثبات) [س ١٣٥/ب] كون ما أنتم عليه حقًّا يحبه الله ويرضاه ليس إلا توهُّمًا وتخمينًا أو كذبًا لعلمكم ببطلان ذلك كما تقدَّم. وتركُ اليقين لمجرد التخرُّص والتخمين جهلٌ واضح، فدَعُوا ذلك وأخبروني: هل عندكم من دليل علميٍّ بأنَّ ما أنتم عليه من الشرك وتحريم بعض الأشياء حق يحبه الله ويرضاه؟، فلم يبق بيدهم إلَّا الشبهة الثانية وهي التقليد. قال تعالى في الموضع الثالث: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾. فأبطل الله شبهة التقليد بثلاثة أمور: [س ١٣٦/أ] الأول: ما سبق ذكره أنَّ ترك اليقين لمجرَّد التخرُّص والتخمين جهل، والتقليد مبنيٌّ على تخرُّص وتخمين، لأنَّ أساسه تعظيمهم لآبائهم واستبعادهم أن يكونوا على ضلال. الثاني: الإخبار بأنَّ الأمم الغابرة كانت تقول مثل هذا، أي: ومشركو العرب يعترفون بنبوَّة المتقدِّمين أو بعضهم، وضلالِ مكذِّبيهم، فإذا تأمَّلوا هذا عرفوا سقوط شبهة التقليد. الثالث (١): قوله: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾، يريد

стр. 628

ــ والله أعلم ــ: لا تحصروا نظركم في حسن الظنِّ بآبائكم، بل مع ذلك انظروا فيما وجدتموهم عليه وفيما جئتكم به، ووازِنوا بينهما؛ فإنكم إذا فعلتم ذلك بإخلاصٍ تبيَّن لكم أنَّ ما جئتُكم به الحقُّ المبين، فحينئذٍ ينبغي لكم أن تَتَّبِعوا اليقين وتتركوا التوهُّم والتخمين. ثم أخبر الله تعالى عن الأمم السابقة بأنهم بعد هذا كلِّه [س ١٣٦/ب] لجؤوا إلى العناد البحت، وهو قولهم: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ أي: على كلِّ حال وإن أقمتم من البراهين عدد نجوم السماء. قال : ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ يريد ــ والله أعلم ــ: فلما وقفوا هذا الموقف وهو العناد المحض بعد قيام الحجة ووضوح المحجَّة لم يبق إلَّا أن نعذِّبهم فعذَّبناهم. والمقصود ببيان هذه توعُّد المشركين بأنهم قد قامت عليهم الحجَّة ولم يبق لهم شبهة، فوقوفُهم موقف الأمم الغابرة من العناد البحت موجبٌ للعذاب، والله أعلم. وقد تسلسل هذا البحث وطال ولكنه لا يخلو عن فائدة في موضوع هذه الرسالة. ولنرجع إلى بيان اعتقاد المشركين في الملائكة فأقول مستعينًا بالله ﵎: قد علمتَ مما تقدَّم أنَّ اعتقاد المشركين في الملائكة له طرفان: الأول: ما يتعلق بذوات الملائكة. الثاني: [س ١٣٧/أ] فيما يُرجى منهم.

стр. 629

فأما الأول: فكانوا يقولون: إنهم بنات الله, تعالى عن قولهم علوًّا كبيرًا. وأما الثاني فكانوا يقولون: إنهم يشفعون إلى الله , والغالب أنه تعالى يقبل شفاعتهم. وإذا كان المقصود من هذه الرسالة هو تحقيق التأليه والعبادة فنقول: هل الاعتقاد في ذوات الملائكة أنهم بنات الله هو التأليه والعبادة أو ركن لهما؟ أقول: قد تقدَّم أنَّ القرآن عدّ عبادتهم للملائكة على حِدَة أي مع صرف النظر عن الاعتقاد في ذواتهم شركًا، ويشهد له قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فجعلوا العبادة أمرًا (اختياريًّا) (١) يفعلونه طمعًا في الشفاعة, ولا يصح أن تفسَّر بالاعتقاد ولا بما يكون الاعتقاد ركنًا له؛ لأنهم كانوا يدَّعون أنَّ اعتقادهم في الملائكة ليس أمرًا اختياريًّا، أي: يمكنهم أن يفعلوه أو لا يفعلوه، وإنما هو كسائر الاعتقادات الاضطراريَّة كاعتقاد أنَّ لك رأسًا، ولو قالوا إنما نعتقد أنهم بنات الله ليشفعوا [س ١٣٧/ب] لنا لكان هذا اعترافًا منهم بأنهم لا يعتقدون أنهم بنات الله، وإنما يقولون ذلك بألسنتهم، وهم لم يعترفوا بهذا. وأيضًا فقد عبدوا الأصنام مع أنهم لم يعتقدوا في ذواتها شيئًا، وقد تقدَّم في ذِكْرِ الأمم الغابرة ما هو قاطع في هذا المعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾

стр. 630

[المائدة: ١١٦]. [و] (١) قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية [المائدة: ٧٣]. وقد تقدَّم بيان أنَّ المراد ثلاثة آلهة، وأرادوا الله تعالى وعيسى ومريم ﵉. [و] (٢) النصارى لم يعتقدوا في مريم إلا أنها امرأة من البشر، وتقدَّم بيانه. وأوضحُ منه قولُ قومِ موسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. إذن فهل اعتقادهم في الملائكة أنهم يشفعون هو التأليه والعبادة أو ركن لهما؟ كلَّا؛ فإنَّ هذا الاعتقاد باعث لهم على العبادة فكيف يكون هو العبادة؟ وأيضًا فهذا الاعتقاد يقال فيه ما تقدَّم في اعتقادهم في ذوات الملائكة أنهم كانوا يزعمون [س ١٣٨/أ] أنه اعتقاد راسخ في قلوبهم لا أنه من الأمور الاختياريَّة. وأيضًا فاعتقاد أن الملائكة يشفعون في الجملة أمرٌ يقرُّ عليه الشرع ويُثْبِته، والآيات في ذلك كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. إذن فما هو التأليه وما هي العبادة؟ - أعمالهم التي فيها تعظيم للإناث الخياليَّات التي هي في زعمهم الملائكة.

стр. 631

- كانوا يشركون في التلبية في الحجِّ كما صحَّ أنهم كانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك" فيقول النبي ﵌: ويلكم قَدْ قَدْ أو كما قال، يعني: لا تزيدوا على هذا، فيقولون: "إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك" (١). وقولهم: "لا شريك لك" أي: في التلبية. وقولهم: "إلا شريكًا" (٢) والله أعلم. وقولهم: "هو لك" (٣). وقولهم: "تملكه" (٤). [س ١٣٨/ب] أرادوا الإناث الخياليات، والله أعلم. وكانوا أيضًا كما تقدَّم يتَّخذون الأصنام تماثيل أو تذاكر لتلك الإناث ثم يعظِّمونها بقصد التعظيم لتلك الإناث وكانوا يَدْعُونهنَّ، وسيأتي بيان الدعاء في فصلٍ مستقلٍّ. - وكانوا يسمُّون: عبد اللات، عبد العزى، عبد مناة، وقد تقدَّم أنَّ هذه في الأصل أسماء ــ فيما زعموه ــ لتلك الإناث الخياليَّات. - وكانوا يُقسمون بهذه الأسماء ويذكرونها عند الذبح.

стр. 632

- وكانوا يجعلون لهم نصيبًا من أموالهم يصرفونه في تطييب الأصنام، يظهر هذا من قول الله ﵎: [﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ ... ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٦]] (١). [فهذه] (٢) الآية [تدل] (٣) على ما ظهر لي أنهم جعلوا نصيبًا لله تعالى ونصيبًا لشركائهم. [س ١٣٩/أ] (٤) وقال ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢)﴾ [العنكبوت: ٤١ - ٤٢]، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لا يصحُّ أن يكون نفيًا لأصل الدعاء كما تقول: لم أدْعُ بمعنى أنه لم يقع منك دعاء أصلًا، لأنَّ الله تعالى قد أثبت لهم الدعاء في آيات كثيرة تقدَّم بعضها، وإنما النفي مُنْصَبٌّ على ﴿شَيْءٍ﴾ (٥) والمراد بالشيء هنا الثابت الموجود، والنفي منصبٌّ عليه كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] , ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧].

стр. 633

[س ١٣٩/ب] ويمكن أن يكون المراد شيئًا له بالٌ كما في قوله تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]، وقوله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]. والأوَّل أقرب. ومثلُ هذه الآية قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٠ - ٧٥]. أم كانوا على ضلال فقال الله : ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾، أي: أن ذلك الضلال الذي كنتم عليه أوجبه كفركم أوّلًا كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وكما هنا للتعليل أي: لعدم إيمانهم أول مرة عاقبهم الله بالضلال، كما قال تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾، وقال : ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾، وغالب ما في القرآن من نسبة الضلال إلى الله جارٍ هذا المجرى، أي واقع عقوبة على عناد وتكبر يقع من الإنسان أولًا، ثم بين ذلك بقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾، وكثير من المفسرين فسروا قولهم ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو

стр. 634

مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ بأن المراد منه نفي الدعاء أصلًا، وأنهم يجحدون شركهم، وقد يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢ - ٢٤]، والأول أرجح؛ لأن قولهم: ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ اعتراف بأنهم كانوا يدعون، والإنكار عقب الاعتراف لا يخلو عن بُعد، بخلاف حَمْلِ قولهم: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾، على (١)؛ إذ ليس فيه إنكار وإنما فيه اعتراف آخر، وكأنهم قالوا: إنَّ الذين كنا ندعوهم لا وجود لهم هنا، بل لا وجود لهم أصلًا. والله أعلم. [س ١٤٠/أ] وقال ﵎: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ... وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥ - ٣٨]. يعني والله أعلم: لو فُرض أنَّ تلك الإناث التي تزعمون موجودة هل في قدرتها إبطال مراد الله تعالى؟ والمقصود من هذا الفرض إلزامهم؛ فإنهم كانوا يعترفون بأنَّ الله تعالى هو الذي يجير ولا يجار عليه. فإذا اعترفوا بذلك بطل تخويفهم للنبيِّ ﵌, ... (٢). [س ١٤٠/ب] مع أنه يلزم منه عدم استحقاق تلك الإناث للعبادة، فأما القصد إلى إبطال استحقاقهنَّ العبادة وإلى إبطال وجودهنَّ فقد بيَّنه الله تعالى

стр. 635

في مواضع أخرى، والله أعلم. [س ١٤٠/أ] ومن الثاني أي ذكر الدعاء بعنوان الملائكة قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٢ - ١٥]، قدَّم الله تعالى أنَّ الملائكة يسبِّحون من خيفته تمهيدًا لإبطال عبادتهم من دونه، وعقب بقوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ ... ﴾ تتميمًا لذلك. [س ١٤١/ب] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦]. وقد تقدَّم أنَّ الملائكة هم الذين يكذِّبون المشركين يوم القيامة، ارجع إلى ذلك في ترجمة الملائكة من فصل العبادة. [س ١٤٢/أ] وقال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ... ﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧]. وقد مرَّت هذه الآية في ترجمة الملائكة من فصل الألوهية فارجع إليها (١).
следующие страницы →