← Акыда

Акыда · id 326

رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 169 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

- كانوا يشركون في التلبية في الحجِّ كما صحَّ أنهم كانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك" فيقول النبي ﵌: ويلكم قَدْ قَدْ أو كما قال، يعني: لا تزيدوا على هذا، فيقولون: "إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك" (١). وقولهم: "لا شريك لك" أي: في التلبية. وقولهم: "إلا شريكًا" (٢) والله أعلم. وقولهم: "هو لك" (٣). وقولهم: "تملكه" (٤). [س ١٣٨/ب] أرادوا الإناث الخياليات، والله أعلم. وكانوا أيضًا كما تقدَّم يتَّخذون الأصنام تماثيل أو تذاكر لتلك الإناث ثم يعظِّمونها بقصد التعظيم لتلك الإناث وكانوا يَدْعُونهنَّ، وسيأتي بيان الدعاء في فصلٍ مستقلٍّ. - وكانوا يسمُّون: عبد اللات، عبد العزى، عبد مناة، وقد تقدَّم أنَّ هذه في الأصل أسماء ــ فيما زعموه ــ لتلك الإناث الخياليَّات. - وكانوا يُقسمون بهذه الأسماء ويذكرونها عند الذبح.

стр. 632

- وكانوا يجعلون لهم نصيبًا من أموالهم يصرفونه في تطييب الأصنام، يظهر هذا من قول الله ﵎: [﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ ... ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٦]] (١). [فهذه] (٢) الآية [تدل] (٣) على ما ظهر لي أنهم جعلوا نصيبًا لله تعالى ونصيبًا لشركائهم. [س ١٣٩/أ] (٤) وقال ﵎: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢)﴾ [العنكبوت: ٤١ - ٤٢]، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لا يصحُّ أن يكون نفيًا لأصل الدعاء كما تقول: لم أدْعُ بمعنى أنه لم يقع منك دعاء أصلًا، لأنَّ الله تعالى قد أثبت لهم الدعاء في آيات كثيرة تقدَّم بعضها، وإنما النفي مُنْصَبٌّ على ﴿شَيْءٍ﴾ (٥) والمراد بالشيء هنا الثابت الموجود، والنفي منصبٌّ عليه كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] , ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧].

стр. 633

[س ١٣٩/ب] ويمكن أن يكون المراد شيئًا له بالٌ كما في قوله تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]، وقوله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]. والأوَّل أقرب. ومثلُ هذه الآية قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٠ - ٧٥]. أم كانوا على ضلال فقال الله : ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾، أي: أن ذلك الضلال الذي كنتم عليه أوجبه كفركم أوّلًا كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وكما هنا للتعليل أي: لعدم إيمانهم أول مرة عاقبهم الله بالضلال، كما قال تعالى: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾، وقال : ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾، وغالب ما في القرآن من نسبة الضلال إلى الله جارٍ هذا المجرى، أي واقع عقوبة على عناد وتكبر يقع من الإنسان أولًا، ثم بين ذلك بقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾، وكثير من المفسرين فسروا قولهم ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو

стр. 634

مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ بأن المراد منه نفي الدعاء أصلًا، وأنهم يجحدون شركهم، وقد يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢ - ٢٤]، والأول أرجح؛ لأن قولهم: ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ اعتراف بأنهم كانوا يدعون، والإنكار عقب الاعتراف لا يخلو عن بُعد، بخلاف حَمْلِ قولهم: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾، على (١)؛ إذ ليس فيه إنكار وإنما فيه اعتراف آخر، وكأنهم قالوا: إنَّ الذين كنا ندعوهم لا وجود لهم هنا، بل لا وجود لهم أصلًا. والله أعلم. [س ١٤٠/أ] وقال ﵎: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ... وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥ - ٣٨]. يعني والله أعلم: لو فُرض أنَّ تلك الإناث التي تزعمون موجودة هل في قدرتها إبطال مراد الله تعالى؟ والمقصود من هذا الفرض إلزامهم؛ فإنهم كانوا يعترفون بأنَّ الله تعالى هو الذي يجير ولا يجار عليه. فإذا اعترفوا بذلك بطل تخويفهم للنبيِّ ﵌, ... (٢). [س ١٤٠/ب] مع أنه يلزم منه عدم استحقاق تلك الإناث للعبادة، فأما القصد إلى إبطال استحقاقهنَّ العبادة وإلى إبطال وجودهنَّ فقد بيَّنه الله تعالى

стр. 635

في مواضع أخرى، والله أعلم. [س ١٤٠/أ] ومن الثاني أي ذكر الدعاء بعنوان الملائكة قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٢ - ١٥]، قدَّم الله تعالى أنَّ الملائكة يسبِّحون من خيفته تمهيدًا لإبطال عبادتهم من دونه، وعقب بقوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ ... ﴾ تتميمًا لذلك. [س ١٤١/ب] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦]. وقد تقدَّم أنَّ الملائكة هم الذين يكذِّبون المشركين يوم القيامة، ارجع إلى ذلك في ترجمة الملائكة من فصل العبادة. [س ١٤٢/أ] وقال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ... ﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧]. وقد مرَّت هذه الآية في ترجمة الملائكة من فصل الألوهية فارجع إليها (١).

стр. 636

وقال تعالى في سورة الملائكة (فاطر) (١): ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٢). [س ١٤٢/ب] فمهّد الله ﵎ بذكر الملائكة وأنهم رسله، لا يمسكون ما يفتح، ولا يرسلون ما أمسك، ثم عدَّد كثيرًا من آيات وحدانيَّته إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ ......... ﴾، فكان الظاهر أنه أراد الملائكة ليكون ذكرهم أوَّلًا أمكن في التمهيد. وأيضًا فقد مرَّ في ترجَمَتَي الملائكة من فَصْلَي الألوهية والعبادة آيات توافق هاتين الآيتين فارجع إليه (٣)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٤ - ٦].

стр. 637

[س ١٤٣/أ] وقال الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ (١) مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١]. اختار بعض المفسرين أن المراد الملائكة، وقوله: ﴿أَمْوَاتٌ﴾ يريد: صائرون إلى الموت كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. وقوله: ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ يريد: الحياة التامَّة أو الدائمة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]. [س ١٤٣/ب] اعتقادهم في أهوائهم قد مرّ في فصل التأليه آيتان في أنهم اتخذوا آلهتهم هواهم، ومعنى ذلك ظاهر، فإنهم شرعوا لأنفسهم الدِّين بمجرَّد هواهم، فقد أطاعوا هواهم في شرع الدين, فكما أنَّ اليهود والنصارى أطاعوا أحبارهم ورهبانهم في شرع الدين فالأحبار والرهبان أطاعوا أهواءهم، وهكذا مشركو العرب أطاعوا رؤساءهم في شرع الدين كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى، والرؤساء أطاعوا أهواءهم. وإنما لم يكثر هذا المعنى في القرآن استغناء بذكر تأليهم للشياطين؛ فإنَّ تأليه الهوى يلزمه تأليهُ الشيطان؛ لأنه المتلاعب بالهوى.

стр. 638

[س ١٤٤/أ] اعتقادهم في الشياطين فأما اعتقاد المشركين في الشياطين فلم أجد لهم اعتقادًا يخالف الحقَّ. فأما استعاذتهم بالجنِّ الذي أخبر الله تعالى بها في قوله عن مسلمي الجنِّ ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] فذاك شيء لا يصحُّ أن يكون هو المراد بالآيات الكثيرة في عبادة الشياطين. نَعَم، كانوا يعتقدون أنَّ ما يوحونه إليهم في شرع الدين حقٌّ، ولكن لم يعلموا أنَّ ذلك من [وحي الشياطين] (١) بل يظنُّونه من رأيهم واجتهادهم. أعمالهم وأمَّا أعمالهم فكانوا يطيعونهم فيما يوسوسون [به إليهم] (٢) , والأعمال التي يتخذونها دينًا يتقرَّبون به إلى الله [سبحانه] (٣). هذا مع أنهم كانوا يجهلون أنهم [يعبدون] (٤) الشياطين، ولكنَّ الله ألزمهم ذلك لأنهم كانوا يأخذون دينهم عن غير حجَّة ولا برهان، بل بمجرَّد التخرُّص والتخمين، وذلك من وسوسة الشياطين, [س ١٤٤/ب] فقد ساوَوا اليهود والنصارى في أخذ دينهم عن غير بيِّنة من الله تعالى، وإنما الفرق أنَّ أولئك كانوا يعلمون أنهم يأخذون دينهم عن شرع الأحبار والرهبان، وهؤلاء لا يشعرون بأنهم إنما يأخذون عن شرع الشيطان.

стр. 639

وأمرٌ آخر ألزمهم الله تعالى به وهو أنَّ عبادتهم للإناث الخياليَّات لما كانت لمعدومٍ ترجع إلى الآمر لهم بذلك وهو الشيطان. (ثم إنَّ) (١) عبادتهم للملائكة لما كان الملائكة لم يأمروا بها ولم يرضوها رجعت للآمر لهم وهو الشيطان. وثالث: وهو أنَّ الشيطان يعترض العبادات الباطلة بما يجعلها في الصورة كأنها له. ومن ذلك ما جاء في الصحيح أنَّ الشيطان يقارن الشمس عند ما يسجد لها المشركون (٢)، أي: ليكون السجود في الصورة كأنه له. [س ١٤٥/أ] بل إنَّ الشيطان يعترض العبادات الحقَّة إذا قصَّر صاحبها، يريد الشيطان أن تكون في الصورة كأنها له، فقد جاء في الحديث: "مَنْ كانت له سُتْرة فليَدْنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته" (٣)، وهذا الحديث فيه مقال،

стр. 640

لكن تؤيِّده الأحاديث كأحاديث أنَّ المرأة والحمار والكلب الأسود تقطع الصلاة، وأن المرأة تُقبل بصورة شيطان, وأن الحمار إذا نهق فإنه رأى شيطانًا (١)، وعلَّل النبيُّ ﵌ كونَ الكلب الأسود يقطع الصلاة [دون] (٢) بقيَّة الكلاب بقوله: "الكلب الأسود شيطان". والأدلَّة في هذا كثيرة، ولتحقيق هذا البحث موضع آخر. المقصود أنَّ الشيطان يعترض العبادات لتكون في الصورة [له]. وقال الله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣] ففي هذا إلزام المشركين بأنهم يدعون الشياطين. وفيه ما مرَّ قريبًا في الأمر الثاني والثالث، والله أعلم. [س ١٤٥/ب] فصل معاني أعمال المشركين التي تقدَّمت كلها ظاهرة إلَّا العكوف والدعاء، فأمَّا العكوف فهو المكث عند الصنم بهيئة الأدب زاعمين أنَّ ذلك تعظيم لمن جُعل الصنم تمثالًا له، بل يعدُّون ذلك عبادة لله ؛ لأنه في زعمهم يحب ذلك ويرضاه، ولذلك نرى مشركي الهند يتحرَّون لدعاء الله أن يكون عند الأصنام (٣).

стр. 641

[س ١٤٦/أ] حاصل ما تقدَّم في هذا الباب (١) تقدَّم ذكر قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم إبراهيم، والمصريِّين في عهد يوسف، وفي عهد موسى، وبني إسرائيل لما أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، واليهودِ والنصارى في شأن أحبارهم ورهبانهم، والنصارى في شأن عيسى وأمه، ومشركي العرب. وتَبَيَّن أنَّ هذه الأمم كلَّها تعترف بوجود الله وربوبيَّته وأن (٢) تاريخ الحكماء (٣) لابن القفطي في ترجمة الكندي الفيلسوف (٤) أنَّ له رسالة في إثبات أنَّ جميع الأمم كانوا موحِّدين (٥)، وقد مرَّ في المقدِّمة نقلٌ عن المواقف وشرحها، فارجع إليه. وتبيَّن أيضًا أنَّ أكثرها أو جميعها تعبده تعالى وتعترف بوجود الملائكة. فأما شركهم: فقوم نوح كان فيهم رجال صالحون هلكوا فنحتوا لهم

стр. 642

[تماثيل] (١) وسمَّوها بأسمائهم وعظَّموها تقرُّبًا إلى الله تعالى بواسطة أولئك الأشخاص فيما يظهر. وقوم هود عظّموا أشخاصًا غيبيين لا وجود لهم في [الحقيقة] (٢). وفي التاريخ أنهم كان لهم أصنام, فكأنها رموز لأولئك [الأشخاص] (٣)، وكذلك قوم صالح فيما يظهر. وقوم إبراهيم كانوا يعظِّمون بعض الكواكب ويدعونها وينصبون لها تماثيل ويعظِّمون تلك التماثيل بالعكوف [س ١٤٦/ب] عندها، ويدعونها في احتمالٍ قد تقدَّم، أي يسألون منها حوائجهم تخييلًا لأنفسهم أنها نفس الأرواح التي جُعِلت رموزًا لها. والمصريُّون في عهد يوسف ﵇ يعظِّمون أشخاصًا غيبيِّين لا وجود لهم في الحقيقة وعندهم تماثيل لأولئك الأشخاص يعظِّمونها أيضًا. وقُبيل عهد موسى ﵇ تركوا عبادة الله تعالى تعظيمًا له، زعموا، واقتصروا على تعظيم أولئك الأشخاص. وفي عهد موسى ﵇ قصروا جواز تعظيم أولئك الأشخاص على مَلِكهم فرعون وحده، فليس لغيره أن يعظِّم أولئك الأشخاص، وأما العامَّة فإنما يعظِّمون فرعون نفسه جاعلين تعظيمه من الدِّين الذي يُقرِّب إلى الله تعالى في الغاية زعمًا أنه كريم عند الله تعالى بدليل أنه جعله مَلِكًا عزيزًا نافذ الكلمة.

стр. 643

فالعامَّة يعبدون فرعون، وفرعون يعبد الأشخاص الغيبيِّين وتماثيلهم، والأشخاص الغيبيّون يعبدون الله تعالى. وقوم موسى لما أتوا على قومٍ يعكفون على أصنام لهم طلبوا منه أن يجعل لهم صنمًا يعكفون عليه تقرُّبًا إلى الله تعالى، وفي شأن العجل [س ١٤٧/أ] زعموا أنَّ العكوفَ عليه عبادة لله . واليهود والنصارى في شأن أحبارهم ورهبانهم أطاعوهم فيما يشرعونه من ذات أنفسهم على أن يكون دينًا، واتخذوه دينًا زعمًا منهم أنَّ ما شرعه الأحبارُ والرهبان فقد شرعه الله تعالى. والنصارى في شأن عيسى ﵇ منهم مَنْ زعم أنه الله تعالى، ووجَّه إليه (١) جميعَ العبادات، ومنهم مَنْ زعم أنه ابنه بالمعنى المتبادر، ومنهم مَنْ زعم أنه أحدُ الآلهة الثلاثة التي مجموعها الرَّبُّ، وكلاهما يَشْركُه في جميع العبادات، والأخيرُ هو المعروف الآن، ويعظِّمون صورة عيسى ﵇ وصورة الصليب بناء على زعمهم أنه صُلب. وفي شأن مريم ﵍ يُحضرون صورتها في كنائسهم ويجعلونها أمامهم عند [الصلاة] (٢) التي هي عبارة عن القيام والدعاء مع خفض الرؤوس، وينحنون لصورتها ويتمسَّحون بها ويستغيثون بمريم ﵍ سائلين منها الشفاعة (٣).

стр. 644

[س ١٤٧/ب] وأما مشركو العرب فكانوا مع اعترافهم بربوبيَّة الله وأنه خالق كل شيء, ورازق كل حيٍّ، ومدبر الأمر، وبيده ملكوت كلِّ شيء وأنه يجير ولا يجار عليه؛ يعظِّمون الأصنام التي جعلوها رموزًا للملائكة مع زعمهم أنَّ الملائكة بنات الله ــ تعالى الله عن ذلك ــ ويرون تعظيم الأصنام تعظيمًا للملائكة، ويقصدون من تعظيم الملائكة أن يشفعوا لهم إلى الله ، فيعظِّمون الأصنام بالعكوف عليها والتمسُّح بها وتضميخها بالطيب ويزورونها من الأماكن البعيدة ونحو ذلك مما تقدم. وفي القرآن ما يُسْتَدَلُّ به أنهم كانوا يَدْعونها كما تقدَّم، فإن ثبت فحالهم في ذلك كما تقدَّم مِنْ حال قوم إبراهيم. ويعظِّمون الملائكة زاعمين أنهم بنات الله ــ تعالى الله عن ذلك ــ، ويُشْرِكونهم في التلبية قائلين: لبيك لا شريك لك ــ أي لا نُشرك معك في التلبية أحدًا ــ إلَّا شريك هو لك، تملكه وما ملك، ويذبحون بأسمائهم ويحلفون بها، ويسمُّون عَبْد اللات، عبد العزى، عبد مناة، وجعلوا لهم تماثيل ورموزًا، وهي الأصنام، وعظَّموها بما تقدَّم زاعمين أن تعظيمها تعظيم للملائكة؛ لأنها ليست إلَّا [س ١٤٨/أ] رموزًا لهم. ويجعلون للملائكة نصيبًا من أموالهم ويصرفونه في مصالح الأصنام كما يصرفون النصيب الذي يجعلونه لله تعالى في ذلك. وكانوا يدعونهم أي يسألون منهم حوائجهم بقصد أن يشفعوا إلى الله في قضائها، وكانوا يطيعون أهواءهم فيما تستحسن شرعها من [دون إذنٍ من الله, زعمًا أن ذلك] (١) يُتقرَّب به إلى الله أو إلى

стр. 645

الملائكة، وألزمهم الله تعالى بطاعتهم أهواءهم أنهم مطيعون للشياطين؛ لأنَّ أهواءَهم متَّبَعَة عن وسوسة الشياطين. وكانوا يطيعون رؤساءهم فيما يشرعون لهم على أن يكون دينًا، والله أعلم. * * * *

стр. 646

[س ١٤٨/ب] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الخلاصة أنت خبير أننا إنما استعرضنا أديان الأمم التي أخبر الله أنها ألَّهَتْ غيره وعبدت غيره وأشركت به لنستنتج منها تحقيق معنى التأليه والعبادة والشرك كما هو موضوع هذه الرسالة. وعند تدبُّر أديانهم تجدهم اتفقوا في معنًى واحدٍ وانفرد كلٌّ منهم بمعنًى, فكان بيِّنًا أنَّ المعنى المتَّفَقَ عليه عليه مَدارُ تأليهِ غير الله وعبادةِ غيره والشرك به، ضرورةَ أنَّ الله أخبر عنهم جميعًا بذلك، وما ينفرد به كلٌّ منهم أمرٌ زائد على ذلك. وأكَّد عندنا هذا أنَّنا وجدنا القرآن يوبِّخ النصارى على تأليه غيره وعبادة غيره والشرك به مع صرف النظر عن قولهم في عيسى كما تقدَّم. وكذلك يوبِّخ مشركي العرب على تأليه غيره وعبادة غيره والشرك به مع صرف النظر عن قولهم: بنات الله كما تقدَّم أيضًا. وبعد التدبُّر والتأمُّل وجدنا القدر المشترك بين تلك الأمم هو: (زعم كلٍّ منهم في غير الله أنه مستحقٌّ لِأَنْ يُعبد طلبًا للنفع الغيبيِّ (١) منه أو ممن يُخضَع له لأجله).

стр. 647

[س ١٤٩/أ] وهذا هو الاعتقاد، وأما العمل فيجمعه: (الخضوع الذي يقتضيه ذلك الزَّعْمُ). الأصنام فقوم نوح وقوم هود والمصريُّون ومشركو العرب زعموا في الأصنام أنها أهلٌ لأن يُخضعَ لها طلبًا للشفاعة إلى الله من الأشخاص الذين تُعظَّم الأصنام لأجلهم، وهم الرجال الصالحون في الأوَّل، والأشخاص الغيبيُّون الذين يزعمون أنهم هم الملائكة في الباقين. ومستندُهم في استحقاقها لذلك: الرأيُ وذلك يدلُّ على زعمهم أنَّ استحقاقها المذكور ثابت بحيث يستقلُّ العقل بإدراكه. وهكذا النصارى في الخضوع لصورة مريم ﵍ التماسًا لشفاعتها. وقومُ إبراهيم زعموا أنَّ الأصنام [أهلٌ لِأَنْ يُخضع لها طلبًا لنفعٍ غيبِيٍّ بواسطة الأرواح المدبِّرة] (١) للكواكب، ومستَنَدُهم في ذلك الرأيُ. وبنو إسرائيل في العجل زعموا أنه أهلٌ لأن يُخضعَ له طلبًا للنفع الغيبِيِّ منه. وبنو إسرائيل في قولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وبعضُ المسلمين في قولهم: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط" (٢)،

стр. 648

ظنُّوا أنَّ الصنم والشجرة أهلٌ لأن يُخضع لهما طلبًا للنفع ممن يُخضع لهما لأجله، وهو الله ، ومستندُهم في ذلك الرأيُ، وإنما طَلَب أولئك من موسى وهؤلاء مِنْ محمد عليهما الصلاة والسلام لكونهما الرئيسين؛ ولم يقصدوا بذلك أنْ يسألا الله أن يجعل لهم [س ١٤٩/ب] ذلك اعتقادًا أنَّ الجماد لا يستحقُّ التعظيم طلبًا للنفع الغيبِيِّ إلَّا إذا أمر الله بذلك. الأشخاص المعظَّمون وقوم نوح زعموا في الرجال الصالحين أنهم أهلٌ لأن يُخضعَ لهم طلبًا لشفاعتهم إلى الله ، ومستندُهم في ذلك الرأيُ. والدليل على هذا أنهم خضعوا لهم بأشياء اخترعوها بآرائهم, كالخضوع لتماثيلهم، ولو كانوا يرون أنهم إنما يستحقون الخضوع لهم لأنَّ الله تعالى أمر به، لما خضعوا لهم إلَّا القدر (١) الذي أمر الله به. ومثلُهم قوم هود وقوم صالح والمصريُّون في الأشخاص الغيبيِّين الَّذين زعموهم وزعموا أنهم هم الملائكة كما تقدم، وكذا قوم فرعون زعموا أنَّ مَلِكَهم أهلٌ لأن يُخضع له طلبًا للشفاعة إلى الله من الملائكة؛ لأنه محبوب عندهم بدليل أنهم شفعوا له إلى الله حتى جعله مَلِكًا. وكذا النصارى في شأن مريم ﵍، وكذا مشركو العرب في الإناث الخياليَّات التي زعموا أنها بنات الله وأنهُنَّ هنَّ الملائكة. والنصارى زعموا أن عيسى ﵇ أهلٌ لأن يُعظَّم طلبًا للنفع الغيبي منه أو من الله الذين يقولون إنه أبوه بواسطة شفاعته.

стр. 649

[س ١٥٠/أ] الأشخاص المطاعون وجميع المشركين زعموا أنَّ أهواءهم المبنيَّة على مجرَّد الظن والتخمين أهلٌ لأنْ يُخضع لها بالطاعة في شرع الدين طلبًا للنفع الغيبِيِّ من الله بلا واسطة إذا كان الأمر المتديَّن به موجَّها إلى الله تعالى رأسًا, كالقول في صفاته تعالى بغير علمٍ كقول مشركي العرب: إنَّ لله تعالى بنات, وكتحريمهم بعضَ الأشياء كما حكاه الله وغير ذلك، وبواسطة الشفاعة إذا كان موجَّهًا إلى مَن دونه كمشركي العرب في اتخاذهم التماثيل للملائكة ﵈ وغير ذلك. ومستندهم الرأيُ. ولما كانت أهواؤهم بأيدي الشياطين عُدُّوا في ذلك خاضعين للشياطين. ويظهر أنَّ قوم فرعون زعموا أنه أهلٌ لأنْ يُخْضَع له بالطاعة في شرع الدين إلخ، واليهود والنصارى زعموا أنَّ أحبارهم ورهبانهم أهلٌ لأنْ يُخْضعَ لهم بالطاعة في شرع الدين إلخ. ومشركو العرب وغيرهم زعموا أنَّ رؤساءهم أهلٌ لأنْ يُخْضَعَ لهم بالطاعة في شرع الدين إلخ. والمراد بالدين هنا ما يُعْتَقَد أو يُعمل طلبًا للنفع الغيبيِّ، [س ١٥٠/ب] فيشمل القولَ في صفات الله وملائكته وغير ذلك من عالَمِ الغيب، والقولَ في الأعمال والأحكام التي يتقرَّبون بها إلى الله أو إلى مَن يرجون شفاعته لهم إليه سبحانه. [س ١٥١/أ] ما دُعي من دون الله تعالى قد تقدَّم معنى الدعاء مفصَّلًا بحمد الله تعالى، فكلُّ مَن دعا شيئًا غير الله تعالى فقد زعم أنه مستحقٌّ لأن يُدعى، ومستنده في ذلك الرأيُ، والدعاء

стр. 650

متضمِّن للخضوع طلبًا للنفع الغيبي من المخضوع له كما تقدَّم، والله أعلم. [س ١٥١/ب] النتيجة فيما تقدَّم عرفنا أنَّ الإله هو: المستحقُّ لأن يُخضع له طلبًا للنفع الغيبيِّ منه أو ممن يُخضع له لأجله استحقاقًا ثابتًا في نفسه بحيث يستقلُّ العقل بإدراكه. والعبادة هي ذلك الخضوع مع اعتقاد ذلك الاستحقاق. فالله ﵎ مستحقٌّ لأن يُخضع له طلبًا للنفع الغيبيِّ استحقاقًا ثابتًا في نفسه إلخ. والمشركون زعموا مثل ذلك في بعض شركائهم (١) , أعني ما يخضعون له طلبًا للنفع الغيبي من غيره بسبب خضوعه لأجله في الباقي. وباعتبار انقسام النفع الغيبيِّ إلى النفع المباشر وإلى الشفاعة تكون الأقسام أربعة: ما يُخضع له طلبًا للنفع الغيبي المباشر منه. ما يُخضع له طلبًا للنفع الغيبي الذي هو الشفاعة. ما يُخضع له طلبًا للنفع الغيبي المباشر ممن يخضع له لأجله. ما يُخضع له طلبًا للنفع الغيبي الذي هو الشفاعة ممن يخضع له لأجله. فالقسم الأول على ضربين:

стр. 651

[س ١٥٢/أ] (١) ما يُنْسَب إليه القدرة على النفع الغيبيِّ كلِّه. ولم أجد في الأمم مَنْ يقول هذا في غير الله إِلَّا أن يكون مَنْ قال من النصارى ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. الضرب الثاني: ما يُنْسب إليه القدرةُ على بعض النفع الغيبيِّ فقط مع الاعتراف بأنَّ قدرته ممنوحة له من الله . ولعلّ من هذا بعض عُباد الكواكب الزاعمون (١) بأنَّ لها قدرة تُصَرِّفها باختيارها. [س ١٥٢/ب] ومنه (٢) الهنود في عبادتهم أشخاصًا غيبيِّين يصفونهم بصفات لا تنطبق على الملائكة, ولكننا نقول بأنهم يعبدون الملائكة كما قال الله ﵎ في مشركي العرب بأنهم يعبدون الملائكة وإن كانت الصفة التي يصفون بها معبوداتهم لا تنطبق على الملائكة. فالهنود يزعمون أنَّ لكلِّ جنس من المخلوقات الحسِّيَّة مدبِّرًا من الملائكة ويدعونهم ويخضعون لتماثيل ينصبونها لهم، ويخضعون للمخلوقات بنيَّة الخضوع لمدبِّرها، وهكذا يزعمون أنَّ كلَّ مَلَك يستطيع أن ينفع البشر بحسب المخلوق الذي يدبِّره، فمدبِّر البحر يستطيع إنفاذ [سؤاله] (٣) مثلًا، وقد مرَّ [في بيان عبادة] (٤) قوم إبراهيم أنهم كانوا يعبدون الكواكب بنيَّة العبادة للأرواح المدبِّرة لها، والله أعلم.

стр. 652

(١) [٢٨٩] وأخرج عبد بن حميدٍ (٢) عن أبي جعفرٍ ﵇ أنه ذكر ودًّا، فقال: كان رجلًا مسلمًا، وكان محبَّبًا في قومه، فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسانٍ، ثم قال: أرى جزعكم على هذا فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه به؟ قالوا: نعم، فصور لهم مثله فوضعوه في ناديهم فجعلوا يذكرونه به, فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل لكم في منزل كل رجل منكم تمثالًا مثله في بيته فيذكر به؟ فقالوا: نعم، ففعل، فأقبلوا يذكرونه به، وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به، وتناسلوا، ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلهًا (٣). أقول: فيعلم من هذا الأثر والذي قبله أنه كان عندهم عدة تماثيل لودٍّ يطلقون على كلٍّ منها اسمَ ودّ، ونظير هذا معروف في وثنيي الهند، وقد يكون للمعبود الواحد ألوف من التماثيل يطلقون على كل تمثال منها اسم ذلك المعبود ، ويقرب من ذلك صنيع النصارى في صور المسيح وأمه ﵉. وأخرج ابن جريرٍ عن محمد [٢٩٠] بن قيسٍ، قال: كانوا قومًا صالحين

стр. 653

من بني آدم، وكان لهم أتباعٌ يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر, فعبدوهم (١). وفي دائرة المعارف للبستاني في ترجمة (سروج بن رعو)، وهو جدُّ (تارخ) والد إبراهيم الخليل، وكان عمره ١٣٠ سنةً لما وُلِد (ناحور)، وتوفي وله من العمر ٢٣٠ سنةً: ذكر سويداس وبعض مؤرخين آخرين أنَّ (سروج) واضعُ عبادة الذين ماتوا من المفضَّلين على الجنس البشري، وتأليهَ (٢) الأصنام وضعت بعد الزمان الذي وُجد فيه. وقال يوحنا الأنطاكي: إنه من نسل (يافث)، علَّم وجوب تكريم الفضلاء من الأموات إما بالصور وإما بالتماثيل وعبادتهم في بعض الأعياد السنوية كما لو كانوا [٢٩١] لا يزالون في قيد الحياة، وبحفظ سجلِّ أعمالهم في كتب الكهنة المقدَّسة, وتسميهم (٣) آلهة لأنهم مفضَّلون على البشر، فتولَّد عن ذلك عبادة البشر (٤) وديانة المشركين (٥). وقال في ترجمة (طهمورث) (٦): ملك من قدماء ملوك الفرس، قالوا

стр. 654

[مؤرخو الفرس]: ولما كثر الموت بسبب المجاعة في أيامه جعل الناس يدفنون موتاهم ويتخذون لهم أمثلة لآبائهم وذوي قرباهم من الحجر والخشب والفضَّة والذهب، فكانت في أوَّل أمرها للذكرى ثم صارت للعبادة (١). (٢) وقال أبو الريحان البيروني في كتاب الهند: "معلوم أن الطباع العامي نازع إلى المحسوس نافر عن المعقول الذي لا يعقله إلا العالمون الموصوفون في كل زمان ومكان بالقلة، ولسكونه إلى المثال عدل كثير من أهل الملل إلى التصوير في الكتب والهياكل كاليهود والنصارى ثم المنانية خاصة، وناهيك شاهدًا على ما قلته: أنك لو قدَّمت (٣) صورة النبي ﵌ أو مكة أو الكعبة لعامي أو امرأة لوجدت من نتيجة الاستبشار فيه دواعي التقبيل وتعفير الخدِّ (٤) والتمرُّغ كأنه شاهد المصوَّر وقضى بذلك مناسك الحج والعمرة.

стр. 655

وهذا هو السبب الباعث على اتخاذ الأصنام بأسامي الأشخاص المعظَّمة من الأنبياء والعلماء [والملائكة مذكِّرة أمرهم] (١) عند الغيبة والموت مبقية آثار تعظيمهم في القلوب لدى الفوت إلى أن طال العهد بعامليها، ودارت القرون والأحقاب عليها، ونُسيت أسبابها ودواعيها، وصارت رسمًا وسنة مستعملة، ثم داخلهم أصحاب النواميس من بابها؛ إذ كان ذلك أشدَّ انطباعًا فيهم فأوجبوه عليهم، وهكذا وردت الأخبار فيمن تقدَّم عهد الطوفان وفيمن تأخر عنه، وحتى قيل: إن كون الناس قبل بعثة الرسل أمة واحدة هو على عبادة الأوثان (٢).

стр. 656

فأما أهل التوراة فقد عيَّنوا [أوَّل] (١) هذا الزمان بأيام ساروغ (٢) جد أبي إبراهيم. وأما الروم فزعموا أن روملس ورومانوس الأخوين من أفرنجة لما مَلَكا بَنَيا رومية ثم قتل روملس أخاه وتواترت الزلازل والحروب بعده حتى تضرَّع روملس فأُرِي في المنام أنَّ ذلك لا يهدأ إلا بأن يُجلس أخاه على السرير فعمل صورته من ذهب وأجلسه معه، وكان يقول: أَمَرْنا بكذا، فجرت عادة الملوك بعده بهذه المخاطبة وسكنت الزلازل فاتخذ عيدًا وملعبًا يُلهي به ذوي الأحقاد من جهة الأخ. /ونصب للشمس أربعة تماثيل على أربعة أفراس أخضرها للأرض وأسمنجونها (٣) للماء وأحمرها للنار، وأبيضها للهواء، وبقيت إلى الآن قائمة برومية. وإذ نحن في حكاية ما الهند عليه فإنا نحكي خرافاتهم في هذا الباب بعد أن نخبر أنَّ ذلك لعوامِّهم، فأمَّا مَن أمَّ نهج الخلاص أو طالع طرق الجدل والكلام ورام التحقيق الذي يسمونه (سار) فإنه يتنزَّه عن عبادة أحد مما دون الله تعالى فضلًا عن صورته المعمولة. فمن تلك القصص ما حدَّث به شونك الملك بريكش قال: كان فيما مضى من الأزمنة ملك يسمى أنبرش نال من المُلك مُناه فرغب عنه وزهد

стр. 657

في الدنيا وتخلَّى للعبادة والتسبيح زمانًا طويلًا حتى تجلَّى له المعبود في صورة (إندر) رئيس الملائكة راكبَ فِيل وقال: سل ما بدا لك لأعطيكه فأجابه بأني سُررت برؤيتك وشكرت ما بذلته من النجاح والإسعاف لكني لست أطلب منك بل ممن خلقك. قال (إندر): إنَّ الغرض في العبادة حسن المكافأة عليها فحصِّل الغرض ممن وجدته منه، ولا تنتقد قائلًا: لا منك بل من غيرك. قال الملِك: أما الدنيا فقد حصلت لي وقد رغبت عن جميع ما فيها، وإنما مقصودي من العبادة رؤية الرب وليست إليك فكيف أطلب [حاجتي] (١) منك قال (إندر): كل العالم ومَن فيه في طاعتي فمن أنت حتى تخالفني؟ قال الملِك: أنا كذلك سامع مطيع إلا أني أعبد مَن وجدت أنت هذه القوة من لدنه، وهو رب الكلِّ الذي حرسك من غوائل الملكين (بل) و (هرنَّكش) فخلِّني وما آثرته وارجع عني بسلام. قال (أندر): فإذا (٢) أبيت إلا مخالفتي فإني قاتلُك ومهلكك. قال الملك: قد قيل: إنَّ الخير محسود والشر له ضد، ومَن تخلى عن الدنيا حسدته الملائكة فلم يخلُ من إضلالهم إياه، وأنا من جملة من أعرض عن الدنيا وأقبل على العبادة ولست بتاركها ما دمت حيّا ولا أعرف [لنفسي ذنبًا] (٣) أستحق به منك قتلًا فإن كنت فاعله بلا جرم مني فشأنك وما تريد، على أنَّ نيتي إن خلصت لله ولم يشب يقيني شوبٌ لم تقدر على الإضرار بي وكفاني ما شغلتني به عن العبادة وقد رجعتُ إليها.

стр. 658

ولما أخذ فيها تجلَّى له الرب في صورة إنسان على لون النيلوفر الأكهب (١) بلباس أصفر راكب الطائر المسمى كَُرد فلما رآه الملك اقشعرَّ جلده من الهيبة وسجد وسبَّح كثيرًا فآنس وحشته وبشَّره بالظفر بمرامه فقال الملِك: كنت نلت ملكًا .... ولم أتمنَّ غير ما نلته الآن، ولست أريد غير التخلص من هذا الرباط. قال الرب: هو بالتخلي عن الدنيا بالوحدة .... فإن غلبك نسيان الإنسيَّة فاتخذ تمثالًا كما رأيتني عليه وتقرَّبْ بالطيب والأنوار إليه واجعله تذكارًا لي لئلا تنساني .... ثم غاب الشخص عن عينه ورجع الملِك إلى مقرِّه وفعل ما أُمر به قالوا: فمِن وقتئذ تُعمل الأصنام .... وأخبروا أيضًا بأنَّ لبراهم ابن (٢) يسمَّى نارذ [لم تكن له همَّة غير رؤية] (٣) الرب، وكان من رسمه في تردُّده إمساك عصا معه إذ كان يلقيها فتصير حيَّة ويعمل بها العجائب وكانت لا تفارقه. وبينما هو في فكره المأ [مول إذ رأى نورًا من بعيد] (٤) فقصده ونودي منه أنَّ ما تسأله وتتمنَّاه ممتنع الكون فليس يمكنك أن تراني إلا [هكذا، ونظر فإذا شخص نورانيٌّ على مثال أشخاص] (٥) الناس، ومن حينئذٍ

стр. 659

وُضعت الأصنام والصور (١). ونحن نذكر جوامع [باب] من كتاب [سنكهت في عمل الأصنام] (٢) تعين على معرفة ما نحن فيه. قال براهمر: إن الصورة المعمولة إذا كانت لرام بن دشرت أو ليل بن برو [جن فاجعل] القامة (٣) مائة وعشرين أصبعا .... .... وصنم براهم ذو أربعة أوجه في الجهات الأربع .... وفي يد صنم إندر سلاح .... وصنم ريونت ابن الشمس .... وصنم الشمس أحمر الوجه .... فإذا حافظ الصانع عليها ولم يزد ولم ينقص عليها بعُد عن الإثم وأمِن مِن صاحب الصورة أن يصيبه بمكروه ... ولذلك قيل في كتاب كَيتا: إن كثيرًا من الناس يتقربون في مباغيهم إليَّ بغيري ويتوسَّلون بالصدقات والتسبيح والصلاة لسواي، فأقوِّيهم عليها وأوفِّقهم لها، وأوصلهم إلى إرادتهم لاستغنائي عنهم. وقال فيه أيضًا باسديو لأرجن: ألا ترى أن أكثر الطامعين يتصدَّون في القرابين والخدمة أجناس الروحانيين والشمس والقمر وسائر النيِّرين، فإذا لم يخيب الله آمالها لاستغنائه عنهم وزاد على سؤالهم /وآتاهم ذلك من الوجه الذي قصدوه أقبلوا على عبادة مقصوديهم لقصور معرفتهم [عنه، وهو] (٤)

стр. 660

المتمِّم لأمورهم على هذا الوجه من التوسيط ولا دوام لما نيل بالطمع والوسائط؛ إذ هو بحسب الاستحقاق، وإنما الدوام لما نيل بالله. وقد كان اليونانية في القديم يوسطون الأصنام بينهم وبين العلة الأولى ويعبدونها بأسماء الكواكب والجواهر العالية إذ لم يصفوا العلَّة الأولى بشيء من الإيجاب بل بسلب الأضداد تعظيمًا لها وتنزيهًا فكيف أن يقصدوها للعبادة .... وتوجد رسالة لأرسطوطالس في الجواب عن مسائل البراهمة (١) .... وفيها: "أما قولكم: [إنَّ] (٢) مِن اليونانية مَن ذكر أنَّ الأصنام تنطق وأنهم يقرِّبون لها القرابين ويدَّعون لها الروحانية فلا علم لنا بشيء منه، ولا يجوز أن نقول فيما لا علم لنا به". فإنه ترفُّع منه عن رتبة الأغبياء والعوامِّ وإظهارٌ من نفسه أنه لا يشتغل بذلك. فقد علم أنَّ السبب الأول في هذه الآفة هو التذكير والتسلية ثم ازدادت إلى أن بلغت الرتبة الفاسدة المفسدة" (٣). أقول: واسم جدِّ أبي إبراهيم في التوراة الموجودة الآن (سَرُوج) (٤). وقد تقدَّم خبره فيما نقلناه عن دائرة المعارف. والله أعلم. وقال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن الحارث التيمي أنَّ أبا صالح حدَّثه أنه سمع أبا هريرة .... يقول: سمعت رسول الله ﵌ يقول

стр. 661

لأكثم بن الجون الخزاعي (١): يا أكثم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار .... إنه كان أول من غيَّر دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي (٢). وبعده قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء وهم يومئذ العماليق رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنمًا فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه، فأعطوه صنمًا يقال له: هبل، فقدم به مكة [٢٩٢] وأمر الناس بعبادته وتعظيمه (٣). وفي روح المعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] (٤) ما لفظه: "وتخصيصهم ــ أي الملائكة ــ بالذكر لأنهم أشرف شركاء المشركين الذين لا كتاب لهم، والصالحون عادة للخطاب، وعبادتُهم مبدأُ الشرك بناء على ما نقل ابن الوردي في تأريخه (٥) من أنَّ سبب حدوث عبادة الأصنام في العرب أنَّ

стр. 662

عمرو بن لُحَي مرَّ بقومٍ بالشام فرآهم يعبدون الأصنام فسألهم فقالوا: هذه أرباب نتخذها على شكل الهياكل العلوية فنستنصرها ونستسقي (١)، فتبعهم وأتى بصنم معه إلى الحجاز وسوَّل للعرب فعبدوه" (٢). وقال البيضاوي في تفسير قول الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]: "وقيل: شركاؤهم أوثانهم وإضافتها إليهم لأنهم متخذوها شركاء، وإسناد الشرع إليها لأنها سبب ضلالتهم وافتتانهم بما تديَّنوا به، أو صور مَن سنَّه لهم" (٣). قال الشيخ زاده في حواشيه: "فإنهم يزعمون أن الأصنام صُوَر الملائكة أو المسيح أو عزير أو غيرهم من العُبَّاد الصالحين فإنهم يزعمون أنَّ هؤلاء العُبَّاد سوَّلوا لهم ما هم عليه من الدين الباطل ودعوهم إليه" (٤). هذا، وقد وقفت على أشياء كثيرة مما يتعلق بعبادة الأوثان في ديانة اليونان والمصريِّين القدماء ووثنيِّي الهند وغيرهم، فتبيَّن لي أنَّ الأوثان إنما تُعبد تعظيمًا [٢٩٣] وتكريما للغائبين، وأنَّ منها ما يصوَّر بصورة ذلك الغائب إما متحقِّقة كما مرَّ في قوم نوح، وإما متخيَّلة كما في تماثيل الروحانيِّين. ومنها ما لا يصوَّر بصورة بل يُكتفى بجعله تذكارًا لشخص أو روح معيَّن كأن يقال: هذا الحجر أو هذا البيت أو هذه الشجرة يكون تذكارًا لفلان، إمَّا

стр. 663

شخص معين وإما روح معينة بقصد أن يعظَّم هذا الحجر أو البيت أو الشجرة لذلك المعنى، وهو أنه قد صار خاصًّا بذلك الشخص أو تلك الروح. وقد يكون التذكار أثرًا من آثار المعظَّم كخشبة الصليب الأصليَّة عند النصارى، وقد يكون تمثالًا لذلك الأثر كشكل الصليب عندهم أيضا. ومن الوثنيِّين متفلسفون وسُذَّج, فمن المتفلسفين: الصابئةُ فإنهم يختارون المعدن الذي يُتخذ منه الصنم والكيفية والزمان والمكان وغير ذلك، وقريب منهم الوثنيُّون في الهند. ومن السُّذَّج: العربُ أيام جاهليتهم. والحامل على اتخاذ الأصنام أنهم يرون أنَّ التعظيم لا تظهر صورته ويُعلم اختصاصه بمن يُراد أن يكون له إلا إذا [٢٩٤] كان المعظَّم مشاهَدًا، فلما كانت أرواح الموتى والروحانيُّون غيرَ مشاهَدين رأوا أن يجعلوا أشياء مجسَّمة فيعملون التمثال أو الشجرة أو الأثر أو صورة الأثر مثلًا قائلين: هذا فلان فينبغي تعظيم هذا الجماد بقصد أنَّ هذا التعظيم له إنما هو لأجل أنه قد صار مختصّا بتلك الروح أو بذلك الروحاني، وكثيرًا ما يسمُّون هذا الجماد باسم ذلك الغائب، كما مرَّ في قوم نوح. والمتفلسفون منهم يصنعون ذلك لتأكيد الاتصال بينهما وتحقيق أن تعظيم هذا المحسوس إنما هو تعظيم لذاك الغائب. والمتفلسفون منهم يحرصون على أن يتخيل القائم أمام الصنم أنه قائم أمام ذلك الغائب، ويُلقون بين العامة أن ذلك الغائب قد يحلُّ في ذلك الجماد الموضوع باسمه في بعض الأوقات، وكأن غرضهم من هذا أن يقوى تخيل الحاضر أمام الصنم ويشتد وهَمه وهمته، لأن للهمَّة عندهم أثرًا عظيمًا في قضاء الحوائج [٢٩٥]. ولكثير من هذه الأمور مشابهات في هذا العصر، فالأمم المسيحية

стр. 664

تعمل تماثيل لعظماء رجالها وتنصبها في الشوارع العامة كتمثال ملكة الإنجليز (وَكْتُورية) (١) المنصوب في (لُندرة) (٢). وربما ينصبون تماثيل لأشياء متخيلة كتمثال الحرية (٣) في أمريكا، ولا يشكُّون أنه لو مرَّ رجل منهم على تمثال من تلك التماثيل فانحنى له مثلًا أنه إنما يعظم الذي جُعل تمثالًا له. وإطلاق اسم الشخص على صورته وتعظيمه بتعظيم صورته وأشباه ذلك أمر معروف بين الناس، ألا ترى أنها لو عُرضت عليك صور أناس معروفين وأشير لك إلى صورة منها، وقيل لك: مَن هذا؟ لأجبت باسم صاحب الصورة. أوَ لم تسمع أهل المنطق يمثِّلون للمغالطة بأن يُشار إلى صورة فرس على جدار مثلًا ويقال: هذا فرس، وكل فرس صهَّال، فينتج: هذا صهَّال؟ أوَلا ترى المؤلفين وأصحاب الجرائد إذا أثبتوا صورة شخص أو طائر أو حيوان أو شجرة أو مدينة أو غير ذلك كتبوا تحت الصورة اسم صاحبها؟

стр. 665

[٢٩٦] أوَ لا تعلم أن النصارى إذا عظَّموا صلبانهم لا يعتقدون في الصليب نفسه شيئًا أكثر من أنه تذكار للمسيح، فتعظيمه تعظيم للمسيح، وهكذا إذا عظَّموا صورة المسيح أو صورة مريم ﵉؟ أوَلا ترى لو أن رجلًا رأى صورة رجل من العظماء كصورة الزعيم المصري الشهير سعد زغلول (١) فقبَّل الصورة أو وضعها على رأسه أن العامة يعدُّونه إنما يحترم سعد زغلول نفسه؟ أوَ لا ترى لو أن رجلًا رأى صورة نعلي النبي ﷺ أو صورة البُراق فقبَّلها أو وضعها على عينيه ورأسه أو علَّقها في جدار بيته أو نحو ذلك أن العامة لا يرتابون أنه إنما يحترم النبيَّ ﷺ ؟ ولعلَّك قد وقفت على الأسطورة الحاكية أنَّ بعض الصحابة ذهب رسولًا من بعض الخلفاء إلى ملك الروم فأراه ملك الروم صور الأنبياء وفيها صورة النبيِّ ﷺ ، فلما رأى تلك الصورة قبَّلها أو وضعها على رأسه أو نحو ذلك (٢).

стр. 666

وقد شاع في هذا الزمان بين الشيعة اختلاق صور لأمير [٢٩٧] المؤمنين عليٍّ وابنه الحسين وفرسه وغير ذلك، وعوامُّهم يعظِّمون تلك الصور. وقد مرَّ في فصل الآثار (١) أشياء من هذا القبيل، فلا أراك إذا تأمَّلت ما ذكرته لك في هذه المقدِّمة ترتاب أنَّ أوثان العرب إنما كانت تماثيل أو تذكارات لأشخاص معظَّمين عندهم، وأنهم إنما كانوا يعظِّمونها تعظيمًا لأولئك الأشخاص، وأن المظنون أن أسماءها هي أسماء أولئك الأشخاص. ولْنزِدْك بيانًا لذلك: أمّا اللَّات فقال قتادة: كانت لثقيف بالطائف (٢)، وأنشدوا (٣): وفرَّتْ ثقيف إلى لاتها ... بمنقلب الحائن (٤) الخاسر وقال أبو عبيدة وغيره: كان بالكعبة (٥). وقال ابن زيد: كان بنخلة عند

стр. 667

سوق عكاظ تعبده قريش (١). وقال أبو حيَّان: يمكن الجمع بأن يكون المسمى بذلك أصنامًا فأخبر عن كلِّ صنم بمكانه (٢). أقول: وهذا ظاهر وهو نظير ما صنع قوم نوح بوَدٍّ كما مر مع نظائره. وهذا يدلُّ أن اللَّات في الأصل اسم شخص واحد، وتلك الأصنام أو التذكارات كلُّها له، أطلقوا على كلِّ واحد منها اسم ذلك الشخص. ومن المشاهَد في وثنيِّي الهند أن الأصنام [٢٩٨] التي تكون لمعبود واحد يكون واحد منها هو الصنم الأعظم، وله مزيَّة على غيره، فكذا يقال في اللَّات، فكان أعظمُها لاتَ ثقيف التي كانت بالطائف كما يُعلم بتتبع الروايات في ذلك. وأما العُزَّى فالمشهور أنها كانت سَمُراتٍ وبيتًا بنخلة (٣)، وفي ذلك حديث سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى (٤). وقال ابن زيد: كانت العُزَّى بالطائف (٥)، وقال أبو عبيدة: كانت بالكعبة، وأيَّده أبو حيَّان في البحر بقول أبي سفيان يوم أحدٍ للمسلمين: لنا عُزَّى ولا عُزَّى لكم، وذكر فيه أنه صنمٌ، وجمع بمثل ما تقدَّم (٦).

стр. 668

أقول: والكلام عليها كالكلام على اللات. وأما مناة، فقيل: صخرةٌ كانت لهذيلٍ وخزاعة (١)، وعن ابن عبَّاسٍ: لثقيف (٢)، وعن قتادة: للأنصار بقديدٍ (٣)، وقال أبو عبيدة: كانت بالكعبة أيضًا (٤). أقول: ويجمع بالتعدُّد أيضًا، والكلام عليها كما مرَّ (٥). فالعرب إنما كانوا يعظمون هذه الأصنام الثلاثة تعظيمًا لأشخاص معظَّمين، وليست هذه الأصنام إلا تماثيل أو [٢٩٩] تذكارات لأولئك الأشخاص كما هو شأن عَبَدَة الأوثان في كلِّ أمة، وبذلك صرَّح المحققون كما علمت مما تقدَّم وإن لم ينصُّوا على شأن العرب خاصَّة. ومما يؤيِّد هذا ما ذكره الفخر الرازي في تفسير قول الله : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)

стр. 669

قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤] فإنه قرر أن المراد بقوله ﴿أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ﴾ الآية: الأصنام، ثم ذكر أن قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ ردٌّ لما يجيبون به وهو أن الشفعاء ليست الأصنام أنفسها بل أشخاص مقربون هي تماثيلهم (١). ويؤيده أيضًا ما أخرجه النسائي وابن مردويه عن أبي الطفيل قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى، فأتاها خالد وكانت ثلاث سمُرات، فقطع السمُرات وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: "ارجع فإنك لم تصنع شيئًا" فرجع خالدٌ، فلما أبصرته السدنة مضوا وهم يقولون: يا عزى يا عزى [٣٠٠] فأتاها فإذا امرأة عريانة ناشرةٌ شعرها تحثو على رأسها فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال ﵊: "تلك العزى ... ". وفي رواية: فقطعها فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها فضربها بالسيف حتى قتلها. ذكره في روح المعاني (٢).

стр. 670

ففيه أن السدنة كانوا يدعون العزى بعد أن قُطعت السمُرات وهُدم البيت، فيظهر من ذلك أنهم يرون أن العزى شيءٌ آخر، ويوضحه قوله ﷺ لخالدٍ: "لم تصنع شيئًا"، وقوله في الشيطانة: "تلك العزى ... ". فلننظر الآن مَنْ هم الأشخاص الذين كانت اللات والعُزَّى ومناة تماثيل أو تذكارات لهم. جاء عن ابن عباس ومجاهد وأبي صالح وغيرهم أنهم قرؤوا: ﴿اللاتّ﴾ بتشديد التاء (١). وفي روح المعاني: أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس: أنه كان يلتُّ السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سَمِن، فعبدوه (٢). قال: وأخرج الفاكهي (٣) أنه لما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم يمت ولكنه دخل الصخرة فعبدوها وبنوا [٣٠١] عليها بيتًا (٤).
следующие страницы →