← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 3270

شرح المعتمد في أصول الفقه

محمد الحبش

Полный текст (250 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

/متن المنظومة/ وخالف الأحناف في اشتراطهم ... لسائر الكفار إيماناً لهم وما رآه الأولون أرجحُ ... دليلهم منمّقٌ موضَّحُ -٤٩٣- والقول الثاني في المسألة هو مذهب الحنفية إذ قالوا إن الإيمان شرط في سائر التكاليف، ودليلهم في ذلك أن الكافر إذا أسلم لا يطالب بقضاء الصلاة لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وذلك دليل على أنه لم يكن مكلفاً بها. -٤٩٤- ورجح الناظم رأي الأولين، ووصف دليلهم بأنه منمق - أي ظاهر الجمال- موضح، ودفع استدلالهم بذات الحديث، فقوله ص: «الإسلام يجب ما كان قبله» رواه ابن سعد عن الزبير، يدل على أنهم كانوا مطالبين بالتكاليف أصلا ثم خفف ذلك عنهم بدخولهم في الإسلام. والمسألة كما ترى محض خلاف لفظي لا طائل تحته.

стр. 177

المانع

стр. 178

/متن المنظومة/ والمانعُ الوصفُ الجليُّ المنضبِطْ ... كالقتلِ في الميراثِ حيثُ يختلِطْ ويلزمُ العدمُ من وجودِهِ ... أفتِ به لكلِّ مستفيدِهِ ولم يجبْ من عدمٍ له عَدَمْ ... ولا وجودٌ.. فتعلم لا تُنَمْ ويقسم المانع في تأثيرِهِ ... عليهما قسمين في تحريرِهِ أولها لحكمة النقيضِ ... كالترك للصلاة في المحيضِ -٤٩٥ و ٤٩٦ و ٤٩٧- المانع في الاصطلاح هو الوصف الظاهر المنضبط، الذي يستلزم وجوده عدم الحكم أو عدم السبب، فيلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم. وقول الناظم (كالقتل في الميراث حيث يختلط) أرادأن الوارث يستحق الإرث ولكن إن تورط في قتل مورثه، فإنه يمنع من ميراثه، إذ اختلط المانع بالحكم فحال دونه. وقوله (أفتِ به لكل مستفيده) إشارة إلى إجماعهم على تعريف المانع بما سلف، وعليه الفتوى. -٤٩٨- وينقسم المانع من جهة تأثيره على الحكم والسبب إلى نوعين كما حرره العلماء. -٤٩٩- القسم الأول: مانعٌ للحكم لكونه مناقضاً له. القسم الثاني: مانعٌ للحكم لكونه مخلاً به. فالأول على ثلاثة أنواع:

стр. 179

/متن المنظومة/ فربما اجتمع بالتكليفِ ... مثل المثال السابق الظريفِ وربما لم يجتمع به كما ... في النوم والجنون.. فابقَ مسلما وربما ينقلبُ اللزومُ ... مخيَّراً.. مثالُهُ السقيمُ والثان ما أخل حكمةَ السببْ ... فالدينُ في الزكاةِ أبطلَ السببْ والحنفيُّ قسَّمَ الموانعا ... لخمسةٍ فكن لديَّ سامعا -٥٠٠ _ الأول: المانع الذي يجتمع مع أهلية التكليف، كالحيض يطرأ على المكلفةِ شرعاً فيرفع عنها التكليف الموجه إليها في الصلاة والصوم خصوصا. مع بقاء التكليف عليها في سوى ذلك. -٥٠١ _ الثاني: المانع الذي لا يجتمع مع الحكم التكليفي، بل يرفع التكليف كله حين يطرأ، كالنوم والجنون والإغماء. وأراد بقوله (فابقَ مسلما) أن يستديم المؤمن في تمسكه بالإسلام حتى يلقى الله على التوحيد. -٥٠٢- الثالث: المانع الذي يطرأ فلا يرفع التكليف، بل يرفع اللزوم عنه إلى تخيير، كالمرض فإنه يرفع وجوب صلاة الجمعة، فيكون أداؤها حينئذ على سبيل التخيير بينها وبين فرض الظهر. -٥٠٣- القسم الثاني من أقسام المانع من حيث تأثيره على السبب والشرط هو: المانع الذي يمنع الحكمَ لحكمةٍ تخلُّ بحكمةِ السبب. مثاله الدَّين على مالك النصاب، فهو بملكه للنصاب أحرزَ السبب الموجز للزكاة، ولكن بوجود الدَّين عليه وُجِدَ المانع الذي يحول دون ثبوتِ وجوبِ أداء الزكاة عليه. -٥٠٤- أخبر أن الحنفيةَ لهم تقسيمُ خاص للموانع فيجعلونها خمسة أقسام:

стр. 180

/متن المنظومة/ ما يمنع انعقادَ أيِّ سببِ ... كبيعِ حرٍّ أو كإفتاءِ الصبي والثانِ ما يمنعُ من تمامِهِ ... كبيعِ ذي الفضولِ غيرَ مالِهِ ثالثها يمنعُ بدءَ الحكمِ ... مثلَ خيارِ الشرطِ للمسلَّمِ رابعُها يمنعُ من تمامِهِ ... مثلَ خيارِ العينِ في إلمامِهِ والخامسُ المانع من لزومِهِ ... مثل خيارِ العيبِ في لزومِهِ -٥٠٥- الأول: يمنع انعقاد السبب أصلا، كبيع الحر، فالحرية مانع من انتقال التملك عن طريق البيع، إذ هي مانعة للبيع أصلاً. -٥٠٦- الثاني: يمنع تمام السبب في حق غير العاقد، كبيع الفضولي، فالمالك هنا مخير بين إتمام العقد أو إبطاله مع أن العقد قد تم في حق العاقد. -٥٠٧- الثالث: ما يمنعُ ابتداءَ الحكمِ، كخيارِ الشرط للبائع، فالعقد منعقد في حقِّهما، ولكن انتقال الملكية ممنوع بسبب الخيارِ المشترط. -٥٠٨- الرابع: يمنع تمام الحكم، كخيار الرؤية، فالعقد منعقد في حقهما، وانتقال الملكية صار معتبراً لكنه غير تام، ويحق لصاحب الخيار أن يفسخ العقد بإرادته، لدى إلمامه: أي لدى اطلاعه على خفايا وصف المنيع. -٥٠٩- الخامس: يمنعُ من لزومِ الحكم، كخيارِ العيب، فالعقد منعقدٌ في حقِّهما، وقد انعقد تاماً، لكنه غير نافذ، إذ يحقُّ للمشتري فسخُ العقد بعد تمامه بخيار العيب.

стр. 181

الصحيح وغير الصحيح

стр. 182

/متن المنظومة/ وعرفوا الصحيحَ دونَ ريبَةْ ... ترتُّبُ الثمرةِ المطلوبَةْ شرعاً عليهِ منه أي ترتبتْ ... آثارُهُ كامِلَةً وأوجبتْ وغيره ما لم ترتَّبْ بعدَهُ ... آثارُهُ فافهمْ لهذا عنَدهُ فما مضى يقال عنه الباطل ... لكلِّهم.. والحنفي قائل يغايرُ الفسادُ بطلاناً، ولم ... يميزِ الجمهورُ في تعريفِهِمْ -٥١٠ و ٥١١- النوع الرابع من أنواع الحكم الوضعي هو الصحيح وغير الصحيح. فالحكم الصحيح هو: حكم ترتبت ثمرته المطلوبة منه شرعا عليه، فإذا حصل السبب، وتوفرت الشروط، وانتقى المانع ترتبت الآثار الشرعية على الفعل. -٥١٢- وأما غير الصحيح فهو الذي لا تترتب عليه آثاره الشرعية، ويكون غير صحيح إذا انتقى سبب أو شرط، أو وجد مانع. -٥١٣-٥١٤- الجمهور على أن غير الصحيح نوع واحد، فلا فرق عندهم بين الباطل والفاسد، ولكن الحنفية جعلوا الفاسد غير الباطل، فقالوا: الباطل هو الذي لم يشرع بأصله ولا بوصفه، وأما الفاسد فهو الذي شرع بأصله لا بوصفه، ومثال الباطل بيع المجنون، ومثال الفاسد بيع الربا. ...

стр. 183

العزيمة والرخصة

стр. 184

/متن المنظومة/ في الأصلِ ما شرعَ للأنامِ ... جميعِهم بدءاً من الأحكامِ فإنه عزيمةٌ مبيَّنَةْ ... وما سواه رخصَةٌ معيَّنَةْ وطالما لم يطرأِ الترخيصُ ... عليه فهو الأصلُ والتنصيصُ وفي العزيمة من الأنواعِ ... أربعةٌ تظهر باطِّلاعِ فالأول الغالب وهو ما شُرِعْ ... من أول الأمر لكل متَّبِعْ والثان ما شرع للطَّوارئِ ... كالنهيِ عن سبِّ أولي التناوءِ -٥١٥ و ٥١٦ و ٥١٧- العزيمة والرخصة من أقسام الحكم الوضعي، وعلى هذا الرأي كبار الأصوليين كالغزاليِّ والآمديِّ والشاطبي. وتعريف العزيمة: ما شرعه الله ابتداء لعامة عباده من الأحكام. وعرفها البعض: الحكم الثابت الذي خولف لعذر. وعليه فإن الأصل في الأحكام العزائم، ثم قد يطرأ عليها ما يجعلها رخصة لعذر ما. -٥١٨- ويدخل في العزيمة أربعة أنواع: -٥١٩- الأول: ما شرع ابتداءً لصالح المكلفين عامة، وهو يشمل غالب الأحكام الشرعية -٥٢٠- الثاني: ما شرعَ لطارئٍ ما، خلافاً للأصل، كالنهي عن سب الأوثان والمشركين في قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم﴾ سورة الأنعام-١٠٨-، وعبر الناظم عنهم بقوله: (أولي التناوء) أي العداوة. فها هنا حكم لم يشرع ابتداء، وإنما شرع لسبب طارئ، ولكنه لا يخرج عن كونه عزيمة.

стр. 185

/متن المنظومة/ والثالثُ النَّاسخُ للَّذي سَبَقْ ... فالنَّاسِخُ العزمُ..على هذا اتَفَق رابِعُها استثني مِمَّا قَدْ حُكِمْ ... كقولِهِ لدى الزَّواجِ ما عُلِمْ (والمحصناتُ مِنَ نِساءٍ إلاَّ ... ما ملكَتْ أيمانُكم) أَحَلاَّ والرُّخْصةُ الحكْمُ الذي أثبتَّهُ ... خلاف أصلٍ لدليلٍ سُقْتَهُ سبَّبَهُ عذرٌ مبيحٌ كالَّذي ... أتاهُ عمَّارُ بنُ ياسِرَ فذِيْ وتشَملُ الأحكامَ كُلَّها سِوَىْ ... حكمَ المحرَّماتِ فاترُكِ الهَوَىْ -٥٢١ الثالث: الحكم الناسخ لحكم سابق، فهو لم ينزل ابتداء، ومع ذلك فهو عزيمة. -٥٢٢-٥٢٣- الرابع: الاستثناء الوارد في حكم سابق، كما في قوله سبحانه: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ... والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ النساء ٢٣ فإباحة التزوج بما ملكت أيمانكم عزيمة، وإن تكن لم تنزل ابتداء. -٥٢٤-٥٢٥- تعريف الرخصة: (الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر) . وأورد الناظم مثالاً لذلك حديث عمار بن ياسر، حيث عذبه المشركون، فلم يكفوا عنه حتى نال من النبي ﷺ -وذكر آلهتهم بخير، فجاء إلى النبي ﷺ -مذعوراً فقال له النبي ﷺ : «مالك؟» قال: هلكت يا رسول الله، ما تركني المشركون حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، فقال له النبي ﷺ : «كيف تجد قلبك؟» قال: أجده مطمئناً يا رسول الله. قال: «فإن عادوا فعد..» -٥٢٦- وتدخل الرخصة في سائر الأحكام التكليفية سوى الحرام، فتدخل في الواجب والمندوب والمباح والمكروه.

стр. 186

/متن المنظومة/ فالواجبُ الأكلُ لِمَنْ يُضْطَرُّ ... لميتةٍ بذاكَ قَد أقَرُّوا والنَّدبُ كالقصرِ لمن يُسافِرُ ... ثمَّ المُباحُ والطبيبُ ناظِرُ والرابعُ المكروهُ كالنُّطْقِ بِما ... يكْفُر فيهِ ظاهِراً إنْ أُرْغِما وتُجْعَلُ الرُّخصةُ أنواعاً على ... أَرْبعةٍ فافهَمْ لما قد أُجْمِلا أوَّلُها ما أسْقَطَ التكليفا ... عن العِبادِ ثُمَّ لَمْ يَحيفا عنْ كونِه في أصلهِ محرَّما ... كالأكْلِ للميتَةِ إن تحتَّما ورجَّحوا الأّخْذَ بها إلاَّ إذا ... أُرغِمَ أنْ يكفُرَ فليقْتَل إِذاً -٥٢٧- مثال الواجب في الرخصة الأكل من الميتة لمن يضطر، فهو واجب عليه، ولو أن جائعاً في برية لم يكن حوله إلا لحم ميتة فتركه حتى هلك، مات آثماً، لتركه الرخصة الواجبة. -٥٢٨- مثال المندوب في الرخصة قصر الصلاة للمسافر، وهو مذهب الشافعية، واختار الحنفية الوجوب في رخصة القصر. مثال المباح في الرخصة نظر الطبيب إلى العورة فهي مأذون بها شرعاً ولكن على سبيل الإباحة لا الندب ولا الإيجاب. -٥٢٩- مثال المكروه في الرخصة النطق بكلمة الكفر حال الإكراه، فهي رخصة مأذون بها شرعاً، ولكن الأحب إلى الله الصبر على الإكراه، وعدم النطق بكلمة الكفر. -٥٣٠- والرخصة على أربعة أنواع -٥٣١-٥٣٢-٥٣٣- الأول من أنواع الرخصة: ما سقطت فيها المؤاخذة عن العباد لأعذارهم مع بقائها حراماً في الأصل، كالأكل الميتة للمضطر، والنطق بكلمة الكفر للمكره. وهذا النوع من الرخص يستحب الأخذ فيه واستثنوا منه حالة واحدة وهي حالة الإكراه على الكفر فقد تقرر أن الصبر أفضل.

стр. 187

/متن المنظومة/ والثانِ ما جَعَلَهُ مُباحاً ... مع قيامِ سَبَبٍ صُراحاً معَ التَّراخي موجبٌ لحكمِهِ ... كالفِطْر في سفرِهِ في يومِهِ فها هُنا العزيمةُ المُفَضَّلَهْ ... إلاَّ إذا عمَّا يُهِمُّ أشْغَلَهْ والثالثُ المَنْسُوخُ مِنْ شرعِ الألى ... فهو مجازاً رخصةٌ قَدْ جُعِلا ولا يجوزُ فِعْلُها تشْرِيعَاً ... فكُنْ لما أذكُرهُ سَمِيْعَاً واعتبَرَ الأحنافُ حكْمَ القَصْرِ ... مجازَ رخصةٍ فذاكَ فانْظُرِ ولا يجوزُ عندَهُمْ أَنْ تُكْمِلا ... فالرُّخْصَةُ التي بها تَنَزَّلا -٥٣٤-٥٣٥-٥٣٦- الثاني من أنواع الرخصة هو الرخصة التي تجعل الفعل في حكم المباح خلال فترة العذر الطارئ، ولكن الحكم باقٍ متراخٍ لحين زوال العذر، كالإفطار في السفر، فقد شرع الإفطار للعذر مع بقاء الحكم وهو الصيام مؤجلاً لحين زوال العذر، وفي هذه الحالة فالعزيمة أفضل إلا إن كان ينال المكلف بها حرج أو ضيق. -٥٣٧-٥٣٨- النوع الثالث من أنواع الرخصة: ما جاء رافعاً لمشقة كانت حكماً مقرراً في شريعة سابقة، كنسخ قص موضع النجاسة كما كان مشروعاً لدى بني إسرائيل، وهذه تسمى رخصة مجازاً، ولا يجوز الأخذ بالأصل المنسوخ لأنه ليس من شريعتنا. -٥٣٩-٥٤٠- أضاف الحنفية نوعاً رابعاً للرخصة وهو: ما سقط عن العباد بإخراج سببه، ومثَّلوا لذلك بقصر الصلاة للمسافر، فالعزيمة عندهم هنا لا يجوز فعلها وهي إتمام الصلاة في السفر، لأن الرخصة هنا حكم مبتدئ ثبت بالنص بعد زوال السبب الموجب للإتمام وهو الإقامة. ويطلق الحنفية عليها تخلصاً: رخصة إسقاط.

стр. 188

/متن المنظومة/ واختلَفوا أَيُّهما يُفَضَّلُ ... والشَّاطبِي لَخَّصَ ما تَوَصَّلُوا فقالَ فِيمَنْ رجَّحُوا العَزيمَةْ ... دليلُهُمْ حقاً عظيمُ القيمَةْ فأَوَّلاً ثبوتُها بالقَطْعِ ... وتثبتُ الرخصةُ فيها فاسمَعِ وثانياً عمومُها إِطلاقاً ... والرخصُ عارِضٌ بها اتِّفاقَاً وأمرُهُ بالصَّبْرِ مثلُ أمرِهِ ... بِها كما النَّبِيُّ عندَ صَبْرِهِ وأخذُها يَقضي على الذَّرَائِعِ ... وتَرْكُها يُفْضِي إلى التَّمَايُعِ والأَصْلُ في الشَّرائِعِ التكليفُ ... لا الهونُ والإِسفافُ والتَّخْفيفُ -٥٤١- اختلف الأصوليون في تفضيل الرخصة والعزيمة، وقد أجمل الشاطبي كلاً من المذهبين وأورد الأدلة عليه. -٥٤٢-٥٤٣- أورد الشاطبي أولاً أدلة ترجيح العزيمة فقال: -١ العزيمة ثابتة قطعاً وبسبب قطعي، أما الرخصة فإنها وإن ثبتت بدليل قطعي ولكن سببها مظنون غير منضبط وهو المشقة. -٥٤٤- ٢ العزيمة حكم عام في الناس، والرخصة جواز طارئ، ولا شك أن الدخول في ما عليه الأمة خير من الانفراد بالأعذار. -٥٤٥- ٣ إن الله أمر بالصبر في تحمل التكاليف (فاصبر لحكم ربك) وأمره بالصبر على التكاليف بمثابة أمره بالعزائم دون الرخص. -٥٤٦- ٤ إن الأخذ بالعزائم ضمانة حقيقية لسد الذرائع، بينما يؤدي تتبع الرخص إلى التهاون أحياناً في بعض شرائع الدين. -٥٤٧- ٥ إن الأصل في الشريعة هو التكليف، وهو خلاف ما يهواه الإنسان غالباً من التهوين والتخفيف، والتكليف أقرب إلى العزيمة من الرخصة.

стр. 189

/متن المنظومة/ أمَّا الذينَ أخَذُوا بِالرُّخْصَةِ ... فَذَلَّلُوا مثلَهُمُ بخمْسَةِ فالظَنُّ كالقَطْعِ لدى الأَحكامِ ... في شرعةِ القرآنِ والإِسْلامِ وإنَّما يُقَدَّمُ المُخَصَّصُ ... على العمومِ هكذا قد نصَّصُوا وأَنَّ هذا الدِّينَ يُسْرٌ فيهِ نَصْ ... وربُّنا يُحِبُّ أَنْ تُؤتَى الرُّخَصْ وأنَّ قصدَهُ بِها التخفيفُ ... فاعمَلْ لما يقصدُهُ اللَّطيف -٥٤٨-٥٤٩- واستدل الذين فضلوا الرخص بخمسة أمور: -١ إن الرخصة ثابتة بالشرع أيضاً كالعزيمة، وبدليل قطعي أيضاً، ولكن الدليل القطعي رتب سبب الرخصة على أمر مظنون، فلا معنى إذن للقول بأن العزيمة قطعية والرخصة ظنية. -٥٥٠- ٢ إن المقرر لدى علماء الأصول أن الخاص مقدم على العام، والمقيد مقدم على المطلق، فالعزيمة مبنية على العموم، والرخصة مبنية على الخصوص. -٥٥١- ٣ إن الأدلة الشرعية التي جاءت في الكتاب والسنة في إقرار حكمة اليسر في الدين كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ البقرة ١٨٨، وكذلك قوله : ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ الحج، وكذلك قوله ص: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» -٥٥٢- ٤ إن من مقاصد الشارع الحكيم التخفيف عن العباد، قال تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ الأعراف (١٥٧) ومن أجل ذلك نهى الإسلام عن التبتل.

стр. 190

/متن المنظومة/ وتركُها يُودِي إلى السآمَةِ ... وفِعلُها الكفيلُ بالسَّلامةِ وإِنَّما التَّرجيحُ مِثْلَمَا تَرَى ... فَقَدِّرِ الشِّقَةَ وارفَعِ المِرَاْ -٥٥٣- ٥ إن المجاهدة المستمرة للنفس بقصد المداومة على العزائم تودي بالإنسان إلى الملل والسآمة، ولكن ترويض النفس على العزائم مع الأخذ بالرخص في المشقات هو الكفيل بالسلامة. -٥٥٤- والحق أن الأدلة متكافئة، وعلى المرء أن يكون فقيه نفسه، فالرخصة والعزيمة متناوبتان، وليس فيها حكم واحد، بل تقدر كل منهما بحسب ظروف المكلف واستعداده.

стр. 191

الفصل الثاني: الحاكم

стр. 192

/متن المنظومة/ والحاكِمُ الحقُّ هُوَ الإِلَهُ ... فاحكُمْ بِهِمْ كما أرادَ اللهُ وربَّما يَظْهَرُ في القرآنِ ... أو في كلامِ السَّيِّدِ العَدْنَانِ أو في اجتهادِ العُلماء بَعْدَهُ ... فكلُّهم يبيِّنونَ قَصْدَهُ وجاءَ في قُرآنِنَا مُفصَّلاً ... أجْمَلَهُ الرَّحمنُ ثُمَّ فَصَّلاْ وجائِزُ إطلاقُهُ أيضاً على ... مَنْ أظهرَ الأَحكامَ أو مَنْ فَصَّلاْ -٥٥٥- الحاكم بمعنى واضع الأحكام ومنشئها وهو الله ، لا يخالف أحد من أهل الملة في ذلك، وقد أُمر النبي (صراحاً بذلك في قول الله : ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ المائدة (٤٩) -٥٥٦- وإن مظهر إرادة الحاكم يُعرف في صريح القرآن الكريم الذي هو كلام الله ، ويعرف كذلك من خلال سنَّة النبي (التي هي بيان لوحي إلهي غير متلو أنزله الله على قلب نبيه (. -٥٥٧- كذلك فإن اجتهاد العلماء سواء كان إجماعاً أم قياساً ما هو إلا جهد يبذلونه في سبيل الكشف والبيان عن إرادة الله الذي هو في النهاية الحاكم الحقيقي في الإسلام. -٥٥٨- أراد أن البيان الإلهي للأحكام جاء مفصلاً في القرآن الكريم، أو مجملاً في القرآن مفصلاً في السنَّة. -٥٥٩- ويطلق الحاكم ويراد به أيضاً من أدرك الأحكام وفصلها وكشف عنها.

стр. 193

/متن المنظومة/ فالحاكِمُ الفَصْلُ هُوَ التَّشْرِيْعُ ... وذاكَ بعدَ أَنْ أتَى الشَّفيعُ واختَلفوا قبلَ مجيءِ المُصطَفى ... فقيلَ لا حاكِمَ مُطلقاً وَفَىْ أمَّا الذينَ اعتَزَلوا فأكَّدُوا ... بأنَّهُ العقلُ كما قَدْ فندُوا وسَبَبُ الخلافِ أمرُ الحُسْنِ ... والقبحِ في العقلِ فَدعْكَ مِنِّيْ -٥٦٠- ولا خلاف بين الأصوليين فيما قدمناه، من أن الحاكم الحق هو الشارع العظيم ، فيجب على العباد اتباع أمره وإرادته كما بينها المصطفى (بعد بعثته. -٥٦١-٥٦٢- وقع الخلاف بين الأصوليين في معرفة الحاكم الذي يلزم اتباعه شرعاً قبل بعثة النبي (على قولين: الأول: إنه لا يوجد تكليف بدون مجيء الأنبياء، لتعذر معرفة حكم الله سبحانه بدون هدى من الأنبياء، وقوله: (لا حاكم مطلقاً وفى) أي وافى بمعنى جاء. وهذا هو قول أهل السنة والجماعة. الثاني: الحاكم الحق هو الله ، وإرادته إما أن يبديها الكتاب بعد النبوة، أو العقل قبل مجيء الأنبياء. إذ العقل أهل لفهم مراد الله وأمره. وهذا هو قول المعتزلة. وقوله: (كما قد فندوا) إشارة إلى أن دعوى المعتزلة هنا تفنيد وادعاء لا دليل عليها. -٥٦٣- أشار إلى أن الخلاف المتقدم سببه اختلافهم في مسألة: هل الحسن والقبح أمر عقلي أم شرعي وقوله: (فدعك مني) أشار إلى أن هذه المنظومة في أصول الفقه ليست محلاً للاختلاف في هذه المسألة، بل يجب إحالتها إلى كتب العقائد.

стр. 194

/متن المنظومة/ وهَل يحاسبُ أهالي الفَتْرةِ ... فيهِ خلافٌ هائِلٌ فأثْبِتِ فالأشعريونَ نفوا تكليْفَهُمْ ... فَهُمْ سواءٌ محسنٌ مسيئُهُمْ والحُسْنُ والقبحُ مِنَ الشَّرْع عُرِفْ ... وليس بالعقلِ كما بِذَا وُصِفْ وخالَفَ الجماعة المُعتزلَةْ ... ونُقِلَتْ مِنْهُمْ إِلينا المَسْأَلَةْ فأوجَبوا تكليفَ كُلِّ عاقِلِ ... حتماً ولَوْ لَمْ يأتهِمْ مِنْ مُرْسَلِ والحُسن والقبحُ مِنَ العَقْلِ عُرِفْ ... فالشَّرعُ تابعٌ لَهُ ومكتَشِفْ -٥٦٤-٥٦٥-٥٦٦- وقع الخلاف بين المسلمين في حكم أهل الفترة، هل يحاسبون أم لا، وهم الذين لم يرسل إليهم نبي يبين لهم مراد الله، وأجمل الناظم الخلاف على ثلاثة أقوال: الأول: قول الأشعريين نسبة إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، وهو الذي بَيَّن عقائد أهل السنة والجماعة، وميزها من عقائد المخالفين. واختار الأشعريون (الذين هم أكثر أهل السنة والجماعة) أن أهل الفترة غير محاسبين ولا مكلفين، ويستوي في ذلك محسنهم ومسيئهم، إذ لا سبيل للعقل إلى معرفة الحسن والقبح، إذ إن معرفة ذلك لا تتم إلا عن طريق الشرع وحده دون سواه. -٥٦٧-٥٦٨-٥٦٩- القول الثاني: هو قول المعتزلة حيث نقل عنهم أن الناس مكلفين بالعقل وحده، ولو لم يأتهم رسول، إذ العقل وحده قادر على اكتشاف إرادة الحاكم وتمييز الحسن من القبيح. وتأولوا قول الله : ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ الإسراء (١٥) بأن الرسول هنا هو العقل.

стр. 195

/متن المنظومة/ والماتريديونَ جَاؤوا في الوَسَطْ ... فأوجَبُوا معرفَةَ اللهِ فَقَطْ وما سوى ذاكَ مِنَ التكليفِ ... نَفَوْهُ عَنْهُمْ.. رحمةَ اللَّطيفِ وليسَ حُسْنُ الفِعْلِ مارآهُ ... عَقْلٌ.. ولَكِنْ ما أرادَ اللهُ وهكذَا فكُلُّهمْ قَدْ أَجْمَعُوا ... تكليفَ مَنْ تبلُغُهُ ويَسْمَعُ واختلفوا في كُلِّ مَنْ لم تَتَّصِلْ ... بهم، نجاةً أَوْ هلاكاً مُتَّصِلْ -٥٧٠-٥٧١-٥٧٢- القول الثالث: وهو قول الماتريدي، وهم بعض الحنفية والحنابلة من أهل السنة والجماعة خالفوا الأشاعرة في مسائل طفيفة كانت هذه واحدة منها. فقال الماتريديون: إن الإنسان مكلف بالإيمان بالله، فإن كفر أو أشرك فإنه محاسب مسؤول، سواء جاءه نذير أو لم يأته نذير، إذ الإيمان لا يختلف في حسنه عقل ولا شرع. أما ما سوى ذلك من التكاليف الشرعية فقد وافقوا الأشاعرة في أن العباد غير مكلفين بها إلا عن طريق الأنبياء، وبذلك فإنهم يوافقون الأشاعرة في أن الحسن والقبح شرعيان لا عقليان ويستثنون مسألة الإيمان فقط من هذه القاعدة. -٥٧٣-٥٧٤- وهكذا فإنهم أجمعوا على أن من بلغتهم الدعوة مكلفون بها محاسبون عليها، واختلفوا في من لم تصلهم هل يحكم بهم للنجاة أم للهلاك على التفصيل الذي قدمناه.

стр. 196

/متن المنظومة/ كذاكَ إِنَّ العقلَ هَلْ يعتَبَرُ ... مِنْ أُسُسِ التَّشْريعِ أَصْلاً؟.. نظروا جعلَهُ كذلِكَ المُعْتَزِلَةْ ... رَفضَهُ أهلُ النُّهى والمَسْأَلَةْ -٥٧٥-٥٧٦- ووقع الخلاف كذلك في مسألة اعتبار العقل وحده مصدراً من مصادر الشريعة؟ قال المعتزلة وعليه الشيعة أيضاً: بأن العقل يعتبر مصدراً من مصادر التشريع. بينما اختار أهل السنة والجماعة أن العقل لا ينهض مستقلاً كمصدر من مصادر التشريع. ونشير هنا إلى أن هذه المباحث جاءت مختصرة في النظم لكونها من مباحث العقيدة أصلاً لا من مباحث علم الأصول.

стр. 197

الفصل الثالث: المحكوم فيه

стр. 198

/متن المنظومة/ تعريفُهُ فعلُ المُكَلَّفِ الذي ... تعلَّقَ الخِطابُ فيهِ فاحتَذِيْ فرُبَّما يجيءُ تكْلِيفيَّاً ... وتارةً تجدُهُ وَضْعِيَّاً واشتَرطوا عِلْمَ المكلفينَ بِهْ ... مفصَّلاً فاعرفْهُ حقاً وانتَبِهْ واشتَرَطُوا معرفَةً بِالمَصْدَرِ ... وما رَضوْا جهلاً بذاكَ فاحذَرِ واشترطُوا اختيارَهُ في فِعْلِهِ ... وتركِهِ.. لا مُلزماً بفعلهِ -٥٧٧- المحكوم فيه هو فعل المكلف الذي تعلق به خطاب الشارع -٥٧٨- قد يكون الفعل المحكوم فيه تكليفياً وذلك إذا سماه الشارع واجباً أو مندوباً أو حراماً أو مكروهاً أو مباحاً، وقد يكون وضعياً وذلك إذا سماه الشارع سبباً أو مانعاً أو شرطاً. -٥٧٩- اشترط الأصوليون في ثبوت الوصف الشرعي على الحكم وترتب أثره عليه أن يعلم به المكلف تفصيلاً. -٥٨٠- واشترطوا كذلك أن يكون المكلف عارفاً بأن التكليف صادر عن الله ، فلا يكفي أن يعلم أن الزنا ممنوع ليصير محاسباً عليه بل لا بد من أن يعلم أن ذلك هو حكم الله وإرادته. -٥٨١- واشترطوا أيضاً أن يكون المكلف قادراً على فعله وعلى تركه بإرادته دون إلجاء أو اضطرار.

стр. 199

/متن المنظومة/ فلا يُكَلَّفُونَ مُستحيلاً ... لِفِعْلِهِ لَمْ يَجِدوا سَبيلاً ولاَ يكلفُونَ فعلَ غيرِهِمْ ... وتَرْكِهِمْ فأمرُهُمْ لِرَبِّهِمْ ولا يُكَلَّفُونَ ما قَدْ فُطِرُوا ... دفعاً وجَلْباً.. إذْ هُمُ لَنْ يقدِروا وأوِّلِ الظاهِر حيثُ وَرَدَاْ ... لمختَفٍ لهُ الإلهُ قَصَدَاْ -٥٨٢-٥٨٣-٥٨٤- أشار إلى أن الشروط السالفة في المحكوم فيه تتفرع عنها ثلاثة أمور: الأول: لا يصح شرعاً التكليف بالمستحيل الذي لا يجد المكلف سبيلاً ممكناً لفعله. الثاني لا يكلف المرء بفعل غيره أو بتركه، فالمرء لا يسأل إلا عن نفسه. وجماع هذه الأمرين في قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ سورة البقرة (٢٨٦) الثالث: لا يكلف المرء شرعاً بفعل أو ترك ما هو مفطور عليه كحمرة الوجه عند الغضب، والحزن عند المصيبة، والطول والقصر والبياض والسمرة إلى غير ذلك.. -٥٨٥- أشار إلى وجوب تأويل كثير من النصوص عن ظاهرها إذا أوهمت نفي ما بيناه، فمثلاً قوله تعالى: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ آل عمران (١٠٢) ، ظاهره تكليف بتحصيل حكم حال الموت، مع أن ساعة الأجل لا يعلمها المكلف وهذا تكليف بالمستحيل. ولكن مراد الله سبحانه أن يستديم المرء على الاستقامة حتى تلزمه حال الموت. وقوله سبحانه: ﴿لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ الحديد (٢٣) ظاهره النهي عن الفرح عند النعمة، وهو أمر فطري لا يملك المرء أن يتحكم فيه، ولكن المراد من النهي هنا هو النهي عن تبعات الحزن من اللطم والنواح، وتبعات الفرح من الأشر والبطر، وذلك مقدور للإنسان. وقوله سبحانه: ﴿قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾ المراد الأمر بنصح الأبناء والأهل وتوجيههم وليس المراد أن الرجل مسؤول عن صلاح أهله وفسادهم، بل مسؤول عن نصحهم وإرشادهم.

стр. 200

/متن المنظومة/ وأكثرُ الأحنافِ يشرطونا ... حصولَ شرطِ الشرع موقنينا فهل جرى التكليفُ للكفارِ ... بالفرعِ في الدين؟.. خلافٌ جارٍ -٥٨٦-٥٨٧- واشترط أكثر الحنفية شرطاً رابعاً وهو أن المحكوم فيه لا ينعقد حكمه شرعاً حتى يتحقق الشرط الشرعي لقيامه، وهذا خلاف رأي الجمهور، وثمرة الخلاف تظهر في مسألة تكليف الكفار بفروع الشريعة من قبل حصول الشرط الشرعي وهو هنا: الإيمان. وقد سبق بيان الخلاف في المسألة في بحث الشرط.

стр. 201

/متن المنظومة/ وكُلِّفوا مشقةً معتادَةْ ... يفعلُها جميعهم بالعادَةْ ورخِّصَتْ شديدةُ المشقَّةْ ... فضلَ الإله عند بعد الشُّقَّةْ وقسِّمَ المحكومُ فيه حيثما ... نظرْتَ ما هِيَّتَهُ فمنه ما رأيته وُجِدَ حسّاً وانتفى ... شرعاً كأكلٍ أو كشربٍ أو شِفا وربما سُبِّبَ حكمٌ شرعي ... منه كما الزنا بأي وضعِ وربما بالحسِّ والشرعِ وُجِدْ ... مثالُهُ الحجُّ إذا ما قد قُصِدْ وربما بالحسِّ والشرعِ وجِدْ ... ورتبت عليه أحكامٌ تَرِدْ مثالُهُ النكاحُ والإقالَةْ ... والبيعُ والتمليكُ والحوالَةْ -٥٨٨-٥٨٩- أشار إلى أن المشقة نوعان: مشقةٌ معتادة ومشقة غير معتادة، فالمشقة المعتادة ما يقدر عليه مع شيء من التكلف، فالمحكوم فيه يجوز أن تصاحبه المشقة المعتادة، كالمشقة في الصوم والحج، أما المشقة الشديدة غير المعتادة فقد تفضل المولى برفعها عن العباد، وشرع في مقابلها الرُّخص المأذون بها شرعاً، كأكل الميتة للمضطر، والإفطار في السفر. من ٥٩٠ حتى ٥٩٥- يقسم المحكوم فيه باعتبار ماهيته أربعة أقسام: الأول: ما وجد حسا وانتفى شرعا، وليس سبباً لحكم شرعي. كالأكل والشرب والدواء. الثاني: ما وجد حساً وانتفى شرعاً، ولكنه صار سبباً لحكم شرعي آخر. كالزنا والقتل. الثالث: ما وجد حساً وشرعاً، ولا يترتب عليه حكم شرعي آخر. كالحج والزكاة. الرابع: ما وجد حساً وشرعاً، وترتب عليه حكم شرعي آخر. كالنكاح والبيع والتمليك والإقالة والحوالة، فكل واحد منها له وجود شرعي إذا تحقق بشروطه وأسبابه ترتب عليه حكم آخر.

стр. 202

/متن المنظومة/ وجملةُ الأحنافِ قسَّموهُ ... حَسَبَ ما يضافُ رتَّبوهُ أربعة أولُها للهِ ... مخلَّص ومالَه تناهي عبادةٌ ليسَ بها مؤونَةْ ... وبعدها التي بها مؤونَةْ ثالثها مؤونَةٌ وفيها ... معنى عبادةٍ تحلُّ فيها رابعُها مؤونةٌ وفيها ... معنى عقوبةٍ تحلُّ فيها خامسُها عقوبةٌ محققَةْ ... سادسُها قاصرةٌ منمقَةْ سابعُها تدورُ معنى فيها ... عبادةٌ عقوبةٌ تحويها ثامنُها حقٌّ تمامٌ قائمُ ... بنفسِهِ مثالُهُ الغنائمُ أولُها الصلاةُ في الإسلامِ ... وبعدها الفطرةُ في الصيامِ والثالثُ العشرِ ونصفُ العشرِ ... والرابعُ الخراجُ.. فافهم فكري -٥٩٦-٥٩٧- والحنفية يقسمون المحكوم فيه باعتبارِ ما يضاف إليه إلى أربعة أقسام: الأول: حقٌّ خالصٌ لله كالصلاة والصيام، وحدُّ شرب الخمر والزنا، فيجب على الحاكم شرعاً إنفاذُه، ولا يحقُّ لأحدٍ إسقاطُه، ولكن يجب درؤه بالشبهات. وقوله (وماله تناهي) أراد به أنه ليس للإنسان أن يتنازل عنه لأن الحق فيه لله لا يتناهى إلى غيره. من ٥٩٨ إلى ٦٠٧- ثم هذا القسم ثمانية أنواع عددها الناظم ثم أورد عليها الأمثلة في أبيات مستقلة: -١- عبادات خالصة لله، ما فيها معنى المؤونة ولا العقوبة. كالصلاة والصيام. -٢- عبادات فيها معنى المؤونة، والمؤونة: الكلفة. كصدقة الفطر -٣- مؤونة فيها معنى العبادة، كدفع العُشْر في الأرض الزراعية. -٤- مؤونة فيها معنى العقوبة كالخراج. -٥- عقوبة كاملة، كحد الزنا والسرقة وقطع يد الصائل إذا سرق. -٦- عقوبة قاصرة، كحرمان القاتل من الميراث، فهي عقوبة قاصرة على المال دون البدن. -٧- حقوق دائرة بين الأمرين، كالكفارات فيها معنى العقوبة ومعنى العبادة. -٨- حق قائم بنفسه، كدفع الخمس من المغنم.

стр. 203

/متن المنظومة/ والخامسُ الزنا وقطعُ الصائلِ ... سادسُها حرمانُ كلِّ قاتلِ سابعُها الكفارةُ المفروضَةْ ... ثامنها الغنائمُ المقبوضَةْ وقِسْمُها الثاني لعبدِ الله ... فأمرُه لَهُ بلا نواهي يسقطُهُ إن شاءَ أو يأباهُ ... وإن يشأْ يتركُهُ فذا هو -٦٠٨-٦٠٩- القسم الثاني من أقسام المحكوم فيه عند الحنفية هو: حق خالص للعبد يملك رفع الدعوى له، ويملك إسقاطه والعفو فيه، وهو الحقوق التي تتعلق بها مصلحة المكلف الدنيوية، كحرمة ماله.

стр. 204

/متن المنظومة/ والثالث اجتماعها وإنَّما ... يغلبُ حقُّ ربنا فليعلما والرابع اجتماعُها وإنما ... يغلب حقُّهم بها فليعلما فالثالثُ القذفُ وذاكَ يعلَمُ ... والرابعُ القصاصُ وهو يفهَمُ -٦١٠-٦١١-٦١٢- القسم الثالث: هو ما كان حقاً لله وللعبد ولكن حق الله فيه أغلب، كالقذف فهو حق للعبد من حيث مساسه بكرامته، وحق لله من حيث درء الفساد في المجتمع، وحق الله فيه أغلب، ولكن يرى الشافعية والحنابلة أن حد القذف حق خالص للآدمي المقذوف. القسم الرابع: هو ماكان حقا لله وللعبد، ولكن حق العبد فيه أغلب، كالقصاص والديات، فهو حق للعبد من حيث تحقيقه مصلحة أولياء القتيل، وحق لله من حيث درء الفساد في المجتمع ولأن الشارع يتشوفُ إلى حقن الدماء، فإنه فوض أمر العفو إلى العبد، فصار حقه فيه أغلب.

стр. 205

الفصل الرابع: المحكوم عليه

стр. 206

/متن المنظومة/ تعريفه الشخصُ الذي تعلَّقَا ... خطابُ ربِّنا به محقَّقَا واشترطوا في صحةِ التكليفِ ... شرطين فافهمْهُ ودَعْ تعنيفي فالشرط أن يكون قادراً على ... فهم الدليل واضحاً أو مجملا وأن يكون عاقلاً وفاهماً ... أي بالغاً أو خمسَ عشرٍ تمما وزاد في السنِّ أبو حنيفَةْ ... ثلاثةً من بعدها تخفيفَا -٦١٣- المحكوم عليه: هو الشخصُ الذي تعلَّقَ خطابُ الله تعالى بفعله. -٦١٤- أخبر أن شروط المحكوم عليه التي لا يثبت تكليفه بها شرعاً إلاَّ بوجودها شرطان: -٦١٥- الشرط الأول: أن يكون قادراً على فهم دليل التكليف، سواء كان قادراً على فهمه من النص مباشرة، أو من خلال السؤال والتعلم. -٦١٦- ولا يكمل الشرط الأول إلا إذا كان المكلف عاقلا فاهماً للخطاب، ولا يسمى المرء عاقلاً إلا إذا بلغ سن البلوغ، والبلوغ عند الجمهور يعرف بالاحتلام من الرجل والحيض من المرأة، أو ببلوغه خمس عشرة سنة قمرية. -٦١٧- أخبر أن سن البلوغ عند أبي حنيفة هو ثمان عشرة سنة للرجل بزيادة ثلاثة، وذلك تخفيف من المولى ورحمة. وسبعة عشرة سنة للمرأة.

стр. 207

/متن المنظومة/ ولا تكلِّفْ من به جنونُ ... وخُذْ فروعاً بعد ذا تكونُ فكل من تصوَّرَ الخطابا ... لو كافراً مكلفٌ صوابا وحيثما توجه الخطابُ ... إلى الصبيْ فالأصلُ والصوابُ بأنه من الوليِّ يطلَبُ ... ومثلُهُ المجنونُ وهو المذهبُ ولا يكلف الأعجام قبل أنْ ... يترجموه أو تصلهم المننْ وشرطُهُ الثاني بأنْ يكُونَا ... أهلاً لما كلَّفَهُ يَقينَا والأهلُ منْ يصلُحُ للإلزَامِ ... وصالحٌ أيضاً لِلالْتزامِ -٦١٨- أخبر أن تكليف المجنون محال ولو كان بالغاً. ثم قال إن هناك فروعا ثلاثة تتفرع عن هذا الشرط: -٦١٩- إن المطلوب من فهم دليل التكليف هو إدراكه وتصوره، أما الإيمان به فليس شرطاً بل هو مكلف به بمجرد فهمه له آمن أو لم يؤمن. وهو مذهب الجمهور، وقد سبق بيان ذلك في مبحث الحاكم. -٦٢٠-٦٢١- أخبر أن الأوامر الإلهية التي توجهت إلى الأطفال والمجانين فإنما المرادأن ذلك مطلوب من الولي، كأمر الفتاة بستر عورتها، والأمر بإخراج الزكاة بأمر مالك النصاب ولو طفلا، إنما يراد ذلك من الولي. -٦٢٢- نزل القرآن بالعربية، وكذلك الأدلة الشرعية، ولا يمكن للأعجمي أن يفهم القرآن الكريم والأدلة الشرعية التكليفية حتى تترجم إلى لغته، أو يصلهم في بلادهم الدعاة إلى الله لإيصال منَّة الله عليهم. -٦٢٣-٦٢٤- الشرط الثاني في المحكوم فيه: أن يكون أهلاً لما كلف به، والأهلية هي صلاحية الشخص للإلزام والالتزام، بحيث يصلح أن تثبت له حقوق على غيره، وتثبت لغيره حقوق عليه.

стр. 208

/متن المنظومة/ وتقسم الأهليةُ اثنتانِ ... وجوبٌ أو أداءُ في البيانِ وربما تكونُ في الوجوبِ ... ناقصةً كالطفلِ في النحيبِ فتثبتُ الحقوقُ لَهْ ولا يَجِبْ ... عليه واجبٌ وأمرٌ مُطَّلِبْ وتكمل الأهلية النقيصَةْ ... إذا أتى طفلا بلا نقيصَةْ وتقسمُ الأداءُ أقساماً إلى ... ثلاثةٍ فخُذْ بياناً مجملا -٦٢٥- وتقسمُ الأهليةُ إلى قسمين: أهلية وجوب وأهلية أداء. فأهليةُ الوجوبِ هي صلاحيةُ الإنسان أن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات، أما أهلية الأداء فهي ترادف: المسؤولية، وهي صلاحية الإنسان لأن تعتبر أقواله وأفعاله شرعاً. -٦٢٦-٦٢٧- وتقسم أهلية الوجوب إلى نوعين: أهلية الوجوب الناقصة: وهي صلاحية الإنسان لأن تثبت له حقوق دون أن تجب عليه واجبات، وهي خاصة بالجنين حتى الولادة فتثبت له المواريث والوصايا والنسب والوقف، ولا يجب عليه أي واجب. -٦٢٨- النوع الثاني: أهلية الوجوب الكاملة، وهي صلاحية الإنسان لأن تثبت له حقوق وتجب عليه واجبات، وهي موجودة في كل إنسان من ولادته حياً (بلا نقيصة) إلى وفاته. والمراد أن أهلية الوجوب الناقصة للجنين تصبح أهلية وجوب كاملة إذا تمت ولادته حياً. -٦٢٩- أخبر أن أهليةَ الأداء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

стр. 209

/متن المنظومة/ عديمةٍ في الطفلِ حتى ميَّزا ... ومثلُهُ المجنونُ دوماً أُحرِزا وناقصٌ في كلِّ معتوهٍ وفي ... كلِّ مميِّزٍ إلى أن يكتفي وكامل الأهلية الذي بَلَغْ ... وكان عاقلاً فإنه بَزَغْ وربما يعرِضُ للأهليَّةْ ... أمر يزيلها بلا بقيَّةْ كالنومِ والجنونِ والإغماءِ ... كذلك الإكراهُ في البلاءِ -٦٣٠- القسم الأول: تكون الأهلية عديمة بالكلية من حيث الأداء، فلا يثبت بكلام الإنسان وتصرفاته شيء، وهي خاصة بالطفل قبل التمييز، والمجنون، فسائر العقود والتصرفات منها باطلة لانعدام أهلية الأداء أصلاً. -٦٣١- القسم الثاني: أهلية الأداء الناقصة، وتكون كذلك في المعتوه، وفي الطفل المميز إلى بلوغه، وفيها تصح منه التصرفات النافعة له نفعاً محضاً، كقبول الهدية والوصايا والمواريث، وتقع باطلة كل التصرفات الضارة به ضرراً محضاً كالتبرع منه وإسقاط حقوقه، وينعقد موقوفا كل تصرف منه يكون دائراً بين النفع والضرر إلى حين بلوغه أو إجازة وليه فيما يحق له أن يجيز. -٦٣٢- القسم الثالث: أهلية الأداء الكاملة، وهي تثبت لكل بالغ عاقل، وفيها تثبت كل تصرفاته ويكون مسؤلا عنها قضاء وديانة. وقوله: (فإنه بزغ) إشارة إلى أنه بلغ مبلغ الرجال ببزوغ الشعر في مواضع ظهوره من الرجال. -٦٣٣-٦٣٤- وبعد أن تثبت الأهلية كاملة للإنسان فإن ثمة عوارض قد تزيلها أو تنقص منها، وهي على ثلاثة أنواع: أولاً- عوارض تزيل أهلية الأداء بالكامل كالنوم والجنون والإغماء والإكراه، وفي هذه الحالة فإن كل تصرفاته تقع باطلة لا أثر لها.

стр. 210

/متن المنظومة/ وربما أنقصَها مثلُ العَتَهْ ... فاقبلْه إن نفَعَهُ وزادَ لَهْ وربما غيرَ بعضَ الحكمِ ... كَسَفَهٍ وغفلَةٍ ومَغرَمِ -٦٣٥- ثانياً- عوارضٌ تنقصُ أهلية الأداء، كالعته، وهنا يكون المكلف كالمميز قبل البلوغ، يصح من تصرفاته ما ينفعه نفعاً محضاً، ويبطِلُ ما يضرُّه ضرراً محضاً، وينعقد موقوفاً ما كان دائراً بين الحالين. -٦٣٦- ثالثاً- عوارض لا تزيل الأهلية ولا تنقصها، ولكن تغير بعض الأحكام المترتبة عليها كالسفه والغفلة والوقوع في المغارم، فللقاضي أن يحجر على السفيه، وتتحول ذمم الغارمين إلى غيرهم بالتبرع وأشباه هذه المسائل.

стр. 211

خاتمة:

стр. 212

/متن المنظومة/ وهكذا قد تمتِ المنظومَةْ ... نظمتُها واضحةً مفهومَةْ أرجو بها الثوابَ والغفرانَا ... والعفوَ والإكرامَ والإحسانَا وأرفع الشكرَ الجميلَ والثنا ... لكل من أنارَ دربَنا لنا أولهم أستاذي المربي ... أنار لي دربي وأحيا قلبي إمامُنا وشيخُنا كفتارو ... وصحبهُ الأفاضلُ الأبرارُ -٦٣٧ إلى ٦٣٩- تمت بحمد الله منظومة المعتمد في أصول الفقه وعدة أبياتها أربعة وأربعين وستمائة بيت وقد تم نظمها بحمد الله عام ١٩٨٣ في جامع الزهراء بمزة دمشق. -٦٤٠-٦٤١- خص بالشكر هنا سماحة الشيخ كفتارو وإخوانه وصحبة الأبرار، والشيخ أحمد كفتارو هو شيخ المسلمين في الديار الشامية ولد عام ١٩١٢ لأبوين فاضلين، كان أبوه الشيخ أمين كفتارو علماً من أعلام الهدى والعلم في بلاد الشام، وقد أسندت إليه مشيخة الطريقة النقشبندية بعدوفاة شيخه العارف بالله الشيخ عيسى النقشبندي، فأدبه بآداب الطريقة والحقيقة، وعلمه علوم الشريعة، وعني به عناية فائقة، فنبغ منذ صغره في سائر العلوم الشرعية، حيث حفظ القرآن الكريم على يد مقرئ الشام الكبير الشيخ محمد سليم الحلواني ثم لزم كبار علماء الشام فحصل منهم العلم الغزير، وبدأ بتأسيس حركة نهضة اسلامية قوية فأسس عام ١٩٥٩ جمعية الأنصار الخيرية التي لا زالت تعتبر رائدة المؤسسات العلمية والتربوية في الشام، ثم انتخبه علماء سوريا مفتياً عاماً لسوريا عام ١٩٦٤ كما تم انتخابه رئيساً لمجلس الإفتاء الأعلى، وقام بتأسيس عدد من المعاهد الشرعية ومدارس القرآن الكريم وفي عام ١٩٧٥ قام بافتتاح مجمع أبي النور الإسلامي في دمشق، وفيه أول جامعة في سوريا متخصصة بالدعوة الإسلامية وقد تعاظم تأثير هذه الجامعة وأثرها وأصبحت تمنح درجة الدكتوراة في الشريعة الإسلامية وتخرج بها نخبة من خيار الدعاة إلى الله في سوريا، كما أحدث معاهد متخصصة للدعاة الإسلامين القادمين من بلدان إسلامية خصوصاً من جمهوريات الإتحاد السوفياتي المستقلة، وقد شرع بدءاً من عام ١٩٩١ في إحداث معاهد شرعية في تلك البلاد فأسس أكثر من خمسة عشر معهداً خارجياً في مختلف بلدان العالم، كما شارك في نشاط واسع على المستوى العالمي، ووجه مساعيه نحو تحقيق الوحدة الإسلامية ثم الانطلاق إلى الأخوة الإنسانية وتفاهم أبناء الديانات ونجح في هذا المسعى نجاحاً عظيماً، وتم انتخابه رئيساً لمجلس الديانات العالمي الذي نادت إليه الأمم المتحدة، وانعقد في البرازيل ضمن نشاط قمة الأرض التاريخية في عام ١٩٩١ م. وقد أسس منهجه على أساس العلم والسلوك، فحافظ على طريقة الأقدمين في الاهتمام بعلوم السلف وأمر بالعودة إلى مصنفاتهم في ذلك، وأمر بالعناية بالجانب الروحي في إعداد طالب العلم وتربيته وتزكيته. ومن نشاطه العلمي تفسير القرآن الكريم فقد قام بتفسير القرآن الكريم في محاضرات كبيرة في أكبر مساجد دمشق كالأموي ويلبغا وتنكز وأبو النور، واستوفى تفسيره أربع مرات، وقام تلامذته بجمع هذه الدروس النافعة وهي تصدر قريباً مطبوعة بعون الله. كما قام برواية سيرة النبي ﷺ وتحليلها تحليلاً دقيقاً بارعاً خلال ست سنوات وقام إخوانه بجمعها وتهذيبها في كتاب مختصر وهو مطبوع ومتداول ينتفع به الناس اليوم بعنوان سيرة رسول الله ﷺ . انظر كتابي كفتارو رسالة التجديد.

стр. 213

/متن المنظومة/ كذاك للمؤصِّلِ الأصيلِ ... أستاذِنا محمد الزحيلي جزاهم الرحمن خير ما جزى ... شيخاً به اقتدى المريد واحتذى والحمد لله على التمامِ ... في البدء والموضوع والختامِ -٦٤٢ وخص بالشكر أيضاً العالم المتبحِّر الشيخ الدكتور محمد الزحيلي الأستاذ في كلية الشريعة وفي المجمع الإسلامي في جامع أبي النور بدمشق، والشيخ محمد الزحيلي من مواليد مدينة دير عطية ١٩٤١ وتقع على بعد ٩٠ كم شمال دمشق، وينتسب إليها جماعة من أهل العلم والفضل، على رأسهم الشيخ عبد القادر القصاب، وقد حصل الدكتور الزحيلي على درجة الدكتوراة في الفقه الإسلامي المقارن من كلية الشريعة بالأزهر عام ١٩٧١، ثم عين أستاذاً في جامعة دمشق وفي المجمع الإسلامي في جامع أبي النور، وصدرت له عدة أعمال علمية نعد منها: مرجع العلوم الإسلامية، وتعريف عام بالعلوم الشرعية، وعلم أصول الفقه الذي قامت المنظومة أصلاً عليه. والدكتور الزحيلي نموذج يقتدى به في السلوك والتواضع والخلق الكريم أطال الله في عمره ونفع به المسلمين كما نفعنا به آمين. -٦٤٣-٦٤٤ ختم الناظم منظومته بالدعاء لأشياخه وأساتذته كما يقتضيه الوفاء والاعتراف بالجميل. واختتم بالحمد لله على تمام المنظومة، التزاماً بهدي القرآن الكريم. ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾

стр. 214

مسرد المنظومة

стр. 215

مقدمة بسمِ الإلهِ مبدعِ الأَكْوانِ ... ثم لهُ الحمدُ على الإحسانِ ثم الصلاةُ والسلامُ السرَّمدَي ... على النَّبيِّ المصُطفْى مُحَمَّدِ والآلِ والصحبِ الكرامِ البَررَةْ ... والتابعينَ الطاهرينَ الخيَرةْ وبعدُ فالعلمُ ذخيرةُ الفَتى ... وزادُهُ يومَ المعادِ إذْ أَتىولن ينالَ منهُ غيَر بعضهِ ... ولو تقضَّى عمرُهُ بركضهِ لذاكَ فابدأْ منْهُ بالأهَمِّ ... ولا تُبالي بالثَّنَا والذَّمِّ واعلم بأنَّ العلمَ نورٌ يقذفُ ... لكلِّ قلبٍ ذاكرٍ يُلُقَّفُ والناسُ كالأرضِ إذا أصابَها ... غيثٌ تفتَّحت لهُ أبوابُها فبعضُها تشربَّتْ قليلاً ... وبعضُها لَمْ تَستفِدْ فَتِيلاً وبعضُها تفتَّحت سريعاً ... فتلكَ نالت خيَرهُ جمَيعاً والعلمُ في الإسلامِ نورُ اللهِ ... تنالهُ من بابِ حبِّ الله فالأنبياءُ المخلصِوُن الُكمَّلُ ... من بابِ حبِّ الله قَدْ تكَمَّلوُا فالطورُ والخليلُ والحجابُ ... والغارُ والمزمورُ والهضَابُ مسالكُ الخلقِ لبابِ الحقَّ ... بها ينالُ القصدَ أهلُ الصِّدْقِ بها قَضَوا أيّامَهُمْ فُرادى ... فاختصَّهم ربُّ الوَرى آحاداً علَّمَهم منْ علْمِهِ اللَّدُنِّي ... فأصبحوا أربابَ كُلِّ فَنِّ فكم عكفتَ في حراءٍ ذاكراً وكم خلوتَ بالخليلِ صَابراً وكم عنِ الخلقِ احتجبتَ خالياً ... وكم على الهضابِ سرتَ باكياً لكلِّ مُوسَى طورُ حبٍّ دائمُ ... وكلُّ عيسى في الحجابِ قائِمُ وذاكَ شأنُ طالبِ المعالي ... يواصِلُ النهارَ باللَّيالي فهذِهِ الأصولُ والوقودُ ... وغيرُها القشورُ والقُيودُ فثمرٌ من غير قشرٍ يُتْلَفُ ... والقشرُ دونَ اللُّبِّ بيتٌ أَجْوَفُ وقيلَ إنَّ كلَّ مَنْ تَحققا ... مِنْ غيرِ شَرْعٍ إنَّما تَزَنْدَقا وكلُّ مَنْ بالشَّرعِ قَدْ تعمَّقَا ... بلا تحققٍ فذا تَفَسَّقا والعلم علمانِ.. فعلمُ القلبِ ... حجتُنا يومَ لقاءِ الرَّبِّ وبعدَهُ علمُ اللِّسانِ فا علمِ ... وذاكَ حجةٌ على ابنِ آدمِ فحصِّنِ اللبابَ بالقُشُورِ ... وذا كمالُ الطَّالبِ الغَيُورِ وأجدَرُ العلومِ بالإتْقانِ ... فقهٌ مع الحديثِ والقرآنِ وهذهِ الثلاثُ ليسَتْ تُفهمُ ... بلا أصولِ الدِّينِ ليسَتْ تَعْلَمُ فكلُّ مَنْ وعاهُ بالإِتْقَانِ ... صارَ إِماماً طيلةَ الزَّمانِ وجازَ أنْ يخوضَ في التَفْسيرِ ... والفِقْهِ والحديثِ والتَقْريرِ وكلُّ مَنْ بلا أصولٍ قاري ... ينالُه الجهلُ بلا قَرارِ ولو حوى في ذهْنِهِ الأسْفارا ... وجاوَزَ الأمصارَ والأقطارا فلا يجوزُ مطلقاً أنْ يجتهد ... في الدِّين أو يفتي بغير ما وُجِدْ مِنْ قولِ شيخٍ ذي اجتهادٍ عارفِ ... وكلُّ ذا مِنْ مِنَنِ اللَّطائفِ إِذْ لو أبيحَ الاجتهادُ للبَشَرْ ... بلا أصولٍ ملأُوا الدُّنيا ضَرَرْ وعُطِّلَتْ شريعةُ القُرْآنِ ... وحَكَمَتْ شريعةُ الشَّيْطانِ فَمِنْ عظيمِ فَضْلِهِ عَلَينا ... ومِنْ جليلِ برِّهِ إِلَيْنا أنْ وضَعُوا قواعدَ الأُصُولِ ... وحدَّدُوا طرائقَ الوصُوُلِ سَدَّا على منافذِ الشَّيْطانِ ... حتَّى تسودَ شِرْعَةُ الفُرقانِ وهذهِ منظومةٌ صغيرَةْ ... حوتْ أصولَ فِقْهِنَا الشَّهيرَةْ نَظمتُها بدايَةً لِلْمُجْتَهِدْ ... ورُمْتُها نِهاية للمقْتَصِدْ سَمَّيتُها منظومةَ المُعْتَمدِ ... على كتابِ شيخِنا مُحَمَّدِ فأسألُ الرحمنَ أنْ يُتمِّما ... ويجعلَ الخيَر بها مُعمَّماً وينزعُ الرياءَ عَنْ أَعمالِنا ... ويكتبَ الإخلاصَ في أَقْوالِنَا
следующие страницы →