ذكر اختطاط الجيزة:
قال ابن عبد الحكم: حدثنا عثمان بن صالح، أنبأنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب وابن هبيرة، قالا: لما اختطت القبائل استحبت همدان وما والاها الجيزة، وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يعلمه بما صنع الله للمسلمين. وما فتح الله عليهم، وما فعلوا (١) في خططهم؛ وما استحبت همدان وما والاها من النزول بالجيزة. فكتب إليه عمر، يحمد الله على ما كان من ذلك، ويقول له: كيف رضيت أن تفرق أصحابك، ولم يكن ينبغي لك أن ترضى لأحد من أصحابك أن يكون بينك وبينهم بحر، لا تدري ما يفجؤهم، فلعلك على غياثهم حين ينزل بهم ما تكره. فاجمعهم إليك فإن أبوا عليك، وأعجبهم موضعهم، فابن عليه من فيء المسلمين حصنا. فعرض ذلك عمرو عليهم فأبوا، وأعجبهم موضعهم بالجيزة ومن والاهم على ذلك من رهطهم؛ يافع (٢) وغيرها، وأحبوا ما هنالك، فبنى لهم عمرو بن العاص الحصن بالجيزة في سنة إحدى وعشرين، وفرغ من بنائه في سنة اثنتين وعشرين. قال غير ابن لهيعة من مشايخ أهل مصر: إن عمرو بن العاص لما سأل أهل الجيزة أن ينضموا إلى الفسطاط قالوا: متقدم (٣) قدمناه في سبيل الله، ما كنا لنرحل منه إلى غيره، فنزلت يافع بالجيزة فيها مبرح ابن شهاب، وهمدان، وذو أصبح، فيهم أبو شمر بن أبرهة، وطائفة من الحجر، منهم علقمة بن جنادة أحد بني مالك بن الحجر، وبرزوا إلى أرض الحرث والزرع.
وكان بين القبائل فضاء، من القبيل إلى القبيل، فلما قدمت الأمداد في زمن عثمان بن عفان وما بعد ذلك، وكثر الناس، وسع كل قوم لبني أبيهم حتى كثر البنيان، والتأم خطط الجيزة (٤) .
стр. 142
ذكر المقطم:
قال ابن عبد الحكم: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو عن ذلك وقال: أكتب في ذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: سله لِمَ أعطاك به ما أعطاك وهي لا تُزدَرَع (١) ولا يُستنبط بها ماء، ولا ينتفع بها. فسأله فقال: إنا لنجد صفتها في الكتب؛ إن فيها غراس الجنة. فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنا لا نعلم غراس الجنة إلا للمؤمنين، فاقبر فيها من مات قبلك من المسلمين، ولا تبعه بشيء. فكان أول من دفن فيها رجل من المعافر، يقال له عامر، فقيل: عمرت (٢) .
حدثنا هانئ بن المتوكل، عن ابن لهيعة، أن المقوقس قال لعمرو: إنا لنجد في كتابنا أن ما بين هذا الجبل وحيث نزلتم ينبت فيه شجر الجنة، فكتب بقوله إلى عمر بن الخطاب، فقال: صدق، فاجعلها مقبرةً للمسلمين (٢) .
حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عمن حدثه، قال: قبر فيها ممن عرفنا من أصحاب رسول الله ﷺ خمس نفر: عمرو بن العاص، وعبد الله بن حذافة السهمي، وعبد الله بن الحارث الزبيدي، وأبو بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر الجهني.
وقال غير عثمان: ومسلمة بن مخلد الأنصاري. قال ابن لهيعة: والمقطم ما بين القصير إلى مقطع الحجارة، وما بعد ذلك فمن اليحموم (٣) .
حدثنا سعيد بن عفير وعبد الله بن عياد، قالا: حدثنا المفضل بن فضالة، عن أبيه قال: دخلنا على كعب الأحبار، فقال لنا: ممن أنتم؟ قلنا: من أهل مصر، قال: ما تقولون
стр. 143
في القصير؟ قلنا: قصير موسى قال: ليس بقصير موسى، ولكنه قصير عزيز مصر، كان إذا جرى النيل يترفع فيه، وعلى ذلك إنه لمقدس من الجبل إلى البحر (١) .
حدثنا هانئ بن المتوكل، عن ابن لهيعة ورشدين بن سعد، عن الحسن بن ثوبان، عن حسين بن شفي الأصبحي، عن أبيه شفي بن عبيد، أنه لما قدم مصر -وأهل مصر أتخذوا مصلى بحذاء ساقيه أبي عون التي عند العسكر- فقال: ما لهم وضعوا مصلاهم في الجبل الملعون، وتركوا الجبل المقدس (١) .
حدثنا أبو الأسود نصر بن عبد الجبار، أنبأنا ابن لهيعة، عن أبي قبيل، أن رجلًا سأل كعبًا عن جبل مصر، فقال: إنه لمقدس ما بين القصير إلى اليحموم (١) .
وأخرج ابن عساكر في تاريخه، عن سفيان بن وهب الخولاني، قال: بينما نحن نسير مع عمرو بن العاص في سفح المقطم، ومعنا المقوقس، فقال له: يا مقوقس، ما بال جبلكم هذا أقرع، ليس عليه نبات ولا شجر، على نحو من جبال الشام! قال: ما أدري؛ ولكن الله أغنى أهله بهذا النيل عن ذلك؛ ولكنا نجد تحته ما هو خير من ذلك، قال: وما هو؟ قال: ليدفنن تحته قوم يبعثهم الله يوم القيامة لا حساب عليهم، فقال عمرو: اللهم اجعلني منهم.
وقال الكندي: ذكر أسد بن موسى، قال: شهدت جنازة (٢) مع ابن لهيعة، فجلسنا حوله، فرفع رأسه، فنظر إلى الجبل، فقال: إن عيسى ﵊ مر بسفح هذا الجبل، وأمه إلى جانبه، فقال: يا أماه، هذه مقبرة أمة محمد ﷺ .
قال الكندي: وسأل عمرو بن العاص المقوقس: ما بال جبلكم هذا أقرع، ليس عليه نبات كجبال الشام؟ فقال المقوقس: وجدنا في الكتب، أنه كان أكثر الجبال شجرًا، ونباتًا وفاكهة، وكان ينزله المقطم بن مصر بن يبصر بن حام بن نوح، فلما كانت
стр. 144
الليلة التي كلم الله فيها موسى، أوحى الله تعالى إلى الجبال: إني مكلم نبيًّا من أنبيائي على جبل منكم، فسمت الحبال وتشامخت إلا جبل بيت المقدس، فإنه هبط وتصاغر، قال: فأوحى الله إليه؛ لِمَ فعلت ذلك؟ فقال: إجلالًا لك يا رب، قال: فأمر الله الجبال أن يعطوه؛ كل جبل منها مما عليه من النبت، وجاد له المقطم بكل ما عليه من النبت، حتى بقي كما ترى، فأوحى الله إليه: إني معوضك على فعلك بشجر الجنة أو غراسها، فكتب بذلك عمرو بن العاص إلى
عمر ﵄، فكتب إليه: إني لا أعلم شجر الجنة "أو غراسها" (١) لغير المسلمين، فاجعله لهم مقبرة. ففعل ذلك عمرو، فغضب المقوقس، وقال لعمرو: ما على هذا صالحتني! فقطع له عمرو قطيعًا من نحو الحبش يدفن فيه النصارى.
قال الكندي: وروى ابن لهيعة عن عياش بن عباس، أن كعب الأحبار سأل رجلًا يريد السفر إلى مصر، فقال له: أهد لي تربة من سفح مقطعها؛ فأتاه منه بجراب. فلما حضرت كعبًا الوفاة أمر به ففرش في لحده تحت جنبه.
فصل عن ابن الجميزي وغيره عن الفتوى بهدم كل بناء بسفح المقطم
مدخل
قد أفتى ابن الجميزي وغيره بهدم كل بناء بسفح المقطم، وقالوا: إنه وقف من عمر على موتى المسلمين.
وذكر ابن الرفعة عن شيخه الظهير التزمنتي، عن ابن الجميزي، قال: جهدت مع الملك الصالح في هدم ما أحدث بالقرافة من البناء، فقال: أمر فعله والدي، لا أزيله. قال: وهذا أمر قد عمت به البلوى وطمت، ولقد تضاعف البناء حتى انتقل إلى
стр. 145
المباهاة (١) والنزهة، وسلطت المراحيض على أموت المسلمين من الأشراف والأولياء وغيرهم.
وذكر أرباب التاريخ، أن العمارة من قبة الإمام الشافعي ﵁ إلى باب القرافة؛ إنما حدثت أيام الناصر بن قلاون، وكانت فضاء، فأحدث الأمير يلبغا التركماني تربة، فتبعه الناس.
قال الفاكهي في شرح الرسالة: ولا يجوز التضييق فيها ببناء يحرز (٢) به قبرًا ولا غيره، بل لا يجوز في المقبرة المحبسة غير الدفن فيها خاصة؛ وقد أفتى من تقدم من أجلة العلماء ﵏ -على ما بلغني ممن أثق به- بهدم ما بُني بقرافة مصر، وإلزام البنائين فيها حمل النقض، وإخراجه عنها إلى موضع غيرها.
وأخبرني الشيخ الفقيه الجليل نجم الدين بن الرفعة، عن شيخه الفقيه العلامة ظهير الدين التزمنتي، أنه دخل إلى صورة مسجد بُني بقرافة مصر الصغرى، فجلس فيه من غير أن يصلي تحية، فقال له الباني: ألا تصلى تحية المسجد! قال: لا؛ لأنه غير مسجد، فإن المسجد هو الأرض والأرض، مسبلة لدفن المسلمين -أو كما قال.
وأخبرني أيضًا المذكور، عن شيخه المذكور، أن الشيخ بهاء الدين بن الجميزي، قال: جهدت مع الملك الصالح في هدم ما أُحدث بقرافة مصر من البناء، فقال: أمر فعله والدي لا أزيله.
وإذا كان هذا قول ذلك الإمام وغيره في ذلك الزمان قبل أن يبالغوا في البناء، والتفنن فيه ونبش القبور لذلك، وتصويب (٣) المراحيض على أموات المسلمين من الأشراف والعلماء والصالحين وغيرهم؛ فكيف في هذا الزمان، وقد تضاعف ذلك جدًّا حتى كأنهم لم
стр. 146
يجدوا من البناء فيها بدًّا، وجاءوا في ذلك شيئًا إدا، فيجب على ولي الأمر أرشده الله تعالى الأمر (١) بهدمها وتخريبها حتى يعود طولها عرضًا وسماؤها أرضًا.
وقال ابن الحاج في المدخل: القرافة جعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لدفن موتى المسلمين فيها، واستقر الأمر على ذلك، فيمنع البناء فيها.
قال: وقد قال لي من أثق به وأسكن إلى قوله: إن الملك الظاهر -يعني بيبرس- كان قد عزم على هدم ما في القرافة من البناء كيف كان، فوافقه الوزير في ذلك، وفنده واحتال عليه بأن قال له: إن فيها مواضع للأمراء، وأخاف أن تقع فتنة بسبب ذلك، وأشار عليه أن يعمل فتاوى في ذلك فيستفتي فيها الفقهاء: هل يجوز هدمها أم لا؟ فإن قالوا بالجواز فعل الأمير ذلك مستندًا إلى فتاويهم، فلا يقع تشويش على أحد. فاستحسن الملك ذلك، وأمره أن يفعل ما أشار به. قال:
فأخذ الفتاوى، وأعطاها لي، وأمرني أن أمشي على من في الوقت من العلماء، فمشيت بها عليهم مثل الظهير التزمنتي، وابن الجميزي ونظائرهما في الوقت، فالكل كتبوا خطوطهم، واتفقوا على لسان واحد أنه يجب على ولي الأمر أن يهدم ذلك كله، ويجب عليه أن يكلف أصحابه رمي ترابها إلى الكيمان، ولم يختلف في ذلك أحد منهم. قال: فأعطيت الفتوى للوزير، فما أعرف ما صنع فيها، وسكت على ذلك، وسافر الملك الظاهر إلى الشام في وقته، فلم يرجع، ومات بها.
فهذا إجماع هؤلاء العلماء المتأخرين، فكيف يجوز البناء فيها! فعلى هذا فكل من فعل ذلك فقد خالفهم.
стр. 147
ذكر جبل يشكر:
هو الذي عليه جامع أحمد بن طولون، ويقال: إنه قطعة من الجبل المقدس، وكان يشكر رجلًا صالحًا.
وقيل: إن الجبل المذكور يُستجاب فيه الدعاء. وكان يصلي عليه التابعون والصالحون وقد أشار أهل الفلاح (١) على ابن طولول أنه يبني جامعه عليه.
стр. 148
ذكر فتوح الفيوم:
قال ابن عبد الحكم: حدثني سعيد بن عفير وغيره، قالوا (١) : لما تم الفتح للمسلمين بعث عمرو جرائد الخيل إلى القرى التي حولها، فأقامت الفيوم سنة، لم يعلم المسلمون بها ولا مكانها (٢) حتى أتاهم آت، فذكرها لهم؛ فأرسل عمرو ربيعة بن حبيش بن عرفطة الصدفي؛ فلما سلكوا في المجابة لم يروا شيئًا، فهموا بالانصراف، فقالوا: لا تعجلوا، سيروا؛ فإن كان كذبًا فما أقدركم على ما أردتم! فلم يسيروا قليلًا حتى طلع لهم سواد الفيوم، فهجموا عليها؛ فلم يكن عندهم قتال، وألقوا ما بأيديهم. ويقال: بل خرج مالك بن ناعمة الصدفي على فرسه "وهو صاحب الأشقر" (٣) ببعض المجابة، ولا علم له بما خلفها من الفيوم، فلما رأى سوادها، رجع إلى عمرو، فأخبره بذلك.
ويقال: بل بعث عمرو بن العاص قيس بن الحارث إلى الصعيد، فسار حتى أتى القيس، فنزل بها، وبه سميت القيس، فراث (٤) على عمرو خبره، فقال ربيعة بن حبيش: كفيت. فركب فرسه، فأجاز عليه البحر -وكانت أنثى- فأتاه بالخبر. ويقال: إنه أجاز من ناحية الشرقية حتى انتهى (٥) إلى الفيوم (٦) .
стр. 149
ذكر فتح برقة والنوبة:
قال ابن عبد الحكم: وبعث عمرو بن العاص نافع بن عبد القيس الفهري -وكان نافع أخا العاصي بن وائل لأمه- فدخلت خيولهم (١) أرض النوبة صوائف كصوائف (٢) الروم، فلم يزل الأمر على ذلك حتى عزل عمرو بن العاص عن مصر، ووليها (٣) عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وصالحهم، وذلك في إحدى وثلاثين؛ على أن يؤدوا كل سنة للمسلمين ثلاثمائة رأس وستين رأسًا، ولوالي البلد أربعين رأسًا (٤) .
قال: وكان البربر بفلسطين، وكان ملكهم جالوت؛ فلما قتله داود ﵊ خرج البربر متوجهين إلى المغرب؛ حتى انتهوا إلى لوبية وماقية -وهما كورتان من كور مصر الغربية مما يشرب من السماء، ولا ينالهما النيل- فتفرقوا هنالك؛ فتقدمت زناتة ومغيلة (٥) إلى المغرب، وسكنوا الجبال، وتقدمت لواته، فسكنت أرض أنطابلس؛ وهي برقة؛ وتفرقت في هذا المغرب، وانتشروا فيه، ونزلت هوارة مدينة لبدة (٦) .
فسار عمر بن العاص في الخيل حتى قدم برقة؛ فصالح أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها إليه الجزية، على أن يبيعوا من أحبوا من أبنائهم في جزيتهم ولم يكن يدخل برقة يومئذ جابي خراج إنما كانوا يبعثون بالجزية إذا جاء وقتها.
ووجه عمرو بن العاص عقبة بن نافع؛ حتى بلغ زويلة، فصار ما بين برقة وزويلة للمسلمين (٧) .
стр. 150
ذكر الجزية
قال ابن عبد الحكم: كان عمرو بن العاص يبعث إلى عمر بن الخطاب ﵄ بالجزية بعد حبس ما يحتاج إليه؛ حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: كانت فريضة مصر لحفر خلجها وإقامة جسورها وبناء قناطرها وقطع جزائرها مائة ألف وعشرين ألفاً، معهم الطور والمساحي والأداة؛ يتعقبون ذلك، لا يدعون ذلك شتاء ولا صيفاً (١) .
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، عن القاسم بن عبد الله، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: كتب عمر بن الخطاب أن يخُتم في رقاب أهل الذمة بالرصاص، ويظهروا مناطقهم ويجزوا نواصيهم، ويركبوا على الأَكُفِّ (٢) عرضاً، [ولا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي، ولا يضربوا على النساء ولا على الولدان] (٣) ، ولا يدعوهم يتشبهون بالمسلمين في ملبوسهم (٤) .
حدثنا عبد الملك، عن الليث بن سعد، قال: كانت ويبة عمر بن الخطاب في ولاية عمرو بن العاص ستة أمداد (٥) .
قال ابن عبد الحكم: وكان عمرو بن العاص لما استوسق (٦) له الأمر أقر قبطها على جباية الروم؛ وكانت جبايتهم بالتعديل: إذا عمرت القرية، وكثر أهلها زيد عليهم، وإن قل أهلها وخربت نقصوا، فيجتمع عرفاء كل قرية ورؤساؤهم، فيتناظرون في
стр. 151
العمارة والخراب؛ حتى إذا أقروا من القسم بالزيادة انصرفوا بتلك القسمة إلى الكور، ثم اجتمعوا هم ورؤساء القرى، فوزعوا ذلك على احتمال القرى وسعة المزارع، ثم ترجع كل قرية بقسمهم فيجمعون قسمهم وخراج كل قرية وما فيها من الأرض العامرة فيبدرون ويخرجون من الأرض فدادين لكنائسهم وحمامامتهم ومَعْدياتهم (١) من جملة الأرض، ثم يخرج منها عدد الضيافة
للمسلمين ونزول السلطان؛ فإذا فرغوا نظروا إلى ما في كل قرية من الصنائع والأجراء، فقسموا عليهم بقدر احتمالهم؛ فان كانت فيها جالية (٢) قسموا عليها بقدر احتمالها، وقل ما كانت إلا للرجل الشاب أو المتزوج، ثم نظروا (٣) فيما بقي من الخراج فيقسمونه بينهم على عدد الأرض، ثم يقسمون بين من يريد الزرع منهم على قدر طاقتهم؛ فان عجز أحد وشكا ضعفًا عن زرع أرضه وزعوا ما عجز عنه على ذوي الاحتمال، وإن كان منهم من يريد الزيادة أُعطي ما عجز عنه أهل الضعف؛ فإن تشاحوا قسموا ذلك على عدتهم، وكانت قسمتهم على قراريط: الدينار أربعة وعشرين قيراطًا، يقسمون الأرض على ذلك. وكذلك روي عن النبي ﷺ : "إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرًا"، وجعل عليهم لكل فدان نصف إردب وويبتين من شعير إلا القرط (٤) ، فلم يكن عليه (٥) ضريبة، والويبة يومئذ ستة أمداد (٦) .
وحدثنا عثمان بن صالح وعبد الله بن صالح، قالا: حدثنا الليث بن سعد، قال: لما ولي ابن رفاعة مصر خرج ليحصي عدة أهلها، وينظر في تعديل الخراج عليهم، فقام
стр. 152
في ذلك ستة أشهر بالصعيد، حتى بلغ أسوان ومعه جماعة من الأعوان والكتاب يكفونه ذلك بجد وتشمير وثلاثة أشهر بأسفل الأرض، فأحصوا من القرى أكثر من عشرة آلاف قرية، فلم يحص فيها في أصغر قرية منها أقل من خمسمائة جمجمة من الرجال الذين يفرض عليهم الجزية (١) .
حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، أن عمرًا جبى مصر اثني عشر ألف ألف، وجباها المقوقس قبله سنة عشرين ألف ألف، فعند ذلك كتب إليه عمر بن الخطاب:
بسم الله الرحمن الرحيم.
من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص. سلام عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد؛ فإني فكرت في أمرك والذين أنت
عليه، فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة، قد أعطى الله أهلها عددًا وجلدًا وقوة في بر وبحر، وأنها قد عالجتها الفراعنة، وعملوا فيها عملًا محكمًا، مع شدة عتوهم وكفرهم، فعجبت من ذلك؛ وأعجب مما أعجبت، أنها لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه من الخراج قبل ذلك على غير قحوط ولا جدوب؛ ولقد أكثرت في مكاتبتك في الذي على أرضك من الخراج، وظننت أن ذلك سيأتينا على غير نزر، ورجوت أن تفيق فترفع إليَّ ذلك؛ فإذا أنت تأتيني بمعاريض تعبأ بها (٢) لا توافق الذي في نفسي؛ ولست قابلًا منك دون الذي كنت تُؤخذ به من الخراج قبل ذلك. ولست أدري ما الذي أنفرك من كتابي وقبضك! فلئن كنت مجزئًا كافيًا صحيحًا، إن البراءة لنافعة، ولئن كنت مضيعًا نطفًا (٣) إن الأمر لعلى غير ما تُحدث به نفسك. وقد تركت أن أبتغي ذلك منك في العام الماضي في رجاء أن تفيق فترفع إليَّ ذلك؛ وقد علمت أنه لم يمنعك من ذلك إلا عمالك عمال السوء، وما توالس
стр. 153
عليه وتلفف؛ اتخذوك كهفًا. وعندي بإذن الله دواء فيه شفاء عما أسألك عنه؛ فلا تجزع أبا عبد الله أن يؤخذ منك الحق وتعطاه؛ فإن النهز (١) يخرج الدر، والحق أبلج، ودعني وما عنه تتلجلج، فإنه برح الخفاء. والسلام.
فكتب إليه عمرو بن العاص:
بسم الله الرحمن الرحيم.
لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص؛ سلام عليك، فأني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد؛ فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين في الذي استبطأني فيه من الخراج، والذي ذكر فيه من عمل الفراعنة قبل، وإعجابه من خراجها على أيديهم، ونقص ذلك منها منذ كان الإسلام. ولعمري للخراج يومئذ أوفر وأكثر، والأرض أعمر؛ لأنهم كانوا على كفرهم وعتوهم أرغب في عمارة أرضهم منا منذ كان الإسلام. وذكرت بأن النهز يُخرج الدر، فحلبتها حلبًا قطع ذلك درها. وأكثرت في كتابك، وأنبت، وعرضت وثربت (٢) ؛ وعلمت أن ذلك
عن شيء تُخفيه على غير خبر؛ فجئت لعمري بالمفظعات المقذعات؛ ولقد كان لك فيه من الصواب من القول رصين صارم بليغ صادق. وقد علمنا لرسول الله ﷺ ولمن بعده؛ فكنا بحمد الله مؤدين لأماناتنا حافظين لما عظم الله من حق أئمتنا، نرى غير ذلك قبيحًا، والعمل به سيئًا، فيعرف ذلك لنا ويصدق فيه قيلنا. معاذ الله من تلك الطعم، ومن شر الشيم، والاجتراء على كل مأثم؛ فاقبض عملك؛ فإن الله قد نزهني عن تلك الطعم الدنية والرغبة فيها بعد كتابك الذي لم تستبق فيه عرضًا "ولم" (٣) تكرم فيه أخًا. والله يابن الخطاب؛ لأنا حين يُراد ذلك مني أشد لنفسي غضبًا، ولها إنزاهًا وإكرامًا. وما علمت من عمل
стр. 154
أرى عليَّ فيه متعلقًا؛ ولكني حفظت ما لم تحفظ؛ ولو كنت من يهود يثرب ما زدت -يغفر الله لك ولنا- وسكت عن أشياء كنت بها عالمًا؛ وكان اللسان بها مني ذلولًا؛ ولكن الله عظم من حقك ما لا يُجهل. والسلام.
فكتب إليه عمر بن الخطاب (١) :
من عمر بن الخطاب إلى عمر بن العاص؛ سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد؛ فقد عجبت من كثرة كتبي إليك في إبطائك بالخراج وكتابك إلي ببنيات الطرق (٢) ؛ وقد علمت أني لست أرضى منك إلا بالحق البين؛ ولم أقدمك إلى مصر أجعلها لك طُعمة ولا لقومك؛ ولكني وجهتك لما رجوت من توفيرك الخراج، وحسن سياستك؛ فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل الخراج، فإنما هو فيء المسلمين، وعندي من "قد" (٣) تعلم قوم محصورون. والسلام.
فكتب إليه عمرو بن العاص:
بسم الله الرحمن الرحيم.
لعمر بن الخطاب من عمر بن العاص، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد؛ فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يستبطئني في الخراج، ويزعم أني أعند عن الحق، وأنكب عن الطريق؛ وإني والله ما أرغب عن صالح
ما تعلم؛ ولكن أهل الأرض استنظروني إلى أن تُدرك غلتهم؛ فنظرت للمسلمين؛ فكان الرفق بهم خيرًا من أن يُخرق بهم، فنصير إلى ما لا غنى بهم عنه. والسلام.
فلما استبطأ عمر بن الخطاب ﵁ الخراج، كتب إليه: أن ابعث إليَّ رجلًا
стр. 155
من أهل مصر؛ فبعث إليه رجلًا قديمًا من القبط، فاستخبره عمر عن مصر وخراجها قبل الإسلام، فقال: يا أمير المؤمنين، كان لا يُؤخذ منها شيء إلا بعد عمارتها، وعاملك لا ينظر إلى العمارة، وإنما يأخذ ما ظهر له؛ كأنه لا يريدها إلا لعام واحد.
فعرف عمر ما قال، وقبل من عمرو ما كان يعتذر به (١) .
قال ابن عبد الحكم: حدثنا هشام بن إسحاق العامري قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عمرو بن العاص، أن يسأل المقوقس عن مصر: من أين تأتي عمارتها وخرابها؟ فسأله عمرو، فقال له المقوقس: تأتي عمارتها وخرابها من خمسة وجوه: أن يُستخرج الخراج (٢) في إبان واحد عند فراغ أهلها من زروعهم، ويُرفع خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومها، وتُحفر في كل سنة خُلُجها، وتُسد ترعها وجسورها، ولا يُقبل محل أهلها -يريد البغي- فإذا فُعل هذا فيها عمرت، وإن عُمل فيها بخلافه خربت (٣) .
قال الليث بن سعد: "إن عمرًا جباها اثني عشر ألف ألف. وقال غير الليث: وجباها المقوقس قبله بسنة عشرين ألف ألف. قال الليث" (٤) : وجباها عبد الله بن سعد حين استعمله عليها عثمان أربعة عشر ألف ألف، فقال عثمان لعمرو: يا أبا عبد الله، درت اللقحة (٥) بأكثر من درها الأول، قال عمرو: أضررتم بولدها (٦) .
حدثنا شعيب بن الليث وعبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص: انظر من بايع
стр. 156
تحت الشجرة، فأتم لهم العطاء لشجاعته، ولعثمان بن أبي العاص لضيافته (١) .
حدثنا سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة، قال: كان ديوان مصر في زمان معاوية أربعين ألفًا، وكان منهم أربعة آلاف في مائتين، فأعطى مسلمة بن مخلد أهل الديوان أعطياتهم وأعطيات عيالهم وأرزاقهم ونوائبهم ونوائب البلاد من الجسور وأرزاق الكتبة وحملان القمح إلى الحجاز؛ وبعث إلى معاوية بستمائة ألف دينار فضلًا.
حدثنا هانئ، حدثنا ضمام عن أبي قبيل، قال: كان معاوية بن أبي سفيان قد جعل على كل قبيلة من قبائل العرب رجلًا يصبح كل يوم، فيدور على المجالس فيقول: هل ولد الليلة فيكم مولود؟ وهل نزل بكم نازل؟ فيقال: ولد لفلان غلام ولفلان جارية؛ فيقول: سموهم، فيكتب. ويقال: نزل بنا رجل من أهل اليمن بعياله فيسمونه وعياله، فإذا فرغ من القبائل كلها أتى الديوان.
ذكر المكس على أهل الذمة:
قال ابن عبد الحكم: حدثنا سعيد بن عفير، عن بن لهيعة، عن ابن هبيرة، قال: دعا عمرو بن العاص خالد بن ثابت الفهمي ليجعله على المكس (٢) ، فاستعفاه؛ فقال عمرو: ما تكره منه؟ فقال: إن كعبًا قال: لا تقرب المكس؛ فإن صاحبه في النار؛ فكان ربيعة بن شرحبيل بن حسنة على المكس (٣) .
стр. 157
ذكر القطائع:
قال ابن عبد الحكم: حدثنا يحيى بن خالد، عن الليث بن سعد، قال: لم يبلغنا أن عمر بن الخطاب أقطع أحدًا من الناس شيئًا من أرض مصر إلا لابن سندر، فإنه أقطعه أرض منية الأصبغ؛ فحاز لنفسه ألف فدان؛ فلم تزل له حتى مات؛ فاشتراها الأصبغ بن عبد العزيز من ورثته؛ فليس بمصر قطيعة أقدم منها ولا أفضل (١) .
حدثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أنه كان لزنباع الجذامي غلام يقال له سندر، فوجده يقبل جارية له، فجبه وجدع أذنيه وأنفه، فأتى سندر إلى رسول الله ﷺ ، فأرسل إلى زنباع، فقال: "لا تحملوهم ما لا يطيقون، وأطعموهم مما تأكلون، وأكسوهم مما تلبسون؛ فإن رضيتم فأمسكوا، وإن كرهتموهم فبيعوا، ولا تعذبوا خلق الله، ومن مُثِّل به أو أُحرق بالنار فهو حر، وهو مولى الله ورسوله". فأعتق سندر، فقال: أوص بي يا رسول الله، قال: "أوصي بك كل مسلم"؛ فلما توفي رسول الله ﷺ أتى سندر إلى أبي بكر الصديق ﵁، قال: احفظ فيَّ وصية النبي ﷺ ، فعاله أبو بكر ﵁ حتى توفي، ثم أتى عمر فقال: احفظ فيَّ وصية النبي ﷺ ؛ فقال: نعم، إن رضيت أن تقيم عندي أجريت عليك ما كان يجري عليك أبو بكر، وإلا فانظر أي المواضع أكتب لك؛ فقال سندر: مصر فإنها أرض ريف؛ فكتب إلى عمرو بن العاص: احفظ وصية رسول الله صلى الله عليه فيه؛ فلما قدم على عمرو، قطع له أرضًا واسعة ودارًا، فجعل سندر يعيش فيها، فلما مات سندر قبضت في مال الله تعالى. قال عمرو بن شعيب: ثم أقطعها عبد العزيز بن مروان الأصبغ بعده؛ فكانت خير أموالهم (٢) .
стр. 158
ذكر مرتبع الجند:
قال ابن عبد الحكم: حدثنا عبد الله بن صالح، عن عبد الرحمن بن شريح، عن أبي قبيل، قال: كان الناس يجتمعون بالفسطاط إذا قفلوا؛ فإذا حضر مرافق الريف خطب عمرو بن العاص بالناس، فقال: قد حضر مرافق ريفكم؛ فانصرفوا، فإذا حمض اللبن، واشتد العود، وكثر الذباب، فحي (١) على فسطاطكم، ولا أعلمن ما جاء أحد قد أسمن نفسه، وأهزل جواده (٢) .
حدثنا أحمد بن عمرو، أنبأنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي يزيد بن أبي حبيب، قال: كان عمرو يقول للناس إذا قفلوا من غزوهم: إنه قد حضر الربيع، فمن أحب منكم أن يخرج بفرسه يربعه فليفعل؛ ولا أعلمن ما جاء رجل قد أسمن نفسه وأهزل فرسه؛ فإذا حمض اللبن وكثر الذباب، وقوي العود، فارجعوا إلى قيروانكم (٣) .
حدثنا سعيد بن ميسرة، عن إسحاق بن الفرات، عن ابن لهيعة، عن الأسود بن مالك الحميري عن بحير بن ذاخر المعافري، قال: رحت أنا ووالدي إلى صلاة الجمعة، "تهجيرًا" (٤) ، وذلك آخر الشتاء "أظنه بعد حمم النصارى بأيام يسيرة، فأطلنا الركوع إذ أقبل رجال بأيديهم السياط، يزجرون الناس، فذعرت، فقلت: يا أبت، من هؤلاء؟ قال: يا بني هؤلاء الشرط، فأقام المؤذنون الصلاة" (٤) ، فقام عمرو بن العاص على المنبر، "فرأيت رجلًا ربعة قصد القامة وافر الهامة، أدعج أبلج، عليه ثياب موشية، كأن به العقيان، تأتلق عليه حلة وعمامة وجبة"، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه
стр. 159
وسلم، ووعظ الناس، وأمرهم ونهاهم، ثم قال: يا معشر الناس إنه قد نزلت الجوزاء، وذكت الشعرَى، وأقلعت السماء، وارتفع الوباء، وقل النداء، وطاب المرعى، ووضعت الحوامل، ودرجت السخائل، وعلى الراعي حسن النظر لرعيته، فحي لكم على بركة الله ريفكم،
تنالوا من خيره ولبنه، وخرافه وصيده، وأربعوا خيلكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها، فإنها جنتكم من عدوكم، وبها مغانمكم وأثقالكم، واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرًا؛ حدثنا عمر أمير المؤمنين أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن الله سيفتح عليكم بعدي مصر، فاستوصوا بقبطها خيرًا، فإن لكم منهم صهرًا وذمة"، فعفوا أيديكم وفروجكم، وغضوا أبصاركم، ولا أعلمن ما أنى رجل قد أسمن جسمه، وأهزل فرسه. واعلموا أني معترض بالخيل كاعتراض الرجال؛ فمن أهزل فرسه من غير علة حططت من فريضته قدر ذلك. واعلموا أنكم في رباط إلى يوم القيامة؛ لكثرة الأعداء حولكم وتشوق قلوبهم إليكم وإلى دياركم، معدن الزرع والمال، والخير الواسع والبركة النامية. وحدثني عمر أمير المؤمنين، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا فتح الله عليكم مصر، فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا، فذلك الجند خير أجناد الأرض"، فقال له أبو بكر: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: "لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة"، فاحمدوا الله معاشر المسلمين على ما أولاكم، فتمتعوا في ريفكم ما طاب لكم؛ فإذا يبس العود وسخن العمود، وكثر الذباب، وحمض اللبن، وصوح البقل، وانقطع الورد من الشجر، فحي على فسطاطكم، على بركة الله تعالى وعونه ولا يقدمنّ أحد منكم ذو عيال على عياله إلا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعته أو عسرته؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله، وأستحفظ الله عليكم.
قال حفظت ذلك عنه، فقال والدي: يا بني إنه يُجرئ الناس إذا أنصرفو إليه على الرباط كما جرأهم على الريف والدعة (١) .
стр. 160
ذكر نهي الجند عن الزرع:
أخرج ابن عبد الحكم، عن عبد الله بن هبيرة، قال: إن عمر بن الخطاب ﵁ أمر مناديه أن يخرج إلى أمراء الأجناد يتقدمون إلى الرعية؛ أن عطاءهم قائم، وأن رزق عيالهم سائل، فلا يزرعون "ولا يزارعون" (١) .
قال ابن وهب: فأخبرنا (٢) شريك بن عبد الرحمن المرادي، قال: بلغنا أن شريك بن سمي الغصيفي (٣) أتى عمرو بن العاص، فقال: إنكم لا تعطونا ما يحسبنا (٤) ، أفتأذن لي في الزرع؟ قال: ما أقدر على ذلك، فزرع شريك من غير إذن عمرو، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب (٥) يخبره أن شريكًا حرث بأرض مصر فكتب إليه عمر: أن ابعث إليّ به "فبعث به إليه، فقال له عمر: لأجعلنك نكالًا لمن خلفك، قال: أوتقبل مني ما قبل الله من العباد؟ قال: وتفعل؟ قال: نعم، فكتب إلى عمرو بن العاص: إن شريك بن سمي جاءني تائبًا. فقبلت منه" (٦) .
стр. 161
ذكر حفر خليج أمير المؤمنين:
قال ابن عبد الحكم: حدثنا عبد الله بن صالح وغيره، عن الليث بن سعد، أن الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد في خلافة عمر عام الرمادة (١) ، فكتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر:
من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص: سلام عليك؛ أما بعد؛ فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك، أن أهلك أنا ومن معي؛ فياغوثاه، ثم ياغوثاه! يردد قوله.
فكتب إليه عمرو بن العاص: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من عبد الله عمرو بن العاص؛ أما بعد فيا لبيك ثم يا لبيك! قد بعثت إليك بعيرٍ أولها عندك وآخرها عندي. والسلام عليك ورحمة الله.
فبعث إليه بعيرٍ عظيمة، فكان أولها بالمدينة وآخرها بمصر، يتبع بعضها بعضًا، فلما قدمت على عمر وسع بها على الناس (٢) .
وكتب إلى عمرو بن العاص يقدم عليه هو وجماعة من أهل مصر، "فقدموا عليه" (٣) ،
стр. 162
فقال عمر: يا عمرو؛ إن الله قد فتح على المسلمين مصر، وهي كثيرة الخير والطعام، وقد ألقى في روعي -لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين، والتوسعة عليهم- (١) أن أحفر خليجًا من نيلها حتى يسيل في البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة؛ فإن حمله على الظهر يبعد ولا نبلغ معه ما نريد؛ فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم.
فانطلق عمرو، فأخبر "بذلك" (٢) من كان معه من أهل مصر فثقل ذلك عليهم، وقالوا: نتخوف أن يدخل في هذا ضرر على أهل مصر، فنرى أن تعظم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له: هذا أمر لا يعتدل، ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلًا.
فرجع عمرو بذلك إلى عمر، فضحك حين رآه، وقال: والذي نفسي بيده، لكأني أنظر إليك يا عمرو وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرت به من حفر الخليج، فثقل ذلك عليهم، وقالوا: يدخل في هذا ضرر على أهل مصر؛ فنرى بأن تعظم ذلك على أمير المؤمنين، وتقول له: هذا لا يعتدل، ولا نجد إليه سبيلًا.
فعجب عمرو من قول عمر، وقال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، لقد كان الأمر على ما ذكرت، فقال عمر: انطلق يا عمرو بعزيمة مني حتى تجد في ذلك، ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء الله تعالى. فانصرف عمرو، وجمع لذلك من الفعلة ما بلغ منه ما أراد، ثم احتفر الخليج الذي في حاشية الفسطاط، الذي يقال له خليج أمير المؤمنين، فساقه من النيل إلى القلزم؛ فلم يأت الحول حتى فرغ، وجرت فيه السفن، فحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة، فنفع الله بذلك أهل الحرمين، وسُمي خليج أمير المؤمنين.
ثم لم يزل يُحمل فيه الطعام، حتى حُمل فيه بعد عمر بن عبد العزيز ﵁،
стр. 163
ثم ضيعه الولاة بعد ذلك، فترك وغلب عليه الرمل، فانقطع، وصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية طحا القلزم (١) .
قال ابن عبد الحكم: وحدثني أخي عبد الحكم بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن -قال: حسبته، عن عروة- أن عمر بن الخطاب قال لعمرو بن العاص حين قدم عليه: "قد عرفت الذي أصاب العرب" (٢) ، وليس جند من الأجناد أرجى عندي من أن يغيث الله بهم أهل الحجاز من جندك؛ فإن استطعت أن تحتال لهم حيلة حتى يُغيثهم الله! فقال
عمرو: "ما شئت يا أمير المؤمنين" (٣) ، قد عرفت أنه كانت تأتينا سفن فيها تجار من أهل مصر قبل الإسلام، فلما فتحنا مصر، انقطع ذلك الخليج واستد، وتركته التجار، فإن شئت أن تحفره فتنشئ فيه سفنًا يُحمل فيها الطعام إلى الحجاز فعلته! قال عمر: نعم، فحفره عمرو، وعالجه وجعل فيه السفن (٤) .
حدثنا أبي، سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، أن رجلًا أتى عمرو بن العاص من قبط مصر، قال: أرأيتك إن دللتك على مكان تجري فيه السفن، حتى تنتهي إلى مكة والمدينة، أتضع عني الجزية وعن أهل بيتي؟ قال: نعم، فكتب إلى عمر، فكتب إليه أن افعل؛ فلما قدمت السفن الحجاز خرج عمر حاجًّا أو معتمرًا، فقال الناس: سيروا بنا ننظر إلى السفن التي سيرها الله إلينا من أرض فرعون (٥) .
قال ابن زولاق: وليس بمصر خليج إسلامي غيره. قال: وكان حجاج البحر يركبون فيه من ساحل تنيس يسيرون فيه، ثم ينتقلون بالقلزم إلى المراكب الكبار.
стр. 164
ذكر انتقاض عهد الإسكندرية وسببه
وذلك في خلافة عثمان ﵁، قال ابن عبد الحكم (١) : حدثنا عثمان بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: عاش عمر بن الخطاب بعد فتح مصر ثلاث سنين، قدم عليه فيها عمرو قدمتين، استخلف في إحداهما زكريا بن جهم العبدري (٢) على الجند، ومجاهد بن جبير مولى بني نوفل على الخراج، فسأله عمر: من استخلفت؟ فذكر له مجاهد بن جبير، فقال عمر: مولى ابنة (٣) غزوان؟ قال: نعم؛ إنه كاتب، فقال عمر: إن القلم (٤) ليرفع صاحبه. واستخلف في القدمة الثانية عبد الله بن عمر.
حدثنا عن حيوة بن شريح، عن الحسن بن ثوبان، عن هشام، عن أبي رقية قال: كان سبب نقض الإسكندرية العهد أن صاحب إخنا، قدم على عمرو بن العاص، فقال: أخبرنا، ما على أحدنا من الجزية (٥) ؟ فقال عمرو (٦) : لو أعطيتني من الركن إلى السقف ما أخبرتك؛ إنما أنتم خزانة لنا؛ إن كُثر علينا كثرنا عليكم، وإن خفف عنا خففنا عنكم. فغضب صاحب إخنا، فخرج إلى الروم، فقدم بهم، فهزمهم الله، وأسر النبطي، فأُتي به إلى عمرو فقال له الناس: اقتله؛ قال: لا بل انطلق؛ فجئنا بجيش آخر (٧) .
стр. 165
حدثنا سعيد بن سابق، قال: كان اسمه طلما، وإن عمرا لما أُتي به سوره، وتوجه وكساه برنس أرجوان، وقال له: ائتنا بمثل هؤلاء. فرضي بأداء الجزية، فقيل لطلما: لو أتيت ملك الروم! فقال: لو أتيته لقتلني، وقال: قتلت أصحابي (١) .
حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: كانت الإسكندرية انتقضت وجاءت الروم، وعليهم منويل الخصي في المراكب، حتى أرسى بالإسكندرية، فأجابهم من بها من الروم؛ ولم يكن المقوقس تحرك ولا نكث؛ وقد كان عثمان بن عفان ﵁ عزل عمرو بن العاص، وولى عبد الله بن سعد؛ فلما نزلت الروم بالإسكندرية، سأل أهل مصر عثمان أن يقر عمرًا حتى يفرغ من قتال الروم؛ فإن له معرفة بالحرب، وهيبة في قلب العدو؛ ففعل. وكان على الإسكندرية سورها؛ فحلف عمرو بن العاص: لئن أظفره الله عليهم ليهدمن سورها؛ حتى يكون مثل بيت الزانية يُؤتى من كل مكان. فخرج عليهم عمرو في البر والبحر، وضوى إلى المقوقس من أطاعه من القبط؛ فأما الروم فلم يطعه منهم أحد، فقال خارجة بن حذافة لعمرو: ناهضهم القتال قبل أن يكثر مددهم، ولا آمن أن تنتفض مصر كلها، فقال عمرو: لا، ولكن أدعهم حتى يسيروا إلي، فإنهم يصيبون من مروا به، فيجزي الله بعضهم ببعض، فخرجوا من الإسكندرية، ومعهم من نقض من أهل القرى فجعلوا ينزلون القرية، فيشربون خمورها، ويأكلون أطعمتها، وينهبون (٢) ما مروا به. فلم يتعرض لهم عمرو حتى بلغوا نقيوس، فلقوهم في البر والبحر، فبدأت الروم والقبط، فرموا بالنشاب في الماء رميا حتى أصاب النشاب يومئذ فرس عمرو في لبته، وهو في البر، فعقر، فنزل عنه عمرو، ثم خرجوا من البحر فاجتمعوا هم والذين في البر، فنضحوا المسلمين بالنشاب؛ فاستأخر المسلمون عنهم شيئا يسيرا وحملوا على المسلمين حملة ولى
стр. 166
المسلمون منها، وانهزم شريك بن سمي في خيله. وكانت الروم قد جعلت صفوفا خلف صفوف، وبرز يومئذ بطريق ممن جاء من أرض الروم على فرس له، عليه سلاح مذهب، فدعا إلى البراز، فبرز إليه رجل من زبيد، يقال له حومل، يكنى أبا مذحج، فاقتتلا طويلا برمحين يتطاردان، ثم ألقى البطريق الرمح، وأخذ السيف، وألقى حومل رمحه، وأخذ سيفه، وكان يعرف بالنجدة، وجعل عمرو يصيح: أبا مذحج! فيجيبه: لبيك! والناس على شاطئ النيل في البر على تعبئتهم وصفوفهم، فتجاولا ساعة بالسيفين، ثم حمل عليه البطريق، فاحتمله -وكان نحيفا- فاخترط حومل خنجرا كان في منطقته أو في ذراعه، فضرب نحر العلج
أو ترقوته فأثبته (١) ، فوقع عليه وأخذ سابه، ثم مات حومل بعد ذلك بأيام، فرئي عمرو يحمل سريره بين عمودي نعشه حتى دفنه بالمقطم، ثم شد المسلمون عليهم، فكانت هزيمتهم. فطلبهم المسلمون حتى ألحقوهم بالإسكندرية، ففتح الله عليهم، وقُتل منويل الخصي (٢) .
حدثنا الهيثم بن زياد، أن عمرو بن العاص قتلهم حتى أمعن في مدينتهم؛ فكُلم في ذلك، فأمر برفع السيف عنهم، وبنى في ذلك الموضع الذي رفع فيه السيف مسجدا، وهو المسجد الذي بالإسكندرية يقال له مسجد الرحمة -وإنما سمي مسجد الرحمة لرفع عمر السيف هناك- وهدم سورها كله. وجمع عمرو ما أصابه منهم، فجاءه أهل تلك القرى ممن لم يكن نقض، فقالوا: قد كنا على صلحنا، وقد مر علينا هؤلاء اللصوص، فأخذوا متاعنا ودوابنا، وهو قائم في يديك. فرد عليهم عمرو ما كان لهم من متاع عرفوه، وأقاموا عليه البنية (٣) .
стр. 167
رجع إلى حديث يزيد بن أبي حبيب. قال: فلما هزم الله الروم، أراد عثمان عمرا أن يكون على الحرب وعبد الله بن سعد على الخراج، فقال عمرو: أنا إذًا كماسك البقرة بقرنيها وآخر يحلبها! فأبى عمرو (١) .
حدثنا عبد الملك بن مسلمة، حدثنا ابن وهب، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن عمرو بن العاص، أنه فتح الإسكندرية الفتحة الأخيرة عنوة قسرا في خلافة عثمان بعد موت عمر بن الخطاب (٢) .
حدثنا عبد الملك، حدثنا ابن لهيعة، قال: كان فتح الإسكندرية الأول سنة إحدى وعشرين، وفتحها الآخر سنة خمس وعشرين (٣) .
قال نمير بن لهيعة: وأقام عمرو بعد فتح الإسكندرية، ثم عزله عثمان ﵁، وولى عبد الله بن سعد؛ وكان عمر بن الخطاب ولى عبد الله بن سعد من الصعيد إلى الفيوم، فكتب عثمان بن عفان، إلى عبد الله بن سرح يؤمره على مصر كلها. فلما كان سنة خمس وثلاثين مشت الروم إلى قسطنطين بن
هرقل، فقالوا: نترك الإسكندرية في أيدي العرب، وهي مدينتنا الكبرى، فقال: ما أصنع بكم؟ ما تقدرون أن تمالكوا ساعة إذا لقيتم العرب! قالوا: فاخرج على أنَّا نموت. فتبايعوا على ذلك، فخرج في ألف مركب يريد الإسكندرية، فسار في أيام غالبة (٤) من الريح، فبعث الله عليهم ريحا فغرقتهم، إلا قسطنطين نجا بمركبه، فألقته الريح بسقلية فسألوه عن أمره فأخبرهم، فقالوا شأمت (٥) النصرانية، وأفنيت رجالها، لو دخل العرب علينا لم نجد من يردهم، فقال: خرجنا مقتدرين، فأصابنا هذا، فصنعوا له الحمام، ودخلوا عليه، فقال: ويلكم! تذهب رجالكم، وتقتلون ملككم! قالوا: كأنه غرق معهم ثم قتلوه، وخلوا من كان معهم في المركب (٦) .
стр. 168
ذكر رابطة الإسكندرية:
أخرج ابن عبد الحكم، عن يزيد بن أبي حبيب وعبد الله بن هبيرة، قالا: لما استقامت البلاد، وفتح الله على المسلمين الإسكندرية، قطع عمرو بن العاص من أصحابه لرباط الإسكندرية ربع الناس خاصة؛ الربع يقيمون ستة أشهر (١) والربع في السواحل، والنصف الثاني مقيمون معه.
قال غيرهما: وكان عمر بن الخطاب يبعث كل سنة غازية من أهل المدينة ترابط بالإسكندرية، فكانت الولاة لا تغفلها، وتكشف رابطتها (٢) ، ولا تأمن الروم عليها.
وكتب عثمان إلى عبد الله بن سعد: قد علمت كيف كان هم أمير المؤمنين بالإسكندرية، وقد نقضت الروم مرتين، فألزم الإسكندرية رابطتها، ثم أجر عليهم أرزاقهم، وأعقب منهم في كل ستة أشهر (٣) .
وأخرج عن أبي قبيل، أن عتبة بن أبي سفيان عقد لعلقمة بن يزيد الغطفي على الإسكندرية، وبعث معه اثني عشر ألفا، فكتب علقمة إلى معاوية يشكو عتبة حين غدر به وبمن معه. فكتب إليه معاوية: إني قد أمددتك بعشرة آلاف من أهل الشام وبخمسة آلاف من أهل المدينة، فكان فيها سبعة وعشرون ألفا (٤) .
وأخرج ابن حبان في الضعفاء، من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده، عن علي مرفوعا: "أربعة أبواب من الجنة مفتحة في الدنيا: الإسكندرية وعسقلان، وقزوين، وجدة".
стр. 169
وأخرج ابن الجوزي في الموضوعات من طريق عمرو بن صبيح، عن أبان، عن أنس مرفوعا: "يحول الله القيامة ثلاثة قرى من زبرجدة خضراء: عسقلان، والإسكندرية، وقزوين".
وقال ابن الجوزي: عمرو بن صبيح يضع على الثقات.
وقال الكندي في فضائل مصر: قال أحمد بن صالح، قال لي سفيان بن عيينة: يا مصري، أين تسكن؟ قلت: أسكن الفسطاط، قال: أتأتي الإسكندرية؟ قلت: نعم، قال لي: تلك كنانة الله يحمل فيها خير سهامه.
وقال عبد الله بن مرزوق الصدفي: لما نُعي إليَّ ابن عمي خالد بن يزيد -وكان توفي بالإسكندرية- لقيني موسى بن علي بن رباح وعبد الله بن لهيعة والليث بن سعد متفرقين، كلهم يقولون: أليس مات بالإسكندرية! فأقول: بلى، فيقولون: هو حي عند الله يرزق، ويجري عليه أجر رباطه ما قامت الدنيا، وله أجر شهيد حتى يُحشر على ذلك.
ذكر وسيم:
وأخرج ابن عبد الحكم، من طريق لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن أبي غطيف، عن حاطب بن أبي بلتعة، أن عمر بن الخطاب قال: يقاتلكم أهل الأندلس بوسيم، حتى يبلغ الدم ثُنَن (١) الخيل، ثم ينهزمون (٢) .
стр. 170
ذكر ما يقع بمصر قرب الساعة:
أخرج الحاكم في المستدرك، وصححه من حديث عبد الله بن صالح: حدثني الليث، حدثني أبو قبيل، عند عبد الله بن عمر ﵄، أن رجلا من أعداء المسلمين بالأندلس، يقال له ذو العرف، يجمع من قبائل المشركين جمعا عظيما؛ يعرف مَنْ بالأندلس أن لا طاقة لهم به، فيهرب أهل القوة من المسلمين في السفن، فيجيزون إلى طنجة، ويبقى ضعفة الناس وجماعتهم، ليس لهم سفن يجيزون عليها، فيبعث الله جلا وعلا وينشر لهم في البحر، فيجيز الوعل، لا يغطي الماء أظلافه، فيراه الناس فيقولون: الوعل، الوعل! اتبعوه، فيجيز الناس على أثره كلهم، ثم يصير البحر على ما كان عليه، ويجيز العدو في المراكب؛ فإذا حبسهم أهل إفريقية هربوا كلهم من إفريقية، ومعهم من كان بالأندلس من المسلمين، حتى يدخلوا الفسطاط، ويقبل ذلك العدو حتى ينزلوا فيما بين ترنوط إلى الأهرام، مسيرة خمسة برد، فيملئون ما هناك شرا، فتخرج إليهم راية المسلمين على الجسر، فينصرهم الله عليهم، فيهزمونهم ويقتلونهم إلى لوبية، مسيرة عشرة ليال، ويستوقد أهل الفسطاط بعجلهم وأداتهم (١) سبع سنين، وينقلب ذو العرف من القتل، ومعه كتاب لا ينظر فيه إلا وهو منهزم، فيجد فيه ذكر الإسلام، وأنه يُؤمر فيه بالدخول في السلم، فيسأل الأمان على نفسه وعلى من أجابه إلى الإسلام من قومه، فيُسلم، ثم يأتي العام الثاني رجل من الحبشة يقال له أنيس، وقد جمع جمعا عظيما، فيهرب المسلمون منهم من أسوان حتى لا يبقى فيها ولا فيما دونها أحد من المسلمين، إلا دخل الفسطاط، فينزل أنيس بجيشه منف، فيخرج إليهم راية المسلمين على الجسر، فينصرهم الله عليهم، فيقتلونهم ويأسرونهم، حتى يباع الأسود بعباءة.
قال الحاكم: صحيح موقوف.
стр. 171
ذكر من دخل مصر من الصحابة ﵃:
حرف الهمزة
قد ألف الإمام محمد بن الربيع الجيزي في ذلك كتابا في مجلد، ذكر فيه مائة ونيفا وأربعين صحابيا، وقد فاته مثل ما ذكر أو أكثر، وقد ألفت في ذلك تأليفا لطيفا، استوعبت فيه ما ذكره، وزدت عليه ما فاته من تاريخ ابن عبد الحكم، وتاريخ ابن يونس وطبقات ابن سعد، وتجريد الذهبي، وغيرها؛ فزاد (١) في العدة على ثلاثمائة؛ وها أنا أسوق كتابي المذكور برمته، ليستفاد، وهو هذا:
در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة:
الحمد لله حمدا كثيرا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث بشيرا ونذيرا، وبعد فقد ألف الإمام محمد بن الربيع الجيزي الذي والده صاحب الإمام الشافعي ﵁ كتابا فيمن دخل مصر من الصحابة ﵃ أجمعين في مجلد، فأورد منه (٢) مائة ونيفا وأربعين رجلا، وأورد فيه أحاديثهم، وما رواه أهل مصر، وقد فاته جماعة لم يذكرهم؛ ذكر بعضهم ابن عبد الحكم في فتوح مصر، وبعضهم ابن يونس في تاريخ مصر، وبعضهم ابن سعد في طبقاته. وقد أردت أن ألخص كتاب محمد بن الربيع الجيزي، وأضم إليه ما فاته مرفوعا عليه صورة "ك"، وأرتبه على حروف المعجم، وأزيد التراجم، فأذكر الاسم والكنية واللقب، واسم الأب والجد والنسب والسن والوفاة، وما تفرد الصحابي بروايته، وقد أُورِد نادرة، أو غريبة، أو كرامة. وسميته:
стр. 172
"در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة" والله أسأل التوفيق إنه ولي الإجابة وإليه الإنابة:
حرف الهمزة:
١- أبرهة بن شرحبيل بن أبرهة بن الصباح الحميري. صحابي. قال الرشاطي في الأنساب: وفد على النبي ﷺ ، ففرش له رداءه. وكان بالشام، وكان يُعَد من الحكماء، وله رواية.
وقد في مرآة الزمان، عن الهيثم أن عمرو بن العاص بعثه إلى الفرما، ففتحها بعد ما فرغ من أمر الفسطاط.
٢- أبيض بن حمال -بالحاء المهملة- بن مرثد (١) بن ذي لحيان -بضم اللام- المأربي (٢) السبئي. قال ابن الربيع الجيزي: أخبرني يحيى بن عثمان أنه شهد فتح مصر. قال البخاري وابن السكن: له صحبة وأحاديث تعد في أهل اليمن (٣) ، وروى الطبراني أنه وفد على أبي بكر رضي الله تعالى عنه لما انتقض عليه عمال اليمن. وروى حديثه أصحاب السنن الأربعة وابن حبان، وروى أن أبيض بن حمال، كان بوجهه حزازة، وهي القوباء، فالتقمت أنفه، فمسح النبي ﷺ على وجهه، فلم يُمْسِ ذلك اليوم وبه أثر (٤) .
٣- أبيض. غير منسوب "ك". كان اسمه أسود، فغيره النبي ﷺ
стр. 173
بأبيض. قال ابن يونس: له ذكر فيمن دخل (١) مصر؛ وروي من طريق ابن لهيعة عن بكر بن سوادة، عن سهل بن سعد، قال: كان رجل يسمى أسود، فسماه النبي ﷺ أبيض قال الطبراني: تفرد به ابن لهيعة.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: لا أدري هو أبيض بن حمال، أو غيره (٢) !
٤- أبيض بن هني بن معاوية أبو هبيرة "ك". قال في الإصابة: أدرك النبي ﷺ ، وشهد فتح مصر، ذكره ابن منده في تاريخه، واستدركه أبو موسى وذكره ابن الكلبي في الجمهرة (٣) .
٥- أبي بن عمارة -بكسر العين، وقيل بضمتها. أحد من صلى للقبلتين، ذكره ابن عبد الحكم فيمن دخل مصر من الصحابة، وقال: لأهل مصر عنه حديث واحد، ذكر ابن الكلبي أن أباه عمارة أدرك خالد بن سنان الذي يقال له إنه كان نبيا (٤) .
وقال المزي في التهذيب: مدني، سكن مصر، له صحبة وحديث في المسح على الخفين.
٦- أجمد -بالجيم- بن عجيان -بجيم ومثناة تحتية بوزن عثمان، وقيل بوزن عَليان. همداني وفد على النبي ﷺ وشهد فتح مصر؛ ذكره ابن يونس، وقال: لا أعلم له رواية، وخطته معروفة بجيزة مصر.
قال في الإصابة: وضبطه ابن العربي بالحاء المهملة، فوهم (٥) .
стр. 174
٧- الأحب بن مالك بن سعد الله. ذكره ابن الربيع فيمن دخلها ممن أدرك النبي ﷺ ، ولا نعرف له رواية.
وقال في الإصابة: سماه ابن الدباغ "أحب"؛ والصواب "لاحب" (١) . وسيأتي.
٨- أحمر بن قطن الهمداني "ك". قال في الإصابة: شهد فتح مصر؛ يقال له صحبة، ذكره ابن ماكولا عن ابن يونس (٢) .
٩- أدهم بن حظرة اللخمي الرشدي، من بني راشدة، ابن أذينة بن جديلة بن لخم "ك".
قال ابن ماكولا: هو صحابي، ذكره سعيد بن عفير في أهل مصر، ولم يقع له رواية. وذكره ابن يونس (٣) .
١٠- الأرقم بن حفينة التجيبي "ك". من بني نصر بن معاوية، قال ابن منده: سمعت ابن يونس يقول: إنه شهد فتح مصر، وعداده (٤) في الصحابة (٥) .
١١- أسعد بن عطية بن عبيدة القضاعي البلوي "ك". ذكره ابن يونس، وقال: بايع تحت الشجرة، وشهد فتح مصر. له ذكر، وليست له رواية (٦) .
١٢- امرؤ القيس بن الفاخر بن الطماح الخولاني أبو شرحبيل. شهد فتح مصر
стр. 175
وله ذكر في الصحابة، قاله ابن منده (١) .
١٣- أوس بن عمرو بن عبد القارئ "ك". نزيل مصر. قال القضاعي في الخطط: له صحبة، ذكره في الإصابة (٢) .
١٤- إياس بن البكير -ويقال ابن أبي البكير- بن عبد ياليل بن ثابت (٣) الليثي "ك". قال ابن الربيع: بدري شهد فتح مصر، ولأهل مصر عنه حديث واحد، أخبرنيه مقدم بن داود؛ حدثنا أبو الأسود نصر بن عبد الجبار، عن ابن لهيعة، عن عياش بن عباس، عن عيسى بن موسى، عن إياس بن البكير، أن رسول الله ﷺ قال: "من مات يوم الجمعة، كتب الله له أجر شهيد، ووُقِي فتنة القبر".
وقال ابن يونس: شهد فتح مصر، ومات سنة أربع وثلاثين. واستشهد أخوه عاقل ببدر، وأخوهم خالد يوم الرجيع، وأخوهم عامر باليمامة.
قال ابن إسحاق: لا يعلم أربعة إخوة شهدوا بدرا غير إياس وإخوته وهاجروا جميعًا (٤) .
١٥- إياس بن عبد الأسد القاري "ك". حليف بني زهرة، ذكره سعيد بن عفير، فيمن شهد فتح مصر من الصحابة، واختط بها دارا. أخرجه ابن منده، وذكره أيضًا ابن عبد الحكم (٥) .
١٦- أيمن بن خريم -بالمعجمة ثم الراء- بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك الأسدي "ك". قال المبرد في الكامل: له صحبة (٦) .
وقال المرزباني: يقال له صحبة (٧) .
стр. 176
وقال ابن عبد البر: أسلم يوم الفتح وهو غلام يَفَعة (١) .
وقال ابن السكن: يقال له صحبة. وأخرج له الترمذي حديثا عن النبي ﷺ واستغربه، وقال: لا نعرف لأيمن سماعا عن النبي ﷺ .
وقال الصولي: كان أيمن يسمى خليل الخلفاء، لإعجابهم به وبحديثه لفصاحته وعلمه.
وكان به وضح يغيره بزعفران، فكان عبد العزيز بن مروان -وهو أمير مصر- يواكله، ويحتمل ما به من الوضح لإعجابه به؛ كذا نقله في الإصابة؛ وهو صريح في أنه كان بمصر.
وقال المزي (٢) في التهذيب: ذكره ابن منده وغيره في الصحابة، وكناه أبو عطية: الشاعر؛ وقال: شامي مختلف في صحبته.
ومن شعره في قتل عثمان:
إن الذين تولوا قتله سفها ... لقوا أثاما وخسرانا وما ربحوا
١٧- الأكدر بن حمام بن عامر بن صعب اللخمي. قال في الإصابة: له إدراك. قال سعيد بن عفير: شهد فتح مصر هو وأبوه.
وقال أبو عمر الكندي في كتاب الخندق: حدثني يحيى بن أبي معاوية بن خلف بن ربيعة؛ عن أبيه، حدثني الوليد بن سليمان، قال: كان أكدر علويا، وكان ذا دين وفضل وفقه الله في الدين، وجالس الصحابة، وروى عنهم. وهو صاحب الفريضة
стр. 177
التي تسمى الأكدرية (١) ، وكان ممن سار إلى عثمان؛ وكان معاوية يتألف قومه به، وكان يكرمه؛ ويدفع إليه عطاءه، ويرفع مجلسه؛ فلما حاصر مروان أهل مصر، أجلب عليه الأكدر بقومه، وحاربه بكل أمر يكرهه؛ فلما صالح مروان أهل مصر، علم أن الأكدر سيعود إلى فعلاته؛ فألب عليه قوما من أهل الشام، فادعوا عليه قتل رجل منهم. فدعاه، فأقاموا عليه الشهادة، فأمر بقتله. قال: فحدثني موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، قال: كنت واقفا بباب مروان، حين دعي الأكدر، فجاء ولم يدر فيم دُعي له، فما كان بأسرع من أن قُتل، فتنادى الجند: قتل الأكدر، قتل الأكدر! فلم يبق أحد حتى لبس سلاحه، وحضروا باب مروان وهم زيادة على ثمانين ألف إنسان؛ فأغلق مروان بابه خوفا، فمضوا وذهب دم الأكدر هدرًا.
وروى أبو عمر الكندي من طريق ابن لهيعة، قال: مرض الأكدر بن حمام بالمدينة ليالي عثمان، فجاءه علي بن أبي طالب ﵁ عائدا، فقال: كيف
تجدك؟ قال: بأبي أنت يا أمير المؤمنين! قال: كلا لتعيشن زمانا، ويغدر بك غادر، وتصير إلى الجنة إن شاء الله تعالى.
وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن سفيان، قال: قلت للأعمش: لم سميتم الفريضة الأكدرية؟ قال: طرحها عبد الملك بن مروان على رجل يقال له الأكدر، وكان ينظر في الفرائض، فأخطأ فيها.
قال في الإصابة: لعله طرحها عليه قديما؛ وعبد الملك يطلب العلم بالمدينة، وإلا فالأكدر قُتل قبل أن يلى عبد الملك الخلافة.
وروى ابن المنذر في التفسير عن ابن جريج (٢) في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ
стр. 178
سُوءٌ﴾ (١) ، قال: قدم رجل من المشركين من بدر، فأخبر أهل مكة بخيل محمد، فرعبوا فجلسوا فقال:
نفرت قلوصى من خيول محمد ... وكتيبة منثورة كالعسجد
اتخذت ماء قديد موعد
زعموا أنه الأكدر بن حمام؛ أورده الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الإصابة في قسم المخضرمين؛ وهم من أدرك النبي ﷺ ولم يُسلم إلا بعد وفاته؛ وهم صحابة في قول ابن عبد البر وطائفة (٢) .
حرف الباء:
١٨- بحر -بضم أوله وضم المهملة أيضًا- بن ضبع (٣) -بضمتين أيضًا- بن أنسة (٤) بن يحمد الرعيني. قال ابن يونس: وفد على رسول الله ﷺ ، وشهد فتح مصر. وقال في ترجمة حفيده مروان بن جعفر بن خليفة بن بحر: كان شاعرا، وهو القائل:
وجدي الذي عاطى الرسول يمينه ... وحنت إليه من بعيد رواحله
قال: وحفيده الآخر أبو بكر بن محمد "بن بحر"، ولي مراكب دمياط خلافة عمر بن عبد العزيز. ذكره ابن يونس (٥) .
стр. 179
١٩- برتا بن الأسود بن عبد شمس القضاعي "ك". قال ابن يونس: له صحبة، شهد فتح مصر وقتل يوم فتح الإسكندرية (١) .
٢٠- برح -بكسر أوله وسكون الراء بعدها مهملة- بن عسكر "ك"، بضم العين المهملة وسكون السين المهملة وضم الكاف بعدها راء. كذا ضبطه ابن ماكولا، ونسبه إلى قضاعة.
وقال المنذري: كان السلفي يقول: عسكل بلام.
وقال ابن عبد الحكم: يقال: ابن حسكل، والصواب عسكل.
قال ابن يونس: له وفادة على النبي ﷺ ، وشهد فتح مصر واختط بها، وسكنها وهو معروف من أهل البصرة (٢) .
٢١- بسر -بضم أوله وسكون المهملة- بن أرطاة، أو ابن أبي أرطاة. قال ابن حبان: وهو الصواب. وقال في الإصابة: وهو الأصح.
واسم أبي أرطاة عمير بن عويمر القرشي العامري أبو عبد الرحمن، مختلف في صحبته، وصحح أنه له صحبة أهل الشام وابن حبان والدارقطني.
قال ابن يونس: كان من أصحاب رسول الله ﷺ ، شهد فتح مصر، واختط بها، وكان من شيعة معاوية (٣) ، شهد صفين معه، وولي البحرين له، ووسوس في آخر أيامه.
وقال ابن السكن: مات وهو خرف (٤) .
стр. 180
وقال ابن حبان: كان يلي لمعاوية الأعمال، وكان إذا دعا ربما استجيب له (١) .
قال ابن الربيع وابن السكن: مات أيام معاوية بدمشق.
وقال خليفة وابن حبان: مات في أيام عبد الملك بن مروان بالمدينة.
وقال المسعودي: مات في خلافة الوليد سنة ست وثمانين.
وقال الواقدي: ولد قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين.
وقال يحيى بن معين: مات النبي ﷺ وهو صغير.
وقال ابن الربيع: ولأهل مصر عنه حديث واحد وحكاية. ثم روى عن طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، قال: كان بسر إذا ركب البحر قال: أنت بحر وأنا بسر، علي وعليك الطاعة لله، سيروا على بركة الله.
وقال المزي في التهذيب: لم يرو عن النبي ﷺ حديثين: حديث: "لا تقطعوا الأيدي في الغزو" (٢) ، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وحديث " [في الدعاء، أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة] (٣) .
٢٢- بشر بن ربيعة الخثعمي، ويقال الغنوي "ك". قال أبو حاتم: مصري له صحبة.
وقال ابن السكن: عداده في أهل الشام (٤) .
وقال ابن الربيع: دخل مصر؛ روى حديثه أحمد والبخارى في التاريخ والطبراني وابن السكن وغيرهم، من طريق المنذر بن المغيرة المعافري، عن عبيد الله بن بشير بن ربيعة الغنوي، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لتفتحن القسطنطينية،