← История

История · id 3283

حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة

الجلال السيوطي

Полный текст (1 061 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

طاعت له أيدي الملوك وأذعنت ... من نيل مصر أصابع المقياس فهو الذي قد رد عنا البؤس في ... دهر به لولاه كل الباس وأزال ظلمًا عم كل معمم ... من سائر الأنواع والأجناس بالخاذل المدعو ضد فعاله ... بالناصر المتناقض الآساس كم نعمة لله كانت عنده ... فكأنها في غربة وتناس ما زال سر الشر بين ضلوعه ... كالنار أو صحبته للأرماس كم سن سيئة عليه أثامها ... حتى القيامة ماله من آس مكرًا بنى أركانه، لكنها ... للغدر قد بنيت بغير أساس كل امرئ ينسى ويذكر تارة ... لكنه للشر ليس بناس أملى له رب الورى حتى إذا ... أخذوه لم يفلته مر الكاس وأدالنا منه المليك بمالك ... أيامه صدرت بغير قياس فاستبشرت أم القرى والأرض من ... شرق وغرب كالعذيب وفاس آيات مجد لا يحاول جحدها ... في الناس غير الجاهل الخناس ومناقب العباس لم تجمع سوى ... لحفيده ملك الورى العباس لا تنكروا للمستعين رياسة ... في الملك من بعد الجحود الناسي فبنو أمية قد أتى من بعدهم ... في سالف الدنيا بنو العباس وأتى أشج بني أمية ناشرًا ... للعدل من بعد المبير الخاسِي مولاي عبدك قد أتى لك راجيًا ... منك القبول فلا ترى من باس لولا المهابة طولت أمداحه ... لكنها جاءته بالقسطاس فأدام رب الناس عزك دائما ... بالحق محروسًا برب الناس وبقيت تستمع المديح لخادم ... لولاك كان من الهموم يقاسي

стр. 702

عبد صفا ودا وزمزم حاديًا ... وسعى على العينين قبل الرأس أمداحه في آل بيت محمد ... بين الورى مسكية الأنفاس ولما دخل الخليفة القاهرة شقها والأمراء بين يديه، فاستمر إلى القلعة، فنزل بها ونزل شيخ الإصطبل بباب السلسلة (١) . ثم في ثامن ربيع الآخر صعد شيخ والأمراء إلى القصر، وجلس الخليفة على تخت الملك، فخلع على شيخ خلعة عظيمة بطراز لم يعهد مثلها، وفوض إليه أمر المملكة بالديار المصرية في جميع الأمور، وكتب له أن يولي ويعزل من غير مراجعة، وأشهد عليه بذلك؛ ولقب نظام الملك؛ فكانت الأمراء إذا فرغوا من الخدمة بالقصر، نزلوا في خدمة شيخ إلى الإصطبل؛ فأعيدت الخدمة عنده، ويقع عنده الإبرام والنقص، ثم يتوجه دواداره إلى المستعين، فيعلم على المناشير والتواقيع. ثم إنه تقدم إليه بألا يمكن الخليفة من كتابة العلامة إلا بعد عرضها عليه، فاستوحش الخليفة عليه، وضاق صدره، وكثر قلقله. فلما كان في شعبان سأل شيخ الخليفة أن يفوض إليه السلطنة على العادة، فأجاب بشرط أن ينزل من القلعة إلى بيته، فلم يوافق شيخ على النزول، بل استنظره أياما. ثم إنه نقل المستعين من القصر إلى دار من دور القلعة، ومعه أهله، ووكل به من يمنعه الاجتماع بالناس، فبلغ ذلك نوروز، فجمع القضاة والعلماء في سابع ذي القعدة، واستفتاهم عما صنعه شيخ بالخليفة، فأفتوه بعدم جواز ذلك؛ فأجمع على قتال شيخ، واستمر المستعين في القلعة إلى ذي الحجة سنة ست عشرة، وهو باق على الخلافة، فلما عزم شيخ إلى الشام خشي من غائلته، وأراد خلعه فراجع البلقيني في ذلك. وكان في نفسه من المستعين شي لكونه عزله، فرتب له دعوى شرعية، وحكم بخلعه من الخلافة،

стр. 703

وبايع بالخلافة أخاه أبا الفتح داود، ولقب المعتضد بالله، وسير المستعين إلى الإسكندرية، فأقام بها إلى أن مات شهيدًا بالطاعون، في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين. واستقرت الخلافة باسم المعتضد، وكان من سروات الخلفاء، نبيلًا ذكيا فاضلا، يجالسه العلماء والفضلاء، ويستفيد منهم ويشاركهم فيما هم فيه، جوادًا سمحًا، وطالت مدته في الخلافة نحو ثلاثين سنة، فلما حضرته الوفاة عهد بالخلافة إلى شقيقه أبي الربيع سليمان، ولقب المستكفي بالله؛ وكان والدي خصيصا به، فكتب له العهد بيده وهذه صورته: بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما أشهد على نفسه الشريفة حرسها الله وحماها، وصانها من الأكدار ورعاها، سيدنا ومولانا ذو المواقف الشريفة الطاهرة الزكية الإمامية الأعظمية العباسية النبوية المعتضدية، أمير المؤمنين وابن عم سيد المرسلين، ووارث الخلفاء الراشدين، المعتضد بالله تعالى أبو الفتح داود، أعز الله به الدين، وأمتع ببقائه الإسلام والمسلمين؛ أنه عهد إلى شقيقه المقر العالي المولوي الأصيلي العريقي الحسيبي النسيبي السليلي سيدي أبي ربيع سليمان المستكفي بالله، عظم الله شأنه، بالخلافة المعظمة، وجعله خليفة بعده، ونصبه إماما على المسلمين، عهدًا شرعيًّا، معتبرًا مرضيًّا، نصيحة للمسلمين، ووفاء بما يجب عليه من مراعاة مصالح الموحدين، واقتداء بسنة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين. وذلك لما علم من دينه وخيره، وعدالته وكفالته وأهليته، واستحقاقه بحكم أنه اختبر حاله، وعلم طويته، وأنه الذي يدين الله به أتقى لله ممن رآه، وأنه لا يعلم صدر منه ما ينافي استحقاقه لذلك، وإنه إن ترك الأمر هملا من غير تفويض للمشار إليه أدخل إذ ذاك المشقة على أهل الحل، والعقد في اختيار من ينصبونه للإمامة، ويرتضونه لهذا الشأن، فبادر إلى هذا الشان، شفقة عليهم، وقصدًا لبراءة ذمتهم ووصول الأمر

стр. 704

إلى من هو أهله، لعلمه أن العهد كان غير محوج إلى رضا سائر أهله، ووجب على من سمعه وتحمل ذلك منه أن يعلم به، ويأمر بطاعته عند الحاجة إليه، ويدعو الناس إلى الانقياد له، فسجل ذلك على من حضره حسب إذنه الشريف، وسطر عن أمره قبل ذلك سيدي المستكفي أبو الربيع سليمان، المسمى فيه، عظم الله شأنه قبولًا شرعيًّا. ومات المعتضد يوم الأحد رابع ربيع الأول سنة خمس وأربعين واستقر المستكفي، وكان من صلحاء الخلفاء وعبادهم، صالحًا دينًا عابدًا، كثير التعبد والصلاة والتلاوة، كثير الصمت، حسن السيرة. وكان الظاهر جقمق يعتقده، ويعرف له حقه، فأقام إلى أن مات ليلة الجمعة، سلخ ذي الحجة سنة أربع وخمسين، ولم يعهد بالخلافة لأحد. وكان والدي خصيصا به جدًّا، فلم يعش بعده إلا أربعين يوما، ومشى السلطان في جنازة المستكفي إلى تربته، وحمل نعشه بنفسه. وبايع بعده بالخلافة أخاه أبا البقاء حمزة، ولقب القائم بأمر الله، وكان سهمًا صارما، أقام أبهة الخلافة قليلًا، ثم إن الجند خرجوا على الأشرف إينال، فقام معهم، وحدثته نفسه بطلب الملك، فانهزم الجند، فلم يحصل من يدهم شيء. فغضب عليه الأشرف، وطلبه إلى القلعة، وعاتبه في ذلك؛ فحكي أن الخليفة قال: خلعت نفسي وعزلتك، وكان غلطة منه؛ فقال شيخنا قاضي القضاة علم الدين البلقيني -وكان حريصًا على جر الخلافة إلى أخي الخليفة يوسف، لكونه زوج ابنته؛ فقال: قد بدأ بخلع نفسه فانخلع، وثنى بخلع السلطان وهو غير خليفة؛ فلم ينفذ عزله، وحكم بصحة خلعه؛ وذلك في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، وبايع أخاه أبا المحاسن يوسف ولقب المستنجد بالله، وسير القائم إلى الإسكندرية إلى أن مات بها سنة ثلاث وستين، ودفن عند شقيقه المستعين. ومن الاتفاق الغريب أنهما شقيقان، كل منهما رام السلطنة، وكل منهما خلع،

стр. 705

وسكن الإسكندرية، ودفنا معا؛ وحكم بخلعهما قاضيان أخوان؛ ذلك خلعه الجلال البلقيني؛ وهذا أخوه العلم البلقيني. واستمر المستنجد في الخلافة ساكنا بمنزل إخوته، إلى أن توفي الظاهر خشقدم، فدعاه إلى أن يسكن عنده في القلعة، واستمر ساكنا بها إلى أن مات يوم السبت رابع عشري المحرم سنة أربع وثمانين وثمانمائة. وعهد بالخلافة إلى ابن أخيه سيدي عبد العزيز أبي العز يعقوب بن المتوكل على الله فلما كان يوم الاثنين سادس عشري المحرم طلع إلى القلعة، وحضر القضاة والأعيان، فأمضوا عهد عمه، ولبس تشريف الخلافة، ونزل إلى داره، والقضاة والأعيان بين يديه، وكان يوما مشهودا، وكان أراد أن يتلقب بالمستعز بالله، ثم وقع التردد بينه وبين المستعين أو المتوكل، واستقر الحال على أن لقب: "المتوكل على الله"، وهو الآن عين بني العباس وشامتهم؛ لم يزل مشارا إليه، محبوبًا في صدور الناس، وله اشتغال على والدي وغيره من المشايخ، وأجاز له باستدعائي جماعة من المسندين، وقد خرجت لهم عنه جزءًا حدث به. وألفت برسمه كتاب "الأساس في فضل بني العباس"، وكتاب "رفع الباس عن بني العباس". أبقاه الله بقاء جميلا، وأدامه على رباع المسلمين ظلا ظليلًا! وتعفف عن أخذ ما يتحصل من مشهد السيدة نفيسة من النذور من شمع وزيت وغيرهما، وصرفه إلى مصالح المكان من عمارة وغيرها، وكان الخلفاء قبله يأخذون لأنفسهم غالبه، والباقي يفرقونه على من شاءوا من إلزامهم، فرفع ذلك من أصله.

стр. 706

فصل في قواعد الخلافة: مدخل قال ابن فضل الله في المسالك: إن قاعدة الخلافة أول ما كانت المدينة شرفها الله مدة أبي بكر وعمر وعثمان، فلما انتهت الخلافة إلى علي انتقل من المدينة إلى الكوفة، واتخذها قاعدة خلافته، وربما استوطن البصرة. وجاء ابنه الحسن والكوفة قاعدة خلافته على ما كان عليه أبوه، فلما ولي معاوية انتقلت قاعدة الخلافة إلى دمشق، واستقرت قاعدة لبني أمية؛ وإن كان هشام قد سكن الرصافة، وعمر بن عبد العزيز خناصرة، فأنهما لم يكونا قاعدتي خلافه؛ لأنهما سكناهما غير مفارقين لدمشق، بل هي القاعدة والمعتمدة بأنها مستقر الخلافة، ولم تزل كذلك إلى آخر الدولة الأموية. فلما ملك السفاح سكن الأنبار، فلما ولي المنصور بني الهاشمية وسكنها، ثم بغداد، فصارت قاعدة الخلافة له ولبنيه إلى المعتصم؛ فبنى سر من رأى، فانتقلت قاعدة الخلافة إليها. ثم بنى ابنه هارون الواثق إلى جانبها الهارونية، فانتقلت قاعدة الخلافة إليها. ثم بنى أخوه جعفر المتوكل إلى جانبها الجعفرية، فانتقلت قاعدة الخلافة إليها، ثم عادت قاعدة الخلافة إلى بغداد في زمن المعتمد إلى المستعصم الذي قتلته التتار، فانتقلت قاعدة الخلافة إلى مصر. قال: فانظر كيف تنقلت قواعد الخلافة من بلد إلى بلد بتنقل الزمان، وقد كانت بخارى قاعدة السلطنة زمن بني ساسان، ثم صارت غزنة مكان محمود بن سبكتكين وبنيه، ثم همدان زمان الدولة السلجوقية، ثم خوارزم مكان الملوك الخوارزمية، ثم دمشق زمان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، ثم مصر من زمن السلطان صلاح الدين

стр. 707

يوسف بن أيوب وإلى اليوم. وإذا اعتبرت أحوال البلاد تجد السعادة قد نظرت هذه مرة، ثم تلك أخرى كما قال الشاعر: وإذا نظرت إلى البقاع رأيتها ... تشقى كما تشقى الرجال وتسعد واعلم أن مصر من حين صارت دار الخلافة عظم أمرها، وكثرت شعائر الإسلام فيها، وعلت فيها السنة، وعفت منها البدعة، وصارت محل سكن العلماء، ومحط رحال الفضلاء، وهذا سر من أسرار الله أودعه في الخلافة النبوية حيث ما كانت يكون معها الإيمان والكتاب، كما أخرج. . . . . . . . . . . . . . . (١) . دل هذا الحديث على أن الإيمان والعلم يكونان مع الخلافة أينما كانت، فكانا أولًا بالمدينة زمن الخلفاء الراشدين، ثم انتقلا إلى الشام زمن خلفاء بني أمية، ثم انتقلا إلى بغداد زمن خلفاء بني العباس، ثم انتقلا إلى مصر حين سكنها خلفاء بني العباس؛ ولا يظن أن ذلك بسبب الملوك، فقد كانت ملوك بني أيوب أجل قدرًا، وأعظم خطرا من ملوك جاءت بعدهم بكثير، ولم تكن مصر في زمنهم كبغداد، وفي أقطار الأرض الآن من الملوك من هو أشد بأسا، وأكثر جندا من ملوك مصر، كالعجم والعراق والروم والهند والمغرب، وليس الدين قائما ببلادهم كقيامه بمصر، ولا شعائر للإسلام في أقطارهم ظاهرة كظهورها في مصر، ولا نشرت السنة والحديث والعلم فيها كما في مصر، بل البدع عندهم فاشية، والفلسفة بينهم مشهورة، والسنة والأحاديث دائرة، والمعاصي والخمور واللواط متكاثرة.

стр. 708

ذكر سلاطين مصر الذين فوض إليهم خلفاء مصر العباسيون فاستبدوا بالأمر دونهم: أولهم الملك الظاهر ركن الدين، أبو الفتح بيبرس البندقداري. ولما فوض إليه خليفة مصر لقبه قسيم أمير المؤمنين وهو أول من لقب بها، وكان الملوك قديمًا يكتب أحدهم من جهة الخليفة: "مولى أمير المؤمنين" أي عتيقه، ويكتب هو إلى الخليفة "خادم أمير المؤمنين"، فإن زيد في تعظيمه لقب "ولي أمير المؤمنين"، ثم "صاحب أمير المؤمنين"، ثم "خليل أمير المؤمنين"، وهو أعلى ما لقب به ملوك بني أيوب، فلقب الظاهر هذا قسيم أمير المؤمنين؛ وهو أجل من تلك الألقاب، وكان في الظاهر محاسن وغيرها، وظلم أهل الشام غير مرة، وأفتاه جماعة بموافقة هواه، فقام الشيخ محيي الدين النووي في وجهه، وأنكر عليه، وقال: أفتوك بالباطل! وكان بمصر منقمعًا تحت كلمة الشيخ عز الدين بن عبد السلام، لا يستطيع ان يخرج عن أمره، حتى إنه قال لما مات الشيخ: ما استقر ملكي إلا الآن. ومن محاسنه ما حكاه ابن كثير في تاريخه أنه حضر في يوم الثلاثاء تاسع رجب سنة ستين إلى دار العدل في محاكمة في بئر بين يدي القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز، فقام الناس سوى القاضي، فإنه أشار إليه ألا يقوم، فقام هو وغريمه بين يدي القاضي وتداعيا، وكان الحق بيد السلطان، وله بينة عادلة به، فانتزعت البئر من يد الغريم وهو أحد الأمراء. والظاهر هو الذي أكمل عمارة المسجد النبوي من الحريق، وكان الخليفة المستعصم شرع فيه بعد أن احترق، فقتل قبل أن يتم، فجهز الظاهر في رمضان سنة

стр. 709

إحدى وستين صناعًا وأخشابًا وآلات، وطيف بها بالديار المصرية فرحة بها، وتعظيما لشأنها، ثم ساروا بها إلى المدينة الشريفة، وأرسل منبرًا فنصب هنالك، وحج في سنة سبع وستين، فغسل الكعبة بيده بماء الورد، وزار المدينة الشريفة، فرأى الناس يلتصقون بالقبر النبوي، فقاس ما حوله بيده، وأرسل في العام الذي يليه دارابزيا من خشب، فأدير حول القبر الشريف. وللظاهر فتوحات كثيرة، وملك الروم، وجلس بقيسارية على تخت آل سلجوق، ولبس التاج، وضرب باسمه الدينار والدرهم، وهو الذي جعل القضاة أربعة من كل مذهب قاض، ولم يعهد ذلك قبله في ملة الإسلام، وهو الذي جدد صلاة الجمعة بالجامع الأزهر وبجامع الحاكم، وكانا مهجورين من زمن العبيديين، فأساء في ذلك كل الإساءة كما سنبينه بعد هذا. وأمر في أيامه بإراقة الخمور، وإبطال المفسدات والخواطئ وإسقاط المكوس المرتبة عليها، فأحسن في ذلك كل الإحسان. وفي أيامه طيف بالمحمل وبكسوة الكعبة المشرفة بالقاهرة وذلك في سنة خمس وسبعين، وكان يوما مشهودا، وهو أول من فعل ذلك بالديار المصرية. وكان له صدقات كثيرة؛ من ذلك كل سنة عشرة آلاف إردب قمح للفقراء والمساكين وأرباب الزوايا، وكان يخرج كل سنة جملة مستكثرة يستفك بها من حبس القاضي من المفلسين، وكان يرتب في أول رمضان مطابخ لأنواع الأطعمة برسم الفقراء والمساكين، ووقف وقفا على تكفين أموات الغرباء، وأجرى على أهل الحرمين وطرق الحجاز ما كان انقطع في أيام غيره من الملوك، وله أنواع من المعروف وأوقاف البر. نقلت من خط شيخنا الإمام تقي الدين الشمني؛ قال: نقلت من خط الشيخ كمال الدين الدميري، نقل من خط الشيخ جمال الدين بن هشام، قال: من غريب ما رأيت على

стр. 710

كراريس من تسهيل الفوائد بخط الشيخ جمال الدين بن مالك، في أواخرها صورة رفعها الفقير إلى رحمة ربه محمد بن مالك: يقبل الأرض، وينهى إلى السلطان أيد الله جنوده وأيد سعوده، أنه أعرف أهل زمانه بعلوم القراءات والنحو واللغة وفنون الآداب. وأمله أن يعينه نفوذًا من سيد السلاطين، ومبيد الشياطين، خلد الله ملكه، وجعل المشارق والمغارب ملكه، على ما هو بصدده من إفادة المستفيدين، وإفادة المسترشدين؛ بصدقة تكفيه هم عياله، وتغنيه عن التسبب في صلاح حاله؛ فقد كان في الدولة الناصرية عناية تتيسر بها الكفاية؛ مع أن الدولة، من الدولة الظاهرية كجدول من البحر المحيط، والخلاصة من الوسيط والبسيط؛ وقد نفع الله بهذه الدولة الظاهرية الناصرية خصوصًا وعمومًا، وكشف بها عن الناس أجمعين عمومًا؛ ولم بها من شعث الدين ما لم يكن ملمومًا، فمن العجائب كون المملوك من مزيد خيراتها، وعن يمين عنايتها غائبا محرومًا؛ مع أنه من ألزم المخلصين الدعاء بدوامها، وأقوم الموالين بمراعاة زمانها؛ لأبرحت أنوارها زاهرة، وسيوف أنصارها قاهرة ظاهرة، وأياديها مبذولة موفورة، وأعاديها مخذولة مقهورة، بمحمد وآله! وكان الشيخ محيي الدين النووي يكثر المكاتبات إليه، ويعظه في أمور المسلمين. قال الشيخ علاء الدين بن العطار: كتب الشيخ محيي الدين ورقة إلى الظاهر بيبرس، تتضمن العدل في الرعية، وإزاله المكوس. وكتب فيها معه جماعة، ووضعها في ورقة كتبها إلى الأمير بدر الدين بيليك الخازندار (١) بإيصال ورقة العلماء إلى السلطان، وصورتها: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله يحيى النووي، سلام الله تعالى ورحمته وبركاته

стр. 711

على المولى المحسن، ملك الأمراء بدر الدين. أدام الله الكريم له الخيرات، وتولاه بالحسنات، وبلغه من أقصى الآخرة، والأولى كل آماله، وبارك له في جميع أحواله؛ آمين وينهي إلى العلوم الشريفة، أن أهل الشام في هذه السنة في ضيق عيش وضعف حال، بسبب قلة الأمطار وغلاء الأسعار، وقلة الغلات والنبات، وهلاك المواشي وغير ذلك؛ وأنتم تعلمون أنه تجب الشفقة على الرعية ونصيحته في مصلحته ومصلحتهم؛ فإن الدين النصيحة. وقد كتب خدمة الشرع الناصحون للسلطان المحبوبون له كتابا يذكره النظر في أحوال رعيته، والرفق بهم؛ وليس فيه ضرر، بل هو نصيحة محضة، وشفقة وذكرى لأولي الألباب، والمسئول من الأمير أيده الله تعالى تقديمه إلى السلطان، أدام الله له الخيرات. ويتكلم عنده من الإشارة بالرفق بالرعية بما يجده مدخرًا له عند الله تعالى ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (١) . وهذا الكتاب أرسله العلماء أمانة، ونصيحة للسلطان أعز الله أنصاره، فيجب عليكم إيصاله للسلطان (٢) أعز الله أنصاره، وأنتم مسئولون عن هذه الأمانة، ولا عذر لكم في التأخر عنها، ولا حجة لكم في التقصير عنها عند الله تعالى وتسألون عنها يوم القيامة ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ (٣) ، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٤) . وأنتم بحمد الله تحبون وتحرصون عليه، وتسارعون إليه، وهذا من أهم الخيرات وأفضل الطاعات، وقد أهلتم له، وساقه الله إليكم، وهو فضل من الله ونحن خائفون أن يزداد الأمر شدة، إن لم يحصل النظر في الرفق بهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا

стр. 712

إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (١) ، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٢) . والجماعة الكاتبون منتظرون ثمرة هذا، فإذا فعلتم هذا فأجركم على الله ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٣) ؛ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فلما وصلت الورقتان إليه، أوقف عليهما السلطان، فرد جوابهما ردًّا عنيفًا مؤلمًا، فتكدرت خواطر الجماعة الكاتبين، فكتب ﵁ لذلك الجواب وهذه صورته: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آل محمد. من عبد الله يحيى النووي، ينهي أن خدمة الشرع كانوا كتبوا ما بلغ السلطان أعز الله أنصاره، فجاء الجواب بالإنكار والتوبيخ والتهديد، وفهمنا منه أن الجهاد ذكر في الجواب على خلاف حكم الشرع، وقد أوجب الله إيضاح الكلام عند الحكام عند الحاجة إليه، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (٤) ، فوجب علينا حينئذ بيانه، وحرم علينا السكوت. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥) . وذكر في الجواب أن الجهاد ليس مختصًّا بالأجناد؛ وهذا أمر لم ندعه، وكان الجهاد فرض كفاية، فإذا قرر السلطان له أجنادًا مخصوصين، ولهم أخباز معلومة من بيت المال كما هو الواقع، تفرغ باقي الرعية لمصالحهم ومصالح السلطان، والأجناد وغيرهم من الزراعة والصنائع وغيرهما، مما يحتاج الناس كلهم إليه، فجهاد الأجناد مقابل بالأخباز المقررة لهم، ولا يحل أن يؤخذ من الرعية شيء ما دام في بيت المال شيء من نقد، أو متاع أو أرض

стр. 713

أو ضياع تباع أو غير ذلك؛ وهؤلاء علماء المسلمين في بلاد السلطان أعز الله أنصاره. متفقون على هذا، وبيت المال بحمد الله معمور، زاده الله عمارة وسعة وخيرًا وبركة في حياة السلطان، المقرونة بكمال السعادة والتوفيق والتسديد، والظهور على أعداء الدين، وما النصر إلا من عند الله. وإنما يستعان في الجهاد وغيره بالافتقار إلى الله تعالى، واتباع آثار النبي ﷺ ، وما لزمه أحكام الشرع. وجميع ما كتبناه أولا وثانيا. هو النصيحة التي نعتقدها، وندين الله بها، ونسأل الله الدوام عليها حتى نلقاه. والسلطان يعلم أنها نصيحة له وللرعية، وليس فيها ما يلام عليه. ولم نكتب هذا السلطان إلا لعلمنا أنه يحب الشرع، ومتابعة أخلاق النبي ﷺ في الرفق بالرعية، والشفقة عليهم وإكرامه لآثار النبي ﷺ ، وكل ناصح للسلطان موافق على هذا الذي كتبناه. وأما ما ذكر في الجواب من كوننا لم ننكر على الكفار كيف كانوا في البلاد؛ فكيف يقاس ملوك الإسلام، وأهل الإيمان والقرآن بطغاة الكفار! وبأي شيء كنا نذكر طغاة الكفار، وهم لا يعتقدون شيئًا من ديننا! وأما تهديد الرعية بسبب نصيحتنا وتهديد طائفة العلماء؛ فليس هذا المرجو من عدل السلطان حلمه؛ وأي حيلة لضعفاء المسلمين الناصحين نصيحة للسلطان ولهم، ولا علم لهم به! وكيف يؤاخذون به لو كان فيه ما يلام عليه! وأما أنا في نفسي فلا يضرني التهديد، ولا أكثر منه، ولا يمنعني ذلك من نصيحة السلطان؛ فإني أعتقد أن هذا واجب علي وعلى غيري، وما ترتب على الواجب، فهو خير وزيادة عند الله تعالى، ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (١) ، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٢) ، وقد أمرنا رسول الله -

стр. 714

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن نقول الحق حيث ما كنا، وألا نخاف في الله لومة لائم، ونحن نحب السلطان في كل الأحوال، وما ينفعه في آخرته ودنياه، ويكون سببًا لدوام الخيرات له، ويبقى ذكره على ممر الأيام، ويخلد به في الجنة، ويجد نفسه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ (١) . وأما ما ذكر من تمهيد السلطان البلاد، وإدامته الجهاد، وفتوح الحصون، وقهر الأعداء؛ فهذا بحمد الله من الأمور الشائعة التي اشترك في العلم بها الخاصة والعامة، وطارت في أقطار الأرض، فلله الحمد، وثواب ذلك مدخر للسلطان إلى يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرًا، ولا حجة لنا عند الله تعالى إذا تركنا هذه النصيحة الواجبة علينا، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وكتب إلى الملك الظاهر لمَّا احتيط على أملاك دمشق: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) . وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (٣) ، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٤) . وقد أوجب الله على المكلفين نصيحة السلطان أعز الله أنصاره ونصيحة عامة المسلمين، ففي الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: $"الدين النصيحة لله وكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم"؛ ومن نصيحة السلطان وفقه الله تعالى لطاعته، وأولاه كرامته، أن ننهى إليه الأحكام إذا جرت على خلاف قواعد الإسلام، وأوجب الله تعالى الشفقة على الرعية، والاهتمام بالضعفة وإزالة الضرر عنهم، قال الله تعالى:

стр. 715

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) . وفي الحديث الصحيح: "إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم"، وقال ﷺ : "من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". وقال ﷺ : "من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم، فأرفق اللهم به، ومن عشق عليهم، فأشفق اللهم عليه"، وقال ﷺ : "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، وقال ﷺ : " إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن؛ الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم وما ولوا". وقد أنعم الله علينا وعلى سائر المسلمين بالسلطان أعز الله أنصاره، فقد أقامه لنصرة الدين، والذب عن المسلمين، وأذل الله الأعداء من جميع الطوائف، وفتح عليهم الفتوحات المشهورة في المدة اليسيرة، وأوقع الرعب منه في قلوب أعداء الدين وسائر الماردين، ومهد له البلاد والعباد، وقمع بسيفه أهل الزيغ والفساد، وأمده بالإعانة، واللطف والسداد، فلله الحمد على هذه النعم المتظاهرة، والخيرات المتكاثرة، ونسأل الله الكريم دوامها لنا وللمسلمين، وزيادتها في خير وعافية، آمين. وقد أوجب الله شكر نعمه، ووعد الزيادة للشاكرين، فقال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٢) . وقد لحق المسلمين بسبب هذه الحوطة على أملاكهم أنواع من الضرر لا يمكن التعبير عنها، وطلب منهم إثبات ما لا يلزمهم، فهذه الحوطة لا تحل عند أحد من علماء المسلمين، بل من في يده شيء فهو ملكه، لا يحل الاعتراض عليه، ولا يكلف بإثبات، وقد اشتهر من سيرة السلطان أنه يحب العمل بالشرع فيوصي نوابه، فهو أول (٣) من عمل به، والمسئول إطلاق الناس من هذه الحوطة، والإفراج عن جميعهم.

стр. 716

فأطلقهم أطلقك الله من كل مكروه، فهم ضعفة وفيهم الأيتام والأرامل والمساكين والضعفة والصالحون، وبهم تنصر وتغاث وترزق، وهم سكان الشام المبارك، جيران الأنبياء صلاة الله وسلامه عليهم، وسكان ديارهم، فلهم حرمات من جهات. ولو رأى السلطان ما يلحق الناس من الشدائد لاشتد حزنه عليهم، وأطلقهم في الحال، ولم يؤخرهم؛ ولكن لا تنهى إليه الأمور على جهتها. فبالله أغث المسلمين يغثك الله، وارفق بهم يرفق الله بك، وعجل لهم الإفراج قبل وقوع الأمطار وتلف غلاتهم، فإن غالبهم (١) ورثوا هذه الأملاك عن أسلافهم، ولا يمكنهم تحصيل كتب شراء وقد نهبت كتبهم، وإذا رفق السلطان بهم حصل له دعاء رسول الله ﷺ لمن رفق بأمته، ونصره على أعدائه، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (٢) ، ويتوفر له من رعيته الدعوات، وتظهر في مملكته البركات، ويبارك له في جميع ما يقصده من الخيرات، وفي الحديث عن رسول الله ﷺ قال: "من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". ونسأل الله الكريم، أن يوفق السلطان للسنن الحسنة التي يذكر بها إلى يوم القيامة، ويحميه من السنن السيئة. فهذه نصيحتنا الواجبة علينا للسلطان، ونرجو من فضل الله تعالى أن يلهمه فيها القبول. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتب إليه لما رسم بأن الفقيه لا يكون منزلا في أكثر من مدرسة واحدة: بسم الله الرحمن الرحيم، خدمة الشرع ينهون أن الله تعالى أمر بالتعاون على البر والتقوى، ونصيحة ولاة الأمور وعامة العلماء (٣) ، وأخذ على العلماء العهد، وتبليغ أحكام الدين ومناصحة المسلمين، وحث على تعظيم حرماته، وإعظام شعائر الدين، وإكرام

стр. 717

العلماء وأتباعهم. وقد بلغ الفقهاء أنه رسم في حقهم بأن يغيروا عن وظائفهم، ويقطعوا عن بعض مدارسهم، فتنكدت بذلك أحوالهم، وتضرروا بهذا التضييق عليهم، وهم محتاجون، ولهم عيال، وفيهم الصالحون "والمشتغلون بالعلوم، وإن كان فيهم طائفة لا يلحقون مراتب غيرهم؛ فهم منتسبون إلى العلم" (١) ويشاركون فيه. ولا يخفى مراتب أهل العلم، وثناء الله تعالى عليهم وبيانه مزيتهم على غيرهم، وأنهم ورثة الأنبياء صلوات الله عليهم؛ فإن الملائكة ﵈ تضع أجنحتها لهم، ويستغفر لهم كل شيء حتى الحوت في الماء. واللائق بالجناب العالي إكرام هذه الطائفة، والإحسان إليهم ومعاضدتهم، ورفع المكروهات عنهم، والنظر بما فيه من الرفق بهم، فقد ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "اللهم من ولي من أمور أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به". وروى أبو عيسى الترمذي بإسناده عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه، أنه كان يقول لطلبة العلم: مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ ، إن رسول الله ﷺ قال: "إن رجالًا يأتونكم يتفقهون، فاستوصوا بهم خيرًا". والمسئول ألا يغير على هذه الطائفة شيء، وتستجاب دعوتهم لهذه الدولة القاهرة، وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم"!. وقد أحاطت العلوم بما أجاب به الوزير نظام الملك حين أنكر عليه السلطان صرفه الأموال الكثيرة في جهة طلب العلم، فقال: أقمت لك جندًا لا ترد سهامهم بالأسحار؛ فاستصوب فعله، وساعده عليه. والله الكريم يوفق الجناب دائما لمرضاته، والمسارعة إلى طاعته والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 718

وقال بعضهم: لما خرج السلطان الظاهر بيبرس إلى قتال التتار بالشام، أخذ فتاوى العلماء بأنه يجور له أخذ مال من الرعية ليستنصر به على قتال العدو، فكتب له فقهاء الشام بذلك، فقال: هل بقي أحد؟ فقيل: نعم، بقي الشيخ محيي الدين النووي، فطلبه فحضر، فقال: اكتب خطك مع الفقهاء، فامتنع. فقال: ما سبب امتناعك؟ فقال: أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير بندقدار (١) ، وليس لك مال. ثم من الله عليك، وجعلك ملكًا. وسمعت أن عندك ألف مملوك، كل مملوك له حياصة من ذهب، وعندك مائتا جارية، لكل جارية حقٌّ من الحلي، فإذا أنفقت ذلك كله، وبقيت مماليك بالبنود الصوف بدلًا عن الحوائص، وبقيت الجواري بثيابهن دون الحلي، أفتيتك بأخذ المال من الرعية. فغضب الظاهر من كلامه، وقال: اخرج من بلدي -يعني دمشق- فقال: السمع والطاعة! وخرج إلى نوى، فقال الفقهاء: إن هذا من كبار علمائنا وصلحائنا، وممن يقتدى به، فأعده إلى دمشق، فرسم برجوعه. فامتنع الشيخ، وقال: لا أدخلها والظاهر بها. فمات الظاهر بعد شهر. قال الذهبي: كان الظاهر خليقًا بالملك (٢) ، لولا ما كان فيه من ظلم. قال: والله يرحمه ويغفر له؛ فإن له أيامًا بيضاء في الإسلام، ومواقف مشهودة وفتوحات معدودة. واستمر الملك الظاهر إلى أن مات يوم الخميس سابع عشري المحرم سنة ست وسبعين وستمائة بدمشق. وقام بعده في الملك ولده الملك السعيد ناصر الدين أبو المعالي محمد، وسنه ثماني عشرة سنة، وكان أبوه عقد له في حياته، ولقبه هذا اللقب، واستنابه على مصر أيام سفره،

стр. 719

فاستقل بالسلطنة من يوم موته، واستمر إلى سنة ثمان وسبعين، فاختلف عليه الأماء، وقاتلوه، فخلع نفسه من السلطنة، وأشهد على نفسه بذلك، وذلك في يوم سابع عشر ربيع الآخر. وأقيم مقامه (١) أخوه بدر الدين سلامش؛ ولقب الملك العادل، وعمره سبع سنين، وجعل أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون الصالحي الألفي -سمي بذلك؛ لأنه اشتري بألف دينار- وضربت السكة باسمه على وجه، وباسم أتابكه على وجه. ودعي لهما معا في الخطبة، فأقام إلى يوم الثلاثاء حادي عشر رجب من هذه السنة، فاجتمع الأمراء بالقلعة، وخلعوا العادل. قال صاحب السكردان: وهو السادس من دولة الأتراك؛ فإن أولهم المعز أيبك، وكل سادس من الخلفاء والملوك لا بد أنه يخلع. وأقاموا بعده قلاوون الصالحي، ففوض إليه الخليفة، ولقب الملك المنصور، وكتب له تقليد هذه صورته، من إنشاء القاضي محيي الدين عبد الظاهر: الحمد لله الذي جعل آية السيف ناسخة لكثير من الآيات، وناسخة لعقود أولي الشك والشبهات، الذي رفع بعض الخلق على بعض درجات، وأهل لأمور البلاد والعباد من جاءت خوارق تملكه بالذي إن لم يكن من المعجزات فمن الكرامات. ثم الحمد لله الذي جعل الخلافة العباسية بعد القطوب حسنة الابتسام، وبعد الشحوب جميلة الاتسام، وبعد التشريد لها دار سلام أعظم من دار السلام. والحمد لله على أن أشهدها مصارع أعدائها، وأحمد لها عواقب إعادة نصرتها وإبدائها، ورد شبيهتها بعد أن ظن كل أحد أن شعارها الأسود ما بقي منه إلا ما أصابته العيون في جفونها، والقلوب في سويدائها. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة يتلذذ بذكرها اللسان، وتتعطر بنفحاتها الأفواه والآذان، وتتلقاها ملائكة القبول فترفعها إلى أعلى مكان.

стр. 720

ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أكرمنا به وشرف لنا الأنساب، وأعزنا به حتى نزل فينا محكم الكتاب؛ صلى الله عليه وآله الذين انجاب الدين منهم عن أنجاب، ورضي الله عن صحابته الذين هم أعز صحاب؛ صلاة توفي قائلها أجره بغير حساب يوم الحساب. وبعد حمد الله على أن أحمد عواقب الأمور، وأظهر الإسلام سلطانا اشتدت به من الأمة الظهور، وشفيت الصدور، وأقام الخلافة العباسية في هذا الزمن المنصور، كما أقامها فيما مضى بالمنصور، واختار لإعلان دعوتها من يحيي معالمها بعد العفاء ورسومها بعد الدثور، وجمع لها الآن ما كان جمح عليها فيما قبل من خلاف كل ناجم، ومنحها ما كانت تبشرها به الملاحم، وأنفذ كلمتها في ممالك الدولة العلوية بخير سيف مشحوذ ماضي العزائم، ومازج بين طاعتهما في القلوب وذكرهما في اللسان؛ وكيف لا والمنصور هو الحاكم. وأخرج لحياطة الأمة المحمدية ملكا تنقسم البركات من يمينه، وتقسم السعادات بنور جبينه، ويقهر الأعداء بفتكاته، وتمهر عقائل العقائل بصفر راياته؛ ذي السعد الذي ما زال سعده يشف حتى ظهر، ومفخره يرف إلى أن بهر، وجوهره ينتقل من جيد إلى جيد حتى يملأ الجين، وسره يكمن في كل قلب حتى علم العلم اليقين. والحمد لله الذي جعل بنا تمكينه في الأرض بعد حين، فاختاره الله على علم، واصطفاه من بين عباده بما جبله الله عليه من كرم وشجاعة وحلم، وأتى الله به الأمة المحمدية في وقت الاحتياج غوثًا، وفي إبان الاستمطار غيثا (١) ، وفي حين عبث الأشبال في غير وقت الافتراش ليثًا، فوجب على كل من له في أعناق الأمة المحمدية بيعة الرضوان، وعند إيمانهم مصافحة الإيمان، ومن حيث وجبت باستحقاقه لميراث

стр. 721

منصب النبوة، ومن تصح به كل رسمية شرعية يؤخذ كتابها قوة، ومن هو خليفة الزمان والعصر، ومن بدعواته تنزل عليكم معاشر كماة المسلمين ملائكة النصر، ومن نسبه بنسب (١) نبيكم ﷺ منتسج، وحسبه بحسبه ممتزج -أن يفوض له ما فوض الله إليه من أمر الخلق، ليقوم عنه بفرض الجهاد والعمل بالحق، وأن يوليه ولاية شرعية تصح بها الأحكام، وتنضبط أمور الإسلام، وتأتي هذه العصبة الإسلامية يوم تأتي كل أمة بإمامها من طاعة خليفتها بخير إمام. وخرج أمر مولانا أمير المؤمنين شرفه الله أن يكون المقر العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري أجله الله ونصره، وأظفره وأقدره وأيده وأبده، كلما فوضه مولانا أمير المؤمنين من حكم في الوجود، وفي التهائم (٢) والنجود، وفي الجيوش والجنود، وفي الخزائن والمدائن، وفي الظواهر والبواطن، وفيما فتحه الله تعالى وفيما سيفتحه، وفيما فسد بالكفر والرجا من الله أن سيصلحه، وفي كل جود ومن وكل عطاء، وفي كل هبة وتمليك، وفي كل تفرد بالنظر في أمور المسلمين بغير شريك، وفي كل تعاهد ونبذ، وفي كل عطاء وأخذ، وفي كل عزل وتولية، وفي كل تسليم وتخلية، وفي كل إرفاق وإنفاق، وفي كل إنعام وإطلاق، وفي كل استرقاق وإعتاق، وفي كل تقليل وتكثير، وفي كل تأثيل وتأثير، وفي كل تقليد وتفويض، وفي كل تجديد وتعويض، وفي كل حمد وتقريض، ولاية تامة محكمة، منضدة منظمة، لا يعقبها نسخ من بين يديها ولا من خلفها، ولا يعتريها فسخ يطرأ عليها، يزيدها مر الليالي جدة يعقبها حسن شباب، ولا ينتهي عن الأعوام والأحقاب، ونعم تنتهي إلى ما نصبه الله تعالى للإرشاد، ومن سنة وكتاب؛ وذلك من شرع الله، أقامه للهداية علمًا، وجعله إلى اختيار الثواب سلمًا.

стр. 722

فالواجب أن يعمل بجزئيات أمره وكلياته، وألا يخرج أحد عن مقدماته. والعدل، فهو الغرس المثمر، والسحاب الممطر، والروض المزهر، وبه تنزل البركات، وتخلف الهبات، وتربو الصدقات، وبه عمارة الأرض، وبه تؤدى السنة والفرض؛ فمن زرع العدل اجتنى الخير، ومن أحسن كفي الضرر والضير. والظلم، فعاقبته وخيمة، وما يطول عمر الملك إلا بالمعدلة الرحيمة. والرعية، هم الوديعة عند أولي الأمر، فلا يختص منهم زيد دون عمرو. والأموال، فهي ذخائر العاقبة والمآل، فالواجب أن تؤخذ بحقها، وتنفق في مستحقها. والجهاد برًّا وبحرًا، فمن كنانة الله يفوق سهامه، وتؤرخ أيامه، وينتضى حسامه، وتجري منشآته في البحر كالأعلام وتنشر أعلامه، وفي عقر دار الحرب يحط ركابه، ويخط كتابه، وترسل أرسانه، وتجوس خلالها فرسانه، فيلزم منه دنيا ديدنا، ويستصحب منه فعلا حسنا. وجيوش الإسلام وكماته، وأمراؤه وحماته، فمنهم من قد علمت قدم هجرته، وعظم نصرته، وشدة بأسه، وقوة مراسه، وما منهم إلا من شهد الفتوحات والحروب، وأحسن في المحاماة عن الدين الدءوب، وهم بقايا الدول، وسجايا الملوك الأول، ولاسيما أولي السعي الناجح، والرأي الراجح، ومن له نسبة صالحية؛ فإذا فخروا بها قيل لهم: نعم السلف الصالح! فأوسعهم برًّا، وكن بهم برًّا، فهم مما يجب من خدمتك أعلم، وأنت بما يجب من حقهم أدرى. والحصون والثغور، فهي ذخائر الشدة، وخزائن العديد والعدة، ومقاعد القتال، وكنائن الرجا والرجال؛ فأحسن لها التحصين، وفوض أمرها إلى كل قوي أمين، وإلى كل ذي دين متين، وإلى كل ذي عقل رصين.

стр. 723

ونواب الممالك ونواب الأمصار، فأحسن لهم الاختيار، وأجمل لهم الاختبار، وتفقد لهم الأخبار. وأما ما سوى ذلك فهو داخل في حدود هذه الوصايا، ولولا أن الله تعالى أمر بالتذكير لكان ذلك سجايا المقر الأشرف السلطاني الملكي المنصور مكتفية بأنواره المضيئة الساطعة. وزمام كل صلاح يجب أن يشغل به جميع أوقاته، هو تقوى الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (١) ، فليكن ذلك نصب العين، وشغل القلب والشفتين. وأعداء الدين من أرمن وتتار، فأذقهم وبال أمرهم في كل إيراد وإصدار، وخذ للخلفاء العباسيين ولجميع المسلمين منهم الثار، واعلم أن الله ينصرك على ظلمهم وما للظالمين من أنصار. وأما غيرهم من مجاوريهم من المسلمين، فأحسن لهم باستنقاذك من العلاج، وطبهم باستصطلاحك فبالطب المنصوري والملكي ما زال يصلح المزاج، والله الموفق بمنه، وكرمه إن شاء الله تعالى. واستمر قلاوون في السلطنة، فكان له مشاهد حسنة، وفتوحات، فمنها طرابلس وقد كانت في أيدي الفرنج من سنة ثلاث وخمسمائة وإلى الآن. وهو الذي أحدث وظيفة كتابة السر، وأحدث اللعب بالرمح أيام إدارة المحمل وكسوة الكعبة، وغير ملابس الدولة عما كانوا عليه في دولة بني أيوب. قال الصلاح الصفدي: كان الجند يلبسون فيما تقدم كلوتات (٢) صفر مضربة

стр. 724

بكلبندات (١) بغير شاشات، وشعورهم مضفورة دبابيق في أكياس حرير ملونة، وفي خواصرهم موضع الحوائص بنود ملونة، وأكمام أقبيتهم ضيقة وأخفافهم برغالي، ومن فوق قماشهم بحلق وإبزيم (٢) وجلواز كبير، يسع نصف ويبة أو كثر؛ فأبطل المنصور ذلك كله بأحسن منه؛ وأقام في السلطنة إلى أن توفي يوم السبت سادس ذي القعدة سنة تسع وثمانين. وأقيم بعده ولده الملك الأشرف صلاح الدين خليل، فلما كان يوم الجمعة رابع عشر شوال سنة تسعين، سأل الشرف الخليفة الحاكم بأمر الله، أن يخطب بنفسه الناس، وأن يذكر في خطبته أنه قد ولى السلطنة الأشرف خليل بن المنصور، فلبس الخليفة خلعة سوداء، وخطب الناس بجامع القلعة، ورسم لقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة من ثم أن يخطب بالقلعة عند السلطان، فخطب يوم الجمعة التي خطب فيها الخليفة، واستمر يخطب ويستنيب في الجامع الأزهر، ثم أمر الأشرف بقراءة ختمة عند قبر الملك المنصور في ليلة الاثنين رابع ذي القعدة، فحضرها القضاة والأمراء والأعيان، ونزل السلطان ومعه الخليفة إليهم وقت السحر، وخطب الخليفة بعد الختمة خطبة بليغة، حرض الناس فيها على غزو بلاد العراق، واستنقاذها من أيدي التتار، واستمر الأشرف في السلطنة إلى أن قتل بتروجة (٣) في ثالث المحرم سنة ثلاث وتسعين، ونقل فدفن في مدرسته التي أنشأها بالقرب من السيدة نفيسة، وقال ابن حبيب يرثيه: تبا لأقوام لمالك رقهم ... قتلوا وما رقوا لحالة مترف وافوه غدرا ثم صالوا جملة ... بالمشرفي على المليك الأشرف

стр. 725

وأقيم أخوه ناصر الدين أبو الفتوح محمد، ولقب الملك الناصر، وعمره يومئذ تسع سنين، واستمر إلى حادي عشر المحرم سنة أربع وتسعين، فخلع. وتسلطن زين الدين كتبغا المنصوري من سبي التتار ولقب الملك العادل، فأقام إلى صفر سنة ست وتسعين، فخلع وتسلطن حسام الدين لاجين المنصوري، وشق القاهرة، وعليه الخلعة الخليفية، والأمراء بين يديه مشاة، وجاء في تلك السنة غيث عظيم، بعد ما كان تأخر، فقال الوادعي في ذلك: يا أيها العالم بشراكم ... بدولة المنصور رب الفخار فالله قد بارك فيها لكم ... فأمطر الليل وأضحى النهار إلى أن قتل ليلة الجمعة حادي عشر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين، وأعيد الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان منفيًّا بالكرك، فأحضر، وقلده الخليفة يوم السبت رابع جمادى الأولى، وشق القاهرة وعليه خلعة الخليفة، والجيش مشاة بين يديه، فأقام إلى سنة ثمان وسبعمائة، فخرج في رمضان قاصدًا الحج، فاجتاز بالكرك، فأقام بها، ثم كتب كتابا إلى الديار المصرية، يتضمن عزل نفسه عن المملكة، فأثبت ذلك على القضاة بمصر، ثم نفذ على قضاة الشام. وأقيم في السلطنة الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوري، وذلك يوم السبت الثالث والعشرين من شوال، ورقب الملك المظفر، وقلده الخليفة، وألبسه الخلعة السوداء والعمامة المدورة، وركب بذلك وشق القاهرة، والدولة بين يديه والصاحب ضياء الدين النشائي حامل التقليد من جهة الخليفة في كيس أطلس أسود وأوله: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم. ثم نفذ التقليد إلى الشام، فقرئ هناك، ثم عاد الملك الناصر من الكرك طالبًا عوده إلى ملكه، وبايعه على ذلك جماعة من الأمراء، فبلغ ذلك المظفر بيبرس، فاستدعى بالشيخ زين الدين بن المرحل وبالشيخ شمس الدين بن عدلان، واستشارهما، فأشارا عليه

стр. 726

بتجديد العهد من الخليفة وتخليف الأمراء ففعل ذلك، وكتب له عهد من الخليفة، صورته: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله وخليفة رسول الله ﷺ أبي الربيع سليمان العباسي لأمراء المسلمين وجيوشها، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) . وإني رضيت لكم بعبد الله تعالى الملك المظفر ركن الدين بيبرس نائبا عني لملك الديار المصرية والبلاد الشامية، وأقمته مقام نفسي لدينه وكفايته وأهليته، ورضيته للمؤمنين، وعزلت من كان قبله، بعد علمي بنزوله عن الملك، ورأيت ذلك متعينًا عليّ، وحكمت بذلك الحكام الأربع. واعلموا رحمكم الله أن الملك عقيم ليس بالوراثة لأحد خالف عن سالف، ولا كابر عن كابر، وقد استخرت الله تعالى ووليت عليكم الملك المظفر، فمن أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى أبا القاسم ابن عمي ﷺ . وبلغني أن الملك الناصر ابن السلطان الملك المنصور شق العصا على المسلمين، وفرق كلمتهم، وأطمع عدوهم فيهم، وعرض البلاد الشامية والمصرية إلى سبي الحريم والأولاد، وسك الدماء، فتلك دماء قد صانها الله تعالى من ذلك، وأنا خارج إليه ومحاربه إن استمر على ذلك، وأدافع عن حريم المسلمين وأنفسهم، وأولادهم بهؤلاء الأمراء والجيش العظيم، وأقاتله حتى يفيء إلى أمر الله. وقد أوجبت عليكم يا معاشر المسلمين كافة الخروج تحت لوائي، اللواء الشريف، فقد أجمعت الحكام على وجوب دفعه وقتاله عن استمر على ذلك، وأنا أستصحب معي الملك المظفر، فجهزوا أرواحكم. والسلام. وقرئ هذا العهد على منابر الجوامع بالقاهرة، وأما الناصر فإنه سار من الكرك بمن معه في أول شعبان سنة ثمان وسبعمائة، فأتى دمشق فانتظم أمره، ثم توجه إلى مصر، فلما بلغ ذلك المظفر بيبرس، أخذ جميع ما في الخزائن من الأموال، وتوجه إلى جهة أسوان،

стр. 727

فدخل الناصر إلى مصر يوم عيد الفطر، وصعد القلعة، وجلس على سرير الملك، وحلقت له العساكر، ثم وجه إلى المظفر من أحضره واعتقله، ثم خنقه في خامس عشر شوال. وقال العلاء الوداعي في عود الناصر إلى ملكه: الملك الناصر قد أقبلت ... دولته مشرقة الشمس عاد إلى كرسيه مثل ما ... عاد سليمان إلى الكرسي وقال الصلاح الصفدي: تثني عطف مصر حين وافى ... قدوم الناصر الملك الخبير فذل الجشنكير بلا لقاء ... وأمسى وهو ذو جأش نكير إذا لم تعضد الأقدار شخصًا ... فأول ما يراع من النصير وشرع يعاتب الناس في أمره، فقال للخليفة: هل أنا خارجي وبيبرس من سلالة بني العباس! وقال للقاضي علاء الدين بن عبد الظاهر: وكان هو الذي كتب عهد المظفر عن الخليفة: يا أسود الوجه. وقال للقاضي بدر الدين بن جماعة: كيف تفتي المسلمين بقتالي! فقال: معاذ الله، أن تكون الفتوى كذلك! وإنما الفتوى على مقتضى كلام المستفتي. ثم عزله عن القضاء، وعزل القاضيين: شمس الدين السروجي الحنفي والحنبلي، وأبقى المالكي، لكونه كان وصيًّا عليه من جهة أبيه قلاوون. وقال للشيخ صدر الدين بن المرحل: كيف تقول في قصيدتك: ما للصبي وما للملك يكفله ... شأن الصبي بغير الملك مألوف! فخلف ابن المرحل ما قال هذا، وإنما الأعداء زادوا هذا البيت في القصيدة، والعفو من شيم الملوك؛ فعفا عنه.

стр. 728

وجاء الشيخ شمس الدين بن عدلان يستأذن، فقال الناصر للدوادار (١) : قل له: أنت أفتيت أنه خارجي، وقتاله جائز، ما لك عندي دخول! ولكن عرفه أنه وابن المرحل بكفهما ما قال الشارمساحي في حقهما، وكان الأديب أحمد بن عبد الدائم الشارمساحي الماجن قال: ولي المظفر لما فاته الظفر ... وناصر الحق وافى وهو منتصر وقد طوى الله من بين الورى فتنا ... كادت على عصبة الإسلام تنتشر فقل لبيبرس إن الدهر ألبسه ... أثواب عارية في طولها قصر لما تولى تولى الخبر عن أمم ... لم يحمدوا أمره فيها ولا شكروا وكيف تمشي به الأحوال في زمن ... لا النيل أوفى، ولا وافاهم مطر ومن يقوم ابن عدلان بنصرته ... وابن المرحل قل لي: كيف ينتصر! وكان النيل لم يوف سنة تولى المظفر، وارتفع السعر. قلت: الكل مظلمون مع الناصر، فإنهم أفتوا بالحق، ولكن جبروت وظلم وعسف، وشوكة وصبًا وجهل، فمن يخاطب الإنسان! واستمر الناصر في السلطنة بلا منازع، فحج خفيفا في سنة اثنتي عشرة من طريق الكرك، وعاد إلى دمشق، ثم حج من القاهرة سنة تسع عشرة ومعه قاضي القضاة البدر ابن جماعة، والأمراء وغالب أرباب الدولة، وكان خروجه في سادس ذي القعدة، وأبطل في هذه السنة مكوس الحرمين، وعوض أميري مكة والمدينة عنها إقطاعات بمصر والشام، ومهد ما كان في عقبة إيلياء من الصخور، ووسع طريقها. واتفق في هذه السنة أن كريم الدين ناظر الخاص حضر إلباس الكعبة الكسوة، فصعد الكعبة، وجلس على العتبة يشرف على الخياطين، فأنكر الناس استعلاءه على

стр. 729

الطائفين، فسقط لوقته على رأسه، وصرخ الناس صرخة عظيمة تعجبا من ظهور قدرة الله، وانقطع ظهره، ولولا تداركه من تحته لهلك؛ وعلم بذنبه، فتصدق بمال جزيل. ثم حج الناصر حجة ثالثة في سنة اثنتين وثلاثين، وهو الذي حفر الخليج الناصري الداخل من قنطرة قديدار (١) ، وعزم على أن يجري النيل تحت القلعة، ويشق له من ناحية حلوان، فثبطه عن ذلك فخر الدين ناظر الجيش، وقال: إنه يحتاج إلى ثلاث خزائن من المال، ولا يدري: هل يصح أو لا! فرجع عنه. واستمر الناصر إلى أن مات يوم الأربعاء عاشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين. وهو أطول ملوك الترك مدة. وأقيم بعده ولده سيف الدين أبو بكر، ولقب الملك المنصور، فأقام دون الشهرين، ثم خلع في يوم الأحد العشرين من صفر سنة اثنتين وأربعين، ونفي هو وأخوته إلى قوص، وتهتكت حريم أبيه الناصر، وكثر البكاء والعويل بالقاهرة. وكان يومًا من أشنع الأيام، ثم قتل بقوص، وأقيم بعده أخوه علاء الدين كحك ولقب الملك الأشرف، وعمره دون ست سنين، فقال بعض الشعراء في ذلك: سلطاننا اليوم طفل والأكابر في ... خلف وبينهم الشيطان قد نزغا فكيف يطمع من تغشاه مظلمة ... أن يبلغ السؤل والسلطان ما بلغا فأقام خمسة أشهر، ثم خلع في أول شعبان، واعتقل بالقلعة إلى أن مات سنة ست وأربعين، قال صاحب السكردان: والله أعلم كيف موته (٢) . وأقيم أخوه شهاب الدين أحمد ولقب الملك الناصر، وكان قدم من الكرك، وكان

стр. 730

الذي عقد المبايعة بينه وبين الخليفة الشيخ تقي الدين السبكي، وقد حضر من الشام إلى مصر، قال في السكردان: فأقام في الملك بمصر أربعين يوما، ثم رجع إلى الكرك، ولم يزل هناك حتى خلع يوم الخميس ثاني عشر المحرم سنة ثلاث وأربعين، ثم قتل في أول (١) سنة خمس وأربعين، وأقيم بعده أخوه عماد الدين إسماعيل، ولقب الملك الصالح، فأقام إلى أن مات في رابع ربيع الآخر سنة ست وأربعين وعمره نحو عشرين سنة (٢) . وقال الصلاح الصفدي يرثيه: مضى الصالح المرجو للباس والندى ... ومن لم يزل يلقى المنى بالمنائح فيا ملك مصر كيف حالك بعده ... إذا نحن أثنينا عليك بصالح وأقيم بعده أخوه زين الدين شعبان، ولقب الملك الكامل. وقال الجمال بن نباته في ذلك: طلعة سلطاننا تبدت ... بكامل السعد في الطلوع (٣) فاعجب لها منه كيف أبدت ... هلال شعبان في ربيع وقال أيضًا: شعبان سلطاننا المرجى ... مبارك الطالع البديع يا بهجة البدر إذ تبدى ... هلال شعبان في ربيع فأقام سنة وأياما، ثم خلع في جمادى الأولى سنة سبع وأربعين، وسجن وقتل. وكان من شرار الملوك ظلمًا وعسفا وفسقا، فقال فيه الصلاح الصفدي: بيت قلاوون سعاداته ... في عاجل كانت وفي آجل حل على أملاكه للردى ... دين قد استوفاه بالكامل

стр. 731

وأقيم بعده أخوه زين الدين حاجي، ولقب الملك المظفر؛ فأقام سنة وثلاثة أشهر، ثم خلع في يوم الأحد ثاني عشر رمضان سنة ثمان وأربعين، وذبح من ساعته، وقال فيه الصلاح الصفدي: أيها العاقل اللبيب تفكر ... في المليك المظفر الضرغام كم تمادى في البغي والغي حتى ... كان بعث الحمام حد الحمام وقال أيضا: حان الردى للمظفر ... وفي التراب تعفر كم قد أباد أميرًا ... على المعالي توفر وقاتل النفس ظلمًا ... ذنوبه ما تكفر وأقيم بعده أخوه ناصر الدين أبو المحاسن حسن؛ ولقب الملك الناصر، وعمره يومئذ إحدى عشرة سنة؛ فأقام إلى أن خلع في جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين، وسجن بالقلعة، وأقيم بعده أخوه صالح، ولقب الملك الناصح، وجعل شيخو أتابكه (١) فأقام إلى أن خلع في شوال سنة خمس وخمسين، وحبس بالقلعة، وأعيد الناصر حسن، فأقام إلى أن قتل ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة اثنتين وستين، وأقيم بعده ابن أخيه ناصر الدين أبو المعالي محمد بن المظفر حاجي، ولقب الملك المنصور، فأقام إلى أن خلع في شعبان سنة أربع وستين وسجن بالقلعة إلى ان مات سنة إحدى وثمانين، وأقيم بعده ابن عمه أبو المفاخر شعبان بن الأمير حسين بن الملك الناصر محمد بن قلاوون، ولقب الملك الأشرف وعمره يومئذ عشر سنين، واستقر أتابكه يلبغا العمري. ثم إن يلبغا قتل بأيدي مماليكه في سنة ثمان وستين، وكان ساكنا بالكبش، فقال فيه بعض الشعراء:

стр. 732

بدا شقا يلبغا وعدت ... عداه في سفنه إليه والكبش لم يفده وأضحت ... تنوح غربانه عليه وأقيم أسندمر الناصر أتابكا، فاتفقت معه مماليك يلبغا، فركبوا على الأشرف فهزموا، ونصر الأشرف، وقال بعض الشعراء في ذلك: هلال شعبان جهرًا لاح في صفر ... بالنصر حتى أرى عيدا بشعبان وأهل كبش كأهل الفيل قد أخذوا ... رغما وما انتطحت في الكبش شاتان ثم أقيم الجائي اليوسفي أتابكا وهو زوج أم الأشرف، فاتفق موت أم الأشرف، فقال شهاب الدين السعدي متفائلا بالجائي: في مستهل العشر من ذي الحجة ... كانت صبيحة موت أم الأشرف فالله يرحمها ويعظم أجره ... ويكون في عاشور موت اليوسفي فأتفق أن وقع الأمر كذلك، ركب الجائي على الأشرف في سابع المحرم، فكسر وطلب يوم الثامن، فساق حتى أرمى نفسه في البحر، فغرق، ثم أخرجه الغواصون ودفن في تاسع المحرم. ثم إن الأشرف تأهب للحج، وسافر في شوال ثمان وسبعين، وصحبه الخليفة والقضاة والأمراء، فلما وصل إلى العقبة، ركب عليه من معه من الأمراء والجند، فانكسر السلطان، ورجع هاربا إلى مصر، فاختفى بها. قال الحافظ ابن حجر: أخبر الشيخ بدر الدين السلسولي أحد علماء المالكية وصلحائهم، أنه رأى النبي ﷺ لما تجهز الأشرف للحج، وعمر يقول له: شعبان بن حسين يريد أن يجيء إلينا، فقال: لا ما يأتينا أبدا! فلم يلبث الأشرف أن رجع من العقبة. قال ابن حجر: وعرض طشتمر على الخليفة أن يتسلطن، فامتنع وقال: بل اختاروا

стр. 733

من شئتم، وأنا أوليه، ورجع هو والقضاة إلى مصر. ثم إنهم ظفروا بالأشرف، فخنقوه وأقيم بعده ولده علاء الدين علي وهو صبي، ولقب الملك المنصور، فأقام إلى أن مات في صفر سنة ثلاث وثمانين، وعمره يوم مات اثنتا عشرة سنة. وكان التدبير في أيامه لا ينبك البدري، ثم لقرطاي، ثم لبرقوق. وأقيم بعده أخوه صلاح الدين حاجي بن الأشرف شعبان، ولقب الملك الصالح، وسنة حينئذ تسع سنين، ثم خلع في رمضان سنة أربع وثمانين، وأقيم في السلطنة سيف الدين أبو سعيد برقوق بن أنص؛ ولقب الملك الظاهر؛ وهو أول السلاطين من الجراكسة، وليس فيهم من تسلطن وأبوه مسلم غيره؛ فإن أباه قدم إلى الديار المصرية، فأسلم ومات قبل سلطنة ولده بشهر. وكان الذي أشار بتلقيب برقوق بالظاهر شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني؛ فإن ولايته كانت وقت الظهر، وخطب الخليفة قبل أن يفوض إليه خطبة بليغة، ثم قلده بحضرة البلقيني والقضاة، واستمر في السلطنة إلى ثالث جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين، فخلع وسجن بالكرك، وأعيد حاجي إلى السلطنة، ولقب الملك المنصور، فأقام إلى صفر سنة اثنتين وتسعين وخلع، وعاد برقوق إلى السلطنة، فاستمر إلى أن مات في شوال سنة إحدى وثمانمائة، وأقيم بعده ولده زين الدين أبو السعادات فرج، ولقب الملك الناصر، وقال بعض الشعراء في ولايته: مضى الظاهر السلطان أكرم مالك ... إلى ربه يرقى إلى الخلد في الدرج وقالوا ستأتي شدة بعد موته ... فأكذبهم ربي وماجا سوى فرج فأقام إلى سادس ربيع الأول سنة ثمان وثمانمائة، فخلع وأقيم أخوه عبد العزيز، ولقب الملك المنصور، ثم خلع في رابع جمادى الآخرة من السنة، وأعيد الناصر فرج، فأقام إلى أن خرج عليه شيخ المحمودي، وقاتله وحصره، وظفر به وحكم ابن العديم

стр. 734

بسفك دمه وقتل بسيف الشرع؛ وذلك في المحرم سنة خمس عشرة وثمانمائة، وأقيم الخليفة المستعين بالله أبو النصر العباسي سلطانًا مستقلًّا بالأمر، وحلف له الأمراء على الوفاء ولم يتغير لقبه، فأقام يتصرف بالولاية والعزل وغيرهما، ثم سأله شيخ أن يفوض إليه السلطنة على العادة، فأجابه إلى ذلك في شعبان من السنة، وبقيت الخلافة باسمه، واستقر شيخ في السلطنة، ولقب الملك المؤيد، وكان من خيار الملوك. ترجمه الحافظ ابن حجر في معجمه وأثنى عليه، وقال: أين مثله؟ بل أين أين مثله! وكان معه إجازة بصحيح البخاري من شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، فكانت لا تفارقه سفرًا ولا حضرا، وأقام إلى أن توفي في ثامن محرم سنة أربع وعشرين، وأقيم بعده ولده أحمد، ولقب الملك المظفر، وعمره يومئذ سنتان. وجعل ططر مدبر المملكة، ولقب نظام الملك، فلما كان سلخ شعبان من السنة خلع من الملك لصغره، وأقيم ططر، ولقب الملك الظاهر، فأقام إلى أن مات في سادس ذي الحجة من السنة. وأقيم بعد ططر ولده محمد ولقب الملك الصالح، وجعل برسباي نظام الملك، فلمَّا كان في ثامن ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وأقيم برسباي، ولقب الملك الأشرف، فأقام إلى أن مات في ذي الحجة سنة إحدى وأربعين. وأقيم ولده يوسف، ولقب الملك العزيز، وجعل جمقمق نظام الملك، فلما كان في سنة اثنتين وأربعين خلع وأقيم جمقمق، ولقب الملك الظاهر، فأقام إلى أن مات سنة سبع وخمسين. وأقيم ولده عثمان، ولقب الملك المنصور، فمكث شهرا ونصفا، ثم خلع في ربيع الأول، وأقيم إينال العلائي؛ ولقب الملك الأشرف، فأقام إلى أن مات في جمادى الأولى سنة خمس وستين.

стр. 735

وأقيم ولده أحمد ولقب الملك المؤيد ثم خلع في رمضان من السنة، وأقيم خشقدم الناصري، ولقب الملك الظاهر، فأقام إلى أن مات في ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين. وأقيم قايتباي العلائي، ولقب الملك الظاهر، فأقام نحو شهرين وخلع، وأقيم تمربغا، ولقب الملك الظاهر، فأقيم أيضًا نحو شهرين، وخلع في رجب. وأقيم سلطان العصر الملك الأشرف قايتباي المحمودي، فأقام إلى أن مات ليلة الاثنين ثاني عشر ذي القعدة سنة إحدى وتسعمائة. وأقيم ولده محمد، ولقب الملك الناصر أبو السعادات محمد (١) . وقد نظم بعضهم أسماء بعض السلاطين في أرجوزة، وهو حمزة بن علي الحسني مذيلا على أرجوزة الجزار عقب ذكر الملك الظاهر، فقال: ثم تولى الملك السعيد ... وكل يوم في ذراه عيد ثم أخوه العادل استقلا ... بالملك أياما بها وولى

стр. 736

ثم تولى الملك المنصور ... ومن جرى بنصره المقدور ثم تولاها المليك الأشرف ... ومن غدا بكل جود يعرف ثم تولاها المليك الناصر ... وما له في نصره موازر ثم الأمير كتبغاء العادل ... وما جرى في وقته فسائل وبعده لاجين المنصور ... ودولة بلاؤها مشهور ثم بها الناصر عاد ثانيه ... ولم ينل في ملكه أمانيه ثم حوى الأمر بها المظفر ... ليقض أمر ربنا المقدر ثم بها الناصر عاد ثالثه ... ونجله المنصور كان وارثه وبعده الأشرف وهو يافع ... فلا ممانع ولا مدافع ثم تولى الناصر بن الناصر ... وبعده الصالح ذو المماكر أعني أبا الفداء إسماعيلا ... طائره أضحى به جميلا هذا آخر ما نظمه، وقد ذيلت عليه فقلت: وبعده شعبان وهو الكامل ... وبعده المظفر المماحل وبعده الناصر واسمه حسن ... وبعده الصالح في البرج سجن ثم أعيد حسن وبعده ... محمد المنصور أوهي عهده وبعده شعبان وهو الأشرف ... وهو ابن عشر أمره مستضعف وبعده المنصور واسمه علي ... وبعده الصالح حاجي قد ولي وبعده برقوق وهو الظاهر ... ثم أعيد الصالح المنافر ولقبوه الملك المنصورا ... ثم أعادوا الظاهر المذكورا وبعده الناصر واسمه فرج ... وبعده عبد العزيز قد خرج ولقب المنصور ثم أمسكا ... وأحضر الناصر حتى ملكا

стр. 737

وبعد هذا بويع الخليفه ... ذو الرتبة العالية المنيفه المستعين الأعظم العباس ... فاستوثق الأمر وسر الناس وبعد هذا ملك المؤيد ... شيخ وبعده المظفر أحمد وبعده الظاهر واسمه ططر ... ثم ابنه الصالح لما أن غبر ثم برسباي وذاك الأشرف ... ثم ابنه الملك العزيز يوسف وبعده الظاهر وهو جقمق ... ثم ابنه المنصور ثم أطلقوا وبعده إينال وهو الأشرف ... ثم ابنه المؤيد المنصرف وبعده خشقدم ليث الوغى ... وبعد يلباي أتى تمربغَا والكل بالظاهر رسما يوصف ... وبعدهم جاء المليك الأشرف أقام في الملك ثلاثين سوى ... سبع شهور وحوى ما قد حوى وسلطنوا ولده محمدا ... ولقب الناصر رغمًا للعدا

стр. 738

ذكر الفرق بين الخلافة والملك والسلطنة من حيث الشرع: قال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب، عن زادان، عن سلمان أن عمر بن الخطاب، قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال: له سلمان إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهمًا أو أقل أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة، فاستعبر عمر. وقال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد العزيز بن الحارث، عن أبيه سفيان بن أبي العوجاء، قال: قال عمر بن الخطاب: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكا، فهذا أمر عظيم، قال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقًا، قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقًّا ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس، فيأخذ من هذا، ولا يعطي هذا. فسكت عمر. ذكر من يطلق عليه السلطنة من حيث المصطلح: قال ابن فضل الله في المسالك: ذكر علي بن سعيد أن الاصطلاح ألا تطلق هذه التسمية إلا على من يكون في ولايته ملوك، فيكون ملك الملوك فيملك، مثل مصر، أو مثل الشام، أو مثل أفريقية، أو مثل الأندلس، ويكون عسكره عشرة آلاف فارس أو نحوها، فإن زاد بلادا أو عددا في الجيش، كان أعظم في السلطنة. وجاز أن يطلق عليه السلطان الأعظم، فإن خطب له في مثل مصر والشام والجزيرة، ومثل خراسان

стр. 739

وعراق العجم وفارس، ومثل إفريقية والمغرب الأوسط والأندلس، كان سمته سلطان السلاطين كالسلجوقية. ذكر ما يلقب به ملك مصر: قال الكندي: قال تعالى حكاية عن اخوة يوسف: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ (١) فحكى أن اسم ملكها العزيز، وذكر جماعة من المفسرين أن فرعون لقب لكل من ولي مصر، ولعل هذا خاص بملوك الكفر.

стр. 740

ذكر جلوس السلطان في دار العدل للمظالم: قال ابن فضل الله: إذا جلس السلطان للمظالم، جلس عن يمينه قضاة القضاة من المذاهب الأربعة، الوكيل عن بيت المال، ثم الناظر في الحسبة، ويجلس عن يساره كاتب السر، وقدامه ناظر الجيش وجماعة الموقعين تكملة حلقة دائرة، وإن كان ثم وزير من أرباب الأقلام كان بينه وبين كاتب السر، وإن كان الوزير من أرباب السيوف كان واقفًا على بعد، مع بقية أرباب الوظائف، ويقف من وراء السلطان صفان عن يمينه ويساره من السلاح دائرة، والجمدارية (١) والخاصكية (٢) ، ويجلس على بعد تقديره خمسة عشر ذراعا من يمنة ويسرة، ذوو السن من أكابر أمراء المؤمنين، وهم أمراء المشورة، ويليهم من دونهم من أكابر الأمراء وأرباب الوظائف وقوفا وبقية الأمراء وقوف من وراء أمراء المشورة، ويقف خلف هذه الحلقة المحيطة بالسلطان الحجاب والدوادارية (٣) ، لإحضار قصص الناس وإحضار المساكين، وتقرأ عليه فما احتاج إلى مراجعة القضاة راجعهم فيه، وما كان متعلقًا بالعسكر تحدث مع الخاص وكاتب السر فيه. قال: وهذا الجلوس يكون يوم الاثنين ويوم الخميس، إلا أن القضاة وكاتب السر لا يحضرون يوم الخميس. قال: ومن عادته إذا ركب يوم العيدين ويوم دخول المدينة يركب، وعلى
следующие страницы →