← История

История · id 3283

حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة

الجلال السيوطي

Полный текст (1 061 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ثم تولى الملك المنصور ... ومن جرى بنصره المقدور ثم تولاها المليك الأشرف ... ومن غدا بكل جود يعرف ثم تولاها المليك الناصر ... وما له في نصره موازر ثم الأمير كتبغاء العادل ... وما جرى في وقته فسائل وبعده لاجين المنصور ... ودولة بلاؤها مشهور ثم بها الناصر عاد ثانيه ... ولم ينل في ملكه أمانيه ثم حوى الأمر بها المظفر ... ليقض أمر ربنا المقدر ثم بها الناصر عاد ثالثه ... ونجله المنصور كان وارثه وبعده الأشرف وهو يافع ... فلا ممانع ولا مدافع ثم تولى الناصر بن الناصر ... وبعده الصالح ذو المماكر أعني أبا الفداء إسماعيلا ... طائره أضحى به جميلا هذا آخر ما نظمه، وقد ذيلت عليه فقلت: وبعده شعبان وهو الكامل ... وبعده المظفر المماحل وبعده الناصر واسمه حسن ... وبعده الصالح في البرج سجن ثم أعيد حسن وبعده ... محمد المنصور أوهي عهده وبعده شعبان وهو الأشرف ... وهو ابن عشر أمره مستضعف وبعده المنصور واسمه علي ... وبعده الصالح حاجي قد ولي وبعده برقوق وهو الظاهر ... ثم أعيد الصالح المنافر ولقبوه الملك المنصورا ... ثم أعادوا الظاهر المذكورا وبعده الناصر واسمه فرج ... وبعده عبد العزيز قد خرج ولقب المنصور ثم أمسكا ... وأحضر الناصر حتى ملكا

стр. 737

وبعد هذا بويع الخليفه ... ذو الرتبة العالية المنيفه المستعين الأعظم العباس ... فاستوثق الأمر وسر الناس وبعد هذا ملك المؤيد ... شيخ وبعده المظفر أحمد وبعده الظاهر واسمه ططر ... ثم ابنه الصالح لما أن غبر ثم برسباي وذاك الأشرف ... ثم ابنه الملك العزيز يوسف وبعده الظاهر وهو جقمق ... ثم ابنه المنصور ثم أطلقوا وبعده إينال وهو الأشرف ... ثم ابنه المؤيد المنصرف وبعده خشقدم ليث الوغى ... وبعد يلباي أتى تمربغَا والكل بالظاهر رسما يوصف ... وبعدهم جاء المليك الأشرف أقام في الملك ثلاثين سوى ... سبع شهور وحوى ما قد حوى وسلطنوا ولده محمدا ... ولقب الناصر رغمًا للعدا

стр. 738

ذكر الفرق بين الخلافة والملك والسلطنة من حيث الشرع: قال ابن سعد في الطبقات: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني قيس بن الربيع، عن عطاء بن السائب، عن زادان، عن سلمان أن عمر بن الخطاب، قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال: له سلمان إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهمًا أو أقل أو أكثر، ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة، فاستعبر عمر. وقال: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد العزيز بن الحارث، عن أبيه سفيان بن أبي العوجاء، قال: قال عمر بن الخطاب: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكا، فهذا أمر عظيم، قال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقًا، قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقًّا ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس، فيأخذ من هذا، ولا يعطي هذا. فسكت عمر. ذكر من يطلق عليه السلطنة من حيث المصطلح: قال ابن فضل الله في المسالك: ذكر علي بن سعيد أن الاصطلاح ألا تطلق هذه التسمية إلا على من يكون في ولايته ملوك، فيكون ملك الملوك فيملك، مثل مصر، أو مثل الشام، أو مثل أفريقية، أو مثل الأندلس، ويكون عسكره عشرة آلاف فارس أو نحوها، فإن زاد بلادا أو عددا في الجيش، كان أعظم في السلطنة. وجاز أن يطلق عليه السلطان الأعظم، فإن خطب له في مثل مصر والشام والجزيرة، ومثل خراسان

стр. 739

وعراق العجم وفارس، ومثل إفريقية والمغرب الأوسط والأندلس، كان سمته سلطان السلاطين كالسلجوقية. ذكر ما يلقب به ملك مصر: قال الكندي: قال تعالى حكاية عن اخوة يوسف: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ (١) فحكى أن اسم ملكها العزيز، وذكر جماعة من المفسرين أن فرعون لقب لكل من ولي مصر، ولعل هذا خاص بملوك الكفر.

стр. 740

ذكر جلوس السلطان في دار العدل للمظالم: قال ابن فضل الله: إذا جلس السلطان للمظالم، جلس عن يمينه قضاة القضاة من المذاهب الأربعة، الوكيل عن بيت المال، ثم الناظر في الحسبة، ويجلس عن يساره كاتب السر، وقدامه ناظر الجيش وجماعة الموقعين تكملة حلقة دائرة، وإن كان ثم وزير من أرباب الأقلام كان بينه وبين كاتب السر، وإن كان الوزير من أرباب السيوف كان واقفًا على بعد، مع بقية أرباب الوظائف، ويقف من وراء السلطان صفان عن يمينه ويساره من السلاح دائرة، والجمدارية (١) والخاصكية (٢) ، ويجلس على بعد تقديره خمسة عشر ذراعا من يمنة ويسرة، ذوو السن من أكابر أمراء المؤمنين، وهم أمراء المشورة، ويليهم من دونهم من أكابر الأمراء وأرباب الوظائف وقوفا وبقية الأمراء وقوف من وراء أمراء المشورة، ويقف خلف هذه الحلقة المحيطة بالسلطان الحجاب والدوادارية (٣) ، لإحضار قصص الناس وإحضار المساكين، وتقرأ عليه فما احتاج إلى مراجعة القضاة راجعهم فيه، وما كان متعلقًا بالعسكر تحدث مع الخاص وكاتب السر فيه. قال: وهذا الجلوس يكون يوم الاثنين ويوم الخميس، إلا أن القضاة وكاتب السر لا يحضرون يوم الخميس. قال: ومن عادته إذا ركب يوم العيدين ويوم دخول المدينة يركب، وعلى

стр. 741

رأسه العصائب السلطانية وهي صفر مطرزة بذهب بألقابه واسمه، وترفع المظلة على راسه، وهي قبة مغشاة بأطلس أصفر مزركش، عليها طائرة من فضة مذهبة، يحملها بعض أمراء المئين الأكابر، وهو راكب فرسه إلى جانبه، وأمامه الطبرداية (١) مشاة، وبأيديهم الأطبار. قلت: العصائب المذكورة حرام، وقد بطلت الآن ولله الحمد.

стр. 742

ذكر عساكر مملكة مصر: قال ابن فضل الله في المسالك: أما عساكر هذه المملكة، فمنهم من هو بحضرة السلطان، ومنهم من فرق في أقطار المملكة وبلادها، ومنهم سكان بادية كالعرب والتركمان، وجندها مختلط من أتراك وجركس وروم وأكراد وتركمان، وغالبهم من المماليك المبتاعين، وهم طبقات أكابرهم من له إمرة مائة فارس، وتقدمة ألف فارس، ومن هذا القبيل يكون أكابر النواب، وربما زاد بعضهم بالعشرة فوارس والعشرين. ثم أمراء الطبلخاناه، ومعظمهم من تكون له إمرة أربعين فارسا وقد يزيد إلى السبعين، ولا تكون الطبلخاناه لأقل من أربعين، ثم أمراء العشرات، ومنهم من كان يكون له عشرون فارسًا، ولا يعد إلا في أمراء العشرات، ثم جند الحلقة، وهؤلاء لكل أربعين نفرا، منهم مقدم ليس له حكم عليهم إلا خرج العسكر، كانت مرافقتهم معه، وتربيتهم في موقفهم إليه، ويبلغ بمصر إقطاع بعض أكابر الأمراء المئين المقربين من السلطان مائتي ألف دينار جيشه، وأما غيرهم فدون ذلك، ودون دونه إلى ثمانين ألف دينار وما حولها، وأما العشرات فنهايتها سبعة آلاف دينار إلى ما دون ذلك. وأما إقطاعات جند الخليفة، فمنه ما يبلغ ألفا وخمسمائة دينار، وما دون ذلك إلى مائتين وخمسين دينارًا. وأما إقطاعات أمراء الشام فعلى الثلاثين من مصر.

стр. 743

ذكر أرباب الوظائف في هذه المملكة: قال ابن فضل الله: الوظائف الكبار من ذوي السيوف: إمرة سلاح الدوادارية، الحجوبية، إمرة جاندار (١) الأستاذ دارية (٢) ، المهمندارية (٣) ، نقابة الجيوش. ومن ذوي الأقلام: الوزارة، كتابة السر، نظر الجيش، نظر الأموال، نظر الخزانة، نظر البيوت، نظر بيت المال، نظر الإسطبلات. ومن ذوي العلم: القضاة، الخطباء، وكالة بيت المال، الحسبة. قال: وكانت وظيفة تسمى نيابة السلطان، أبطلها الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان النائب أولا سلطانا مختصرا، وكان هو الذي يفرق الإقطاعات ويعين الإمرة والوظائف، ويتصرف التصرف المطلق في كل أمر، إلا في ولاية المناصب الجليلة، كالقضاء والوزارة وكتابة السر، لكن يعرض هو على السلطان من يصلح، وقل ألا يجاب، وكان يسمى كافل الممالك والسلطان الثاني. وأما الوزارة، فكان يليها من أرباب السيوف والأقلام على قدر ما يتفق، وكان الوزير النائب في المكانة. قال: وقد أبطل الناصر الوزارة أيضا، واستقل هو بما كان يفعله النائب والوزير، واستجد وظيفة يسمى مباشرها ناظر الخاص، أصل موضوعها أن يكون مباشرها متحدثا فيما هو خاص بمال السلطان يتحدث في مجموع الأمر الخاص بنفسه، وفي العام

стр. 744

يأخذ رأيه فيه، فيبقى بسبب ذلك كأنه الوزير لقربه من السلطان. وأول من ولي هذه الوظيفة كريم الدين عبد الكريم بن هبة الله بن السديد. وأما إمرة سلاح فموضوعها أن صاحبها مقدم السلاح دارية، والمتولي بحمل سلاح السلطان في المجامع الجامعة، وهو المتحدث في السلاح خاناه وتعلقاتها، وهو من أمراء المئين. والدوادارية موضوعها أن صاحبها يبلغ الرسائل عن السلطان، ويقدم القصص إليه، ويشاور على من يحضر إلى الباب، ويقدم البريد إذا حضر، ويأخذ خط السلطان على عموم المناشير والتواقيع والكتب. والحجوبية موضوعها أن صاحبها يقف بين الأمراء والجند، وهو المشار إليه في الباب بالقائم مقام البواب في كثير من الأمور. وإمرة جاندار صاحبها كالمتسلم للباب، وهو المتسلم للزردخاناه (١) ، ومن أراد السلطان قتله، كان على يد صاحب هذه الوظيفة. والأستاذدارية صاحبها إليه أمر بيوت السلطان كلها من المصالح والنفقات والكساوي، وما يجري مجرى ذلك، وهو من أمراء المئين. ونقابة الجيش صاحبها كأحد الحجاب الصغار، وله تحلية الجند في عرضهم، وإذا أمر السلطان بإحضار أحد، أو الترسيم عليه فهو صاحب ذلك. والولاية صاحبها هو صاحب الشرطة. وأما الوزارة فصاحبها ثاني السلطان إذا أنصف، وعرف حقه، ولكن في هذه المدد تقدمت عليها النيابة وتأخرت الوزارة وتقهقرت، فصار المتحدث فيها كناظر المال لا يتعدى الحديث في المال، ولا يتسع له في التصرف بحال، ولا يمد يده في الولاية والعزل كتطلع السلطان إلى الإحاطة بجزئيات الأحوال. ثم إن السلطان أبطل هذه الوظيفة، وعطل جيد الدولة من عقودها، وصار ما كان

стр. 745

إلى الوزير منقسما إلى ثلاثة: إلى ناظر المال أو شاد الدواوين، أمر تحصيل المال، وصرف النفقات والكلف، وإلى ناظر الخاص تدبير جملة الأمور، وتعيين المباشرين، وإلى كاتب السر التوقيع في دار العدل مما كان يوقع فيه الوزير مشاورة واستقلالا، ثم إن كلًّا من المتحدثين الثلاثة لا يقدر على الاستقلال بأمر إلا بمراجعة السلطان. ومن وظيفة كتابة السر قراءة الكتب الواردة على السلطان، وكتابة أجوبتها والجلوس لقراءة القصص بدار العدل، والتوقيع عليها وتصريف المراسيم، ورودا أو صدورا. وأما نظر الجيش فلصاحبه النظر في الإقطاعات، ومعه من المستوفين ما يحرر كليات المملكة وجزئياتها. وأما نظر الخزانة فكانت وظيفة كبيرة الوضع؛ لأنها مستودع أموال المملكة، فلما استحدثت وظيفة الخاص ضعف أمرها، وغالب ما يكون نظرها من القضاة أو نحوهم. وأما نظر البيوت فمنوط بالأستاذدارية فكل ما يتحدث فيه الأستاذدارية يشارك فيه. وأما نظر بيت المال فوظيفة جليلة موضوعها حمل حمول المملكة إلى بيت المال والتصرف فيه تارة بالميزان وتارة بالتسبيب بالأقلام، ولا يلي هذه الوظيفة إلا من هو من ذوي العدالة المبرزة. وأما نظر الإصطبلات، فلصاحبه الحديث في أنواع الإصطبل والمناخات، وعلفها وأرزاق خدمها وما يبتاع لها. وأما وظائف أهل العلم فمعروفة مشهورة لا تخلو مملكة من ممالك الإسلام منها. هذا كله كلام ابن فضل الله. ذكر في التاريخ أن الخليفة المقتفي بالله نقل المظفر بن جهير من الأستاذ دارية إلى

стр. 746

الوزيرية في سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، قال بعضهم: وذلك أول ما سمع بوظيفة الأستاذدارية في الدول. وقال بعض المؤرخين: لما تولى الظاهر بيبرس أحب أن يسلك في ملكه بالديار المصرية طريقة جنكيزخان ملك التتار وأموره، ففعل ما أمكنه، ورتب في سلطنته أشياء كثيرة لم تكن قبله بديار مصر، مثل ضرب البوقات وتجديد الوظائف، فأحدث أمير سلاح وأمير مجلس ورأس نوبة الأمراء وأمير خور، وحاجب الحجاب والدوادار والجمدار وأمير شكار. وموضوع أمير سلاح أنه يتحدث على السلاح داريه، وينال السلطان آلة الحرب والسلاح يوم القتال ويوم الأضحى، ولم تكن رتبته في زمن الظاهر أن يجلس في ميسرة السلطان، إنما كان يجلس في هذا الموضع أتابك، ثم في زمن الناصر ابن قلاوون كان يجلس فيه رأس نوبة الأمراء. وموضوع أمير مجلس، أنه يحرس مجلس السلطان وفرشه، ويتحدث على الأطباء والكحالين ونحوهم، وكانت وظيفة جليلة أكبر قدرا من أمير سلاح. ورأس نوبة، وظيفة عظيمة عند التتار ويفخمون فيها السين، ولما أحدثها الظاهر بمملكة مصر كان صاحبها يسمى رأس نوبة الأمراء؛ ومعناه أكبر طائفة الأمراء، وهو أكبر من أمير مجلس وأمير سلاح، وهو في مرتبة الأمير الكبير الآن، ولم يكن أحد يسمى بالأمير الكبير إذ ذاك؛ إلى أن ولي هذه الوظيفة شيخو العمري في زمن السلطان حسن، فلقب بالأمير الكبير زيادة على التقليب برأس نوبة الأمراء، وهو أول من لقب بالأمير الكبير كما ذكر. وموضوع أمير أخور النظر في علف الخيل، وأخور بالمعجمة المذود الذي يأكل فيه الفرس. والحاجب كان في الزمن الأول من أيام الخلفاء للذي يحجب الناس عن الدخول على

стр. 747

الخليفة، وكان يرفأ حاجب عمر بن الخطاب، ثم عظمت الحجوبية في أيام الناصر بن قلاوون. والدوادار كان في زمن الخلفاء أيضا، وهو الذي يحمل الدواة ويحفظها، ومعناه ماسك الدواة، وأول من أحدث هذه الوظيفة الملوك السلجوقية، وكانت في زمنهم وزمن الخلفاء لرجل متعمم ثم صارت في زمن الظاهر لأمير عشرة. والجمدار: ماسك البقجة التي للقماش.

стр. 748

ذكر قضاة مصر: قال ابن عبد الحكم: أول قاض استقضى بمصر في الإسلام -كما ذكر سعيد بن عفير- قيس بن أبي العاصي، [فمات] (١) سنة أربع وعشرين، فكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص أن يستقضي كعب بن يسار بن ضنة [العبسي] (١) . قال ابن أبي مريم: وهو ابن بنت خالد بن سنان العبسي الذي "تزعم عبس فيه" أنه (٢) تنبأ في الفترة بين عيسى بن مريم، وبين رسول الله (٣) ﷺ ، فأبى كعب أن يقبل القضاء، وقال: قضيت في الجاهلية ولا أعود إليه في الإسلام (٤) . حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ابن لهيعة، قال: كان قيس بن أبي العاصي بمصر، ولاه عمرو بن العاص القضاء. وقد قيل: إن أول من استقصى بمصر كعب بن ضنة بكتاب عمر بن الخطاب فلم يقبل (٥) . حدثنا المقرئ عبد الله بن يزيد، أنبأنا حيوة بن شريح، أنبأنا الضحاك بن شرحبيل الغافقي، أن عمار (٦) بن سعيد التجيبي أخبرهم أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص، أن يجعل كعب بن ضنة على القضاء، فأرسل إليه عمرو، فأقرأه كتاب أمير المؤمنين، فقال كعب: والله لا ينجيه الله من أمر الجاهلية وما كان فيها من الهلكة، ثم يعود فيها أبدًا إذ أنجاه الله منها، فأبى أن يقبل القضاء، فتركه عمرو. قال ابن عفير: وكان حكمًا في الجاهلية (٧) . فلما امتنع كعب أن يقبل القضاء ولى عمرو بن العاص عثمان

стр. 749

بن قيس بن أبي العاص القضاء، وقد كان عمر بن الخطاب قد كتب إلى عمرو بن العاص أن يفرض له في الشرف (١) . قال: ودعا عمرو خالد بن ثابت الفهمي ليجعله على المكس، فاستعفاه منه، فكان شرحبيل بن حسنة على المكس، وكان مسلمة بن مخلد على الطواحين؛ طواحين (٢) البلقس. وأقام عثمان على القضاء إلى أن صرف سنة اثنتين وأربعين، ثم ولي سليم بن عتر التجيبي على القضاء في أيام معاوية بن أبي سفيان، وجعل إليه القصص والقضاء جميعا (٣) . حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا الحجاج بن شداد الصنعاني، أن أبا صالح سعيد بن عبد الرحمن الغفاري أخبره، أن سليم بن عتر كان يقص على الناس وهو قائم، فقال له صلة بن الحارث الغفاري -وهو من أصحاب رسول الله ﷺ : والله ما تركنا عهد نبينا، ولا قطعنا أرحامنا، حتى قمت أنت وأصحابك بين أظهرنا! وكان سليم بن عتر أحد العباد المجتهدين، وكان يقوم في ليله فيبتدئ القرآن حتى يختمه، ثم يأتي أهله، ثم يقوم فيغتسل ثم يقرأ فيختم، ثم يأتي أهله "فيقضي منهم حاجته" (٤) ، وربما فعل ذلك في الليلة مرات، فلما مات قالت امرأته: رحمك الله! فوالله لقد كنت ترضي ربك وتسر أهلك (٥) . ثم لما ولي مسلمة بن مخلد البلد، ولي السائب بن هشام بن عمرو أحد بني مالك بن

стр. 750

حسل شرطه، وكان هشام بن عمرو أحد النفر الذين قاموا في نقض الصحيفة التي كانت في قريش كتبت. وكان عمرو بن العاص ولي السائب بن هشام شرطه بعد خارجة بن حذافة، وكان أيضًا على شرطه عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم عزل مسلمة السائب وولي عابس بن ربيعة المرادي الشرطة، ثم جمع له القضاء مع الشرطة (١) . وسبب ذلك أن معاوية كتب إلى مسلمة يأمره بالبيعة ليزيد، فأتى مسلمة الكتاب وهو بالإسكندرية، فكتب إلى السائب بذلك، فبايع الناس إلا عبد الله بن عمرو بن العاصي، فأعاد عليه مسلمة الكتاب فلم يفعل، فقال مسلمة: من لعبد الله بن عمرو؟ فقال عابس بن سعيد: أنا، فقدم الفسطاط، فبعث إلى عبد الله بن عمرو فلم يأته، فدعا بالنار والحطب ليحرق عليه قصره، فأتى فبايع، واستمر عابس على القضاء حتى دخل مروان بن الحكم مصر في سنة خمس وستين، فقال: أين قاضيكم؟ فدعى له عابس -وكان أميًّا لا يكتب- فقال له مروان: أجمعت كتاب الله؟ قال: لا، قال: فأحكمت الفرائض؟ قال: لا، قال: فبم تقضي؟ قال: أقضي بما علمت، وأسأل عما جهلت، قال: أنت القاضي. فلم يزل عابسًا على القضاء إلى أن توفي سنة ثمان وثمانين (٢) . فولى عبد العزيز بن مروان بشير بن النضر المزني القضاء (٣) . ثم ولي عبد الرحمن بن حجيرة الخولاني، وجمع له القضاء والقصص وبيت المال، فكان يأخذ رزقه في السنة ألف دينار على القضاء؛ فلم يكن يحول عليه الحول وعنده ما تجب فيه الزكاة، فلم يزل على القضاء حتى مات سنة ثلاث وثمانين. ويقال: بل ولي في سنة ثلاث وثمانين، ومات في سنة خمس وثمانين. ثم ولي القضاء مالك بن شراحيل الخولاني، فلم يزل على القضاء حتى مات (٤) .

стр. 751

فولي من بعده يونس بن عطية الحضرمي، وجمع له القضاء والشرطة، فلم يزل حتى مات سنة ست وثمانين (١) . فولي بعده ابن أخيه أوس، ثم ولي عبد الرحمن بن معاوية بن حديج الكندي، وجمع له القضاء والشرطة، فتوفي عبد العزيز بن مروان، وولي بعده عبد الله بن عبد الملك فأراد عزل ابن حديج فاستحيا من عزله عن غير شيء، ولم يجد عليه مقالا ولا متعلقا، فولاه مرابطة الإسكندرية. وولي عمران بن عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة القضاء، والشرطة فلم يزل إلى سنة تسع وثمانين، فغضب عليه عبد الله بن عبد الملك، فعزله وولى عبد الأعلى بن خالد بن ثابت الفهمي مكانه (٢) . ثم أتى عبد الله بن عبد الملك فعزله. وولي قرة بن شريك العبسي الإمرة، فعزل عبد الأعلى، وولي عبد الله بن عبد الرحمن بن حجيرة، وهو ابن حجيرة الأصغر، ثم عزل في سنة ثلاث وتسعين. وولي عياض بن عبد الله الأزدي ثم السلامي، ثم صرف في سنة ثمان وتسعين، وأعيد ابن حجيرة ثم صرف وأعيد، فلم يزل إلى سنة مائة. ثم صرف (٣) وولي عبد الله بن خذامر ثم صرف سنة اثنتين ومائة (٤) . وولي يحيى بن ميمون الحضرمي فأقام إلى سنة أربع عشرة ومائة، ثم صرف ولم يكن بالمحمود في ولايته (٥) . ثم ولي يزيد بن عبد الله بن خذامر ثم صرف. وولي الخيار بن خالد المدلجي، فأقام نحو سنة، ومات سنة خمس عشرة ومائة وكان محمودًا جميل المذهب.

стр. 752

ثم ولي توبة بن نمر الحضرمي، فأقام ما شاء الله، ثم استعفي، فقيل له: فأشر علينا برجل نوليه، فقال: كاتبي خير بن نعيم الحضرمي، فولي خير سنة إحدى وعشرين ومائة، فلم يزل حتى صرف سنة ثمان وعشرين ومائة. وولي عبد الرحمن بن سالم بن أبي سالم الجيشاني، فلم يزل إلى ولاية بني العباس سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فصرف عن القضاء واستعمل على الخراج، ورد خير بن نعيم؛ فلم يزل حتى عزل نفسه في سنة خمس وثلاثين؛ وذلك أن رجلا من الجند قذف رجلًا، فخاصمه إليه وثبت عليه بشاهد (١) واحد، فأمر بحبس الجندي إلى أن يثبت الرجل شاهدا آخر، فأرسل أبو عون عبد الملك بن يزيد، فأخرج الجندي من الحبس، فاعتزل خير وجلس في بيته، وترك الحكم، فأرسل إليه أبو عون، فقال: لا، حتى يرد الجندي إلى مكانه! فلم يرد، وتم على عزمه، فقالوا له: فاشر علينا برجل نوليه، فقال: كاتبي غوث بن سليمان. فولي غوث بن سليمان الحضرمي، فلم يزل حتى خرج مع صالح بن علي إلى الصائفة. ثم ولي أبو خزيمة إبراهيم بن يزيد الحميري (٢) ، وذلك أن أبا عون- ويقال: صالح بن علي شاور في رجل يوليه القضاء، فأشر عليه بثلاثة نفر. حيوة بن شريح، وأبو خزيمة، وعبد الله بن عياش القتباني (٣) ، وكان أبو خزيمة يومئذ بالإسكندرية، فأشخص، ثم أتى بهم إليه، فكان أول من نوظر حيوة بن شريح، فامتنع، فدعي له بالسيف والنطع، فلما رأى ذلك حيوة أخرج مفتاحا كان معه، فقال: هذا مفتاح بيتي، ولقد اشتقت إلى لقاء ربي، فلما رأوا عزمه تركوه، فقال لهم حيوة: لا تظهروا ما كان من إبائي لأصحابي فيفعلوا مثل ما فعلت، فنجا حيوة. ثم دعي بأبي خزيمة فعرض عليه القضاء

стр. 753

فامتنع، فدعي له بالسيف والنطع فضعف قلبه (١) ، ولم يحتمل ذلك، فأجاب إلى القبول فاستقضى (٢) . وكان أبو خزيمة يعمل الأرسان ويبيعها قبل أن يلي القضاء، فمر به رجل من أهل الإسكندرية، وهو في مجلس الحكم، فقال: لأختبرن أبا خزيمة، فوقف عليه فقال له: يا أبا خزيمة، احتجت إلى رسن لفرسي، فقام أبو خزيمة إلى منزله، فأخرج رسنًا فباعه منه، ثم جلس. وكان أبو خرشة المرادي صديقاً لأبي خزيمة، فمر به يوما، فسلم عليه، فلم ير منه ما كان يعرف، وكان "أبو خرشة" (٣) قد خوصم إليه في جدار، فاشتد ذلك على أبي خرشة، "فشكاه إلى بعض قرابته، فسأل أبا خزيمة، فقال" (٤) : ما كان ذلك إلا أن خصمك خفت أن يرى سلامي عليك، فيكسره ذلك عن بعض حجته، فقال أبو خرشة: فإني أشهدك أن الجدار له. ثم استعفى أبو خزيمة فأعفي. وولي مكانه عبد الله بن بلال الحضرمي، ويقال: إنما هو غوث الذي كان استخلفه حين شخص غوث إلى أمير المؤمنين أبي جعفر، وذلك في سنة أربع وأربعين (٥) . ثم قدم غوث، فاقره خليفة له يحكم بين الناس حتى مات عبد الله بن بلال. قال يحيى بن بكير: لم يزل أبو خزيمة على القضاء، حتى قدم غوث من الصائفة فعزل أبو خزيمة، ورد غوث "على القضاء" (٦) . ثم إن غوثا شخص إلى العراق، فأعيد أبو خزيمة إلى القضاء، فلم يزل حتى توفي سنة أربع وخمسين. وكان ابن حديج إذ ذاك بالعراق، قال: فدخلت على

стр. 754

أمير المؤمنين أبي جعفر، فقال لي: يا بن حديج، لقد توفي ببلدك رجل أصيبت به العامة! قلت: يا أمير المؤمنين، ذاك إذا أبو خزيمة، قال: نعم (١) . ثم ولي مكانه ابن لهيعة، وأجرى عليه في كل شهر ثلاثين دينارا؛ وهو أول قاض بمصر أجري عليه ذلك، وأول قاض استقضاه بها خليفة، وإنما كان ولاة البلد هم الذين يولون القضاة، فلم يزل قاضيًا حتى صرف سنة أربع وستين. وولي إسماعيل بن اليسع (٢) الكوفي، وعزل سنة سبع وستين. وكان محمودا عند أهل البلد، إلا أنه كان يذهب إلى قول أبي حنيفة، ولم يكن أهل البلد يومئذ يعرفونه. قال ابن عبد الحكم: حدثنا أبي "عبد الله" قال: كتب فيه الليث بن سعد إلى أمير المؤمنين: يا أمير المؤمنين: إنك وليتنا رجلا يكيد سنة رسول الله ﷺ بين أظهرنا، مع أنا ما علمنا في الدينار والدرهم إلا خيرا، فكتب بعزله. ورد غوث بن سليمان على القضاء، فأقام حتى توفي في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين. حدثنا أبو رجاء حماد بن مسور، قال: قدمت امرأة من الريف، فرأت غوثا رائحًا إلى المسجد، فشكت إليه أمرها، فنزل عن دابته، وكتب لها بحاجتها، ثم ركب إلى المسجد فانصرفت المرأة وهي تقول: أصابت والله أمك حتى سمتك غوثا، أنت غوث عند اسمك (٣) . وقيل: إنه أول قاض ركب للهلال مع الشهود. وقيل: بل ابن لهيعة. فلما مات غوث ولي المفضل بن فضالة بن عبيد القتباني، ثم عزل سنة تسع وستين،

стр. 755

وهو أول القضاة بمصر طول الكتب، وكان أحد فضلاء الناس وخيارهم. ثم ولي أبو طاهر الأعرج عبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن حزم الأنصاري، وكان محمودا في ولايته (١) ، ثم استعفي فأعفي في سنة أربع وسبعين. قالوا: فأشر علينا برجل، فأشار بالمفضل بن فضالة، فولي المفضل، فأقام إلى صفر سنة سبع وسبعين وعزل. وولي محمد بن مسروق الكندي من أهل الكوفة، ولم يكن بالمحمود في ولايته، وكان فيه عتو وتجبر، فلم يزل إلى سنة أربع وثمانين، فخرج إلى العراق. واستخلف إسحاق بن الفرات التجيبي، فعزل في صفر سنة خمس وثمانين (٢) . وولي عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسين بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب؛ وهو أول من دون أسماء الشهود، فأقام إلى عزل في جمادى الأولى سنة أربع وتسعين (٣) . وولي هاشم بن أبي بكر البكري من ولد أبي بكر الصديق، وكان يذهب مذهب أبي حنيفة، فأقام حتى توفي في أول يوم من المحرم سنة ست وتسعين. ثم ولي إبراهيم بن البكاء؛ ولاه جابر بن الأشعث، وجابر يومئذ والي البلد، فأقام إلى أن صرف جابر سنة ست وتسعين، وولي مكانه عباد بن محمد، فعزل ابن البكاء. ولي لهيعة بن عيسى الحضرمي، فأقام حتى قدم المطلب بن عبد الله بن مالك سنة ثمان وتسعين فعزل لهيعة.

стр. 756

وولي الفضل بن غانم، وكان قدم مع المطلب من العراق فأقام نحو سنة، ثم غضب عليه المطلب فعزله. وولي لهيعة بن عيسى، فأقام حتى توفي في ذي القعدة سنة أربع ومائتين. فولي السري بن الحكم بعد مشاورة أهل البلد إبراهيم بن إسحاق القارئ حليف بني زهرة، وجمع له القضاء والقصص؛ وكان رجل صدق، ثم استعفي لشيء أنكره فأعفي. وولي مكانه إبراهيم بن الجراح؛ وكان يذهب إلى قول أبي حنيفة، ولم يكن بالمذموم في ولايته، حتى قدم عليه ابنه من العراق، فتغيرت حالته، وفسدت أحكامه؛ فلم يزل "قاضيا" (١) إلى سنة اثنتي عشرة ومائتين، فدخل عليه عبد الله بن الطاهر البلد فعزله. وولي عيسى بن المنكدر بن محمد بن المنكدر، وخرج إبراهيم بن الجراح إلى العراق ومات هناك. وأجرى (٢) عبد الله بن طاهر على عيسى بن المنكدر أربعة آلاف درهم في الشهر؛ وهو أول قاض أجري عليه ذلك، وأجازه بألف دينار، فلما قدم المعتصم مصر في سنة أربع عشرة ومائتين كلمه فيه بن أبي دؤاد، فأمره فوقف عن الحكم، ثم أشخص بعد ذلك إلى العراق، فمات هناك. وبقيت مصر بلا قاض حتى قدم المأمون الخليفة مصر في محرم سنة سبع عشرة، وولي القضاء يحيى بن أكثم فحكم بها ثلاثة أيام، وخرج المأمون إلى سخا، وأصلح أحوالها وتوجه إلى الإسكندرية وعاد إلى مصر، وخرج عنها في الخامس من صفر (٣) .

стр. 757

وجعل القضاء بمصر إلى هارون بن عبد الله الزهري المالكي، قلده ذلك وهو بالشام، فقدم في رمضان سنة ربيع تسع عشرة ومائتين، وكان محمودًا عفيفًا محببًا في أهل البلد، فأقام إلى ربيع الأول سنة ست وعشرين، فكتب إليه أن يمسك عن الحكم، وقد كان ثقل مكانه على ابن أبي دؤاد. وقدم أبو الوزير واليًا على خراج مصر، وقدم معه بكتاب ولاية محمد بن أبي الليث الأصم "على القضاء" (١) ، فلم يزل قاضيًا إلى شعبان سنة خمس وثلاثين ومائتين، فعزل وحبس. وبقيت مصر بلا قاض حتى ولي الحارث بن مسكين في جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين (٢) ، ثم صرف في ربيع الآخر سنة خمس وأربعين. وولي دحيم بن اليتيم عبد الرحمن بن إبراهيم بن اليتيم الدمشقي جاءته ولايته بالرملة، فتوفي قبل أن يصل إلى مصر في العام (٣) المذكور. ولي بعده بكار بن قتيبة [أبو بكرة الثقفي] (٤) من أهل البصرة من ولد أبي بكرة صاحب رسول الله ﷺ ، ودخل البلد في جمادى الآخرة فأقام قاضيًا، [وأحمد بن طولون يصله في كل سنة بألف دينار. ثم إن ابن طولون بلغه أن الموفق خرج عن طاعة أخيه المعتمد، وكان المعتمد ولي عهد أخيه، فأراد ابن طولون خلع الموفق من ولاية العهد، فوافقه فقهاء مصر، وخالف القاضي بكار فحبسه أحمد بن طولون، وذلك في سنة سبع وخمسين ومائتين، ورتب في الحكم عوضا عنه، وهو كالخليفة عنه محمد بن شاذان الجوهري، ومات بكار ذي الحجة سنة خمس وسبعين ومائتين] . (٤)

стр. 758

وأقامت مصر بعد بكار بلا قاض، حتى ولي خمارويه بن أحمد بن طولون أبا عبد الله محمد بن عبدة بن حرب القضاء سنة سبع وسبعين ومائتين، فأقام إلى سنة ثلاث وثمانين، فألزم منزله في جمادى الآخرة. "وبقيت مصر بلا قاض حتى ولي أبو زرعة محمد بن عثمان الدمشقي، فأقام ثماني سنين، وعزل في صفر سنة اثنتين وتسعين. وأعيد ابن عبدة، ثم صرف في رجب من السنة. وولي أبو مالك بن أبي الحسن الصغير. ثم ولي بعده أبو عبيدة علي بن الحسين بن حرب المعروف بابن حربويه، في شعبان سنة ثلاث وتسعين، ثم عزل في سنة إحدى وثلاثمائة. قال ابن يونس في تاريخ مصر: كان أبو عبيد بن حربوية شيئًا عجبا، ما رأينا قبله ولا بعده مثله. وكان آخر قاض يركب إليه أمراء مصر، وكان لا يقوم للأمير إذا أتاه، ثم أرسل موقعه الإمام أبا بكر بن الحداد إلى بغداد سنة إحدى وثلاثمائة في طلب إعفائه من القضاء فأعفي" (١) . انتهى. هذا ما ذكره ابن عبد الحكم (٢) . وولي مكانه أبو الذكر محمد بن يحيى (٣) الأسواني خلافة لأبي يحيى عبد الله بن إبراهيم بن مكرم، إلى أن صرف في صفر سنة اثنتين وثلاثمائة. وولي أبو علي عبد الرحمن بن إسحاق بن محمد بن معتمر الدوسي، وصرف في ربيع الآخر سنة أربع عشرة (٤) . وولي أبو عثمان أحمد بن إبراهيم بن حماد، وصرف في ذي الحجة سنة ست عشرة.

стр. 759

وولي أبو محمد عبد الله بن أحمد بن ربيعة بن سليمان الربعي الدمشقي، وصرف في جمادى الآخرة سنة سبع عشرة. وأعيد أبو عثمان بن حماد، وصرف في ربيع الآخر سنة عشرين. وأعيد الربعي، وصرف في صفر سنة إحدى وعشرين. وولي أبو هاشم إسماعيل بن عبد الواحد الربعي المقدسي الشافعي، وصرف في ربيع الآخر من السنة (١) . وولي أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، وصرف في رمضان سنة اثنتين وعشرين (٢) . وولي أبو عبد الله محمد بن موسى بن إسحاق السرخسي (٣) . ثم ولي أبو بكر بن الحداد الإمام المشهور صاحب المولدات، بأمر أمير مصر في ربيع الأول سنة أربع وعشرين، فباشر مدة لطيفة (٤) . ثم ولي محمد بن بدر مولى أبي خيثمة خلافة لمحمد بن الحسن بن أبي الشوارب إلى أن مات سنة خمس وثلاثين. وولي أبو محمد عبد الله بن أحمد بن شعيب بن الفضل بن مالك بن دينار، يعرف بابن أخت وليد، وصرف سنة ثلاث وثلاثين.

стр. 760

وأعيد ابن الحداد وولي بعده عبد العزيز بن الحسن بن عبد العزيز العباسي الهاشمي خليفة لأخيه، ثم صرف في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وولي أبو بكر عبد الله بن محمد الخصيبي الشافعي سنة خمس وأربعين؛ فأقام إلى أن مات في المحرم سنة ثمان وأربعين. وولي بعده ابنه محمد، فأقام شهرا واحدا، ثم اعتل ومات في سادس ربيع الأول من عامه. فولى كافور بعده أباه الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله البغدادي الدهلي المالكي، فأقام ست عشرة سنة -وقبيل ثماني عشرة سنة- إلى أن قامت الدولة العبيدية بالقاهرة، وقدم المعز ومعه قاضيه أبو حنيفة النعمان بن محمد بن منصور القيرواني، فاجتمع أبو الطاهر بالمعز، فأعجب به، وأقره على ولايته. وأقام النعمان بمصر لا ينظر في شيء، ثم إن أبا الطاهر استعفي قبل موته بيسير فأعفي؛ وذلك في صفر سنة ست وستين. وولي بعده أبو الحسن علي بن النعمان، وكان شيعيًّا غاليًا، وشاعرًا مجيدًا، فأقام إلى أن مات في رجب سنة أربع وسبعين؛ وهو أول من نعت قاضي القضاة في مصر؛ ولم يكن يدعى بذلك إلا ببغداد. وولي بعده أخوه أبو عبد الله محمد، وكان شيعيًّا أيضا، قال ابن زولاق: ولم نشاهد بمصر لقاض من الرياسة ما شاهدناه له، ولا بلغنا ذلك عن قاض بالعراق، ووافق ذلك استحقاقًا؛ لما فيه من العلم والصيانة والهيئة وإقامة الحق، وقد ارتفعت رتبته؛ لأن العزيز أجلسه معه يوم العيد على المنبر، وزادت عظمته في دولة الحاكم، إلى أن مات في صفر سنة تسع وثمانين. وولي القضاء بعده ابن أخيه الحسين بن علي بن النعمان، ثم صرف سنة أربع وتسعين.

стр. 761

وولي أبو القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان، ثم صرف في رجب سنة ثمان وتسعين. وولي بعده مالك بن سعد الفارقي، ثم صرف في ربيع الآخر سنة خمس وأربعين. وولي أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي العوام، إلى أن مات في ربيع الأول سنة ثماني عشرة وأربعمائة (١) . وولي أبو محمد قاسم بن عبد العزيز بن النعمان، ثم صرف في رجب سنة تسع عشرة وأربعمائة. وولي أبو الفتح عبد الحاكم بن سعيد الفارقي، ثم صرف في ذي القعدة سنة تسع وعشرين (٢) . وأعيد أبو محمد القاسم بن عبد العزيز بن النعمان، ولقب بقاضي القضاة وداعي الدعاة، وثقة الدولة، وأمير الأمراء، وشرف الحكام؛ واستخلف عنه القاضي يحيى الشهاب فأقام ثلاث عشرة سنة، ثم عزل في المحرم سنة إحدى وأربعين. وأعيد قاسم ثم صرف من عامه، وولي مكانه أبو محمد الحسن بن علي بن عبد الرحمن البازوري، ثم أضيف إليه الوزارة أيضًا، وهو أول من جمع بينهما، ثم صرف عنهما في المحرم سنة خمس وأربعين. وولي القضاء أبو علي أحمد بن قاضي القضاة عبد الحاكم بن سعيد الفارقي، ثم صرف في ذي القعدة من السنة. ولي أبو القاسم عبد الحكم بن وهب بن عبد الرحمن المليجي، ثم صرف في جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين.

стр. 762

وولي أبو عبد الله أحمد بن محمد أبو زكريا بن عمر بن أبي العوام، إلى أن مات في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين. وأعيد أبو علي أحمد بن عبد الحاكم بن سعيد، ثم صرف في رجب. وأعيد أبو القاسم عبد الحاكم بن وهب ثم صرف في رمضان. وولي أبو محمد عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد، ثم صرف في صفر سنة أربع وأربعين. وأعيد أبو القاسم عبد الحاكم بن وهب بن عبد الرحمن، ثم صرف في المحرم سنة أربع وأربعين. وأعيد أبو علي أحمد بن عبد الحاكم مضافًا للوزارة، ثم صرف في صفر. وأعيد أبو القاسم عبد الحاكم بن وهب، ثم صرف في شعبان. وولي أبو محمد الحسن بن مجلي بن أسد بن أبي كدينة مضافًا للوزارة، ثم صرف في ذي الحجة. وولي جلال الملك أحمد بن عبد الكريم بن عبد الحاكم بن سعيد مضافًا للوزارة، ثم صرف في المحرم سنة ست وأربعين. وأعيد الحسن بن مجلي بن أبي كدينة، ثم صرف في ربيع الآخر. وأعيد أبو القاسم عبد الحاكم بن وهب، ثم صرف في رمضان. وأعيد ابن أبي كدينة ثم صرف في ذي الحجة. وأعيد ابن عبد الحاكم، ثم صرف في نصف المحرم سنة سبع وأربعين. وأعيد ابن أبي كدينة، ثم صرف في السادس والعشرين منه. وأعيد جلال الملك أحمد بن عبد الكريم، ثم صرف في جمادى.

стр. 763

وأعيد أبن أبي كدينة، ثم صرف في نصف رجب. وأعيد عبد الحاكم بن وهب، ثم صرف. وأعيد ابن أبي كدينة، ثم صرف في صفر سنة ثمان وأربعين. وأعيد جلال الملك، ثم صرف. وأعيد ابن أبي كدينة، ثم صرف في المحرم سنة تسع وأربعين. وولي عبد الحكم المليجي، ثم صرف في سابع جمادى الآخرة. وأعيد ابن أبي كدينة، ثم صرف في ذي القعدة. وأعيد جلال الملك، ثم صرف في صفر سنة خمس وستين. وأعيد المليجي ثم صرف في ربيع الأول. وأعيد ابن أبي كدينة، ثم صرف في جمادى الأولى. وأعيد جلال الملك، ثم صرف في رمضان. وأعيد المليجي، ثم صرف في ذي الحجة. وأعيد ابن أبي كدينة، ثم صرف في صفر سنة إحدى وستين. وأعيد المليجي، ثم صرف بعد يوم. وولي خطير الملك بن قاضي القضاة الوزير البازوري، ثم صرف في شوال. وأعيد ابن أبي كدينة، قم صرف في ذي القعدة. وأعيد المليجي، ثم صرف. وأعيد ابن أبي كدينة في ربيع الأول سنة أربع وستين، ثم صرف سنة ست وستين. وولي أبو يعلى حمزة بن الحسين بن أحمد العراقي إلى أن مات سنة اثنتين وسبعين.

стр. 764

وولي أبو الفضل طاهر بن علي القضاعي. ثم ولي بعدن جلال الدولة أبو القاسم علي بن أحمد بن عمار، ثم صرف. ولي سنة خمس وسبعين أبو الفضل هبة الله بن الحسين بن عبد الرحمن بن نباتة. ثم ولي أبو الحسن علي بن يوسف بن الكمال، ثم صرف. وولي سنة سبع وثمانين فخر الحكام أبو الفضل محمد بن الحاكم المليجي. ثم ولي الحسن بن علي بن أحمد المكرمي، ثم صرف بعد شهر. وولي أبو الطاهر محمد بن رجاء إلى أن مات سنة ثلاث وتسعين. وولي أبو الفرج محمد بن جوهر بن ذكاء النابلسي، ثم صرف في ربيع الأول سنة أربع وتسعين، لكونه أحدث في مجلس الحكم. وولي حسين بن يوسف بن أحمد الرصافي، ثم صرف. وولي أبو النجم بدر بن بدر الحراني. ثم ولي أبو الفضل نعمة بن بشير النابلسي المعروف بالجليس، ثم استعفي فأعفي سنة أربع وأربعين. وولي الرشيد أبو عبد الله محمد بن قاسم بن زيد الصقلي إلى أن مات، فأعيد الجليس إلى أن مات. وولي ثقة الملك أبو الفتح مسلم بن علي الرسعني سنة ثلاث وأربعين. قال ابن ميسر في تاريخ مصر: لما ولي الحكم رفع إلى الأفضل: إني قد اعتبرت ما في مودع الحكم من مال المواريث -وكان يقارب مائة ألف دينار- ورفعها إلى بيت المال أولى من تركها في المودع، وإن لها سنين طويلة لم يطلب شيء منها. فوقع على رقعته: إنما قلدناك الحكم ولا أرى لنا فيما لا نستحقه، فاتركه على حاله لمستحقه، ولا تراجع فيه. ثم اتفق أنه صلى

стр. 765

إماما في مجلس صلاة الصبح، وخلفه الوزير المأمون، فقرأ سورة الشمس وضحاها. فأرتج عليه، وقرأ "ناقة الله وسقناها" بالنون، فعزل عن القضاء سنة ست وأربعين. وولي أبو الحجاج بن أيوب المغربي إلى أن مات سنة إحدى وعشرين. وولي أبو عبد الله محمد بن هبة الله بن الميسر القيرواني، ولقب القاضي الأمير سناه الملك شرف الأحكام قاضي القضاة عمدة أمير المؤمنين، قال في تاريخ مصر: وهو الذي أخرج الفستق الملبس بالحلوى، ثم صرف في ربيع الأول سنة ست وعشرين.. وولي أبو الفخر صالح بن عبد الله بن رجاء، ثم صرف في جمادى الآخرة. وولي سراج الدين نجم بن جعفر إلى أن قتل في شوال سنة ثمان وعشرين. وأعيد ابن الميسر، ثم صرف في المحرم سنة إحدى وثلاثين. وولي الأعز أبو المكارم أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي عقيل إلى أن مات في شعبان سنة ثلاث وثلاثين، وأقام الحكم "بعده شاغرا" (١) ثلاثة أشهر. ثم اختير أبو العباس أحمد بن الحطيئة، فاشترط ألا يحكم بمذهب الدولة، فلم يمكن من ذلك. وولي فخر الأمناء هبة الله بن حسين الأنصاري؛ يعرف بابن الأزرق في ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين، ثم صرف في جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين. وولي أبو الطاهر إسماعيل بن سلامة الأنصاري (٢) ، ثم صرف في المحرم سنة ثلاث وأربعين. وولي أبو الفضل يونس بن محمد بن حسن المقدسي، ثم صرف سنة سبع وأربعين. وولي عبد المحسن بن محمد بن مكرم، ثم صرف.

стр. 766

ثم ولي أبو المنجم بدر بن غالي (١) . ثم ولي أبو المعالي مجلي بن جميع الشافعي صاحب الذخائر، فأقام إلى سنة تسع وأربعين، ثم صرف. وأعيد أبو [[الفضل]] يونس ثم صرف. وولي المفضل أبو القاسم جلال الدين هبة الله بن عبد الله بن كامل بن عبد الكريم الصوري، في شعبان سنة سبع وأربعين، ثم صرف في المحرم سنة ثمان وأربعين. وأعيد أبو [[الفضل]] يونس، ثم صرف في ذي الحجة من السنة. وأعيد ابن كامل، ثم صرف في ربيع الأول سنة تسع وأربعين. وولي الأعز أبو محمد الحسن بن علي بن سلامة المصري ثم صرف (٢) . وولي أبو الفتح عبد الجبار بن إسماعيل بن عبد القوي، ثم صرف (٣) . وأعيد ابن كامل في ذي الحجة سنة أربع وستين، فلما استولى الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب على القاهرة، وزيرًا عن العاضد، أزال دولة الرفض والشيعة، وصرف ابن كامل. وولي صدر الدين عبد الملك بن درياس الكردي الشافعي قضاء القضاة بالقاهرة، وذلك في سنة ست وستين وأربعمائة، فأقام إلى أن صرف بعد وفاة صلاح الدين في ربيع الأول في سنة تسعين في أيام العزيز. وولي في سنة خمس وتسعين وأربعمائة محيي الدين محمد أبو حامد بن الشيخ شرف الدين عبد الله بن هبة الله بن أبي عصرون؛ ثم صرف في سنة إحدى وتسعين. وولي زين الدين علي بن يوسف بن عبد الله بن بندار الدمشقي، ثم عزل في جمادى الأولى من السنة.

стр. 767

وأعيد ابن أبي عصرون، ثم عزل في محرم سنة اثنتين وتسعين. وأعيد ابن بندار، ثم صرف في محرم سنة أربع وتسعين. وأعيد صدر الدين، ثم صرف في جمادى الأولى سنة خمس وتسعين. وأعيد زين الدين بن بندار؛ وذلك لما انتزع الملك الأفضل علي بن السلطان صلاح الدين بن أيوب مملكة مصر من ابن أخيه المنصور محمد العزيز عثمان؛ وكتب له الصاحب ضياء الدين نصر الله بن الأثير الجزري تقليدا، هذا صورته: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (١) . من السنة أن تفتح صدور التقليدات بدعاء يعم بفضله، ويكون وزانًا للنعمة الشاملة من قبله، وخير الأدعية ما أجرم الله على لسان نبي من أنبيائه أو رسول من رسله، وكذلك جعلنا من هذا التقليد الذي أمضى الله قلمنا في كتابه، وصرف أمرنا في اختيار أربابه، ثم صلينا على رسوله محمد الصادع بخطابه، الساطع بشهابه، الذي جعلت الملائكة من أحزابه، وضرب له المثل بقلب قوسين في اقترابه؛ وعلى آله وصحبه الذين منهم من خلفه في محرابه، ومنهم من كملت به عدة الأربعين من أصحابه، ومنهم من جعل أثواب الحياء من أثوابه، ومنهم من بشر أنه من أحباب الله وأحبائه، أما بعد: فإن منصب القضاء في المناصب بمنزلة المصباح الذي به يستضاء، أو بمنزلة العين التي عليها تعتمد الأعضاء؛ وهو خير ما رقمت به الدول مسطور كتابها، وأجزلت به مذخور ثوابها، وجعلته بعد الأعقاب كلمة باقية في أعقابها. وقد جعله الله ثاني النبوة حكما، ووارثها علما؛ والقائم بتنفيذ شرعها ما دام الإسلام يسمى، لا يستصلح له إلا الواحد الذي يعد محفلا، وإذا جاءت الدنيا بأسرها خفت على أنمله، وقد أجلنا النظر

стр. 768

مجتهدين، وعولنا على توفيق الله معتضدين، وقدمنا قبل ذلك صلاة الاستخارة وهي سنة متبوعة، وبركة في الأعمال موضوعة؛ لا جرم أنا أرشدنا في أثرها إلى من صرح الرشد فيه بآثاره، وقال الناس هذا هو الذي جاء على فترة من وجود انتظاره (١) ؛ وهو أنت أيها القاضي فلان، مهد الله لجنبك، وجعل التوفيق من صحبك، وأنزل الحكمة على يدك ولسانك وقلبك؛ وقد قلدناك هذا المنصب بمدينة مصر وأعمالها، وهي مصر من الأمصار تجمع وجوهًا وأعيانًا، وقد رسم بأنه كرسي مملكته عزًّا وتبيانًا، وعظمت سلطانا، ولما قلدناك هو علمنا أنه سيعود وهو بك غض طري، وإن ولايته نيطت منك بكفء فهي بك حرية وأنت بها حري، ممن طلبها ومن الناس فإنها لم تكن عندك مطلوبة، ومن انتسب في وجاهته إليها فليست وجاهتك إليها منسوبة، وما أردت بها شيئا سوى تحمل الأثقال، وبيع الراحة بالتعب في الأشغال؛ وتعريض النفس لمضاضة الضيم والحيف، والوقوف على الصراط الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف؛ ولكنك في خلال ذلك تشتري الجنة بساعة من ساعاتك، وإذا رعيت مقام ربك فقد أرصدته لمارعاتك؛ وليس في الأعمال الصالحة أقوم من إحياء حق وضع في لحده، أورد حق مطلت الأيام برده. فاستخر الله تعالى، وتول ما وليناك بعزيمة؛ لأنك بها شامة، ولا تأخذها في الله ملامة. وهذا زمان قد تلاشت فيه العلوم، وعفت رسوم الشريعة حتى صارت كالرسوم، ومشت الأمة المطيطى (٢) وخلفها ابنا فارس والروم؛ وإذا نظر إلى دين الله وجد وقد خلط أمره خلطا، وتخطى رقاب الناس من هو جدير بأن يتخطى، وآذنت الساعة بالاقتراب حتى كاد أن يستوي ما بين السبابة والوسطى؛ والمتصدي لحفظه يعد ثقله بثقلين، وفضله بفضلين، ويؤتيه الله من رحمته كفلين، وحق له أن يتقدم على السلف الصالح الذي

стр. 769

كان كثيرًا رشده، حسنا هديه وقصده، وكان قريبًا برسول الله ﷺ ؛ فان أولئك لم يؤتوا من جهالة، ولا حرموا من مقالة، ولا حدث في زمانهم بدعة وكل بدعة ضلالة، ونحن نرجو أن يكون ذلك الرجل الذي وزن بالناس فرجح وزنه، وسبق القرون الأولى وإن تأخر قرنه. ولقد ألبسنا الله بك لباسًا يبقى جديدًا، ويسرنا للعمل الذي يكون محضرًا، لا للعمل الذي نود لو أن بيننا وبينه أمدا بعيدا. وإياك ثم إياك أن تقف معنا موقف الاعتذار، وما نخشى عليك إلا الشيطان الناقل للطباع في تقليب الأطوار، ولطالما أقام عابدًا من مصلاه، وغره بامتساك حبله ودلاه، ولمكانتك عندنا أضربنا عن وصيتك صفحًا، وتوسمنا أن صدرك قد شرحه الله فلم نزده شرحًا؛ والذي تضمنه تقليد غيرك من الوصايا لم يسفر إلا عن نقاب خطأ الأقلام، وقصر أقوالها عن المماثلة من مراتب أولي التعليم وبين العلماء الأعلام، ولا يفتقر إلى ذلك إلا من ثقل منصب القضاء على كاهله، وقضى جهله بتحريمه عليه، وفرق بين عالم أمرٍ وجاهله. وأما أنت فإن علم القضاء بعض مناقبك، وهو من أوانسك لا من غرائبك؛ لكن عندنا أربع من الوصايا لا بد من الوقوف فيها على سنن التوقيف، وإبرازها إلى الأسماع في لباس التحذير والتخويف: فالأولى منهن، وهي المهم الذي زاغت عنه الأبصار، وهلك من هلك فيه من الأبرار، ولربما سمعت هذا القول فظننته مما تجوز في مثله القائلون، وليس كذلك بل هو نبأ عظيم أنتم غافلون، وسنقصه عليك كما فوضناه إليك؛ وذلك هو التسوية في الحكم بين أقوالك وأفعالك، والأخذ من صديقك لعدوك ومن يمينك لشمالك. وقد علمت أنه لم تخل دولة من الدول من قوم يعرفون بطيش الحلوم، ويغترون بقرب السلطان وهو ظل عليهم ولا يدوم، وإذا دعوا لمجلس الحكم حملهم البطر والأشر على الامتناع من مساواة الخصوم، ولا يفرق بين هؤلاء وبين

стр. 770

ضعيف لا يرفع يدًا ولا طرفا، ونحن نبرأ من مخالفة الدرجات في حكم العزيز الحكيم، ولعن الله اليهود الذين نسخوا آية الرجم بما أحدثوه من التجبية والتحميم، وقد بسطنا يدك بسطا ليس له انقباض، ولا عليه اعتراض؛ وأنت القاضي الذي لا يكون اسمك منقوصًا فيقال فيه: إنك قاض. وإذا استقللت بهذه الوصية، فانظر فيما يليها من أمر الوكلاء القائمين بمجلس الحكم الذين لا ترد أحدًا منهم إلا خليًّا لويًّا، أو خادعا خلويًّا، وإذا اعتبرت أحوالهم وجدوا عذابا على الناس مصبوبًا، ولا يتم لهم إلا في ستر القضايا ونعيمها، ولا ينحون في شيء منها إلا نحو إمالتها وترخيمها؛ فأرح الناس من هذه الطائفة المعروفة بنصب الحبالة، التي تأكل الرشاء وتخرجها في مخرج الجعالة، وطهر منها مجلسك الذي ليس بمجلس ظلم وزور، وإنما هو مجلس عدل وعدالة؛ ومن العدل أن يخلى بين الخصوم حتى يكافح بعضهم بعضا، والمهل في مثل هذا المقام لرعاية لرعي الرعاية لما يقضى؛ وغن كان أحدهم ألحن بحجته فكله إلى عالم الأسرار، وإذا حكمت له بشيء من حق أخيه فلا تبال أن تقطع له قطعة من النار. وكذلك فانظر في الوصية المختصة بالشهداء؛ فإنهم قد تكاثرت أعدادهم وأهمل انتقادهم، وصار منصب الشهادة يسأله وسؤاله من الحرام لا من الحلال، وأصبح وهو يورث عن الآباء والأولاد والوراثة تكون في الأموال، والشاهد دليل يمشي القضاء على منهاجه، ويستقيم باستقامته ويعوج باعوجاجه؛ فانف كل من شانتك منه شائنة، أو رابتك منه رائبة، وعليك منهم بمن تخلق بخلق الحياء والورع، وأخذ بالقول الذي على مثلها فاشهد أو فدع. وأما الوصية الرابعة فإنها مقصورة على كاتب الحكم الذي إليه الإيراد والإصدار، وهو المهيمن على النقض والإمرار؛ وينبغي أن يكون عارفا بالحلي والوسوم والحدود والرسوم، وان يكون فقيها في البيوع والمعاملات، والدعاوي والبينات؛ ومن أدنى

стр. 771

صفاته أن يكون قلمه سائحًا، وخطه واضحا؛ وإذا استكمل ذلك فلا يستصلح حتى يكون العفاف شعاره، والأمانة عياره، والحفظ والعلم سوره وسواره، وهذا الرجل إن خلوت به فامض يده فيما يقول ويفعل، واستتم إليه استتامة الواثق الذي لا يخجل؛ والله يختار لنا فيما بيناه من المراشد، ويجعل أقوالنا ثمارا يانعة إذا كانت الأقوال من الحصائد. وبعد أن بوأناك هذه المكانة، وحملناك هذه الأمانة، فقد رأينا أن نجمع لك من تنفيذ الأحكام وحفظ أصولها، وألا نخليك من النظر في دليلها ومدلولها؛ فإن الترك يوحش العلوم من معهود أماكنها، ويذهب بها من تحت أقفال خزائنها، ومنصب التدريس كمنصب القضاء أخ يشد (١) من عضده، ويكثر من عدده؛ فتول المدرسة الفلانية عالمًا أنك قد جمعت بين سيفين (٢) في قراب، وسلكت بابين إلى تحصيل الثواب، وركبت أعز مكان وهو تنفيذ الحكم، وجالست خير جليس وهو الكتاب. ونحن نوصيك بطلبة العلم وصيتين؛ إحداهما أعظم من الأخرى؛ وكلتاهما ينبغي أن تصرف إليهما من اهتمامك شطرا؛ فالأولى أن تتخولهم (٣) في أوقات الاشتغال، وتكون لهم كالرائض الذي لا يبسط لهم بساط الراحة ولا يكلفهم مشقة الكلال. والثانية أن تدر عليهم أرزاقهم إدرار (٤) المسامح، وتنزلهم فيها على قدر الإفهام والقرائح؛ وعند ذلك لا تعدم منهم منبعا في كل حين، ويسرك في حالتيه من دنيا ودين؛ والله يتولاك فيما تنويه صالحة، ويوفقك للعمل بها لا لأن يكون في قلبك سانحة. وقد فرضنا لك في بيت المال قسما طيبا مكسبه، هنيئا مأكله ومشربه؛ لا تعاقب غدا على كثيره، وإن حوسبت على فتيله ونقيره (٥) . والمفروض في هذا المال ينبغي أن يكون على

стр. 772

قدر الكفاف لا على نسبة الأقدار، ورب متخوض فيما شان نفسه من مال الله، ومال رسوله ليس له في الآخرة إلا النار؛ والدنيا حلوة خضرة تلعب بذوي الألباب، وعلاقاتها بتجدد الأيام فلا تنتهي الآراب منها إلا إلى آراب (١) . ومن أراد الله به خيرًا لم يسلك إليها، وإن سلك كان كمن استظل بظل شجرة ثم راح وتركها، ونحن نخلص الضراعة والمسألة (٢) في السلامة من تبعاتها، وأن نوفق لرعي ولاية العدل والإحسان إذ جعلنا من رعاتها. وهذا التقليد ينبغي أن يقرأ في المسجد الجامع بعد أن يجمع له الناس على اختلاف المراتب، ما بين الأباعد والأقارب، والعراقيب والذوائب، والأشائب وغير الأشائب؛ ولتكن قراءته (٣) بلسان الخطيب وعلى منبره، وليقل: هذا يوم رسم بجميل صيته واعتضاض محضره؛ ثم بعد ذلك فأنت مأخوذ بتصفح مطلوبه على الأيام، وإثباته في قلبك بالعلم الذي لا يمحى سطره إذا محيت سطور الأقلام. واعلم أنا غدا وإياك بين يدي الحكم العدل الذي تكف لديه الألسنة عن خطابها، وتستنطق الجوارح بالشهادة على أربابها، ولا ينجو منه حينئذ إلا من أتى بقلب سليم؛ وأشفق من قول نبيه: "لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم". والله يأخذ بناصية كل منا إليه، ويخرجه من هذه الدنيا كفافًا لا له ولا عليه، والسلام. فولى عماد الدين بن عبد الرحمن بن عبد العلي بن السكري مصنف الحواشي على الوسيط، ثم صرف في المحرم سنة ثلاث عشرة؛ لأنه طلب منه قرض شيء من مال الأيتام فامتنع.

стр. 773

قال القاضي تاج الدين السبكي في الطبقات الكبرى: وبلغني أنه كان في زمانه رجل صالح يقال له: الشيخ عبد الرحمن النويري، وكان كثير المكاشفات والحكم بها، وكان القاضي عماد الدين ينكر عليه؛ فبلغ القاضي أنه أكثر الحكم بالمكاشفات، فعزله، فقال النويري: عزلته وذريته. فكان كما قال. وبلغني عن الظهير التزمنتي شيخ ابن الرفعة، قال: زرت قبر القاضي عماد الدين بعد موته بأيام، فوجدت عنده فقيرًا، فقال لي: يا فقيه، يحشر العلماء وعلى رأس كل واحد منهم لواء، وهذا القاضي عماد الدين منهم؛ وطلبته فلم أره. وولي بعده شرف الدين محمد بن عبد الله الإسكندراني المعروف بابن عين الدولة قضاء القضاة بالقاهرة والوجه البحري، وتاج الدين عبد السلام بن الخراط مصر والوجه القبلي، ثم صرف ابن الخراط في شعبان سنة سبع عشرة وستمائة، وجميع العملان لابن عين الدولة. ثم صرف ابن عين الدولة عن مصر والوجه القبلي بالقاضي بدر الدين يوسف بن الحسن السنجاري في ربيع الآخر تسع وثلاثين، وبقي قاضيا بالقاهرة والوجه البحري فقط. وفي زمنه اتفقت الحكاية التي اتفقت في زمان الإمام محمد بن جرير الطبري (١) ؛ وهو أن امرأة كادت زوجها، فقالت: إن كنت تحبني فأحلف بطلاقي ثلاثا: مهما قلت لك تقول مثله في ذا المجلس؛ فحلف، فقالت له: أنت طالق ثلاثا، قل كما قلت لك. فأمسك، وترافعا إلى ابن عين الدولة، فقال: خذ بعقصتها: وقل: أنت طالق ثلاثًا إن طلقتك.

стр. 774

قال ابن السبكي: وكأنهما ارتفعا إليه في المجلس؛ وكان بمصر مغنية تدعى عجيبة، قد أولع بها الملك الكامل، فكانت تحضر إليه ليلا وتغنيه بالجنك (١) على الدف في مجلس بحضرة ابن شيخ الشيوخ وغيره. ثم اتفقت قضية شهد فيها الكامل عند ابن عين الدولة، وهو في دست ملكه، فقال ابن عين الدولة: السلطان يأمر ولا يشهد، فأعاد عليه القول، فلما زاد الأمر، وفهم السلطان أنه لا يقبل شهادته، قال: أنا أشهد، تقبلني أم لا؟ فقال القاضي: لا ما أقبلك، وكيف أقبلك وعجيبة تطلع إليك بجنكها كل ليلة! وتنزل ثاني يوم بكرة وهي تتمايل سكرى على أيدي الجواري، وينزل ابن الشيخ من عندك! أيحسن ما نزلت، فقال له السلطان: يا كيواج -وهي كلمة شتم بالفارسية- فقال: ما في الشرع يا كيواج، اشهدوا على أني قد عزلت نفسي ونهض. فقام ابن الشيخ إلى الملك الكامل، وقال: المصلحة إعادته لئلا يقال: لأي شيء عزل القاضي نفسه؟ وتطير الأخبار إلى بغداد، ويشيع أمر عجيبة! ونهض إلى القاضي، وترضاه، وعاد إلى القضاء (٢) . ومن شعره: وليت القضاء وليت القضاء ... لم يك شيئًا توليته وقد ساقني للقضاء القضاء ... وما كنت قدمًا تمنيته وأقام إلى أن توفي في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وستمائة. فولي بعده قضاء القاهرة بدر الدين يوسف السنجاري. وولي الشيخ عز الدين بن عبد السلام قضاء مصر والوجه القبلي، وكان قدم في هذه السنة من دمشق بسبب أن سلطانها الصالح إسماعيل استعان بالفرنج وأعطاهم مدينة صيدا وقلعة الشقيف. فأنكر عليه الشيخ عز الدين، وترك الدعاء له في الخطبة، وساعده في ذلك الشيخ جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب المالكي، فغضب السلطان منهما، فخرجا

стр. 775

إلى الديار المصرية فأرسل السلطان إلى الشيخ عز الدين؛ وهو في الطريق قاصدا يتلطف به في العود إلى دمشق، فاجتمع به ولاينه، وقال له: ما نريد منك شيئًا إلا أن تنكسر للسلطان، وتقبل يده لا غير. فقال الشيخ له: يا مسكين، ما أرضاه يقبل يدي فضلا عن أن أقبل يده! يا قوم، أنتم في واد وأنا في واد! والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاكم. فلما وصل إلى مصر، تلقاه سلطانها الصالح نجم الدين أيوب وأكرمه، وولاه قضاء مصر، فاتفق أن أستاداره (١) فخر الدين عثمان بن شيخ الشيوخ -وهو الذي كان إليه أمر المملكة- عمد إلى مسجد بمصر، فعمل على ظهره بناء طبلخاناه، وبقيت تضرب هناك، فلما ثبت هذا عند الشيخ عز الدين حكم بهدم ذلك البناء، وأسقط فخر الدين، وعزل نفسه من القضاء، ولم تسقط بذلك منزلة الشيخ عند السلطان، وظن فخر الدين وغيره أن هذا الحكم لا يتأثر به في الخارج، فاتفق أن جهز السلطان رسولا من عنده إلى الخليفة المستعصم ببغداد، فلما وصل الرسول إلى الديوان، ووقف بين يدي الخليفة، وأدى الرسالة له، خرج إليه، وسأله: هل سمعت هذه الرسالة من السلطان؟ فقال: لا، ولكن حملنيها عن السلطان فخر الدين بن شيخ الشيوخ أستاداره، فقال الخليفة: إن المذكور أسقطه ابن عبد السلام، فنحن لا نقبل روايته. فرجع الرسول إلى السلطان حتى شافهه (٢) بالرسالة، ثم عاد إلى بغداد، وأداها. ولما تولى الشيخ عز الدين القضاء تصدى لبيع أمراء الدولة من الأتراك، وذكر أنه لم يثبت عنده إنهم أحرار، وإن حكم الرق مستصحب عليهم لبيت مال المسلمين، فبلغهم ذلك، فعظم الخطب عندهم، واجترم الأمر، والشيخ مصمم لا يصحح لهم بيعا ولا شراء ولا نكاحا، وتعطلت مصالحهم لذلك؛ وكان من جملتهم نائب السلطنة، فاستثار غضبا، فاجتمعوا وأرسلوا إليه، فقال: نعقد لكم مجلسًا، وننادي عليكم لبيت مال المسلمين، فرفعوا الأمر إلى السلطان، فبعث
следующие страницы →