← История

История · id 3283

حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة

الجلال السيوطي

Полный текст (1 061 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ووزر كريم الدين بن كاتب المناخات، ثم صرف في رجب سنة سبع وثلاثين. ووزر أمين الدين بن الهيصم، ثم صرف في سنة ثمان وثلاثين. ووزر سعد الدين إبراهيم بن كاتب جكم. ثم وزر أخوه جمال الدين يوسف في ربيع الأول من السنة، ثم صرف في جمادى الآخرة من السنة. ووزر تاج الدين عبد الوهاب بن الخطير، ثم صرف في رمضان سنة تسع وثلاثين. ووزر الأمير خليل بن شاهين نائب الإسكندرية، ثم صرف. ووزر كريم الدين بن كاتب المناخ في ربيع الأول سنة أربعين. ثم في جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وزر عوضًا عن أمين الدين بن الهيصم، ثم صرف. ووزر سعد الدين فرج بن النجار، ثم صرف في جمادى سنة ثمان وخمسين. وأعيد أمين الدين بن الهيصم، ثم صرف في ذي القعدة من السنة. وأعيد سعد الدين. ثم وزر علي بن محمد الأهناسي، ثم صرف في سنة أربع وستين. ووزر فارس المحمدي يوما واحدا، ثم صرف. ووزر منصور الكاتب ثم صرف. ووزر محمد الأهناسي والد علي المذكور عشرة أيام. ثم وزر منصور الأسلمي ثم صرف في ربيع الآخر. وأعيد سعد الدين بن النجار، ثم صرف في ربيع الأول سنة خمس وستين. وأعيد علي بن الأهناسي، ثم صرف. ووزر شمس الدين بن صنيعة، ثم صرف في صفر سنة سبع وستين.

стр. 842

وأعيد ابن الأهناسي، ثم صرف في شوال. ووزر مجد الدين بن البقري، ثم صرف في المحرم سنة ثمان وستين. ووزر يونس بن عمر بن جربغا، ثم صرف عن قرب. وأعيد المجد بن البقري ثم صرف في ربيع الأول. ووزر محمد البباوي إلى أن غرق آخر ذي الحجة سنة تسع وستين. وأعيد الشرف يحيى بن صنيعة، ثم صرف في جمادى الآخرة. ووزر قاسم القرافي، ثم صرف. ووزر الأمير يشبك الدوادار، ثم صرف. ووزر الأمير خشقدم الطواشي، ثم صرف. ووزر ابن الزرازيري كاشف الصعيد ثم صرف عن قرب. وأعيد قاسم، ثم صرف. ووزر الأمير أقبردي الدوادار. ثم ولي بعده الأمير كربتاي الأحمر يوم الخميس، مستهل ذي الحجة سنة إحدى وتسعمائة.

стр. 843

ذكر كتاب السر: قال ابن الجوزي في التلقيح (١) : كان يكتب لرسول الله ﷺ أبو بكر وعمر، وعثمان وعلي وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت الأنصاري ومعاوية بن أبي سفيان، وحنظلة بن الربيع الأسدي، وخالد بن سعيد بن القاضي وأبان بن سعيد والعلاء بن الحضرمي؛ وكان المداوم على الكتابة زيد ومعاوية. وكان كاتب أبي بكر الصديق عثمان بن عفان، وكاتب عمر زيد بن ثابت وكاتب عثمان مروان بن الحكم، وكاتب علي عبد الله بن رافع وسعيد بن أبي نمر، وكاتب الحسن كاتب أبيه، وكاتب معاوية عبيد الله بن أوس الغساني. وكاتب يزيد عبيد الله بن أوس، ثم عمر العذري، وكاتب ابنه معاوية زمل بن عمر العذري، وكاتب مروان عبيد الله بن أوس وشعبان الأحول، وكاتب عبد الملك بن مروان روح بن زنباع الجذامي، وقبيصة بن ذؤيب، وكاتب ابنه الوليد قبيصة بن ذؤيب وقرة بن شريك والضحاك بن زمل، وكاتب سليمان يزيد بن المهلب وعبد العزيز بن الحارث، وكاتب عمر بن عبد العزيز رجاء بن حيوة الكندي، وليث بن أبي رقية، وكاتب يزيد بن عبد الملك سعيد بن الوليد الأبرش، ومحمد بن عبد الله بن حارثة الأنصاري، وكاتب هشام هذان وسالم مولاه، وكاتب الوليد العباس بن مسلم، وكاتب يزيد بن الوليد ثابت بن سليمان، وكاتب إبراهيم بن الوليد ثابت هذا، وكاتب مروان الحمار عبد الحميد بن يحيى مولى بني عامر. وقال ابن فضل الله: كانت كتابة الإنشاء في المشرق في خلافة بني العباس منوطة

стр. 844

بالوزراء، وربما انفرد بها رجل، واستقل بها كتاب لم يبلغوا مبلغ الوزارة، فكان يسمى في المشرق كتاب الإنشاء. ثم لما كثر عددهم سمي رئيسهم رئيس ديوان الإنشاء، ثم بقي يطلق عليه تارة صاحب ديوان الإنشاء وتارة كاتب السر. قال: وهي عندي أنبه، وعند الناس أدل، وكانت في دولة السلاجقية وملوك الشرق يسمى ديوان الطغراوية، والطغراء، هي الطرة بالفارسية. وأهل المغرب يسمون صاحب ديوان الإنشاء صاحب القلم الأعلى. انتهى. وقال غيره: إنما حدثت وظيفة كتابة السر في أيام قلاوون، وكانت هذه الوظيفة قديما في ضمن الوزارة، والوزير هو المتصرف في الديوان، وتحت يده جماعة من الكتاب، وفيهم رجل كبير يسمى صاحب ديوان الإنشاء، وصاحب ديوان الرسائل، فكان الكاتب للسفاح عبد الجبار بن عدي ثم كتب للمنصور، وكتب أيضا عبد الله بن المقفع المشهور بالبلاغة وأبو أيوب المورياني (١) ، وكتب للمهدي وزيره معاوية بن عبد الله والربيع بن يونس الحاجب، وكتب للهادي عمرو بن بزيع، فلما استخلف الرشيد ولي يوسف بن القاسم بن صبيح كتابة الإنشاء، فكان هو الذي قام خطيبا بين يديه، حتى أخذت له البيعة، وكتب للمأمون أحمد بن يوسف بن صبيح الكاتب وأحمد ابن الضحاك الطبري، وعمرو بن مسعدة، والمعلى بن أيوب وعمرو بن مهبول، وكتب للمعتصم والواثق إبراهيم الموصلي. وكتب للمتوكل أحمد بن المدبر وإبراهيم بن العباس الصولي. وكتب للطائع أبو القاسم عيسى بن الوزير علي بن عيسى بن الجراح. وكتب للقادر إبراهيم بن هلال الصابئ، وكان على دين الصابئة إلى أن مات. وكتب لجماعة من الخلفاء أبو سعيد العلاء بن الحسن بن وهب بن الموجلايا،

стр. 845

قال بعضهم: كتب في الإنشاء للخلفاء خمسا وستين سنة، وكان نصرانيا، فأسلم على يد المقتدي. وكتب للمقتدي سديد الدولة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الكريم بن الأنباري. قال ابن كثير: كان كاتب الإنشاء ببغداد للخلفاء، وانفرد بصناعة الإنشاء. وكتب للناصر قوام الدين يحيى بن سعيد الواسطي المشهور بابن زيادة صاحب ديوان الإنشاء ببغداد، ومن انتهيت إليه رياسة الترسل. وكتب للمستعصم عز الدين عبد الحميد بن هبة الله بن أبي الحديد المدائني الكاتب ومات سنة خمس وخمسين وستمائة، وقتل الخليفة عقب موته. فهو آخر كتاب الإنشاء لخلفاء بغداد. قلت: ومن الاتفاق الغريب أن آخر خلفاء بني أمية كتب له عبد الحميد الكاتب، وآخر خلفاء بني العباس ببغداد كتب له من اسمه عبد الحميد. وأما مصر فلم يكن بها ديوان إنشاء من حين فتحت إلى أيام أحمد بن طولون، فقوي أمرها، وعظم ملكها، فكتب عنده أبو جعفر محمد بن أحمد بن مودود. وكتب لولده خمارويه إسحاق بن نصر العبادي. وتوالت دواوين الإنشاء بذلك إلى أن ملكها العبيدية، فعظم ديوان الإنشاء بها ووقع الاعتناء به، واختيار بلغاء الكتاب ما بين مسلم وذمي؛ فكتب للعزيز بن المعز وزيره ابن كلس ثم أبو عبد الله الموصلي، ثم أبو المنصور بن حورس النصراني، ثم كتب للحاكم ومات في أيامه.

стр. 846

وكتب للحاكم بعده القاضي أبو الطاهر الهولي، ثم كتب لابن الحاكم الظاهر. وكتب للمستنصر القاضي ولي الدين بن خيران وولي الدولة موسى بن الحسن بعد انتقاله إلى الوزارة وأبو سعيد العبدي. وكتب للآمر والحافظ أبو الحسن علي بن أبي أسامة الحلبي، إلى أن توفي، فكتب ولده أبو المكارم إلى أن توفي، ومعه أمين الدين تاج الرياسة أبو القاسم علي بن سليمان المعروف بابن الصرفي، والقاضي كافي الكفاة محمود بن الموفق بن قادوس وابن أبي الدم اليهودي. ثم كتب بعد ابن أبي المكارم القاضي موفق الدين أبو الحجاج يوسف بن الخلال بقية أيام الحافظ إلى آخر أيام العاضد، وبه تخرج القاضي الفاضل. ثم أشرك العاضد مع ابن الخلال في ديوان الإنشاء القاضي جلال الدين محمود الأنصاري. ثم كتب القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني بين يدي ابن الخلال في وزارة صلاح الدين، فلما ملك صلاح الدين كتب له القاضي الفاضل. ثم أضيفت إليه الوزارة. ثم كتب بعده لابنه العزيز ثم لولده المنصور ومات. وكتب للكامل أمين الدين سليمان المعروف بكاتب الدرج إلى أن مات، فكتب بعده أمين الدين عبد المحسن بن حمود الحلبي، ثم كتب للصالح أيضا. ثم ولي ديوان الإنشاء الصاحب بهاء الدين زهير الشاعر المشهور (١) ، ثم صرف وولي بعده الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان الأسعردي، فأقام إلى انقراض الدولة الأيوبية، وكتب بعدها للمعز أيبك ثم للمظفر قطز، ثم للظاهر بيبرس ثم للمنصور قلاوون، ثم نقله قلاوون من ديوان الإنشاء للوزارة.

стр. 847

وولي ديوان الإنشاء مكانه فتح الدين بن عبد الظاهر، وهو أول من سمي كاتب السر، وسبب ذلك ما حكاه الصلاح الصفدي أن الملك الظاهر رفع إليه مرسوم أنكره، فطلب محيي الدين بن عبد الظاهر وأنكر عليه، فقال: يا خوند (١) ، هكذا قال لي الأمير سيف الدين بن بلبان الدوادار، فقال السلطان: ينبغي أن يكون للملك كاتب سر يتلقى المرسوم منه شفاها -وكان قلاوون حاضرا من جملة الأمراء- فوقرت هذه الكلمة في صدره، فلما تسلطن اتخذ كاتب سر، فكان فتح الدين هذا أول من شهر بهذا الاسم؛ وكان هو والوزير لقمان بين يدي السلطان، فحضر كتاب، فأراد الوزير أن يقرأه، فأخذ السلطان الكتاب منه، ودفعه إلى فتح الدين، وأمره بقراءته، فعظم ذلك على ابن لقمان؛ وكانت العادة إذ ذاك ألا يقرأ أحد على السلطان كتابا بحضرة الوزير. واستمر فتح الدين في كتابة السر إلى أن توفي أيام الأشرف خليل. فولي مكانه تاج الدين بن الأثير إلى أن توفي. وولي شرف الدين بن عبد الوهاب العمري، ثم نقله الناصر في سنة إحدى عشرة وسبعمائة إلى كتابة السر بدمشق. وولي مكانه علاء الدين بن تاج الدين بن الأثير إلى أن فلج. وولي محيي الدين بن فضل الله، وولده شهاب الدين معينا له لكبر سنه، ثم صرفا. وولي شرف الدين بن الشهاب محمود ثم صرف، وأعيد ابن فضل الله وولده شهاب الدين ثم صرفا إلى الشام. وولي علاء الدين بن فضل الله أخو شهاب الدين، فاستمر في الوظيفة نيفًا وثلاثين سنة إلى أن مات سنة تسع وستين وسبعمائة.

стр. 848

وولي ولده بدر الدين محمد إلى أن تسلطن برقوق فصرفه. وولى أوحد الدين عبد الواحد بن إسماعيل التركماني؛ إلى أن مات في ذي الحجة سنة ست وثمانين. وأعيد بدر الدين إلى أن تسلطن برقوق الثانية، فصرفه. وولي علاء الدين علي بن عيسى الكركي إلى أن مات سنة أربع وتسعين. وأعيد بدر الدين إلى أن مات في شوال سنة ست وتسعين. وولي بدر الدين محمود الكلستاني إلى أن مات في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانمائة. وولي فتح الدين فتح الله بن مستعصم التبريزي، ثم صرفه الناصر فرج بسعد الدين بن غراب مدة يسيرة، ثم صرف ابن غراب، وأعيد فتح الله ثم صرف، وولي فخر الدين بن المزوق ثم صرف، وأعيد فتح الله إلى أن قبض عليه المؤبد سنة ست عشرة وثمانمائة. وولي ناصر الدين محمد بن البارزي إلى أن مات في سنة ثلاث وعشرين. وولي ولده كمال الدين محمد، ثم صرف. وولي علم الدين داود بن الكويز إلى أن مات سنة ست وعشرين. وولي جمال الدين يوسف بن الكركي ثم صرف. وولي قاضي القضاة شمس الدين الهروي الشافعي، ثم صرف. وولي نجم الدين عمر بن حجي ثم صرف. وولي شمس الدين محمد بن مزهر إلى أن مات في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين. وولي ولده جلال الدين محمد، ثم صرف. وولي الشريف شهاب الدين الدمشقي إلى أن مات بالطاعون. وولي شهاب الدين أحمد بن السفاح الحلبي إلى أن مات سنة خمس وثلاثين.

стр. 849

وولي الوزير كريم الدين عبد الكريم كاتب المناخ مضافا للوزارة، ثم صرف بعد أشهر. وأعيد الكمال بن البارزي، ثم صرف في رجب سنة تسع وثلاثين. وولي محب الدين بن الأشقر، ثم صرف. وولي صلاح الدين محمد بن الصاحب بدر الدين حسن نصر الله إلى أن مات بالطاعون سنة إحدى وأربعين. وولي مكانه أبوه الصاحب بدر الدين حسن، ثم صرف في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين. وأعيد ابن البارزي إلى أن مات في صفر سنة ست وخمسين. وأعيد ابن الأشقر ثم صرف في ذي القعدة. وولي محب الدين بن الشحنة ثم صرف بعد ستة أشهر. وأعيد ابن الأشقر، ثم صرف في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين. وأعيد ابن الشحنة ثم صرف في شوال سنة ست وستين. وولي القاضي برهان الدين بن الديري، ثم صرف بعد نصف شهر. وولي القاضي تقي الدين أبو بكر بن كاتب السر بدر الدين بن مزهر، فاستمر إلى الآن عامله الله بألطافه، وختم لنا وله بخير. آمين! ثم توفي في سادس رمضان سنة ثلاث وتسعين، وولي ولده القاضي بدر الدين أعزه الله تعالى!

стр. 850

ذكر جوامع مصر*: مدخل اعلم أنه من حين فتحت مصر لم يكن بها مسجد تقام فيه الجمعة سوى جامع عمرو بن العاص إلى أن قدم عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس من العراق في طلب مروان الحمار سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فنزل عسكره في شمالي الفسطاط وبنوا هنالك الأبنية، فسمي ذلك الموضع بالعسكر، وأقيمت هناك الجمعة في مسجد فصارت الجمعة تقام بجامع عمرو وبجامع العسكر إلى أن بنى السلطان أحمد بن طولون جامعه حين بنى القطائع (١) ، فأبطلت الخطبة من جامع العسكر، وصارت الجمعة تقام بجامع عمرو وبجامع ابن طولون إلى أن قدم جوهر القائد (٢) ، واختط القاهرة، وبنى الجامع الأزهر في سنة ستين وثلاثمائة، فصارت الجمعة تقام بثلاثة جوامع (٣) . ثم إن العزيز بالله بنى في ظاهر القاهرة من جهة باب الفتوح الذي يعرف اليوم بجامع الحاكم سنة ثمانين وثلاثمائة، وأكمله ابنه الحاكم، ثم بنى جامع المقس وجامع راشدة، فكانت الجمعة تقام في هذه الجوامع الستة إلى أن انقضت دولة العبيديين في سنة سبع وستين، وخمسمائة، فبطلت الجمعة من الجامع الأزهر، وبقيت فيما عداه. فلما كانت الدولة التركية أحدثت عدة جوامع، فبني في زمن الظاهر بيبرس جامع الحسينية في سنة تسع وستين؛ ثم بنى الناصر بن قلاوون الجامع الجديد بمصر في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وبنى أمراؤه وكتابه في أيامه نحو ثلاثين جامعا، وكثرت في هذا القرن وما بعده إلى الآن؛ فلعلها الآن في مصر والقاهرة أكثر من مائتي جامع.

стр. 851

قال هشام بن عمار: حدثنا المغيرة بن المغيرة، حدثنا عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه، قال: لما افتتح عمر البلدان كتب إلى أبي موسى وهو على البصرة يأمره أن يتخذ مسجدًا للجماعة، ويتخذ للقبائل مساجد، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة، وكتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو على الكوفة بمثل ذلك، وكتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر بمثل ذلك، وكتب إلى أمراء أجناد الشام ألا ينبذوا إلى القرى وأن ينزلوا المدائن، وأن يتخذوا في كل مدينة مسجدا واحدا، ولا تتخذ القبائل مساجد؛ وكان الناس متمسكين بأمر عمر وعهده. وقال القضاعي: لم تكن الجمعة تقام في زمن عمرو بن العاص بشيء من أرض مصر إلا بجامع الفسطاط. قال ابن يونس: جاء نفر من غافق إلى عمرو بن العاص، فقالوا: إنا نكون في الريف، فنجتمع في العيدين الفطر والأضحى، ويؤمنا رجل من، قال: نعم، قالوا: فالجمعة؟ قال: لا، ولا يصلي الجمعة بالناس إلا من أقام الحدود، وأخذ بالذنوب، وأعطى الحقوق.

стр. 852

جامع عمرو*: قال ابن المتوج في إيقاظ المتغفل وإيعاظ المتؤمل: هو الجامع العتيق المشهور بتاج الجوامع، قال الليث بن سعد: ليس لأهل الراية مسجد غيره؛ وكان الذي حاز موضعه ابن كلثوم التجيبي (١) ، ويكنى أبا عبد الرحمن، ونزله في حصارهم الحصن، فلما رجعوا من الإسكندرية سأل عمرو وقيسبة في منزله هذا، تجعله مسجدا؟ فقال قيسبة: فإني أتصدق به على المسلمين، فسلمه إليهم؛ فبني في سنة إحدى وعشرين، وكان طوله خمسين ذراعا في عرض ثلاثين. ويقال: إنه وقف على إقامة قبلته ثمانون رجلا من الصحابة، منهم الزبير ابن العوام والمقداد بن الأسود وعبادة بن الصامت و"أبو" الدرداء، وأبو ذر وأبو بصرة ومحمية بن جزء الزبيدي، ونبيه بن صواب وفضالة بن عبيد وعقبة بن عامر، ورافع بن مالك وغيرهم (٢) . ويقال: إنها كانت مشرفة جدًّا، وأن قرة بن شريك لما هدم المسجد وبناه في زمن الوليد تيامن قليلا. وذكر أن الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة كانا يتيامنان إذا صليا فيه؛ ولم يكن للمسجد الذي بناه عمرو محراب مجوف، وإنما قرة بن شريك جعل المحراب المجوف.

стр. 853

وأول من أحدث ذلك عمر بن عبد العزيز، وهو يومئذ عامل الوليد على المدينة حين هدم المسجد النبوي، وزاد فيه. وأول من زاد في جامع ومسلمة بن مخلد، وهو أمير مصر سنة ثلاث وخمسين، شكا الناس إليه ضيق المسجد، فكتب إلى معاوية، فكتب معاوية إليه يأمره بالزيادة فيه، فزاد فيه من بحرية، وجعل له رحبة من البحري وبيضه وزخرفه، ولم يغير البناء القديم، ولا أحدث في قبلته ولا غربيه شيئا. وكان عمرو قد اتخذ منبرا، فكتب إليه عمر بن الخطاب ﵁ بعزم عليه في كسره: أما بحسبك أن تقوم قائما، والمسلمون جلوس تحت عقبيك! فكسره. وذكر أنه زاد من شرقيه حتى ضاق الطريق بينه، وبين دار عمرو بن العاص وفرشه بالحصر، وكان مفروشا بالحصباء. وقال في كتاب الجند العربي: إن مسلمة نقض ما كان عمرو بن العاص بناه، وزاد فيه من شرقيه، وبنى فيه أربع صوامع، في أركانه الأربعة برسم الأذان، ثم هدمه عبد العزيز بن مروان أيام إمرته بمصر في سنة تسع وسبعين، وزاد فيه من ناحية الغرب، وأدخل فيه الرحبة التي كانت بحرية. ثم في سنة تسع وثمانين أمر الوليد نائبه بمصر برفع سقفه وكان مطأطئًا، ثم هدمه قرة بن شريك بأمر الوليد سنة اثنتين وتسعين وبناه، فكانوا يجمعون في قيسارية العسل حتى فرغ من بنائه في رمضان سنة ثلاث وتسعين، ونصب فيه المنبر الجديد في سنة أربع وتسعين، وعمل فيه المحراب المجوف، وعمل للجامع أربعة أبواب، ولم يكن له قبل إلا بابان، وبنى فيه بيت المال، بناه أسامة بن زيد التنوخي متولي الخراج بمصر سنة تسع وتسعين؛ فكان مال المسلمين فيه، ثم زاد فيه صالح علي بن عبد الله بن عباس،

стр. 854

وهو يومئذ أمير من قبل السفاح، وذلك في سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فأدخل فيه دار الزبير بن العوام، واحدث له بابا خامسا. ثم زاد فيه موسى بن عيسى الهاشمي، وهو يومئذ أمير مصر من قبل الرشيد في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة. ثم زاد فيه عبد الله بن طاهر بن الحسين -وهو أمير مصر من قبل المأمون- في جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة (١) ومائتين؛ فتكامل ذرع الجامع مائتين وتسعين ذراعا بذراع العمل طولا في مائة وخمسين عرضا. ويقال: إن ذرع جامع ابن طولون مثل ذلك سوى الأزقة المحيطة بجوانبه الثلاثة. ونصب عبد الله بن طاهر اللوح الأخضر، فلما احترق الجامع احترق ذلك اللوح، فجعل أحمد بن محمد العجيفي هذا اللوح مكانه، وهو الباقي إلى اليوم. ولما تولى الحارث بن مسكين القضاء من قبل المتوكل سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، أمر ببناء هذه (٢) الرحبة لينتفع الناس بها، وبلط زيادة بن طاهر، وأصلح السقف. ثم زاد فيه أبو أيوب أحمد بن محمد بن شجاع صاحب الخراج في أيام المستعصم في سنة ثمان وخمسين ومائتين. ثم وقع في مؤخر الجامع حريق في ليلة الجمعة لتسع خلون من صفر سنة خمس وسبعين ومائتين، فأمر خمارويه بن أحمد بن طولون بعمارته على يد العجيفي، فأعيد على ما كان، وأنفق فيه ستة آلاف وأربعمائة دينار، وكتب اسم خمارويه في دائرة الرواق الذي عليه اللوح الأخضر (٣) .

стр. 855

وزاد فيه أبو حفص العباسي أيام نظره في قضاء مصر خلافة لأخيه الغرفة التي يؤذن فيها المؤذنون في السطح؛ وذلك في سنة ست وثلاثين وثلثمائة. ثم زاد فيه أبو بكر محمد بن عبد الله بن الخازن رواقا مقداره تسعة أذرع، وذلك في رجب سنة سبع وخمسين وثلثمائة، ومات قبل إتمامه، فأتمه ابنه علي، وفرع في رمضان سنة ثمان وخمسين، ثم بنى فيه الوزير أبو الفرج يعقوب بن كلس بأمر العزيز بالله الفوارة التي تحت قبة بيت المال، وهو أول من عمل فيه فوارة (١) . وفي سنة سبع وثمانين وثلثمائة بيض المسجد، ونقشت ألواحه، وذهب على يد برجوان الخادم، وعمل فيه تنور يوقد كل ليلة جمعة. وفي سنة ثلاث وأربعمائة أنزل إليه من القصر بألف ومائتين وتسعين (٢) مصحفًا في ربعات، فيها ما هو مكتوب بالذهب كله، ومكن الناس من القراءة فيها، وأنزل إليه تنور من فضة استعمله (٣) الحاكم بأمر الله برسم الجامع، فيه مائة ألف درهم فضة، فاجتمع الناس، وعلق بالجامع بعد أن قلعت عتبتا الجامع حتى أدخل به. ثم في أيام المستنصر في رمضان سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة زيد في المقصورة في شرقيها وغربيها، وعملت منطقة فضة في صدر المحراب الكبير، أثبت عليها اسم أمير المؤمنين، وجعل لعمودي المحراب أطواقًا من فضة، فلم يزل (٤) ذلك إلى أن استبد السلطان صلاح الدين بن أيوب فأزاله (٥) . وفي ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، عمل مقصورة خشب ومحراب ساج

стр. 856

منقوش بعمودي صندل برسم الخليفة، تنصب له في زمن الصيف، وتقلع في زمن الشتاء إذا صلى الإمام في المقصورة الكبيرة. وفي سنة أربع وستين وخمسمائة تمكن الفرنج من ديار مصر، وحكموا في القاهرة حكما جائرا، فتشعث الجامع، فلما استبد السلطان صلاح الدين جدده في سنة ثمان وستين وخمسمائة، ورخمة ورسم عليه اسمه، وعمر المنظرة التي تحت المئذنة الكبيرة، وجعل لها سقاية. ولما تولى تاج الدين بن بنت الأعز قضاء الديار المصرية أصلح ما مال منه، وهدم ما به من الغرف المحدثة، وجمع أرباب الخبرة، واتفق الرأي على إبطال جواز الماء (١) إلى الفسقية، وكان الماء يصل إليها من بحر النيل، فأمر بإبطاله لما كان فيه من الضرر على جدار الجامع. وجد السلطان بيبرس في عمارة ما تهدم من الجامع، فرسم بعمارته، وكتب اسم الظاهر بيبرس على اللوح الأخضر، وجليت العمد كلها، وبيض الجامع بأسره، وذلك في رجب سنة ست وستين وستمائة. ثم جدد في أيام المنصور قلاوون سنة سبع وثمانين وسبعمائة. ولما حدثت الزلزلة في سنة اثنتين وسبعمائة تشعث الجامع فجدده (٢) سلار نائب السلطنة. ثم تشعث في أيام الظاهر برقوق، فعمره الرئيس برهان الدين إبراهيم بن عمر المحلي

стр. 857

رئيس التجار، وأزال اللوح الأخضر، وجدد لوحا آخر بدله وهو الموجود الآن، وانتهت عمارته في سنة أربع وثمانمائة. وقال ابن المتوج: ذرع هذا الجامع اثنان وأربعون ألف ذراع بذراع البز المصري القديم، وهو ذراع الحصر المستمر الآن، وذرعه بذراع العمل ثمانية وعشرون ألف ذراع، وعدد أبوابه ثلاثة عشر بابا. وممن تولى إمامة هذا الجامع أبو رجب العلاء بن عاصم الخولاني، وهو أول من سلم في الصلاة تسليمتين بهذا الجامع، بكتاب ورد عليه من المأمون يأمره بذلك؛ وصلى خلفه الإمام الشافعي حين قدم مصر، فقال: هكذا تكون الصلاة، ما صليت خلف أحد أتم صلاة من أبي رجب ولا أحسن. ولما تولى القصص حسن بن الربيع بن سليمان في زمن المتوكل سنة أربعين ومائتين، أمر بترك قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" في الصلاة، وأمر أن تصلى التراويح، وكانت تصلى قبل ذلك ست تراويح. قال القضاعيّ: ولم يكن الناس يصلون بالجامع صلاة العيد، حتى كانت سنة ست وثلثمائة صلى فيها رجل يعرف بعلي بن أحمد بن عبد الملك الفهمي (١) صلاة الفطر، ويقال: إنه خطب من دفتر نظرا، وحفظ عنه أنه قال: "اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مشركون"، فقال بعض الشعراء: قام في العيد لنا خطيبًا ... فحرض الناس على الكفر (٢) وذكر بعضهم أنه كان يوقد في الجامع العتيق كل ليلة ثمانية عشر ألف فتيلة،

стр. 858

وأن المطلق برسمه خاصة لوقود كل ليلة أحد عشر قنطارًا زيتًا طيبًا. وقال المقريزي: أخبرني شهاب الدين أحمد بن عبد الله الأوحدي، أخبرني المؤرخ ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم بن الفرات، أخبرنا العلامة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ الحنفي، أنه أدرك بجامع عمرو قبل الوباء الكائن في سنة تسع وأربعين وسبعمائة بضعًا وأربعين حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح منه.

стр. 859

جامع أحمد بن طولون*: هذا الجامع موضعه يعرف بجبل يشكر، قال ابن عبد الظاهر: وهو مكان مشهور بإجابة الدعاء، وقيل: إن موسى عليه صلاة والسلام ناجى ربه عليه بكلمات. وابتدأ في بناء هذا الجامع الأمير أبو العباس أحمد بن طولون بعد بنائه القطائع (١) ، وهي مدينة بناها ما بين سفح الجبل حيث القلعة الآن، وبين الكبارة وما بين كوم الجارح وقناطر السباع؛ فهذه كانت القطائع (٢) . وكان ابتداء بنائه في سنة ثلاث وستين ومائتين، وفرغ منه سنة ست وستين، وبلغت النفقة عليه في بنائه مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار. وقيل: إنه قال: أريد أن أبني بناء إن احترقت مصر بقي، وإن غرقت بقي، فقيل: تبني بالجير والرماد والآجر الأحمر، ولا تجعل فيه أساطين خام، فإنه لا صبر له في النار؛ فبنى هذا البناء، فلما كمل بناؤه أمر بأن يعمل دائرة منطقه عنبر معجون ليفوح ريحها على المصلين، وأشعر الناس بالصلاة فيه، فلم يجتمع فيه أحد، وظنوا أنه بناه من مال حرام، فخطب

стр. 860

فيه، وحلف أنه ما بني هذا المسجد بشيء من ماله، وإنما بناه بكنز ظفر به، وإن العشار الذي نصبه على منارته وجده في الكنز (١) . فصلى الناس فيه، وسألوه أن يوسع قبلته، فذكر أن المهندسين اختلفوا في تحرير قبلته، فرأى في المنام النبي ﷺ ، وهو يقول: يا أحمد، ابن قبلة هذا الجامع على هذا الموضع؛ وخط له في الأرض صورة ما يعمل. فلما كان الفجر مضى مسرعا إلى ذلك الموضع؛ فوجد صورة القبلة في الأرض مصورة، فبنى المحراب عليها، ولا يسعه أن يوسع فيه لأجل ذلك، فعظم شأن الجامع، وسألوه أن يزيد فيه زيادة، فزاد فيه. قال الخطيب: ركب أحمد بن طولون يومًا يتصيد بمصر، فغاصت قوائم فرسه في الرمل، فأمر بكشف ذلك الموضع، فظهر له كنز فيه ألف ألف دينار، فأنفقها في أبواب البر والصدقات، وبنى منها الجامع، وأنفق عليه مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، وبنى المارستان، وأنفق عليه ستين ألف دينار. وقال صاحب مرآة الزمان (٢) : قرأت في تاريخ مصر أن ابن طولون كان لا يعبث قط،

стр. 861

وأنه أخذ يومًا درجًا من الكاغد، وجعل يعبث به، وبقي بعضه في يده، فعجب الحاضرون فقال: اصنعوا منارة الجامع على هذا المثال، وهي قائمة اليوم على ذلك. قال: ولما تم بناء الجامع رأى ابن طولون في منامه كأن الله تجلى للقصور التي حول الجامع، ولم يتجل للجامع، فسأل المعبرين، فقالوا: يخرب ما حوله، ويبقى الجامع قائما وحده. قال: ومن أين لكم هذا؟ قالوا: من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (١) . وقوله ﵊: "إذا تجلى الله لشيء خضع له"، فكان كما قالوا. وفي الخطط للمقريزي: بنى أحمد بن طولون جامعه على بناء جامع سامراء، كذلك المنارة، وبيضه وحلقه وفرشه بالحصر العبدانية، وعلق فيه القناديل المحكمة لسلاسل النحاس المفرغة الحسان الطوال، وحمل إليه صناديق المصاحف، وكان في وسط صحنه قبة مشبكة من جميع جوانبها، وهي مذهبة على عشرة عمد رخام مفروشة كلها بالرخام، وتحت القبة قصعة رخام سعتها أربعة أذرع، وسطها فوارة تفور بالماء، وكانت على السطح علامات للزوال وأسطح بدرابزين ساج، فاخترق هذا كله في ساعة واحدة في ليلة الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، فلما كان في محرم سنة خمس وثمانين وثلاثمائة؛ أمر العزيز بالله بن المعز ببناء فوارة عوضا عن التي احترقت. قال المقريزي: ولما كمل بناء جامع بن طولون صلى فيه القاضي بكار (٢) إمامًا، وخطب فيه أبو يعقوب البلخي، وأملى فيه الحديث الربيع بن سليمان تلميذ الإمام الشافعي، ودفع إليه أحمد بن طولون في ذلك اليوم كيسا فيه ألف دينار (٣) . وعمل الربيع

стр. 862

كتابًا (١) فيما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة"، ودس أحمد بن طولون عيونا لسماع ما يقوله الناس من العيوب في الجامع، فقال رجل: محرابه صغير، وقال آخر: ما فيه عمود، وقال آخر: ليس له ميضأة، فجمع الناس وقال: أما المحراب فإني رأيت رسول الله ﷺ وقد خطه لي، وأما العمد فإني بنيت هذا الجامع من مال حلال وهو الكنز، وما كنت لأشوبه بغيره، وهذه العمد إما أن تكون من مسجد أو كنيسة، فنزهته عنهما؛ وأما الميضأة، فها أنا أبنيها خلفه، ثم عمل في مؤخره ميضأة وخزانة شراب فيها، جمع الأشربة والأدوية، وعليها خدم، وفيها طبيب جالس يوم الجمعة لحادث يحدث من الحاضرين للصلاة، وأوقف على الجامع أوقافًا كثيرة سوى الرباع ونحوها، ولم يتعرض إلى شيء من أراضي مصر ألبتة. ثم لما وقع الغلاء في زمن المستنصر خربت القطائع بأسرها، وعدم السكن هنالك، وصار ما حول الجامع خرابًا. وتوالت الأيام على ذلك، فتشعث الجامع، وخرب أكثره، وصارت المغاربة تنزل فيه بإبلها ومتاعها عند ما تقدم الحج، وتمادى الأمر على ذلك. ثم إن لاجين لما قتل الأشرف خليل بن قلاوون هرب، فاختفى بمنارة هذا الجامع فنذر إن نجاه الله من هذه الفتنة ليعمرنه، فنجاه الله، وتسلطن، فأمر بتجديده، وفوض أموره إلى الأمير علم الدين سنجر الزيني، فعمره ووقف عليه وقفًا، ورتب فيه دروس التفسير والحديث والفقه على المذاهب الأربعة والقراءات والطب، والميقات حتى جعل من جملة ذلك وقفا على الديكة تكون في سطح الجامع في مكان مخصوص بها؛ لأنها تعين الموقتين وتوقظهم في السحر. فلما قرئ كتاب الوقف على السلطان أعجبه،

стр. 863

كل ما فيه إلا أمر الديكة، فقال: أبطلوا هذا لا تضحكوا الناس علينا، فأبطل. وأول من ولي نظره بعد تجديده الأمير علم الدين سنجر العادلي، وهو إذ ذاك دوادار السلطان لاجين. ثم ولي نظره قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، ثم وليه أمير مجلس في أيام الناصر محمد بن قلاوون؛ فلما مات وليه قاضي القضاة عز الدين بن جماعة. ثم ولاه الناصر للقاضي كريم الدين، فجدد فيه مئذنتين، فلما نكبه السلطان عاد نظره للقاضي الشافعي إلى أيام السلطان حسن، فتولاه الأمير صرغتمس؛ وتوفر في مدة نظره من مال الوقف مائة ألف درهم فضة، وقبض عليه وهي حاصلة، فباشره قاضي القضاة إلى أيام الأشرف شعبان، ففوض نظره إلى الأمير الجاي اليوسفي إلى أن غرق، فتحدث فيه القاضي الشافعي إلى أن فوض الظاهر برقوق نظره إلى الأمير قطلوبغا الصفوي، ثم عاد نظره إلى القضاة بعد الصفوي، وهو بأيديهم إلى اليوم. وفي سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة جدد الرواق البحري الملاصق للمئذنة البازدار مقدم الدولة عبيد بن محمد بن عبد الهادي، وجدد فيه أيضًا ميضأة بجانب الميضأة القديمة.

стр. 864

الجامع الأزهر*: هذا الجامع أول جامع أسس بالقاهرة، أنشأه القائد جوهر الكاتب الصقلي مولى المعز لدين الله لما اختط القاهرة، وابتدأ بناءه في يوم السبت لست بقين من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، وكمل بناؤه لسبع (١) خلون من رمضان سنة إحدى وستين، وكان به طِلَّسم، لا يسكنه عصفور ولا يمام ولا حمام، وكذا سائر الطيور (٢) . ثم جدده الحاكم بأمر الله، ووقف عليه أوقافًا، وجعل فيه تنورين فضة وسبعة وعشرين قنديلًا فضة، وكان نضده في محرابه منطقة فضة، كما كان في محراب جامع عمرو، فقلعت في زمن صلاح الدين يوسف بن أيوب، فجاء وزنها خمسة آلاف درهم نقرة (٣) ، وقلع أيضا المناطق من بقية الجوامع. ثم إن المستنصر جدد هذا الجامع أيضا وجدده الحافظ، وأنشأ فيه مقصورة لطيفة بجوار الباب الغربي الذي في مقدم الجامع (٤) . ثم جدد في أيام الظاهر بيبرس. ولما بني الجامع كانت الخطبة تقام فيه، حتى بني الجامع الحاكمي، فانتقلت الخطبة إليه، وكان الخليفة يخطب في جامع عمرو جمعة، وفي جامع ابن طولون جمعة، وفي

стр. 865

الجامع الأزهر جمعة، ويستريح جمعة. فلما بني الجامع الحاكمي صار الخليفة يخطب فيه. ولم تنقطع الجمعة من الجامع الأزهر بالكلية. فلما ولي السلطان صلاح الدين بن أيوب، قلد وظيفة القضاء صدر الدين بن درباس، فعمل بمقتضى مذهبه، وهو امتناع إقامة خطبتين في بلد واحد، كما هو مذهب الشافعي ﵁، فأبطل الخطبة من الجامع الأزهر، وأقرها بالجامع الحاكمي لكونه أوسع، فلم يزل الجامع الأزهر معطلا من إقامة الخطبة فيه إلى أيام الظاهر بيبرس، فتحدث في إعادتها فيه، فامتنع قاضي القضاة ابن بنت الأعز وصمم، فولى السلطان قاضيا حنفيا، فأذن في إعادتها فأعيدت.

стр. 866

جامع الحاكم*: أول من أسسه العزيز بالله ابن المعز، وخطب فيه، وصلى بالناس (١) ، ثم أكمله الحاكم بأمر الله (٢) ، وكان أولا يعرف بجامع الخطبة، ويعرف اليوم بجامع الحاكم، ويقال له: الجامع الأنور، وكان تمام عمارته في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وحبس عليه الحاكم عدة قياسر، وأملاك بباب الفتوح، وقد قدم في الزلزلة الكائنة في سنة اثنتين وسبعمائة، فجدده بيبرس الجاشنكير، ورتب فيه دروسًا على المذاهب الأربعة، ودرس حديث ودرس نحو، ودرس قراءات. ومن بناء الحاكم أيضًا جامع راشدة، بجوار رباط الآثار، وعرف بجامع راشدة؛ لأنه في خطة راشدة؛ قبيلة من لخم. وصلى به الحاكم الجمعة أيضا (٣) . ومن بنائه أيضًا الجامع الذي بالمقس على شاطئ النيل، ووقف عليه أوقافا، ثم جدده في سنة سبعين وسبعمائة الوزير شمس الدين المقسي (٤) .

стр. 867

ومن الجوامع التي بنيت في خلافة بني عبيد الجامع الأقمر، بناه الآمر بأحكام الله (١) . والجامع الأفخر؛ وهو (٢) الذي يقال له اليوم: جامع الفكاهيين بناه الخليفة الظافر. وجامع الصلاح خارج (٣) باب زويلة بناه الملك الصالح طلائع بن رزيك وزير الخليفة الفائز.

стр. 868

ذكر أمهات المدارس والخانقاه العظيمة بالديار المصرية: مدخل قال: أول من بنى المدارس في الإسلام الوزير نظام الملك قوام الدين الحسن بن علي الطوسي، وكان وزير السلطان البارسلان السلجوقي عشر سنين، ثم وزر لولده ملكشاه عشرين سنة. وكان يحب الفقهاء والصوفية ويكرمهم، ويؤثرهم، بنى المدرسة النظامية ببغداد، وشرع فيها في سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ونجزت سنة تسع وخمسين، وجمع الناس على طبقاتهم فيها يوم السبت عاشر ذي القعدة ليدرس فيها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، فجاء الشيخ ليحضر الدرس، فلقيه صبي في الطريق، فقال: يا شيخ كيف تدرس في مكان مغصوب؟ فرجع الشيخ؛ واختفى. فلما يئسوا من حضوره، ذكر الدرس بها أبو نصر بن الصباغ عشرين يوما. ثم إن نظام الملك احتال على الشيخ أبي إسحاق، ولم يزل يرفق به حتى درس بها، فحضر يوم السبت مستهل ذي الحجة، وألقى الدرس بها إلى أن توفي. وكان يخرج أوقات الصلاة فلا يصلي بمسجد خارجها احتياطًا. وبنى نظام الملك أيضا مدرسة بنيسابور تسمى النظامية، درس بها إمام الحرمين، واقتدى الناس به في بناء المدارس. وقد أنكر الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام على من زعم أن نظام الملك أول من بنى المدارس وقال: قد كانت المدرسة البيهقية بنيسابور قبل أن يولد نظام الملك، والمدرسة السعيدية بنيسابور أيضا، بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود لما كان واليا بنيسابور، ومدرسة ثالثة بنيسابور، بناها أبو سعد إسماعيل بن علي بن المثنى الأستراباذي الصوفي الواعظ شيخ الخطيب، ومدرسة رابعة بنيسابور أيضا بنيت للأستاذ أبي إسحاق. قال الحاكم في ترجمة الأستاذ أبي إسحاق: لم يكن بنيسابور مدرسة قبلها مثلها؛

стр. 869

وهذا صريح في أنه بني قبلها غيرها. قال القاضي تاج الدين السبكي في طبقاته الكبرى: قد أدرت فكري، وغلب على ظني أن نظام الملك أول من رتب فيها المعاليم للطلبة، فإنه لم يصح لي: هل كان للمدارس قبله معاليم أم لا؟ والظاهر أنه لم يكن لهم معلوم. انتهى. وأما مصر، قال ابن خلكان: لما ملك السلطان صلاح الدين بن أيوب بالديار المصرية، لم يكن بها شيء من المدارس، فإن الدولة العبيدية كان مذهبها مذهب الرافضة والشيعة، فلم يكونوا يقولون بهذه الأشياء، فبنى السلطان صلاح الدين بالقرافة الصغرى المدرسة المجاورة للإمام الشافعي، وبنى مدرسة مجاورة للمشهد الحسيني بالقاهرة، وجعل دار سعيد السعداء خادم الخلفاء المصريين خانقاه (١) ، وجعل دار عباس الوزير العبيدي مدرسة للحنفية، وهي المعروفة الآن بالسيوفية، وبنى المدرسة التي بمصر المعروفة بزين التجار للشافعي، وتعرف الآن بالشريفية، وبنى بمصر مدرسة أخرى للمالكية، وهي المعروفة الآن بالقمحية. وقد حكي أن الخليفة المعتضد بالله العباسي لما بنى قصره ببغداد استزاد في الذرع، فسئل عن ذلك، فذكر أنه يريده ليبني فيها دورا ومساكن ومقاصر، يرتب في كل موضع رؤساء، كل صناعة ومذهب من مذاهب العلوم النظرية والعملية، ويجري الأرزاق السنية، ليقصد كل من اختار علما أو صناعة رئيسا، فيأخذ عنه. وقد ذكر الواقدي أن عبد الله بن أم مكتوم قدم مهاجرا إلى المدينة، فنزل دار القراء.

стр. 870

ذكر المدرسة الصلاحية: بجوار الإمام الشافعي ﵁، وينبغي أن يقال لها: تاج المدارس، وهي أعظم مدارس الدنيا على الإطلاق لشرفها بجوار الإمام الشافعي؛ ولأن بانيها أعظم الملوك، ليس في الإسلام مثله، لا قبله ولا بعده، بناها السلطان صلاح الدين بن أيوب -رحمه الله تعالى- سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وجعل التدريس والنظر بها للشيخ نجم الدين الخبوشاني، وشرط له من المعلوم في كل شهر أربعين دينار معالمة، صرف كل دينار ثلاثة عشر درهما وثلث درهم عن التدريس، وجعل عن معلوم النظر في أوقاف المدرسة عشرة دنانير، ورتب له من الخبز في كل يوم ستين رطلا بالمصري، وراويتين من ماء النيل. قال المقريزي: ولي تدريسها جماعة من الأكابر الأعيان، ثم خلت من مدرس ثلاثين سنة، واكتفي فيها بالمعيدين (١) ، وهم عشرة أنفس، فلما كان سنة ثمان وسبعين وستمائة، ولي تدريسها تقي الدين بن رزين، وقرر له نصف المعلوم، فلما مات وليها الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد بربع المعلوم، فلما ولي الصاحب برهان الدين الخضر السنجاري التدريس قرر له المعلوم الشاهد به كتاب الوقف. وقد استمرت بيد الخبوشاني إلى أن مات سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فوليها شيخ الشيوخ صدر الدين أبو الحسن محمد بن حَمَّويْه الجويني في حياة الواقف، فلما مات الواقف عزل

стр. 871

عنها واستمرت عليها أيدي بني السلطان، واحدا بعد واحد، ثم خلصت بعد ذلك وعاد إليها الفقهاء والمدرسون. كذا في تاريخ ابن كثير. وذكر المقريزي في الخطط أن صدر الدين بن حموي ولي تدريس الشافعي، وأنه وليها ولده كمال الدين أحمد، ومات سنة سبع وثلاثين وستمائة، ثم وليها قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز، ثم وليها قاضي القضاة تقي الدين بن رزين، ثم وليها قاضي القضاة تقي الدين بن بنت الأعز، ثم وليها قاضي القضاة شخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد، ثم وليها عز الدين محمد بن محمد بن الحارث بن مسكين، ثم وليها في سنة إحدى عشرة وسبعمائة ضياء الدين عبد الله بن أحمد بن منصور النشائي (١) ، ومات سنة ست عشرة وسبعمائة، ثم وليها مجد الدين حرمي بن قاسم بن يوسف الفاقوسي إلى أن مات سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، ثم وليها شمس الدين بن القماح، ثم ضياء الدين محمد بن إبراهيم المناوي، ثم شمس الدين بن اللبان، ثم شمس الدين محمد بن أحمد بن خطيب بيروت الدمشقي، ثم بهاء الدين بن الشيخ تقي الدين السبكي، ثم أخوه تاج الدين لما سافر بهاء الدين عوضه قاضيا بالشام، ثم لما عاد تاج الدين إلى القضاء عاد إليها إلى التدريس إلى أن مات. ثم ابن عمه قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء محمد بن عبد البر السبكي، ثم ولده بدر الدين محمد، ثم البرهان بن جماعة، ثم الشيخ سراج الدين البلقيني، ثم أعيد البرهان بن جماعة، ثم أعيد بدر الدين أبو البقاء السبكي، ثم قاضي القضاة عماد الدين أحمد بن عيسى الكركي، ثم أعيد البدر بن أبي البقاء، ثم وليها بعده ولده جلال الدين محمد إلى أن مات، فوليها بعده شمس الدين البيري أخو جمال الدين الأستادار، ثم عزل في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة لما نكب أخوه. ووليها

стр. 872

نور الدين علي بن عمر التلواني (١) ، فأقام بها مدة طويلة إلى أن مات في ذي القعدة سنة أربع وأربعين وثمانمائة؛ وهو أطول شيوخها مدة، ووليها بعده العلاء القلقشندي، ثم ابن حجر الوناني (٢) ، ثم القاياتي، ثم السفطي، ثم الشرف المناوي، ثم السراج الحمصي ثم أعيد المناوي إلى أن مات، ثم ولده زين العابدين، ثم ابنه ثم إمام الكاملية، ثم الحمصي، ثم الشيخ زكريا.

стр. 873

خانقاه سعيد السعداء*: وقفها السلطان صلاح الدين بن أيوب، وكانت دارا لسعيد السعداء قنبر -ويقال: عنبر- عتيق الخليفة المستنصر (١) ، فلما استبد الناصر صلاح الدين بالأمر، وقفها على الصوفية في سنة تسع وستين وخمسمائة، ورتب لهم كل يوم طعاما ولحما وخبزا، وهي أول خانقاه عملت بديار مصر، ونعت شيخها بشيخ الشيوخ، وما زال ينعت بذلك إلى أن بنى الناصر محمد بن قلاوون خانقاه سرياقوس، فدعي شيخها بشيخ الشيوخ، فاستمر ذلك بعدهم إلى أن كانت الحوادث، والمحن منذ سنة ست وثمانمائة، وضاعت الأحوال، وتلاشت الرتب، تلقب كل شيخ خانقاه بشيخ الشيوخ، وكان سكانها من الصوفية، يعرفون بالعلم والصلاح، وترجى بركتهم. وولي مشيختها الأكابر، وحيث أطلق في كتب الطبقات في ترجمة أحد أنه ولي "مشيخة الشيوخ"، فالمراد مشيختها، ولشيخها شيخ الشيوخ؛ هذا هو المراد عند الإطلاق. وقد وليها عن الواقف صدر الدين محمد بن حمويه الجويني، ثم ولده كمال الدين أحمد، ثم ولده معين الدين حسن أخو كمال الدين، ثم وليها كريم الدين عبد الكريم بن الحسين الآملي، ثم وليها قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز، ثم وليها الشيخ صابر الدين حسن البخاري، ثم وليها شمس الدين محمد بن أبي بكر الأيلي، ثم وليها قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، ثم وليها الآملي، ثم وليها العلامة علاء الدين القونوي، ثم وليها مجد الدين موسى بن أحمد بن محمود الأقصرائي، ثم وليها شمس الدين محمد بن إبراهيم

стр. 874

النقشواني، ثم وليها كمال الدين أبو الحسن الجواري، ثم سراج الدين عمر الصدي إلى أن مات سنة تسع وأربعين وسبعمائة، ثم وليها الشيخ بدر الدين حسن بن العلامة علاء الدين القونوي إلى أن مات سنة ست وسبعين وسبعمائة، ثم جلال الدين جار الله الحنفي إلى سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، ثم وليها علاء الدين أحمد بن السرائي، ثم الشيخ برهان الدين الأنباسي، ثم شمس الدين محمد بن محمود بن عبد الله ابن أخي جار الله، ثم أعيد البرهان الأنباسي، ثم شهاب الدين أحمد بن محمد الأنصاري، ثم أعيد محمد بن أخي جار الله، ثم وليها شمس الدين محمد بن علي البلالي مدة متطاولة إلى أن مات سنة عشرين وثمانمائة، ثم وليها شمس الدين البيري أخو جمال الدين الأستادار، ثم وليها الشيخ شهاب الدين بن المحموه، ثم جمال الدين يوسف بن أحمد التزمنتي المعروف بابن المجبر، ثم أعيد ابن المحموه، ثم القاياتي، ثم الشيخ خالد، ثم تقي الدين القلقشندي، ثم السراج العبادي، ثم الكوراني، ثم السنتاوي.

стр. 875

المدرسة الكاملية*: وهي دار الحديث، وليس بمصر دار حديث غيرها، وغير دار الحديث التي بالشيخونية. قال المقريزي: وهي ثاني دار عملت للحديث، فإن أول من بنى دار حديث على وجه الأرض الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بدمشق، ثم بنى الكامل هذه الدار، بناها الملك الكامل، وكملت عمارتها في سنة إحدى وعشرين وستمائة، وجعل شيخها أبا الخطاب عمر بن دحية، ثم وليها بعده أخوه أبو عمرو عثمان بن دحية، ثم وليها الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، ثم وليها شرف الدين بن أبي الخطاب بن دحية، ثم وليها بعده المحدث محيي الدين بن سراقة، ثم وليها تاج الدين بن القسطلاني المالكي، ثم وليها النجيب عبد اللطيف الحراني، ثم وليها القطب القسطلاني الشافعي، ثم وليها ابن دقيق العيد، ثم وليها أبو عمرو بن سيد الناس والد الحافظ فتح الدين، فانتزعها منه البدر بن جماعة، ثم وليها عماد الدين محمد بن علي بن حرمي الدمياطي ومات سنة تسع وأربعين وسبعمائة، ثم البدر بن جماعة، ثم نزل عنها للجمال بن التركماني إلى أن مات سنة تسع وستين وسبعمائة، ووليها الحافظ زين الدين العراقي، ثم لما أن ولي قضاء المدينة سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، استقر فيها الشيخ سراج الدين بن الملقن.

стр. 876

المدرسة الصالحية*: بين القصرين هي أربع (١) مدارس للمذاهب الأربعة، بناها الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل، شرع في بنائها سنة تسع وثلاثين (٢) . قال المقريزي: وهذه المدرسة من أجل مدارس القاهرة، إلا أنها قد تقادم عهدها، فرثت، ولما فتحت أنشد فيها الأديب أبو الحسين الجزار: ألا هكذا يبني المدارس من بنى ... ومن يتغالى في الثواب وفي البنا في أبيات أخر. قال السراج الوراق: مليك له في العلم حب وأهله ... فلله حب ليس فيه ملام! فشيدها للعلم مدرسة غدا ... عراق أهلها إذ ينسبون وشام ولا تذكرن يوما نظامية لها ... فليس يضاهي ذا النظام نظام قال ابن السنبرة الشاعر -وقد نظر إلى قبر الملك الصالح، وقد دفن إلى ما يختص بالمالكية من مدرسته: بنيت لأرباب العلوم مدارسًا ... لتنجو بها من هول يوم المهالك وضاقت عليك الأرض لم تلق منزلا ... تحل به إلا إلى جنب مالك

стр. 877

المدرسة الظاهرية القديمة*: للملك الظاهر بيبرس البندقداري شرع في بنائها سنة إحدى وستين وستمائة، وتمت في أول سنة اثنتين وستين، ورتب لتدريس الشافعية بها تقي الدين بن رزين، والحنفية محب الدين عبد الرحمن بن الكمال عمر بن العديم، ولتدريس الحديث الحافظ شرف الدين الدمياطي، ولإقراء القراءات بالروايات كمال الدين القرشي، ووقف بها خزانة كتب (١) . المدرسة المنصورية*: أنشأها هي والبيمارستان الملك المنصور قلاوون، وكان على عمارتها الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، فلما تما دخل عليه الشرف البوصيري، فمدحه بقصيدة أولها: أنشأت مدرسة ومارستانا ... لتصحح الأديان والأبدانا فأعجبه ذلك وأجزل عطاءه، ورتب في هذه المدرسة دروس فقه على المذاهب الأربعة، ودرس تفسير ودرس حديث، ودرس طب.

стр. 878

المدرسة الناصرية*: ابتدأها العادل كتبغا، وأتمها الناصر محمد بن قلاوون، فرغ من بنائها سنة ثلاث وسبعمائة، ورتب بها درسا للمذاهب الأربعة. قال المقريزي: أدركت هذه المدرسة وهي محترمة إلى الغاية، يجلس بدهليزها عدة من الطواشية، ولا يمكن غريب أن يصعد إليها (١) . الخانقاه البيبرسية*: بناها الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكيري في سنة سبع وسبعمائة موضع دار الوزارة، ومات بعد أن تسلطن، فأغلقها الناصر بن قلاوون في سلطنته الثالثة مدة، ثم أمر بفتحها. قال المقريزي: وهي أجل خانقاه بالقاهرة بنيانًا، وأوسعها مقدارا، وأتقنها صنعة، والشباك الكبير الذي بها هو الشباك الذي كان بدار الخلافة ببغداد. وكانت الخلفاء تجلس فيه، حمله الأمير البساسيري من بغداد لما غلب على الخليفة القائم العباسي، وأرسل به إلى صاحب مصر.

стр. 879

خانقاه قوصون بالقرافة*: بنيت في سنة ست وثلاثين وسبعمائة، وأول من ولي مشيختها الشمسي محمود الأصفهاني الإمام المشهور صاحب التصانيف المشهورة، وكانت من أعظم جهات البر، وأعظمها خيرًا، إلى أن حصلت المحن سنة ست وثمانمائة، فتلاشى أمرها كما تلاشى غيرها. خانقاه شيخو*: بناها الأمير الكبير رأس نوبة الأمراء الجمدارية سيف الدين شيخو العمري جالبه خواجا عمر، وأستاذه الناصر محمد بن قلاوون، ابتدأ عماراتها في المحرم سنة ست وخمسين وسبعمائة، وفرغ من عمارتها في سنة سبع وخمسين وسبعمائة ورتب فيها أربعة دروس على المذاهب الأربعة، ودرس حديث، ودرس قراءات ومشيخة إسماع الصحيحين والشفاء، وفي ذلك يقول ابن أبي حجلة: ومدرسة للعلم فيها مواطن ... فشيخو بها فرد وإيتاره جمع لئن بات منها في القلوب مهابة ... فواقفها ليث وأشياخها سبع ومات شيخو بعد فراغها بسنة في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين، وشرط في شيخها الأكبر، وهو شيخ حضور التصوف وتدريس الحنفية بالديار المصرية، وان يكون عارفا بالتفسير والأصول، وألا يكون قاضيا؛ وهذا الشرط عام في جميع أرباب الوظائف بها.

стр. 880

وأول من تولى المشيخة بها الشيخ أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي. وأول من تولى تدريس الشافعية بها الشيخ بهاء الدين بن الشيخ تقي الدين السبكي. وأول من تولى تدريس المالكية بها الشيخ خليل، صاحب المختصر. وأول من تولى تدريس الحنابلة بها قاضي القضاة موفق الدين. وأول من تولى تدريس الحديث بها جمال الدين عبد الله بن الزولي، وأقام الشيخ أكمل الدين في المشيخة إلى أن مات في رمضان سنة ست وثمانين. وولي بعده عز الدين يوسف بن محمود الرازي إلى أن مات في المحرم سنة أربع وتسعين. وولي بعده جمال الدين محمود بن أحمد القيصري المعروف بابن العجمي، ثم عزل في سنة خمس وتسعين. وولي الشيخ سيف الدين السيرامي مضافا لمشيخة الظاهرية. ثم ولي بدر الدين الكلساني، ثم عزل وولي الشيخ زاده. ثم ولي بعده جمال الدين بن العديم سنة ثمان وثمانمائة، ثم ولده ناصر الدين سنة إحدى عشرة وثمانمائة. ثم وليها أمين الدين بن الطرابلسي سنة اثنتي عشرة، ثم أعيد ابن العديم، ثم وليها شرف الدين بن التباني، سنة خمس عشرة إلى أن مات في صفر سنة سبع وعشرين، وولي الشيخ سراج قارئ الهداية إلى أن مات سنة تسع وعشرين، ووليها الشيخ زين الدين التفهني، ثم صرف في سنة ثلاث وثلاثين بالقضاء، ووليها صدر الدين بن العجمي، فمات في رجب من عامه، ووليها البدر حسن بن أبي بكر القدسي، ثم وليها الشيخ باكير.
следующие страницы →