← История

История · id 3283

حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة

الجلال السيوطي

Полный текст (1 061 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

المدرسة الصالحية*: بين القصرين هي أربع (١) مدارس للمذاهب الأربعة، بناها الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل، شرع في بنائها سنة تسع وثلاثين (٢) . قال المقريزي: وهذه المدرسة من أجل مدارس القاهرة، إلا أنها قد تقادم عهدها، فرثت، ولما فتحت أنشد فيها الأديب أبو الحسين الجزار: ألا هكذا يبني المدارس من بنى ... ومن يتغالى في الثواب وفي البنا في أبيات أخر. قال السراج الوراق: مليك له في العلم حب وأهله ... فلله حب ليس فيه ملام! فشيدها للعلم مدرسة غدا ... عراق أهلها إذ ينسبون وشام ولا تذكرن يوما نظامية لها ... فليس يضاهي ذا النظام نظام قال ابن السنبرة الشاعر -وقد نظر إلى قبر الملك الصالح، وقد دفن إلى ما يختص بالمالكية من مدرسته: بنيت لأرباب العلوم مدارسًا ... لتنجو بها من هول يوم المهالك وضاقت عليك الأرض لم تلق منزلا ... تحل به إلا إلى جنب مالك

стр. 877

المدرسة الظاهرية القديمة*: للملك الظاهر بيبرس البندقداري شرع في بنائها سنة إحدى وستين وستمائة، وتمت في أول سنة اثنتين وستين، ورتب لتدريس الشافعية بها تقي الدين بن رزين، والحنفية محب الدين عبد الرحمن بن الكمال عمر بن العديم، ولتدريس الحديث الحافظ شرف الدين الدمياطي، ولإقراء القراءات بالروايات كمال الدين القرشي، ووقف بها خزانة كتب (١) . المدرسة المنصورية*: أنشأها هي والبيمارستان الملك المنصور قلاوون، وكان على عمارتها الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، فلما تما دخل عليه الشرف البوصيري، فمدحه بقصيدة أولها: أنشأت مدرسة ومارستانا ... لتصحح الأديان والأبدانا فأعجبه ذلك وأجزل عطاءه، ورتب في هذه المدرسة دروس فقه على المذاهب الأربعة، ودرس تفسير ودرس حديث، ودرس طب.

стр. 878

المدرسة الناصرية*: ابتدأها العادل كتبغا، وأتمها الناصر محمد بن قلاوون، فرغ من بنائها سنة ثلاث وسبعمائة، ورتب بها درسا للمذاهب الأربعة. قال المقريزي: أدركت هذه المدرسة وهي محترمة إلى الغاية، يجلس بدهليزها عدة من الطواشية، ولا يمكن غريب أن يصعد إليها (١) . الخانقاه البيبرسية*: بناها الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكيري في سنة سبع وسبعمائة موضع دار الوزارة، ومات بعد أن تسلطن، فأغلقها الناصر بن قلاوون في سلطنته الثالثة مدة، ثم أمر بفتحها. قال المقريزي: وهي أجل خانقاه بالقاهرة بنيانًا، وأوسعها مقدارا، وأتقنها صنعة، والشباك الكبير الذي بها هو الشباك الذي كان بدار الخلافة ببغداد. وكانت الخلفاء تجلس فيه، حمله الأمير البساسيري من بغداد لما غلب على الخليفة القائم العباسي، وأرسل به إلى صاحب مصر.

стр. 879

خانقاه قوصون بالقرافة*: بنيت في سنة ست وثلاثين وسبعمائة، وأول من ولي مشيختها الشمسي محمود الأصفهاني الإمام المشهور صاحب التصانيف المشهورة، وكانت من أعظم جهات البر، وأعظمها خيرًا، إلى أن حصلت المحن سنة ست وثمانمائة، فتلاشى أمرها كما تلاشى غيرها. خانقاه شيخو*: بناها الأمير الكبير رأس نوبة الأمراء الجمدارية سيف الدين شيخو العمري جالبه خواجا عمر، وأستاذه الناصر محمد بن قلاوون، ابتدأ عماراتها في المحرم سنة ست وخمسين وسبعمائة، وفرغ من عمارتها في سنة سبع وخمسين وسبعمائة ورتب فيها أربعة دروس على المذاهب الأربعة، ودرس حديث، ودرس قراءات ومشيخة إسماع الصحيحين والشفاء، وفي ذلك يقول ابن أبي حجلة: ومدرسة للعلم فيها مواطن ... فشيخو بها فرد وإيتاره جمع لئن بات منها في القلوب مهابة ... فواقفها ليث وأشياخها سبع ومات شيخو بعد فراغها بسنة في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين، وشرط في شيخها الأكبر، وهو شيخ حضور التصوف وتدريس الحنفية بالديار المصرية، وان يكون عارفا بالتفسير والأصول، وألا يكون قاضيا؛ وهذا الشرط عام في جميع أرباب الوظائف بها.

стр. 880

وأول من تولى المشيخة بها الشيخ أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي. وأول من تولى تدريس الشافعية بها الشيخ بهاء الدين بن الشيخ تقي الدين السبكي. وأول من تولى تدريس المالكية بها الشيخ خليل، صاحب المختصر. وأول من تولى تدريس الحنابلة بها قاضي القضاة موفق الدين. وأول من تولى تدريس الحديث بها جمال الدين عبد الله بن الزولي، وأقام الشيخ أكمل الدين في المشيخة إلى أن مات في رمضان سنة ست وثمانين. وولي بعده عز الدين يوسف بن محمود الرازي إلى أن مات في المحرم سنة أربع وتسعين. وولي بعده جمال الدين محمود بن أحمد القيصري المعروف بابن العجمي، ثم عزل في سنة خمس وتسعين. وولي الشيخ سيف الدين السيرامي مضافا لمشيخة الظاهرية. ثم ولي بدر الدين الكلساني، ثم عزل وولي الشيخ زاده. ثم ولي بعده جمال الدين بن العديم سنة ثمان وثمانمائة، ثم ولده ناصر الدين سنة إحدى عشرة وثمانمائة. ثم وليها أمين الدين بن الطرابلسي سنة اثنتي عشرة، ثم أعيد ابن العديم، ثم وليها شرف الدين بن التباني، سنة خمس عشرة إلى أن مات في صفر سنة سبع وعشرين، وولي الشيخ سراج قارئ الهداية إلى أن مات سنة تسع وعشرين، ووليها الشيخ زين الدين التفهني، ثم صرف في سنة ثلاث وثلاثين بالقضاء، ووليها صدر الدين بن العجمي، فمات في رجب من عامه، ووليها البدر حسن بن أبي بكر القدسي، ثم وليها الشيخ باكير.

стр. 881

مدرسة صرغتمش*: ابتدأ بعمارتها في رمضان سنة ست وخمسين وسبعمائة، وتمت في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين، وهي من أبدع المباني وأجلها، ورتب فيها درس فقه على مذهب الحنفية، قرر فيه القوام الإتقاني، ودرس حديث. وقال العلامة شمس الدين بن الصائغ: ليهنك يا صرغتمش ما بنيته ... لأخراك في دنياك من حسن بنيان به يزدهي الترخيم كالزهر بهجة ... فلله من زهر ولله من بان!

стр. 882

مدرسة السلطان حسن بن الناصر محمد بن قلاوون: شرع في بنائها في سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، وكان في موضعها دور وإسطبلات. قال المقريزي: لا يعرف ببلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين يحكي هذه المدرسة في كبر قالبها، وحسن هندامها، وضخامة شكلها، قامت العمارة فيها مدة ثلاث سنين، لا تبطل يوما واحدا، وأرصد لمصروفها في كل يوم عشرين ألف درهم، منها نحو ألف مثقال ذهبًا، حتى قال السلطان: لولا أن يقال: ملك مصر عجز عن إتمام ما بناه لتركت بناءها؛ من كثرة ما صرف. وذرع إيوانها الكبير خمسة وستون ذراعا في مثلها، ويقال: إنه أكبر من إيوان كسرى بخمسة أذرع، وبها أربع مدارس للمذاهب الأربعة. قال الحافظ ابن حجر في إنباء الغمر: يقال: إن السلطان حسن أراد أن يعمل في مدرسته درس فرائض، فقال البهاء السبكي: هو باب من أبواب الفقه، فأعرض عن ذلك. فاتفق وقوع قضية في الفرائض مشكلة، فسئل عنها السبكي، فلم يجب عنها، فأرسلوا إلى الشيخ شمس الدين الكلائي (١) فقال: إذا كانت الفرائض بابًا من أبواب الفقه، فما له لا يجيب؟ فشق ذلك على بهاء الدين وندم على ما قال. وكان السلطان قد عزم على أن يبني أربع منائر، يؤذنون عليها، فتمت ثلاث منائر إلى أن كان يوم السبت سادس ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبعمائة، سقطت المنارة التي على الباب، فهلك تحتها نحو ثلاثمائة نفس من الأيتام الذي كانوا قد رتبوا بمكتب السبيل ومن غيرهم، فلهج الناس بأن ذلك ينذر بزوال الدولة، فقال الشيخ بهاء الدين السبكي في ذلك أبياتا: أبشر فسعدك يا سلطان مصر أتى ... بشيره بمقال سار كالمثل

стр. 883

إن المنارة لم تسقط لمنقصة ... لكن لسر خفي قد تبين لي من تحتها قرئ القرآن فاستمعت ... فالوجد في الحال أداها إلى الميل لو أنزل الله قرآنا على جبل ... تصدعت رأسه من شدة الوجل تلك الحجارة لم تنقض بل هبطت ... من خشية الله لا للضعف والخلل وغاب سلطانها فاستوحشت فرمت ... بنفسها لجوى في القلب مشتعل فالحمد لله خط العين زال بما ... قد كان قدره الرحمن في الأزل لا يعتري البؤس بعد اليوم مدرسة ... شيدت بنيانها للعلم والعمل ودمت حتى ترى الدنيا بها امتلأت ... علمًا فليس بمصر غير مشتغل فاتفق قتل السلطان بعد سقوط المئذنة بثلاثة وثلاثين يوما.

стр. 884

المدرسة الظاهرية: كان الشروع في عمارتها في رجب سنة ست وثمانين، وانتهت في رجب سنة ثمان وثمانين، وكان القائم على عمارتها جركس الخليلي أمير أخور، وقال الشعراء في ذلك وأكثروا، فمن أحسن ما قيل: الظاهر الملك السلطان همته ... كادت لرفعته تسمو على زحل وبعض خدامه طوعًا لخدمته ... يدعو الجبال فتأتيه على عجل قال ابن العطار: قد أنشأ الظاهر السلطان مدرسة ... فاقت على إرم مع سرعة العمل يكفي الخليلي أن جاءت لخدمته ... شم الجبال لها تأتي على عجل قال الحافظ ابن حجر: ومن رأى الأعمدة التي بها عرف الإشارة. ونزل السلطان غليها في الثاني عشر من رجب، ومد سماطا عظيما، وتكلم فيها المدرسون، واستقر علاء الدين السيرامي مدرس الحنفية بها، وشيخ الصوفية، وبالغ السلطان في تعظيمه حتى فرش سجادته بيده، واستقرأ أوحد الدين (١) الرومي مدرس الشافعية، وشمس الدين ابن مكين مدرس المالكية، وصلاح بن الأعمى مدرس الحنابلة، وأحمد زاده العجمي مدرس الحديث، وفخر الدين الضرير إمام الجامع الأزهر مدرس القراءات. قال ابن حجر: فلم يكن منهم من هو فائق في فنه على غيره من الموجودين غيره، ثم بعد مدة قرر فيها الشيخ سراج الدين البلقيني مدرس التفسير، وشيخ الميعاد.

стр. 885

المدرسة المؤيدية: انتهت عمارتها في سنة تسع عشرة وثمانمائة، وبلغت النفقة عليها أربعين ألف دينار، واتفق بعد ذلك بسنة ميل المئذنة التي بنيت لها على البرج الشمالي بباب زويلة، وكان الناظر على العمارة بهاء الدين بن البرجي، فأنشد تقي الدين بن حجة في ذلك أبيات: على البرج من بابي زويلة أنشئت ... منارة بيت الله للعمل المنجي فأخذ بها البرج اللعين آمالها ... ألا صرحوا يا قوم باللعن للبرج وقال شعبان الأثاري: عتبنا على ميل المنار زويلة ... وقلنا تركت الناس بالميل في هرج فقالت قريني برج نحس أمالني ... فلا بارك الرحمن في ذلك البرج قال الحافظ ابن حجر: لجامع مولانا المؤيد رونق ... منارته بالحسن تزهو وبالزين تقول وقد مالت عن القصد أمهلوا ... فليس على جسمي أضر من العين وقال العيني: منارة كعروس الحسن إذ جليت ... وهدمها بقضاء الله والقدر قالوا أصيبت بعين قلت ذا غلط ... ما أوجب الهدم إلا خسة الحجر وقال نجم الدين بن النبيه: يقولون في تلك المنار تواضع ... وعين وأقوال وعندي جليها فلا البرج أخنى والحجارة لم تعب ... ولكن عروس أثقلتها حليها

стр. 886

وقال أيضا: بجامع مولانا المؤيد أنشئت ... عروس سمت ما خلت قط مثالها ومذ علمت أن لا نظير لها انثنت ... وأعجبها والعجب عنا أمالها رباط الآثار*: بالقرب من بركة الحبش (١) عمره الصاحب تاج الدين بن الصاحب فخر الدين بن الصاحب بهاء الدين حنا (٢) ، وفيه قطعة خشب وحديد، وأشياء أخر من آثار رسول الله ﷺ (٣) ، اشتراها الصاحب المذكور بمبلغ ستين ألف درهم فضة من بني إبراهيم أهل ينبع؛ ذكروا إنها لم تزل موروثة عندهم من واحد إلى واحد إلى رسول -الله ﷺ ، وحملها إلى هذا الرباط، وهي به إلى اليوم يتبرك (٤) بها. ومات الصاحب تاج الدين في جمادى الآخرة سنة سبع وسبعمائة. وللأديب جلال الدين بن خطيب داريا في الآثار بيتان: يا عين إن بعد الحبيب وداره ... ونأت مرابعه وشط مزاره (٥) فلقد ظفرت من الزمان بطائل ... إن لم تريه فهذه آثاره

стр. 887

ذكر الحوادث الغريبة الكائنة بمصر في ملة الإسلام من غلاء ووباء وزلازل وآيات وغير ذلك: في سنة أربع وثلاثين من الهجرة، قال سيف بن عمر: إن (١) رجلا يقال له: عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأظهر الإسلام، وصار إلى مصر، فأوحى إلى طائفة من الناس كلامًا اخترعه من عند نفسه، مضمونه أنه كان يقول للرجل: أليس قد ثبت أن عيسى بن مريم سيعود إلى هذه الدنيا (٢) ؟ فيقول الرجل: بلى، فيقول له: رسول الله ﷺ أفضل منه، فما يمنع أن يعود إلى هذه الدنيا وهو أشرف من عيسى! ثم يقول: وقد كان أوصى إلى علي بن أبي طالب؛ فمحمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء. ثم يقول: فهو أحق بالأمر من عثمان، وعثمان معتد في ولايته ما ليس له. فأنكروا عليه، فافتتن به بشر كثير من أهل مصر وكان ذلك مبدأ تألبهم على عثمان. وفي سنة ست وستين وقع الطاعون بمصر (٣) . وفي سنة سبعين كان الوباء بمصر، قاله الذهبي (٤) . وفي سنة أربع وثمانين قتل عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي،

стр. 888

وقطع رأسه، فأمر الحجاج فطيف به في العراق، ثم بعث به إلى عبد الملك بن مروان، فطيف به في الشام، ثم بعث به إلى عبد العزيز بن مروان وهو بمصر، فطيف به فيها، ودفن بمصر، وجثته بالرخج (١) ، فقال بعض الشعراء في ذلك: هيهات موضع جثة من رأسها ... رأس بمصر وجثة بالرخج وفي سنة خمس وثمانين كان الطاعون بالفسطاط، ومات فيه عبد العزيز بن مروان أمير مصر. وفي سنة خمس وأربعين ومائة، انتثرت الكواكب من أول الليل إلى الصباح، فخاف الناس. ذكره صاحب المرآة. وفي سنة ثمانين ومائة كان بمصر زلزلة شديدة سقطت منها رأس منارة الإسكندرية. وفي سنة ست عشرة ومائتين، وثب رجل يقال له: عبدوس الفهري في شعبان ببلاد مصر، فتغلب على نواب أبي إسحاق بن الرشيد (٢) ، وقويت شوكته، واتبعه خلق كثير، فركب المأمون من دمشق في ذي الحجة إلى الديار المصرية، فدخلها في المحرم سنة سبع عشرة، وظفر بعبدوس، فضرب عنقه، ثم كر راجعا إلى الشام (٣) . وفي سنة سبع وثلاثين ومائتين ظهر في السماء شيء مستطيل دقيق الطرفين، عريض الوسط، من ناحية المغرب إلى العشاء الآخرة، ثم ظهر خمس ليل وليس بضوء كوكب، ولا كوكب له ذنب، ثم نقص. قاله في المرآة. وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين، أقبلت الروم في البحر في ثلثمائة مركب، وأبهة عظيمة، فكبسوا دمياط، وسبوا وأحرقوا وأسرعوا الكسرة في البحر، وسبوا ستمائة امرأة، وأخذوا من الأمتعة والأسلحة شيئًا كثيرا، وفر الناس منهم في كل جهة،

стр. 889

فكان من غرق في بحيرة تنيس أكثر ممن أسر، ورجعوا إلى بلادهم، ولم يعرض لهم أحد (١) . وفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين، زلزلت الأرض ورجمت السويداء "قرية بناحية مصر" من السماء، ووزن حجر من الحجارة فكان عشرة أرطال. وفي سنة أربع وأربعين ومائتين، اتفق عيد الأضحى وعيد الفطر لليهود، وشعانين النصارى في يوم واحد. قال ابن كثير: وهذا عجيب غريب (٢) . وقال في المرآة: لم يتفق في الإسلام مثل ذلك. وفي سنة خمس وأربعين ومائتين زلزلت مصر، وسمع بتنيس ضجة دائمة طويلة، مات منها خلق كثير (٣) . وفي سنة ست وستين ومائتين قتل أهل مصر عاملهم الكرخي. وفي سنة ثمان وستين ومائتين، قال ابن جرير: اتفق أن رمضان كان يوم الأحد وكان الأحد الثاني الشعانين، والأحد الثالث الفصح، والأحد الرابع السرور، والأحد الخامس انسلاخ الشهر. وفي سنة تسع وستين في المحرم، كسفت الشمس وخسف القمر، واجتماعهما في سهر نادر. قاله في المرآة. وفي سنة ثمان وسبعين ومائتين، قال ابن الجوزي: لليلتين بقيتا من المحرم طلع نجم ذو جمة، ثم صارت الجمة ذؤابة. قال: وفي هذه السنة وردت الأخبار أن نيل مصر غار، فلم يبق منه شيء، وهذا شيء لم يعهد مثله، ولا بلغنا في الأخبار السابقة، فغلت الأسعار بسبب ذلك. وفي أيام أحمد بن طولون تساقطت النجوم، فراعه ذلك فسأل

стр. 890

العلماء والمنجمين عن ذلك، فما أجابوا بشيء، فدخل عليه الجمل الشاعر وهم في الحديث، فأنشد في الحال: قالوا تساقطت النجو ... م لحادث فظ عسير فأجبت عند مقالهم ... بجواب محتنك خبير هذي النجوم الساقطا ... ت نجوم أعداء الأمير فتفاءل ابن طولون بذلك، ووصله. وفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين، زفت قطر الندى بنت خمارويه بن أحمد بن طولون، من مصر إلى الخليفة المعتضد، ونقل أبوها في جهازها ما لم ير مثله، وكان من جملته ألف تكة بجوهر وعشرة صناديق جوهر، ومائة هون ذهب، ثم بعد كل حساب معها مائة ألف دينار لتشتري بها من العراق ما قد تحتاج إليه مما لا يتهيأ مثله بالديار المصرية. وقال بعض الشعراء: يا سيد العرب الذي وردت له ... باليمن والبركات سيدة العجم فاسعد بها كسعودها بك إنها ... ظفرت بما فوق المطالب والهمم شمس الضحى زفت إلى بدر الدجى ... فتكشفت بهما عن الدنيا الظلم وفي سنة أربع وثمانين ومائتين ظهر بمصر ظلمة شديدة، وحمرة في الأفق حتى جعل الرجل ينظر إلى وجه صاحبه فيراه أحمر اللون جدًّا، وكذلك الجدران، فمكثوا كذلك من العصر إلى الليل، فخرجوا إلى الصحراء يدعون الله ويتضرعون إليه حتى كشف عنهم. حكاه ابن كثير (١) . وفي سنة ثلاث وتسعين ومائتين، ظهر رجل بمصر يقال له: الخلنجي (٢) ، فخلع الطاعة واستولى على مصر، وحارب الجيوش، وأرسل إليه الخليفة المكتفي جيشًا فهزمهم

стр. 891

ثم أرسل إليه جيشًا آخر عليهم فاتك المعتضدي، فهزم الخلنجي، وهرب، ثم ظفر به وأمسك، وسير إلى بغداد (١) . وفي سنة تسع وتسعين ومائتين، ظهر ثلاثة كواكب مذنبة، أحدها في رمضان، واثنان في ذي القعدة تبقى أياما، ثم تضمحل حكاه ابن الجوزي (٢) . وفيها استخرج من كنز مصر خمسمائة ألف دينار من غير موانع، ووجد في هذا الكنز ضلع إنسان طوله أربعة عشر شبرا وعرضه شبر، فبعث به إلى الخليفة المقتدر (٣) ، وأهدى معه من مصر تيسًا له ضرع يحلب لبنا، حكى ذلك الصولي صاحب المرآة وابن كثير (٤) . وفي سنة إحدى وثلاثمائة، سار عبد الله المهدي المتغلب على المغرب. في أربعين ألفا ليأخذ مصر، حتى بقي بينه وبين مصر أيام، ففجر تكين (٥) الخاصة النيل فحال الماء بينهم وبين مصر، ثم جرت حروب فرجع المهدي إلى برقة بعد أن ملك الإسكندرية والفيوم. وفي سنة اثنتين وثلاثة مائة عاد المهدي إلى الإسكندرية، وتمت وقعة كبيرة، ثم رجع إلى القيروان (٦) . وفي سنة ست وثلاثمائة أقبل القائم بن المهدي في جيوشه، فأخذ الإسكندرية وأكثر الصعيد، ثم رجع. وفي سنة سبع كانت الحروب والأراجيف الصعبة بمصر، ثم لطف الله وأوقع المرض بالمغاربة، ومات جماعة من أمرائهم، واشتدت علة القائم.

стр. 892

وفيها انقض كوكب عظيم، وتقطع ثلاث قطع، وسمع بعد انقضاضه صوت رعد شديد هائل من غير غيمٍ. وفي سنة ثمان ملك العبيديون جزيرة الفسطاط، فجزعت الخلق، وشرعوا في الهرب والجفل. وفي سنة تسع استرجعت الإسكندرية إلى نواب الخليفة، ورجع العبيدي إلى المغرب. وفي سنة عشر وثلثمائة في جمادى الأولى ظهر كوكب له ذنب طوله ذراعان، وذلك في برج السنبلة، وفي شعبان منها أهدى نائب (١) مصر إلى الخليفة المقتدر هدايا من جملتها بغلة معها فلوها يتبعها، ويرجع معها، وغلام يصل لسانه إلى طرف أنفه. حكاه صاحب المرآة وابن كثير (٢) . وفي سنة ثلاث عشرة وثلثمائة في آخر المحرم انقض كوكب من ناحية الجنوب إلى الشمال قبل مغيب الشمس، فأضاءت الدنيا منه، وسمع له صوت كصوت الرعد الشديد. وفي سنة ثلاث وثلثمائة في المحرم ظهر كوكب بذنب رأسه إلى المغرب وذنبه إلى المشرق، وكان عظيما جدًّا وذنبه منتشر، وبقي ثلاثة عشر يوما إلى أن اضمحلّ. وفي سنة أربع وأربعين زلزلت مصر زلزلة صعبة هدمت البيوت، ودامت ثلاث ساعات، وفزع الناس إلى الله بالدعاء. وفي سنة تسع وأربعين رجع حجيج مصر من مكة، فنزلوا واديا، فجاءهم سيل فأخذهم كلهم، فألقاهم في البحر عن آخرهم. وفي سنة خمس وخمسين قطعت بنو سليم الطريق على الحجيج من أهل مصر، وأخذوا منهم عشرين ألف بعير بأحمالها، وعليها من الأموال والأمتعة ما لا يقوم كثرة، وبقي الحاج في البوادي، فهلك أكثرهم. وفي أيام كافور الإخشيدي كثرت

стр. 893

الزلازل بمصر، فأقامت ستة أشهر، فأنشد محمد بن القاسم بن عاصم قصيدة منها: ما زلزلت مصر من سوء يراد بها ... لكنها رقصت من عدله فرحا (١) كذا رأيته في نسخة عتيقة، من كتاب مذهب الطالبيين، تاريخ كتابتها بعد الستمائة، ثم رأيت ما يخالف ذلك كما سأذكر. وفي سنة تسع وخمسين انقض كوكب في ذي الحجة، فأضاء الدنيا حتى بقي له شعاع كالشمس، ثم سمع له صوت كالرعد. وفي سنة ستين وثلثمائة، سارت القرامطة في جمع كثير إلى الديار المصرية، فاقتتلوا هم وجنود جوهر القائد قتالًا شديدا بعين شمس، وحاصروا مصر شهورا؛ ومن شعر أمير القرامطة الحسين بن أحمد بن بهرام: زعمت رجال الغرب أني هبتهم ... فدمي إذن ما بينهم مطلول يا مصر إن لم أسق أرضك من دم ... يروي ثراك فلا سقاني النيل وفي هذه السنة سار رجل من مصر إلى بغداد، وله قرنان، فقطعهما وكواهما وكانا يضربان عليه. حكاه صاحب المرآة. وفي سنة ثلاث وستين، خرج بنو هلال وطائفة من العرب على الحجاج، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وعطلوا على من بقي منهم الحج في هذا العام، ولم يحصل لأحد حج في هذه السنة سوى أهل درب العراق وحدهم. وفي سنة سبع وستين كان أمير الحاج المصري الأمير باديس بن زيري، فاجتمع إليه اللصوص، وسألوا منه أن يضمنهم الموسم هذا العام بما شاء من الأموال، فأظهر لهم الإجابة، وقال: اجتمعوا كلكم حتى أضمنكم كلكم، فاجتمع عنده بضع وثلاثون لصًّا،

стр. 894

فقال: هل بقي منكم أحد؟ فحلفوا أنه لم يبق منهم أحد، فعند ذلك أمر بقطع أيديهم كلهم. ونعما فعل! وفي سنة أربع وثمانين انفرد بالحج أهل مصر، ولم يحج ركب العراق ولا الشام لخوف طريقهم، وكذا في سنة خمس وثمانين والتي بعدها. وفي سنة ست وثمانين قدمت مصر أربع عشرة قطعة من الأسطول، فقتلت ونهبت، وأحرقت أموال التجار، وأخذت سرايا العزيز وحظاياه، وكان حالًّا لم ير أعظم منه. ذكره ابن المتوج. وفي سنة تسعين أمر الحاكم بمصر بقتل الكلاب فقتلت كلها. وفي سنة اثنتين وتسعين ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة انقض كوكب أضاء كضوء القمر ليلة التمام، ومضى الضياء، وبقي جرمه يتموج (١) نحو ذراعين في ذراع برأي العين، وتشقق بعد ساعة. وفي هذه السنة انفرد المصريون بالحج، ولم يحج أحد من بغداد وبلاد المشرق لعبث الأعراب بالفساد، وكذا في سنة ثلاث وتسعين. وفي سنة ثلاث وتسعين أمر الحاكم بقطع جميع الكروم التي بديار مصر والصعيد، والإسكندرية ودمياط، فلم يبق بها كرم، احترازًا من مصر الخمر. وفي هذه السنة أمر الحاكم الناس بالسجود إذا ذكر اسمه في الخطبة. وفي سنة سبع وتسعين انفرد المصريون بالحج، ولم يحج أهل العراق لفساد الطريق بالأعراب، وكسا الحاكم الكعبة القباطي البيض. وفي سنة ثمان وتسعين هدم الحاكم الكنائس التي ببلاد مصر، ونادى: من لم يسلم وإلا فليخرج من مملكتي، أو يلتزم بما أمر، ثم أمر بتعليق صلبان كبار على صدور النصارى، وزن الصليب أربعة أرطال بالمصري، وبتعليق خشبة على تمثال رأس

стр. 895

عجل وزنها ستة أرطال في عنق اليهود. وفي هذه السنة كان سيل عظيم حتى غرق الخندق، ذكره ابن المتوج. وفي سنة تسع وتسعين انفرد المصريون بالحج. وفي سنة أربعمائة بنى الحاكم دار للعلم وفرشها، ونقل إليها الكتب العظيمة مما يتعلق بالسنة، وأجلس فيها الفقهاء والمحدثين، وأطلق قراءة فضائل الصحابة، وأطلق صلاة الضحى والتراويح، وبطل الأذان بحي على خير العمل، فكثر الدعاء له، ثم بعد ثلاث سنين هدم الدار، وقتل خلقا ممن كان بها من الفقهاء والمحدثين وأهل الخير والديانة، ومنع صلاة الضحى والتراويح. وفي سنة إحدى وأربعمائة انفرد المصريون بالحج. وفي سنة اثنتين وأربعمائة كتب محضر ببغداد في نسب خلفاء مصر الذين يزعمون أنهم فاطميون وليسوا كذلك، وكتب فيه جماعة من العلماء والقضاة والفقهاء، والأشراف والأماثل والمعدلين والصالحين، شهدوا جميعا أن الناجم بمصر وهو منصور بن نزار المتلقب بالحاكم -حكم الله عليه بالبوار والدمار، والخزي والنكال والاستئصال- ابن معد بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد -لا أسعده الله- فإنه لما صار إلى المغرب تسمى بعبيد الله، وتلقب بالمهدي، ومن تقدم من سلفه من الأرجاس الأنجاس -عليه وعليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين- أدعياء خوارج، ولا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب، ولا يتعلقون منه بسبب، وأنه منزه عن باطلهم، وان الذي ادعوه من الانتساب إليه باطل وزور، وأنهم لا يعلمون أن أحدا من أهل بيوت الطالبيين توقف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج أنهم أدعياء، وقد كان هذا الإنكار لباطلهم شائعًا في الحرمين، وفي أول أمرهم بالمغرب منتشرا انتشارا يمنع من أن يدلس على أحد كذبهم، أو يذهب وهم إلى تصديقهم، وأن هذا الناجم بمصر هو وسلفه كفار وفساق فجار وملحدون زنادقة،

стр. 896

معطلون وللإسلام جاحدون، ولمذهب الثنوية (١) والمجوسية معتقدون، قد عطلوا الحدود وأباحوا الفروج، وأحلوا الخمر، وسفكوا الدماء، وسبوا الأبناء، ولعنوا السلف، وادعوا الربوبية. وكتب في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة. وقد كتب خطه في المحضر خلق كثيرون، فمن العلويين المرتضى، والرضي وابن الأزرق الموسوي وأبو طاهر بن أبي الطيب، ومحمد بن محمد بن عمرو بن أبي يعلي، ومن القضاة أبو محمد بن الأكفاني، وأبو القاسم الحريري وأبو العباس بن السيوري. ومن الفقهاء أبو حامد الإسفراييني وأبو محمد بن الكشفلي، وأبو الحسين القدوري وأبو عبد الله الصيمري، وأبو عبد الله البيضاوي وأبو علي بن حمكان. ومن الشهود أبو القاسم التنوخي، في كثير. وفي سنة ثلاث وأربعمائة، قال ابن المتوج: رسم الحاكم بألا تقبل الأرض بين يديه، ولا يخاطب مولانا ولا بالصلاة عليه، وكتب بذلك سجل في رجب. قال: وفيها حبس النساء ومنعهن من الخروج في الطرقات، وأحرق الزبيب وقطع الكرم، وغرق العسل. قال ابن الجوزي: وفي رمضان انقض كوكب من المشرق إلى المغرب غلب ضوءه على ضوء القمر، وتقطع قطعًا، وبقي ساعة طويلة. وفي سنة خمس وأربعمائة زاد الحاكم في منع النساء من الخروج من المنازل، ومن دخول الحمامات ومن التطلع من الطاقات، والأسطلحة ومنع الخفافين من عمل الخفاف لهن، وقتل خلقا من النساء على مخالفته في ذلك، وهدم بعض الحمامات عليهن، وغرق خلقا. وفي سنة سبع وأربعمائة ورد الخبر بتشعيث الركن اليماني من المسجد الحرام، وسقوط جدار بين قبر النبي ﷺ ، وبسقوط القبة الكبيرة على صخرة

стр. 897

بيت المقدس. قال ابن كثير: فكان ذلك من أغرب الاتفاقات وأعجبها (١) . وفي سنة سبع أيضا انفرد المصريون بالحج، ولم يحج أحد من بلاد العراق لفساد الطرقات بالأعراب؛ وكذا في سنة ثمان. وفي سنة إحدى عشرة وأربعمائة، قال ابن المتوج: عز القوت، ثم هان بعد أراجيف عظيمة. وفي أيام الحاكم، قال ابن فضل الله في المسالك: زلزلت مصر حتى رجفت أرجاؤها، وضجت الأمة لا تعرف كيف جارها، فقال محمد بن قاسم بن عاصم شاعر الحاكم: بالحاكم العدل أضحى الدين معتليًا ... نجل الهدى وسليل السادة الصلحا ما زلزلت مصر من كيد يراد بها ... وإنما رقصت من عدله فرحا وكانت أيام الحاكم من سنة ست وثمانين وثلثمائة إلى سنة إحدى عشرة وأربعمائة. وفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة. قال ابن كثير: جرت كائنة غريبة ومصيبة عظيمة؛ وهي أن رجلا من المصريين من أصحاب الحاكم اتفق مع جماعة من الحجاج المصريين على أمر سوء، فلما كان يوم الجمعة، وهو يوم النفر الأول، طاف هذا الرجل بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر الأسود، جاء ليقبله فضربه بدبوس كان معه ثلاث ضربات متواليات، وقال: إلى متى يعبد هذا الحجر؟! ولا محمد ولا علي يمنعني عما أفعله، فإني أهدم اليوم هذا البيت، فاتقاه أكثر الحاضرين، وتأخروا عنه، وذلك أنه كان رجلًا طويلا جسيما، أحمر أشقر، وعلى باب المسجد جماعة من الفرسان وقوف ليمنعوه ممن أراده بسوء، فتقدم غليه رجل من أهل اليمن، معه خنجر، وفاجأه بها، وتكاثر عليه الناس فقتلوه، وقطعوه قطعًا، وتتبعوا أصحابه، فقتل منهم جماعة ونهب أهل مكة ركب المصريين، وجرت فتنة عظيمة جدًّا، وسكن الحال، وأما الحجر

стр. 898

الشريف فإنه سقط منه ثلاث فلق مثل الأظفار، وبدا ما تحتها أسمر يضرب إلى صفرة، محببًا، مثل الخشخاش، فأخذ بنو شيبة تلك الفلق، فعجنوها بالمسك واللك (١) وحشوا بها تلك الشقوق التي بدت، "وذلك ظاهر فيه إلى الآن" (٢) . وفي سنة سبع عشرة منع الظاهر صاحب مصر من ذبح البقر السليمة من العيوب التي تصلح للحرث، وكتب عن لسانه كتاب قرئ على الناس، فيه: "إن الله بسابغ نعمته، وبالغ حكمته، خلق ضروب الأنعام، وعلم بها منافع الأنام، فوجب أن تحمى البقر المخصوصة بعمارة الأرض المذللة لمصالح الخلق، فإن ذبحها غاية الفساد، وإضرار بالعباد والبلاد". وفيها انفرد المصريون بالحج، ولم يحج أهل العراق والمشرق لفساد الأعراب، وكذا في سنة ثمان عشرة وفي سنة تسع عشرة لم يحج أحد من أهل المشرق، ولا من أهل الديار المصرية أيضًا، إلا أن قوما من خراسان ركبوا في البحر من مدينة مكران، فانتهوا إلى جدة، فحجوا. وفي سنة عشرين حج أهل مصر دون غيرهم. وفيها في رجب انقضت كواكب كثيرة شديدة الصوت، قوية الضوء. وفي سنة إحدى وعشرين تعطل الحج من العراق أيضا، وقطع على حجاج مصر الطريق، وأخذت الروم أكثره. وفي سنة ثلاث وعشرين تعطل الحج من العراق أيضا. وفيها قال ابن المتوج: استحضر خليفة مصر الظاهر بن الحاكم كل من في القصر من الجواري، وقال لهم: تجتمعون لأصنع لكم يومًا حسنا لم ير مثله بمصر، وأمر كل من كان له جارية فليحضرها، ولا تجيء جارية إلا وهي مزينة بالحلي والحلل، ففعلوا ذلك حتى لم تترك جارية إلا أحضرت، فجعلهن في مجلس، ودعا بالبنائين، فبنى أبواب المجلس عليهن، حتى

стр. 899

ماتوا عن آخرهن، وكان يوم جمعهن يوم الجمعة لست من شوال، وعدتهن ألفان وستمائة وستون جارية، فلما مضى لهن ستة أشهر أضرم النار عليهن، فأحرقهن بثيابهن وحليهن، فلا ﵀ ولا رحم الذي خلفه!. وفي سنة خمس وعشرين كثرت الزلازل بمصر. وفيها انقض كوكب عظيم، وسمع له صوت مثل الرعد وضوء مثل المشاعل. ويقال: إن السماء انفرجت عند انقضاضه. حكاه في المرآة. ولم يحج أحد سوى أهل مصر، وكذا في سنة ست وعشرين وسنة ثمان وعشرين. وفي سنة ثمان وعشرين بعث صاحب مصر بمال لينفق على نهر الكوفة إن أذن الخليفة العباسي في ذلك، فجمع القائم بالله الفقهاء، وسألهم عن هذا المال، فأفتوا بأن هذا فيء للمسلمين يصرف في مصالحهم، فأذن في صرفه في مصالح المسلمين. وفي سنة ثلاثين وأربعمائة تعطل الحج من الأقاليم بأسرها، فلم يحج أحد، لا من مصر ولا من الشام، ولا من العراق ولا من خراسان. وفي سنة إحدى وثلاثين والتي تليها تفرد بالحج أهل مصر، وكذا في سنة ست وثلاثين وسبع وثلاثين وتسع وثلاثين وثلاث وستين بعدها. وفي سنة إحدى وأربعين في ذي الحجة ارتفعت سحابة سوداء ليلًا، فزادت على ظلمة الليل، وظهر في جوانب السماء كالنار المضيئة، فانزعج الناس لذلك، وأخذوا في الدعاء والتضرع، فانكشفت بعد ساعة. وفي سنة خمس وأربعين وثلاث تليها انفرد أهل مصر بالحج. وفي سنة ثمان وأربعين. قال في المرآة: عم الوباء والقحط مصر والشام وبغداد والدنيا، وانقطع ماء النيل. واتفقت غريبة، قال ابن الجوزي: ورد كتاب من مصر أن ثلاثة من اللصوص نقبوا بعض الدور، فوجدوا عند الصباح موتى؛ أحدهم على

стр. 900

باب النقب، والثاني على رأس الدرجة، والثالث على الثياب المكورة. وفيها، في العشر الثاني من جمادى الآخرة ظهر وقت السحر نجم له ذؤابة بيضاء، طولها في رأي العين نحو ذراع، ولبث على هذه الحال إلى نصف رجب ثم اضمحل. وفي سنة إحدى وخمسين وسنتين بعدها، انفرد أهل مصر بالحج. وفي شوال من هذه السنة لاح في السماء في الليل ضوء عظيم كالبرق يلمع في موضعين؛ أحدهما أبيض، والآخر أحمر إلى ثلث الليل، وكبر الناس وهللوا. حكاه في المرآة. وفي سنة ثلاث وخمسين في جمادى الآخرة لليلتين بقيتا منه، كسفت الشمس كسوفا عظيما، جميع القرص، فمكثت أربع ساعات حتى بدت النجوم، وأوت الطيور إلى أوكارها لشدة الظلمة. وفي سنة خمس وخمسين وقع بمصر وباء شديد، كان يخرج منها في كل يوم ألف جنازة. وفي سنة ست وخمسين وقعت فتنة عظيمة بين عبيد مصر والترك، واقتتلوا. وغلب العبيد على الجزيرة التي في وسط النيل بين مصر والجيزة، واتصل الحرب بين الفريقين. وفي سنة ثمان وخمسين، في العشر الأول من جمادى الأولى ظهر كوكب كبير، له ذؤابة عرضها نحو ثلاثة أذرع وطولها أذرع كثيرة، وبقي إلى أواخر الشهر، ثم ظهر كوكب آخر عند غروب الشمس، قد استدار نوره عليه كالقمر، فارتاع الناس وانزعجوا، فلما اعتم الليل، رمى ذؤابة نحو الجنوب، وأقام إلى أيام في رجب، وذهب. وفي سنة ستين وأربعمائة كان ابتداء الغلاء العظيم بمصر، الذي لم يسمع بمثله في

стр. 901

الدهور؛ من عهد يوسف الصديق عليه الصلاة السلام، واشتد القحط والوباء سبع سنين متوالية بحيث أكلوا الجيف والميتات، وأفنيت الدواب، وبيع الكلب بخمسة دنانير والهر بثلاثة دنانير، ولم يبق لخليفة مصر سوى ثلاثة أفراس بعد العد الكثير، ونزل الوزير يوما عن بغلته، فغفل الغلام عنها لضعفه من الجوع، فأخذها ثلاثة نفر فذبحوها وأكلوها، فأخذوا فصلبوا وأصبحوا وقد أكلهم الناس، ولم يبق إلا عظامهم. وظهر على رجل يقتل الصبيان والنساء ويبيع لحومهم، ويدفن رءوسهم وأطرافهم فقتل. وبيعت البيضة بدينار، وبلغ الأردب القمح مائة دينار ثم عدم أصلًا، حتى حكى صاحب المرآة أن امرأة خرجت من القاهرة، ومعها مد جوهر، فقالت: من يأخذه بمد قمح؟ فلم يلتفت إليها أحد، وقال بعضهم يهنئ القائم ببغداد: وقد علم المصري أن جنوده ... سنو يوسف هولا وطاعون عمواس أقامت به حتى استراب بنفسه ... وأوجس منها خيفة أي إيجاس وفي سنة اثنتين وستين، زلزلت مصر حتى نفرت إحدى زوايا جامع عمرو. وفيها ضرب صاحب مصر اسم ابنه ولي العهد على الدينار، وسمي الآمري، ومنع التعامل بغيره. وفي سنة خمس وستين اشتد الغلاء، والوباء بمصر حتى إن أهل البيت كانوا يموتون في ليلة، وحتى إن امرأة أكلت رغيفا بألف دينار، باعت عروضها قيمته ألف دينار، واشترت بها جملة قمح، وحمله الحمال على ظهره فنهبه الناس، فنهبت المرأة مع الناس فصح لها رغيف واحد، وكان السودان يقفون في الأزقة، يصطادون النساء بالكلاليب، فيأكلون لحومهن، واجتازت امرأة بزقاق القناديل، فعلقها السودان بالكلاليب، وقطعوا من عجزها قطعة، وقعدوا يأكلونها وغفلوا عنها، فخرجت من الدار، واستغاثت، فجاء الوالي وكبس الدار، فأخرج منها ألوفًا من القتلى.

стр. 902

وفي سنة ست وثمانين وسنتين بعدها انفرد المصريون بالحج. وفي سنة إحدى وتسعين حدثت بمصر ظلمة عظيمة، غشيت أبصار الناس، حتى لم يبق أحد يعرف أين يتوجه! وفي سنة سبع وتسعين عز القمح بمصر، ثم هان. وفيها تولى الآمر بمصر فضرب الفضة السوداء المشهورة بالآمرية. وفي سنة خمس عشرة وخمسمائة هبت ريح سوداء بمصر، فاستمرت ثلاثة أيام، فأهلكت خلقًا كثيرًا من الناس، والدواب والأنعام. قاله ابن كثير (١) . وفي سنة سبع عشرة بلغ النيل ستة عشر ذراعًا سواء بعد توقف. وفي سنة ثمان عشرة أوفى النيل بعد النيروز بتسعة أيام، وزاد عن الستة عشر ذراعا أحد عشر إصبعا لا غير، وعز السعر ثم هان. وفي حدود هذه السنين احترق جامع عمرو. وفي سنة خمس وستين حاصرت الفرنج دمياط خمسين يوما، بحيث ضيقوا أهلها، وقتلوا منهم، فأرسل نور الدين محمود الشهيد إليهم جيشًا عليهم صلاح الدين يوسف بن أيوب، فأجلوهم عنها، وكان الملك نور الدين شديد الاهتمام بذلك؛ حتى إنه قرأ عليه بعض طلبة الحديث جزءًا فيه حديث مسلسل بالتبسم، فطلب منه أن يبتسم ليتصل التسلسل، فامتنع من ذلك، وقال: إني لأستحيي من الله أن يراني متبسمًا، والمسلمون تحاصرهم الفرنج بثغر دمياط. وذكر أبو شامة أن بعضهم رأى في تلك الليلة التي أجلي فيها الفرنج عن دمياط رسول الله ﷺ ، وهو يقول له: سلم على نور الدين، وبشره بأن الفرنج قد رحلوا عن دمياط، فقال له الرائي: يا رسول الله، بأي علامة؟

стр. 903

فقال: بعلامة لما سجد يوم كذا، وقال في سجوده: اللهم انصر دينك ومن هو محمود الكلب! فأصبح الرائي، وبشر نور الدين بذلك، وأعلمه بالعلامة، ففرح، ثم جاء الخبر بإجلائهم تلك الليلة (١) . فرحم الله هذا الملك وأمثاله! وفي سنة ثلاث وثمانين، قال ابن الأثير في الكامل: كان أول يوم منها يوم السبت، وكان يوم النيروز؛ وذلك أول سنة الفرس، واتفق أنه أول سنة الروم أيضا، وفيه نزلت الشمس برج الحمل، وكذلك كان القمر في برج الحمل أيضا، قال: وهذا شيء يبعد وقوع مثله (٢) . وفي سنة ثلاث وتسعين ورد كتاب من "القاضي" الفاضل من مصر إلى القاضي محيي الدين بن الذكي يخبره فيه بأن في ليلة الجمعة التاسع من جمادى الآخرة أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة، وبروق خاطفة، ورياح عاصفة، فقوي أهويتها، واشتد هبوبها، فتدافعت لها أعنة مطلقات، وارتفعت لها صواعق مصعقات، فرجفت لها الجدران واصطفقت، وتلاقت على بعدها واعتنقت، وثار بين السماء والأرض عجاج فقيل: لعل هذه على هذه أطبقت، ولا نحسب إلا أن جهنم قد سال منها واد، وعدا منها عاد، وزاد عصف الرياح إلى أن انطفأت سرج النجوم، ومزقت أديم السماء ومحت ما فوقه من الرقوم؛ فكنا كما قال الله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ ، وكما قلنا: ويردون أيديهم على أعينهم من البوارق، لا عاصم من الخطف للأبصار، ولا ملجأ من الخطب إلا معاقل الاستغفار، وفر الناس نساء ورجالا وأطفالا، ونفروا من دورهم خفافًا وثقالا، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، فاعتصموا بالمساجد الجامعة، وأذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة، ووجوه عاينة، ونفوس عن الأهل والمال سالية، ينظرون من طرف خفي، ويتوقعون أي خطب جلي، قد انقطعت من الحياة علقهم، وعيت عن النجاة طرقهم، ووقعت الفكرة فيما هم قادمون، وقاموا إلى

стр. 904

صلاتهم، وودوا أن لو كانوا من الذين هم عليها دائمون، إلى أن أذن الله في الركود، وأسعف الهاجدين بالهجود، واصبح كل ليسلم على رفيقه، ويهنئه بسلامة طريقه، ويرى أنه قد بعث بعد النفخة، وأفاق بعد الصيحة والصرخة، وأن الله قد رد له الكرة، وأدبه بعد أن كان يأخذه على الغرة. وودت الأخبار بأنها كسرت المراكب في البحار والأشجار في القفار، وأتلفت خلقا كثيرا من السفار، ومنهم من فر فلم ينفعه الفرار. إلى أن قال: ولا يحسب المجلس أني أرسلت القلم محرَّفًا، والقول مجزفا، فالأمر أعظم، ولكن الله سلم، ونرجو أن يكون الله قد أيقظنا بما وعظنا، ونبهنا بما ولهنا، فما من عباده من رأى القيامة عيانا، ولم يلتمس عليها من بعده برهانا، إلا أهل بلد يافا، اقتص الأولون مثلها في المثلات، ولا سبقت لها سابقة في المعضلات، والحمد لله الذي من فضله جعلنا نخبر عنها ولا تخبر عنا، ونسأل الله أن يصرف عنا، عارضي الحرص والغرور إذا عنا. وفي سنة ست وتسعين، قال الذهبي، في العبر: كسر النيل من ثلاثة عشر ذراعا إلا ثلاثة أصابع، فاشتد الغلاء، وعدمت الأقوات، ووقع البلاء وعظم الخطب، إلى أن آل بهم الأمر إلى أكل الآدميين الموتى (١) . قال ابن كثير في هذه السنة والتي بعدها: كان بديار مصر غلاء شديد، فهلك الغني والفقير، وعم الجليل والحقير، وهرب الناس منها نحو الشام، ولم يصل منها إلا القليل من الفئام (٢) ، وتخطفتهم الفرنج من الطرقات، وعزوهم في أنفسهم، واغتالوهم بالقليل من الأقوات. وكان الأمير لؤلؤ أحد الحجاب بالديار المصرية (٣) يتصدق في هذا الغلاء في كل يوم باثني عشر ألف رغيف على اثني عشر ألف فقير (٤) .

стр. 905

وفي سنة سبع وتسعين، قال الذهبي في العبر: كان الجوع والموت المفرط بالديار المصرية، وجرت أمور تتجاوز الوصف، ودام ذلك إلى نصف العام الآتي، فلو قال القائل: مات ثلاثة أرباع أهل الإقليم لما بعد، والذي دخل تحت قلم الحصرية (١) في مدة اثنين وعشرين شهرا مائة ألف وأحد وعشرون ألفا بالقاهرة، وهذا نزر في جنب ما هلك بمصر والحواضر، وفي البيوت والطرقات ولم يدفن، وكله نزر في جنب ما هلك بالأقاليم. وقيل: إن مصر كان فيها تسعمائة منسج للحصر، فلم يبق إلا خمسة عشر منسجًا، فقس على هذا؛ وبلغ الفروج مائة درهم، ثم عدم الدجاج بالكلية، لولا ما جلب من الشام، وأما أكل لحوم الآدميين فشاع وتواتر، هذا كلام الذهبي (٢) . وقال صاحب المرآة: في هذه السنة كان هبوط النيل، ولم يعهد ذلك في الإسلام إلا مرة واحدة في دولة الفاطميين، ولم يبق منه إلا شيء يسير، واشتد الغلاء والوباء بمصر، فهرب الناس إلى المغرب والحجاز واليمن والشام، وتفرقوا وتمزقوا كل ممزق. قال: وكان الرجل يذبح ولده، وتساعده أمه على طبخه وشيه؛ وأحرق السلطان جماعة فعلوا ذلك ولم ينتهوا، وكان الرجل يدعو صديقه وأحب الناس إليه إلى منزله ليضيفه، فيذبحه ويأكله، وفعلوا بالأطباء ذلك، وفقدت الميتات والجيف، وكانوا يخطفون الصبيان من الشوارع فيأكلونهم، وكفن السلطان في مدة يسيرة مائتي ألف وعشرين ألفا، وامتلأت طرقات المغرب والحجاز والشام برمم الناس، وصلى إمام جامع إسكندرية في يوم واحد على سبعمائة جنازة. قال العماد الكاتب: في سنة سبع وتسعين وخمسمائة اشتد الغلاء، وامتد الوباء وحدثت المجاعة، وتفرقت الجماعة، وهناك القوي فكيف الضعيف! ونحف السمين فكيف العجيف! وخرج الناس حذر الموت من الديار، وتفرقت فرق مصر في

стр. 906

الأمصار، ولقد رأيت الأرامل على الرمال، والجمال باركة تحت الأحمال، ومراكب الفرنج واقفة بساحل البحر على اللقم، تسترق الجياع باللقم. قال صاحب المرآة وغيره: وكان في هذه السنة، في شعبان، زلزلة هائلة من الصعيد، هدمت بنيان مصر، فمات تحت الهدم خلق كثير. وفي سنة تسع وتسعين في ليلة السبت سلخ المحرم ماجت النجوم في السماء شرقًا وغربا، وتطايرت كالجراد المنتشر يمينا وشمالا، ودام ذلك إلى الفجر، وانزعج الخلق، وضجوا بالدعاء، ولم يعهد مثل ذلك إلا في عام البعث وفي سنة إحدى وأربعين ومائتين. قاله صاحب المرآة وغيره. وفي سنة ستمائة، كانت زلزلة عظيمة كانت زلزلة عظيمة بديار مصر، قاله ابن الأثير في الكامل. وفيها أخذت الفرنج قوة واستباحوها، دخلوا من فم رشيد في النيل. ذكره الذهبي "في العبر" (١) . وفي سنة سبع وستمائة، دخلت الفرنج من البحر من غربي دمياط، وساروا في البر فاخذوا قرية بورة، واستباحوها قتلًا وسبيا، وردوا في الحال، ولم يدركهم الطلب (٢) . وفي سنة ثمان وستمائة، كانت زلزلة شديدة، هدمت بمصر والقاهرة دورا كثيرة، ومات خلق تحت الهدم. وفي سنة خمس عشرة وستمائة، في جمادى الأولى، نزلت الفرنج على دمياط، وأخذوا برج السلسلة (٣) ، ثم استحوذوا على دمياط في سنة ست عشرة، فاستمرت بأيديهم إلى أن استردت منهم في سنة ثمان عشرة.

стр. 907

قال الذهبي في العبر: في سنة ست عشرة وستمائة، حاصر الفرنج أهل دمياط، ووقعت حروب كثيرة يطول شرحها، وجدت الفرنج في المحاصرة، وعملوا عليهم خندقًا كبيرا، وثبت أهل البلد ثباتا لم يسمع بمثله، وكثر فيهم القتل والجرح والموت، وعدمت الأقوات، ثم سلموها بالأمان في شعبان، وطار عقل الفرنج، وتسارعوا إليها من كل فج، وشرعوا في تحصينها، وأصبحت دار هجرتهم، ورجوا بها أخذ ديار مصر، وأشرف الإسلام على خطة خسف، وأقبل التتار من المشرق والفرنج من المغرب، وعزم المصريون على الجلاء؛ فثبتهم الكامل إلى أن سار إليه أخوه الأشرف والمعظم، وحصل الفتح ولله الحمد (١) . وفي سنة ثمان وعشرين وستمائة، كان غلاء شديد بديار مصر، قاله ابن كثير (٢) . وبلغ النيل ستة عشر ذراعًا وثلاثة أصابع فقط، بعد توقف عظيم، ووصل القمح خمسة دنانير الإردب، فرسم السلطان بفتح الأهراء وشون الأمراء، وأن يباع بثمانين درهما الإردب من غير زيادة، فانحط السعر إليه. ذكره ابن المتوج. وفي سنة تسع وعشرين، وصل النيل ثمانية عشر ذراعا وستة أصابع، وتأخر نزوله حتى خاف الناس من عدم نزوله، فغلا السعر، ثم نزل، فانحط السعر. وفي سنة إحدى وثلاثين، قدم إلى الملك الكامل هدية من الإفرنج، فيها دب ابيض وشعره مثل شعر السبع، ينزل البحر فيصعد بالسمك فيأكله. وفي سنة اثنتين وثلاثين كان الوباء العظيم بمصر. وفي سنة ثلاث وأربعين كان الغلاء بمصر، وقاسى أهلها شدائد. وفي سنة سبع وأربعين نزلت الفرنج دمياط برًّا وبحرا، وملكوها، ثم استنقذت منهم.

стр. 908

وفي سنة تسع وأربعين، قال ابن كثير: صليت صلاة العيد يوم الفطر بعد العصر، قال: وهذا اتفاق غريب (١) . وفي سنة سبع وخمسين، حصلت بديار مصر زلزلة عظيمة جدًّا. وفي سنة إحدى وستين، جهز الظاهر بيبرس -رحمه الله تعالى- أخشابًا وآلات كثيرة لعمارة المسجد النبوي بعد حريقه، فطيف بها بالديار المصرية، فرحًا بها، وتعظيمًا لشأنها ثم ساروا بها إلى المدينة. وفي سنة اثنتين وستين كان بديار مصر غلاء عظيم، وفرق الظاهر الفقراء على الأمراء والأغنياء، وألزمهم بإطعامهم، وفرق هو قمحا كثيرًا، ورتب كل يوم للفقراء مائة إردب تخبز، وتفرق عليهم. وفي هذه سنة ولد بمصر ولد ميت، له رأسان وأربعة أعين وأربعة أيد وأربعة أرجل. وفي سنة ثلاث وستين وقع حريق عظيم ببلاد مصر، اتهم به النصارى، فعاقبهم السلطان عقوبة عظيمة، وفيها استجد الظاهر بمصر القضاة الثلاثة، من كل مذهب قاض. وفي سنة أربع وستين، قال ابن المتوج: حفر الظاهر بحر مصر بنفسه، وعسكره ما بين الروضة والمنشأة. وفي سنة خمس وستين كبا الفرس بالملك الظاهر، فانكسرت فخذه، وحصل له عرج. وفي سنة ست وستين كانت كائنة الحبيس (٢) النصراني، كان كاهنًا ثم ترهب وأقام بمفازة بجبل حلوان، فقيل: إنه ظفر بكنز للحاكم صاحب مصر، فواسى منه الفقراء

стр. 909

والمستورين من كل ملة، واشتهر أمره وشاع ذكره، وأنفق في ثلاث سنين أموالًا عظيمة، فأحضره السلطان، وتلطف به، فأبى عليه أن يعرفه بجلية أمره، وأخذ يراوغه ويغالطه، فلما أعياه حنق عليه، وبسط عليه العذاب فمات. قال الذهبي: وقد أفتى غير واحد بقتله خوفًا على ضعفاء الإيمان من المسلمين أن يضلهم ويغويهم (١) . وفي سنة سبع وستين، رسم السلطان بإراقة الخمور، وإبطال المفسدات والخواطئ من الديار المصرية والشامية، وحبست الخواطئ حتى يتزوجن، وكتب إلى جميع البلاد بذلك، وأسقطت الضرائب التي كانت مرتبة عليها (٢) . وفي هذه السنة حج السلطان فأحسن إلى أهل الحرمين، وغسل الكعبة بماء الورد بيده. وفي أواخر ذي الحجة من هذه السنة هبت ريح شديدة بديار مصر، غرقت مائتي مركب في النيل، وهلك فيها خلق كثير، ووقع مطر شديد جدًّا، وأصابت الثمار صعقة أهلكتها، حكاه ابن كثير (٣) . وفي سنة تسع وستين شدد السلطان في أمر الخمور، وهدد من يعصرها بالقتل، وأسقط الضمان في ذلك، وكان ألف دينار كل يوم بالقاهرة وحدها، وكتب بذلك توقيع قرئ على منبر مصر والقاهرة، وسارت البرد بذلك إلى الآفاق. وفي سنة سبعين، قال قطب الدين: في جمادى الآخرة ولدت زرافة بقلعة الجبل، وأرضعت من بقرة، قال: وهذا شيء لم يعهد مثله. وفي سادس (٤) عشر شوال سنة خمس وسبعين، قال ابن كثير: طيف بالمحمل، وبكسوة الكعبة المشرفة بالقاهرة، وكان يوما مشهودا (٥) . قلت: كان هذا مبدأ ذلك، واستمر ذلك كل عام إلى الآن. وفي سنة تسع وسبعين، في يوم عرفة وقع ببلاد مصر برد كبار، أتلف كثيرا من

стр. 910

الغلال، ووقعت صاعقة بالإسكندرية، وأخرى تحت الجبل الأحمر على حجر فأحرقته، فأخذ ذلك الحجر وسبك، فخرج منه من الحديد أواق بالرطل المصري. وفي سنة ثمان وستمائة تربت جزيرة كبيرة ببحر النيل اتجاه قرية بولاق واللوق، وانقطع بسببها مجرى البحر، ما بين قلعة المقس وساحل باب البحر، واشتد ونشف بالكلية، واتصل ما بين المقس وجزيرة الفيل بالمشي، ولم يعهد فيما تقدم، وحصل لأهل القاهرة مشقة من نقل الماء لبعد النيل، فأراد السلطان حفره، فقالوا: إنه لا يفيد، ونشف إلى الأبد. وفي سنة إحدى وثمانين في شعبان، طافوا بكسوة الكعبة، ولعبت مماليك الملك المنصور أيام الكسوة بالرماح والسلاح؛ وهو أول ما وقع ذلك بالديار المصرية، واستمر ذلك إلى الآن، يعمل سنين ويبطل سنين. وفي سنة إحدى وتسعين في الرابع والعشرين من المحرم، وقع حريق عظيم بقلعة الجبل، أتلفت شيئًا كثيرًا من الذخائر والنفائس والكتب. وفي سنة ثلاث وتسعين، قال ابن المتوج: كثرت النفوس وردها أرباب المعائش، وجعلت بالميزان بربع نقرة كل أوقية، ثم بسدس الأوقية، وتحرك السعر بسبب ذلك. وكان القمح في أول السنة بثلاثة عشرة درهمًا الإردب، فانتقل إلى ستين درهما الإردب. وفيها، قال ابن المتوج: كانت زلزلة بديار مصر. وفي سنة أربع وتسعين، أوفى النيل في السادس من أيام النسيء وكسر، وبلغ مجموع زيادته ستة عشرة ذراعا وسبعة عشر إصبعا، وحصل في هذه السنة بديار مصر غلاء شديد. واستهلت سنة خمس وتسعين وأهل الديار المصرية في قحط شديد ووباء مفرط، حتى أكلوا الجيف، ونفدت حواصل السلطان من العليق، فأقامت خيول السلطان ثلاثة أيام حتى أحضرت التقاوي المخلد في البلاد، وبلغ الإردب القمح مائة وسبعين درهما

стр. 911

نقرة، وذلك عبارة عن ثمانية مثاقيل ذهب ونصف مثقال، والخبز كل رطل وثلث بالمصري بدرهم نقرة، وأكلت الضعفاء الكلاب، وطرحت الأموات في الطرقات، وكانوا يحفرون الحفائر الكبار، فيلقون فيها الجماعة الكثيرة. وبيع الفروج بالإسكندرية بستة وثلاثين درهما نقرة، وبالقاهرة بتسعة عشر، والبيض كل ثلاثة بدرهم، وفنيت الحمر والخيل والبغال والكلاب، ولم يبق شيء من هذه الحيوانات يلوح، وفي جمادى الآخرة خف الأمر، وأخذ بالرخص، وانحط سعر القمح إلى خمسة وثلاثين درهما الإردب. وفي سنة ست وتسعين، بلغت زيادة النيل إلى أول توت خمسة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا، ثم نقص ولم يوف. وفي سنة سبع وتسعين توقف النيل، ثم أوفى آخر أيام النسيء. وفي سنة ثمان وتسعين في المحرم، ظهر كوكب له ذؤابة. وفي سنة تسعين، أوفى النيل في ثالث عشر توت. وفي شعبان سنة سبعمائة، أمر بمصر والشام اليهود بلبس العمائم الصفر، والنصارى بلبس الزرق، والسامرة بلبس الحمر، واستمر ذلك إلى الآن. وقال الشعراء في ذلك، فقال العلاء الوادعي: لقد ألزموا الكفار شاشات ذلة ... تزيدهم من لعنة الله تشويشا فقلت لهم: ما ألبسوكم عمائمًا ... ولكنهم قد ألبسوكم براطيشا وقال آخر: تعجبوا للنصارى واليهود معًا ... والسامريين لما عمموا الخرقا كأنما بات بالأصباغ منسهلا ... نسر السماء فأضحى فوقهم فرقا وفي سنة اثنتين وسبعمائة في ذي الحجة، كانت الزلزلة العظمى بمصر، وكان تأثيرها

стр. 912

بالإسكندرية أعظم من غيرها، وطلع البحر إلى نصف البلد، وأخذ الحمال والرجال، وغرقت المراكب، وسقطت بمصر دور لا تحصى، وهلك تحت الردم خلق كثير. وفي هذه السنة، قال البرزالي في تاريخه: قرأت في بعض الكتب الواردة من القاهرة أنه لما كان بتاريخ يوم الخميس رابع جمادى الآخرة، ظهرت دابة عجيبة الخلقة من بحر النيل إلى أرض المنوفية، وصفتها: لونها لون الجاموس بلا شعر، وآذانها كآذان الجمل، وعيناها وفرجها مثل الناقة، يغطي فرجها ذنبها، طوله شبر ونصف، طرفه كذنب السمك، ورقبتها مثل غلظ المسند المحشو تبنًا، وفمها وشفتاها مثل الكربال، ولها أربعة أنياب، اثنان من فوق واثنان من أسفل، طولها دون الشبر، وعرض إصبعين، وفي فمها ثمانية وأربعون ضرسا وسنا، مثل بيادق الشطرنج، وطول يديها من باطنها إلى الأرض شبران ونصف، ومن ركبتها إلى حافرها مثل بطن الثعبان، أصفر مجعد ودور حافرها مثل السكرجة بأربعة أظافير مثل أظافير الجمل، وعرض ظهرها مقدار ذراعين ونصف، وطولها من فمها إلى ذنبها خمسة عشر قدما، وفي بطنها ثلاثة كروش، ولحمها أحمر، وزفرته مثل السمك، وطعمه كطعم الجمل، وغلظ جلدها أربعة أصابع، ما تعمل فيه السيوف، وحمل جلدها على خمسة أجمال في مقدار ساعة، من ثقله على جمل بعد جمل، وأحضروه إلى القلعة بين يدي السلطان، وحشوه تبنا، وأقاموه بين يديه. وفي هذه السنة أبطل الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير عيد الشهيد بمصر، وذلك أن النصارى كان عندهم تابوت فيه إصبع، يزعمون أنه من أصابع بعض شهدائهم، وأن النيل لا يزيد ما لم يلق فيه هذا التابوت، وكان يجتمع النصارى من سائر النواحي إلى شبرا، ويقع هناك أمور فظيعة؛ من سكر وغيره، فأبطل ذلك إلى يومنا هذا، ولله الحمد. وفي سنة أربع وسبعمائة ظهر من معدن الزمرد قطعة زنتها مائة وخمسة وسبعون

стр. 913

مثقالا، فأخفاها الضامن، ثم حملها إلى بعض الملوك، فدفع له فيها مائة ألف وعشرين ألف درهم، فأبى أن يبيعها بذلك، فأخذها الملك منه غصبًا، وبعث بها إلى السلطان، فمات الضامن غمًّا. وفيها أوفى النيل رابع توت، وكذا في سنة خمس. وفي سنة تسع وسبعمائة توقف النيل، واستسقى الناس فلم يسقوا، وانتهت زيادته في سابع عشري توت إلى خمسة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا، ثم زاد. وأوفى ستة عشر ذراعا في تاسع عشر بابه، وتشاءم الناس بسلطنة بيبرس، وغنت العامة في ذلك: سلطاننا ركين، ونائبنا، يجيئنا الماء من أين! يجيب لنا الأعرج، يجيء الماء ويدحرج. وفي هذه السنة لما عاد ابن قلاوون تكلم الوزير ابن الخليلي في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض بالعلائم، وأنهم قد التزموا للديوان بسبعمائة ألف في كل سنة زيادة على الجالية، فسكت أهل المجلس، وقام الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀، وتكلم كلاما عظيما، ورد على الوزير مقالته، وقال للسلطان: حاشاك أن تكون ممن ينصر أهل الذمة! فأصغى إليه السلطان، واستمر لبسهم للأصفر والأزرق، ثم عمد ذلك ببغداد أيضا في سنة أربع وثلاثين اقتداء بملك مصر. وفي سنة خمس عشرة وسبعمائة وقع الشروع في رَوْك (١) الإقطاعات بمصر، وأبطل السلطان مكوسا كثيرة، وأفردت الجهات التي بقيت من المكس، وأضيفت

стр. 914

للوزير. وأفرد لكل راتب من الدولة، ولكل فريق جهة من البلاد، ولم يكن الوزير يتعلق به جهة مكس قديما، ولذا كان يتولاه العلماء وقضاة القضاة. وفي سنة عشرين وسبعمائة حصل بالديار المصرية مرض كثير، قل أن سلمت منه دار، وغلت الأدوية والأشربة، وبيعت الرمانة الحامضة بثلاثة أرباع نقرة، والعناب الرطل المصري بستة دراهم نقرة، وكذلك الإجاص والقراصيا والقلب اللوز، وتمت مدة عظيمة؛ ولكن كان المرض سليما والموت قليلا. ذكره في العبر. وفي سنة إحدى وعشرين، كان بالقاهرة حريق كبير متتابع خارج عن الوصف، ودام أياما في أماكن، وأحرق جامع ابن طولون وما حوله بأسره، ثم ظفر بفاعليه، وهم جماعة من النصارى يعملون قوارير النفط، فقتلوا وأحرقوا، وهدم غالب كنائس النصارى بمصر، ونهب الباقي، وبقيت القاهرة أيامًا لم يظهر فيها أحد من النصارى، وبقي لا يظهر نصراني إلا ضربه العوام، وربما قتلوه. وفي هذه السنة، قال الذهبي في العبر: نقلت من خط بدر الدين العزازي أن كلبة ولدت بالقاهرة ثلاثين جروًا، وإنها أحضرت بين يدي السلطان، فعجب منها وسأل المنجمين عن ذلك، فلم يكن عندهم علم منه. وفي سنة اثنتين وعشرين أبطل السلطان المكس المتعلق بالمأكول بمكة، وعوض صاحبها ثلثي بلد دمامين (١) ، من صعيد مصر. وفي سنة أربع وعشرين رسم السلطان بإبطال الملاهي بالديار المصرية، وحبس جماعة من النساء الزواني، وحصل بالديار المصرية موت كثير. وفي هذه السنة، نودي على الفلوس أن يتعامل بها بالرطل، كل رطل بدرهمين، ورسم بضرب فلوس زنة الفلس منها درهم.

стр. 915

وفي سنة خمس وعشرين، وقع بالقاهرة مطر كثير، قل أن وقع مثله، وجاء سيل إلى النيل حتى تغير لونه، وزاد نحو أربعة أصابع. وفي هذه السنة حضر السلطان القاسم بن قلاوون عند قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، فسمع عليه عشرين حديثا من تساعياته، وخلع عليه خلعة عظيمة، وفرق من الذهب والفضة على الفقراء نحو ثلاثين ألف درهم.
следующие страницы →