← История

История · id 3283

حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة

الجلال السيوطي

Полный текст (1 061 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

لجاجة الجسور في بيداء لججه، ويثاقف القحط بالتراس من بركه والسيوف من خلجه. ولما تكامل إيابه، وصح في ديوان الفلاح والفلاحة حسابه، وأظهر ما عنده من ذخائر التيسير وودائعه، ولفظ (١) عموده حمل ذلك على أصابعه. وكانت الستة عشر ذراعًا تسمى ماء السلطان، نزلنا وحضرنا مجلس الوفاء المعقود، واستوفينا شكر الله تعالى بفيض ما هو من زيادته محسوب، ومن صداقاتنا مخرج ومن القحط مردود، ووقع تياره بين أيدينا سطورًا تفوق، وعلت يدنا الشريفة بالخلوق، وحمدنا السير كما حمد لنا السري، وصرفناه في القرى للقرى، ولم نحضره في العام الماضي فعملنا له من الشكر شكرانا وعمل هو ما جرى. وحضرنا إلى الخليج وإذا به أمم قد تلقونا بالدعاء المجاب، وقرظونا فأمرنا ماءه أن يحثو من سده في وجوه المداحين التراب، ومر يبدي المساد ويعيدها، ويزور منازل القاهرة ويعودها، وإذا سئل عن أرض الطبالة، قال: جننا بليلى، وعن خلجها، وهي جنت بغيرنا. وعن بركة الفيل قال: وأخرى بنا مجنونة لا نريدها. وما برح حتى تعوض عن القيعان البقيعة، من المراكب بالسرر المرفوعة، ومن الأراضي المحروثة، من جوانب الأدرب بالزرابي المبثوثه. وانقضى هذا اليوم عن سرور لمثله فليحمد الحامدون، وأصبحت مصر جنة فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين وأهلها في ظل الأمن خالدون. فليأخذ حظه من هذه البشرى التي ما كتبنا بها كتبت بها الرياح إلى نهر المجرة إلى البحر المحيط، ونطقت بها رحمة الله تعالى إلى مجاوري بيته من لابسي التقوى ونازعي المخيط، وبشرت بها مطايا المسير الذي يسير من قوص غير منقوص، ويتشارك بها الابتهاج في العالم فلا مصر دون مصر بها مخصوص.

стр. 982

والله تعالى يجعل الأولياء في دولتنا يبتهجون بكل أمر جليل، وجيران الفرات يفرحون بجريان النيل. وكتب الصلاح الصفدي بشارة إلى بعض النواب في بعض الأعوام: ضاعف الله نعمة الجناب وسر نفسه بأنفس بشرى، وأسمعه من الهناء كل آية أكبر من الأخرى، وأقدم عليه من المسار ما يتحرز ناقله ويتحرى، وساق إليه كل طليعة إذا تنفس صبحها تفرق الليل وتفرى، وأورد لديه من أنباء الخصب ما يتبرم به محل المحل ويتبرى. هذه المكاتبة إلى الجناب العالي تخصه بسلام يرى كالماء انسجامًا، ويروق كالزهر ابتساما، ونتحفه بثناء جعل المسك له ختاما، وضرب له على الرياض النافحة خياما، ونقص عليه من أنباء النيل الذي خص الله البلاد المصرية بوفادة وفائه، وأغنى به قطرها عن القطر فلم تحتج إلى مد كافه وفائه، ونزهه عن منة الغمام الذي إن جاد فلا بد من شهقة رعده ودمعة بكائه، فهي الأرض التي لا يذم للأمطار في جوها مطار، ولا يزم للقطار في نفعها قطار، ولا ترمد الأنواء فيها عيون النوار، ولا تشيب بالثلوج مفارق الطرق ورءوس الجبال، ولا تفقد فيها حلى النجوم لاندراج الليلة تحت السحب بين اليوم وأمس، ولا يتمسك في سنائها المساكين كما قيل بحبال الشمس، وأين أرض يخد عجاجها بالبحر العجاج، وتزدحم في ساحاتها أفواج الأمواج، من أرض لا تنال السقيا إلا بحرب؛ لأن القطر سهام والضباب عجاج قد انعقد، ولا يعم الغيث بقاعها؛ لأن السح لا تراها إلا بسراج البرق إذا اتقد. فلو خاصم النيل مياه الأرض لقال: عندي قبالة كل عين إصبع، ولو فاخرها لقال: أنت بالجبال أثقل وأنا بالملق أطبع. والنيل له الآيات الكبر، وفيه العجائب والعبر، منها وجود الوفا، عند عدم الصفا، وبلوغ الهرم، إذا احتد واضطرم، وأمن كل فريق، إذا قطع الطريق، وفرح قطان الأوطان إذا كسر وهو كما يقال: سلطان.

стр. 983

وهو أكرم منتدى، وأعزب محتبى، وأعظم مجتدى، إلى غير ذلك من خصائصه، وبراءته مع الزيادة من نقائصه. وهو أنه في هذه العام المبارك جذب البلاد من الجدب وخلصها بذراعه، وعصمها بخنادقه التي لا تراع من تراعه، وحضها بسواري الصواري تحت قلوعه وما هي إلا عمد قلاعه، وراعى الأدب بين أيدينا الشريفة بمطالعتنا في كل يوم بحر قاعه في رقاعه، حتى إذا أكمل الستة عشر ذراعا، وأقبلت سوابق الخيل سراعا، وفتح أبواب الرحمة بتغليقه، وجد في طلب تخليقه، تضرع بمد ذراعه غلينا، وسلم عند الوفاء بأصابعه علينا. ونشر علم ستره، وطلب لكرم طباعه جبر العالم بكسره، فرسمنا بأن يخلق، ويعلم تاريخ هنائه ويعلق، فكسر الخليج وقد كاد يعلوه فوق موجه، ويهيل كئيب سده هول هيجه، ودخل يدوس زرابي الدور المبثوثة، ويجوس خلال الحنايا كان له فيها خبايا موروثة. ومرق كالسهم من قسي قناطره المنكوسة، وعلاه زبد حركته ولولاه ظهرت في باطنه من بدور إناثه أشعتها المعكوسة. وبشر بركة الفيل ببركة الفال، وجعل المجنونة من تياره المنحدر في السلاسل والأغلال، وملأ أكف الرجا بأموال الأمواه، وازدحمت في عبارة شكره أفواج الأفواه. وأعلم الأقلام بعجزها عما يدخل من خراج البلاد، وهنأت طلائعه بالطوالع التي نزلت بركاتها من الله على العباد. وهذه عوائد الألطاف الإلهية بنا لم نزل نجلس على موائدها، ونأخذ منها ما نهبه لرعايانا من فوائدها. ونخص بالشكر قوادمها فهي تدب حولنا وتدرج، وتخص قوادمها بالثناء والمدح، والحمد فهي تدخل إلينا وتخرج. فليأخذ الجناب العالي حظه من هذه البشرى التي جاءت بالمن والمنح، وانهلت أياديها المغدقة بالسح والسفح، وليتلقاها بشكر يضيء به في الدجى أديم الأفق، ويتخذها عقدًا تحيط منه بالعنق إلى النطق، وليتقدم الجناب العالي بألا يحرك الميزان في هذه البشرى بالجباية لسانه، وليعط كل عامل في بلادنا بذلك أمانه، وليعمل بمقتضى هذا المرسوم

стр. 984

حتى لا يرى في إسقاط الجباية خيانة، والله يديم الجناب العالي لقص الأنباء الحسنة عليه، ويمتعه بجلاء عرائس التهاني والأفراح لديه. وكتب الأديب تقي الدين أبو بكر بن حجة بشارة عن الملك المؤيد شيخ، سنة تسع عشرة وثمانمائة. ونبدي لعلمه الكريم ظهور آية النيل الذي عاملنا الله فيه بالحسنى وزيادة، وأجراه لنا في طرق الوفاء على أجمل عادة، وخلق أصابعه ليزول الإيهام فأعلن المسلمون بالشهادة، كسر بمسرى (١) فأمسى كل قلب بهذا الكسر مجبورا، وأتبعناه بنوروز (٢) وما برح هذا الاسم بالسعد المؤيدي مكسورا، دق قفا السودان فالراية البيضاء من كل قلع عليه، وقبل ثغور الإسلام فأرشفها ريقه الحلو فمالت أعطاف غصونها إليه، وشبب خريره في الصعيد بالقصب، ومد سبائكه الذهبية إلى جزيرة الذهب، فضرب الناصرية واتصل بأم دينار، وقلنا: لولا أنه صبغ بقوة (٣) لما جاء وعليه ذلك الاحمرار. وطال الله عمر زيادته فتردد إلى الآثار، وعمته البركة فأجرى سواقي ملكه إلى أن غدت جنة تجري من تحتها الأنهار، وحضن (٤) مشتهي الروضة في صدره، وحنا عليها حنو المرضعات على الفطيم. وأرشفنا على ظمأ زلالًا ... ألذ من المدامة للنديم وراق مديد بحره لما انتظمت عليه تلك الأبيات، وسقى الأرض سلافته الخمرية فخدمته بحلو النبات، وأدخله إلى جنات النخيل والأعناب فالق النوى والحب، فأرضع "في أحشاء الأرض" (٥) جنين النبت، وأحيا له أمهات العصف والأب. وصافحته كفوف الموز فختمتها

стр. 985

بخواتمه العقيقية ولبس الورد تشريفه، وقال: أرجو أن تكون شوكتي في أيامه قوية، ونسي الزهر بحلاوة لقائه مرارة النوى، وهامت به مخدرات الأشجار فأرخت ضفائر فروعها عليه من شدة الهوى، واستوفى النبات ما كان له في ذمة الري من الديون، ومازج الحوامض بحلاوته فهام الناس بالسكر والليمون، وانجذب إليه الكباد وامتد، ولكن قوي قوسه لما حظي منه بسهم لا يرد، ولبس شربوش الأترج وترفع إلى أن لبس بعده التاج، وفتح منثور (١) الأرض لعلامته بسعة الرزق وقد نفذ أمره وراج، فتناول مقالم الشنبر وعلم بأقلامها، ورسم (٢) لمحبوس كل سد بالإفراج، وسرح بطائق السفن فخفقت أجنحتها بمخلق بشائره، وأشار بأصابعه إلى قتل المحل فبادر الخصب إلى امتثال أوامره، وحظي بالمعشوق وبلغ من كل منية مناه، فلا سكن على البحر إلا تحرك ساكنه بعد ما تفقه، وأتقن باب المياه، ومد شفاه أمواجه إلى تقبيل فم الخور (٣) ، وزاد مترعه (٤) فاستحلى المصريون زائده على الفور، ونزل في بركة الحبش فدخل التكرور في طاعته، وحمل على الجهات البحرية فكسر المنصورة وعلا على الطويلة بشهامته، وأظهر في مسجد الخضر عين الحياة فأقر الله عينه، وصار أهل دمياط في برزخ بين المالح وبينه، وطلب المالح رده بالصدر وطعن في حلاوة شمائله، فما شعر إلا وقد ركب عليه ونزل في ساحله. وأما المحاسن فدارت دوائره على وجنات الدهر عاطفة، وثقلت أرداف أمواجه على خصور (٥) الجواري واضطربن كالخائفة، ومال شيق النخيل إليه فلثم ثغر طلعه وقبل سالفه، وأمست سود الجواري كالحسنات على حمرة وجناته، وكلما زاد زاد الله في حسناته؛ فلا فقير سد إلا حصل له من فيض نعماه فتوح، ولا ميت خليج إلا عاش به

стр. 986

ودبت فيه الروح، ولكنه احمرت عينه على الناس بزيادة وترفع، فقال له المقياس: عندي قبالة كل عين إصبع. ونشر أعلام قلوعه وحمل وله على ذي الجزيرة زمجرة، ورام أن يهجم على غير بلاده فبادر إليه عزم (١) المؤيدي وكسره. وقد آثرنا الجناب بهذه البشرى التي سرى فضلها برًّا وبحرًا، وحدثناه عن البحر ولا حرج وشرحنا له حالًا وصدرًا، ليأخذ حظه من هذه البشارة البحرية بالزيادة الوافرة، وينشق من طيبها (٢) نشرا، فقد حملت له من طيبات ذلك النسيم أنفاسًا عاطرة. والله تعالى يوصل بشائرنا الشريفة لسمعه الكريم ليصير بها في كل وقت مشنفا، ولا برح من نيلها المبارك وإنعامنا الشريف على كلا الحالين في وفا (٣) .

стр. 987

ذكر المقياس: قال ابن عبد الحكم: كان أول من قاس النيل بمصر يوسف ﵇، ووضع مقياسا بمنف، ثم وضعت العجوز دلوكة ابنة زباء مقياسا بأنصنا؛ وهو صغير الذرع ومقياسا بأخميم. ووضع عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان وهو صغير، ووضع أسامة بن زيد التنوخي في خلافة الوليد بالجزيرة؛ وهي المسماة الآن بالروضة، وهو أكبرها؛ حدثنا يحيى بن بكير، قال: أدركت القياس يقيس في مقياس منف ويدخل بزيادته إلى الفسطاط. هذا ما ذكره ابن عبد الحكم (١) . قال التيفاشي: ثم هدم المأمون مقياس الجزيرة، وأسسه ولم يتمه، فأتم المتوكل بناءه وهو الموجود الآن. وقال صاحب مباهج الفكر: المقياس الذي بأنصنا ينسب لأشمون بن قفطيم بن مصر ويقال: إنه من بناء دلوكة، وبناؤه كالطيلسان، وعليه أعمدة بعدد أيام السنة من الصوان الأحمر. ورأيت (٢) في بعض المجاميع ما نصه: قال ابن حبيب (٣) : وجدت في رسالة منسوبة إلى الحسن بن محمد بن عبد المنعم، قال: لما فتحت مصر عرف عمر بن الخطاب ما يلقى أهلها من الغلاء عن وقوف النيل عن مده (٤) في مقياس لهم فضلا عن تقاصره، وإن فرط الاستشعار يدعوهم إلى الاحتكار، ويدعو الاحتكار إلى تصاعد الأسعار بغير

стр. 988

قحط، فكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، يسأله عن شرح الحال،، فأجابه فقال عمرو (١) : إني وجدت ما تروى به مصر حتى لا يقحط أهلها أربعة عشر ذراعا، والحد الذي يروى منه سائرها حتى يفضل عن حاجتهم ويبقى عندهم قوت سنة أخرى ستة عشر ذراعا، والنهايتين (٢) المخوفتين في الزيادة والنقصان -وهو الظمأ والاستبحار- اثنتا عشر ذراعا في النقصان وثماني عشرة ذراعا في الزيادة؛ هذا والبلد في ذلك محفور الأنهار، معقود الجسور، عندما تسلموه من القبط وخمير العمارة فيه. فاستشار عمر بن الخطاب علي بن أبي طالب في ذلك، فأمره أن يكتب إليه أن يبني مقياسا، وأن ينقص (٣) ذراعين على اثنتي عشرة ذراعا، وأن يقر ما بعدها على الأصل، وأن ينقص من ذراع بعد الستة عشر ذراعا إصبعين. ففعل ذلك وبناه بحلوان، فاجتمع له ما أراد من حال الإرجاف، وزال ما منه كان يخاف، بأن يجعل الاثنتي عشرة ذراعا أربع عشرة ذراعا؛ لأن كل ذراع أربعة وعشرون إصبعا، فجعلها ثمانية وعشرين من أولها إلى الأثنتي عشرة ذراعا، تكون مبلغ الزيادة على الاثنتي عشرة ثمانية وأربعين إصبعا؛ وهي الذراعان، وجعل الأربع عشرة ست عشرة والستة عشرة ثماني عشرة والثماني عشرة عشرين ذراعا، وهي المستقرة الآن (٤) . وقال بعضهم: كتب الخليفة جعفر المتوكل إلى مصر يأمر ببناء المقياس الجديد الهاشمي في الجزيرة سنة سبع وأربعين ومائتين؛ وكان الذي يتولى أمر المقياس النصارى، فورد كتاب أمير المؤمنين المتوكل في هذه السنة على بكار بن قتيبة قاضي مصر، بألا يتولى ذلك إلا مسلم يختاره؛ فاختار القاضي بكار لذلك الرداد عبد الله بن

стр. 989

عبد السلام المؤدب، وكان محدثا فأقامه القاضي بكار لمراعاة المقياس، وأجرى عليه الرزق، وبقي ذلك في ولده إلى اليوم. وقال صاحب المرآة: المقياس الظاهر الآن بناه المأمون، وقيل: إنما بناه أسامة بن زيد التوخي في خلافة سليمان بن عبد الملك، ودثر فجدده المأمون. وبنى أحمد بن طولون مقياسين؛ أحدهما بقوص وهو قائم اليوم، والآخر بالجزيرة وقد انهدم. قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في العود الذي يطلع به المقسي قياس النيل في كل يوم بزيادة النيل: قد قلت لما أتى المقسي وفي يده ... عود به النيل قد عودي وقد نودي أيام سلطاننا سعد السعود وقد ... صح القياس بجري الماء في العود

стр. 990

ذكر جزيرة مصر وهي المسماة الآن بالروضة: قال المقريزي: اعلم أن الروضة تطلق في زماننا على الجزيرة التي بين مدينة مصر وبين مدينة الجيزة، وعرفت في أول الإسلام بالجزيرة وجزيرة مصر، ثم قيل لها: جزيرة الحصن، وعرفت الروضة من زمن الأفضل بن أمير الجيوش إلى اليوم. انتهى. والجزيرة كل بقعة في وسط البحر لا يعلوها البحر، سميت بذلك؛ لأنها جزرت، أي قطعت وفصلت من تخوم الأرض، فصارت منقطعة. وفي الصحاح: الجزيرة: واحدة جزائر البحر؛ سميت بذلك لانقطاعها عن معظم الأرض. وقال ابن المتوج في كتابه إيقاظ المتغفل واتعاظ المتأمل: إنما سميت جزيرة مصر بالروضة؛ لأنه لم يكن بالديار المصرية مثلها وبحر النيل حائز لها ودائر عليها، وكانت حصينة، وفيها من البساتين والثمار ما لم يكن في غيرها. ولما فتح عمرو بن العاصي مصر تحصن الروم بها مدة، فلما طال حصارها وهرب الروم منها خرب عمرو بن العاص بعض أبراجها وأسوارها، وكانت مستديرة عليها، واستمرت إلى أن عمر حصنها أحمد بن طولون في سنة ثلاث وستين، ولم يزل هذا الحصن حتى خربه النيل. وقال المقريزي: اعلم أن الجزائر التي هي الآن في بحر النيل كلها حادثة في الإسلام ما عدا الجزيرة التي تعرف اليوم بالروضة تجاه مدينة مصر؛ فإن العرب لما دخلوا مع عمرو بن العاص إلى أرض مصر، وحاصروا الحصن الذي يعرف اليوم بقصر الشمع في مصر؛ حتى فتحه الله عنوة على المسلمين، كانت هذه الجزيرة حينئذ تجاه القصر، لم يبلغني إلى

стр. 991

الآن متى حدثت، وأما غيرها من الجزائر كلها فقد تجددت بعد فتح مصر، وإلى هذه الجزيرة التجأ المقوقس لما فتح الله على المسلمين القصر، وصار بها هو ومن معه من جموع الروم والقبط. وقال ابن عبد الحكم: كان بالجزيرة في أيام عبد الملك بن مروان أمير مصر خمسمائة فاعل عدة لحريق إن كان في البلاد أو هدم. وقال الكندي: بنيت بالجزيرة الصناعة في سنة أربع خمسين -والصناعة اسم لمكان قد أعد لإنشاء المراكب البحرية- وأول صناعة عملت بأرض مصر التي بنيت بالروضة في سنة أربع وخمسين من الهجرة، فاستمرت إلى أيام الإخشيد، فأنشأ صناعة بساحل فسطاط مصر، وجعل موضع الصناعة التي بالروضة بستانا سماه المختار. وقال القضاعي: حصن الجزيرة بناه أحمد بن طولون في سنة ثلاث وستين ومائتين، ليحرز فيه حريمه وماله، وكان سبب ذلك مسير موسى بن بغا من العراق واليًا على مصر، وجميع أعمال ابن طولون، وذلك في خلافة المعتمد على الله، فلما بلغ أحمد بن طولون مسيره تأمل مدينة فسطاط مصر، فوجدها لا تأخذ إلا من جهة النيل، فبنى الحصن بالجزيرة التي بين الفسطاط والجيزة ليكون معقلًا لحريمه وذخائره، واتخذ مائة مركب حربية سوى ما يضاف إليها من العشاريات وغيرها؛ فلما بلغ موسى بن بغا بالرقة تثاقل عن المسير لعظم شأن ابن طولون وقوته، ثم لم يلبث موسى أن مات، وكفى ابن طولون أمره. وقال محمد بن داود لأحمد بن طولون: لما قضى ابن بغا بالرقتين ملا ... ساقيه درقًا إلى الكعبين والعقب بنى الجزيرة حصنًا يستجن به ... بالعسف والضرب، والصناع في تعب وواثب الجيزة القصوى فخندقها ... وكاد يصعق من خوف ومن رعب

стр. 992

له مراكب فوق النيل راكدة ... لما سوى القار للنظار والخشب ترى عليها لباس الذل مذ بنيت ... بالشط ممنوعة من عزة الطلب فما بناها لغزو الروم محتسبًا ... لكن بناها غداة الروع للهرب وقال سعيد القاص من أبيات: وإن جئت رأس الجسر فانظر تأملًا ... إلى الحصن أو فاعبر إليه على الجسر ترى أثرًا لم يبق من يستطيعه ... من الناس في بدو البلاد ولا حضر وما زال حصن الجزيرة هذا عامرًا أيام بني طولون؛ حتى أخذه النيل شيئًا فشيئًا، وقد بقيت منه بقايا متقطعة إلى الآن. وكان نقل الصناعة من الجزيرة إلى ساحل مصر في شعبان سنة خمس وعشرين وثلثمائة، وبنى مكانها البستان المختار، وصرف على بنائه خمسة آلاف دينار؛ فاتخذه الإخشيد متنزهًا به، وصار يفاخر به أهل العراق، ولم يزل متنزها إلى أن زالت الدولة الإخشيدية والكافورية، وقدمت الدولة العبيدية؛ فكان يتنزه فيه المعز والعزيز، وصارت الجزيرة مدينة عامرة بالناس، بها وال وقاض. وكان يقال: القاهرة ومصر والجزيرة؛ فلما استولى الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الدين، أنشأ في بحري الجزيرة بستانًا نزهًا سماه الروضة، وتردد إليه ترددات كثيرة؛ ومن حينئذ صارت الجزيرة كلها تعرف بالروضة. قال ابن ميسر في تاريخ مصر: أنشأ الأفضل الروضة بحري الجزيرة، وكان يمضي كل يوم إليها في العشاريات الموكبية، وكان قتل الأفضل في سنة خمس عشرة وخمسمائة. قال: وفي سنة ست عشرة وخمسمائة، نقل المأمون البطائحي الوزير عمارة المراكب الحربية من الصناعة التي تجري بجزيرة مصر إلى الصناعة القديمة بساحل مصر، وبنى عليها منظرة كانت باقية إلى آخر أيام الدولة العلوية، فلما استبد الخليفة الآمر بالأمر، أنشأ بجوار البستان

стр. 993

المختار من جزيرة الروضة مكانًا لمحبوبته البدوية عرف بالهودج، وذلك لما صعب عليها السكنى في القصور، ومفارقة ما اعتادته من الفضاء. وكان الهودج على شاطئ النيل في شكل غريب، ولم يزل الآمر يتردد إليه للنزهة فيه، إلى أن ركب إليه يوما، فلما كان برأس الجسر، وثب عليه قوم كانوا كمنوا له بالروضة، فضربوه بالسكاكين حتى أثخنوه، وذلك يوم الأربعاء رابع ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، ونهب سوق الجزيرة ذلك اليوم. قال ابن المتوج: اشترى الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب جزيرة مصر المشهورة بالروضة من بيت المال المعمور في شعبان سنة ست وعشرين وخمسمائة، وبقيت على ملكه إلى أن سير السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ولده الملك العزيز عثمان إلى مصر، ومعه عمه الملك العادل، وكتب إلى الملك المظفر أن يسلم لهما البلاد، ويقدم عليه إلى الشام، فلما ورد عليه الكتاب، ووصل ابن عمه الملك العزيز وعمه الملك العادل، شق عليه خروجه من الديار المصرية، وتحقق أنه لا عود له إليها أبدًا، فوقف مدرسته التي تعرف في مصر بالمدرسة التقوية؛ وكانت قديمًا تعرف بمنازل العز على الفقهاء الشافعية، ووقف عليها جزيرة الروضة بكمالها، ووقف أيضا مدرسة بالفيوم، وسافر إلى عمه صلاح الدين إلى دمشق، فملكه حماة، ولم يزل الحال كذلك إلى أن ولي الملك الصالح نجم الدين أيوب، فاستأجر الجزيرة من القاضي فخر الدين أبي محمد عبد العزيز بن قاضي القضاة عماد الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن السكري مدرس المدرسة المذكورة لمدة ستين سنة في دفعتين؛ كل دفعة قطعة، فالقطعة الأولى من جامع عين إلى المنظر طولا وعرضا من البحر إلى البحر، واستأجر القطعة الثانية، وهي باقي أرض الجزيرة الدائر عليها بحر النيل حينذاك، واستولى على ما كان للجزيرة من النخل

стр. 994

والجميز والغروس، فكأنه لما عمر الملك الصالح مناظر قلعة الجزيرة قطعت النخل، ودخلت في العمائر. وأما الجميز فإنه كان بشاطئ بحر النيل صف جميز يزيد على أربعين شجرة، وكان أهل مصر فرجهم تحتها في زمن النيل والربيع، قطعت جميعها في الدولة الظاهرية، وعمر بها شواني عوض الشواني التي كان سيرها إلى جزائر قبرص، وتكسرت هناك، واستمر تدريس المدرسة التقوية بيد القاضي فخر الدين إلى حين وفاته، ثم وليها بعده ولده القاضي عماد الدين أبو الحسن علي، وفي أيامه تسلم له القطعة المستأجرة من الجزيرة أولا، وبقي بيد السلطنة القطعة الثانية إلى الآن، وكان الإفراج عنهما في شهور سنة ثمان وتسعين وستمائة في الدولة الناصرية، ولم يزل القاضي عماد الدين مدرسها إلى حين وفاته، فوليها ولده وهو مدرسها الآن في شعبان سنة أربع عشرة وسبعمائة. هذا كله كلام ابن المتوج. ولم تزل الروضة متنزها ملوكيًّا، ومسكنا للناس إلى ان تسلطن الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد، فأنشأ بالروضة قلعة، واتخذها سرير ملك، فعرفت بقلعة المقياس، وبقلعة الروضة، وبقلعة الجزيرة وبالقلعة الصالحية. وكان الشروع في حفر أساسها يوم الأربعاء خامس شعبان سنة ثمان وثلاثين وستمائة، ووقع الهدم في الدور والقصور والمساجد التي كانت بجزيرة الروضة، وتحول الناس من مساكنهم التي كانت بها، وهدم كنيسة كانت لليعاقبة بجانب المقياس، وأدخلها في القلعة، وأنفق في عمارتها أموالا جمة، وبنى فيها الدور والقصور، وعمل لها ستين برجًا، وبنى بها جامعا، وغرس بها جميع الأشجار، ونقل إليها من البرابي العمد الصوان والعمد الرخام، وشحنها بالأسلحة وآلات الحروب وما يحتاج إليها من الغلال، والأقوات خشية من محاصرة الفرنج فإنهم كانوا حينئذ على عزم قصد بلاد مصر.

стр. 995

وبالغ في إتقانها مبالغة عظيمة؛ حتى قيل: إنه استقام كل حجر فيها بدينار، وكل طوبة بدرهم، وكان الملك الصالح يقف بنفسه، ويرتب ما يعمل، فصارت تدهش من كثرة زخرفها، ويحير الناظر إليها حسن سقوفها المقرنصة، وبديع رخامها. ويقال: إنه قطع من الموضع الذي أنشا فيه هذه القلعة ألف نخلة مثمرة، وكان رطبها يهدى إلى ملوك مصر لحسن منظره، وطيب طعمه. وخرب البستان المختار والهودج، وهدم ثلاثة وثلاثين مسجدًا كانت بالروضة، وأدخلت في القلعة. واتفق له في بعض هذه المساجد خبر عجيب؛ قال الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد اليغموري: سمعت الأمير جمال الدين موسى بن يغمور بن جلدك، يقول: من عجيب ما شاهدته من الملك الصالح، أنه أمرني أن اهدم مسجدا بجزيرة مصر، فأخرت ذلك، وكرهت أن يكون هدمه على يدي، فأعاد الأمر، وأنا كاسر عنه؛ فكأنه فهم عني ذلك، فاستدعى بعض خدمه وأنا غائب، وأمره أن يهدم ذلك المسجد، وأن يبنى في مكانه قاعة، وقدر له صفتها، فهدم ذلك المسجد، وعمر تلك القاعة مكانه وكملت. وقدم الفرنج على الديار المصرية، وخرج الملك الصالح مع عساكره إليهم، ولم يدخل تلك القاعة التي بنيت في مكان المسجد، فتوفي السلطان بالمنصورة، وجعل في مركب، وأتي به إلى الروضة فجعل في تلك القاعة التي بنيت مكان المسجد مدة إلى أن بنيت له التربة التي في جنب مدرسته بالقاهرة. وكان النيل في القديم محيطا بالروضة طول السنة، وكان فيما بين ساحل مصر والروضة جسر من خشب، وكذلك فيما بين الروضة، والجيزة جسر من خشب يمر عليهما الناس والدواب من مصر إلى الروضة، ومن الروضة إلى الجيزة؛ وكان هذان الجسران من مراكب مصطفة بعضها بحذاء بعض، وهي موثقة، ومن فوق المراكب أخشاب ممتدة فوقها تراب. وكان عرض الجسر ثلاث قصبات، ولم يزل هذا الجسر قائما إلى أن قدم المأمون

стр. 996

مصر، فأحدث جسرا جديدا، فاستمر الناس يمرون عليه، وكان عبور العساكر التي قدم من المعز مع جوهر القائد على هذين الجسرين، وكان الجسر المتصل بالروضة كرسيه حيث المدرسة الخروبية قبلي دار النحاس، وكان النيل عندما عزم الملك الصالح على عمارة قلعة الروضة قد أنطرد عن بر مصر، ولا يحيط بالروضة إلا في أيام الزيادة، فلم يزل يغرق السفن في ناحية الجيزة، ويحفر فيما بين الروضة ومصر ما كان هناك من الرمال، حتى عاد ماء النيل إلى بر مصر، واستمر هناك، فأنشأ جسرا عظيما ممتدا من بر مصر إلى الروضة، وجعل عرضه ثلاث قصبات. وكان كرسيه حيث المدرسة الخروبية قبلي دار النحاس، وصار أكثر مرور الناس بأنفسهم ودوابهم في المراكب؛ لأن الجسرين قد اجترما بحصولهما في حيز قلعة السلطان، وكان الأمراء إذا ركبوا من منازلهم يريدون الخدمة إلى السلطان بقلعة الروضة يترجلون عن خيولهم عند البر، ويمشون في طول الجسر إلى القلعة، ولا يمكن أحد من العبور عليه راكبا، سوى السلطان فقط. ولما كملت تحول إليها بأهله وحريمه، واتخذها دار ملك، وأسكن معه فيها مماليكه البحرية؛ وكانت عدتهم نحو الألف. وما برح الجسر قائما إلى أن خرب المعز أيبك قلعة الروضة بعد سنة ثمان وأربعين وستمائة، فأهمل، ثم عمره الظاهر بيبرس على المراكب، وعمله من ساحل مصر إلى الروضة، ومن الروضة إلى الجيزة، لأجل عبور العسكر عليه لما بلغه حركة الإفرنج. وقال علي بن سعيد في كتاب المغرب -وقد ذكر الروضة: هي أمام الفسطاط فيما بينها وبين مناظر الجيزة، وبها مقياس النيل، وكانت متنزها لأهل مصر، فاختارها الصالح بن كامل سرير السلطنة، وبنى فيها قلعة مسورة بسور ساطع اللون، محكم

стр. 997

البناء، عالي السمك، لم تر عيني أحسن منه، وفي هذه الجزيرة كان الهودج الذي بناه الآمر الخليفة لزوجته البدوية التي هام في حبها، والمختار بستان الإخشيد وقصره، وله ذكر في شعر تميم بن المعز وغيره. ولشعراء مصر في هذه الجزيرة أشعار منها قول أبي الفتح بن قادوس الدمياطي: أرى سرح الجزيرة من بعيد ... كإحداق تغازل في المغازل كأن مجرة الجوزاء خطت ... وأثبتت المنازل في المنازل وكنت أبيت بعض الليالي في الفسطاط على ساحلها، فيزدهيني ضحك البدر في وجه النيل. أما سور هذه الجزيرة الدري اللون، فلم ينفصل عن مصر حتى كمل سور هذه القلعة، وفي داخله من الدور السلطانية ما ارتفعت إليه همة بانيها، وهو من أعظم السلاطين همة في البناء، وأبصرت في هذه الجزيرة إيوانًا لجلوسه لم تر عيني مثاله، ولا يقدر ما أنفق عليه، وفيه من الكتابة بصفائح الذهب والرخام الأبنوسي والكافوري والمجزع ما يذهل الأفكار، ويستوقف الأبصار، ويفصل عما أحاط به السور أرض طويلة في بعضها حاظر حظر على أصناف الوحوش التي يتفرج فيها السلطان، وبعدها بروج يتقطع فيها مياه النيل، فينظر فيها أحسن منظر، وقد تفرجت كثيرًا في طرق هذه الجزيرة مما يلي بر القاهرة، فقطعت بها عشيات مذهبات، لا تزال لأحزان الغربة مذهبات، وإذا زاد النيل فصل ما بينها وبين الفسطاط بالكلية. وفي أيام احتراق النيل يتصل برها ببر السلطان من جهة خليج القاهرة، ويبقى موضع الجسر يكون فيه المراكب. وركبت مرة في هذا النيل أيام الزيادة مع الصاحب المحسن محيي الدين بن بندار وزير الجزيرة، وصعدنا إلى جهة الصعيد ثم انحدرنا، واستقبلنا هذه الجزيرة وأبراجها تتلألأ، والنيل قد انقسم عنها، فقلت:

стр. 998

تأمل لحسن الصالحية إذ بدت ... مناظرها مثل النجوم تلالا وللقلعة الغراء كالبدر طالعا ... يفرج صدر الماء عنه هلالا ووافى إليها الماء من بعد غيبة ... كما زار مشغوفا يروم وصالا وعانقها من فرط شوق لحسنها (١) ... فمد يمينا نحوها وشمالا ولم تزل هذه القلعة عامرة، حتى زالت دولة بني أيوب، فلما ملك السلطان الملك المعز عز الدين أيبك التركماني أول ملوك الترك بمصر، أمر بهدمها، وعمر منها مدرسته المعروفة بالمعزية في رحبة الحناء بمدينة مصر، وطمع في القلعة من له جاه، وأخذ جماعة منها عدة سقوف وشبابيك وغير ذلك، وبيع من أخشابها ورخامها أشياء جليلة، فلما صارت مملكة مصر إلى السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقداري اهتم بعمارة قلعة الروضة، ورسم للأمير جمال الدين موسى بن يغمور أن يتولى عمارتها كما كانت. فأصلح بعض ما تهدم منها، ورتب بها الجاندارية وأعادها إلى ما كانت عليه من الحرمة، وأمر بأبراجها ففرقت على الأمراء، وأعطى برج الزاوية للأمير سيف الدين قلاوون الألفي، والبرج الذي يليه للأمير عز الدين الحلي، والبرج الثالث من برج الزاوية للأمير عز الدين أدغان، وأعطى برج الزاوية الغربي للأمير بدر الدين الشمسي، وفرقت بقية الأبراج على سائر الأمراء. ورسم أن يكون بيوت جميع الأمراء وإصطبلاتهم فيها، وسلم المفاتيح لهم. فلما تسلطن الملك المنصور قلاوون، وشرع في بناء المارستان والقبة والمدرسة المنصورية نقل من قلعة الروضة هذه ما يحتاج إليه من العمد الصوان، والعمد الرخام التي كانت قبل عمارة القلعة بالبرابي، وأخذ منها رخاما كثيرا، وأعتابا جليلة، مما كان بالبرابي وغير ذلك. ثم أخذ منها السلطان الناصر محمد بن قلاوون ما احتاج إليه

стр. 999

من العمد الصوان في بناء الإيوان المعروف بدار العدل من قلعة الجبل، وبالجامع الجديد الناصري ظاهر مدينة مصر، وأخذ غير ذلك حتى ذهبت كأن لم تكن. قال المقريزي: وتأخر منها عقد جليل تسمية العامة القوس، كان مما يلي جانبها الغربي أدركناه باقيا إلى نحو سنة عشرين وثمانمائة، وبقي من أبراجها عدة قد انقلب كثير منها، وبنى الناس فوقها دورهم المطلة على النيل، وعادت الروضة بعد هدم القلعة منها متنزهًا، تشتمل على دور كثيرة، وبساتين عدة، وجوامع تقام بها الجمعات والأعياد، ومساجد. وفي الروضة يقول الأسعد بن مماتي: جزيرة مصر لاعدتك مسرة ... ولا زالت اللذات فيك اتصالها (١) فكم فيك من شمس على غصن بانة ... يميت ويحيي هجرها ووصالها مغانيك فوق النيل أضحت هوادجًا ... ومختلفات الموج فيها جمالها ومن أعجب الأشياء جنة ... ترف على أهل الضلال ظلالها وقال ظافر الحداد: انظر إلى الروضة الغراء والنيل ... واسمع بدائع تشبيهي وتمثيلي (٢) وانظر إلى البحر مجموعا ومفترقًا ... هناك أشبه شيء بالسراويل والريح تطويه أحيانا وتنشره ... نسيمها بين تفريك وتعديل الأسعد بن مماتي في الروضة، وقد حلها السلطان الملك الكامل: جزيرة مصر، أنت أشرف موضع ... على الأرض لما حل فيك محمد وفيك علا البحران لكن كف ذا ... على الناس أندى بالعطاء وأجود وأصبحت الأغصان من فرح به ... تمايل، والأطيار فيك تغرد يرق نسيم حين سار وجدول (٣) ... ويشدو هزاز حين يرقص أملد

стр. 1000

ذكر خليج مصر: قال المقريزي: هذا الخليج بظاهر فسطاط مصر، ويمر من غربي القاهرة، وهو خليج قديم احتفره بعض قدماء ملوك مصر، بسبب هاجر أم إسمعيل حين أسكنها إبراهيم ﵇ بمكة، ثم تمادته الدهور والأعوام، فجدد حفره ثانيا بعض من ملك مصر من ملوك الروم بعد الإسكندر، فلما فتحت مصر على يد عمرو بن العاص، جدد حفره بإشارة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فحفر عام الرمادة، وكان يصب في بحر القلزم كما تقدم في أول الكتاب، ولم يزل على ذلك إلى أن قام محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة، فكتب الخليفة المنصور إلى عامله بمصر أن يطم هذا الخليج حتى لا تحمل الميرة من مصر إلى المدينة، فطم وانقطع من حينئذ اتصاله ببحر القلزم، وصار على ما هو عليه الآن. وكان هذا الخليج يقال له أولا: خليج أمير المؤمنين -يعني عمر بن الخطاب-؛ لأنه الذي أشار بتحديد حفره، ثم صار يقال له: خليج مصر؛ فلما بنيت القاهرة بجانبه من شرقيه صار يعرف بخليج القاهرة، والآن تسميه العامة بالخليج الحاكمي. وتزعم أن الحاكم احتفره، وليس بصحيح. وكان اسم الذي حفره في زمن إبراهيم ﵇ طوطيس (١) ، وهو الجبار الذي أراد أخذ سارة، وجرى له معها ما جرى، ووهب لها هاجر. فلما سكنت هاجر مكة وجهت إليه تعرفه أنها بمكان جدب، فأمر بحفر نهر في شرقي مصر بسفح الجبل حتى ينتهي إلى مرفأ السفن في البحر الملح؛ فكان يحمل إليها الحنطة، وأصناف الغلات، فتنقل إلى جدة، ويحمل من هناك على المطايا، فأحيا بلد الحجاز مدة. وكان اسم الذي حفره ثانيا أرديان (٢) قيصر، وكان عبد العزيز بن مروان بنى عليه قنطرتين في سنة تسع وستين، وكتب اسمه عليها، ثم جددهما تكين أمير مصر

стр. 1001

في سنة ثماني عشرة وثلاثمائة، ثم جددهما الإخشيد في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، ثم عمرتا في أيام العزيز، وكان موضع هاتين القنطرتين خلف خط السبع سقايات، وهي التي كانت تفتح عند وفاء النيل في زمن الخلفاء، وكان الخليفة يركب لفتح الخليج. فلما انحسر النيل عن ساحل مصر، وربا الجرف أهملت هذه القنطرة فدثرت، وعملت قنطرة السد عند فم بحر النيل، وكان الذي أنشأها الملك الصالح أيوب في سنة بضع وأربعين وستمائة (١) . قال ابن عبد الظاهر: وأول من رتب حفر خليج القاهرة على الناس المأمون بن البطائحي، وجعل عليه واليًا بمفرده. ولأبي الحسن بن الساعاتي في كسر يوم الخليج: إن يوم الخليج يوم من الحسن ... بديع المرئي والمسموع كم لديه من ليث غاب صئول ... ومهاة مثل الغزال المروع وعلى السد عزة قبل ... أن تملكه ذلة المحب الخضوع كسروا جسره هناك فحاكى ... كسر قلب يتلوه فيض دموع

стр. 1002

ذكر الخليج الناصري: حفره الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، لما بنى الخانقاه بسرياقوس، فأراد إجراء الماء من النيل إليها ليرتب عليه السواقي والزراعات، وفوض أمره إلى أرغون النائب، فحفره في مدة شهرين من أول جمادى الأولى إلى سلخ جمادى الآخرة، وبنى فخر الدين ناظر الجيش عليه قنطرة، وبنى قديدار والي القاهرة قنطرة قديدار، وقناطر الأرز وقناطر الأميرية (١) .

стр. 1003

ذكر بركة الحبش: قال ابن المتوج: هذه البركة مشهورة في مكانها، وقد اتصل وقفها على قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة على أنها وقف على الأشراف الأقارب والطالبيين نصفين بينهما بالسوية، النصف على الأقارب والنصف على الطالبيين، وثبت قبله عند قاضي القضاة بدر الدين يوسف السنجاري أن النصف منها وقف على الأشراف الأقارب بالاستفاضة بتاريخ ثاني عشر ربيع الآخر سنة أربعين وستمائة، وثبت قبله عند قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بالاستفاضة أيضا أنها وقف على الأشراف، والطالبيين بتاريخ التاسع والعشرين من ربيع الآخر سنة أربعين وستمائة. وفي سنة إحدى وأربعين وسبعمائة أمر الناصر بن قلاوون بحفر خليج من النيل إلى حائط الرصد ببركة الحبش، وحفر عشر آبار كل بئر أربعون ذراعا، يركب عليها السواقي ليجري الماء منها إلى القناطر التي تحمل الماء إلى القلعة، فشق الخليج من مجرى رباط الآثار، وكان مهما عظيما، وأمر الناصر في هذه السنة بتجديد جامع راشدة، وكان قد تهدم غالبه. ظافر الحداد في بركة الحبش: تأملت نهر النيل طولا وخلفه ... من البركة الغناء شكل مقدر فكان وقد لاحت بشطيه خضرة ... وكانت وفيها الماء باق موفر غمامة شرب في جواشن خضرة ... أضيف إليها طيلسان مقور أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي: لله يوم ببركة الحبس ... والأفق بين الضياء والغَبَش (١) والنيل بين الرياح مضطرب ... كصارم في يمين مرتعش ونحن في روضة منوقة ... دبج بالنور عطفها ووُشي قد نسجتها يد الغمام لنا ... فنحن من نسجها على فُرُشِ

стр. 1004

ذكر ما قيل في الأنهار والأشجار زمن الشتاء والربيع من الأشعار: شمس الدين بن التلمساني: ولما جلا فصل الربيع محاسنًا ... وصفق ماء النهر إذ غرد القمري أتاه النسيم الرطب رقص دوحه ... فنقط وجه الماء بالذهب المصري وقال: تغنت في ذرا الأوراق ورق ... ففي الأفنان من طرب فنون وكم بسمت ثغور الزهر عجبا ... وبالأكمام قد رقصت غصون أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن فتحون المخزومي يصف نارنجة في نهر: ولقد رميت مع العشي بنظرة ... في منظر غض البشاشة يبهج نهر صقيل كالحسام بشطه ... روض لنا تفاحه يتأرج تثني معاطفه الصبا في بردة ... موشية بيد الغمامة تنسج والماء فوق صفاته نارنجة ... تطفو به وعبابه يتموج حمراء قانية الأديم كأنها ... وسط المجرة كوكب يتأجج القاضي عياض: كأنما الزرع وخاماته (١) ... وقد تبدت فيه أيدي الرياح كتائب تجفل مهزومة ... شقائق النعمان فيها جراح كتب القاضي شهاب الدين بن فضل الله إلى الأمير الجائي الدوادار: بلد أنت ساكن في رباها ... بلد تحسد الثريا ثراها

стр. 1005

قد تعالت إلى السماء بسكنا ... ك، على البطاح رداها جمد الطل في الزهور فخلنا ... أنه عقد جوهر لرباها وجرى الماء في الرياض فقلنا: ... كسرت فوقه الغواني (١) حلاها مثلما أنت في معانيك فرد ... هي فرد البلاد في معناها يقبل الأرض، وينهي أنه لما عبر على هذه الربا المعشبة، والغدران التي كأنها صفائح فضة مذهبة، ثم مر على قرية تعرف بوسيم، تفتر من شنب زهرها عن ثغر بسيم، استحسن مرآها، ونظم في معناها، ما يعرضه على الخاطر الكريم، ليوقف المملوك توقيف عليم، أو يتجاوز عن تقصيره تجاوز حليم: لمصر فضل باهر ... لعيشها الرغد النضر (٢) في كل سفح يلتقي ... ماء الحياة والخضر وكذلك: ما مثل مصر في زمان ربيعها ... لصفاء ماء واعتلال نسيم أقسمت ما تحوي البلاد نظيرها ... لما نظرت إلى جمال وسيم وقال: ما بين أكناف البطاح ... مسك يذر على الرياح من حيث يلقى الروض في ... أزهارها ريان ضاحي والريح في السحر البهيم ... يطير مسكي الجناح تسري فتغتبق الغصون ... بها على عين الصباح والنيل في تياره ... المنصب مهتز الصفاح وبه السفائن كالجبال ... تجول أمثال القداح

стр. 1006

فركبت من صهواتها ... دهماء ساكنة الجماح (١) حراقة تجري على ... اسم الله في الماء القراح والأفق مثل حديقة ... خضراء مزهرة النواحي تحكي المجرة بينها ... نهر تدفق في أقاح واقتادت الجوزاء لليل ... البهيم إلى الرواح فكأنه زنجية ... جذبت بأطراف الوشاح وبدا الصباح كوجه أل ... جائي المهلل لامتداحي وقال: وحديقة غنى الربا ... ب لها بتوقيع السحاب فتمايلت حتى لقد ... رقصت على صوت الرباب وقال: في نيل مصر مراكب ... تحوي بدور المواكب فكم بها الفلك في مج ... راه تسري الكواكب ابن عبد الظاهر: روض به أشياء ليست في ... سواه تؤلف فمن الهزار تهازر ... ومن القضيب تقصف ومن النسيم تلطف ... ومن الغدير تعطف نور الدين علي بن سعد الغماري الأندلسي: كأنما النهر صفحة كتبت ... أسطرها والنسيم منشئها لما أبانت عن حسن منظرها ... مالت عليه الغصون تقرؤها

стр. 1007

الصلاح الصفدي: قال خلي: بالله صف أرض مصر ... وقت كتانها بوصف محقق قلت: أرض بالنيل يروى ثراها ... فلهذا الكتان نور أزرق وقال: لم لا أهيم بمصر ... وأرتضيها وأعشق (١) ولم ترى العين أحلى ... من مائها أن تملق ابن الواسطى: كأنما السفن بأرجائها ... وهي على الماء جريات عقارب في رفع أذنابها ... تسري على أبطن حيات ابن الساعاتي: ولقد ركبت البحر وهو كحلية ... والموج تحسبه جيادًا تركض وكأنما سلت به أمواجه ... بيضاء تذهب تارة وتفضض كل يصح إذا تصح حياته ... إلا النسيم يصح ساعة يمرض مجير الدين بن تميم: يا حسنه من جدولٍ متدفقٍ ... يلهي برونق حسنه من أبصرا ما زلت أنذره عيونًا حوله ... خوفًا عليه أن يصاب فيعثرا فأبى وزاد تماديًا في جريه ... حتى هوى من شاهقٍ فتكسرا وقال: وحديقة مالت بعا ... طف دوحها من غير سكر والنهر ساج قد غدا ... بسعادة الأغصان يجري

стр. 1008

وقال: لم لا أهيم إلى الرياض وحسنها ... وأظل منها تحت ظل واف والروض حياتي بثغر باسم ... والماء يلقاني بقلب صاف وقال: ونهر خالف الأهواء حتى ... غدت طوعًا له في كل أمر إذا سرقت حلى الأغصان ألقت ... إليه بها فيأخذها ويجري وقال: تأمل إلى الدولاب والنهر إذ جرى ... ودمعها بين الرياض غدير كأن نسيم الروض قد ضاع منهما ... فاصبح ذا يجري وذاك يدور ناصر الدين بن النقيب: وروضة توسوس الغصن بها ... لما هدى فيها النسيم الشمال قد جن في أرجائها جدولها ... فهو على وجه الثرى سلسال آخر: وحديقة باكرتها مطولة ... والشمس ترشف ريق أزهار الربا يتكسر الماء الزلال على الحصا ... فإذا أتى نحو الرياض تشعبا آخر: مياه بوجه الأرض تجري كأنها ... صفائح تبر قد سبكن جداولا كأن بها من شدة الجري جنة ... وقد ألبستهن الرياح سلاسلا ابن قزل: كأنما النهر إذ مر النسيم به ... والغيم يهمي وضوء البرق حين بدا رشق السهام ولمع البيض يوم وغى ... خاف الغدير سطاها فاكتسى زردا

стр. 1009

آخر: يا حسن وجه النهر حين بدا ... والسحب تهطل فوقه هطلا فكأنه درع وقد ملأت ... أيدي الكماة عيونه نبلا الغزي: في روضة قرن النهار نجومها ... بسنا ذكاء فزادهن توقدا وانجز فوق غديرها ذيل الصبا ... سحرًا فأصبحت الصفيحة مبردا تاج الدين مظفر الذهبي: وجدول خط فيه ... سطر بكف القبول بدا عليه ارتعاش ... كذاك خط القليل (١) الشهاب محمود: والسرو مثل عرائس ... لفت عليهن الملاء شمرن فضل الأزر عن ... سوق خلاخلهن ماء والنهر كالمرآة تبصر وجه ... ها فيه السماء قاضي القضاة مجير الدين بن العديم: كأنما (٢) النهر وقد حفت به ... أشجاره فصافحته الأغصن مرآة غيد قد وقفن حولها ... ينظرن فيها: أيهن أحسن! آخر: شجرات الخريف تكثر من ... غير سؤال إلى الرياح نشاطًا تتعرى من لبسها وهو تبر ... ثم تلقيه للنديم بساطا آخر: انظر إلى الروض النض ... ير فحسنه للعين قره

стр. 1010

فكأن خضرته السما ... ء ونهره فيه المجره ابن وكيع: غدير يجعد أمواهه ... هبوب الرياح ومر الصبا إذا الشمس من فوقه أشرقت ... توهمته جوشنًا مذهبا سيف الدين علي بن قزل: في يوم غيم من لذاذة جوه ... غنى الحمام وطابت الأنداء والروض بين تكبر وتواضع ... شمخ القضيب به وخر الماء آخر: أيا حسنها من روضة ضاع نشرها ... فنادت عليه في الرياض طيور ودولابها أضحى تعد ضلوعه ... لكثرة ما يبكي بها ويدور سعد الدين بن شيخ الصوفية محيي الدين بن عربي: شاهدت دولابًا له أدمع ... تكلفت اللروض بالري فاعجب له من فلك دائر ... ما فيه برج غير مائي آخر: وناعورة فارقت ... بواكي من جنسها تدور على قلبها ... وتبكي على نفسها وجيه الدين المناوي: فوارة تحسب من حسنها ... سبيكة من فضة خالصه تلهيك بالحسن فقد أصبحت ... جارية ملهية راقصه الصلاح الصفدي: النهر مولى والنسيم خديمه ... هذا كلام لست فيه أشكك

стр. 1011

ولو لم يكن في خدمة النهر انبرى ... ما كان يصقل ثوبه ويفرك وقال: لما زها زهر الربيع بروضة ... وغدا له الفضل المبين عليه قام الحمام له خطيبا بالثنا ... وجرى الغدير فخر بين يديه مجير الدين بن تميم: تكسر الماء لما أن جرى فغدا الد ... دولاب يندبه شجوًا ويبكيه وأصبح الغصن بالأوراق ملتطمًا ... والورق فوق كراسي الدوح ترثيه وقال: والنهر مذ علق الغصون محبة ... أضحت تطيل صدوده وجفاه فنراه يجري لائمًا إقدامها ... وخريره شكوى الذي يلقاه وقال: بعث الربيع رسالة بقدومه ... للروض، فهو بقربه فرحان ولطيب ما قرأ الهزار بشدوه ... مضمونها مالت له الأغصان شمس الدين بن التلمساني: كأنما البرق خلال السما ... من فوق غيم ليس بالكابي طراز تبر في قبا أزرق ... من تحته فروة سنجاب وقال: فصل الشتا منح النواظر نضرة ... لما كسا الألوان وهي عوار لم يلبس الغبراء لين مطارف ... حتى كسا الزرقاء بيض إزار مجير الدين بن تميم: ودولاب روض كان من قبل أغصنا ... تميس فلما فرقتها يد الدهر

стр. 1012

تذكر عهدًا بالرياض فكله ... عيون على أيام عصر الصبا تجري آخر: وناعورة قد ضاعفت بنواحها ... نواحي وأجرت (١) مقلتي دموعها وقد ضعفت مما تئن وقد غدت ... من الضعف والشكوى تعد ضلوعها نور الدين علي بن سعد الأندلسي: لله دولاب يفيض بسلسل ... في روضة قد أينعت أفنانًا قد طارحت فيه الحمام بشجوها ... ونحيبها فترجع الألحانا فكأنه دنف يطوف بمعهد ... يبكي ويسأل فيه عمن بانا ضاقت مجاري طرفه عن دمعه ... فتفتحت أضلاعه أجفانا ابن منير الطرابلسي في ناعورة: هي مثل الأفلاك شكلا وفعلا ... قسمت قسم جاهل بالحقوق بين عال سام يُنَكِّسه الحظ ... ويعلو بساحل مرزوق آخر: النهر مكسو غلالة فضة ... فإذا جرى سيل فثوب نضار وإذا استقام رأيت صفحة منصل ... وإذا استدار رأيت عطف سوار إبراهيم بن خفاجة الأندلسي: النهر قد رقت غلالة خصره ... وعليه من صبغ الأصيل طراز (٢) تترقرق الأمواج فيه كأنها ... عكن الخصور تهزها الأعجاز بعضهم: إن هذا الربيع شيء عجيب ... تضحك الأرض من بكاء السماء

стр. 1013

ذهب حيثما ذهبنا ودر ... حيث درنا وفضة في الفضاء ابن قلاقس: كأنما الرعد والسحاب وقد ... حلا سويًّا والبرق قد لاحا ثلاثة من عدوهم نفروا ... وقد غدا نحوهم وقد راحا فسل ذا سيفه، وبكى ... هذا، وهذا من خيفة صاحا

стр. 1014

ذكر الرياحين والأزهار الموجودة في البلاد المصرية، وما ورد فيها من الآثار النبوية، والأشعار الأدبية والإشارات الصوفية: ما ورد في الفاغية: وهي نور الحناء. أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : "سيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية". وأخرج البيهقي عن أنس، قال: كان أحب الرياحين إلى رسول الله ﷺ الفاغية. ما ورد في الورد: رويت فيه أحاديث كلها موضوعة، منها حديث علي مرفوعا: "لما أسري بي إلى السماء، سقط إلى الأرض من عرقي، فنبت منه الورد، فمن أحب أن يشم رائحتي فليشم الورد". أخرجه ابن عدي في كامله. وحديث أنس مرفوعا: "الورد الأبيض خلق من عرقي ليلة المعراج، وخلق الورد الأحمر من عرق جبريل، وخلق الورد الأصفر من عرق البراق"، أخرجه ابن فارس في كتاب الريحان. والحديثان أوردهما ابن الجوزي في الموضوعات، ونص على وضع الثاني أيضا الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر.

стр. 1015

قال صاحب مباهج الفكر: كان الخليفة المتوكل قد حمى الورد، ومنعه من الناس كما حمى النعمان بن المنذر الشقيق واستبد به، وقال: لا يصلح للعامة، فكان لا يرى إلا في مجلسه. وكان يقول: أنا ملك السلاطين، والورد ملك الرياحين، وكل منا أولى بصاحبه. وغلى هذا أشار ابن سكرة بقوله: للورد عندي محل ... لأنه لا يمل كل الرياحين جند ... وهو الأمير الأجل إن جاء عزوا وتاهوا ... حتى إذا غاب ذلوا قال ابن البيطار في مفرداته: الورد أصناف: أحمر، وأبيض، وأصفر، وأسود. زاد غيره: وأزرق. وحكى صاحب كتاب نشوار المحاضرة، أنه رأى وردا أسود حالك السواد، له رائحة ذكية، وأنه رأى بالبصرة وردة نصفها أحمر قاني الحمرة، ونصفها الآخر أبيض ناصع البياض، والورقة التي وقع الخط فيها كأنها مقسومة بقلم (١) . قال صاحب مباهج الفكر: رأينا بثغر الإسكندرية الورد الأصفر كثيرا، وعددت ورق وردة، فكانت ألف ورقة. قال: وحكى لي بعض الأصحاب أنه رأى بحلب ورقة لها وجهان: أحدهما أحمر والآخر أصفر. قال: وحكى بعض الأصحاب أنه رأى آبارًا تجري إلى شجر الورد ماء مخلوطا بالنيل، فسأله فقال: إن الورد يكون أزرق بهذا العمل. قال صاحب المباهج: والظاهر من الورد الأسود، أنه احتيل عليه كذلك. وقال

стр. 1016

الحافظ الذهبي في الميزان: روى قريش عن أنس عن كليب بن وائل -وكليب نكرة لا يعرف- أنه رأى بالهند ورقا في الوردة مكتوب فيه "محمد رسول الله". وروى ابن العديم في تاريخه بسنده إلى علي بن عبد الله الهاشمي الرقي، قال: دخلت الهند، فرأيت في بعض قراها وردة كبيرة طيبة الرائحة، سوداء، عليها مكتوب بخط أبيض "لا إله إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق". فشككت في ذلك، وقلت: إنه معمول، فعمدت إلى وردة لم تفتح، ففتحتها، فكان فيها مثل ذلك، وفي البلد منه شيء كثير، وأهل تلك القرية يعبدون الحجارة، لا يعرفون الله . ويقال: ورد جور، ونرجس جرجان، ونيلوفر شروان، ومنثور بغداد، وزعفران قم، وشاهسبرم سمرقند (١) . قال أبو العلاء صاعد الأندلسي في باكورة ورد: ودونك يا سيدي وردة ... يذكرك المسك أنفاسها كعذراء أبصرها مبصر ... فغطت بأكمامها راسها آخر: وردة تحكي أمام الورد ... طليعة سابقة للجند قد ضمها في الغصن قر البرد ... ضم فم لقبلة من بعد أبو عبادة البحتري: أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا ... من الحسن حتى كاد أن يتكلما (٢) وقد نبه النوروز في غسق الدجى ... أوائل ورد كن بالأمس نوما (٣)

стр. 1017

يفتحه برد الندى فكأنما ... يبث حديثا بينهن مكتما محمد بن عبد الله بن طاهر: أما ترى شجرات الورد مظهرة ... لنا بدائع قد ركبن في قصب (١) كأنهن يواقيت يطيف بها ... زبرجد وسطه شذر من الذهب يقال: إنه نظم هذين البيتين من قول أزدشير بن بابك، وقد وصف الورد: وهو در أبيض، وياقوت أحمر، على كراسي زبرجد أخضر، بوسطه شذر من ذهب أصفر. الناشي: قضب الزبرجد قد حملن عقائقا ... أثمارهن قراضة العقيان (٢) وكأن دمع القطر في أهدابه (٣) ... دمع مرته (٤) فواتر الأجفان محمد بن عبد الله بن طاهر: مداهن من يواقيت مركبة ... على الزبرجد في أجوافها ذهب (٥) كأنه حين يبدو من مطالعه ... صب يقبل حبا وهو يرتقب خاف الملال إذا طالت إقامته ... فظل يظهر أحيانا ويحتجب أبو طالب الرقي: ووردة من نبات معطار ... حيت بها في لطيف أسرار (٦) كأنها وجنة الحبيب وقد ... نقطها عاشق بدينار

стр. 1018

العماد الأصبهاني: قلت للورد ما لشوكك يدمي ... كل ما قد سعرت منه جراحي (١) قال لي: هذه الرياحين جندي ... أنا سلطانها وشوكي سلاحي في الورد الأصفر لبعضهم: رعى الله وردا غدا أصفرا ... بهيا نضيرا يحاكي النضارا (٢) وأسقى غصونا به أثمرت ... وحملن منه شموسًا صغارا المؤيد الطغرائي: شجرات ورد أصفر تخذت ... في قلب كل متيم طربا (٣) سبكت يد الغيم اللجين لها ... فكسته صبغا مونقا عجبا من ذا رأى من قبله شجرًا ... سقي اللجين فأثمر الذهبا (٤) وقال: ألم تر أن جند الورد وافى ... بصفر من مطارده وخضر أتى مستلئمًا بالشوك فيه ... نصال زمرد وتراس تبر في الورد الأزرق من وصف بستان لبعضهم: وبه وارد من الورد قد ... أينع في رقة الهواء اللطيف (٥)

стр. 1019

شبهوه بدمعة العاشق الآ ... لف نالته جفوة من أليف فهو يحكيه زرقة ومثال ... القرص لونًا في خد ظبي تريف (١) ورق أزرق كزرق يواقيت ... تطلعن من لجين مشوف (٢) في الورد الأبيض للسري الرفاء: وروض كساه الغيث إذ جاد دمعه ... مجاسد وشي من بهار ومنثور (٣) بدا أبيض الورد الجني كأنما ... تنسم للناشي بمسك وكافور (٤) كأن اصفرارًا منه تحت ابيضاضه ... برادة تبر في مداهن بلُّور في الورد الأسود لأبي أحمد الطراري: لله أسود ورد ظل يلحظنا ... من الرياض بإحداق اليعافير (٥) كأنها وجنات الزنج نقطها ... كف الإمام بأنصاف الدنانير آخر: وورد أسود خلناه لما ... تنشق نشره ملك الزمان (٦) مداهن عنبر غض وفيها ... بقايا من سحيق الزعفران علي بن الرومي يهجو الورد: يا مادح الورد لا ينفك من غلطه ... ألست تنظره في كف ملتقطه (٧) ؟ كأنه سرم بغل حين يبرزه ... عند البراز، وباقي الروث في وسطه قال ابن المعتز يرد عليه:

стр. 1020

يا هاجي الورد لا حييت من رجل ... غلطت، والمرء قد يؤتى على غلطه هل تنبت الأرض شيئا من أزاهرها ... إذا تحلت يحاكي الوشى من نمطه أحلى وأشهر من ورد له أرج ... كأنما المسك مذرور على وسطه علي بن الرومي يفضل النرجس على الورد: أيها المحتج للور ... د بزور ومحال ذهب النرجس بالفضل ... فأنصف في المقال لا تقاس الأع ... ين النجل بأسرام البغال أبو هلال العسكري يرد عليه: أفضل الورد على النرجس ... لا أجعل الأنجم كالأشمس (١) ليس الذي يقعد في مجلس ... مثل الذي يمثل في مجلس علي بن سعيد المؤرخ: من فضل النرجس فهو الذي ... يرضى بحكم الورد إذ يرأس أما ترى الورد غدا قاعدًا ... وقام في خدمته النرجس والناس يشبهون عدم دوام الورد بقلة بقاء الود، ولهذا كتب أبو دلف إلى عبد الله بن طاهر يعاتبه: أرى حبكم كالورد ليس بدائم ... ولا خير فيمن لا يدوم له عهد (٢) وودي لكم كالآس حسنًا ونضرة ... له زهرة تبقى إذا فني الورد فأجابه عبد الله بن طاهر: وشبهت ودي الورد وهو شبيهه ... هل زهرة إلا وسيدها الورد ووودك كالآس المرير مذاقه ... وليس له في القلب قبل ولا بعد
следующие страницы →