Полный текст (839 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
مُدبرينَهْ ... إنه لَمِنَ الظالمينهْ ... لعلَّهم إليه يَرجِعونَهْ"، بالوقف على هاتين النونين بهاء السكت.
(٤) الاسمُ المبنيُّ، إما أن يكون بناؤُهُ عارضاً، لسبب يزول بزواله (كقَبْل وبَعد، واسمِ "لا" النافية للجنس المبنيّ) ، فما كان كذلك، فلا يوقف عليه بهاء الكست. وإما أن يكون بناؤه ملازماً له في جميع أحواله (كالضمائر وأسماء الإشارة، وأسماء الاستفهام ونحوها) . فما كان كذلك، وكان محرّك الآخر، وقفت عليه بالسكون أو بهاء السكت، وذلك مثلُ "أين وأيَّان وكيف والذين وحذار وحيث" فإن شئت وقفت عليها بإسكان أواخرها، وإن شئت وقفت عليها بهاء السكت، مثل "أينهْ، أيَّانَهْ، كيْفهْ، الذّينهْ، حذارهْ، حيْثهْ".
وكذلك الضمائر المتحركة، فإنك تقف عليها بالسكون، أن بزيادة هاء السكت فتقول "أكرمتْ وأكرمتَهْ، وقُمتْ وقمنَه، وأنتْ وأنْتَه، ويَجتهدْنَ ويَجتهدنَهْ، وانُتنْ وأنتُنَّهْ، وهنّ وهنَّهْ، وأكرمتَهن وأكرمتهنَّه".
أما (أنا) ضمير الواحد المتلكم، فمن قال إنَّ الألف في آخره زائدة، لبيان حركة النون عند الوقف، أجز الوقفَ عليه بإثباتها، وأجاز حذفها والوقف عليه بهاء السكت، مثلُ "أنَهْ". ومن قال إنها أصليةٌ. وقف عليه بها.
فائدة
من قال إن الألف في "أنا" زائدة، أثبتها في الوقف، وأسقطها في الوصل "أي في درج الكلام"، فيلفظ "أَنا فعلت"، باسقاط الألف لفظاً لا خطاً. ومن قال انها اصلية، اثبتها في الوصف والوقف. وذكر سيبويه ان من العرب من يثبت أفها في الوصل فيقول "أنا فعلت" ينطق بالألف.
стр. 352
وبذلك قرأ نافع في قوله تعالى ﴿أنا أحيي وأميت﴾ - وقوله ﴿أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ باثبات الألف في اللفظ. ومنه قول الشاعر [من الوافر]
أنا سيف العشيرة فاعرفوني ... حميد قد تذريت السناما
وقول الراجز "أنا ابو النجم، وشعري شعري".
وإذا وقفت على "هُوَ وهِيَ"، قلت هُو وهي" بإسكان الواو والياء، و"هُوَهْ وهِيَهْ" بزيادة هاءِ السكت. وفي التنزيل "وما أَدراك ما هِيَه؟ ". وقال الشاعر [من المتقارب]
إذا ما تَرَعْرَعَ فينا الغُلامُ ... فما إنْ يُقالُ لهُ مَنْ هُوَهْ؟
هذا في لغة من فتح الواو والياء، في "هو وهيَ" في الوصل. أما من سكنها في درج الكلام، قفلا يقف بهاء السكت بل بالواو والياء ساكنتين، كما ينطقُ بهما كذلك في الدَّرج.
أما ياء المتكلم، فمن العرب من يسكنها في الوصل، فإذا وقف عليها بسكونها مثل "الله أعطاني، هذا غلامي"، أو حذفها وأسكن ما قبلها، فتقول اللهُ أعطانْ، هذا غلامْ" وعلى ذلك قراءةُ أَبي عمروٍ ﴿ربي أكرَمَنْ.... ربي أهانَنْ﴾ ، وقول الشاعر [من المتقارب]
فَهَلْ يَمْنعني ارتيادي البلا ... دَ من حذَرِ الموتِ أن يأتيَنْ
ومِن شانيءٍ كاسف وجْهُهُ ... إذا ما انتَسبْتُ لهُ أنكَرنْ
стр. 353
ومنهم من يفتحها في الوصل. فيقول "أَعطانيَ اللهُ، غلاميَ قد جاءَ". فإذا وقف عليها فبإسكانها أو ألحق بها هاء السكت، مثل "الله اعطانِيَهْ، هذا غلامِيَهْ". ومنه قوله تعالى ﴿ما أغنى عني ماليه. هَلَكَ عني سلطانِيَهْ﴾ .
(الخط)
الخط تصويرُ اللفظِ بحروف هِجائه التي يُنطَقُ بها، وذلك بأن يُطابق المكتوبُ المنطوقَ به من الحروف.
والأصلُ في كل كلمةٍ أَن تُكتبَ بصورة لفظها، بتقدير الإبتداءِ بها والوقف عليها. وهذا أَصلٌ معتبرٌ بالكتابة.
ومن أَجل ذلك
كتبوا هَمَزاتِ الوصل في درج الكلام، وإن لم يُنطق بها، لأنه إذا ابتُديءَ بالكلمات، التي هي أَولها، نُطقَ بهمزاتها، مثلُ جاءَ الحقُّ، وسافر ابنُكَ"، فإنك، إن قدَّمتَ وأَخرتَ، فقلتَ "الحقُّ جاءَ، إبنكَ سافرَ"، نطقتَ بالهمزة إلاّ إذا سبقت "أَل" لامُ الجرِّ او لامُ الإبتداء، فَتُحذفُ همزتُها، مثلُ "للرَّجلِ، للمرأَة، لَلرَّجل أقوى من المرأة، وللمرأَة أَرقُّ عاطفةً منه".
وكتبوا هاءَ السكتِ في نحو "رَهْ زيداً، وقِهْ نَفْسَكَ"، لأنك في الوقف تقول "رَهْ وقِهْ".
وكتبوا ألفَ "أنا"، معَ أنها لا تُلفظُ في دَرْج الكلام، لأنها إذا وُقِفَ عليها، وُقِفَ عليها بالألف. ومن ذلك قوله تعالى ﴿لكنَّا هو اللهُ ربي﴾ ، لأن اصله "لكنْ أَنا".
стр. 354
وكتبوا تاءَ التأنيث، التي يوقف عليها بالهاء، هاءً كرحمة وفاطمة، وكتبوا التي يوقف عليها بالتاء، تاءً كأختٍ وبنتٍ ورَحمات وفاطمات. ومن وقف على الأول بالتاء المبسوطة، كتبها بالتاء كرَحْمتْ وفاطمتْ ومن وقف على الأخرى بالهاء، كتبها بالهاء كرَحماهْ وفاطماهْ.
وكتبوا المُنَوَّن المنصوب بالألف، لأنه يوقفُ عليه بها، مثل "رأيتُ خالداً".
وكتبوا "إذاً"، ونونَ التوكيد الخفيفة كاكتُبا، بالألف، لأنه يوقف عليها. ومن وقف عليهما بالنون، كتبهُما بالنون، مثل "إذَنْ واكتُبَنَّ" كُتبَ كلُّ ما كتب اعتباراً بحال الوقف.
وكتبوا المنقوصَ، الذي حذفت ياؤُهُ للتنوين كقاضٍ ونحوه، بغير ياءٍ، لأنه يوقف عليه بها. ومن وقف على الأوَّل بالياءِ، أثبتها في الخط كقاضي ومن وقف على الثاني بحذفها، حذفها من الخط كالقاضْ. والأول أفصح. كما مرَّ في باب الوقف.
وكتبوا مالا يمكنُ الوقف عليه، من الكلمات، متصلا بما بعده، وما لا يمكن الابتداءُ به، متصلا بما قبله. فالأول كحروف الجرِّ الموضوعةِ على حرفٍ مواحد، مثلُ "لخالدٍ، وبالقلمِ. والثاني كالضمائر المتَّصلة، مثلُ "منكم، وأَكرمتكم".
أَما الحروفُ التي تقعُ في الحشو (أي ما بين الابتداءِ والوقف) فَتُرسمُ كما تلفظ، لا يغَيَّرُ من ذلك شيءٌ، إلا ما كان من أمر بعض الأحرف، في بعض كلمات محصورة، قد خالفَ رسمُها لفظها، وسنذكرها لك، وإلا ما كان شأن الهمزة، وستعرف امرها.
стр. 355
ما خالف رسمه لفظه
هناك كلمات تُكتبُ على خلاف لفظها. ومخالفةُ الرسمِ واللفظ، إما أن تكون بحذف حرفٍ حَقهُ أن يُكتب تبعاَ للفظه. وإما أَن تكون بزيادة حرف يكتبُ ولا يُلفظ، وكان من حقه ان لا يكتب. وإما ان تكون برسمِ حرفٍ يُكتب على خلاف لفظه، وكان من حقه ان يُرسم على لفظه.
(١) ما يلفظ ولا يكتب
فأما ما يُلفظُ ولا يُكتب، فذلكَ، في كلماتٍ نَسرُدُ عليك اكثرها استعمالا.
(١) تُكتب (الذين) بلامٍ واحدة، وتلفظ بلامينِ، لأنها مشدَّدة.
(٢) ما كان مبدوءاً بلام كلبنٍ ولحمٍ، ثم دخلت عليه (ألْ) كاللبنِ واللحمِ، ثم دخلت عليه لامٌ، فحينئذٍ تجتمعُ ثلاث لامات. فإذا اجتمعنَ فلا يُكتَبْنَ كلهنَّ. بل يُكتفى بلامين فقط، مثلُ "اللَّبن منافعُ كثيرة، ولِلحمِ فوائدُ ومَضارُّ، واللَّبن أنفعُ من اللحم) . وهكذا إذا اجتمعت ثلاثُ لاماتٍ في كلمة، اكتفيتَ باثنتين، فتقولُ في (اللَّذانِ واللَّتان واللاّتي واللاّئي واللَّواتي) ، إذا دخلت عليهنَّ اللام "أَحسنتُ لِلذَين اجتهدا، وللتين اجتهدتا" الخ.
(٣) تُحذفُ الألف في كلماتٍ هذه اشهرها
١- الله.
٢- الرحمن، مُعَرَّفاً بالألف واللام. وقَيَّدَ بعضهم الحذف في حال العلمية، وأثبتها في غيرها وقيده بعضهم في البسملة، واثبتها فيما عداها.
стр. 356
٣- إله، نكرةً ومعرفةً، مثلُ (إنما إلهكم إلهٌ واحد - أَجَعلَ الآلهة إلها واحداً) . واما إلاهة والإلاهة، فتثبت أَلفهما، كما رأيت. وقُرِئَ في الشذوذ "ويذرك وإلاهتك"، وفي غير الشذوذ " (والهتك) ، وبالجمع. ٤- الحرث، علماً مقترناً بأل، ومنهم من يكتبه "الحارث" بإثبات الألف.
٥- لكن.
٦- لكنَّ.
٧- سموات، جمع سماء. ومنهم من يكتبها في غير القرآن الكريم "سماوات". بالألف.
٨- يا، حرف النداءِ، قبلَ "أَيها" مثلُ "يأيها الذينَ آمنوا، وقبلَ "أَهلٍ"، مثلُ "يأهلَ الكتابِ، وقبلَ كلِّ عَلَمٍ مبدوءٍ بهمزةٍ، مثلُ "يإبراهيم". ويجوز في غير القرآن الكريم، إثباتُ ألف (يا) ، وهو المشهور بين الكتاب مثلُ يا أيها، يا أهل، يا إبراهيم".
٩- منهم من يحذف الالف من كل علم مشتهر. كإسحق وإبرهيم وإسمعيل وهرون وسليمن وغيرها. والافضل إثباتها، في غير القرآن الكريم.
١٠- منهم من يحذفها في الجمع السالم مذكراً ومؤَنثاً كالصلحين والقنتين والصلحت والقنتت والحفظت. تبعاً لحذفها في المصحف الأمِّ. والأفضل إثباتها. كالصالحين والقانتات والحافظات، لأن خطَّ المصحف لا يقاس عليه.
(٤) تُحذفُ الفُ (ها) التَّنبيهيّةِ، إذا دخلت على اسم الإشارة، مثل "هذا وهذه وهؤلاء".
стр. 357
(٥) تُحذف الفُ (ذا) الإشاريَّة، إذا لحقتها اللامُ، مثلُ "ذلك وذلكما وذلكم وذلكنَّ" ومنهم من يثبتها في غير (ذلك) .
(٦) كلُّ حرفٍ يُدغمُ في حرفٍ مثلهِ، او مخرجه، يُحذفُ خطاً ويُعَوضُ عنه بتشديد الحرف الذى ادغمَ فيه مثلُ "شدَّ، والنساءُ أَمِنَّ واستعنَّ، ونحنُ أمِنَّا واستعنَّا، وآمنّي، ولم يُمكنِّي، ومِمنِ وغَمن، وإلا تجتهدْ تندمُ، وإما تجتهد تنجحْ، وأُحبُّ ألاّ تكسلَ ونِعمّا تفعلُ"، ونحو ذلك. ومنهم من يُثبتُ نون "أن"، إذا جاءَ بعدها "لا" احبُّ ان لا تكسلَ".
(٢) ما يكتب ولا يلفظ
وأما ما يُكتبُ ولا يُلفظ من الحروف، فهو لي ألفاظ
(١) زادوا الواو في عمروٍ، في حالتيْ رفعهِ وجرّه، مثلُ جاءَ عَمْرٌو، ومررت بعمرٍو". وحذفوها في حالة النصب، مثلُ "رأيتُ عَمْراً"، قالوا وذلك للتفرقة بينه وبينَ "عُمَر". وإنما حُذفت منه في حالة النصب، لأنه لا يشتبهُ بعُمَر في هذه الحالة، لأن "عُمَر" لا يُنَوَّن، لمنعه من الصرف.
(٢) زادوا ألفاً غير ملفوظة في "مائةٍ"، مفردةً ومُثناةً، ومُرَكبةٍ معَ الآحاد، فكتبوها هكذا "مِائَةُ ومِائتان وثلاثمائة وأربعمائة وخمسمائة" الخ.
ومن الفضلاء من يكتبها بياء بلا ألف، هكذا "مئة". ومنهم من يكتبها بألف بلا ياء، هكذا. "مأة". ووجه القياس أَن تكتب بياءُ بلا ألف. وهذا ما نميل إليه. وإنما كانوا يكتبوها بزيادة الألف، يوم لم تكن الحروف تنقط، كيلا تشتبه بكلمة (منه) ، المركبة من "من" الجارة وهاء الضمير، كما قالوا. قال أبو حيان "وكثيراً ما أَكتب أَنا (مئة) بلا أَلف، مثل كتابة "فئة"، لأن زيادة الألف خارجة عن الأقيسة فالذي أختاره كتابتها بالألف دون الياء على وجه تحقيق الهمزة، أو بالياء، دون الألف على تسهيلها) .
стр. 358
وزادوا أَلفاً بعدَ واوِ الضمير. مثلُ كتبوا. ولم يكتبوا وكتبوا".
(٣) زادوا الواوّ في "أولات"، كقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاَتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] . وزادوها في أولو وأولي "بمعنى أَصحاب"، كقوله تعالى، ﴿وَأُوْلُواْ العلم﴾ [آل عمران: ١٨] ﴿ياأولي الألباب﴾ [البقرة: ١٧٩] ﴿لأُوْلِي الألباب﴾ [آل عمران: ١٩٠] وزادوها في أولاءِ وأولي الإشاريَّتين، كقوله سبحانه: ﴿أولائك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . وأما "الألى" الموصولية "بمعنى الذينَ"، فلم يزيدوا فيها الواو.
(٣) ما يلفظ على خلاف رسمه
ذلك نحو "إيجَل" فعل أمرٍ من "وَجِلَ يَوْجَلُ". وأصله "إوْجَلْ، قلبت واوه ياءً لسكونها وانكسارِ ما قبلها. فإذا وقت "إبجَلْ" في درج الكلام، بعد حرفٍ مضموم، مثل "يا فلانُ إيجَل"، فلا يغيَّرُ رسمُ الياءِ، لكنها تُلْفظ واواً، هكذا "يا فلانُ إِوجَلْ". ومثله كلُّ أَمرٍ من المثال الواوي، المفتوح العين في المضارع كوَدَّ، والأمر منه "إيدَدْ" فإذا قلتَ (يا فلان إيدَدْ) ، لفظت ياءَه واواً.
وكلُّ ما رسم ياءً، مما تُلْفظ ياؤه أَلفاً، كرمى وادَّعى واستدعى والرَّحى والهُدى والمسعى والمصطفى والمستشفى، فهو مما يلفظ على خلاف رسمه.
كتابة الهمزة
الهمزةُ هي التي تقبلُ الحركاتِ فإن رُسمت على ألفٍ، سُميت (الألف اليابسة) أيضاً كأعطى وسأل والنّبأ. وتقابلها الألفُ اللينةُ، وهي
стр. 359
التي لا تقبلُ الحركاتِ، كألف "قال ودعا ورمى". والهمزة تقعُ في أول الكلمة كأعطى، وفي وسطها كأل، وفي أخرها كالنبأ. والألفُ الليّنة تقعُ في حشو الكلمة كقال، وفي آخرها كدعا. ولا تقعُ في أَوَّلأها. لأنها لا تكون إلا ساكنة وأول الكلمة لا يكون إلا متحركاً.
والهمزة، وأول الكلمة، على ستةِ أنواعٍ
الأولى همزة الأصل، وهي التي تكون في بِنْيةِ الكلمة كهمزة "أَخذ وأَبٍ وأُمٍ وأُختٍ وإنَّ وإنْ وإذا".
الثانيةُ همزةُ المخْبرِ عن نفسه، وهي التي تكون أول المضارع المُسند إلى المتكلم الواحد كهمزة "أَكتُبُ وأَقرأُ وأُحسِنُ".
الثالثة همزة الاستفهام، وهي كلمةٌ برأسها، يُؤْتى بها للاستخبار عن أَمرٍ مثل "أَتكون من الفائزين"؟.
الرابعةُ همزةُ النداءِ، وهي كلمةٌ برأْسها أيضاً، يؤتى بها لنداء القريبِ. مثل "أعبدَ الله"، تُناديه وهو منك قريبٌ.
الخامسة همزة الوصل.
السادسة همزة الفَصْل (وتسمى همزةَ القطع أيضاً) .
والهمزةُ حرفٌ لا صورةَ له في الخط، وإنما يُكتبُ غالباً بصورةِ الألفِ أو الواوِ أو الياءِ، لأنها إن سُهِّلتِ انقلبت إلى الحرف الذيُ كتبت بصورته. لذلك نرى أنهم لم يراعوا في كتابتها هجاءَها، إلا إذا ابتُدئَ بها. أما إن تَوسطت أو كانت في موضع الوقف، فلم يراعوه، بل راعَوْا ما تُسهّل إليه في الحالتين، فكتبوها على ما تُسهّل إليه من ألفٍ او واوٍ او ياءٍ والتي لم تُسهَل لم يكتبوها على حرف، بل رسموها قطعةً منفردةً هكذا (ء) .
стр. 360
فالقياسُ في كتابة الهمزةِ أَن تُكتبَ بالحرف الذي تُسَهَّلُ إليه إذا خُفَّفَت في اللَّفظِ، فالهمزةُ في مثل "سألَ وَقرأ ويَسأل ويقرأ" في مثل "سؤالٍ وزُؤَامٍ ولُؤْمٍ ومُؤَن ولؤلؤ" تُكتب بالواو، لأنها إذا خففَت تُلفظُ واواً، فتقولُ "سُوالٌ وزُوامٌ ولُومٌ ومُوَنٌ ولُوُلو"، وفي مثل (ذِئابٍ وخطيئةٍ ومئةٍ وفِئةٍ ولآليءَ، تكتبُ بالياءِ، لأنها تُسهَّلُ إليها، فتقول "ذيابٌ وخَطيَّة وميَةٌ ولآلي".
والهمزةُ، إما أَن تكون في أَوَّل الكلمةِ، أو في وسطها، او في آخرها.
وتَوَسطُها إما أن يكون حقيقيًّا كما في "سأل ويَرْؤُف ومسألةٍ"، وإما أَن يكون عارضاً، وذلك إذا تَطرَّفتْ، واتَّصلت بضميرٍ، او علامةِ تأنيث أَو تثنيةٍ، او جمعٍ، او نسبةٍ، او أَلفٍ المُنَوَّن المنصوب.
رسم الهمزة المبدوءِ بها
الهمزةُ المبدُوءُ بها لا تكونُ إلا مُتحركةً محقَّقة النطقِ بها. ويجبُ إثباتها في الخطِّ على صورةِ الألف بأيَّةِ حركةٍ تحرَّكتْ، وفي أيَّةِ كلمةٍ وقعتْ، وذلك مثلُ "أمَلٍ وإبلٍ وأحُدٍ واقعُدْ وأخذ وأجلَسَ وأَخٍ وإخوةٍ وإسمٍ وإصبعٍ وإحسانٍ" ونحو ذلك.
فإن وقعت هذه الهمزةُ المبدوءُ بها بعد همزةٍ من كلمةٍ أخرى، بَقيت على حالها من الخطّ، كما لو كانت مبدوءاً بها، مثلُ (يجب أَن ينشأ أَولادنا على العمل لإِحياءِ آثارِ السّلفِ الصالح) .
وإذا وقعت همزاتُ القطعِ والأصلِ والمُخبرِ عن نَفسهِ بعد همزة الاستفهام، كُتبت بصورةِ الألف، كما لو وقعت ابتداءً، قال تعالى ﴿أَأَنتم أشدُّ خلقاً؟ - أَإِلهٌ معَ الله - أَإِذا مِتنا؟﴾ . وتقول (أَأَجيئُكَ أَم تجيئُني؟) .
стр. 361
ويجوز أن تزيد بين الهمزتين ألفاً لا تُكتبُ وإنما تُعوَّضُ عنها بِمدَّةٍ بينهما، فتقولُ (آأَنتَ فعلتَ هذا؟) قالَ ذو الرَّمَّةِ [من الطويل]
فَيا ظَبْيَةَ الوَعْساء بَيْن جُلاجِلٍ ... وَبينَ النَّقا، آأنتِ؟ أَمْ أُمُّ سالِمِ؟
وإذا وقعت بعدها همزةُ الوصل أسقطتْ همزةُ الوصلِ من الكتابة، كما تَسقطُ من اللَّفظ، لضعفها وقوَّةِ همزةِ الاستفهام. وليس في هذا الإسقاط التباسٌ، لأن همزةَ الاستفهامِ مفتوحةٌ، وهمزةَ الوصلِ مكسورةٌ، قال تعالى ﴿أتخذناهم سِخْريّا، أَم زاغت عنهم الأبصارُ! - أَطَّلعَ على الغَيبِ؟﴾ وتقولُ "ابْنُكَ هذا أَم أَخوك؟ "، وتقولُ "أسمُكَ حَسنٌ أَم حُسَينٌ؟ " ومن ذلك قولُ ذي الرِّمةِ [من البسيط]
أَسْتَحْدَثَ الركْبُ عن أَشياعهِم خَبَراً ... أَمْ راجَعَ القَلْبَ من أَطْرابهِ طَرَبٌ؟
ولا تجري همزةُ "أَلْ" هذا المجرى، وإن كانت للوصل، لأنها مفتوحةٌ، وهمزة الاستفهام مفتوحة، فتلتبسُ الهمزتانِ إحداهما بالأخرى. وحينئذ يختلط الإخبار بالاستخبار (أَي الكلامُ الخبري بالكلام الاستفهامي) ، فلو قلت "الشمس طلعت" فلا يدري السامعُ "أَأَنتَ تخبرُ عن طلوع الشمس؟ أَم أَنت تستفهم عن طلوعها" والوجه أن تُبدل همزةُ "أَل" أَلفاً ليّنة في اللفظ، يُستغنى عنها بالمدَّة، فتقولُ "آلرجلُ خيرٌ أَم المرأَةُ؟ ".
قال تعالى ﴿آللهُ أَذِنَ لكم؟ - آلذَّكرينِ حَرَّمَ أم الأنثيَيْن؟ - آلآنَ وقد عَصَيْتَ قبلُ؟ ".
стр. 362
هذا ما يراه الجمهور الأعظم من النحاة في اجتماع همزة الاستفهام وهمزة "أل". وفي كتاب (الكتّاب) لابن درستويه ما يدل على أنه لا فرق بين همزة "أل" وغيرها من همزات الوصل وعلى أنها تجري هذا المجرى، وإن كانت مفتوحة، لأنها أكثر استعمالا من سائر ألفاظ الوصل وما قاله هو القياس. وأما التباس الإخبار بالاستخبار، فقرينة الكلام تعين المراد. ولا يكون هذا الاختلاط إلا في بعض المواضع. فليكن المنع حيث لم يؤمن اللبس.
على أنهم لم يجروا على القياس، حذر الالتباس، فكان عليهم أن لا يجيزوا حذف الاستفهام من الكلام، وقد أجازوها اعتماداً على قرينة لفظية، مثل "ما أدري في ليل رحل القوم، أَم في نهار؟ أي أَفي ليل؟ وكقول عمر ابن أبي ربيعة [من الطويل]
بدا ليَ مِعصم حين جمَّرت ... وكفٌ خضيبٌ زُينت ببنان
فوالله ما أدري وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أَم بثمان؟
أَي أبسبع؟ والقرينة اللفظية هنا هي "أم"، التي تكون بعد همزة الاستفهام في السؤال عن أَحد الشيئين. وقد يكون الحذف اعتماداً على قرينة معنوية، يعتمد فيها على فطنة السامع كقول الكميت [من الطويل]
طربت، وما شوقاً إلى البيض أطرب ... ولا لعباً مني، وذو الشوق يلعب
أي "أو ذو الشوق يلعب؟ " ومنه قول المتنبي: [من البسيط]
أحيا؟ وأيسر ما قاسيت ما قتلا ... والبين جار على ضعفي، وما عدلا
أراد "أَأَحيا؟ ". وفي الحديث "وإن زنى؟ وإن سرق؟ "، أي "أو إن زنى أو إن سرق؟ " وفي شرح المغني للدماميني نقلا عن الجني الداني لابن
стр. 363
قاسم إن حذفها مطرد إذا كان بعدها "أَم" لكثرته نظما ونثراً. قال الدماميني "قلت وهو كثير مع فقد "أَم". والاحاديث طافحة بذلك". وتحقيق قول ما قاله الاخفش من ان حذفها جائز اختياراً في نظم أَو نثر، إذا أَمن اللبس. فإن أدى الحذف إلى الالتباس، فلا يجوز قولاً واحداً.
فأنت ترى أَنهم أجازوا حذف همزة الاستفهام. ومنعوا حذف همزة "أل" بعد همزة الاستفهام. والمسألتان واحدة. فإذا قد أَجازوا أَن تحذف همزة الاستفهام، حيث يؤمن اختلاط الإخبار بالاستخبار، فينبغي أَن يجيزوا حذف همزة "أل" بعد همزة الاستفهام حيث يؤمن الالتباس، قياساً على غيرها من همزات الوصل والحق أَن حذفها، بعد همزة الاستفهام، جائز قياساً عند أَمن اللبس. وقد تقدم القول فيما جنح اليه ابن درستويه في كتاب (الكتّاب) من جواز ذلك) .
رسم الهمزة المتطرفة
حُكمُ الهمزةِ المتطرِّفة حكمُ الحرفِ الساكن، لأنها في موضع الوقفِ من الكلمة، والهجاءُ موضوعٌ على الوقف.
وهي إما أَن يكون ما قبلها ساكناً أو متحرّكاً
فإن كان ما قبلها ساكناً، كتِبت مُفردةَ بصورةِ القطعِ هكذا (ء) ، مثلُ "المَرْءِ والجزءِ والدفءِ والخَبْءِ والشيءِ والنَّوءِ والنشْءِ والعبْءِ، ويَجيءُ ويَسوءُ والمَقروءِ والمشنُوءِ والهنيءِ والمَريءِ والبريءِ والسوءِ والضياءِ والوضوءِ، وجاءَ وشاءَ".
(وإنما لم تكتب بصورة حرف من أَحرف العلة يكون كرسياً لها، لأنها
стр. 364
تسقط من اللفظ إذا خففت عند الوقف، لالتقاء الساكنين. إذا جاز حذفها عند الوقف فلا ترسم، ولانها تبدل من حرف العلة قبلها وتدغم فيه مثل "الشيء والنوء والمقروء والهنيء"، فيقال "الشي والنو والمقرو والهني") .
وإن كان ما قبلها متحركاً، كُتبت بحرفٍ يناسبُ حركةَ ما قبلها، مهما كانت حركتُها، لأنها إن خُففت في اللفظ موقوفاً عليها، نُحيَ بها مُنحى ذلك الحرف
فترتكز على الألف في مثل "الخطأ والنبأ وقرأ ويقرأُ ولم يقرأ واقرأ وتوَضَّأ ويتَوَضَّأ ورأَيتَ امرَأَ القَيْس".
وعلى الواو في مثل "التهيُّؤِ والتَّواطؤِ والأكمُؤ واللؤلؤ والجُؤجُؤ والتَّنَبء وجَرُؤَ ومَرُؤَ ورَدُؤَ، وهذا امرُؤُ القيس".
وعلى الياء في مثل يَتَّكىءُ ويستهزِئُ وصَدِيءَ وضِئْضيء وناشيء وقاريء، ومررتُ بامرئ القيس".
رسم الهمزة المتوسطة
الهمزةُ المتوسطةُ، إما أَن تكون متوسطةً حقيقةً، كأنْ تكونَ بين حرفينِ من بِنْية الكلمة، مثل "سألَ وبئرٍ ورَؤُفَ" وإما إن تكون شبْهَ متوسّطةٍ، كأنْ تكون متطرّفةً، وتَلْحقَها علاماتُ التأنيثِ أو التثنيةِ او الجمعِ او النسبةِ او الضميرُ او أَلفُ المُنَوَّن المنصوبِ، مثلُ "نَشْأةٍ وفِئةٍ ومَلأى وجزءانِ وشيئانِ وقَرَّاءونَ وهيئاتٍ وهذا جُزْؤُهُ ويَقرَؤُهُ وأخذتُ جُزءاً واحتلمتُ عِبئاً".
стр. 365
وحكمُها في الكتابة واحدٌ، إلا في أشياءَ قليلةٍ نذكُرها في مواضعها.
وإذا توَّسطت الهمزة، فإما أن تكون ساكنة، او مفتوحةً، او مضمومة او مكسورة، ولكلّ حكمه في الكتابة.
والقاعدة العامة لكتابة الهمزة المتوسطة، أنها إن كانت ساكنة، تُكتب بحرفٍ يُناسب حركةَ ما قبلها، مثلُ "رأْسٍ وسؤْلٍ وبئرٍ" وإن كانت متحركةً، تُكتب بحرفٍ يُجانسُ حركتَها هي، مثل "سأل ويسألُ وَلؤُمَ ويَلْؤُمُ وسئِم ومُسئمٍ ولئيم" إلا أن تُفتحَ بعد ضم او كسرٍ، فتُكتبُ حرفاُ يجانسُ حركةَ ما قبلها، مثلُ "مُؤَن وسؤال وفِئَةٍ وذِئابٍ وناشئَةٍ". او تقع بعدَ أَلف، فتُكتب قطعةً منفردةً بعدها، مثلُ "ساءَل وتساءَل ويتساءَل وعباءَة".
وهناك مواضعُ قد يُشَذُّ فيها عن هذه القواعد الكليَّة، يرجع أكثرها إلى الهمزة في حال توَسطها توسطاً غير حقيقيّ. وستعلم ذلك فيما سنشرحه لك.
وإليك تفصيل هذا المُجْمَل
(١) رسم المتوسطة الساكنة
إذا تَوسَطت الهمزة ساكنةً، كُتبت على حرف يناسبُ حركة ما قبلها فتُكتبُ على الألف في مثل "رأْسٍ وكأْسٍ ويأْمُل - ولم يقرأْه ولم يَشأْهُ ونشأْتُ وقرأْنا".
وتُكتبُ على الواو مثل "لُؤْمٍ ويُؤمِنٍ ومؤمِنْ واؤْتُمِنْ ولؤلؤ - ولم يَسؤْهُ وبُؤْتُ وجَرُؤْتُ وجَرُؤا ويجرُؤْنَ".
стр. 366
وعلى الياءِ في مثل "بِئرٍ وذِئْبٍ وائْتِ وائْذَن - وجِئْتُ وجِئْنا ويَجِئْنَ وأَنبِئْه ولم يُنبِئه".
(٢) رسم المتوسطة المفتوحة
(١) إن توسطت الهمزة مفتوحةً، بعد حرفٍ متحرك، كُتبت على حرفٍ يُجانسُ حركةَ ما قبلها.
فتُكتبُ على الألف في مثل "سألَ ورأَبَ وسآمةٍ وضآلة ومآل - وخَطآنِ حِدَآت وأصلحتُ خَطَأهُ وسمعتُ نبأهُ ورأَيتُ حِدَأَة وقرأا ويقرأانِ وبدأا ويَبْدَأانِ.
وعلى الواوِ في مثل "مؤنٍ وتُؤدةٍ ومُؤَوِّل ويُؤمَلُ ومُؤَرّخ وسُؤالٍ وامرؤَانِ ولُؤْلؤَينِ ولُؤلؤاتٍ واشتريتُ لُؤلؤةً وأكلت أكمُؤَةً وجَؤُؤا يجْرُؤانِ".
وعلى الياءِ في مثل "ذِئابٍ ورئاسةٍ وافتئاتٍ وفِئَةٍ ومِئَةٍ ومِئاتٍ وفِئاتٍ وقارِئانِ وقارئاتٍ ورأَيتُ قارئةُ وقارئَيْه ومُنشِئَهُ ومُنشِئَيهِ".
(٢) إذا توسطت الهمزةُ مفتوحةً بعد حرفٍ ساكن، توَسطاً حقيقيًّا، كتبت على الألف (إن لم تُسبق بألف المدّ) مثلُ "يَيْأسُ ويسألُ ومسألة
стр. 367
ٍ وجَيْأل والسمَوْأل ومَلأمةٍ وتَوأَم ومَلآنَ وظمآن والقُرآن" فإن سُبقت بألفِ المدِّ، كُتبت منفردة، مثل "ساءَلَ وتساءَلَ وساءَلوا ويتساءَلُ".
فإن كانت شبهَ متوسطةٍ، كُتبت منفردة بعد حرف انفصال، مثل "جاءَا وشاءَا وجُزءَانِ وضَوْءَانِ ومخبوءَينِ ومخبُوءَات وقرأَ جُزءَهُ ورأَى ضوءَه وكساءَه". وعلى شبه ياء بعد حرف اتصال، مثلُ "شيئانِ وعِبئان وشيئينِ وعِبئَينِ ورأَيت شيئَهُ وفَيئَهُ وعِبئَهُ ونَشْئَهُ وخَبيئَهُ".
(٣) إذا لزمَ، من كتابة الهمزة ألفاً، اجتماعُ ألفينِ الهمزِ، وأَلفِ المدِّ، فإن سبقت أَلفُ المدِّ أَلفَ الهمزِ، كتبتَ ألفَ المدِّ وحدَها، ورسمتَ ألف الهمز قطعةً منفردةً بعدها، مثلُ "تضاءَل وتساءَمَ وتَثاءَب" وإن سبقت أَلفُ الهمزِ أَلفَ المدِّ، كتبتَ أَلفَ الهمزِ وطرحتَ أَلفَ المدِّ مُعَوّضاً عنها بمدَّة، تُكتبُ على طرف أَلف الهمز، مثلُ السآمةِ والشآمِ والقرآن والملآن والنَّبآن والملجآنِ".
ويُستثنى من ذلك أَن تكون أَلفُ المدّ أَلفَ الضمير، فتُكتب هيَ وأَلفُ الهمزِ معاً، مثل "قَرأا واقرأا ويَقْرأانِ ولم يَقرَأا". هذا رأْيُ جمهور العلماء. ومنهم من يحذفُ ألفُ المدّ مُعَوِّضاً عنها بالمدَّة، مثلُ "قرآ واقرآ ويقرآنِ ولم يَقْرَآ". وهذا هو القياس. وهو أَيسرُ على الكاتب ومنهم من يكتب الهمزَة منفردةً، لا على الفٍ، ويُثبتُ الف الضمير بعدها، مثلُ قَرَءَا واقرَءَا ويَقْرءَان ولم يَقْرَءَا".
стр. 368
اما إثباتهم الألفين في الفعل، مع استكراههم ذلك في نحو "سآمة وظمآن وخَطآنِ" فلعلَّهم فرقوا بين أن تكونَ الفُ المدّ ضميراً او غيرَ ضمير، لأن الألفَ هنا ضميرُ الفاعل. والفاعلُ أشدُ لُصوقاً بالفعل من غيره، فلا يُستغنى عنه فكتبوها لذلك.
(٣) رسم المتوسطة المضمومة
(١) إن تَوسطت الهمزةُ مضمومةً بعد فتحٍ او ضم أو سكون، كتبت على الواو.
فمثالها مضمومةً بعد فتحٍ "لَؤمَ وضَؤُلَ ورَؤُفَ ويَقرؤُهُ ويَمْلؤُهُ ويكلَؤُهُ وهذا خَطَؤُهُ ونَبَؤُهُ".
ومثالها مضمومةً بعد ضمّ "الزُّؤُدُ والرُّؤُمُ والسُّؤُمُ وهذا لُؤُلؤُه وجُؤْجؤُه وأكمؤُهُ".
ومثالها مَضمومةً بعد ساكنٍ "يَضْؤُلُ وأرؤُسٌ وأكؤُسٌ والتَّرَؤُّسُ والتَّساؤُلُ والتَّلاؤُمُ - وهذا جزؤُهُ وضَوْؤهُ ووُضوؤُه وضِياؤُهُ". إلا إن ضُمّت شبهُ المتوسطة، بعد حرفٍ من حروف الاتصال، فتُكتب على شبهِ ياءٍ مثل "هذا شيئُهُ وفيئُهُ وعِبْئُهُ ونَشْئُهُ وبَريئُهُ ومجيئُهُ ويجيئون ويُسيئونَ ومُسيئون".
стр. 369
(٢) إذا لزمَ، من كتابة الهمزة على الواو، اجتماعُ واوينِ فإن تأخرت واو الهمز، كتبتهما معاً مثل "هذا ضَوْؤُهُ ووُضوؤهُ ومَقْروؤُه. وإن سبقت، فمنهم من يحذف صورتها، ويكتبها همزة منفردة، بعد حرفِ انفصالٍ مثل "رَؤُوف ورُءُوس وقرَءُوا ويَقرَؤُونَ"، وعلى شبه ياءٍ، بعد حرف اتصالٍ، مثل "كُئوس ومسئولٍ - ومَلَئُوا ويَمْلَئونَ". إلا إن كانت شبهَ متوسطة، وكانت في الأصل مكتوبةً على الواو كجَرؤَ ويَجْرؤُ، فتُرسمُ الواوانِ معاً، مثل "جَرُؤُوا ويجرُؤُون".
هذا مذهب المتقدمين، وعليه المعوَّل عند أرباب هذا الشأن. وعليه رسم بعض المصاحف.
ومنهم من يرسم الواوينِ معاً، وهو القياس، مثل "رَؤوفٍ ورؤوسٍ وسُؤوم وصُؤون وكؤوس ومرؤوب ومسؤول - وقَرَؤوا ويَقْرؤون ومَلَؤوا ويَمْلؤونَ".
ومنهم من يكتفي بواوٍ واحدة يرسم الهمزة عليها، مثل رَؤفٍ ورُؤسٍ ومَسؤلٍ وقَرَؤُا ويَقْرؤن". وعليه رسم كثيرٍ من المصاحف.
ومنهم من يُبقي الهمزةَ المتطرّفة، المكتوبة على الألف، المتصلةَ بما يجعلها شبهَ متوسطة، على حالها من الرسم، مثل "قرأُوا ويَقْرأُون، وبَدَأُوا ويَبْدَأُون، وملأوا ويَمْلأون، وهذا خطأُهُ ونبأُه ورَشأُهُ" وهو مذهب بعض المتأخرين. وهو الشائعُ على أكثر الأقلام اليوم، لسهولته وبُعدهِ عن إعمال الفكر.
стр. 370
والمذهب الأول هو المتقدِّم. كما علمت. وكلٌّ له وجهٌ صحيح.
أما إذا لزمَ من ذلك اجتماعُ ثلاثِ واوات، فتطرح واو الهمزة، وتكتبُ الهمزة منفردة بين الواوين، قولاً واحداً، مثل "موْءُودة ووءُولٍ - ومَقْروءُون ومنشؤُون ويَسوءُون".
(٣) إن توسطت الهمزة مضمومةً بعد حرفٍ مكسورٍ (وهذا لا يكون إلا في شبهِ المتوسطة) ، كُتبت على شبه ياءٍ، مثل مِئونَ وفِئون وهذا قارئُه ومُنْشئُه ومُنبّئُه وسيئُه وسيئون والقارئون والمُنشئونَ والمُنبّئونَ وينبِّئه ويُقرِئُه".
(٤) رسم المتوسطة المكسورة
إن توسطت الهمزة مكسورةً، لا تُكتب إلا على الياء، سواءٌ أكانت مكسورةً بعد فتحٍ، مثل "سَئمَ وبَئسَ ودَئِب - ومُلجَئينَ ونظرتُ إلى رَشئهِ وخَطَئهِ ومُنشِئهِ".
أم مكسورةً بعد ضم، مثل "سُئلَ ورُئيَ ونُئيَ عنه والدِئلِ - ونظرتُ إلى لُؤلئه وبُؤبُئه، وشقت السفينة الماءَ يجؤجئُها وتقول في
стр. 371
جمعِ من سَمَّيْتَهُ لؤلؤاً "مررتُ باللُّؤلُئين" وبعضهم يكتب التي بعدها ياءٌ بحركة ما قبلها (أي على الواو) ، مثل "رُؤِيَ ونُؤِيَ عنه".
أم مكسورةً بعد كسر (وهذا لا يكون إلا في شبه المتوسطة) ، مثل "مِئِينَ وفِئينَ وقارئينَ وناشئينَ ومُنشئينَ ومُقرئينَ وقارئهِ ومُنشئهِ ولآلِئهِ".
أم مسكورةً بعد سكونِ، مثلُ "أفئدةٍ وأسئلةٍ ومُسئِمٍ ومُتئمٍ والمرئِيِّ والرائي ويُسائِلُ وسائِلْ ومُسائِلِ - والمَقروئينَ والطَّائيِّ والكسائيِّ والجُزئيِّ وجُزئِه وعِبئه وشيئه وضَوْئه ووضوئه وضيائه".
(٥) رسم المتوسطة مع علامة التأنيث
الهمزة المتوسطةُ بإلحاق علامةِ التأنيث بها، لا تكونُ إلا مفتوحة.
فإن كان ما قبلها مفتوحاً أو ساكناً صحيحاً، كُتبت على الألف، مثل "حَدَأةٍ وخَطَأةٍ ونَشْأةٍ ونَبْأةٍ ومَلأى وظَمْأى".
وإن كان مضموماً، كُتبت على الواو، مثل "لُؤلؤَةٍ".
وإن كان مكسوراً أو ياءً ساكنةً، كُتبت على الياءِ، مثل "مِئَةٍ وفِئَةٍ وتهنئةٍ ومَرزِئَةٍ وهَيْئةٍ وبِيئِة وخطيئةٍ وبريئةٍ".
стр. 372
وإن كان ما قبلها أَلفاً أو واواً، كتبت منفردة، مثل "ملاءَةِ وقراءَةِ ومُرءَةٍ وسَوْءَةٍ وسَوءَى وسَوْءَاءَ".
(٦) رسم المتوسطة مع الف المنون المنصوب
المُنَوَّنُ المنصوبُ تَلحقُهُ ألف مدٍّ لا تُلفظُ إلا في الوقف، سواءٌ أكان آخرُهُ همزةً أم غيرَها، مثلُ "رأيتُ رجلا وكتاباً ولُؤلؤاً".
فإن كانت الهمزةُ المنَوَّنةُ تنْوين نَصبٍ، مرسومةً على حرف أبقيتها مرسومةً عليه، ورسمتَ بعدها الألفَ، مثل رأيتُ بُؤبُؤاً وأكمؤاً وقارئاً ومُنْشئاً".
وإن كانت منفردةً، غيرَ مرسومةٍ على حرفٍ، فإن كانت بعد حرفِ انفصال، تركتَها على حالها، ورسمتَ بعدها الألف مثل "رأيتُ جُزْءاً ورُزءاً وضَوْءاً. ووُضُوءاً". وإن كانت بعد حرف اتصال كتبتها قبل الألف على شِبهِ ياءٍ، مثل (احتملتُ عبْئاً واتخذتُ دِفْئاً ورأيتُ شيئاً) .
غيرَ انهم تركوا كتابَتها بعد الهمزةِ المرتكزةِ على ألفٍ، كراهية اجتماعِ ألفينِ في الخط، مثل (سمعتُ نَبأ ورأيتُ رَشأ) وبعد الهمزة المسبوقة بألف المدّ اعتباطاً، لا لسببٍ، مثل "لبستُ رداءً، وشربتُ ماءً".
وإنما تُكتبُ هذهِ الألفُ، لأنَّ المنوَّنَ المنصوبَ لا يجوز أن يوقفَ عليه بالسكونِ،
стр. 373
بل يجبُ أن يُوقفَ عليه بفتحةٍ ممدودة، تتوَلد منها ألفُ المدِّ. وسواءٌ في ذلك ما لحقتهُ هذهِ الألفُ في الخط، وما لم تلحقهُ لِسَبَبٍ او اعتباطاً.
كتابة الألف المتطرفة
الالفُ المتطرفةُ، إما أن تكونَ آخرَ فعلٍ كدعا ورمى وأعطى، وإما أن تكون آخرَ اسم مُعربٍ عربيّ كالفتى والعصا والمصطفى. وإما أن تكون آخرَ اسمٍ مَبنيٍّ كأنا ومهما. وإما أن تكون آخرَ حرفٍ كعَلى ولولا. وإما أن تكون آخرَ اسم أعجمي كموسيقا.
فهي خمسة أنواع ولكلّ نوع حكمهُ في الرسم. وإليك بيان كلّ نوع منها
(١) و (٢) إن تطرَّفت الألفُ في فعل او اسم مُعرب.
فإن كانت رابعةً فصاعداً، كتبتها ياءً مطلقاً. والحرفُ المشدَّد يُحسب حرفين، وكذلك الهمزة التي فوقها مدَّةٌ مُعوَّض بها عن أَلفٍ محذوفة، مثل "حُبلى ودعوى وجُلَّى وجُمادى ومستشفى - وأَعطى وأَملى ولبّى وحلَّى وآتى وآخى واهتدى وارتضى واستولى واستعلى". وإلا إِذا لزِمَ، من كتابتها ياءً، اجتماعُ ياءَين، فتكتب ألفاً، مثل "استحيا وأحيا وسجايا ويحيا وزوايا وريّا ودُنيا. وقد كتبوا "يحيى وريّى" علمين، بياءَينِ، للتفرقة بين ما هو علمٌ أو فعلٌ أو صفة. والقولُ في نحوهما كالقول فيهما.
وإن كانت ثالثة، فإن كانت منقلبةً عن الواو، كتبتها ألفاً، مثل "العصا والقفا والدُّجا والرُّبا والذُّرا والعِدا - ودعا وغزا وعفا وعلا
стр. 374
وسما وتلا". وإن كانت منقبلةً عن ياءٍ كتبتها ياءً، مثل "الفتى والهوى والنَّوى والرَّحى والحمى - ورمى ومشى وهدى وهوى وقضى".
وما كان من ذلك ممدوداً، فقصرَته كالبيضاء والجدعاء، أو مهموزاً، فسهَّلته كتوضأ وتجزأ ومَلجأ ومُلتجأ، فلا يكتب بالياء، بل يكتبُ بالألف التي صارت آخراً، مثلُ "البيضا والجدعا وتوضا وتجزا وملجا وملتجا".
واعلم أن من النحاة من يكتبُ البابَ كله بالألف، حملاً للخط على اللفظ، سواءٌ أكانت الألف ثالثةً أم فوق الثالثة، وسواءٌ أكانت منقلبة عن واو أم عن ياءٍ. قالوا وهو القياس، وهو أنفى للغلط. وهذا ما اختاره أبو علي الفارسي، كما في شرح أدب الكاتب لابن السيد البطليوسي. وهو مذهبٌ سهل، لكنه لم يشتهر، ولم ينتشر. والكتَّاب قديماً وحديثاً على خلافه.
(٣) إذا تطرَّفت الألفُ في اسمٍ مبني، كتبت ألفاً، مثلُ "أنا ومهما"، إلا خمس كلمات منها، كتبوها فيها بالياء، وهي "أنّى ومتى ولدى والألى" (اسم موصول بمعنى الذينَ) وأولى (اسم إشارة للجمع، كأولاءِ) .
(٤) إذا تطرفتِ الألفُ في حرف من حروف المعاني، كتبت ألفاً، مثل "لولا وكلاّ وهلاّ"، إلا أربعةَ أحرف، كتبوها فيها بالياء. وهي "إلى وعلى وبلى وحتى".
(٥) إذا تطرَّفت الألفُ في اسم أعجمي، كتبت ألفاً مطلقاً، ثلاثياً كان، أو فوق الثلاثي. ولا فرق بين أن يكون من أسماء الناس أو البلاد أو غيرهما، مثلُ "بُغا ولوقا وتمليخا وزليخا وبحيرا" (وهي أعلامُ أناس) ،
стр. 375
وأريحا ويافا وحيفا وطنطا والرُّها (وهي أسماءُ بلدان) وببْغا (وهي اسم طير) ، وموسيقا وارتماطيقا "وهما من مصطلحات الفنون والعلوم". وكتبوا (بخارى) ، من أسماء البلدان، بالياء. وكتبوا أربعة من أعلام الناس بالياء أيضاً، وهي موسى وعيسى ومتَّى وكسرى. ومنهم من يكتب "متّى" باللف هكذا "مَتّا".
الوصل والفصل
من الكلمات ما لا يصح الابتداء به، كالضمائر المتصلة ومنها ما لا يصح الوقفُ عليه، كالحروف الموضوعة على حرف واحدٍ ومنها ما يصح الإبتداء به والوقف عليه، وهو كل الكلمات، إلا قليلا منها.
فما صح الابتداء به والوقفعليه، وجب فصلُه عن غيره في الكتابة، لأنه يستقل بنفسه في النطق، كالأسماء الظاهرة، والضمائر المنفصلة، والأفعال والحروفَ الموضوعة على حرفين فأكثر.
وما لا يصحُّ الابتداء به، وجبَ وصلُهُ بما قبلهُ، كالضمائر والمتصلة، ونوني التوكيد، وعلامةِ التأنيث، وعلامةِ التَّثنية، وعلامة الجمع السالم.
وما لا يصحُّ الوقفُ عليه، وجب وصلُه بما قبله، كالضمائر، ونوني التوكيد، وعلامة التأنيث، وعلامةِ التَّثنية، وعلامة الجمع السالم.
وما لا يصحُّ الوقفُ عليه، وجب وصلُه بما بعده، كحروفِ المعاني الموضوعة على حرفٍ واحدٍ، والمركب المزجيِّ، وما رُكّب مع المائة من الآحاد كأربعمائة، والظُّروفِ المضافة إلى "إذٍ" المُنَوَّنةِ كيومئذٍ وحينئذٍ. فإن لم تُنَوَّنْ، بأن تُذكر الجملة المحذوفة المعوَّض عنها
стр. 376
بالتنوين، وجبَ الفصلُ مثلُ "رأيتك حين إذْ كنتَ تخطبُ".
وكلا النوعينِ (أي ما يصحُّ الابتداءُ به، وما لا يصح الوقف عليه) يجب وصله، كما رأيتَ، لأنه لا يستقلُّ بنفسه في النطق. والكتابةُ تكون بتقدير الابتداء بالكلمة والوقف عليها، كما علمتَ في أول فصل الخط.
وقد وصولا، في بعض المواضع، ما حقّهُ أن يكتب منفصلا، كأنهم اعتبروا الكلمتين كلمةً واحدة. وإليك تلك المواضع
(١) وصلوا "ما" الإسميّة بكلمة "سِيٍّ" مثلُ "أحبُّ أصدقائي، ولا سِيَّما زُهيرٍ"، وبكلمة "نِعْمَ" إذا كُسرت عينُها، مثلُ "نِعِمَا يَعِظُكم به"، فإن سكنت عينها، وجب الفصلُ، مثلُ "نِعْمَ ما تفعل".
(٢) ووصلوا "ما" الحرفية الزائدة أيًّا كان نوعها، بما قبلها، مثلُ "طالما نصحتُ لك، ﴿إنما إلهكم إلهٌ واحدٌ﴾ ، أتيتُ لكنما أُسامةُ لم يأت. ﴿عمّا قليل لَيُصبِحُنَّ نادمين﴾ . ﴿مما خطيئاتِهم أُغرقوا﴾ . ﴿أيّما الأجلينِ قضيتُ﴾ . فلا عدوان عليّ. أينما تجلسْ إجلس. إما تجتهدْ تنجح. ﴿إنه لحقٌّ مثلما أنكم تنطقون﴾ . اجتهدْ كيما تنجح".
(٣) وصلوا "ما" المصدرية بكلمة "مثل" مثل "اعتصمْ بالحق مثلما اعتصم به سَلَفُكَ الصالح"، وبكلمة "رَيْثَ"، مثل "انتظرني رَيْثنما آتيك"، وبكلمة "حين" مثل "جِئتُ حينما طلعت الشمسُ"، وبكلمة "كل" مثل " ﴿كلما أضاءَ لهم مَشَوْا فيه﴾ . كلما زرتني أكرمتك". "وما" بعد كلٍّ" مصدرية ظرفية.
стр. 377
(٤) وصلوا "مَنْ" استفهاميةً كانت، أو موصوليّةً، أو موصوفيةً، أو شرطيَّة، بمن وعن الجارَّتين فالاستفهاميّة مثل "مِمن أنت تشكو؟ " والموصوليَّة مثلُ "خُذِ العلمَ عمَّن تَثقُ به". والموصوفيّةَ مثل "عَجبتُ ممّن مُحبٍ لك يؤْذيك"، أي من رجلٍ محبٍّ لك. والشرطيّةُ مثلُ مِمّن تَبتعدْ ابتعدْ، وعَمّن ترضَ أرضَ"، أي من تبتعدْ عنه أَنتَ أَبتعد عنه أَنا، ومن ترضَ عنه أَرضَ عنه.
وصلوا (مَن) الإستفهاميّة بفي الجارَّة، مثل "فيمن ترغبُ أن يكون معك؟. فيمن ترى الخير؟ ".
(٥) وصلوا "لا" بكلمة "أن" الناصبة للمضارع، مثل ﴿لئلا يعلم أهلُ الكتاب﴾ "ويجبُ ألا تدَعَ لليأس سبيلا إلى نفسك". ولا فرق بين أن تسبقها لامُ التعليل الجارَّة وألا تسبقها، كما رأيت.
هذا مذهب الجمهور. وذهب أبو حيّانَ ومن تابعه إلى وجوب الفصل قال وهو الصحيح، لأنه الأصل، مثل "يجب أن لا تهمل".
فإن لم تكن "أن" ناصبة للمضارع، وجب الفصل، كأن تكون مخففة من "أن" المشددةِ، مثل "أشهَدُ أَن لا إِلهَ إلا اللهُ" أي أنه، أن تكون تفسيرية، مثلُ "قُلْ له أن تخفْ".
(٦) وصلوا "لا" بكلمة "إن" الشرطية الجازمة، مثلُ ﴿إلا تفعلوه تكن فتنةٌ، إلا تَنصرُوه فقد نَصرهُ الله﴾ .
стр. 378
(٧) منهم من يصلُ "لا" بكلمة "كي"، مثلُ "لكيلا يكون عليك حرجٌ، ومنهم من يوجب الفصل. والأمران جائزان. وقد جاء الوصلُ والفصلُ في القرآن الكريم، وقد وُصلت في المصحف في أربعة مواضع، منها ﴿لكيلا يكون عليك حرجٌ﴾ ومن الفصل قوله تعالى ﴿لكي لا يكون على المؤمنين حرجٌ﴾ وقوله ﴿كي لا يكون دولةً بين الأغنياء منكم﴾ .
стр. 379
(مباحث الفعل الإعرابية)
(المبني والمعرب من الأفعال)
الفعل كله مبني. ولا يُعرَبُ منه إلا ما أشبه الاسم، وهو الفعل المضارع الذي لم تتصل به نونا التوكيد ولا نون النِّسوة.
وهذا الشبه إنما يقع بينه وبين اسم الفاعل. وهو يكون بينهما من جهتي اللفظ والمعنى.
أما من جهة اللفظ، فلأنهما متفقان على عدد الأحرف والحركات والسكنات فيكتبُ على وزن (كاتب) ومُكرِمٌ على وزن (يُكرَمُ) . وأما من جهة المعنى فلأنَّ كلاًّ منهما يكون للحال والاستقبال وباعتبار هذه المشابهة يسمّى هذا الفعل (مُضارعاً) ، أي مشابهاً، فإن المضارعة معناها المشابهةُ، يُقال "هذا يُضارعُ هذا"، أي يشابهه.
فإن اتصلت به نون التوكيد، أو نون النسوة، بُني، لأن هذه النُّونات من خصائص الأفعال، فاتصالُهُ يهنَّ يُبعِدُ شَبههُ باسم الفاعل فيرجعُ إلى البناء الذي هو أَصل في الأفعال.
стр. 380
(بناء الفعل الماضي)
يبنى الماضي على الفتح، وهو الأصلُ في بنائه، نحو "كتب". فإن كان معتلَّ الآخر بالألف، كرمى، ودعا، بني على فتحٍ مقدَّر على آخره. فإن اتصلت به تاء التأنيث، حُذف آخرُه، لاجتماع الساكنين الألفِ والتاء، نحو "ردتْ ودعتْ" والأصل "رماتْ ودعاتْ". ويكون بناؤه على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين.
وليست حركة ما قبل تاء التأنيث هنا حركة بناء الماضي على الفتح، لأن حركة البناء - كحركة الإعراب - لا تكون إلا على الأحرف الأخيرة من الكلمة والحرف الأخير هنا محذوف كما رأيت) .
وإن كان معتل الآخر بالواو أَو الياء، فهو كالصحيح الآخر - مبني على فتح ظاهر كسرُوَتْ ورضيَتْ.
ويبنى على الضم إن اتصلت به واو الجماعة، لأنها حرفُ مَد وهو يقتضي أن يكون قبلهُ حركةٌ تجانسهُ، فيبنى على الضم لمناسبة الواو نحو "كتبوا".
فإن كان معتلَّ الآخر بالألف، حذفت لالتقاء الساكنين، وبقي ما قبل الواو مفتوحاً، كرَموْا ودَعوْا، والأصل "رَماوا ودعاوْا" ويكون حينئذ مبنياً على ضم مُقدر على الألف المحذوفة.
(وليست حركة ما قبل الواو حركة بناء الماضي على الفتح، لأن الماضي مع واو الجماعة يبنى على الضم، ولأن حركة البناء كما قدمنا، إنما تكون على الحرف الأخير والحرف الأخير هنا محذوف كما علمت) .
وإن كان معتلّ الآخر بالواو، أو الياء، حُذف آخرُه وضمَّ ما قبله بعد
стр. 381
حذفه، ليناسب واو الجماعة، نحو "دُعُوا وسرُوا ورَضُوا"، والأصل "دُعيُوا وسروُوا ورَضيُوا" وبوزن "كُتِبوا وظَرُفوا وفرِحوا".
(استثقلت الضمة على الواو والياء فحذفت، دفعاً للثقل، فاجتمع ساكنان حرف العلة وواو الجماعة، فحذف حرف العلة، منعاً لالتقاء الساكنين، ثم حرك ما قبل واو الجماعة بالضم ليناسبها. فبناء مثل ما ذكر، إنما هو ضم مقدر على حرف العلة المحذوف لاجتماع الساكنين، فليست حركة ما قبل الواو هنا حركة بناء الماضي على الضم وإنما هي حركة اقتضتها المناسبة للواو، بعد حذف الحرف الأخير. الذي يحمل ضمة البناء.
ويبنى على السكون إن اتصل به ضمير رفع متحرك، كراهية اجتماع أربع حركات متواليات فيما هو كالكلمة الواحدة، نحو كتبتُ وكتبتَ وكتبتِ وكتبنَ وكتبنا".
(وذلك لأن الفعل والفاعل المضمر المتصل كالشيء الواحد، وإن كانا كلمتين، لأن الضمير المتصل بفعله يحسب كالجزء منه. وأما نحو "أكرمت واستخرجت" مما لا تتولى فيه أَربع حركات، أن بني على الفتح مع الرفع المتحرك "فقد حمل في بنائه على السكون على ما تتوالى فيه الحركات الأربع، لتكون قاعدة بناء الماضي مطردة) .
وإذا اتصل الفعلُ المعتلُ الآخر بالألف، بضمير رفع متحرك، قلبت أَلفه ياء، إن كانت رابعة فصاعداً، أو كانت ثالثة أصلها الياء. نحو "أعطيتُ واستحيَيتُ وأَتيتُ. فإن كانت ثالثة اصلها الواو ردَّت اليها، نحو "علوتُ وسموتُ".
فإن كان معتلّ الآخر بالواو او الياء، بقي على حاله، نحو "سروتُ ورضيتُ".
стр. 382
(بناء الأَمر)
يُبنى الأمر على السكون وهو الأصل في بنائه، وذلك إن اتصل بنون النسوة، نحو (اكتبن) ، أو كان صحيح الآخر ولم يتصل به شيء كاكتبْ.
وعلى حذف آخره، إن كان معتل الآخر، ولم يتصل به شيء كانجُ واسعَ وارمِ.
وعلى حذف النون، إن كان متصلا بألف الاثنين، أو واو الجماعة، أو ياء المخاطبة كاكتبا، واكتبوا، واكتبي.
وعلى الفتح، إن اتصلت به إحدى نوني التوكيد كاتُبَنْ واكتُبَنّ.
وإذا اتصلت نون التوكيد المشددة بضمير التثنية، أو واو الجماعة أو ياء المخاطبة في الأمر ثبتت الألف معها، وكسرَت النون نحو "اكتبانَّ"، وحذفت الواو والياء، حذراً من التقاء الساكنين، نحو "اكتبُنَّ واكتبِنَّ". ويبقى الأمر مبنياً على حذف النون. والضمير المحذوف لالتقاء الساكنين هو الفاعل.
وكذا إن اتصلت النون المخفَّفة بالواو أَو الياء، كاكتُبنْ واكتُبِن. أما بالألف فلا تتصل، فلا يقالُ اكتبان.
стр. 383
(إعراب المضارع وبناؤه)
إذا انتظم الفعل المضارع في الجملة، فهو إما مرفوع أو منصوب، أو مجزوم. وإعرابُه إما لفظي، وإما تقديري، وإما محلي.
وعلامة رفعه الضمةُ ظاهرةً، نحو (يفوزُ المتقون) ، أو مقدَّرَة نحو "يعلو قدرُ من يقضي بالحق"، ونحو "يَخشى العاقل ربّهُ".
وعلامة نصبه الفتحة ظاهرة، نحو "لن أقول إلا الحق"، أو مقدرة، نحو "لن أخشى إلا الله".
وعلامة جزمه السكون نحو "لم يَلدْ ولم يُولدْ".
وإنما يعرب المضارع بالضمة رفعاً، وبالفتحة نصباً، وبالسكون جزماً إن كان صحيح الآخر، ولم يتصل بآخره شيء.
فإن كان معتل الآخر غير متصل به شيء جزم بحذف آخره نحو "لم يَسعَ، ولم يرمِ، ولم يدعُ". وتكون علامة جزمه حذف الآخر.
وإن اتصل بآخره ضمير التثنية أو واو الجماعة، أو ياء المخاطبة، فهو معربٌ بالحرف، بالنون رفعاً، نحو "يكتبان ويكتبون وتكتبين" وبحذفها جزماً ونصباً، نحو "إن يَلزَمُوا معصية اللهِ، فلن يفوزوا برضاه".
وإن اتصلت به إحدى نوني التوكيد، أو نون النسوة، فهو مبني، مع الأوليَينِ على الفتح نحو "يكتُبَنْ ويكتَبنَّ"، ومع الثالثة على السكون نحو "الفتيات يكتْبنَ ويكون رفعه ونصبه وجزمه حينئذ محلياً.
فإن لم يتصل آخرُه بنونِ التوكيدِ مباشرةً بل فصِلَ بينهما بضمير التثنية، أو واو الجماعة، أو ياءِ المخاطبةِ، لم يكن مبنياً، بل يكونُ مُعرباً بالنون رفعاً، وبحذفها نصباً وجزماً. ولا فرق بين أن يكون الفاصلُ لفظيًّا، نحو
стр. 384
"يكتبانّ" أو تقديريًّا نحو "يكتُبُنَّ وتكتُبِنَّ، لأن الأصل "تَكتبونَنَّ وتكتُبينَنَّ".
(حذفت نون الرفع، كراهية اجتماع ثلاث نونات نون الرفع ونون التوكيد المشددة ثم حذفت واو الجماعة وياء المخاطبة، كراهية اجتماع ساكنين الضمير والنون الأولى من النون المشددة) .
واعلم أنَّ نونَ التوكيدِ المشدَّدةَ، إن وقعت بعدَ ألف الضمير، ثبتتِ الألفُ وحُذفت نون الرفع، دفعاً لتوالي النوناتِ، غيرَ أن نونَ التوكيدِ تُكسَرُ بعدَها تشبيهاً لها بنون الرفعِ بعدَ ضمير المُثنَّى، نحو "يكتُبانِّ".
وإن وقعت بعدَ واو الجماعة، أو ياء المخاطبةِ، حُذفت نون الرفعِ دفعاً لتوالي الأمثال. أما الواو والياء، فإن كانت حركةُ ما قبلَهما الفتحَ ثبتتا، وضُمّت واوُ الجماعة، وكسِرت ياء المخاطبة، وبقِي ما قبلهما مفتوحاً على حاله، فتقولُ في يَخشَوْن وتَرضَين "تخشَوُنَّ وترضِينَ". وإن كان ما قَبلَ الواو مضموماً، وما قبل الياء مكسوراً حُذِفَتا. حذراً من التقاء الساكنين، وبَقيَتْ حركةُ ما قبلهما، فتقولُ في تكتُبونَ وتكتُبينَ وتغزونَ وتغزين "تكتُبينَّ وتكتبِنَّ وتغزُنَّ وتغزِنَّ".
وإذا وَلي نونَ النِّسوةِ نونُ التوكيد المشَّدةُ وجب الفصلُ بينهما بألفٍ، كراهية توالي النونات، نحو "يكتبْنانِّ" أما النونُ المخففةُ فلا تَلحَقُ نونَ النسوة.
стр. 385
وحكم نوني التوكيدِ، معَ فعل الأمر، كحكمهما معَ المضارع في كل ما تقدمّ.
المضارع المرفوع
يُرفع المضارعُ، إذا تجرَّدَ من النواصب والجوازمِ. ورافعُهُ إنما هو تجرُّده من ناصبٍ أو جازمٍ.
(فالتجرد هو عامل الرفع فيه، فهو الذي أوجب رفعه. وهو عامل معنوي، كما أن العامل في نصبه وجزمه هو عامل لفظي لأنه ملفوظ.
وهو يُرفعُ إما لفظاً، وإما تقديراً، كما سلف، وإما محلاًّ، إن كان مبنيًّا، نحوُ "لاجتهدنَّ" ونحو "الفتياتُ يجتهدْن"
المضارع المنصوب ونواصبه
يُنصبُ المضارعُ إذا سبقتهُ إحدى النواصب.
وهو يُنصبُ إما لفظاً، وإما تقديراً، كما سلفَ، وإما محلاًّ، إن كان مبنيًّا مثل "على الأمهاتِ أن يَعنينَ بأولادهنَّ".
стр. 386
ونواصبُ المضارع أربعةُ أحرفٍ، وهي
(١) أنْ، وهي حرفُ مَصدرِيةٍ ونصبٍ واستقبال، نحوَ ﴿يُريدُ اللهُ أَن يُخففَ عنكم﴾ .
وسميت مصدرية، لأنها تجعلُ ما بعدها في تأويل مصدر، فتأويل الآية "يريد الله التخفيف عنكم" وسميت حرف نصب، لنصبها المضارع. وسميت حرف استقبال، لأنها تجعل المضارع خالصاً للاستقبال. وكذلك جميع نواصب المضارع تمحضه الاستقبال بعد أن كان يحتمل الحال والاستقبال".
ولا تَقعُ بعد فعلٍ بمعنى اليقينِ والعلمِ الجازم.
فإن وقعت بعدَ ما يدُلُّ على اليقين، فهيَ مُخفَّفةٌ من "أنَّ"، والفعل بعدها مرفوعٌ، نحو ﴿أفلا يَرَوْنَ أنْ لا يَرجِعُ إليهم قولاً﴾ ، أي أنهُ لا يَرجع.
وإن وقعتْ بعدَ ما يدُلُّ على ظنٍّ أو شبههِ، جازَ أن تكون ناصبة للمضارعِ، وجازَ أن تكونَ مخفَّفةً من المشدَّدَة، فالفعلُ بعدَها مرفوعٌ. وقد قُرِئَتِ الآيةُ ﴿وحَسِبوا أَلاّ تكونَ فتنةٌ﴾ ، بنصب "تكون"، على أنّ "أنْ" ناصبةٌ للمضارعِ، وبرفعه على أنها مخففةٌ من "أن". والنصب أَرجح عندَ عَدمِ الفصلِ بينها وبين الفعلِ بلا، نحو ﴿أحسِبَ الناسُ أن يُترَكوا﴾ والرفعُ والنصبُ سواءٌ عند الفصل بها، كالآية الأولى. فإن فُصِلَ بينهما بغير "لا" كقَدْ والسين وسوفَ، تعيَّنَ الرفعُ، وأن تكونَ "أنْ" محفَّفةً من المُشدَّدة، نحو "ظننت أَنْ قد تقومُ، أَو أَن ستقومُ، أَو أَنْ سوفَ تقومُ".
стр. 387
واعلمْ أنَّ "أَن" الناصبةَ للمضارع، لا تُستعملُ إلاّ في مقام الرجاء والطَّمعِ في حصولما بعدها، فجاز أن تقعَ بعد الظنّ وشِبهه، وبعد ما لا يدل على يقين أو ظن، وامتنع وقوُعها بعد أفعالِ اليقين والعلم الجازم، لأن هذه الأفعالَ إنما تتعلقُ بالمحقَّق، لا يناسبُها ما يدلُّ على غير محقَّق، وإنما يناسبُها التوكيدُ، فلِذا وجب أن تكون "أن" الواقعةُ مُخفِّفة من المُشدَّدة المفيدةِ للتوكيد.
(٢) لنْ، وهي حرفُ نفيٍ ونصبٍ واستقبال، فهي في نفي المستقبل كالسين وسوفَ في إثباته. وهي تفيدُ تأكيدَ النفي لا تأييدَهُ وأما قولهُ تعالى لَنْ يَخلُقوا ذُباباً، فمفهوم التأييدِ ليس من "لن"، وإنما هو من دلالة خارجيّة، لأنَّ الخلقَ خاص بالله وحدَهُ.
(وهي على الصحيح، مركبة من "لا" النافية و"أَنْ" المصدرية الناصبة للمضارع وصلت همزتها تخفيفاً وحذفت خطاً تبعاً لحذفها. وقد صارتا كلمة واحدة لنفي الفعل في الاستقبال) .
(إذَنْ، وهي حرفُ جوابٍ وجزاءٍ ونصبٍ واستقبالٍ، تقولُ "إِذَنْ تُفلِحَ"، جواباً لمن قال "سأجتهدُ". وقد سميتْ حرفَ جوابٍ لأنها تقعُ في كلام يكون جواباً لكلام سابقٍ. وسميت حرفَ جزاء، لأن الكلام الداخلة عليه يكون جزاءً لمضمون الكلام السابق. وقد تكون للجواب المحض الذي لا جزاءَ فيه، كأن تقولَ لشخصٍ "إني أحبك"، فيقول "إذنْ أَظنك صادقاً"، فظنكَ الصدقَ فيه ليس فيه معنى الجزاء لقوله "إني أحبكَ".
وأصلها، عند التحقيق، إما "إذا" الشرطية الظرفية، حذف شرطها وعوض عنه بتنوين العوض، فجرت مجرى الحروف بعد ذلك ونصبوا بها
стр. 388
المضارع، لأنه إن قيل لك "آتيك"، فقلت "إذن أَكرمك"، فالمعنى إذا جئتني، أَو إذا كان الأمر كذلك أكرمك. وإما مركبة من "إذ" و"إن" المصدرية، فإن قال قائل "أَزورك". فقلت "إذن أكرمك" فالأصل "إذ إن تزورني أكرمك" ثم ضمنت معنى الجواب والجزاء.
أَما كتابتها فالشائع أَن تكتب بالنون عاملة ومهملة. وقيل تكتب بالنون عاملة. وبالألف منونة مهملة. أَما عند الوقف فالصحيح أَن تبدل نونها أَلفاً تشبيهاً لها بتنوين المنصوب، كما أَبدلوا نون التوكيد الخفيفة أَلفاً عند الوقف كذلك. أَما رسمها في المصحف فهو بالألف عاملة ومهملة. ورسم المصحف لا يقاس عليه، كخط العروضيين. وقد سبق الكلام على ذلك) .
وهي لا تنصبُ المضارعَ إلا بثلاثة شروطٍ.
الأولُ أَن تكونَ في صدر الكلام، أَي صدرِ جملتها، بحيثُ لا يسبقها شيءٌ له تعلقٌ بما بعدها. وذلك كأن يكونَ ما بعدَها خبراً لما قبلها ونحو "أَنا إذَنْ أُكافِئُكَ" أَو جوابَ شرطٍ، نحوُ "إن تُزرني إذَنْ أَزركَ" أَو جواب قسمَ، نحو "واللهِ إذَنْ لا أَفعلُ". فإن قلتَ "إذَنْ واللهِ لا أَفعلَ"، فقدَّمتَ "إذنْ" على القسم، نصبتَ الفعلَ لتصدُّرِها في صدر جملتها.
ومن عدم تصدرها، لوقوعها جواب قسم، قولُ الشاعر [من الطويل]
لئِن جادَ لي عبدُ العَزيزِ بِمِثْلها ... وأَمكَنني منها، إذنْ لا أُقِيلُها
(فقد رفع "أقيل" لأن "إذن" لم تتصدر، لكونها في جواب قسم مقدر، دلت عليه اللام التي قبل "إنّ" الشرطية. والتقدير والله لئن جاد لي". وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه. وقد أهملت "إذن" لوقوعها بين القسم وجوابه، لا بين الشرط وجوابه، كما قاله بعضهم، لأنه
стр. 389
إذا اجتمع شرط وقسم، فالجواب للسابق منهما. وجواب المتأخر محذوف، لدلالة جواب الآخر عليه) .
وإذا سبقتها الواوُ أَو الفاءُ، جاز الرفع وجاز النصبُ. والرفع هو الغالب. ومن النصب قوله تعالى (في قراءةِ غيرِ السبعة) ﴿وإن كادوا لَيَستفزونكَ من الأرضِ ليُخرجوك منها، وإذاً لا يَلبَثوا خلافَكَ إِلا قليلا"، وقوله ﴿أَم لهم نصيبٌ من المُلك، فإذاً لا يؤْتوا الناسَ نَقيراً﴾ وقرأَ السبعةُ ﴿وإذاً لا يلبثون ... وإذاً لا يؤتون﴾ ، بالرفع. وإذا قلت "إن تجتهد تنجح، وإذن تفرح"، جزمت "تفرح"، وأَلغيتَ "إذن"، إِن أَردتَ عَطفَه على الجواب "تنجح"، فيكون التقديرُ "إن تجتهد تنجحْ وتفرحْ"، وذلك لعدم تصدرها، ورفعته أَو نصبتَهُ، إن أَردتَ العطف على جملتي الشرط والجواب معاً، لأنهما كالجملة الواحدة. وإنما جاز الوجهان، لوقوعها بعد الواو. ويكون العطف من باب الجمل، لا من باب عطف المفردات. فتكون حينئذٍ صدرَ جملة مستقلة مسبوقة بالواو، فيجوز الوجهان. رفع الفعل ونصبه.
فإن كان شيءٌ من ذلك أَليغتها ورفعتَ الفعلَ بعدها، إلا إن كان جوابَ شرطِ جازٍم، فتجزمُه، كما رأَيتَ، ونحو "إن تجتهدْ إِذَن تَلْقَ خيراً". فعدمُ التَّصدير، المانعُ من إعمالها، إنما يكون في هذه المواضعِ الثلاثة، لا غيرُ.
الثاني أَن يكون الفعلُ بعدها خالصاً للاستقبالِ، فإن قلتَ إذنْ أَظنكَ صادقاً" جواباً لمن قال لك "إني أُحبك"، رفعتَ الفعلَ لأنه للحال.
الثالثُ ألاّ يُفصَلَ بينهما وبينَ الفعل بفاصلٍ غير القسمِ و (لا) النافية، فإن قلتَ "إذَنْ هم يقومون بالواجب". جواباً لمن قال "يجود الأغنياء
стр. 390
بالمال في سبيل العلم"، كان الفعلُ مضارعاً، للفصل بينهما بغير الفواصل الجائزة.
ومثال ما اجتمعت فيه الشروطُ قولك "إذَنْ أَنتظرَك"، في جواب من قال لك (سأزورُك) فإذَنْ هنا مصدَّرةٌ، والفعلُ بعدَها خالصٌ للاستقبال. وليس بينها وبينه فاصل.
فإن فُصلَ بينهما بالقسمِ، أو "لا" النافية، فالفعلُ بعدها منصوبٌ. فالأولُ نحو "إذَنْ واللهِ أُكرِمَكَ" وقولِ الشاعر [من الوافر]
إذَنْ، واللهِ، نَرمِيَهُمْ بِحَرْبٍ ... تُشِيبُ الطِّفْلَ من قَبْلِ المَشيبِ
والثاني نحو "إذَنْ لا أجيئَكَ".
وأجاز بعضُ النحاةِ الفصلَ بينهما - في حال النصب - بالنداء، نحو "إذَنْ يا زُهيرُ تنجحَ"، جواباً لقوله "سأجتهدُ". وأَجاز ابنُ عصفورٍ الفصلَ أَيضاً بالظرف والجارّ والمجرور. فالأولُ نحو "إذَنْ يومَ الجَمعةِ أجيئَكَ" والثاني نحو "إذَنْ بالجِدّ تبلُغَ المجدَ". وقد جمعَ بعضُهمُ شروط إعمالها والفواصلَ الجائزةَ بقوله [من الرجز]
أَعملْ "إذَنْ" إذا أتتكَ أَوَّلا ... وسُقتَ فعلا بعدها مُستّقبلا
واحذَر، إذا أَعملتَها، أَن تفصِلا ... إلاّ بِحلَفٍ أو نداءٍ أَو بِلا
وافصِلْ بِظرفٍ أو بمجرورٍ على ... رأيِ ابنِ عُصفورٍ رئيسِ النُّبلا
следующие страницы →