Полный текст (839 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
لازمة) .
والثالثُ "عَدَّ" - "ظنَّ" كقول الشاعر [من الطويل]
فَلا تَعْدُدِ الْمَوْلى شَريكَكَ في الغنى ... وَلكنَّما الْمَوْلى شَريكُكَ في العُدْم
(فان كانت (بمعنى "أحصى" تعدَّتْ إلى واحد مثل "عددت الدراهم"، أي (حسبتها واحصيتها) .
والرابع "زعَمَ" - بمعنى "ظنّ ظناً راجحاً" - كقول الشاعر [من الخفيف]
زَعَمَتْني شَيْخاً، ولست بِشَيْخٍ ... إنَّما الشَّيْخُ مَنْ يَدِبُّ ذَبيبا
والغالبُ في "زعَمَ" أن تُستَعمَلَ للظنِّ الفاسد، وهو حكاية قولٍ يكون مِظنَّةً للكذب، فيقال فيما يُشكّ فيه، أو فيما يُعتقدُ كذبُهُ، ولذلك يقولون "زَعموا مطيِيَّةُ الكذب" أي إنّ هذه الكلمة مركبٌ للكذب. ومن عادة العرب أنّ من قال كلاماً، وكان عندهم كاذباً، قالوا "زَعمَ فلانٌ". ولهذا جاء في القرآن الكريم في كل موضع ذُمّ القائلون به.
وقد يردُ الزَّعم بمعنى القول، مُجرَّداً عن معنى الظنّ الرَّاجحِ، أو الفاسد، أو المشكوك فيه.
(فان كانت "زعم" بمعنى "تأمر ورأس"، أو بمعنى "كفل به" تعدّتْ الى واحد بحرف الجر، تقول "زعم على القوم فهو زعيم"، أي تأمر عليهمْ ورأسهم، و"زعم بفلان وبالمال"، أي كفل به وضمنه، وتقول "زعم اللبن" أي أخذ يطيب، فهو لازم) .
والخامسُ "هبْ" - بلفظ الأمر، بمعنى "ظُنَّ" - كقول الشاعر [من المتقارب]
فَقُلتُ أَجِرْني أَبا خالدٍ ... وإِلاّ فَهَبْني امرَءًا هالِكا
стр. 37
(فان كانت امراً من الهبة، مثل "هب الفقراء مالاً"، لم تكن من أفعال القلوب، بل هي من "وهب" التي تنصب مفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبراً. على الفصيح فيها أن تتعدى الى الاول باللام، نحو "هب للفقراء مالا". وان كانت امراً من الهيبة تعدت الى مفعول واحد، مثل "هب ربك"، أي خفه) .
(٢) افعال التحويل
أفعالُ التحويل ما تكونُ بمعنى "صيَّرَ". هي سبعةٌ "صيَّر ورَدَّ وترَك وتَخِذ واتخذ وجعل ووهب".
وهي تنصبُ مفعولين أصلُهما مُبتدأ وخبرٌ.
فالأولُ مثل "صيّرْتُ العدُوَّ صديقاً".
والثاني كقوله تعالى ﴿وَدّ كثيرٌ من أهل الكتاب لوْ يرُدُّونكم من بعد إِيمانِكم كُفَّاراً"، وقال الشاعر [من الوافر]
رَمَى الحِدْثانُ نِسْوَةَ آل حَرْبٍ ... بِمقْدارٍ سمَدْنَ لهُ سُمُودا
فردَّ شُعُوْرَهنَّ السُّودَ بِيضاً ... ورَدَّ وُجوهَهُنَّ البِيضَ سُودا
والثالثُ كقوله ﴿وتركنا بعضهم يومئذٍ يموجُ في بعضٍ"، وقول الشاعر [من الطويل]
ورَبَّيْتهُ، حتى إِذا ما تَرَكْتُهُ ... أَخا القومِ، واستَغْنى عن الْمَسْحِ شارِبُهُ
стр. 38
والرابعُ "تَخِذتُكَ صديقاً".
والخامسُ كقوله تعالى ﴿واتخذ اللهُ ابراهيمَ خليلا﴾ .
والسادسُ كقوله سبحانهُ و ﴿قدِمْنا إلى ما عَمِلوا من عمل، فجعلناهُ هباءً منثوراً﴾ .
والسابع مثل وهبَني اللهُ فداء المُخلصين".
(وهذه الافعال لا تنصب المفعولين الا اذا كانت بمعنى "صير" الدالة على التحويل وان كانت "رد" بمعنى "رجع" - كرددته، أي رجعته - و"ترك" بمعنى "خلى" - كتركت الجهل، أي خليته و"جعل" بمعنى "خلق"؛ كانت متعدية الى مفعول واحد. وان كانت "هب" بمعنى أعطى لم تكن من هذا الباب، وان نصبت المفعولين، مثل "وهبتك فرساً". والفصيح أن يقال "وهبت لك فرساً".
المتعدي الى ثلاثة مفاعيل
المتعدِّي إلى ثلاثة مفاعيل، هو "أرى وأعلمَ وأنبأ ونَبَّأ وأخبرَ وخرَّ وحدثَ". ومُضارعها "يُرِي ويُعلِمُ ويُنبِيءُ ويُنبِّىءُ ويُخبر ويُخبِّرُ ويحدِّث"، تقول "أريتُ سعيداً الأمرَ واضحاً، وأعلمتُهُ إياهُ صحيحاً، وأنبأتُ خليلاً الخبرَ واقعاً، ونَبَّأته إيَّاهُ، أو أخبرتهُ إِياهُ، أو أخبرته إياهُ أو حدَّثتهُ إياهُ حقا".
والغالبُ في "أنبأ" وما بعدها أن تُبنى للمجهول، فيكون نائبُ الفاعلِ مفعولها الأول، مثل "أُنبئْتُ سليماً مجتهداً"، قال الشاعر [من الكامل]
стр. 39
نُبِّئْتُ زُرْعَةَ، والسفاهَةُ كاسمِها، ... يُهدِي إِليّ غَرائبَ الأَشعار
وقال الآخرُ [من الكامل]
نُبِّئْتُ أنَّ أبا قابوسَ أوعَدَني ... ولا قَرارَ على زأرٍ من الأَسَد
(الفعل اللازم)
الفعلُ اللازمُ هو ما لا يتعدى أثرُهُ فاعلَهُ، ولا يتجاوزُه إلى المفعول به، بل يبقى فى نفسِ فاعله، مثل "ذهب سعيدٌ، وسافر خالدٌ".
وهو يحتاجُ إلى الفاعل، ولا يحتاجُ إلى المفعول به، لأنه لا يخرج من نفس فاعلِه فيحتاجُ إلى مفعول به يَقعُ عليه.
ويُسمى أيضاً. (الفعلَ القاصرَ) - لقُصوره عن المفعول به، واقتصاره على الفاعل - و (الفعلَ غيرَ الواقع) - لأنه لا يقع على المفعول به - و (الفعل غيرَ المُجاوِزِ) لأنه لا يجَاوِزُ فاعلهُ.
متى يكون الفعل لازما؟
يكونُ الفعل لازماً
إذا كان من أفعال السجايا والغرائز، أَي الطبائع، وهي ما دَلّت على معنى قائم بالفاعل لازمٍ له - وذلك، مثل "شَجع وجَبُنَ وحَسنُ وقَبحَ".
стр. 40
أو دلَّ على هيئة، مثل طال وقصرَ وما أَشبه ذلك".
أو على نظافةٍ كَطهر الثوبُ ونظُف.
أو على دنسٍ كوسِخ الجسمُ ودنسَ وقذِر.
أو على عرضٍ غير لازمٍ ولا هو حركةٌ كمرِض وكسِل ونشِط وفرح وحزن وشَبع وعطِش.
أو على لون كاحمرَّ واخضرَّ وأدم.
أو على عيبٍ كعَمش وعور.
أو على حلية كنَجيل ودعج وكحل.
أو كان مُطاوعاً لفعلٍ مُتعدٍّ إلى واحد كمددت الحبل فامتدَّ.
أو كان على وزن (فَعُل) - المضموم العينِ - كحسُن وشرُف وجمُل وكرُم.
أو على وزن (انفعل) كانكسر وانحطم وانطلق.
أو على وزن (افعلَّ) كاغبرَّ وازورَّ.
стр. 41
أو على وزن (افعالَّ) كاهامَّ وازوارَّ.
أو على وزن (افعلَلَّ) كاقشعرَّ واطمأنَّ.
أو على وزن (افعنلل) كاحرنجم واقعنسس.
متى يصير اللازم متعديا
يصيرُ الفعلُ مُتعدياً بأحدِ ثلاثة أشياء
إما بنقله إلى باب (افعل) مثل "أكرمتُ المجتهد".
وإما بنقله إلى باب (فعَل) - المَضعّف العين - مثل "عظّمتُ العلماء".
وإما بواسطة حرف الجرِّ، مثل "أعرِضْ عن الرذيلة، وتَمسَّكْ بالفضيلة".
سقوط حرف الجر من المتعدي بواسطة
إذا سقط حرفُ الجرِّ بعد المتعدي بواسطة، نصبت المجرورَ، قال تعالى "واختار موسى قَومهُ سبعين رجلا"، أي من قومه، وقال الشاعر [من الوافر]
تَمُرُّون الدِّيارَ ولم تَعُوجُوا ... كلامُكُم عَلَيّ إِذاً حَرام
والأصلُ تَمرّونَ بالديار. فانتصب المجرورُ بعد سُقوط الجارِّ.
وسُقوطُ الجار بعد الفعل اللازم سماعيٌّ لا يُقاسُ عليه، إلا في "أَنْ
стр. 42
وأَنَّ"، فهو جائزٌ قياساً إذا منَ اللَّبْسُ، كقوله تعالى ﴿أَوَعَجِبتم أَن جاءكم ذكرٌ من ربِّكم على رجل منكم؟﴾ أَي من أَن جاءكم، وقولِه سُبحانهُ ﴿شهِدَ اللهُ أَنهُ لا إِله إِلا هُو﴾ ، أَي بأنه.
فإن لم يُؤمن اللبْسُ لم يَجُزْ حذفهُ قبلها، فلا يجوز أن تقول "رغِبت أَن أَفعل" لإشكال المُرادِ بعد الحذف، فلا يفهم السامعُ ماذا أَدرتَ أَرغبتك في الفعل، أَو رغبتك عنه فيجبُ ذكرُ الحرف ليتعيَّن المُرادُ، إِلا إِذا كان الابهامُ مقصوداً لتعمية المعنى المرادِ على السامع.
(المعلوم والمجهول)
ينقسم الفعل باعتبار فاعله الى معلوم ومجهول. فالفعل المعلوم ما ذُكر فاعِلهُ في الكام نحو "مصَّرَ المنصورُ بغداد".
وإذا اتصل بالماضي الثلاثيّ المجرّد المعلوم - الذي قبل آخره ألفٌ - ضميرُ رفعٍ متحركٌ، فإن كان من باب (فَعَلَ يَفْعلُ) - نحو "سامَ يَسومُ، ورام يرومُ، وقاد يقُودُ" ضُم أوله، نحو سُمْتُه الأمر، ورُمْتُ الخير، وقُدْتُ الجيش".
وإن كان من باب (فعل يفعِلُ) - نحو "باع يبيعُ وجاء يجيء،
стр. 43
وضامَ يضيمُ". أو من باب (فعل يفعلُ) - نحو "نال ينالُ، وخاف يخافُ" - كُسِرَ أَولهُ، نحو "بِعتُهُ، وجِئتُهُ، وضِمت الخائنَ، ونِلْتُ الخير وخِفْتُ الله".
والفعلُ المجهول ما لم يُذكر فاعله في الكلام بل كان محذوفاً لغرضٍ من الأغراض إما للايجاز، اعتماداً على ذكاء السامع، وإما للعلم به، وإما للجهل به، وإما للخوف عليه، وإما للخوف منه، وإما لتحقيره؛ فتُكْرِمُ لسانك عنه، وإما لتعظيمه تشريفاً له فتكرمُه أن يُذكر، إن فعل ما لا ينبغي لمثله أن يفعله، وإما لإبهامه على السامع.
وينوبُ عن الفاعل بعد حذفه المفعولُ به، صريحاً، مثل "يُكرَم المجتهدُ"، أو غير صريح، مثل "أَحسنْ فيحسَن إليك"، أو الظَرفُ، مثل "سُكنت الدارُ وسُهرتِ الليلةُ"، أو المصدرُ، مثل "سِير سيرٌ طويل".
(ولنيابة الظرف والمصدر عن الفاعل شروط ستراها في الجزء الثاني، في "مبحث نائب الفاعل" ان شاء الله) .
ولا يُبنى المجهولُ إلا من الفعل المتعدي بنفسه، مثل "يُكرم المجتهدُ"، أَو بغيره، مثل يُرْفَقُ بالضعيف".
стр. 44
وقد يُبنى من اللازم، إن كان نائبُ الفاعل مصدراً نحو "سُهر سهرٌ طويلٌ" أو ظرفاً، مثل "صيم رمضانُ".
بناء المعلوم للمجهول
متى حُذفَ الفاعلُ من الكلام وجب أن تتغيّر صورة الفعل المعلوم.
فإن كان ماضياً يُكسر ما قبل آخره، ويُضم كل مُتحرك قبله، فتقولُ كسر وأَكرم وتعلم واستغفر. "كُسِر واكرِمَ وتُعلِّمَ واسْتُغْفِرَ"
وإن كان مضارعاً يُضمّ اوَّلهُ، ويُفتح ما قبلَ آخره، فتقول في يَكسِرُ ويُكرِمُ ويَتعلمُ ويَستغفِرُ "يُكسَرُ ويُكرَمُ ويُتعلَّمُ ويستغفَرُ".
أما فعلُ الأمرِ فلا يكونُ مجهولاً أبداً.
بناء ما قبل آخره حرف علة للمجهول
إذا أُريدَ بناءُ الماضي - الذي قبلَ آخره ألفٌ - للمجهول (إن لم يكن سُداسيّاً) تُقلبُ ألفه ياءً، ويُكسَرُ كلُّ متحرَّكٍ قبلَها، فتقولُ في باعَ وقال "بِيع وقيلَ"، وفي ابتاعَ واقتادَ واجتاحَ "ابتِيعَ واقتيدَ واجْتِيحَ"؛ والأصل "يُبِيعَ وقُوِلَ وابتِيعَ واقتُوِدَ واجتُوِح".
فإِن كان على ستة أحرفٍ - مثل استتابَ واستماحَ - تُقلَب ألِفُه ياءً، وتُضَمّ همزتُه وثالثُه، ويُكسَر ما قبلَ الياءِ، فتقول "أَستُتيبَ وأُستُميحَ".
وإن اتصلَ بنحو "سِيمَ ورِيمَ وقِيدَ" من كل ماضٍ مجهول ثلاثيٍّ أجوفَ - ضميرُ رفعٍ متحركٌ، فإن كان يُضَمُّ أوَّلُه في المعلوم نحو "سُمتُه
стр. 45
الأمرَ، ورُمتُ الخيرَ، وقُدْتُ الجيشَ" كُسِرَ في المجهول، كيلا يَلتبسَ معلوم الفعل بمجهوله، فتقولُ "سِمتُ الأمر، ورِمتُ بخيرٍ، وقِدتُ للقضاءِ".
وإن كان يُكسَرُ أَوَّله في المعلوم - نحو "بعته الفرَسَ وضمتُه، ونِلته بمعروفٍ" ضُمَّ في المجهول، فتقول "بُعت الفرَسَ، وضُمت، ونُلْتُ بمعروفٍ".
وإذا اريدج بناءُ المضارع - الذي قبلَ آخرِه حرفُ مدٍّ - للمجهول، يُقلَب حرفُ المدِّ ألفا، فتقول في يقولُ ويبيعُ "يُقالُ ويُباعُ"، وفي يستطيعُ ويَستتيبُ يُستطاعُ ويُستتابُ".
(الصحيح والمعتل)
ينقسم الفعلُ - باعتبار قوةِ أحرفه وضَعفها - إلى قسمينِ صحيحٍ، ومُعتلٍّ.
فالصحيح ما كانت أحرُفه الأصلية أحرفاً صحيحة مثل "كتبَ وكاتبَ".
وهو ثلاثة أقسامٍ سالِمٌ، ومهموزٌ، ومُضاعَفٌ.
فالسالم ما لم يكن أحدُ أحرفهِ الأصليّةِ حرفَ علّة. ولا همزة، ولا مضعَّفاً، مثل "كتب وذهب وعلمَ".
стр. 46
والمهموز ما كان أحدُ أحرفِه الأصليةِ همزة.
وهو ثلاثة أقسامٍ مهموزُ الفاء كأخذ، ومهموزُ العين كسألَ، ومهموزَ اللام كقرَأ.
والمضاعفُ ما كان أحدُ أحرفِه الأصليةِ مُكرّراً لغيرِ زيادة.
وهو قسمان مضاعَفٌ ثُلاثيٌّ كمدَّ ومَرَّ، ومضاعَفٌ رُباعيّ كزَلزَلَ ودمدمَ.
فإن كان المكرَّرُ زائداً - كعظَّمَ وشَذَّبَ واشتدَّ وادهامَّ واعشوشبَ - فلا يكون الفعل مضاعفاً.
والفعلُ المعتلُّ ما كان أحد أحرفهِ الأصليَّة حرفَ عِلَّة، مثل "وَعَدَ وقالَ ورَمى".
وهو أربعةُ أقسام مثالٌ، وأجوفٌ، وناقصٌ، وَلفيفٌ.
فالمثال ما كانت فاؤُهُ حرفَ علَّة كوَعَدَ ووَرِثَ.
والأجوفُ ما كانت عينُه حرفَ علة كقالَ وباع.
والناقصُ ما كانت لامُه حرف علة كرَضِيَ ورمى.
واللَّفيفُ ما كان فيه حرفانِ من أحرف العلة أصليَّان، نحو "طَوى ووَفى".
وهو قسمانِ لفيفٌ مقرونٌ، ولفيفٌ مفروق.
فاللَّفيف المقرون ما كان حَرفا العلةِ فيه مُجتمعينِ، نحو "طوى ونوى".
واللفيفُ المفروقُ ما كان حرفا العلةِ فيه مُفترقينِ، نحو "وَفى
стр. 47
ووَقى".
ويُعرَفُ الصحيحُ والمعتلُّ من الأفعالِ - في المضارع والمزيدِ فيه - بالرُّجوع إلى الماضي المجرَّد.
(المجرد والمزيد فيه)
الفعلُ - بِحسَبِ الأصلِ - إما ثلاثيّ الأحرفِ، وهو ما كانت أحرفهُ الأصلية ثلاثةً. ولا عِبرةَ بالزائد، مثل حَسُنَ وأَحسَّنَ، وهَدى واستهدى".
وإما رُباعيَّها وهو ما كانت أَحرفهُ الأصليه أربعةً ولا عبرةَ بالزائد، مثل "دحرَجَ وَتدَحرجَ وَقشعرَ واقشعرَّ".
وكلٌّ منهما إما مجرَّدٌ وإما مزيدٌ فيه.
فالمجردُ ما كانت أحرفُ ماضيه كلُّها أصلية (أي، لا زائدَ فيها) ، مثل "ذهبَ ودحرجَ".
والمزيدُ فيه ما كان بعضُ أحرفِ ماضيهِ زائِداً على الأصل، مثل "أذهبَ وَتدحرجَ".
وحروفُ الزيادة عشَرَةٌ يجمعها قولك "سألتُمونيها".
ولا يُزادُ من غيرها إلاَّ كان الزائدُ من جنس أحرف الكلمة كعَظَّمَ واحمَرَّ.
وأقلُّ ما يكونُ عليه الفعلُ المجرَّدُ ثلاثة أحرف. واكثر ما يكون عليه أربعة أحرف. وأكثر ما ينتهي بالزيادة إلى ستَّة أحرف.
والفعل المجرَّد قسمانِ
مجرَّدٌ ثلاثيّ، وهو ما كانت أحرف ماضيه ثلاثةً فقطْ من غير زيادةٍ
стр. 48
عليها، مثل "ذهبَ وقرأ وكتبَ".
مجرَّدٌ رباعيٌّ، وهو، ما كانت أحرفُ ماضيه أربعةً أصلية فقطْ، لا زائدَ عليها مثل "دحرجَ ووسوسَ وزلزلَ".
والمَزيدُ فيه قسمان أيضاً
مزيدٌ فيه على الثُّلاثي، وهو ما زيدَ على أحرف ماضيه الثلاثة حرفٌ واحدٌ، مثل "أكرمَ"، أو حرفانِ، مثل "انطلقَ"، أو ثلاثة أحرفٍ مثل "استغفرَ".
ومَزيدٌ فيه على الرُّباعي، وهو ما زيدَ فيه على أحرف ماضيه الأربعة الأصليةِ حرفٌ واحدٌ نحو "تَزلزلَ"، او حرفان، نحو "احرنجمَ".
(الجامد والمتصرف)
الفعلُ - من حيث أداؤُهُ معنىً لا يتعلَّقُ بزمان، أو يَتعلقُ به - قسمان جامدٌ ومُتصرفٌ.
(لأنه، ان تعلق بزمان؛ كان ذلك داعياً الى اختلاف صوره، لافادة حدوثه في زمان مخصوص. وإن لم يتعلق بزمان، كان هذا موجباً لجموده على صورة واحدة) .
الفعل الجامد
الفعلُ الجامد هو ما أشبهَ الحرفَ، من حيث أداؤه معنًى مُجرَّداً عن الزمان والحدَثِ المُعتبرينِ في الأفعال، فلزِمَ مِثله طريقةٍ واحدةٌ في التعبير، فهو لا يَقبَلُ التحوُّلَ من صورةٍ إلى صورة، بل يلزَمُ صورةً واحدةً لا يُزايِلُها
стр. 49
وذلك مثل "ليسَ وعَسى وهَبَّ ونِعمَ وبِئسَ".
(فالفعل الجامد - كما علمت - لا يتعلق بالزمان، وليس مراداً به الحدث. فخرج بذلك عن الأصل في الأفعال من الدلالة على الحدث والزمان، فأشبه الحرف من هذه الجهة، فكان مثله في جموده ولزومه صيغة واحدة في التعبير. وإذا كان مجرداً عن معنى الحدث والزمان لم يحتج الى التصرف، لان معناه لا يختلف باختلاف الازمنمة الداعي الى تصريف الفعل على صور مختلفة، لأداء المعاني فى أزمنتها المختلفة، فمعنى الترجّي المفهوم من (عسى) ومعنى الذم المفهوم من (بئس) ومعنَى المدح المفهوم من (نعم) ، ومعنى التعجب المفهوم من (ما أشعر زهيراً) ، لا يختلف باختلاف الزمان, لان الحدوث فيها غير مراد ليصح وقوعه في أزمنة مختلفة تدعو إلى تصرفه على حسبها.
فشبه الفعل بالحرف يمنعه التصرف ويلزمه الجمود، كما أن شبه الاسم بالحرف يمنعه أن يتأثر ظاهراً بالعوامل، فلزم آخره طريقة واحدة لا ينفك عنها، إن اختلفت العوامل الداعية إلى تغير الآخر. فالجمود في الفعل كالبناء في الإسم، كلاهما مسبب عن الشبه بالحرف) .
وهو، إما ان يُلازمَ صيغةَ الماضي، مثل "عسى وليسَ ونِعْمَ وبِئس وتبارك اللهُ" (أي تقدَّسَ وتنزَّهَ) ، أو صيغةَ المضارع، مثل "يَهبطُ" (بمعنى يصيحُ ويَضِجُّ) ، أو صيغةَ الأمر، مثل "هَبْ وهاتِ وتعالَ"،
стр. 50
ومثل "هلُمَّ" في لغة تَمِيمٍ.
(هلم - في لغة تميم - فعل أمر، لأنه عندهم يقبل علامته، فتلحقه الضمائر، نحو "هلمي وهلما وهلموا وهلمين". أما في لغة الحجاز فهي اسم فعل أمر لأنها تكون عندهم بلفظ واحد للجميع، فلا تلحقها الضمائر، فتقول "هلم" بلفظ واحد للواحد والواحدة والاثنين والاثنتين والجمع المذكر والمؤنث. وبها نزل القرآن الكريم، قال تعالى "هلم شركاءكم") .
ومن الأفعال الجامدة "قَلَّ" - بصيغة الماضي - للنفي المَحضِ، فترفعُ الفاعلَ مَتلُوًّا بصفةٍ مُطابقةٍ له نحو "قَلَّ رجلٌ يفعلُ ذلك، وَقلَّ رجلانِ يفعلانِ ذلك"، بمعنى "ما رجلٌ يفعلُ ذلك".
(ذكر ذلك السيوطي في "همع الهوامع" غير أن الكثير في استعمالها للنفي إذا كانت ملحقة بما الزائدة الكافة كمنا سيأتي) .
قال سِيبويه "كما في القاموس وشرحهِ"، يقال "قُلُّ رجلٍ (بِضمِّ القاف) وأَقلُّ رجلٍ يقول ذلك إِلاَّ زيدٌ"، أي ما رجلٌ يقوله إِلا هو.
(ومما حينئذ اسمان مرفوعان بالابتداء، ولا خبر لهما، لمضارعتهما حرف النفي. والجملة بعدهما في محل جر صفة للمجرور بالاضافة لهما) .
وإذا لحِقته (ما) الزائدةُ كفَّتهُ عن العمل، فلا يَليه حينئذ إلا فعلٌ. ولا فاعلَ له، لجريانهِ مجرى حرف النفي، نحو "قلَّما فعلتُ هذا، وقَلما
стр. 51
أفعلهُ"، أي ما فعلت، ولا أفعل، ومنه قول الشاعر [من الخفيف]
قَلَّما يَبْرَح اللَّبيبُ، إِلى ما ... يُورِثُ المجدَ، داعياً أو مُجيبا
أي لا يزالُ اللبيب داعياً. وقد يليه الاسم في ضرورة الشعر، كقوله [من الطويل]
صدَدْتِ، فأطوَلتِ الصُّدودَ، وقَلَّما ... وِصالٌ على طُول الصُّدود يَدُومُ
(وقد يراد بقولك "قلما أفعل" اثبات الفعل القليل (كما في الكليات لأبي البقاء) غير ان الكثير استعمالها للنفي الصرف) .
ومما يدل على أنها للنفي المحض أداؤها معنى (لا) النافية في البيت السابق "قلما يبرح اللبيب ... لأن (برح) وأخواتها لا تعمل عمل (كان) الناقصة إلا إذا تقدمها نفي أو شبهه، كما هو معروف. ومما يدل على ذلك أيضاً أنها إذا سبقت فاء السببية أو المعية نصب الفعل بعدهما، كقولك "قلّ رجل يهملُ فينجحَ، ومما يدل على ما ذكر صحة الاستثناء بعدهما كما يستثنى من المنفي نحو "قلما يفعل هذا إلا كريم" - كما تقول "لا يفعله إلا كريم". وهذا اللفظ كما في النهاية - مستعمل في نفي أصل الفعل، كقوله تعالى "قليلا ما يؤمنون". أي فهم لا يؤمنون. ومنه الحديث "إنه كان يقلّ اللغو" أي كان لا يلغو) .
ومثل "قلَّما" في عدم التَّصرُّفِ "طالما وكثُرَ ما، وقَصُرَ ما، وشَدَّ ما فإنَّ (ما) فيهنَّ زادة للتوكيد، كافةٌ لهنَّ عن العمل، فلا فاعلَ لهنَّ. ولا يَليهنّ إلا فعلٌ، فَهُنَّ كقلما.
(قال في لسان العرب "فارقت (طل وقلّ) بالتركيب الحادث فيهما
стр. 52
ما كانتا عليه من طلبهما الأسماء ألا ترى أن لو قلت طالما زيد عندنا، أو قلما محمد في الدار لم يجز. والتركيب يحدث في المركبين معنى لم يكن قبل فيهما" اهـ. وقال ابو علي الفارسي "طالما وقلما ونحوهما افعالٌ لا فاعل لها مضمراً ولا مظهراً، لان الكلام لما كان محمولا على النفي سوّغَ ذلك أن لا يحتاج إليه. و (ما) دخلت عوضاً عن الفاعل" اهـ. وقال بعض العلماء ان (ما) في مثل ذلك مصدرية فما بعدها في تأويل مصدر فاعل. فان قلت "طالما فعلت" كان التأويل "طال فعلي". ولو كان الأمر كما قال لوجب فصلها عن الفعل في الخط، لأنها لا توصل باسم ولا فعل ولا حرف إلا إذا كانت زائدة، إلا ما اصطلحوا عليه من وصلها ببعض حروف الجر. ولم نرهم كتبوها موصولة بهذه الافعال قطّ. فدل ذلك على ما ذكرناه. على ان قوله لا يخلوا من رائحة الصحة، لأن ما بعدها صالح للتأويل بالمصدر) .
ومن الأفعال الجامدة قولهم "سُقِط في يده" بمعنى "نَدِم، وَتحيَّرَ، وزلَّ، وأخطأ". وهو مُلازمٌ صورةَ الماضي المجهول، قال تعالى "ولَمَّا سُقِطَ في أيديهم". وقد يُقال "سَقَط في يده"، بالمعلوم.
(وهذا من باب الكناية لا الحقيقة. ويقال لكل من ندم أو تحير أو عجز أو حزن أو تحسر على فائت من فعل أو ترك "قد سقط فى يده". وهذا الكلام لم يسمع قبل القرآن الكريم، ولا عرفته العرب. كما في شرح القاموس نقلا عن هذا الباب) .
ومنها "هَدَّ" في قولهم "هذا رجُلٌ هَدَّكَ من رجل" أى كفاك من رجل. وقيل معناه أثقلَكَ وصفُ محاسنه. وقال الزمخشري في الأساس "هذا رجلٌ هَدَّكَ من رجلٍ". إذا وُصِفَ بِجَلدٍ وشدَّةٍ، أي "غَلبك وكسرك". وهو يُثنى ويُجمَعُ ويُذكّر ويُؤنث، إذا كان ما هو له كذلك،
стр. 53
تقول "هذا رجلٌ هدَّك من رجل. وهذه امرأةٌ هَدَّتكَ من امرأَة"، كما تقول "كفاك وكفَتْك" وقِسْ على ذلك أمثلةَ المثنى والجمع.
(ومن العرب من يُجريه مجرى المصدر الموصوف به، فيجعله مصدراً لهدّ يهد هدّاً. وإذا كان كذلك بقي بلفظ واحد للجميع. ويتبع ما قبله في اعرابه على أنه نعت له - تقول "هذا رجل هدّك من رجل" (بالرفع) ، و"مررت بأمرأة هدك من امرأة" (بالجر) و"أكرمت رجلين هدّك من رجلين" (بالنصب) . كما تقول "هذا رجل حسبك من رجل" (بالرفع) و"مررت بامرأة حسبك من امرأة" (بالجر) ؛ و"أكرمت رجلين حسبك من رجلين (بالنصب) .
ويُقالُ "لَهَدَّ الرجل"، للمدحِ، بمعنى "نِعْمَ"، وذلك إذا أُثنيَ عليهِ بجَلدٍ وشِدَّة. ويقال "لَهَدَّ الرجلُ! "، للتَّعجُّب، بمعنى "ما أجلَدَه! " وفي الحديث "إن أَبا لهَبٍ قال لَهَدَّ ما سَحَركم صاحبُكم! "، أراد التعجُّبَ. واللاَّم فيها للتأكيد.
(وفي (الفائق) للزمخشري عند شرح هذا الحديث إن معناه لنعم ما سحركم، وفي (النهاية) لابن الأثير إن معناه التعجب. قال"لهدّ" كلمة يتعجب بها يقال لهدّ الرجل! أي ما أجلده. ثم ذكر أنها تكون ايضاً بمعنى "نعمَ" وفي لسان العرب وتاج العروس نحو ذلك. وكونها هنا للتعجب أقرب إلى واقعة الحال، لأن أبا لهب (تبت يداه) إنما يتعجب من مصيرهم وجلدهم على تصديقهم النبي ﷺ في كل ما جاءهم به، حتى زعم أنه قد سحرهم، فكأنه قال ما أصبركم وما أجلدكم على سحر صاحبكم إِياكم) .
ومن الأفعال الجامدة "كذَبَ"، التي تُستعمَلُ للاغراءِ بالشيء والحث عليه، ويرادُ بها الأمر به ولزومهُ وإِتيانُهُ، لا الإخبارُ عنه. ومنه قولهم
стр. 54
"كذَبك الأمرُ، وكذَبَ عليك". يُريدونَ الإغراءَ به والحملَ على إتيانه، أي عليكَ به فالزَمهُ وائتهِ، وقولهم "كذبَك الصَّيدُ أي أَمنك فارْمِه. وأصلُ المعنى كذبَ فيما أَراكَ وخدَعكَ ولم يَصدُقك، فلا تُصدِّقه فيما أَراك، بل عليك به والزَمه وائته. قال ابن السّكَّيت "تقول للرجل إذا أَمرتهُ بشيءٍ وأَغريتهُ. كذَبَ عليك كذا وكذا، أي "عليك به، وهي كلمةٌ نادرة"اهـ.
ثم جرى هذا الكلامُ مَجرى الأمر بالشيء والإغراء به والحثِّ عليه والحضِّ على لزومه وإِتيانه، من غير التفاتٍ إلى أصل المعنى، لأنه جرى مَجرى المثل، والأمثالُ لا يُلاحَظُ فيها أصلُ معناها وما قيلتْ بسَببه، وإنما يُلاحظُ فيها المعنى المجازيُّ الذي نُقِلت إليه وأشرِبتهُ.
(وهذا الكلام، إما من قولهم "كذبته عينه"، أي أرته ما لا حقيقة له. كما قال الأخطل [من الكامل]
كذَبَتْكَ عَيْنُكَ؟ أَم رأَيتَ بِواسطٍ ... غَلَسَ الظلاَمِ من الرَّبابِ خيالاً
(وإما من قولهم "كذَب نفسه، وكذبته نفسه". إذا غرّها أو غرته، وحدثها او حدثته بالأماني البعيدة والأمور التي يبلغها وسعه ومقدرته. ومنه قيل النفس "الكذوب"، وجمعها "كُذُب" - بضمتين - قال الشاعر "حتى إِذا صدقته كُذبه"، أي نفوسه، جعل له نفوساً لتفرّق رأيه وتشتته وانتشاره. وقالوا ضد ذلك "صدقته نفسه" أي ثبطته واضعفت عزيمته كما قال الشاعر [من المتقارب]
стр. 55
فأقبَلَ يجري على قَدرِهِ ... فَلَما دَنا صَدَقتْهُ الكَذُوبُ
أي فلما دنا من الامر الذى وطد عزيمته عليه ثبطته نفسه وكسرت من همته وقال لبيد [من الرمل]
واكْذِب النَّفْسَ، إِذا حَدَّثْتَها ... إِنّ صدْقَ النَّفْسِ يُزْري بالأَمَلْ
(والمعنى نشطها وقوِّها ومَتّنْها، ولا تثبطها، فانك، إن صدقتها، (أي ثبطتها وفترتها) كان ذلك داعياً إلى عجزها وكلالها وفتورها، خشية التعب في سبيل ما أنت تريده) .
ومن ذلك حديثُ "فمنِ احتجمَ، فيومُ الخميس والأحدِ كذَباك، أي عليك بهذين اليومين، فاحتجمْ فيهما.
ومنه قولُ أعرابيّ، وقد نظرَ إلى جمل نِضْو كذبَ عليك البزْرُ والنَّوى، وفي رواية "القَتُّ والنَّوى"، أي عليك بهما والزَمهما فإنهما يُسمّنانِكَ. وفي حديث عُمَرَ "شَكا إليه عَمْرو بنُ مَعد يكرِبَ، أوغيرهُ، النّقْرِسَ فقال "كذَب عليك الظهائرُ"، أي عليك بالمشي فيها. وفي روايةٍ "كذَب عليك الظواهرُ". وفي جديثٍ له آخر إنَّ عَمْروَ بنَ مَعد يِكرِب شكا إليه المَعَص، فقال "كذَبَ عليك العَسَلُ"،
стр. 56
يُريدُ العَسلانَ، (وهو مشى الذِّئبِ) أي عليك بِسُرْعة المشي. وفي حديثٍ له غيرِه أنهُ قال كذَب عَليكمُ الحَجُّ، كذب عليكم العُمْرةُ، كذب عليكُم الجِهادُ، ثلاثةُ أسفارٍ كذبْن عليكم" أي الزمُوا ذلك وعليكم به.
(وهذا كلام يراد به الاغراءُ بالشيء والحث عليه ولزومه، كما قدمناه، وهو خبر في معنى الأمر، كما في قولك "﵀" أي اللهم ارحمه، ونحو "امكنتك الفرصة، وأمكنك الصيد، يريد الاغراءُ بهما والأمر باتيهانهما. والمعنى عليكم بالحج والعمرة والجهاد، فأتوهن، فانهن واجبات عليكم. قال الزمخشري في (الفائق) (إنها كلمة جرت مجرى المثل في كلامهم. ولذلك لم تنصرف، ولزمت طريقة واحدة في كونها فعلا ماضياً معلقاً بالمخاطب ليس إلا. وهي في معنى الأمر، كقولهم في الدعاء رحمك الله، والمراد بالكذب الترغيب والبعث، من قول العرب كذبته نفسه إذا منته الأماني، وخيلت من الآمال ما لا يكاد يكون. وذلك ما يرغب الرجل في الأمور، ويبعثه على التعرض لها. ومن ثمة قالوا للنفس "كذوب" اهـ. وقال (الاعلم) العرب تقول "كذبك التمر واللبن"، أي عليك بهما. وأصل الكذب الامكان. وقولك للرجل "كذبتَ" أي امكنت من نفسك وضعفت فلهذا اتسع فأغريَ به، لأنه متى أغريَ بشيء فقد جعل المغرى به ممكناً مستطاعاً إن رامه المغري"اهـ. وقال الجوهري "كذب" معناه هنا وجب.
وقد ذكرنا لك من قبل ما فيه الكفاية في الكشف عن حقيقة هذا الكلام. فاعتصم به فانه يقول هو القول. فلا غاية وراءَه والله اعلم) .
ومن الأفعال الجامدة فِعلا التَّعجُّبِ وأفعالُ المدْحِ والذَّمّ وسيأتي الكلام عليها
стр. 57
الفعل المتصرف
الفعلُ المتصرِّف هو ما لم يُشبِه الحرفَ في الجُمود، أي في لُزومه طريقةً واحدةً في التعبير لانه يدُلُّ على حَدث مقترن بزمان، فهو يَقبَل التحوُّلَ من صورة إلى صورة لأداءِ المعاني في أزمنتها المختلفة. وهو قسمان
تامُّ التصرُّف وهو ما يأتي منه الأفعال الثلاثةُ باطِرادٍ، مثل
"كتبَ ويكتُبُ واكتُبْ". وهو كلُّ الأفعال، إِلا قليلا منها.
ونَاقصُ التَّصرُّفِ وهو ما يأتي منه فعلانِ فقط. إما الماضي والمضارع، مثل "كادَ يَكادُ، وأوشكَ يُوشكُ، وما زالَ وما يزالُ، وما انفكَّ وما ينفكُّ، وما بَرِحَ وما يَبرحُ". وكلُّها من الأفعال الناقصة. وإما المضارع والأمر، نحو "يَدَعُ ودَعْ ويَذَرُ وذَرْ".
(وقد سمع سماعاً نادراً الماضي من "يَدَعُ ويذَرُ"، فقالوا (ودَع ووَذر) ، بوزن (وضع) ، إلا ان ذلك شاذ في الاستعمال، لأن العرب كلهم، إلا قليلا منهم، فقد اميت هذا الماضي من لغاتهم. وليس المعنى انهم لم يتكلَّما به البتة، بل قد تكلموا به دهراً طويلا، ثم أماتوه باهمالهم استعماله فلما جمع العلماء ما وصل إليهم من لغات العرب وجدوه مماتاً، إلا ما سمع منه سماعاً نادراً. ومن هذا النادر حديث "دَعوا الحبشة وما وَدَعوكم". وقرئ شذوذاً ﴿ما ودّعك ربك وما قلى﴾ ، بتخفيف الدال. وسمع المصدر، من (يدعُ) كحديث "لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات"، أي عن تركهم إياها، وسمع منها اسم الفاعل واسم المفعول في أبيات الشعر وكل ذلك نادر في الاستعمال.
وذكر السيوطي في (همع الهوامع) . أن (ذر ودع) يُعدان في الجوامد، إذ لم يستعمل منهما إلا الأمر. وهذا غفلة منه ﵀ فإن
стр. 58
(يدع) مضارع (دع) مستعمل كثيراً. وأما المضارع من (ذر) فقد جاء مستفيضاً في أفصح الكلام وأشرفه وقد أحصيت ما ورد منه في القرآن الكريم، فكان عشرين ونيفاً) .
(فعلا التعجب)
التَّعجُّبُ هو استعظامُ فعلِ فاعلٍ ظاهر المزية.
ويكونُ بالفاظٍ كثيرةٍ، كقوله تعالى ﴿كيفَ تكفرون بالله! وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾ ، وكحديث "سُبحانَ اللهِ! المؤمن لا يَنجَسُ حيًّا ولا ميْتاً"، ونحو "للهِ دَرُّهُ فارساً! ولله أنت! " ونحو "يا لك من رجل! وحَسبُكَ بخالدٍ رجلاً ونحو ذلك.
وكلُّ ذلك إنما يُفهمُ من قرينة الكلام، لا بأصل الوضع. والذي يُفهم التعجُّبَ بصيغته الموضوعةِ للتعجب، إنما هو "فعلا التعجب".
وهُما صيغتانِ للتعجب من الشيءِ ويكونان على وزن "ما أفعل" و"أفعِلْ بِ" نحو "ما أحسنَ العِلم! وأقبِحْ بالجهل! ".
وتُسمى الصيغةُ الأولى (فعل التعجب الأوَّل) ، والصيغةُ الثانية (فعل التعجبِ الثانيّ) . وهما فعلان ماضيان. وقد جاءت الثانية منهما على صيغة الأمر، وليست بفعل أمرٍ.
ومَدلولُ كلا الفعلين واحدٌ، وهو إنشاءُ التعجُّب.
شروط صوغهما
فعلا التعجُّب، كاسم التفضيل، لا يُصاغان إلا من فعلٍ ثلاثي الأحرف، مُثبتٍ، متصرّفٍ، معلومٍ، تامٍّ، قابلٍ للتفضيل، لا تأتي الصفة المُشبَّهةُ منه على وزن "أفعلُ".
стр. 59
فلا يُبنيان مما لا فعل له. كالصخر والحمار ونحوهما. وشذّ قولهم. "ما أرجله! " فقد بنوه من الرجولية ولا فعلَ لها، ولا من غير الثلاثي المجرد. وشذّ قولهم، ما اعطاه للدراهم، وما أولاه للمعروف! "، بنوهما من "أعطى وأولى" وهما رباعيا الأحرف. وقولهم "ما اتقاه! وما املاء القربة! وما اخصره! " بنوها من (اتقى وامتلاء واختُصر) ، وهي خماسية الأحرف، وفي اختصر (بالبناء للمجهول) شذوذ وهو انه فعل مجهول. وكذلك لا يبنيان من فعل منفي، خشية التباس النفي بالاثبات، ولا من فعل مجهول، خشية التباس الفاعلية بالمفعولية. لأنك ان بنيته من (نُصر) المجهول، فقلت (ما انصره!) التمس الأمر على السامع، فلا يدري أتتعجب من نصره أم من منصوريته. فان أمن اللبس بأن كان الفعل مما لا يرد إلا مجهولا، نحو (زُهِي علينا، وعُنيت بالأمر) جاز التعجب به على الأصح، فتقول (ما أزهاه علينا وما أعناه بالأمر!) ولا يبنيان من فعل ناقص. ككان وأخواتها، وكاد واخواتها. وأما قولهم "ما أصبح أبرَدَها! وما أمسى أدفأها! " ففعل التعجب إنما هو أبرد وادفأ" وأصبح وأمسى زائدتان، كما تزاد (كان) بين (ما) وفعل التعجب، كما سيأتي. غير أن زيادتهما نادرة، وزيادتها كثيرة، ولا يبنيان مما لا يقبل المفاضلة. كمات وفني، إلا أن يراد بمات معنى البلادة، فيجوز نحو "ما أمْوت قلبه! ". ولا مما تأتي الصفة المشبهة منه على وزن (أفعلَ) كأحمرَ واعرجَ واكْحل واشيب وشذ قولهم (ما اهوجه، وما احمقه وما ارعنه! لأن الصفة منها هي اهوج واحمق وارعن) .
وإذا أردتَ صوْغَ فِعلي التعجب مما لم يستوف الشروط، أتيت بمصدره منصوبا بعد "أشدّ" أو "أكثر" ونحوهما، ومجروراً بالباءِ الزائدة بعد
стр. 60
"أشدِدْ" أو "أكثرْ" ونحوهما، تقول "ما أشدَّ إيمانهُ، أَو ابتهاجَهُ، أَو سوادَ عينيه! "، وتقول "أَبْلِغ بعورِه، أَو كحلهِ، أَو اجتهاده! ".
صيغة (ما افعله!)
يَلي صيغةَ "ما أفعلَ" في التعجُّبِ المُتعجَّبُ منه منصوباً على المفعولية لأفعل.
والهمزةُ في "ما أفعلَ" للتَّعدية. فمعنى قولك "ما أجملَ الفضيلةَ" شيءٌ جعلها جميلةً، كما تقولُ "أمرٌ أقعدَهُ واقامه! "، تريدُ أنَّ قُعودَه وقيامَهُ لم يكونا إلاّ لأمرٍ. ثمَّ حُملَ الكلامُ على معنى التعجب، فجرى مَجرى المَثل، فلزِمَ طريقاً واحدةً في التعبير. و (ما) اسمٌ نكرةٌ تامةٌ بمعنى "شيءٌ"، وقيلَ هي (ما) الاستفهاميةُ خرجت عن معناها إلى معنى التعجب.
(وعلى كل فهي في موضع رفع على الابتداء. وجاز الابتداء بها مع أنها نكرة، لتضمنها معنى التعجب. والفعل بعدها فعل ماض للتعجب، وفاعله ضمير مستتر وجوباً يعود اليها. والمنصوب مفعوله. والجملة في محل رفع المبتدأ الذي هو (ما) .
و (ما) النكرة التامة، هي التي تكون مكتفية بنفسها، فلا تحتاج أي صلة او صفة، نحو "أَكرم رجلا ما". ومنه المثل "لأمر ما جدع قصير انفه". ومنها (ما) قبل فعل التعجب.
فان احتاجت (ما) إلى جملة توصل بها فهي، معرفة موصولة. نحو "افعل ما تراه خيراً" وان احتاجت إلى ما توصف به من مفرد او جملة، فهي نكرة موصوفة، نحو "اعمل ما نافعاً للأمة" اي شيئاً نافعاً لها، ونحو "اعمل ما من الأمور ينفع"، اي "شيئاً من الأمور نافعاً"، فجملة
стр. 61
(ينفع) في موضع نصب نعت لما.
وسيأتي القول على الموصولية والموصوفية مبسوطاً في الكلام على الاسماء الموصولة واسماء الاستفهام) .
وتُزادُ (كان) كثيراً بين (ما) . وفعلِ التعجب، نحو "ما (كان) أعدَلَ "عمَرَ! " ومنهُ قولُ الشاعر [من الكامل]
ما (كانَ) أَسْعَدَ مَنْ أَجابكَ آخِذاً ... بِهُداكَ، مُجْتَنِباً هَوىً وعِنادا
وقل الآخر [من الكامل]
حَجَبَتْ تَحِيَّتَها، فقلتُ لصاحبي ... ما كانَ أَكثرها لنا وأَقَلّها!
(فكان تامة رافعة ما بعدها على الفاعلية و (ما) مصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر منصوب على انه مفعول به لفعل التعجب والمصدر المؤول هو المتعجب منه فإنه اردت الإستقبال قلت "ما احسن ما يكون البدر ليلة الغد".
صيغة (افعل به!)
كما يَلي المُتعجَّبُ منهُ صيغةَ "ما أفعَلَ"، منصوباً على المفعولية، يلي صيغة "أفعِلْ" المُتعجَّبُ منه، مجروراً بباءٍ زائدةٍ لفظاً، مرفوعا على الفاعلية مَحلاًّ.
ويبقى الفعل بلفظٍ واحد للجميع، تقول "يا رجلُ أكرمْ بسعادَ! ويا رجلان ويا امرأتان أكرمْ بها! ويا رجالُ أكرمْ بها ويا نساء أكرِم بها! ".
فقولُك "أقبحْ بالجهل" أصله أقبحَ الجهلُ" أي صار ذا قُبحٍ.
стр. 62
فالهمزةُ للصَّيرورة، كما قالوا أغدَّ البعير"، أي صار ذا غُدَّةٍ. ثم أُخرِجَ عن لفظ الخبر إلى لفظ الأمر، لإفادة التعجُّب، كما أُخرِجَ الأمر بمعنى الدعاءِ عن لفظه إلى لفظ الخبر في قولهم "﵀، ويرحمك الله".
والباء هنا زائدة في الفاعل، كما في "كفى بالله شهيداً". وذلك أنه لما غُيِّرتْ صورة الماضي إلى الأمر، لارادة التعجب، قَبُحَ إسنادُ صيغة الأمر إلى الإسم الظاهر إسناداً صريحاً، فزيدت الباءُ في "أكرمْ" زيادةً مُلتزمة، ليكون على صورة المفعول به المجرور بحرف الجر الزائد لفظاً، كما في قوله تعالى "ولا تُلقوا بأيدكم إلى التَّهلكة" وزيادتُها هنا بخلافها في فاعل "كفى" فهي غيرُ مُلتزمةٍ فيه، فيجوز حذفها، كما قال الشاعر [من الطويل]
عُمَيْرَةً ودِّعْ، إِنْ تَجَهَّزْتَ عاديا ... كفى الشَّيْبُ والإِسلامُ لِلمَرْءِ ناهيا
(وأما اعراب "اقبح بالجهل، فأقبح فعل ماض، جاء على صيغة الأمر، لإنشاء التعجب. وهو مبني على فتح مقدر على آخره منع من ظهوره السكون الذي اقتضته صيغة الأمر، والباء حرف جر زائد، والجاهل فاعل (أقبح) وهو مجرور لفظاً بالباء الزائدة، مرفوع محلا لأنه فاعل.
وقال الزمخشري في (المفصل) في قولهم "اكرم بزيد" "إِنه أمر لكل احد بأن يجعل زيداً كريماً"، اي بأن يصفه بالكرم والباء مزيدة - مثلها في قوله تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ للتأكيد والاختصاص او هو أمر بأن يصيره ذا كرم والباء للتعدية هذا اصله ثم جرى مجرى المثل فلم يغير عن لفظ الواحد في قولك يا رجلان اكرم بزيد ويا رجال اكرم بزيد) أهـ.
فعلى هذا فمجرور الباء في موضع المفعول به لأنه في موضع الفاعل
стр. 63
ويكون فاعل (اكرم) مستتراً تقديره انت مثله في كل امر للواحد وما هذا ببعيد وهو قول جماعة من العلماء غير الزمخشري كالفراء والزجاج وابن كيسان وابن خروف.
(وثمرة الخلاف بين جعله امرا صورة ماضياً حقيقة وجعله امراً صورة وحقيقة انه لو اضطرّ شاعر الى حذف هذه الباء الداخلة على المتوجب منه لزمه ان ينصب ما بعدها على رأي الفراء ومن تابعه لأنه مفعول به وان يرفعه على رأي الجمهور لانه فاعل) .
ولا يجوزُ حذفُ الباءِ الداخلة على المُتعجَّب منه في نحو قولك أجملْ بالفضيلة! "، وإن كانت زائدةً، لأنّ زيادتها مُلتزِمةٌ، كما قدَّمنا، إلا ان تكون قبل "أنْ وأنَّ"، فيجوز حذفُها، لاطِّراد حذف حرف الجرِّ قبلهما، كقول الشاعر [من الطويل]
وقال نَبيُّ المُسْلمين تَقَدَّموا ... وأَحبِبْ إِلينا أَن يكون المُقَدَما
أي أحببْ إلينا بأن يكون المُقدَّم.
احكام فعلي التعجب
(١) لا يكون المُتعجَّبُ منه (منصوباً كان، أو مجروراً بالباءِ الزائدة) إلا معرفةً أو نكِرةً مُختصَّة، لتحصُل الفائدةُ المطلوبة، وهي التعجب من حال شخصٍ مخصوص فلا يُقالُ "ما أحسنَ رجلاً! "، ولا أحسنْ بقائمٍ"، لعدم الفائدة. فإن قلت "ما أحن رجلاً يفعلُ الخير! " و"أحسنْ بقائمٍ بالواجب! " جاز، لحصول الفائدة.
(٢) يجوز حذفُ المُتعجَّب منه - وهو المنصوب بعد "ما أفعلَ". والمجرورُ بالباءِ بعد "أفعلْ" - إن كان الكلام واضحاً بدونه، فالأول كقوله [من الطويل]
стр. 64
جزى الله عني، والجزاءُ بفضله، ... بِيعةَ خَيراً، ما أَعفَّ وأَكْرما
أي "ما أعفَّهم! وما أكرمهم! " والثاني كقوله تعالى "أسْمِعْ بهم! وأبصِرْ بِهمْ!، وقول الشاعر [من الوافر]
أعزِزْ بنا وأَكْفِ! إن دُعِينا ... يوماً إِلى نُصْرةِ مَنْ يَلِينا
أي وأكفِ بنا! والمعنى ما أعزَّنا! وما أكفانا لهذاالأمر!.
ويُشترَطُ في حذفه بعد "أفعِلْ" أن يكون معطوفاً على أفعِلْ آخرَ مذكورٍ معه مِثلُ ذلك المحذوف، كما رأيتَ في الآية الكريمة والبيت. ولا يجوز حذفه إن لم يكن كذلك. وشذَّ قول الشاعر [من الطويل]
فَذَلك، إِن يَلْقَ الْمَنِيَّةَ يَلْقَها ... حَمِيداً، وإِنْ يَسْتَغْنِ يوماً فَأَجْدِر
أي فأجدِرْ به أَن يستغنيَ!
(٣) إذا بُنيَ "فِعْلا التعجب" من مُعتل العين، وجب تصحيح عينهما، فلا يجوز إعلالها، نحو ما أطوَلهُ! وأطوِلْ به! ".
وكذلك يجبُ فَكُّ الإدغام في "أَفعِلْ"، نحو أَعزِزْ علينا بأن تفارقَنا! " و"أشدِدْ بسوادِ عينيه! ".
стр. 65
(٤) لا يُتصرَّفُ في الجملة التعجّبية بتقديمٍ ولا تأخيرٍ ولا فصل، إلا الفصلَ بين فعلِ التعجُّبِ والمتعجَّبِ منه بالظَّرف، أَو المجرور بحرف الجرّ (بشرط أَن يتعلقا بفعل التعجب) ، أَو النداء، فالفصل بها جائز. فالفصلُ بالظرف نحو أَن تقول "ما أَجملَ ليلةَ التَّمَ البدرَ! " ونحو قول الشاعر [من الطويل]
أُقيمُ بِدارِ الحَزْمِ، ما دامَ حَزْمُها ... وأَحرِ إِذا حالتْ، بأَن أَتحوَّلا
والفصلُ بالجارِّ والمجرور نحو "أَحسنْ بالرجلِ أَن يصدُقَ! وما أَقبح أَن يَكذِبَ! "، ومنه وأحببْ إلينا أن يكونَ المُقدِّما"، وقول الآخر [من الطويل]
خَلِيلَيَّ، ما أَحْرَى بِذِي اللبِّ أَن يُرى ... صَبوراً، ولكنْ لا سَبِيلَ إِلى الصَّبْر
وقولُ عَمْرِو بن مَعد يكرِب نَثْراً للهِ دَرُّ بني سُلَيم! ما أحسنَ في الهيجاء لِقاءَها! وأَكرمَ في اللَّزبات عَطاءها! وأثبت في المَكرمات بَقاءها! ".
والفصلُ بالنداءِ كقولِ أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب ﵇ "أعزِزْ عليَّ، أبا اليقطَانِ، أن أراك صريعاً مُجدَّلا! ".
(٥) إن تَعلَّق بِفعلَي التعجب مجرورٌ هو فاعلٌ في المعنى، جُر بإلى،
стр. 66
نحو "ما أحبَّ زُهيراً إلى أبيه! " ونحو "ما أبغضَ الخائنَ إليَّ". ولا يكونُ هذا إلا إذا دَلَّ فعلُ التعجب على حُبٍّ أو بُغضٍ، كما رأيتَ.
فإن كان في المعنى مفعولا، وكان فعلُ التعجب في الأصل مُتعدياً بنفسه، غير دالٍّ على عِلْمٍ أو جهلٍ، جُرَّ بالَّلام نحو "ما أحب زُهَيراً لأبيه! وما أبغضَني للخائن! وما أكسبَني للخير! ".
فإن دلَّ على علمٍ أو جهلٍ جرَرْتُ المفعول بالباءِ، نحو "ما أعرفني بالحقِّ! وما أجهلَهُ بالصدق! وما أبصَرك بمواقع الصواب! وما أعلمَهُ بطرُقِ السّداد! ".
وإن كان فعلُ التعجب في الأصل مُتعدِّياً بحرف جر، جرَرتَ مفعولهُ بما كان يَتعدّى به من حرفٍ، نحو "ما أغضبَني على الخائن! وما ارضاني عن الأمين! وما أمسكني بالصدق، وما أكثرَ إذعاني للحقّ".
(٦) وقد وَرَدَ تصغيرُ "ما أفعلُ" شُذوذاً، وهو فعلٌ لا يُصغّرُ، لأنَّ التصغير من خصائص الأسماءِ. غير أنه لما أشبهَ اسم التفضيل وزناً وأَصلا ودلالةً على المبالغة، سهلَ عليهم ذلك، كقوله [من البسيط]
يا ما أَمَيْلَحَ غِزْلاناً، شَدَنَّ، لنا ... مِنْ هؤُليّائِكُنَّ الضّالِ والسَّمُرِ
стр. 67
قالوا "ولم يُسْمعُ إلا في ما أملحَ، وما أحسن". غير أنه يجوز القياسُ على هذا الشُّذوذ، إِذا أريدَ به مع التعجب التَّحبُّبُ كما رأيتَ في البيت. وعليه يجوز أن تقول ما أحَيلاهُ! وما أُدَيناهُ إِلى قلبي! وما أَطَيرِف حديثهُ! وما أُظيرِفَ مجلسه! ".
(أفعال المدح والذم)
أفعال المدح هي "نعْمَ وحبّ وحبّذا".
وأفعالُ الذمِّ هي "بئس وساء ولا حبّذا".
وهي أفعالٌ لإنشاءِ المدح أو الذم فجُملها إنشائيةٌ غير طلبية، لا خبرية، ولا بُدَّ لها من مخصوصٍ بالمدح أو الذم.
(فإّا قلت "نعم الرجل خالد، وبئس الرجل فلان". فالمخصوص بالمدح هو (خالد) ، والمخصوص بالذم هو (زيد) .
وهي غير محتاجة إلى التصرف، للزومها اسلوباً واحداً في التعبير، لأنها تدل على الحدث المتطلب للزمان، حتى تحتاج إلى التصرف بحسب الازمنة. فمعنى المدح والذم لا يختلف باختلاف الزمان) .
حبذا وحب ولا حبذا
حَبَّذا وحَبَّ فعلان لإنشاءِ المدح.
فأما "حبَّذا" فهي مُركبةٌ من "حَبَّ" و"ذا" الإشارية، نحو "حبذا رجلاً خالدٌ".
(فحبّ فعل ماض، و"ذا" اسم اشارة فاعلة، ورجلا تمييز لذا
стр. 68
رافع ابهامه. وخالد مبتدأ مرفوع مؤخر، خبره جملة "حبذا" مقدمة عليه) .
ولا يتقدم عليها المخصوصُ بالمدح، ولا التّمييزُ فلا يُقالُ "خالدٌ حبّذا رجلا" ولا "رجلاً حبّذا خالدٌ".
أما تقديم التّمييز على المخصوص بالمدح فجائزٌ، كما رأيت، بل هو الأوَّل، ومنه قول الشاعر [من الطويل]
أَلا حَبَّذا قوماً سُلَيْمٌ، فإِنهم ... وفَوْا، وتَواصوْا بالإِعانةِ والصَّبْر
ويجوزُ أن يكون بعدهُ، كقول الآخر [من الخفيف]
حَبَّذا الصَّبْرُ شِيمَةً لامرىءٍ رامَ - ... مُباراةَ مُولَع بالْمَغاني
و (ذا) في "حبذا" تَلتزم الأفرادَ والتذكيرَ في جميع أحوالها، وإن كان المخصوصُ بخلاف ذلك. قال الشاعر [من البسيط]
يا حَبَّذا جَبَلُ الرَّيّانِ من جَبَلٍ ... وحَبَّذا ساكِنُ الرَّيّانِ، مَنْ كانا
وحَبَّذا نَفَحاتٌ من يَمانيَةٍ ... تأتِيكَ من قِبَلِ الرَّيّانِ أَحيانا
فذا مفردٌ مذكر، والمخصوصُ - وهو "النَّفَحات" - جمعٌ مؤنث، وقال الآخر [من الخفيف]
حبَّذا أَنتُما خَلِيلَيَّ إِنْ لم ... تعْذُلاني في دَمْعِيَ المُهراق
فالمخصوص هنا مثنى، و"ذا" مفرد. وقال غيره ألا حبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ، فذا مذكر. وهذا مؤنث.
стр. 69
وقد تدخلُ "لا" على "حبذا" فتكون مثلَ "بِئسَ" في إفادة الذَّمِ كقول الشاعر [من المتقارب]
أَلا حَبَّذا عاذري في الهَوى ... ولا حَبَّذا الجاهلُ العاذِل
وقل الآخر [من الطويل]
أَلا حَبَّذا أَهلُ الْمَلا، غيرَ أنَّهُ ... إِذا ذُكرَتْ هِنْدٌ، فلا حَبَّذا هِيا
ولا يجوز أن تدخلَ على مخصوص "حبَّذا" نواسخُ المبتدأ والخبر، وهي "كان وأخواتُها، وظنَّ وأخواتُها، وإنَّ وأخواتها"، فلا يقال "حبَّذا رجلاً كان خالدٌ" ولا "حبَّذا رجلاً ظننتُ سعيداً".
ويجوز حذفُ مخصوصها إن عُلمَ كأن تُسأل عن خالدٍ مثلا، فتقول "حبَّذا رجلاً" أي حبَّذا رجل هو، أي خالدٌ. ومنه قول الشاعر [من الطويل]
ألا حَبَّذا، لَوْلا الحَياءُ. ورُبَّما ... مَنَحْتُ الهَوى ما لَيْسَ بِالمتَقارِبِ
стр. 70
وأما "حبَّ" ففاعله هو المخصوص بالمدح، نحو "حبَّ زُهيرٌ رجلاً". وقد يُجرُّ بباءٍ زائدة، نحو حبَّ به عاملا، ومنه قول الشاعر
فَقُلْتُ اقتلوها عنكم بِمِزاجها ... وحَبَّ بها مقتولةً حينَ تُقْتَلُ
وأصلُه "حَبُبَ" بضم الباء، بمعنى صار محبوباً، ولذا يجوز أن يقالَ فيه "حُبَّ"، بضمِّ الحاءِ، بنقلِ حركةِ الباءِ إلى الحاءِ وهو كثيرٌ في الاستعمال.
نعم وبئس وساء
نعم فعلٌ لإنشاء المدح. وبِئس وساءَ فِعلان لإنشاءِ الذَّم.
(قال في المختار "نعم منقول من نعم فلان بفتح النون وكسر العين"؛ اذا اصاب النعمة. وبئس "منقول من بئس، بفتح الباء وكسر الهمزة" اذا اصاب بؤساً فنقلا الى المدح والذم - فشابها الحروف، "فلم يتصرفا" اهـ واما (ساء) فهول منقول من (ساء يسوء سواء) بفتح السين في المصدر) ذا قبح. تقول "ساء عمله، وساءت سيرته". ثم نقل إلى الذم، فلم تنصرف كما تنصرف (بئس)) .
وفي "نِعْمَ وبِئْسَ"، أربعُ لغاتٍ "نِعْمَ وبِئْس" بكسر فسكونٍ - وهي أَفصحهُنَّ، وهي لغةُ القرآن الكريم. ثمَّ "نِعِمَ وبِئسَ" - بكسر أوَّلهما وثانيهما -، غير أنَّ الغالبَ في "نِعِمَ" أن يجيء بعدهُ (ما) ، كقوله تعالى ﴿نِعمّا يَعِظُكم به﴾ . ثم "نَعْمَ وبأس بفتحٍ فسكونٍ - ثمَّ "نِعْمَ وبَئِسَ"، - بفتحٍ فكسرٍ - وهي الأصلُ فيهما.
ولا بُدَّ لهذه الأفعال من شيئين فاعل ومخصوصٍ بالمدح أو الَّم
стр. 71
نحو "نِعْمَ الرجلُ زُهَيرٌ". فالرجلُ هو الفاعلُ والمخصوصُ بالمدح هو زهيرٌ.
أحكام فاعل هذه الافعال
فاعلُ هذه الأفعالِ نوعانِ
الأوَّل اسمٌ ظاهرٌ مُعرَّفٌ بأل الجِنسيَّةِ، التي تُفيد الاستغراق (أي شُمولَ الجنس) حقيقةً، أو اسمٌ مُضافٌ إلى ما اقترنَ بها، أو مُضافٌ إلى اسمٍ أضيفَ إلى مُقترنٍ بها.
فالأولُ نحوُ "نِعْمَ التلميذُ زهيرٌ" و"بئسَ الشراب الخمرُ". والثاني، نحو ﴿وَلنِعْمَ دارُ المتَّقِينَ﴾ ، و ﴿بِئسَ مثوى المُتكبِّرينَ﴾ . والثالثُ، نحو "نِعمَ حكيمُ شُعراءِ الجاهليةِ زهيرٌ"، ومنه قول الشاعر [من الطويل]
فنِعْمَ ابنُ أُختِ الْقومِ، غَيرَ مُكذِّبٍ ... زُهَيْرٌ، حُسامٌ مُفْرَدٌ من حمائِلِ
(والحق أن (أل) ، التي تسبق فاعل هذه الأفعال، للجنس على سبيل الاستغراق حقيقة، كما قدّمنا. فهي مفيدة للاحاطة والشمول حقيقة لا مجازاً، فيكون الجنس كله ممدوحاً أو مذموماً، والمخصوص مندرج تحت الجنس، فيشمله المدح أو الذم. فاذا قلت "نعم الرجل زهير" فالمدح قد وقع أولا على جنس الرجل كله على سبيل الشمول حقيقة. ثم على سبل المخصوص بالمدح، وهو زهير، فيكون المخصوص قد مدح مرتين مرة مع غيره، لدخوله في عموم الجنس، لأنه فرد من افراد ذلك الجنس، ومرة
стр. 72
على سبيل التخصيص، لأنه قد خص بالذكر، ولذلك يسمى المخصوص.
والغرض من جعلها للاستغراق والشمول على سبيل الحقيقة هو المبالغة في اثبات المدح للمدوح "الذم للمذموم، بجعلك المدح والذم للجنس، الذي هو المخصوص فرد منه. ثم يأتي المخصوص مبيناً المدار من الاجمال في مدح الجنس على سبيل الحقيقة.
ولك أن تجعل (أل) هذه للاستغراق لا على سبيل الحقيقة. بل على سبيل المجاز. مدعياً أن هذا المخصوص هو جميع الجنس لجمعه ما تفرَّق في غيره من الكمالات أو النقائص فان قلت "نعم الرجل زهير"، فقد جعلت زهيراً هو جميع الجنس مبالغة، لاستغراقه جميع كمالاته، ولم تقصد من ذلك الا مدحه. ونظير ذلك أن تقول "أنت الرجل"، أي اجتمعت فيك كل صفات الرجال) .
وقد يقومُ الاسمُ الموصولُ، إذا اريدَ به الجنسُ لا العَهدُ مَقام المُعرَّف بألِّ الجنسيَّةِ، فيكون فاعلا لهذه الأفعال، كما تكون هي، نحو "نِعْم الذي يفعلُ الخيرَ زهيرٌ" و"بِئسَ من يخون أمتهُ فُلانٌ".
(فان الاسم الموصول، اذا لم يرد به المهد، بل اريد به العموم، أشبه المقترن بأل الجنسية فيصحُ أن تسند إليه هذه الأفعال، كما تسند إلى المقترن بأل الجنسية) .
الثاني أن يكون فاعلُها ضميراً مستتراً مُفَسّراً بنكرةٍ منصوبة على التَّمييز، واجبةِ التأخير عن الفعل والتقديمِ على الممدوح أو المذموْم، مطابقةٍ لهما إفراداً وتَثنيةً وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً. ويأتي بعد ذلك المخصوص بالمدح أو الذَّم مرفوعاً على الابتداء، والجملةُ قبلَه خبرُهُ، نحو "نِعْمَ رجلاً
стр. 73
زهيرٌ".
والتمييزُ هنا مُحَموَّلٌ عن فاعلٍ مُقترنٍ بِـ (ألْ) ، لذا يجوز تحويلُه إلى فاعلٍ مُقترنٍ بها، فتقول "نعم الرجلُ زهيرٌ".
وقد تكون النكرةُ كلمة (ما) - التي هي اسمٌ نكرة بمعنى "شيء" - فتكون فى موضع نصبٍ معلى التمييز، على ما اختارَهُ المُحققون من النُّحاة. وهو أقربُ الأقوال فيها. سَواءٌ أتُليتْ باسمٍ، نحو "نِعمَّا التَّقوى، ومنه قولُه تعالى ﴿إن تبدوا الصَّدقاتِ فَنعما هي﴾ ، أم تُليت بجملةٍ فعليَّةٍ، كقوله تعالى ﴿نِعِمًّا يَعظُكم به﴾ " أم لم تُتْلى بشيءٍ نحو "أكرمته إكراماً".
ومتى كان فاعلها ضميراً وجبَ فيه ثلاثةُ أشياء
الأول والثاني إفرادُه وأستتارُه، كما رأيت فلا يجوز إبرازُه في تثنيةٍ ولا جمع، استغناءً عنه بتثنية تمييزه أو جمعه، سواءٌ أتأخرَ المخصوصُ أم تقدَّم. فلا يقالُ "نِعما رجلين خالدٌ وسعيدٌ"، ولا "خالدٌ وسعيدٌ نِعما رجلين".
الثالث وجوبُ أن يُفسّرَهُ اسمٌ نكرةٌ يُذكرُ بعده منصوباً على التمييز كما قدَّمنا.
وإذا كان الفاعلُ مُؤنثاً جازَ أن تلحقَ الفعلَ تاءُ التأنيث، سواءٌ أكان مُظهَراً، نحو "نِعْمت المرأةُ فاطمةُ"، وجاز أن لا تلحقه هذه التاءُ استغناء عنها بتأنيث التمييز المُفسّر، ذَهاباً إلى أن هذه الأفعالَ لما أشبهت الحرفَ في
стр. 74
الجمود لزِمت طريقة واحدةً في التعبير، فتقول "نعمَ المرأةُ فاطمةُ، ونعمَ امرأةً فاطمةُ. ومنه قول الشاعر [من الرجز]
تَقولُ عِرسِي، وهي لي عَوَمَرهْ ... بِئس امرَأ، وإِنَّني بِئسَ المَرَهْ
وقول الآخر [من البسيط]
نِعْمَ الْفتاةُ فَتاةً هِنْدُ، لَوْ بَذَلتْ ... رَدَّ التَّحِيةِ نُطْقاً، أو بإِيماءِ
وكذا، إذا كان المخصوصُ مؤنثاً، يجوز تذكير الفعلِ وتأنيثُهُ، وإن كان الفاعلُ مُذكراً، فتقولُ "بِئْسَ أو بِئستِ الشَّرابُ الخمرُ" و"نِعمَ أو نِعمت الثْوابُ الجنّةُ، وعليه قول الشاعر [من الرجز]
نِعْمَتْ جزاءُ المُتَّقينَ الجنَّهْ ... دارُ الأَمانِ والمُنى والمِنَّهْ
احكام المخصوص بالمدح والذم
لا يجوز أن يكون المخصوصُ بالمدح أو الذَّم إلا معرفةً، كما رأيتَ في الأمثلة المتقدمة، أو نكرةً مُفيدةً، نحو "نِعمَ الرجلهُ رجلٌ يُحاسبُ نفسهُ". ولا يقاله "نِعْمَ العاملُ رجل"، لعدَم الفائدة.
وهذا المخصوصُ مرفوعٌ أبداً، إما على الابتداءِ، والجملةُ قبلَهُ خبرُهُ.
وإما على أنه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ وجوباً، لا يجوزُ ذكرُهُ، ويكونُ التقديرُ في قولك "نِعمَ الرجلُ زهيرٌ". "نِعمَ الرجلُ هو زهيرٌ".
(والكلام حينئذ يكون كأنه جواب لسائل سأل "من هو؟ " حين
стр. 75
قلت "نعم الرجل"، فقلت مجيباً "زهير"، اي هو زهير. ولا يجوز ذكر هذا المبتدأ، لأنه احد المواضع التي يجب بها حذفه. كما ستعلم في الجزء الثاني من هذا الكتاب) .
وقد يُحذفُ المخصوصُ، إِذا دلَّ عليه دليل، كقوله تعالى "نِعْمَ العبدُ، إنه أَوَّابٌ"، أي نعم العبد أيوبُ. وقد عُلم من ذكره قبلُ. وقوله سبحانه ﴿والأرض فرشاناها، فنعمَ الماهدون"، أي فنعم الماهدون نحنُ. ومنه قول الشاعر [من الرجز]
نِعْمَ الفَتى فَجعَتْ به إِخوانَهُ ... يومَ البَقيعِ حوادِثُ الأَيَّامِ
أي نِعْم الفتى فتى فجعتْ حوادث الأيام به إخوانَهُ يومَ البقيع. فجملةُ "فجعت" في موضع رفعِ صفةٍ لفتًى المحذوف، وهو المخصوصُ المحذوف.
ومن حق المخصوص أن يُجانس الفاعلَ. فإن جاء ليس من جنسه، كان في الكلام مجازٌ بالحذف، كأن تقول "نِعْمَ عَمَلاً زهيرٌ"، فالكلام على تقدير مُضافٍ نابَ فيه عنه المضافُ إليه، إذ التقديرُ "نِعمَ عملاً عملُ زهيرٍ"، ومنه قوله تعالى ﴿ساء مثلاً القومُ الذين كذَّبوا بآياتنا﴾ . والتقديرُ "ساء مَثلاً مثلُ القومِ".
ويجوز أن يُباشِرَ المخصوصَ، في هذا الباب، نَواسخُ المبتدأ والخبر، سواءٌ أتقدَّم المخصوصُ، نحو كان زهيرٌ نِعمَ الشاعرُ، ونحو قوله [من مجزوء الكامل]
إِنَّ ابنَ عَبدِ الله نِعْمَ ... أخُو النَّدَى وابنُ العشيرَهْ
أم تَأخرَ، نحو "نِعْم الرجلُ ظننتُ سعيداً"، ومنه قول زهير [من الطويل]
следующие страницы →