← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 3284

جامع الدروس العربية

مصطفى الغلاييني

Полный текст (839 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وقوله غيره [من الطويل] جَزَى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ ... جَزاءَ الكِلابِ الْعاوِياتِ، وقَدْ فَعلْ وقول الآخر [من البسيط] جَزَى بَنُوهُ أبا الْغيْلانِ عنْ كِبَرٍ ... وَحُسْنِ فِعْلٍ كَما يُجْزَى سِنِّمار فضَرُورةٌ، إن جازتْ في الشعر، على قبُحها، لم تَجزْ في النّثر. فإنِ اتّصل بالمفعول ضميرٌ يعودُ على الفاعل، جازَ تقديمهُ وتأخيرُهُ فتقول "أكرمَ الأستاذُ تلميذَهُ. وأَكرمَ تلميذَهُ الأستاذُ"، لأنَّ الفاعلَ رتبتُهُ التقديمُ، سواءٌ أَتقدّمَ أَم تأخّر. ٣- أَن يكون الفاعلُ والمفعولُ ضميرينِ، ولا حصرَ في أَحدهما، فيجبُ تقديمُ الفاعل وتأخيرُ المفعول به، نحو "أَكرمتُه". ٤- أَن يكون أَحدُهما ضميراً متصلاً، والآخر اسماً ظاهراً، فيجبُ تقديمُ الضمير منهما، فيُقدّمُ الفاعلُ في نحو "أكرمتُ علياً"، ويُقدّمُ المفعولُ في نحو "أكرَمني علي"، وجوباً. (ولك في المثال الأول تقديمُ المفعول على الفعل والفاعل معاً. نحو "علياُ أكرمتُ". ولك في المثال الآخر تقديم "عليّ" على الفعل والمفعول به، نحو "عليٌ أكرمني"، غير أنه يكون حينئذ مبتدأ، على رأي البصريين، ويكون الفاعل ضميراً مستتراً يعود اليه. فلا يكون الكلام، والحالة هذه، من هذا الباب، بل يكون من المسألة الثالثة، لأن الفاعل والمفعول كليهما حينئذ ضميران) .

стр. 562

٥- أَن يكون أَحدُهما محصوراً فيه الفعلُ بإلا أَو إنما، فيجبُ تأخيرُ ما حُصِرَ فيه الفعلُ، مفعولاً أو فاعلاً، فالمفعولُ المحصورُ نحو "ما أَكرمَ سعيدٌ إلا خالداً"، والفاعلُ المحصورُ نحو "ما أكرمَ سعيداً إلا خالدٌ. وإنما أَكرمَ سعيداً خالدٌ". (ومعنى الحصر في المفعول أن فعل الفاعل محصور وقوعه على هذا المفعول دون غيره. وذلك يكون ردّاً على من اعتقد أن الفعل وقع على غيره، أو عليه وعلى غيره. ومعنى الحصر في الفاعل أن الفعل محصور وقوعه من هذا الفاعل دون غيره. وذلك يكون رداً على ن اعتقد أن الفاعل غيره، أو هو وغيره) . وقد أَجازَ بعضُ النُّحاة تقديمَ أحدِهما وتأخيرَ الآخرِ، أيًّا كان المحصورُ فيهِ الفعلُ، إذا كان الحصرُ بإلا، تَمسكاً بما ورَدَ من ذلك. فمن تقديم المفعولِ المحصورِ بإلا قولُ الشاعر [من الطويل] وَلَمَّا أَبَى إِلاَّ جِمَاحاً فُؤَادُهُ ... وَلَمْ يَسْلُ عَنْ لَيْلَى بِمَالٍ ولا أَهلِ وقول الآخر [من الطويل] تَزَوَّدْتُ مِنْ لَيْلَى بِتَكْلِيمِ ساعةٍ ... فَما زادَ ضِعْفَ ما بِي كَلامُها ومن تقديم الفاعلِ المحصورِ بها قولُ الشاعر [من البسيط] ما عابَ إِلاَّ لَئِيمٌ فِعْلَ ذي كَرَم ... ولا جَفَا قَطُّ إِلاَّ جُبَّأُ بَطَلاَ

стр. 563

وقول الآخر [من الطويل] نُبِّئْتُهُمْ عَذَّبوا بالنَّارِ جارَهُمُ! ... وَهَلْ يَعَذِّبُ إِلاَّ اللهُ بالنَّارِ؟! وقولُ غيره [من الطويل] فَلْم يَدْرِ إِلا اللهُ ما هَيَّجَتْ لَنا، ... عَشِيَّةَ آناءِ الدِّيارِ، وِشامُها والحق أَن ذلكَ كله ضَرورَةٌ سَوَّغَها ظهورُ المعنى المرادِ ووضُوحهُ، وسَهّلها عدمُ الالتباسِ. واعلم أَنهُ متى وجبَ تقديمُ أَحدِهما، وجبَ تَأخيرُ الآخر بالضرورة. تقديم المفعول على الفعل والفاعل معاً يجوزُ تقديمُ المفعول به على الفعل والفاعل معاً في نحو "عليّاً أَكرمتُ. وأَكرمتُ عليّاً"، ومنه قولهُ تعالى ﴿فَفريقاً كذَّبتم وفَريقاً تقتلونَ﴾ . ويجبُ تقديمهُ عليهما في أَربعَ مَسائلَ ١- أَن يكونَ اسمَ شرطٍ، كقولهِ تعالى ﴿من يُضلِل اللهُ فما لهُ من هادٍ﴾ ، ونحو "أَيَّهُمْ تُكرِمْ أُكرِمْ"، أَو مضافاً لاسمِ شرطٍ، نحو "هدْيَ من تَتبعْ يَتبعْ بَنوكَ".

стр. 564

٢- أَن يكونَ اسمَ استفهامٍ، كقولهِ تعالى ﴿فأيَّ آياتِ اللهِ تُنكرِونَ؟﴾ ، ونحو "من أَكرمتَ؟ وما فعلتَ؟ وكمْ كتاباً اشتريتَ؟ " أَو مُضافاً لاسم استفهامِ، نحو كتابَ من أَخذتَ؟ ". وأَجاز بعضُ العلماء تأخيرَ اسم الإستفهام، إذا لم يكن الاستفهامُ ابتداءً، بل قُصِدَ الإستثباتُ من الأمر، كأن يُقالَ "فعلتُ كذا وكذا"، فتستثبِتُ الأمرَ بقولكَ "فعلتَ ماذا؟ ". وما قولُهم ببعيدٍ من الصواب. ٣- أَن يكون "كمْ" أَو "كأيِّنْ" الخَبريَّتينِ، نحو "كم كتابٍ مَلَكتُ! "، ونحو "كأيِّنْ من عِلمٍ حَوَيتُ! "، أَو مضافاً إلى "كم" الخبريَّةِ نحو ذَنبَ كم مُذْنِبٍ غَفرتُ! ". (أما "كأين" فلا تضاف ولا يضاف اليها. وانما وجب تقديم المفعول به ان كان واحداً مما تقدم، لأنّ هذه الأدوات لها صدر الكلام وجوباً، فلا يجوز تأخيرها) . ٤- أَن ينصبهُ جوابُ "أَما"، وليسَ لجوابها منصوبٌ مُقدَمٌ غيرُهُ، كقولهِ تعالى ﴿فأمّا اليتيم فلا تَقهرْ، وأَمَّا السائلَ فلا تَنهرْ﴾ . (وانما وجب تقديمه، والحالة هذه، ليكون فاصلاً بين "أما" وجوابها، فان كان هناك فاصل غيره فلا يجب تقديمه، نحو "أما اليوم فافعل ما بدا لك") . تقديم أحد المفعولين على الآخر إذا تعدَّدَت المفاعيلُ في الكلام، فلبعضها الأصالةُ في التقدُّم على بعضٍ، إمّا بكونه مبتدأً في الاصل كما في باب "ظنَّ"، وإمّا بكونهِ فاعلاً

стр. 565

في المعنى، كما في باب "أَعطى". (فمفعولا "ظنّ" وأخواتها أصلهما مبتدا وخبر، فاذا قلت "علمت الله رحيماً". فالأصل "اللهُ رحيمٌ". ومفعولا "أعطى" وأخواتها ليس أصلهما مبتدأ وخبراً، غير أن المفعول الأول فاعل في المعنى، فاذا قلت "ألبستُ الفقير ثوباً". فالفقير فاعل في المعنى، لأنه لبس الثوب) . فإذا كان الفعل ناصباً لمفعولين، فالأصلُ تقديمُ المفعولِ الأوَّل، لأنّ اصله المبتدأُ، في باب "ظَنَّ"، ولأنهُ فاعلٌ في المعنى في باب "أَعطى"، نحو "ظننتُ البدرَ طالعاً، ونحو "أعطيتُ سعيداً الكتابَ". ويجوز العكسُ إِن أُمِنَ اللَّبْسُ، نحو، "ظننتُ طالعاً البدرَ"، ونحو "أَعطيتُ الكتابَ سعيداً". ويجب تقديم أَحدهما على الآخر في أربع مسائلَ ١- أَن لا يُؤْمنَ اللّبْسُ، فيجبُ تقديمُ ما حقّهُ التقديمُ، وهو المفعولُ الأول، نحو "أَعطيتكَ أَخاكَ"، إن كان المخاطَبُ هو المُعطى الآخذَ، وأخوهُ هو المعطى المأخوذ، ونحو "ظننت سعيداً خالداً"، إن كان سعيدٌ هو المظنونَ أنه خالدٌ. وإلا عكستَ. ٢- أن يكونَ أحدُهما اسماً ظاهراً، والآخر ضميراً، فيجبُ تقديمُ ما هو ضميرٌ، وتأخيرُ ما هو ظاهرٌ، نحو "أعطيتُكَ درهماً" و"الدرهمَ أعطيتُهُ سعيداً". ٣- أن يكون أحدُهما محصوراً فيه الفعلُ، فيجبُ تأخير المحصور، سواءٌ أكان المفعولَ الاولَ أم الثاني، نحو ما اعطيتُ سعيداً إلا دِرهماً" و"ما أعطيتُ الدرهمَ إلا سعيداً".

стр. 566

٤- أن يكونَ المفعولَ الأولُ مشتملاً على ضمير يعودُ إلى المفعول الثاني، فيجب تأخيرُ الأول وتقديم الثاني، نحو "أعطِ القوسَ باريَها". (فلو قُدِّم المفعولُ الأول لعاد الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، لأن المفعول الثاني رتبته التأخير عن المفعول الأول. أما أن كان المفعول الثاني مشتملاً على ضمير يعود الى المفعول الأول، نحو "أعطيت التلميذَ كتابه"، فيجوز تقديمه على المفعول الأول، نحو "أعطيتُ كتابه التميذَ" لأن المفعول الأول، وان تأخر لفظاً، فهو متقدم رتبة) . (٤) المُشَبَّهُ بالْمَفعول به إن كان معمولُ الصفةِ المُشبَّهة معرفةً، فحقُّهُ الرفعُ، لأنه فاعلٌ لها، نحو "عليٌّ حَسَنٌ خُلقُهُ". غيرَ أنهم إذا قصدوا المبالغةَ حوَّلوا الإسنادَ عن فاعلها إلى ضميرٍ يسْتَتِرُ فيها يعود الى ما قبلها، ونَصبوا ما كان فاعلاً، تشبيهاً له بالمفعول به، فقالوا "علي حَسَنٌ خُلقَهُ، بنصبِ الخُلُق على التَّشبيه بالمفعول به، وليس مفعولاً به، لأنّ الصفةَ المشبَّهة قاصرةٌ غيرُ متعديةٍ، ولا تمييزاً، لأنه معرفةٌ بالإضافة إلى الضمير. والتمييزُ لا يكونُ إلا نكرةً. ٥- التَّحْذيرُ التَّحذيرُ نصبُ الاسمِ بفعلٍ محذوف يُفيدُ التَّنبيهَ والتّحذيرَ. ويُقدّرُ بما يُناسبُ المقامَ كاحذَرْ، وباعِدْ، وتَجنَّبْ، و"قِ" وتَوَقَّ، ونحوها. وفائدتُهُ تنبيهُ المخاطبِ على أمرٍ مكروهٍ ليجتنبَهُ. ويكونُ التحذيرُ تارةً بلفظِ "إيّاكَ" وفروعهِ، من كلّ ضميرٍ منصوبٍ متصل للخطاب، نحو "إياكَ والكَذِبَ، إِياكَ إِياكَ والشرَّ، إياكما من النفاقِ إياكم الضَّلالَ، إياكنَّ والرَّذيلةَ. ويكونُ تارةً بدونه، نحو "نفسَكَ والشرّ، الاسدَ الاسد". وقد يكونُ بـ "إيّاه، وفروعهما، إذا عُطفَ على المُحذّر، كقوله [من الهزج] فَلا تَصْحَبْ أَخَا الجَهْلِ ... وَإِيَّاكَ وَإِيَّاهُ ونحو "إيّايَ والشرَّ". ومنه قولُ عُمرَ، "إيايَ وان يَحذفَ أحدكمُ الأرنبَ، يريد أن يحذفها بسيفٍ ونحوهِ. وجعلَ الجمهورُ ذلك من الشُّذوذ. ويجبُ في التّحذيرِ حذفُ العامل مع "إيَّاكَ" في جميع استعمالاته، ومعَ غيره، إن كُرِّر او عطفَ عليه، كما رأَيتَ. وإلا جازّ ذِكرُه وحذفُهُ،

стр. 567

نحو: "الكسلَ، نفسكَ الشرَّ" فيجوز في هذا أن تقول: "احذَرْ، أو توقّ الكسلَ، قِ نفسكَ الشرَّ، او أُحذِّرُكَ الشرَّ". وقد يُرفعُ المكرّرُ، على أنهُ خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، نحو "الأسدُ الأسدُ" أي هذا الأسدُ. وقد يُحذَفُ المحذورُ منه، بعد "إياك" وفروعهِ، اعتماداً على القرينة، كأنْ يُقال "سأفعلُ كذا" فتقولُ "إياكَ"، أَي "إياك أَن تفعله". وما كان من التّحذير بغير "إياك" وفروعهِ، جاز فيه ذكرُ المُحذَّر والمحذَّر منه معاً، نحو "رجلَكَ والحجرَ" وجازَ حذفُ المحذّر وذكرُ المحذّر منه وحدَهُ، نحو "الأسدَ الاسدَ". ومنه قولهُ تعالى ﴿ناقةَ اللهِ وسُقياها﴾ . ٦- الإِغراءُ الإِغراءُ نصبُ الاسمِ بفعلٍ محذوفٍ يُفيدُ الترغيبَ والتشويقَ والإِغراءَ. ويقدَّرُ بما يُناسبُ المقامَ كالزَمْ واطلُبْ وافعلْ، ونحوها.

стр. 568

وقائدتُه تنبيهُ المخاطَبِ على أمرٍ محمودٍ ليفعلُه، نحو "الاجتهادَ الاجتهادَ" مو "الصِدقَ وكرَمَ الخلقِ". ويجبُ في هذا البابِ حذفُ العاملِ إن كُرّرَ المُغرَى به، أو عُطِفَ عليهِ، فالأولُ نحو "النَجدةَ النَّجدةَ". ومنه قول الشاعر [من الطويل]

стр. 569

أَخاكَ أَخَاكَ، إنَّ مَنْ لا أَخا لَهُ ... كساعٍ إلى الهَيْجا بِغَيْرِ سِلاَحِ وإِنَّ ابْنَ عَمِّ المَرْءِ فاعلَمْ، جَناحُهُ ... وهَلْ يَنْهَضُ البازِي بِغَيْرِ جَنَاحِ والثاني نحو "المُروءةَ والنّجدةَ". ويجوزُ ذِكرُ عاملهِ وحذفه إن لم يُكرّر ولم يُعطَفْ عليه، نحو "الإِقدامَ، الخيرَ". ومنه "الصّلاةَ جامعةً". فإن أظهرتَ العاملَ فقلتَ "اِلزمِ الإقدام، إفعَلِ الخيرَ، أُحضُرِ الصلاة"، جازَ. وقد يُرفعُ المكرَّرُ، في الإغراءِ، على أنهُ خبرٌ لمبتدأ محذوف، كقوله [من الخفيف] إِنَّ قَوْماً مِنْهُمْ عُمَيْرٌ وأَشبا ... هُ عُميْرٍ، ومِنْهُمُ السَّفَّاحُ لَجَدِيرُونَ بالوَفاءِ إِذَا قا ... لَ أَخُو النَّجْدةِ. السِّلاَحُ السِّلاَحُ ٧- الاختِصاصُ الاختصاصُ نصبُ الاسمِ بفعلٍ محذوفٍ وجوباً تقديرُهُ "أَخصُّ، أو أعْني". ولا يكونُ هذا الاسمُ ضميرٍ لبيان المرادِ منه، وقَصرِ الحكمِ الذي للضمير عليه، نحو "نحنُ - العرَبَ - نُكرِمُ الضّيفَ". ويُسمّى الاسمَ المُختصّ. (فنحن مبتدأ، وجملة نكرم الضيف خبره. والعربَ منصوب

стр. 570

على الاختصاص بفعل محذوف تقديره "أخصّ". وجملة الفعل المحذوف معترضة بين المبتدأ وخبره. وليس المراد الإخبار عن "نحن" بالعرب، بل المراد أن اكرام الضيف مختص بالعرب ومقصور عليهم. فان ذُكرَ الاسمُ بعد المضير للاخبار به عنه، لا لبيان المراد منه، فهو مرفوع لأنه يكون حينئذ خبراً للمبتدأ. كأن تقول "نحنُ المجتهدون" أو "نحن السابقون". ومن النصب على الاختصاص قولُ الناس "نحنُ - الواضعين أسماءنا أدناه - نشهد بكذا وكذا". فنحن مبتدأ، خبره جملة "نشهد" والواضعين مفعول به لفعل محذوف تقديره "نخصّ، أو نعني") . ويجبُ أن يكونَ مُعرّفاً بأل، نحو "نحنُ - العربَ - أوفى الناسِ بالعُهود"، أو مضافاً لمعرفةٍ، كحديث "نحنُ - مَعاشرَ الأنبياء - لا نورثُ ما تركناهُ صدَقةٌ"، أو عَلَماً، وهو قليلٌ، كقول الراجز "بنا - تَميماً - يُكشَفُ الضَّبابُ". أما المضافُ إلى العَلَمِ فيكونَ على غيرِ قِلّةٍ، كقولهِ "نحنُ - بَني ضَبَّةَ أصحابَ الجَمَل". ولا يكونُ نكرةً ولا ضميراً ولا اسمَ إشارة ولا اسمَ موصولٍ. وأكثرُ الأسماءِ دخولاً في هذا البابِ "بنو فلان، ومعشر (مضافاً) ، وأهلُ البيتِ، وآلُ فلانٍ". واعلمْ أن الأكثر في المختصِّ أن يَلي ضميرَ المتكلِّمِ، كما رأيتَ. وقد يلي ضميرَ الخطاب، نحو "بكَ - اللهَ. ارجو نجاحَ القصدِ" و"سُبحانَكَ - اللهَ - العظيمَ". ولا يكون بعدَ ضميرِ غيبة. وقد يكون الاختصاصُ بلَفظ "أَيُّها وأَيَّتُها"، فيُستعملان كما يستعملان

стр. 571

في النّداءِ، فيبنيان على الضمِّ، ويكونانِ في محلِّ نصبٍ بأخُص محذوفاً وجوباً، ويكونُ ما بعدَهما اسماُ مُحَلًّى بألْ، لازمَ الرفعِ على أنه صفةٌ لِلَفظهما، أو بدلٌ منه، أو عطفُ بيانٍ لهُ. ولا يجوزُ نصبه على أنه تابعٌ لمحلّهما من الإعراب. وذلك نحو "أَنا أفعلُ الخيرَ، أيُّها الرجلُ، ونحن نفعلُ المعروفَ، أيُّها القومُ". ومنه قولهم "أَللهمَّ اغفر لنا، أَيَّتُها العَصابةُ". (ويراد بهذا النوع من الكلام الاختصاص، وإن كان ظاهره النداء. والمعنى "أنا أفعل الخير مخصوصاً من بين الرجال، ونحن نفعل المعروف مخصوصين من بين القوم, واللهمّ اغفر لنا مخصوصين من بين العصائب". ولم ترد بالرجل إلا نفسك ولم يريدوا بالرجال والعصابة إلا أنفسهم. وجملة "أخص" المقدّرة بعد "أيها رأيتها" في محل نصب على الحال) . ٨- الاشتغالُ الاشتغالُ أن يَتقدَّمَ اسمٌ على من حقِّهِ أن يَنصِبَه، لولا اشتغالهُ عنه بالعمل في ضميرهِ، نحو "خالدٌ أَكرمتُهُ". (إذا قلت "خالداً أكرمتُ"، فخالداً مفعول به لأكرمَ. فان قلتَ "خالدٌ أكرمته"، فخالدٌ حقه أن يكون مفعولاً به لأكرم أيضاً، لكنّ الفعلَ هنا اشتغل عن العمل في ضميره، وهو الهاء. وهذا هو معنى الاشتغال) . والأفضلُ في الاسم المقتدمِ الرفعُ على الابتداء، كما رأيتَ. الجملةُ بعدَهُ خبرهُ. ويجوز نصبُهُ نحو "خالداً رأيتهُ". وناصبُهُ فعلٌ وجوباً، فلا يجوزُ إظهارهُ. ويُقدَّرُ المحذوفُ من لفظِ المذكور. إلا أن يكونَ المذكورُ فعلاً لازماً متعدياً بحرف الجر، نحو "العاجزَ أخذتُ بيدهِ" و"بيروتَ مررتُ بها"، فَيُقدّرُ من معناهُ. (فتقدير المحذوف "رأيت". في نحو "خالداً رأيته".

стр. 572

وتقديره "أعنت، أو ساعدت، في نحو "العاجزَ أخذت بيده". وتقديره "جاوزت" في نحو "بيروتَ مررت بها") . وقد يَعرِضُ للاسمِ المُشتَغَلِ عنه ما يوجبُ نصبَهُ أو يُرَجّحُهُ، وما يوجبُ رفعَهُ أويُرَجّحُهُ. فيجبُ نصبُهُ إذا وقعَ بعدَ أدواتِ التّحضيضِ والشرطِ والاستفهامِ غير الهمزةِ، نحو "هلاّ الخيرَ فعلتَهُ. إنْ علياً لقيتَهُ فسَلّمْ عليهِ, هل خالداً أَكرمتَهُ؟ ". (غير أن الاشتغال بعد أدوات الاستفهام والشرط لا يكون الا في الشعر. الا أن تكون أداة الشرط "أن" والفعل بعدها ماض، أو "إذا" مطلقاً، نحو "إذا عليّاً لقيته، أو تلقاه فسلم عليه". وفي حكم "اذا". في جواز الاشتغال بعدها في النثر، "لو ولولا") . ويُرجَّحُ نصبُهُ في خمسِ صُوَر ١- أن يقعَ بعد الاسمِ أمرٌ، نحو "خالداً أَكرِمْهُ" و"عليّاً لِيُكرِمْهُ سعيدٌ". ٢- أن يقعَ بعدَهُ نهيٌ، نحو "الكريمَ لا تُهِنهُ". ٣- أن يقعَ بعدَهُ فعلُ دُعائي، نحو "اللهمَّ أمرِيَ يَسّرّهُ، وعَمَلي لا

стр. 573

تُعَسّرْهُ". وقد يكونُ الدعاءُ بصورةِ الخبرِ، نحو "سليماً غفرَ اللهُ لهُ، وخالداً هداهُ اللهُ". (فالكلام هنا خبري لفظاً، انشائيَّ دعائي معنى. لأنّ المعنى اغفر اللهم لسليم، واهدِ خالداً. وانما ترجح النصب في هذه الصور لأنك ان رفعت الاسم كان خبره جملة انشائية طلبية، والجملة الطلبية يضعف الإخبار بها) . ٤- أن يقعَ الإسمُ بعدَ همزة الاستفهام، كقوله تعالى ﴿أَبشَراً مِنّا واحداً نَتَّبعُهُ؟﴾ . (وانما ترجح النصب بعدها لأن الغالب ان يليها فعلٌ، ونصبُ الاسم يوجبُ تقديرَ فعل بعدها) . ٥- أن يقعَ جواباً لمُستفهَمٍ عنه منصوبٍ، كقولك "عليّاً أَكرمتُهُ"، في جواب من قال "مَنْ أَكرمتَ؟ ". (وانما ترجح النصب لأنّ الكلام في الحقيقة مبنيّ على ما قبله من الاستفهام) . ويجبُ رفعُهُ في ثلاثة مواضعَ ١- أن يقعَ بعدَ "إذا الفجائيَّةِ" نحو "خرجت فإذا الجوُّ يَملَؤُهُ الضَّبابُ". (وذلك لأن "اذا" هذه لم يؤوّلها العربُ الا مبتدأ، كقوله تعالى ﴿ونزعَ يده فإذا هي بيضاء للناظرين﴾ ، او خبراً، كقوله سبحانه ﴿فاذا لهم مكرٌ في آياتنا﴾ . فلو نُصب الاسمُ بعدها، لكان على تقدير فعل بعدها، وهي لا تدخل على الأفعال) .

стр. 574

٢- أن يقعَ بعدَ واو الحال، نحو "جئتُ والفرسُ يَركبُهُ أَخوكَ". ٣- أن يقعَ قبلَ أدوات الاستفهام، أو الشرط، أو التحضيص، أو ما النافية، أو لامِ الإبتداء، أو ما التَّعجبيةِ، أو كم الخبرية، أو "إنَّ" وأَخواتها، نحو "زُهيرٌ هل أَكرمتَهُ؟، سعيدٌ فأكرِمه، خالدٌ هلاَّ دعوتهُ، الشرُّ ما فعلتُهُ، الخيرُ لأنا أَفعلُهُ، الخلُق الحَسَنُ ما أَطيبَهُ!، زُهيرٌ كم أكرمتُهُ!، أُسامةُ إني أَحِبُّهُ". (فالاسم في ذلك كله مبتدأ. والجملة بعده خبره. وانما لم يجز نصبه بفعل محذوف مفسر بالمذكور. لأن ما بعد هذه الأدوات لا يعمل فيما قبلها. وما لا يعمل لا يفسر عاملاً) . ويُرَجَّحُ الرفعُ، إذا لم يكن ما يوجبُ نصبَهُ، أو يرَجِّحُه، أو يوجبُ رفعَه، نحو "خالدٌ أكرمتُهُ". لأنهُ إذا دار الامرُ بينَ التقديرِ وعدَمِهِ فتركهُ أولى. ٩- التَّنازُعُ التَّنازُعُ أن يَتوجهَ عاملانِ مُتقدمانِ، أو أكثرُ، إلى معمول واحدٍ مُتأخرٍ أو أكثر، كقوله تعالى ﴿آتوني أُفرغْ عليه قِطراً﴾ . (آتوا فعل أمر يتعدى الى مفعولين. ومفعوله الأول هو الياء، ضميرُ المتكلم. وهو يطلب "قطراً" ليكون مفعوله الثاني. و "أفرغ" فعل مضارع متعد الى مفعول واحد. وهو يطلب "قطراً" ليكون ذلك المفعول. فأنت ترى أنّ "قطراً" قد تنازعه عاملانِ، كلاهما يطلبه ليكون مفعولاً به له، لأنّ التقدير ﴿آتوني قطراً أفرغه عليه﴾ . وهذا هو معنى التنازع) .

стр. 575

ولكَ أن تُعمِلَ في الاسم المذكور أيَّ العاملَينِ شئتَ. فإن أعملت الثاني فَلقُربهِ، وإن أعملت الأولَ فلسبَقهِ. فإن أَعملتَ الأوَّلَ في الظاهرِ أَعملتَ الثانيَ في ضميرهِ، مرفوعاً كان أم غيرَهُ، نحو: " قامَ، وقعدا، أخواك * اجتهدَ، فأكرمتُهما، أخواك * وقفَ، فسلمتُ عليهما، أخواك * أكرمتُ، فَسُرّا، أخَويْكَ * أكرمتُ، فشكرَ لي، خالداً". ومن النُّحاة من أجاز حذفه، إن كان غيرَ ضميرِ رفعٍ، لأنهُ فضلةٌ، وعليه قول الشاعر [من مجزوء الكامل] بِعُكاظَ يُعْشي النَّاظِريـ ... ـنَ، إذا هُمُ لَمَحُوا، شُعاعُهْ وأن أعملتَ الثانيَ في الظاهر، أعملتَ الأولَ في ضميرهِ، إن كان مرفوعاً نحو: "قاما، وقعدَ أخواك * اجتهدا، فأكرمتُ أخوَيْك * وَقَفا، فسَلَّمتُ على أخويكَ". ومنه قولُ الشاعر [من الطويل] جَفَوْني، ولم أَجفُ الأَخِلاَّءَ، إِنَّني ... لِغَيْرِ جَميلٍ مِنْ خَلِيلَي مُهْمِلُ وإن كان ضميرُهُ غير مرفوعٍ حذفتَهُ، نحو "اكرمتُ، فَسُرَّ أخواك * أكرمتُ، فشكرَ لي خالدٌ * أكرمتُ، وأكرَمني سعيدٌ * مررتُ، ومَرَّ بي علىُّ." ولا يقال "أكرمتهما، فَسُرَّ أخواكَ * أكرمتُهُ، فشكرَ لي خالد * أكرمتُهُ، وأكرمني سعيدٌ * مررتُ به، ومرَّ بي عليَّ." وأمّا قول الشاعر [من الطويل]

стр. 576

إذا كُنْتَ تُرْضِيهِ، وَيُرْضيكَ صاحبٌ ... جِهاراً، فَكُنْ في الْغَيْبِ أَحفَظَ للعَهْدِ وَأَلْغِ أَحاديثَ الْوُشاة، فَقَلَّما ... يُحاوِلُ واشٍ غَيْرَ هِجْرانِ ذِي وُدِّ بإظهار الضمير المنصوب في "تُرضيه"، فضرورةٌ لا يحسُنُ ارتكابها عند الجمهور. وكان حقُّهُ ان يقول "إذا كنت تُرضي، ويُرضيكَ صاحبٌ". وأجازَ ذلك بعضُ مُحَقّقي النّحاة. (وذهب الكسائيّ ومن تابعه الى أنه أذا اعملتَ الثاني في الظاهر، لم تُضمر الفاعلَ في الاول بل يكون فاعله محذوفاً لدلالة ما بعده عليه (لانه يُجيز حذف الفاعل اذا دل عليه دليل) . فاذا قلت "اكرمني فسرّني زهيرُ"، فان جعلت زهيراً فاعلاً لسرّ، كان فاعل "أكرمَ" (على رأى سيبويه والجمهور) ضميراً مستتراً يعود اليه. وعلى رأي الكسائي ومن وافقه يكون فاعل "اكرمَ" محذوفاً لدلالة ما بعده عليه. ويظهر اثر الخلاف في التثنية والجمع، فعلى رأي سيبويه يجب ان تقول (ان اعملت الثاني) "اكرماني، فسرَّني صديقايَ. واكرموني، فسرَّني اصدقائي". وتقول على مذهب الكسائي ومن تابعه "اكرمني، فسرَّني صديقايَ. واكرمني، فسرَّني اصدقائي". فيكون الاسم الظاهر فاعلاً للثاني. ويكون فاعل الاول محذوفاً. وما قاله الكسائي ليس ببعيدٌ، لان العرب تستغني في كلامها عما يُعلم لو حُذف، ولو كان عمدة. ولهذا شواهدُ من كلامهم. اما لو اعملتَ الاول في الاسم الظاهر، فيجب بالاتفاق الإضمار في الثاني، نحو "اكرمني، فسرَّاني، صديقايَ، واكرمني، فسرّوني، اصدقائي". والذي دعا الكسائيّ الى ما ذهب اليه، انه لو لم يحذف الفاعل،

стр. 577

لوجب أن يكون ضميراً عائداً على الاسم الظاهر المتأخر لفظاً ورتبة، وذلك قبيح. وقال سيبويه ان عود الضمير على المتأخر أهون من حذف الفاعل، وهو عمدة، والحقّ أنَّ لكل وجهاً، وانّ الإضمار وتركه على حد سواء. وقد ورد في كلامهم ما يؤيج ما ذهب اليه الفريقان. فقول الشاعر جفوني ولم اجف الاخلاءَ ... " شاهدٌ لسيبويه وقول الآخر [من الطويل] تعفق بالارطى لها وأرادها ... رجالٌ، فبذَّت نبلَهم وكَليبٌ (شاهدٌ للكسائي فهو لا يُضمر في واحد من الفعلين. ولو اضمر في الاول واعمل الثاني لقال "تعفقوا بالارطى وأرادها رجال". ولو اضمر في الثاني واعمل الاول، لقال "تعفق بالارطى ورادوها رجال") . واعلم أنهُ لا يقعُ التنازعُ إلا بينَ فعلينِ مُتصرّفينِ، او اسمينِ يُشبهانِهما، أو فعلٍ متصرفٍ واسمٍ يُشبهُه. فالأول نحو "جاءَني، وأكرمتُ خالداً"، والثاني كقول الشاعر [من الطويل] عُهِدْتَ مُغِيثاً مُغنِياً مَنْ أَجَرْتَهُ ... فَلَمْ أَتَّخِذْ إِلاَّ فِناءَكَ مَوْئِلا والثالثُ كقوله تعالى ﴿هاؤُمُ اقرَأُوا كتابِيَهْ﴾ . ولا يقعُ بينَ حرفين ولا

стр. 578

بينَ حرفٍ وغيره، ولا بينَ جامدينِ، ولا بينَ جامدٍ وغيره. وقد يُذكَرُ الثاني لمجرَّدِ التَّقويةِ والتأكيد، فلا عَمَلَ له، وإنَّما العمل للأوَّلِ. ولا يكونُ الكلامُ حينئذٍ من باب التنازع، كقول الشاعر [من الطويل] فَهَيْهَاتَ، هَيْهَاتَ، الْعَقِيقُ وَمَنْ بهِ ... وهَيْهَاتَ خِلٌّ بالْعَقيقِ نُواصِلُهْ وقول الآخر فأَينَ إلى أَينَ النَّجَاةُ ببَغْلَتِي ... أَتاكَ، أَتاكَ، اللاَّحِقُونَ، احْبِسِ احْبِسِ (ولو كان من باب التنازع لقال "اتوك اتاك اللاحقون"؛ باعمال الثاني في الظاهر والإضمار في الاول، او "اتاك اتوك اللاحقون" بالإضمار في الاول واعمال الثاني في الظاهر) . ١٠- القوْلُ المتَضَمِّنُ مَعْنَ الظنِّ قد يتضمنُ القول معنى الظن، فينصبُ المبتدأ والخبر مفعولينِ، كما تنصبهُما "ظنَّ". وذلك بشرطِ أن يكون الفعل مضارعاً للمخاطَب مسبوقاً باستفهامٍ، وأن لا يُفصَلَ بينَ الفعلِ والاستفهام بغير ظرفٍ، أو جار ومجرورٍ، أو معمولِ الفعل، كقول الشاعر [من الرجز] مَتَى تَقُولُ الْقُلُصَ الرَّواسِما ... يَحْمِلْنَ أُمَّ قاسمٍ وَالْقاسِما

стр. 579

ومثالُ الفصل بينهما بظرفٍ زمانيّ أو مكانيّ: أيومَ الخميس تقولُ عليّاً مسافراً أوَ عندَ سعيدٍ تَقولُهُ نازلاً قال الشاعر [من البسيط] أَبَعْدَ بُعْدٍ تَقولُ الدَّارَ جامعةً ... شَمْلي بهمْ؟ أَمْ تَقول البُعْدَ مَحْتوما؟! ومثالُ ما فُصِلَ فيه بينهما بالجارّ والمجرور "أبا الكلامِ تقول الأمّةَ بالغةً مجدَ آبائها الأوَّلينَ؟ ". ومثالُ الفصلِ بمعمول الفعل قولُ الشاعر [من الوافر] أجُهَّالاً تَقُولُ بني لُؤَيِّ؟ ... لَعَمْرُ أَبِيكَ، أَمْ مُتَجاهِلينا؟ فإن فُقد شرطٌ من هذه الشروطِ الأربعة، تَعيّنَ الرفعُ عند عامة العربِ، إلا بني سلَيمٍ، فهم ينصبون بالقول مفعولينِ بلا شرطٍ. ولا يجب في القول المُتَضمّنِ معنى الظن، المُستوفي الشروط، أن ينصب المفعولين، بل يجوز رفعُهما على أنهما مبتدأ وخبر، كما كانا. وإن لم يتضَمنِ القولُ معنى الظن فهو مُتعد إلى واحد. ومفعولهُ إمّا مفرد (أي غير جملةٍ) ، وإمّا جملةٌ محكيّة. فالمفرد على نوعينِ مفردٍ في معنى الجملةِ، نحو "قلت شعراً، أو خطبةً، أَو قصيدة أَو حديثاً"، ومفردٍ يُرادُ به مُجردُ اللفظِ، مثلُ "رأيتُ رجلاً يقولون له خليلاً" (أي يُسمُّونه بهذا الاسم) وأمَّا الجملة المحكِيَّة بالقول، فتكونُ في موضع نصب على أنها مفعوله، نحو "قلتُ لا إلهَ إلا اللهُ". وهمزةُ "إنَّ" تكسرُ بعد القول العَري عن الظن، وتُفتح بعد القول المَتضمّن معناهُ. كما سبق في مبحث "أن".

стр. 580

١١- الإِلغاءُ والتَّعْليقُ في أَفعال الْقُلُوب الإلغاءُ إِبطال عملِ الفعلِ القلبيِّ الناصبِ للمبتدأ والخبر لا لمانعٍ، فيعودان مرفوعينِ على الابتداءِ والخبرّةِ، مثل "خالدٌ كريم ظننت". والإلغاء جائز في أَفعالِ القلوب إِذا لم تَسبقْ مفعولَيها. فإن تَوسطت بينهما فإعمالُها وإلغاؤها سِيّانِ. تقول "خليلاً ظننت مجتهداً" و"خليلٌ ظننتُ مجتهد". وإن تأخرت عنهما جاز أن تَعمَل وإلغاؤها أَحسن، تقول "المطر نازل حَسِبتُ"، و"الشمس طالعةً خلت". فإن تقدَّمت مفعولَيها، فالفصيح الكثيرُ إعمالها، وعليهِ أكثرُ النُّحاةِ، تقول "رأيتُ الحقَّ أَبلجَ". ويجوزُ إهمالُها على قِلةٍ وضعفٍ، وعليه بعضُ النُّحاةِ، ومنه قولُ الشاعر [من البسيط] أَرْجُو وآمُلُ أنْ تَدْنو مَوَدَّتُها ... وما إخالُ لدَيْنا منْك تنويلُ وقول الآخر [من البسيط] كَذَاكَ أُدِّبْتُ، حتَّى صارَ مِنْ خُلقِي ... أَنِّي وَجَدْتُ مِلاكُ الشِّيمةِ الأَدَبُ والتعليقُ إِبطالُ عملِ الفعل القلبيِّ لفظاً لا محلاً، لمانع، فتكونُ الجملةُ بعده في موضع نصبٍ على أَنها سادَّةٌ مَسدَّ مفعوليهِ، مثل علمتُ لخَالد شجاعٌ". فيجبُ تعليقُ الفعلِ، إذا كان هناك مانعٌ من إعماله. وذلك إذا وقع بَعدَهُ أحدُ أربعةِ أَشياءَ ١- ما وإنْ ولا النافياتُ نحو "علمتُ ما زُهيرٌ كسولاً. وظَننتُ إنْ فاطمة مُهملة. ودخلتُ لا رجلَ سُوءٍ موجودٌ. وحَسِبتُ. لا أُسامةُ بطيءٌ،

стр. 581

ولا سُعادُ"، قال تعالى "لَقد علمتَ، ما هؤلاءِ يَنطقونَ". ٢- لامُ الابتداءِ، مثلُ علمتُ "لأخوكَ مجتهدٌ. وعلمتُ إنَّ أخاكَ لمجتهدٌ". قال تعالى ﴿ولقد علموا لِمَنِ اشتراهُ مالَهُ في الآخرةِ من خلاقٍ﴾ . ٣- لامُ القسمِ، كقول الشاعر [لبيد / من الكامل] وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَتأْتِيَنَّ مَنِيَّتي ... إنَّ الْمَنَايَا لا تَطِيشُ سِهَامُها ٤- الاستفهامُ، سواءٌ أكان بالحرف، كقوله تعالى ﴿وإنْ أدري أقريبٌ أم بعيدٌ ما تُوعدُونَ؟﴾ أم بالاسمِ، كقوله ﴿لنَعلَمَ أيُّ الحزبينِ أحصى لِما لَبِثوا أمداً؟﴾ ، وقوله ﴿لَتَعلمُنَّ أيُّنا أشدُّ عذاباً؟﴾ . وسواءٌ أكانَ الاستفهام مبتدأ، كما في هذه الآيات، أم خبراً، مثل "علمتُ مَتى السّفرُ؟ "، أم مضافاً إلى المبتدأ، مثل "علمتُ فَرَس أيهم سابقٌ؟ " أم إلى الخبر، مثل "علمتُ ابنُ مَن هذا؟ ". وقد يُعلقُ الفعلُ المتعدي، من غير هذه الأفعالِ، عن العمل، كقوله تعالى ﴿فَليَنظُر أيُّها أزكى طعاماً؟﴾ ، وقوله ﴿ويَستنبئُونَكَ أحقّ هُوَ؟﴾ .

стр. 582

وقد اختُصَّ ما يتصرّفُ من أفعال القُلوب بالإلغاءِ والتَّعليقِ. فلا يكونانِ في "هَبْ وتَعلَمْ"، لأنهما جامدانِ. وقد علمت أن الإلغاء جائز عند وجودِ سبيلهِ، وأن المُلغى لا عملَ له البتَةَ، وإنَّ المعلَّقَ، إن لم يعملْ لفظاً فهو يعمل النصبَ في مَحلِّ الجملةِ، فيجوزُ العطفُ بالنصب على محلها، فنقولُ "علمتْ لخالد شجاعُ وسعيداً كريماً"، بالعطف على مَحلّ "خالد وسعيد"، لأنهما مفعولان للفعل المعلّق عن نصبهما بلام الإبتداءِ. ويجوز رفعُهما بالعطف على اللفظ، قال الشاعر [كثير عزة / من الطويل] وما كُنْتُ أَدْرِي قَبْلَ عَزَّةَ. ما الْبُكا ... ولا مُوجِعاتُ الْقَلْبِ؟ حَتَّى تَوَلَّتِ يُروَى بنصب موجعات، عطفاً على محل "ما البكا". ويجوزُ الرفعُ عطفاً على البكا. والجملةُ بعدَ الفعلِ المُعلَّقِ عن العمل في موضع نصبٍ على المفعولية. وهي سادّةٌ مَسدَّ المفعولينِ، إن كان يتعدّى إلى اثنينِ ولم ينصب الأوّلَ. فإن نصبَهُ سدَّت مسدّ الثاني، مثلُ "علمتكَ أيَّ رجلٍ أنتَ؟ ". وإن كان يتعدّى إلى واحدٍ سدّت مسدّهُ، مثل "لا تأتِ أمراً لم تعرفْ ما هُوَ؟ ".

стр. 583

وإن كان يتعدَّى بحرف الجرّ، سقطَ حرفُ الجرّ وكانت الجملة منصوبة محلاًّ بإسقاط الجارِّ (وهو ما يسمُّونهُ النصبَ على نَزع الخافض) ، مثل "فكَّرت أصحيحٌ هذا أم لا؟ "، لأن فكَّرَ يتعدَّى بفي، تقول "فكَّرْتُ في الأمر". (المفعولُ المطلقُ) المفعولُ المطلَقُ مَصدرٌ يُذكرُ بعد فعلٍ من لفظهِ تأكيداً لمعناهُ، أو بياناً لِعَددِهِ، أو بياناً لنوعهِ، أو بَدَلاً من التلفُّظِ بفعلهِ. فالأول نحو ﴿وكلّم اللهُ مُوسى تكليماً﴾ . والثاني نحو "وقفتُ وقفتينِ". والثالثُ نحو "سرتُ سيرَ العُقلاءِ". والرابعُ نحو "صَبراً على الشدائد". واعلم أنّ ما يُذكرُ بدلاً من فعلهِ لا يُرادُ به تأكيدٌ ولا بيان عددٍ أو نوع. وفي هذا المبحث ستَّةَ مَباحث. ١- الْمَصْدَرُ المُبْهَمُ وَالْمَصْدَرُ المُخْتَصُّ المصدرُ نوعانِ مُبهمٌ ومُختَص. فالمُبهم ما يُساوي معنى فعلهِ من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ، وإنما يُذكرُ لمجرّد التأكيد، "قمتُ قياماً. وضربتُ اللصّ ضرباً"، أو بدَلاً من التّلفّظِ بفعلهِ، نحو "إيماناً لا كُفْراً"، ونحو "سَمعاً وطاعةً"، إذِ المعنى "آمِنْ ولا تكْفُرْ، وأَسمعُ وأُطيعُ". ومن ثمَّ لا يجوزُ تثنيتُهُ ولا جمعهُ، لأنَّ المؤكدَ بمنزلةِ تكرير الفعلِ،

стр. 584

"والبدل من فعلهِ بمنزلةِ الفعلِ نفسهِ، فعُومِلَ مُعاملتَهُ في عدَمِ التثنيةِ والجمعِ. والمختصُّ ما زادَ على فعلهِ بإفادتهِ نوعاً أو عدداً، نحو "سرتُ سَيرَ العُقلاءِ. وضربتُ اللصَّ ضرْبَتينِ، أو ضَرَباتٍ". والمُفيدُ عَدَداً يُثنّى ويُجمَعُ بلا خلافٍ. وأمّا المُفيدُ نوعاً، فالحقُّ أن يُثنَّى ويُجمَعُ قياساً على ما سُمعَ منهُ كالعقولِ والألبابِ والحُلُوم وغيرها فيَصحُّ أن يُقالَ "قمتُ قِيامَينِ"، وأنتَ تُريدُ نوعينِ من القيام. ويَختصُّ المصدرُ بألْ العهديَّةِ، نحو "قمتُ القيامَ"، أي "القيامَ الذي تَعهَدُ"، وبأل الجنسيّةِ، نحو "جلستُ الجلوسَ"، تُريدُ الجنسَ والتنكير، وبوصَفهِ، نحو "سعيتُ في حاجتك سعياً عظيماً، وبإضافته، نحو "سرتُ سيرَ الصالحينَ". ٢- الْمَصْدَرُ المُتَصَرِّفُ والْمَصْدَرُ عَيْرُ الْمُتَصَرِّفِ المصدرُ المتصرّف ما يجوزُ أن يكونَ منصوباً على المصدريّة، وأن ينصرف عنها إلى وقوعهِ فاعلاً، أو نائبَ فاعلٍ، أو مبتدأ، أو خبراً، أو مفعلواً بهِ، أو غيرَ ذلك. وهو جميعُ المصادر، إلا قليلاً جِدًّا منها. وهو ما سيُذكر. وغيرُ المتصرّفِ ما يُلازمُ النصبَ على المصدريَّة، أي المفعوليّة المطلقةِ؛ لا يَنصرف عنها إلى غيرها من موقاع الإعراب، وذلك نحو

стр. 585

سبحان ومَعاذَ ولَبيّكَ وسَعدَيكَ وحنَانَيكَ ودوَاليكَ وحَذارَيك". وسيأتي الكلام على هذه المصادر. ٣- النائبُ عن المَصْدَر ينوب عن المصدر - فيُعطَى حكمَه في كونهِ منصوباً على أنه مفعولٌ مُطلَقٌ - اثنا عَشرَ شيئاً ١- اسم المصدرِ، نحو "أعطيتُك عَطاءً"، و"اغتسلتُ غُسلاً" و"كلّمتكَ كلاماً" و"سلّمتُ سلاماً". ٢- صفتهُ، نحو "سرت أحسنَ السيرِ" و ﴿اذكروا الله كثيراً﴾ . ٣- ضميرُهُ العائدُ اليهِ، نحو "اجتهدتُ اجتهاداً لم يجتهدهُ غيري". ومنه قَولهُ تعالى ﴿فإني أعذِّبُهُ عذاباً لا أعَذبُهُ أحداً من العالمينَ﴾ . ٤- مرادفُهُ - بأن يكون من غير لفظهِ، معَ تَقارُب المعنى - نحو "شَنِئْتُ الكسلانَ بُغضاً". و"قمت وقُوفاً" و"رُضتُه إذلالاً" و"أعجبني الشي حُباً"، وقال الشاعر [من الرجز] يُعْجبُهُ السَّخُونُ والبَرُودُ ... والتَّمْرُ، حُبًّا ما لَهُ مَزِيدُ

стр. 586

٥- مصدر يُلاقيهِ في الاشتقاقِ، كقولهِ تعالى ﴿واللهُ أنبتَكم من الأرض نبَاتاً﴾ ، وقولهِ ﴿تَبتَّلْ إليهِ تَبتيلاً﴾ . ٦- ما يَدلُّ على نوعه، نحو "رجعَ القهقرَى" و"قعدَ القُرفُصاءَ" و"جلسَ الاحتباءَ" و"اشتمل الصّمّاءَ". ٧- ما يدلُّ على عدده نحو "أنذرتُك ثلاثاً"، ومنه قولهُ تعالى ﴿فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهما ثمانينَ جلدةً﴾ . ٨- ما يدلُّ على آلته التي يكونُ بها، نحو "ضربتُ اللصَّ سَوطاً، أو عصاً، ورشقتُ العدوَّ سهماً، أو رَصاصةً أو قذيفةً. وهو يَطّردُ في جميع أسماءِ آلاتِ الفعلِ. فلو قلتَ "ضربتُه خشبةً، أو رميتُه كرسيّاً، لم يَجُز لأنهما لم يُعهَدا للضرب والرمي. ٩- "ما" وأَيُّ" الإستفهاميَّتان، نحو "ما أكرمتَ خالداً؟ " و"أَيَّ عيشٍ تعيش؟ "، ومنه قوله تعالى ﴿وسيعلمُ الذين ظَلموا أَيَّ مُنقلب ينقلبون﴾ . ١٠- "ما ومهما وأَيُّ" الشَّرطيّاتُ "ما تجلسْ أجلسْ" و"مهما

стр. 587

تقِفْ أَقِفْ" و"أَيَّ سَيرٍ تَسِرْ أَسِرْ". ١١- لفظ كل وبعضٍ وأي الكماليّة، مضافاتٍ إلى المصدرِ، نحو ﴿فلا تَميلوا كلَّ المَيلِ﴾ و"سَعَيتُ بعضَ السعيِ" "واجتهتدتُ أيَّ اجتهادٍ". (وهذا في الحقيقة من صفة المصدر عنه، لان التقدير "فلا تميلوا ميلاً كلّ الميل. وسعيت سعياً بعضَ السعي. واجتهدت اجتهاداً أيّ اجتهاد". وسميت "أيّ" هذه بالكمالية، لأنها تدل على معنى الكمال. وهي إذا وقت بعد النكرة كانت صفة لها، نحو "خالدٌ رجلٌ أيّ رجلٍ" أي هو كامل في صفات الرجال. وإذا وقعت بعد المعرفة كانت حالاً منها، نحو "مررت بعبد اللهِ أيّ رجل". ولا تُستعمل إلا مضافة وتطابق موصوفها في التذكير والتأنيث، تشبيهاً لها بالصفات المشتقات. ولا تطابقه في غيرهما) . ١٢- اسمُ الإشارةِ مُشاراً به إلى المصدر، سواءٌ أَأُتبعَ بالمصدر، نحو "قلتُ ذلكَ القولَ" أم لا، كأن يُقال "هل اجتهدتَ اجتهاداً حسَناً؟ "، فتقولُ "اجتهدتُ ذلك". ٤- عاملُ الْمَفْعول المُطْلَق يعملُ في المفعولِ المُطلقِ أحدُ ثلاثةِ عواملَ الفعلُ التام المتصرّفُ، نحو "أتقِنْ عملَك إتقاناً"، والصفةُ المُشتقّةُ منهُ، نحو "رأيتُهُ مُسرعاً إسراعاً عظيماً"، ومصدرُه، نحو "فرحتُ باجتهادك اجتهاداً حسناً"، ومنه قوله تعالى ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً﴾ [الإسراء: ٦٣] .

стр. 588

٥- أَحكامُ المفعولِ المطلَق للمفعول المطلق ثلاثةُ أَحكام ١- أنهُ يجبُ نصبُه. ٢- أنهُ يجبُ أن يقعَ بعدَ العامل، إن كان للتأكيد. فإن كان للنَّوع أو العدَدِ، جاز أن يُذكرَ بعدَه أو قبله، إلا إن كان استفهاماً أو شرطاً، فيجبُ تَقدمُه على عاملهِ، كما رأيتَ في أمثلتهما التي تقدّمت. وذلكَ لأنَّ لأسماءِ لاستفهام والشرط صدرَ الكلام. ٣- أنهُ يجوزُ أن يُحذَفَ عاملُهُ، إن كان نَوعيّاً أو عدديّاً، لقرينةٍ دالّةٍ عليه، تقولُ "ما جلستَ"، فيقالُ في الجواب "بَلى جُلوساً طويلاً، أَو جَلستينِ"، ويُقالُ "إنك لا تعتني بعملك"، فتقولُ "بلى اعتناءً عظيماً"، ويقال "أيَّ سيرٍ سرتَ؟ "، فتقول "سيرَ الصالحينَ"، وتقول لِمنْ تأهَّبَ للحجَّ "حَجّاً مبروراً"، ولِمن قَدِمَ من سفَر "قُدوماً مُباركاً" و"خيرَ مَقدَمٍ"، ولِمن يُعِدُ ولا يَفي "مَواعيدَ عُرقوبٍ" من ذلك

стр. 589

قولهم "غضَب الخيل على اللُّحْم". وأمّا المصدرُ المؤكدَ فلا يجوزُ حذفُ عامله، على الأصحَ من مذاهب النحاة، لأنه إنما جيء به للتَّقوية والتأكيد. وحذفُ عامله يُنافي هذا الغرض. وما جِيء به من المصادر نائباً عن فعله (أي بدلاً من ذكر فعله) ، لم يجُز ذكرُ عامله، بل يحذفُ وجوباً، نحو "سَقياً لكَ ورَعياً* صبراً على الشدائد* أتَوانياً وقد جَدَّ قُرناؤكَ؟ * حمداً وشكراً لا كفراً* عجباً لك* وَيلُ الظالمين* تبّاً للخائنينَ* وَيْحَكَ* أنتَ صديقي حقاً". قال الشاعر [من الوافر] فَصبْراً في مجالِ الْمَوتِ صَبْراً ... فَما نَيْلُ الخُلودِ بِمُسْتَطاعِ ٦- الْمَصدَرُ النائبُ عن فعلهِ المصدرُ النائبُ عن فعله ما يُذكرُ بَدلاً من التلفظ بفعله. وهو على سبعةِ أنواعٍ ١- مصدرٌ يَقعُ مَوقعَ الأمر، نحو "صبراً على الأذَى في المجد"، ونحو "بَلْهاً الشر، وبَلْهَ الشرَّ". (و "بله" مصدر متروك الفعل، وهو منصوب على المصدرية بفعله المهل أو بفعل من معناه تقديره "أترك". وهو إما أن يستعمل مضافاً أو منوّناً. كما رأيت. وأكثر ما يستعمل اسم فعل أمر بمعنى "أترك") .

стр. 590

٢- مصدرٌ يقعُ موقعَ النَّهي، نحو "إجتهاداً لا كسلاً، جِداً لا تَوانياً* مَهلاً لا عجلةً* سُكوتاً لا كلاماً* صَبراً لا جَزَعاً". وهو لا يقع إلاّ تابعاً لمصدر يُرادُ به الأمر كما رأيت. ٣- مصدرٌ يقعُ موقعَ الدعاءِ، نحو "سَقياً لك ورَعياً* تَعساً للخائن* بُعداً للظالم، سُحقاً للَّئيم* جَدعاً للخبيثِ* رحمةً للبائس* عذاباً للكاذب* شقاءً للمهمل* بُؤْساً للكسلان* خَيبة للفاسق* تَبّاً للواشي* نُكساً للمتكبِّر". ومنعَ سيبويه أن يُقاسَ على ما وَرَدَ من هذه الألفاظ. وأجاز الأخفش القياسَ عليها. وهو ما يظهرُ أنه الحقُّ. (ولا تُستعمل هذه المصادر مضافة إلا في قبيح الكلام. فان أضفتها فالنصبُ حتمٌ واجب، نحو "بُعدَ الظالم وسُحقَهُ". ولا يجوز الرفع لأنّ المرفوع يكون حينئذ مبتدأ ولا خبرَ له وان لم تُضفها فلك أن تنصبها، ولك أن ترفعها على الإبتداء، نحو عذاباً له، وعذابٌ له". والنصب أولى. وما عُرَّف منها بأل فالافضل فيه الرفع على الإبتداء، نحو "الخيبةُ للمفسد") . ومما يُستعمَلُ للدُّعاءِ مَصادرُ قد أُهملت أفعلها في الاستعمال، وهي "ويلَهُ، وويَبَهُ، ووَيْحَهُ، ووَيسَهُ". وهي منصوبةٌ بفعلها المُهمَل، أو بفعل من معناها. ("ويل وويب" كلمتا تهديد تقالانِ عند الشتم والتوبيخ. و"ويح وويس" كلمتا رحمة تقالان عند الإنكار الذي لا يراد به توبيخ ولا شتم؛ وإنما يراد به التنبيه على الخطأ. ثم كثرت هذه الألفاظ في الاستعمال حتى صارت كالتعجب، يقولها الإنسان لمن يجب ولمن يبغض. ومتى أضفتها

стр. 591

لزمتِ النصب، ولا يجوز فيها الرفع، لان المرفوع يكون حينئذ مبتدأ ولا خبر له. وان لم تُضفها فلك أن ترفعها، ولك أن تنصبها. نحو "ويلٌ له وويحٌ له، وويلاً له وويحاً له" والرفع أولى) . ٤- مصدرٌ يقعُ بعدَ الاستفهام موقعَ التوبيخ، أو التعجُّب، أو التوَجعِ، فالأول نحو "أجُرأةً على المعاصي؟ "، والثاني كقول الشاعر [من الطويل] أَشوْقاً؟ وَلَمَّا يَمْضِ لي غَيْرُ لَيْلَةٍ ... فَكَيْفَ إِذَا خَبَّ المطِيُّ بِنَا عَشْرَا والثالث كقول الآخر [من الطويل] أَسِجْناً وقتْلاً واشتياقاً وغُرْبَةً ... وَنَأيَ حَبيبٍ؟ إنَّ ذا لَعَظيم وقد يكونُ الاستفهامُ مُقدَّراً، كقوله [من الطويل] خُمُولاً وإِهْمالاً؟ وَغَيْرُك مُولَعٌ ... بِتَثْبيتِ أَركانِ السِّيادَةِ والْمَجْدِ أي أخمولاً؟ وهو هنا للتوبيخ. ٥- مَصادرُ مسموعةٌ كثرَ استعمالُها، ودلَّتِ القرائنُ على عاملها، حتى صارت كالأمثال، نحو "سَمعاً وطاعةً* حمداً لله وشُكراً* عَجَباً* عجَباً لكَ*، ويُقالُ أتفعلُ هذا؟ فتقول "أفعلُهُ، وكراهةً ومَسَرَّةً"، أو "لا

стр. 592

أفعلُهُ ولا كَيْداً ولا همّاً" و"لافعلنَّهُ ورَغماً وهواناً". وإذا أفرَدْتَ "حمداً وشكراً" جاز إظهارُ الفعل، نحو "أحمدُ اللهَ حمداً" و"أشكرُ اللهَ شًكراً". أمّا "لا كُفراً" فلا يُستعمل إلا معَ "حمداً وشكراً". ومن هذه المصادر "سُبحانَ اللهِ، ومَعاذَ اللهِ". ومعنى "سبحانَ الله". تَنزيهاً للهِ وبراءَةً له مما لا يليقُ به. وعمى "مَعاذَ اللهِ" عياذاً باللهِ، أي أعوذُ به. ولا يُستعملان إلا مُضافينِ. ومنها "حِجْراً - بكسر الحاءِ وسكونِ الجيم - يقال للرجل أتفعلُ هذا؟ فيقولُ "حِجْراً"، أي منعاً، بمعنى أمنعُ نفسي منه، وأُبعِدُهُ وأبرأُ منه، وهو في معنى التعوُّذ ويقولون عند هجوم مكروهٍ "حِجْراً محجوراً"، أي منعاً ممنوعاً. والوصف للتأكيد. وتقول لِمن أراد أن يخوض فيما لا يجوزُ الخوضُ فيه، أو أراد أن يأتيَ ما لا يحِلُّ "حِجْراً محجوراً"، أي حراماً مُحرَّماً. ومنها مصادرُ سُمعتْ مُثنَّاةً، نحو "لَبَّيكَ وسَعدَيك وحَنانَيكَ ودَوالَيكَ وحَذارَيكَ". وهي مُثنّاةٌ تَثنيةً يُرادُ بها التكثيرُ، لا حقيقةُ التَّثنيةِ. (و "لبيك وسعديك" يستعملان في إجابة الداعي، أي "أجابة بعد اجابة واسعاداً بعد اسعاد"، أي كلما دعوتني أجبتك وأسعدتك، ولا

стр. 593

يستعمل "سعديك" إلا تابعاً للبيك. ويجوز أن يستعمل لبيك وحده. و"حنانيك" معناه تحنناً بعد تحنن. ومعنى قولهم "سبحان الله وحنانيه" أسبحه وأسترحمه. و"دواليك" معناه مداولة بعد مدالة. و"حذاريك" معناه حذراً بعد حذر) . ٦- المصدرُ الواقعُ تفصيلاً لمُجمَلٍ قبلَهُ، وتَبييناً لعاقبتهِ ونتيجتهِ كقوله تعالى "فَشُدُّوا الوَثاقَ، فإمّا مَنّاً بعدُ، وإمّا فِداءً" وكقول الشاعر [من البسيط] لأَجهَدَنَّ، فإمَّا دَرْءَ مَفْسَدَةٍ ... تُخْشى، وإمَّا بُلُوغَ السُّوْلِ والأَمَلِ ٧- المصدرُ المؤكّدُ لمضمونِ الجملة قبلهُ. سواءٌ أَجيءَ بهِ لمجرَّد التأكيدِ (أيٍ لا لدفعِ احتمال المجازِ، بسبب أنَّ الكلامَ لا يحتملُ غيرَ الحقيقةِ) نحو "لكَ عليَّ الوفاءُ بالعهد حَقّاً"، أم للتأكيد الدافعِ إرادةَ المجاز نحو "هو أَخي حقّاً". فإنَّ قولكَ "هو أَخي" يحتملُ أنك أردتَ الأخوَّة المجازيَّةَ، وقولكَ "حقّاً، رفعَ هذا الاحتمال. ومن المصدر المؤكّدِ لمضمونِ الجملةِ قولهم "لا أفعله بَتّاً وبَتاتاً وبَتَّةً والبَتَّةَ". (ويجوز في همزة "البتة" القطع والوصل، والثاني هو القياس لأنها همزة وصل. واشتقاق ذلك من البت، وهو القطع المستأصل، لأن من يقول ذلك يقطع بعدم الفعل. ويُستعمل من كل أمر يمضي لا رجعة فيه ولا التواء) . فكلَّ ما تقدَّمَ من هذه المصادر، النائبة عن أفعالها، يجبُ فيه حذفُ العامل كما رأيتَ. ولا يجوزُ ذكرهُ. لأنهاإنما جِيءَ بها لتكونَ بدلاً من أفعالها. واعلم أنْ ليسَ المصدرُ، الذي يُؤتى بهِ بَدلاً من التلفظ بفعله،

стр. 594

من المصادرِ المؤَكّدةِ (كما زعم جمهورٌ من النُّحاةِ) ، وإنما هو ضرب آخرُ من المصادرِ، كما علمتَ. ولو كان مؤَكداً لم يَجُز حذفُ عامله، لأنه إنما أُتيَ به ليؤكّدَ عاملُه ويُقوِّيهِ. فحذفُ العاملِ بعدَ ذلك يُنافي ما جِيءَ بالمصدرِ لأجله. ولو كان مؤكداً لجاز ذكر العامِلِ معَهُ. ولم يَقُلْ بذلك أحدٌ منهم، مع إجماعِهم على أنه يجوزُ ذكرُ العاملِ ومصدرِهِ المؤَكدِ له معاً. نحو ﴿يا أيُّها آمنوا صلُّوا عليه وسلموا تسليماً﴾ . (المفعولُ لهُ) المفعولُ لهُ (ويُسمّى المفعولَ لأجلهِ، والمفعولَ من أجلهِ) هو مصدرٌ قَلبيٌّ يُذكرُ عِلّةً لحدَثٍ شاركهُ في الزمانِ والفاعلِ، نحو "رغبةً" من قولكَ "اغتربتُ رَغبةً في العلم". (فالرغبة مصدر قلبي، بين العلة التي من أجلها اغتربت، فان سبب الإغتراب هو الرغبة في العلم, وقد شارك الحدثُ (وهو اغتربت) المصدرَ (وهو رغبة) في الزمان والفاعل. فان زمانهما واحد وهو الماضي. وفاعلهما واحد وهو المتكلم. والمراد بالصدر القلبي ما كان مصدراً لفعل من الأفعال التي منشؤُها الحواسّ الباطنة كالتعظيم والإجلال والتحقير والخشية والخوف والجرأة والرغبة والرهبة والحياء والوقاحة والشفقة والعلم والجهل. ونحوهما. ويقابل أفعال الجوارح (أي الحواسّ الظاهرة وما يتصل بها) كالقراءة والكتابة والقعود والقيام والوقوف والجلوس والمشي والنوم واليقظة، ونحوها) . وفي هذا المبحث مبحثان

стр. 595

ِ١- شُروطُ نَصْبِ المفعولِ لأَجلهِ عَرفتَ، ممّا عَرَّفنا به المفعولَ لأجلهِ، أنه يُشترَطُ فيه خمسةُ شروطٍ. فإنْ فُقِدَ شرطٌ منها لم يَجُز نصبُهُ. فليسَ كلُّ ما يُذكر بياناً لسبب حُدوثِ الفعلِ يُنصَب على أنه مفعولٌ له. وهكاَ تفصيلَ شروط نصبه ١- أن يكونَ مصدراً. (فان كان غير مصدر لم يجز نصبه كقوله تعالى ﴿والأرض وضعها للأنام﴾ ) . ٢- أن يكون المصدر قلبياً. (أي من أفعال النفس الباطنة، فان كان المصدر غير قلبي لم يجز نصبه، نحو "جئت للقراءة") . ٣ و٤- أن يكونَ المصدرُ القلبيُّ مُتَّحداً معَ الفعل في الزمان، وفي الفاعل. (أي) يجب أن يكون زمان الفعل وزمان المصدر واحداً، وفاعلهما واحداً. فان اختلفا زماناً أو فعلاً لم يجز نصب المصدر. فالأول نحو "سافرت للعمل". فان زمان السفر ماضٍ وزمان العلم مستقبل والثاني نحو "أحببتك لتعظيمك العلم". إذ أن فاعل المحبة هو المتكلم وفاعل التعظيم هو المخاطب. ومعنى اتحادهما في الزمان أن يقع الفعل في بعض زمان المصدر كجئت حباً للعلم، أو يكون أول زمان الحدث آخر زمان المصدر كأمسكته خوفاً من فراره. أو بالعكس، كأدبته اصلاحاً له) . ٥- أن يكون هذا المصدرُ القلبي المُتَّحدُ معَ الفعل في الزمان

стр. 596

والفاعل، عِلَّةً لحُصولِ الفعلِ، بحيثُ يَصِحُّ أن يقعَ جواباً لقولكَ "لِمَ فعلتَ؟ ". (فان قلت "جئت رغبة في العلم"، فقولك "رغبة في العلم" بمنزلة جواب لقول قائل "لم جئت؟ ". فان لم يذكر بياناً لسبب حدوث الفعل، لم يكن مفعولاً لأجله، بل يكون كما يطلبه العامل الذي يتعلق به. فيكون مفعولاً مطلقاً في نحو "عظمت العلماء تعظيماً"، ومفعولاً به في نحو "علمتُ الجبن معرةً"، ومبتدأ في نحو "البخل داء"، وخبراً في نحو "أدوى الأدواء الجهل"، ومجروراً في نحو "أي داء أدوى من البخل"، وهلم جراً) . ومثال ما اجتمعت فيهِ الشروطُ قولهُ تعالى ﴿ولا تقتلوا أولادَكم خشيةَ إملاقٍ، نحن نرزُقُهم وإيَّاكم﴾ . فإن فُقدَ شرطٌ من هذه الشروطِ، وجب جرُّ المصدرِ بحرف جر يفيدُ التعليلَ، كاللامِ ومن وفي، فاللامُ نحو "جئت للكتابةِ"، ومن، كقولهِ تعالى ﴿ولا تَقتُلوا أولادَكم من إملاقٍ نحن نَرزُقكم وإيّاهم﴾ ،وفي، كحديثِ "دخلتِ امرأةٌ النارَ في هِرَّةٍ حَبَستها، لا هي أطعمتها، ولا هي

стр. 597

َ تركتها تأكلُ من خَشاشِ الأرض". ٢- أَحكامُ الْمَفْعولِ لَهُ للمفعولِ من أجلهِ ثلاثةُ أحكام ١- يُنصَبُ، إذا استوفى شروطَ نصبهِ، على أنهُ مفعولٌ لأجله صريحٌ. وإن ذُكرَ للتعليل، ولم يَستوف الشروطَ، جُرَّ بحرف الجرِّ المُفيدِ للتَّعليل، كما تقدَّمَ، واعتُبِرَ أنهُ في محلّ نصبٍ على أنه مفعولٌ لأجلهِ غيرُ صريحٍ، وقد اجتمع المنصوبان، الصريحُ وغيرُ الصريح، في قوله تعالى ﴿يجعلون أصابعَهم في آذانهم من الصّواعق حَذَرَ الموت﴾ ، وفي قول الشاعر [الفرزدق / من البسيط] يُغضِي حَياءً، ويُغضَى من مَهابتِهِ ... فَلا يُكَلَّمُ إِلاَّ حِينَ يَبْتسِمُ (فقوله تعالى ﴿من الصواعق﴾ في موضع نصب على أنه مفعول لأجله غير صريح. وقوله ﴿حذر﴾ مفعول لاجله صريح. وقول الشاعر "حياء" مفعول لأجله صريح. وقوله "من مهابته" في محل نصب على أنه مفعول له غير صريح. ونائب فاعل "يغضى" ضمير مستتر يعود على مصدره المقدّر. والتقدير "يغضى الإغضاءُ". ولا يجوز أن يكون "من مهابته" في موضع نائب الفاعل، لان المفعول له لا يُقام مُقامَ الفاعل، لئلا تزول دلالته على العلة. وقد عرفت في مبحث نائب الفاعل (في الجزء الثاني) أن

стр. 598

المجرور بحرف الجر لا ينوب عن الفاعل؛ ان جُرّ بحرف جر يفيد التعليل) . ٢- يجوزُ تقديمُ المفعولِ لأجلهِ على عامله، سواءٌ أَنُصبَ أم جُرَّ بحرف الجرَّ، نحو "رغبةً في العلم أتيتُ" و"للتِّجارةِ سافرتُ". ٣- لا يجبُ نصبُ المصدر المُستوفي شروطَ نصبهِ، بل يجوزُ نصبُهُ وجرُّهُ. وهو في ذلك على ثلاثِ صوَر ١- أن يَتجرَّدَ من "أَل" والإضافة، فالاكثرُ نصبُهُ، نحو "وقفَ الناسُ احتراماً للعالم". وقد يُجَرُّ على قلَّةٍ، كقوله [من الرجز] مَنْ أَمَّكُمْ، لِرَغْبَةٍ فِيكْم، جُبِرْ ... ومَنْ تَكونُوا ناصِريهِ يَنْتَصِرْ ٢- أن يقترنَ بأل، فالأكثرُ جرهُ بحرفِ الجر، نحو "سافرتُ للرغبة في العلم". وقد يُنصَبُ على قلةِ كقولهِ [من الرجز] لا أَقْعُدُ، الجُبْنَ، عنِ الْهَيْجاء ... وَلَوْ تَوَالتْ زُمَرُ الأَعداءِ ٣- أن يُضافَ، فالأمرانِ سواءٌ، نصبُهُ وجرُّه بحرف الجرّ، تقول "تركتُ المنكَرَ خَشيةَ اللهِ، أو لخشيةِ الله، أو من خشيةِ اللهِ". ومن النصب قولهُ تعالى ﴿يُنفقونَ أموالَهُمُ ابتغاءَ مَرضاةِ اللهِ﴾ ، وقولُ الشاعر [من الطويل] وَأَغْفِرُ عَوْراءَ الْكريمِ ادِّخارَهُ ... وأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئيمِ تَكرُّما ومن الجرِّ قوله سبحانَهُ ﴿وإنَّ منها لمَا يَهبِط من خشيةِ اللهِ﴾ .

стр. 599

(المفعولُ فيه) وهو المُسَمَّى ظَرْفاً المفعولُ فيه (ويُسمّى ظرفاً) هو اسمٌ يَنتصبُ على تقدير "في"، يُذكرُ لبيانِ زمان الفعل أو مكانهِ. (أما اذا لم يكن على تقدير "في" فلا يكون ظرفاً، بل يكون كسائر الاسماء، على حسب ما يطلبه العامل. فيكون مبتدأ وخبراً، نحو "يومنا يومٌ سعيد"، وفاعلاً، نحو "جاء يومُ الجمعة"، ومفعولاً به، نحو "لا تضيع أيامَ شبابك". ويكون غير ذلك، وسيأتي بيانه. والظرف، في الاصل، ما كان وعاء لشيء. وتسمى الاواني ظروفاًن لانها أوعية لما يجعل فيها، وسميت الازممنة والامكنة "ظروفاً". لأنّ الافعال تحصل فيها، فصارت كالاوعية لها) . وهو قسمانِ ظرفُ زمانٍ، وظرفُ مكان. فظرفُ الزمان ما يَدْلُّ على وقتٍ وقعَ فيه الحدثُ نحو "سافرتُ ليلاً". وظرفُ المكان ما يدلُّ على مكانٍ وقعَ فيه الحدثُ، نحو "وقفتُ تحتَ عَلَمِ العلم". والظرفُ، سواءٌ أكانَ زمانياً أم مكانياً، إما مُبهَمٌ أو محودٌ (ويقال للمحدود المُوَقَتُ والمختصُّ أيضاً) ، وإما مُتصرّفٌ أو غيرُ مُتصرفٍ. وفي هذا الباب ثمانيةُ مباحثَ

стр. 600

١- الظَّرفُ المُبْهَمُ والظَّرفُ الْمَحْدُود المُبهَهمُ من ظروفِ الزمانِ ما دلَّ على قَدْرٍ من الزمان غير مُعيَّنٍ، نحو "أبدٍ وأمدٍ وحينٍ ووقتٍ وزمانٍ". والمحدودُ منها (أو المُوقَّتُ أو المختصُّ) ما دلَّ على وقتٍ مُقدَّرٍ مُعَيَّنٍ محدودٍ، نحو "ساعةٍ ويومٍ وليلةٍ وأُسبوعٍ وشهرٍ وسنةٍ وعامٍ". ومنه أسماءُ الشهور والفُصولِ وأيام الأسبوع وما أُضيفَ من الظروف المُبهَمةِ إلى ما يزيلُ إبهامَهُ وشُيوعَهُ كزمانِ الرَّبيعِ ووقتِ الصيف. والمُبهمُ من ظروف المكان ما دلَّ على مكانٍ غيرِ مُعيَّنٍ (أي ليس له صورةٌ تدرَكُ بالحسِّ الظاهر، ولا حُدودٌ لصورةٍ) كالجهاتِ الستَّ، وهيَ "أمامٌ (ومثلُها قُدَّامٌ) ووراءٌ (ومثلها خَلفٌ) ويَمينٌ، ويَسار (ومثلُها شمال) وفَوق وتحت"، وكأسماءِ المقادير المكانيّة كمِيلٍ وفَرسخٍ وبَريدٍ وقَصبةٍ وكيلومترٍ، ونحوها، وكجانبٍ ومكانٍ وناحيةٍ، ونحوِها. ومن المُبهَمِ ما يكونُ مُبهمَ المكانِ والمسافةِ معاً كالجهاتِ الستْ، وجانبٍ وجهةٍ وناحيةٍ. ومنه ما يكونُ مُبهمَ المكانِ مُعينَ المسافةِ كأسماءِ المقادير، فهي شبيهةٌ بالمُبهم من جهةِ أنها ليست أشياءَ مُعيَّنةً في الواقع، ومحدودةٌ من حيثُ أنها مُعيّنةُ المقدار. (فمكان الجهات الست غير معين لعدم لزومها بقعة بخصوصها، لانها أمور اعتبارية أي باعتبار الكائن في المكان، فقد يكون خلفك أماماً لغيرك؛ وقد تتحول فينعكس الامر. وهكذا مقدارها، أي مسافتها ليس له أمد معلوم. فخلفك مثلاً اسم لما وراء ظهرك الى ما لا نهاية. أما أسماءُ المقادير فهي،
следующие страницы →