← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 3284

جامع الدروس العربية

مصطفى الغلاييني

Полный текст (839 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قالتْ أَلاَ لَيتَما هذا الحمامَ لنا ... إلى حَمامَتِنا، أو نِصْفَهُ فَقَدِ (فالنصب على أن (ليتما) عاملة، و (ذا) اسمها، و"الحمام" بدل منه. والرفع على أنها مهملة مكفوفة بما، و (ذا) مبتدأ، و"الحمام" بدل منه. وكذا "نصفه" إن نصبت الحمام نصبته، وإن رفعته رفعته، لأنه معطوف عليه) . ومتى لحقت (ما الكافَّة) هذهِ الاحرفَ زالَ اختصاصُها بالأسماء. فَلِذا أُهملت، وجازَ دخولُها على الجملة الفعليّة، كما تدخلُ على الجملة الاسميَّة، إلاَّ (ليتَ) . فمن دخولها على الجملةِ الفعلية قولهُ تعالى ﴿كأنما يُساقونَ الى الموت﴾ وقول الشاعر [من الطويل] أَعِدْ نَظَراً يا عَبْدَ قَيْسٍ، لَعَلَّما ... أَضاءَتْ لكَ النَّارُ الحِمارَ المُقَيَّدا ومن دخولها على الجملة الاسميَّة قوله تعالى ﴿قل انما انا بشرٌ مثلُكُم يُوحى إليَّ أنما إلهكم إلهُ واحدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] ،، وقولهُ ﴿إنما اللهُ إِلهٌ واحدٌ﴾ [النساء: ١٧١] . وأما (ليتَ) فانها باقيةٌ على اختصاصها بالأسماءِ، بعدَ أن تلحقها (ما الكافةُ) فلا تدخلُ على الجُمل الفعليَّة، لذلك يُرَجَّحُ ان تبقى على عملها من نصب الاسمِ ورفعِ الخبر، كما تقدَّم. فائدة وتنبيه (إن كانت (ما) اللاحقة لهذه الأحرف اسماً موصولاً، او حرفاً مصدرياً، فلا تكفها عن العمل، بل تبقى ناصبة للاسم رافعة للخبر. فان لحقتها (ما الموصولة) كانت (ما) اسمها منصوبة محلاً، كقوله تعالى ﴿إن ما عندكم ينفد﴾ ، أي إن الذي عندكم ينفد. وإن لحقتها (ما المصدرية) كان

стр. 527

ما بعدها في تأويل مصدر منصوب، على انه اسم "ان" نحو "إن ما تستقيم حسن"، أي ان استقامتك حسنة. وحينئذ تكتب (ما) منفصلة. كما رأيت. بخلاف (ما الكافة) ، فانها تكتب متصلة كما عرفت فيما سلف. وقد اجتمعت "ما" المصدرية و"ما" الكافة في قول امرئ القيس [من الطويل] فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب، قليل من المال ولكنما أسعى لمجد مؤثلٌ ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي فما في البيت الاول مصدرية. والتقدير لو ان سعيي. وفي البيت الآخر زائدة كافة، أي ولكني أسعى لمجد مؤثل) . (٩) العَطْفُ على أسماء هذهِ الأَحرُف اذا عطفتَ على اسماءِ الاحرف المشبَّهة بالفعل، عطفت بالنصب، سواءٌ أوقعَ المعطوفُ قبلَ الخبر ام بعدَهُ، فالاولُ نحو (إنَّ سعيداً وخالداً مسافرانِ) ، والثاني نحو (إنَّ سعيداً مُسافرٌ وخالداً) . وقد يُرفعُ ما بعدَ حرف العطف، بعدَ استكمالِ الخبر، على انهُ مبتدأٌ محذوفُ الخبر، وذلك بعد (إنَّ وأنَّ ولكنَّ) فقطْ، فمثالُ (إنَّ) " (إنَّ سعيداً مسافرٌ وخالدٌ) ، ومنهُ قولُ الشاعر [من الطويل]

стр. 528

فَمَنْ يَكُ لم يُنْجِبْ أَبُوهُ وأُمُّهُ ... فَإنَّ لَنا الأُمَّ النَّجيةَ، والأَبُ وقول الآخر [من الكامل] إنَّ الخِلافَة والمُروءَةَ فيهمُ ... والمَكْرُماتُ وسادةٌ أطهارُ ومثالُ (أنَّ) قوله تعالى (واذانٌ من الله ورسولهِ الى الناس يومَ الحجِّ الاكبرِ أنَّ اللهَ بريءٌ من المشركينَ، ورسولهُ) . ومثالُ "لكنَّ) قولُ الشاعر [من الطويل] وما زِلتُ سَبَّاقاً إلى كُلِّ غايةٍ ... بها يُبْتَغَى في النَّاس مَجدٌ وإِجلالُ وما قَصَّرَتْ بِي في التَّسامي خُؤُولةٌ ... ولكنَّ عمِّي الطَّيِّبُ الأَصلِ والخالُ

стр. 529

وقد يُرفعُما بعدَ العاطف قبل استكمالِ الخبر، لغرضٍ معنوي، على أنه مبتدأٌ محذوفُ الخبر "فتكونُ جُملتُهُ مُعترِضةً بينَ اسمِ (إنّ) وخبرِها، كقول الشاعر [من الطويل] فَمَنْ يَكُ أَمسَى بالمدينَةِ رَحْلُهُ ... فإنِّي، وقَيَّارٌ، بِها لَغَريبُ (غريب خبر عن اسم، "إن"، وقيار مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير وقيار غريب بها ايضاً. وقيار اسم فرسه او جمله. وانما قدمه واعترض بجملته بين اسم إن وخبرها لغرض ان هذا الفرس او الجمل استوحش في هذا البلد، وهو حيوان، فما بالك بي، فلو نصب بالعطف على اسم "ان" فقال "فاني وقياراً بها لغريبان"، لم يكن من ورائه شدة تصوير الاستيحاش الذي يعطيه الرفع في هذا المقام) . ومنهُ قولهُ تعالى ﴿ (إنَّ) الذينَ آمنوا والذينَ هادُوا، والصابئون، والنصارى، مَن آمنَ منهم باللهِ واليومِ الآخرِ وعملَ صالحاً، فلا خَوفٌ عليهم ولا هم يَحزنون﴾ [المائدة: ٦٩] . فالصابئون مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير والصابئون كذلك، اي لهم حكم الذين آمنوا والنصارى واليهود. والجملة معترضة بين اسم "ان" وخبرها، وخبر الخبر هو جملة الجواب والشرط، والغرض من رفع "الصابئون" وجعله مبتدأ محذوف الخبر أنه لما كان الصابئون، مع ظهور ضلالهم وميلهم عن الأديان كلها، يتاب عليهم إن صح منهم الايمان، واعتصموا بالعمل الصالح، فغيرهم ممن هو على دين سماوي وكتاب منزل، أولى بذلك) .

стр. 530

(١٠) إنَّ المكسورةُ، وأَنَّ المفتوحة يجبُ ان تُكسرَ همزةُ (إنَّ) حيث لا يصحُّ ان يقومَ مقامَها ومقام معمولَيها مصدرٌ. ويجبُ فتحُها حيثُ يجبُ ان يقوم مصدرٌ مقامَها ومقامَ معموليها. ويجوزُ الامرانِ الفتحُ والكسرُ، حيثُ يَصحُّ الاعتبارانِ. (فان وجب أن يؤول ما بعدها بمصدر مرفوع أو منصوب أو مجرور (بحيث تضطر الى تغيير تركيب الجملة) ، فهمزتها مفتوحة وجوباً، نحو "يعجبني أنك مجتهد"، والتأويل "يعجبني اجتهادك" ونحو "علمت ان الله رحيم"، والتأويل "علمت رحمة الله"، ونحو "شعرت بأنك قادم"، والتأويل "شعرت بقدومك". وانما وجب تأويل ما بعد "أن" هنا بمصدر لأننا لو لم نؤوله، لكانت "يعجبني" بلا فاعل، "وعلمت" بلا مفعول، و"الباء" بلا مجرور فالمصدر المؤول فاعل في المثال الاول، ومفعول في المثال الثاني، ومجرور بالباء في المثال الثالث. وان كان لا يصح أن يؤول ما بعدها بمصدر (بمعنى أنه لا يصح تغيير التركيب الذي هي فيه) وجب كسر همزتها على أنها هي وما بعدها جملة، نحو "ان الله رحيم". وإنما لم يصح التأويل بالمصدر هنا لأنك لو قلت "رحمة الله" لكان المعنى ناقصاً. وان جاز تأويل ما بعدها بمصدر، وجاز ترك تأويله به، جاز الامران، فتحها وكسرها نحو "أحسن إليّ علي، انه كريم"، فالكسر هنا على أنها مع ما بعدها جملة تعليلية، والفتح على تقدير لام الجر، فما بعدها مؤول بمصدر. والتأويل "أحسن اليه لكرمه".

стр. 531

وحيث جاز الامران فالكسر أولى وأكثر لانه الاصل، ولانه لا يحتاج معه الى تكلف التأويل) . (١١) مَواضعُ "إِنَّ" المكسُورة الهمزة وجوباً تُكسرُ همزةُ (إنَّ) وجوباً حيثُ لا يصحُّ أن يُؤَوّلَ ما بعدَها بمصدر، وذلك في اثنيْ عَشر موضعاً (١) ان تقعَ في ابتداءِ الكلام، إمَّا حقيقةً، كقوله تعالى ﴿إنا انزلناهُ في ليلة القَدْرِ﴾ ، أو حُكماً، كقوله ﴿ألا إنَّ اولياءَ الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزَنون﴾ . وإن وقعتْ بعدَ حرف تنبيه، كألا، اوِ استفتاحٍ، كألا وأمَا، او تحضيضٍ كهَلاً، او رَدْعٍ، كَكَلاَّ، او جوابٍ، كنَعْم ولا، فهي مكسورةُ الهمزةِ، لانها في حكم الواقعة في الابتداء. وكذا إن وقعت بعدَ (حتّى) الابتدائية، نحو "مَرِضَ زيدٌ، حتى إنهم لا يَرجونه، وقَلَّ مالُه، حتى إنهم لا يُكلّمونه". والجملة بعدَها لا محلَّ لها من الاعراب لانها ابتدائيةٌ، او استئنافيّة. (٢) أن تقعَ بعد (حيث) نحو "اجلِسْ حيث إنَّ العلم موجود". (٣) أن تقعَ بعد (إذْ) نحو "جئتُكَ إذْ إنِّ الشمسَ تطلُعُ". (٤) أن تقعَ صدرَ الواقعةِ صِلَةً للموصول، نحو "جاء الذي إنه مجتهدٌ"، ومنهُ قولهُ تعالى ﴿وآتيناهُ من الكنوزِ ما إن مَفاتحَهُ لتَنوء بالعُصبةِ أولي القوَةِ﴾ . (٥) أن تقعَ ما بعدَها جواباً للقسَم، نحو واللهِ، "انَّ العلمَ نورٌ"،

стр. 532

ومنه قولهُ تعالى ﴿والقرْآنِ الحكيمِ، انكَ لَمنَ المُرسلينَ﴾ . (٦) أن تقعَ بعد القولِ الذي لا يَتضمَّنُ معنى الظنِّ، كقوله تعالى ﴿قال إني عبدُ اللهِ﴾ ، فان تَضمَّنَ معناهُ فُتحت بعدهُ، لأنَّ ما بعدَها مَؤوَّلٌ حينئذٍ بالمفعول به، نحو "أتقولُ أن عبدَ الله يَفعلُ هذا؟ "، أي "أتظنُّ أنهُ يَفعلهُ؟ ". (٧) أن تقعَ معَ ما بعدها حالاً، نحو "جئتُ وإِنَّ الشمس تَغرُبُ"، ومنه قولهُ تعالى ﴿كما أخرجَكَ رَبُّكَ من بيتكَ بالحقِّ، وإنّ فريقاً منَ المُؤمنينَ لكارهون﴾ . (٨) أن تقعَ معَ ما بعدَها صفةً لما قبلها، نحو "جاءَ رجلٌ إنه فاضل". (٩) أن تقعَ صدرَ جملةٍ استئنافيَّةٍ، نحو "يَزعُمُ فلانٌ أني أسأتُ اليهِ، إنه لكاذبٌ﴾ . وهذهِ من الواقعة ابتداءً. (١٠) أن تقعَ في خبرِها لامُ الابتداء نحو "علمتُ إنكَ لمجتهدٌ". ومنه قولهُ تعالى ﴿واللهُ يَعلمُ إنكَ لرسولُه، واللهُ يشهدُ إنَّ المُنافقينَ لكاذبون﴾ . (١١) ان تقعَ مع ما بعدَها خبراً عن اسم عين، نحو "خليلٌ إنه كريمٌ" ومنه قولهُ تعالى ﴿إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والصّابِئينَ والنَّصارى والمجُوسَ والذينَ اشركوا، إنَّ اللهَ يَفصِلُ بينهم يومَ بالقيامة﴾ .

стр. 533

(١٢) مَواضعُ "أَنَّ" المفْتوحةِ الهمزة وجوباً تُفتحُ همزةُ "أنّ" وجوباً حيثُ يجبُ ن يؤوَّلَ ما بعدَها بمصدرٍ مرفوع او منصوبٍ أو مجرور. وذلك في أحدَ عشرَ موضعاً فيؤوَّل ما بعدها بمصدرٍ مرفوعٍ في خمسة مواضع (١) ان تكون وما بعدها في موضع الفاعل، نحو "بلغني أنك مجتهدٌ" ومنه قولهُ تعالى ﴿أَولم يَكْفِهم أنا أنزلنا عليكَ الكتاب﴾ . ومن ذلك أن تقع بعد "لَوْ"، نحو "لو انك اجتهدتَ لكان خيرٌ لك"، ومنه قولهُ تعال ﴿ولو أنهم آمنوا واتقَوْا لمثوبة من الله خيرٌ﴾ . ومن ذلك ان تقع بعد "ما" المصدريّة الظَّرفيَّة، نحو "لا أُكلمك ما أنك كسُولٌ"، ومنه قولُهُمْ (لا أُكلِّمهُ ما أنَّ حراءً مكانَه) او (ما أنَّ في السماءِ نجماً) . (٢) أن تكون هي وما بعدها في موضعِ نائب الفاعل، نحو "عُلمَ انك منصرفٌ"، ومنهُ قولهُ تعالى ﴿قُل أُوحِيَ اليَّ انه استمعَ فَفَرٌ من الجن﴾ . (٣) ان تكونَ هي وما بعدها في موضع المبتدأ، نحو "حَسَنٌ انك

стр. 534

مجتهدٌ"، ومنهُ قولهُ تعالى ﴿ومن آياته انك تَرى الارضَ خاشعةً﴾ . (٤) ان تكون هي وما بعدها في موضع الخبر عن اسم معنًى واقعٍ مبتدأ او اسماً لأنَّ، نحو "حَسبُكَ انكَ كريمٌ"، ونحو "ان ظني انك فاضلٌ". فان كان المخبَرُ عنهُ اسمَ عينٍ وجب كسرُها، كما تقدَّمَ، لانك لو قلت "خليلٌ انهُ كريمُ"، بفتحها، لكانَ التأويلُ "خليلٌ كرَمُهُ"، فيكونُ المعنى ناقصاً. (٥) ان تكون هي وما بعدها في موضعِ تابعٍ لمرفوعٍ، على انه معطوفٌ عليهِ او بَدَلٌ منه، فالاولُ نحو "بلغني اجتهادُك وانكَ حَسَنُ الخُلُق"، والثاني نحو "يُعجبُني سعيدٌ انهُ مجتهدٌ". وتُؤَوَّلُ بمصدرٍ منصوبٍ في ثلاثةِ مواضعَ (١) ان تكون هي وما بعدها في موضع المفعول به، نحو "علمتُ أنكَ مجتهدٌ"، ومنهُ قولهُ تعالى ﴿ولا تخافون انكم أشركتم باللهِ﴾ . ومن ذلك ان تقع بعد القول المتَضمّنِ معنى الظنّ، كما سبق. (٢) أن تكون هي وما بعدها في موضعِ خبرٍ لكانَ او إحدى أخواتها، بشرطِ ان يكون اسمُها اسمَ معنًى، نحو "كانَ عِلمي، او يَقيني، أنك تتَّبعُ الحقَّ".

стр. 535

(٣) ان تكون هي وما بعدها في موضعِ تابعٍ لمنصوبٍ، بالعطف او البَدَليّة فالاوَّلُ نحو "علمتُ مجيئَكَ وأنكَ مُنصرفٌ" ومنهُ قولهُ تعالى ﴿اذكروا نِعمتيَ التي انعمتُ عليكم، واني فَضَّلتكم على العالمين﴾ ، والثاني نحو "احترمتُ خالداً انه حَسَنُ الخُلقْ" ومنه قولهُ تعالى ﴿واذْ يَعِدُكم الله إحدى الطائفتين انها لَكُم﴾ . وتؤَوَّلُ بمصدرٍ مجرورٍ في ثلاثة مواضعَ ايضاً (١) ان تقعَ بعد حرف الجر، فما بعدَها في تأويل مصدرٍ مجرورٍ به، نحو "عَجبتُ من انكَ مُهملٌ"، ومنه قولهُ تعالى ﴿ذلكَ بأن اللهَ هوَ الحقُّ﴾ . (٢) ان تقعَ مع ما بعدها في موضعِ المضاف اليه، نحو "جئتُ قبلَ أنَّ الشمسَ تَطلُعُ"، ومنه قوله تعالى ﴿وإنه لحَقٌّ مثلما انكُم تَنطِقون﴾ . (٣) ان تقع هي وما بعدها في موضع تابعٍ لمجرورٍ، بالعطف او البَدَليةِ، فالاولَ نحو "سُررتُ من أدَبِ خليلٍ وإنها عاقلٌ"، والثاني نحو "عَجبتُ منهُ إنهُ مُهملٌ".

стр. 536

(١٣) الْمَواضِعُ التي تَجوزُ فيها "إِنَّ وأَنَّ" يجوزُ الامرانِ، كسر همزة "إنَّ" وفتحُها، حيثُ يَصح الإعتبارانِ تأويلُ ما بعدها بمصدرٍ، وعدمُ تأويلهِ. وذلك في أربعة مواضع (١) بعد "اذا" الفُجائيّةِ، نحو "خرجتُ فاذا إنَّ سعيداً واقفٌ". (فالكسر هو الاصل، وهو على معنى "فاذا سعيد واقف" والفتح على تأويل ما بعدها بمصدر مبتدأ محذوف الخبر، والتأويل "فاذا وقوفه حاصل") . وقد رُوي بالوجهينِ قولُ الشاعر [من الطويل] وكُنْتُ أَرَى زَيْداً، كما قيلَ، سَيِّداً ... إِذَا أَنَّهُ عَبْدُ الْقَفا واللهازِمِ (فالكسر على معنى "فاذا هو عبد القفا". والفتح على معنى "فاذا عبوديته حاصلة". (٢) ان تقعَ بعدَ فاءِ الجزاءِ، نحو "ان تجتهدْ فانكَ تُكرَمُ". وقد قُرِيءَ بالوجهين قولهُ تعالى ﴿مَنْ يُحادِدِ اللهَ ورسولَهُ فانَّ لهُ نارَ جهنمَ﴾ . وقولهُ ﴿مَن عملَ منكم سُوءًا بِجهالةٍ، ثمَّ نابَ من بعدهِ واصلحَ، فانهُ غفورٌ رَحيمٌ﴾ . (فالكسر على جعلها جملة الجواب. والفتح على ان ما بعدها مؤول بمصدر مرفوع مبتدأ محذوف الخبر. والتقدير في المثال "ان تجتهد فاكرامك حاصل". والتقدير في الآية الاولى "فكون نار جهنم له او ثابت أو حاصل" والتقدير في الآية الاخرى ﴿فمغفرة الله حاصلة له﴾ . وتكون جملة المبتدأ

стр. 537

المؤول وخبره المحذوف جواب الشرط) . (٣) ان تقعَ مع ما بعدها في موضعِ التَّعليلِ، نحو اكرِمْهُ، انّهُ مُستحِقٌّ الإكرامِ"، وقد قُريءَ بالوجهينِ قولهُ تعالى ﴿صَلِّ عليهم، إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لهم﴾ . (فالكسر على انها جملة تعليلية. والفتح على تقدير لام التعليل الجارة اي لانه ولان صلاتك. والتأويل في المثال "أكرمه لاستحقاقه الإكرام"، وفي الآية "صل عليهم لتسكين صلاتك إياهم"، والسكن (بالتحريك) ما يسكن اليه، ويفسر ايضاً بالرحمة والبركة) . (٤) ان تقعَ بعدَ "لا جَرَمَ" نحو "لا جَرَمَ انكَ على حَقٍّ". والفتح هو الكثير الغالبُ. قال تعالى ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللهَ يَعلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ . (ووجه الفتح أن تجعل ما بعد "أن" مؤولاً بمصدر مرفوع فاعل لجرمَ. وجرم معناه حقَّ وثبتَ. وأصل الجرم القطع، وعلمُ الله بالاشياء مقطوعٌ به لانه حق ثابت. و"لا" حرف نفي للجواب، يرد به كلام سابق. فكأنه قال "لا"، اي ليس الامر كما زعموا، ثم قال (جرم أن الله يعلم) أي (حق وثبت علمه) . وقال الفراء لا جرم بمعنى (لا بد) ، لكن كثر في الكلام، فصار بمنزلة اليمين، لذلك فسرها المفسرون حقاً وأصله من جرمت بمعنى كسبتُ. فتكون (لا) على رأيه نافية للجنس. و (جرم) اسمها مبني على الفتح، وما بعد (أن) مؤول بمصدر على تقدير (من) ، أي لا جرم من ان الله يعلم، اي لا بد من علمه.

стр. 538

ووجه الكسر ان من العرب من يجعل (لا جرم) بمنزلة القسم واليمين، نحو (لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحسنت) . فمن جعلها يميناً كسر همزة (ان) بعدها نحو (لا جرم إنك على حق) ، وجعل جملة (ان) المكسورة واسمها وخبرها. جواب القسم. وعلى من جعلها يميناً فاعرابها كاعراب (لا بد) وقد أغنى جواب القسم عن خبرها. وقد علمت انه حيث جاز فتح (أن) وكسرها، فالكسر أولى وأكثر، لأنه الأصل، ولأنه لا تكلف فيه، إلا اذا وقعت بعد (لا جرم) فالفتح هو الغالب الكثير، وان نزّلتها منزلة اليمين، لأنها في الاصل فعل) . (١٤) تخفيفُ "إنَّ وأَنَّ وكأنَّ ولكنَّ". يجوزُ ان تُخفَّفَ "إنَّ وأنَّ وكأنَّ ولكنَّ" بحذف النون الثانية، فيقال "إنْ وأنْ وكأنْ ولكنْ". (١٥) "إنْ" المخففة المكسورة اذا خُفّفت "إنَّ" أُهمِلتْ وجوباً، إن ولِيَها فعلٌ، كقوله تعالى ﴿وإن نَظنكَ لَمِنَ الكاذبين﴾ . فان ولِيَها اسمٌ فالكثيرُ الغالبُ إهمالها، نحو "إن أنتَ لصادقٌ"، ويَقِلُّ إعمالها، نحو "إنْ زيداً مُنطلِقٌ"، ومنهُ قولهُ تعالى ﴿وإنْ كُلاً لمَا ليوَفينَّهم ربكَ اعمالهم"، في قراءَة من قرأ "إنْ ولَمَا" مخفّفتينِ. ومتى خُففت وأُهمِلَت لزمتها اللامُ المفتوحةُ وجوباً، نحو "إنْ سعيدٌ

стр. 539

لمجتهد" تَفرقةً بينها وبين "إنْ" النافيةِ، كيلا يقع اللبسُ. وتُسمّى "اللامَ الفارقةَ". فان أُمِنَ اللَّبس جاز تركُها، كقوله [من الطويل] أَنا ابنُ أُباةِ الضَّيْمِ منْ آلِ مالِكٌ ... وإِنْ مالكٌ كانتْ كِرامَ الْمَعادِنِ لأن المقامَ هنا مَقامُ مَدح، فيمنعُ ان تكونَ "إنْ نافيةً، وإلا انقلبَ المدحُ ذَماً". وإذا خُففت لم يَلِها من الأفعال إلا الأفعالُ الناسخةُ لحكم المبتدأ والخبر (اي التي تَنسَخُ حُكمهما من حيثُ الإعرابُ. وهي كانَ وأخواتُها، وكادَ وأخواتُها، وظنَّ وأخواتُها) . وحينئذٍ تدخلُ اللامُ الفارقةُ على الجزءِ الذي كان خبراً. والاكثر ان يكونَ الفعلُ الناسخُ الذي يليها ماضياً، كقوله تعالى ﴿وإِنْ كانت لكبيرةً إلاّ على الذينَ هدى اللهُ﴾ ، وقوله ﴿قال تاللهِ إن كِدتَ لَتُردِينِ﴾ ، وقولهِ ﴿وإن وجدنا أكثرَهم لَفاسقينَ﴾ . وقد يكونُ مضارعاً كقوله سبحانهُ ﴿وإن نظنكَ لَمِنَ الكاذبين﴾ . ودخولُ "إنْ" المخفّفَة على غير ناسخٍ من الافعال شاذ نادرٌ، فما وردَ منه لا يُقاسُ عليه، كقولهم "إنْ يَزينُكَ لنَفسُكَ، وإنْ يشينُكَ لهِيَهْ". (١٦) "أنْ" المُخفَّفَةُ المفتوحة أذا خُفّفت "أن" المفتوحةُ، فمذهبُ سيبويه والكوفيين انها مُهمَلةٌ لا تعمل شيئاً، لا في ظاهر ولا مُضمر، فهي حرفٌ مصدري كسائر الاحرف

стр. 540

المصدرية. وتدخلُ حينئذٍ على الجملِ الإسميّة والفعلية. وهذا ما يظهرُ أنه الحقُّ. وهو مذهبٌ لا تكَلُّفَ فيه. واما قولُ جَنوبَ الكاهليّة [من المتقارب] لَقَدْ عَلِمَ الضيفُ والمُرْمِلون ... إِذا اغْبرَّ أُفْقٌ وَهَبَّتْ شَمالا بأَنْكَ رَبيعٌ وغَيْثٌ مَريعٌ ... وأَنْكَ هُناكَ تكونُ الثِّمالا وقولُ الآخر [من الطويل] فلَوْ أَنْكِ في يَوْمِ الرَّخاءِ سَأَلتني ... طلاقَكِ لم أبخلْ وأَنتِ صَديقُ فضَرورَةٌ شعريَّةٌ لا يُقاسُ عليها. واعلم أنَّ "أنَّ" المخفّفةَ، إن سبقها فعل، فلا بُدَّ أن يكونَ من أفعال اليقينِ أو ما يُنزَّلُ منزلَتها، من كل فعل قلبيٍّ، يُرادُ به الظنُّ الغالبُ الراجح.

стр. 541

فالاولُ كقوله تعالى ﴿عَلِمَ أنْ سيكونُ منكم مَرْضى﴾ ، ومنه قول الشاعر [أبو محجن الثقفي] إذا مِتُّ فادفنِّي إِلى جَنْبِ كرْمةٍ ... تُرَوِّي عظامي بعْد مَوتي عُروقُها ولا تَدفِنَنِّي في الْفَلاةِ، فإنَّني ... أخافُ إِذا ما مِتُّ، أَن لا أذُوقُها فخوفهُ ان لا يذوقها بعدَ مماته يقينٌ عنده، مُتحققٌ لديهِ. والثاني كقوله تعالى ﴿وظنُّوا أنْ لا مَلجأ من اللهِ إِلاّ اليه﴾ وقولهِ ﴿أيحسَبُ أن لم يَرَهُ أحدٌ﴾ . فائدة (إذا وقعت "أن" الساكنة بعد فعل يفيد العلم واليقين، وجب أن تكون مخففة من "ان" المشددة. وأن يكون المضارع بعدها مرفوعاً، كما رأيت. ولا يجوز أن تكون "أن" الناصبة للمضارع. وان وقعت بعد فعل يدل على الظن الراجح، جاز أن تكون مخففة من (أن) المشددة فالمضارع بعدها مرفوع، وجاز أن تكون (أن) الناصبة للمضارع، فهو بعدها منصوب. وقد قريء بالوجهين قوله تعالى ﴿وحسبوا أن لا تكون فتنة﴾ ، بنصب (تكون) على أن (أن) هي الناصبة للمضارع، ورفعه على انها هي المخففة من (أن) المشددة. وذلك لأن (أن) الناصبة للفعل المضارع تستعمل في مقام الرجاء وللطمع فيما بعدها، فلا يناسبها اليقين، وإنما يناسبها الظن، فلم يجز أن تقع بعد ما يفيد اليقين. و (أن) المخففة هي للتأكيد، فيناسبها اليقين. ولما كان الرجاء والطمع يناسبهما الظن، جاز أن تقع بعده (أن) الناصبة للمضارع المفيدة للرجاء والطمع. وانما جاز أن تقع (أن) المخففة المفيدة للتأكيد. إذا كان

стр. 542

ظناً راجحاً، لأن الظن الراجح يقرب من اليقين فينزل منزلته) . واعلم أنَّ "أن" المخفّفَة لا تدخل إلا على الجمل، عند من يُهملهُا وعند من يُعمِلُها في الضمير المحذوف، الا ما شذ من دخولها على الضمير البارز في الشعر للضّرورة، وقد علمت أنه نادر مخالفٌ للكضير المسموع من كلام العرب. والجملةُ بعدها إمَّا اسميَّةٌ، وإما فعليَّة. فان كانت جملةً اسميَّة او فعليَّة فعلُها جامدٌ، لم تحتجْ الى فاصل بينها وبين "أنْ" فالإسميَّةُ كقوله تعالى ﴿وآخِرُ دعواهُم ان الحمدُ للهِ ربِّ العالمين﴾ . وكقول الشاعر [من البسيط] في فِتْيَةٍ، كسُيوفِ الهِنْدِ، قَدْ عَلِمُوا ... أنْ هالِكٌ كلُّ منْ يحْفى ويَنْتَعِلُ والفعليَّةُ، التي فعلُها جامدٌ، كقوله سبحانهُ ﴿وان ليس للانسان إلا ما سعى﴾ ، وقولهِ ﴿وان عسى ان يكونَ قد اقتَربَ أَجلُهم﴾ . وإن كانت الجملةُ بعدها فعليّةً، فعلُها متصرّفٌ، فالاحسن والاكثر أن يُفصلَ بينَ "أنْ" والفعلِ بأحدِ خمسة أشياءَ (١) قد، كقوله تعالى ﴿ونَعْلَمَ أنْ قد صَدقتَنا﴾ ، وقول الشاعر [من الطويل] شَهِدْتُ بأنْ قَد خُطَّ ما هُوَ كائنٌ ... وأنَّك تَمحو ما تَشاءُ وتُثْبِت

стр. 543

(٢) حرف التّنفيسِ "السينُ او سوف" فالسينُ كقوله تعالى ﴿عَلِمَ أنْ سيكونُ منكم مَرضى﴾ ، وقولِ الشاعر [من الكامل] زَعَمَ الْفَرزْدَقُ أنْ سَيَقْتُلُ مِرْبَعاً ... أَبشِرْ بطول سَلاَمةٍ يا مِرْبَعُ وسوف، كقول الآخر [من الكامل] واعلمْ، فَعِلْمُ الْمَرء يَنْفَعُهُ، ... أن سَوْفَ يأْتي كُلُّ ما قُدِرا (٣) النفي بِلَنْ او لم او لا، كقوله تعالى ﴿أيحسَبُ الإنسانُ أنْ لنْ نجمَعَ عظامَهُ﴾ وقوله ﴿أيحسَبُ أنْ لم يرَهُ أحَدٌ﴾ ، وقولهِ ﴿أفلا يَرَوْنَ أنْ لا يرجِعُ اليهم قَوْلاً﴾ . (٤) أداةُ الشرطِ، كقوله تعالى ﴿وقد نَزَّلَ عليكم في الكتاب أنْ إذا سمعتُم آياتِ الله يُكفَرُ بها ويُسْتهزأ بها، فلا تَقعُدوا مَعَهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيرِهِ﴾ وقولهِ ﴿وأن لوِ استقاموا على الطريقة لأسقيناهُم ماءً غَدَقاً﴾ . (٥) رُبَّ، كقول الشاعر [من الطويل] تَيَقَّنْتُ أَنْ رُبَّ امريءٍ، خِيلَ خائناً ... أَمينٌ، وخَوَّانٍ يُخالُ أَمِينا

стр. 544

وإنما يُؤتى بالفاصل لبيانِ أنَّ "أنْ" هذه مخفَّفةٌ من "أنَّ" لا انها "أن" الناصبةُ للمضارع. ويجوزُ أن لا يُفصَل بينَ "أنْ" والفعلِ بفاصل، إنْ كان ممَّا يدلُّ على العلم اليقينيّ، كقول الشاعر [من الخفيف] عَلِمُوا أَنْ يُؤَمَّلُونَ، فجادُوا ... قَبلَ أَنْ يُسأَلوا بأَعظمِ سُؤْلِ (وذلك انه لما وجب أن يعتبر (أن) الساكنة مخففة من (أن) المشددة، إذا وقعت بعد فعل يقيني، ولم يجز أن تكون هي الناصبة للمضارع، كما علمت، سهل ترك الفصل بينها وبينه، لأن الفاصل أنما يكون لتمييز احداهما عن الاخرى، للايذان من اول الامر بأنها ليست الناصبة للمضارع، وانما هي المخففة) . (١٧) كَأَنْ المُخَفّفة إذا خفّفت "كأن"، فالحقُّ (على ما نرى) انها مُهمَلةٌ، لا عمل لها. وعلى هذا الكوفيون. وهو قولٌ لا تكلفَ فيه. وعلى كلِّ حالٍ فيجبُ ان يكون ما بعدها جملةً، فان كانت اسميّة لم تحتج الى فاصل بينها وبين "كأن" كقوله [من الهزج] وصَدْرٍ مُشْرِقِ اللّوْنِ ... كَأَنْ ثَدْياهُ حُقّان

стр. 545

وإن كانت جملةً فعليّة، وجب اقترانُها بأحدِ حرفينِ (١) قد، كقول الشاعر [النابغة / من الكامل] أَزفَ التّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكابَنا ... لما تزُلْ برحالِنا، وكَأَنْ قَدِ وقول الآخر [من الخفيف] لا يَهُولَنَّكَ اصْطِلاءُ لظى الحرْ ... بِ، فمحذُورُها كَأَنْ قَد أَلَما (٢) لم، كقوله تعالى ﴿كأن لم تَغْنَ بالأمسِ﴾ ، وقولِ الشاعر [من الطويل] كَأنْ لم يَكُنْ بَيْنَ الحجُونِ إِلى الصَّفا ... أَنِيسٌ، ولم يَسْمُرْ بِمكّةَ سامرُ وانما فُصِلَ بينهما، تمييزاً لها عن "أن" المصدريةِ الداخلةِ عليها كافُ التشبيهِ. (١٨) لكن المخففة اذا حُفّفت "لكنَّ" أهملت وجوباً عند الجميع، ودخلت على الجُمل الاسميّةِ والفعليّة، نحو "جاء خالدٌ، لكنْ سعيدٌ مسافرٌ. وسافرَ عليٌّ لكنْ جاء خليلٌ"، إلاّ الاخفشَ ويونسَ. فأجازا إعمالها. ((لا) النافية للجنس) "لا" النافية للجنس هي التي تدلُّ على نفي الخبر عن الجنس الواقع

стр. 546

بعدها على سبيل الاستغراق، اي يرادُ بها نفيُهُ عن جميع افراد الجنيس نصّاً؛ لا على سبيل الاحتمال. ونفيُ الخبرِ عن الجنس يَستلزمُ نفيَهُ عن جميع افرادهِ. وتُسمّى "لا" هذهِ "لا التّبرِئَةِ" ايضاً، لانها تُفيدُ تبرئةَ المتكلّم للجنس وتنزيهَهُ إياهُ عن الاتصاف بالخبر. وإِذْ كانت للنفي على سبيل الاستغراقِ، كان الكلامُ معها على تقدير "منْ"، بدليلٍ ظهورِها في قول الشاعر [من الطويل] فَقامَ يَذودُ النَّاسَ عنها بِسَيْفِهِ ... وقالَ أَلاَ، لا من سَبيلٍ إلى هِندِ فاذا قلت (لا رجل في الدار) ، كان المعنى لا من رجل فيها، أي ليس فيها أحد من الرجال، لا واحد ولا اكثر. لذلك لا يصح أن تقول (لا رجل في الدار، بل رجلان أو ثلاثة) مثلاً، لأن قولك (لا رجل في الدار) نص صريح على نفي جنس الرجل فقولك بعد ذلك (بل رجلان) تناقض. بخلاف (لا) العاملة عمل (ليس) . فانها يصح أن ينفى بها الواحد، وأن ينفى بها الجنس لا على سبيل التنصيص، بل على سبيل الاحتمال فاذا قلت (لا رجل مسافراً) صح أن تريد أن ليس رجل واحد مسافراً، فلك أن تقول بعد ذلك (بل رجلان) وصح أن تريد أنه ليس أحد من جنس الرجال مسافراً. وكذلك السامع له أن يفهم نفي الواحد ونفي الجنسن لأنها محتملة لهما. وستقف على مزيد بيان لهذا الموضوع) . وفي هذا الفصل خمسةُ مباحث

стр. 547

(١) عملُ "لا" النافيةِ للجنْسِ وشُروطِ إعمالِها تعملُ "لا" النافيةُ للجنس عملَ "إنّ"، فتنصبُ الاسمَ وترفعُ الخبر، نحو "لا احدَ أغيرُ من الله". وانما عملتْ عملَها، لانها لتأكيد النفيِ والمبالغةِ فيه، كما أنَّ "إنّ" لتأكيد الاثباتِ والمبالغة فيه. ويُشترطُ في إِعمالها عملَ "إنّ" اربعةُ شروط (١) ان تكونَ نصّاً على نفيِ الجنسِ، بأن يُرادَ بها نفيُ الجنس نفياً عامّاً، لا على سبيلِ الاحتمال. (فان لم تكن لفني الجنس على سبيل التنصيص، بأن أريد بها نفي الواحد، أو نفي الجنس على سبيل الاحتمال، فهي مهملة. وما بعدها مبتدأ وخبر، نحو (لا رجل مسافر) ولك أن تعملها عمل (ليس) نحو (لا رجل مسافراً) وإرادة نفي الواحد أو الجنس بها هو أمر راجع الى المتكلم، أما السامع فله أن يفهم أحد الأمرين) . (١) ان يكون اسمها وخبرُها نكرتين. (فان كان المسند اليه بعدها معرفة أهملت ووجب تكرارها، نحو "لا سعيد في الدار ولا خليل") . وقد يقعُ اسمُها معرفةً مُؤَوّلةً بنكرةٍ يرادُ بها الجنسُ، كأن يكونَ الاسمُ عَلَماً مُشتهراً بصفةٍ "كحاتمٍ المُشتهرُ بالجود، وعَنترةَ المشتهر بالشجاعة، وسَحبانَ المشتهرِ بالفصاحة، ونحوهم" فيُجعلُ العلمُ اسم جنسٍ لكل من اتصف بالمعنى الذي اشتهرَ بهِ ذلك العلَمُ، كما قالوا "لكل فرعونٍ موسىً"، بتنوينِ العلَمينِ، مُراداً بهما الجنسُ، اي "لكلِّ جبّارٍ قهّارٌ". وذلك نحو "لا

стр. 548

حاتم اليومَ، ولا عنترةَ، ولا سحَبانَ". والتأويلُ "لا جَوادَ كحاتم، ولا شجاعَ كعنترةَ، ولا فصيحَ كسَحبانَ"، ومنه قولُ الراجز [من الرجز] لا هَيْثَمَ اللَّيلةَ للِمَطِيِّ ... ولا فَتى إِلاَّ ابنُ خَيبَريِّ اي لا حاديَ حَسَنَ الحُداءِ كهيثم، ومنه قول عُمرَ في عليّ ﵄ "قضيّةٌ ولا أبا حَسَنٍ لها"، اي هذهِ قضيّةٌ ولا فيصلَ لها يَفصِلُها. وقد يُرادُ بالعلَم واحدٌ مما سُميَ به كقول الشاعر [من الطويل] ونَبْكي على زَيْدٍ، ولا زَيْدَ مِثْلُهُ ... بَرِيءٌ منَ الحُمَّى سَليمُ الجَوانِحِ (٣) ان لا يفصلَ بينها وبين اسمها بفاصل. (فاذا فصل بينهما بشيء، ولو بالخبر، أهملت، ووجب تكرارها، نحو (لا في الدار رجل ولا امرأة (. وكان ما بعدها مبتدأ وخبراً) . (٤) أن لا يدخل عليها حرفُ جرّ. (فان سبقها حرف جر كانت مهملة، وكان ما بعدها مجروراً به، نحو "سافرت بلا زاد" و"فلان يخاف من لا شيء") . فائدة مهمة اعلم ان (لا) النافية للجنس، إنما تدل على نفي الجنس نصاً، إذا كان اسمها واحداً، فان كان مثنى أو جمعاً، نحو (لا رجلين في الدار) و (لا رجال فيها) ، احتمل أن تكون لنفي الجنس، واحتمل أن تكون لنفي وجود اثنين فقط او جماعة فقط، فيجوز أن يكون فيها اثنان أو واحد إن نفيت الجمع، وأن يكون فيها جماعة أو واحد إن نفيت الاثنين، ولذا يجوز أن

стр. 549

تقول (لا رجلين فيها، بل رجل أو رجال) و (لا رجال فيها، بل رجل، أو رجلان) . وكذلك (لا) العاملة عمل (ليس) و (لا) المهملة، فانما يصح أن يراد بها نفي الجنس، إن كان المنفي واحداً، فان كان اثنين او جماعة، جاز أن يراد بهما نفي الجنس، أو نفي الاثنين فقط، أو نفي الجماعة فقط، فيجوز مع نفي الاثنين ان يكون هناك واحد او اثنان فالفرق بين النافية للجنس والعاملة عمل (ليس) أو المهملة، إنما هو إذا كان المنفي واحداً فالاولى لا يجوز ان يراد بها نفي الجنس ونفي الواحد. والأول اكثر، ومنه قول الشاعر [من الطويل] تعز فلا شيء على الأرض باقيا ... ولا وزر مما قضى الله واقيا وإنما صح ان يراد بها نفي الجنس، لأن النكرة في سياق النفي تدل على العموم، لهذا يحسن، ان اريد عدم إرادة العموم، ان يؤتى بعدهما بما يزيل اللبس، كأن يقال مثلاً (لا رجلٌ مسافراً، بل رجلان، او رجال) فان اطلق الكلام بعدهما ترجح ان تكونا لنفي الجنس على سبيل الاحتمال. فاحفظ هذا التحقيق، فانه امر دقيق، قل ان يتفطن له من يتعاطى النحو. (٢) أَقسامُ اسمها وأحكامُهُ اسمُ "لا" النافيةِ للجنس على ثلاثة أقسامٍ مفردٍ، ومضافٍ، ومشبَّه بالمضاف. فالمفرد ما كانَ غيرَ مضافٍ ولا مشبّهٍ به. وضابطهُ ان لا يكونَ عاملاً فيما بعدهُ، كقوله تعالى ﴿ذلك الكتابُ لا رَيبَ﴾ .

стр. 550

وحُكمُهُ أن يُبنى على ما يُنصبُ به من فتحةٍ أو ياءٍ أو كسرةٍ، غيرَ مُنوَّنٍ نحو "لا رجلَ في الدار، ولا رجالَ فيها، ولا رجلين عندَنا، ولا مذمومينَ في المدرسة، ولا مذموماتٍ محبوباتٌ" ويجوز في جمع المؤنّثِ السالم بناؤُه أيضاً على الفتح، نحو "لا مجتهداتَ مذموماتٌ" وقد رُوِيَ بالوجهينِ قول الشاعر [من البسيط] لا سابِغات، ولا جَأْواءَ باسِلَةً ... تَقِي المَنُونَ، لَدَى استِيفاءِ آجالِ وقولُ الآخر [من البسيط] أَوْدَى الشبابُ الذي مَجدٌ عواقبُهُ ... فيهِ نَلَدُّ، ولا لَذَّاتِ لِلشيبِ وقد بُنيَ لِتركيبهِ مع "لا" كتركيبِ "خمسةَ عشرَ". وحكمُ اسمها المضافِ أن يكونض مُعرباً منصوباً، نحو "لا رجلَ سُوءٍ عندنا. ولا رَجلَيْ شرٍّ محبوبانِ. ولا مهمِلي واجباتهم محبوبون. ولا أخا جهلٍ مُكرَّمٌ. ولا تاركاتِ واجبٍ مُكرَّماتٌ". والشبيهُ بالمضافِ هو ما اتصلَ به شيءٌ من تمامِ معناه. وضابطُهُ أن يكون عاملاً فيما بعده بأن يكون ما بعده فاعلاً له، نحو "لا قبيحاً خُلقُه خاضرٌ"، أو نائبَ فاعلٍ، نحو "لا مذموماً فعلُه عندنا"، أو مفعولاً، نحو "لا فاعلاً شراً ممدوحٌ"، أو ظرفاً يُتعلّقُ به، نحو "لا مسافراً اليومَ حاضرٌ" أو جاراً ومجروراً يتعلقانِ به، نحو "لا راغباً في الشر بيننا"، أو تمييزاً

стр. 551

له، نحو "لا عشرين دِرهماً لك". وحكمُهُ أنه مُعربٌ أيضاً، كما رأيتَ. (٣) أحوالُ اسمِها وخَبرِها وقد يُحذَفُ اسمُ "لا" النافية للجنس، نحو "لا عليكَ"، أي لا بأسَ، أو لا جناحَ عليك. وذلك نادرٌ. والخبرُ إِن جُهِلَ وجبَ ذكرُهُ، كحديث "لا أحدَ أغيرُ من الله". وإذا عُلمَ فحذفُه كثيرٌ، نحو "لا بأسَ"، أي لا بأس عليك، ومنه قوله تعالى ﴿قالوا لا ضَيرَ، إنّا إلى ربنا مُنقلبون﴾ ، أي لا ضَيرَ علينا، وقوله ﴿ولو تَرى إِذْ فَزِعوا، فلا فَوْتَ﴾ ، أي فلا فَوتَ لهمْ. وبَنو تَميمٍ والطائِيونَ من العربِ يَلتزمون حذفَهُ إذا عُلم. والحجازيُّون يُجيزون إثباتَهُ. وحذفُه عندهم أكثرُ. ومن حذفه قوله تعالى ﴿لا إلهَ إلاّ اللهُ﴾ أي لا إلهَ موجود. ويكونُ خبرُ "لا" مُفرداً (أي ليس جملةً ولا شِبهَها) ، كحديث "لا فقرَ أشدُّ من الجهلِ، ولا مال أعزُّ من العقل، ولا وَحشةَ أشدُّ من العُجبِ" وجملةً فعليةً، نحو "لا رجلَ سوءٍ يُعاشرُ"، وجملةً اسميةً نحو "لا رَضيعَ نَفسٍ خُلقهُ محمودٌ"، وشبهَ جملة (بأن يكون محذوفاً مدولالً عليه بظرفٍ أو مجرورٍ بحرف جرٍّ يَتعلقانِ به، فيُغنيانِ عنه) كحديث "لا عقلَ كالتدبير، ولا ورَعَ كالكَفّ، ولا حَسَبَ كحُسنِ الخلُق" وحديث "لا إيمانَ لِمنْ لا

стр. 552

أمانةَ لهُ، ولا دينَ لِمن لا عَهدَ له". واعلم أنَّ النحاة اعتبروا أنَّ "لا" النافيةَ للجنس واسمَها في محلّ رفع بالبتداءِ، فأجازوا رفعَ التابعِ لاسمِها، نحو "لا رجلَ في الدار وامرأةٌ" و"لا رجلَ سفيهٌ عندنا". (فالمعطوف والنعت رفعا على أنهما تابعان لمحل "لا واسمها"، لأن محلهما الرفع بالابتداء. وقد اضطرهم الى هذا التكلف أنه سمع من العرب رفع التابع بعد اسمها فتأولوا رفعه على ما ذكرنا) . (٤) أحكامُ "لا" إذا تَكَرَّرَت إذا تكرَّرت "لا" في الكلام، جاز لك أن تُعمِلَ الأولى والثانية معاً كإنَّ، وأن تُعمِلَهما، كليسَ، وأن تُهمِلهما، وأن تُعملَ الأولى كإن أو كليْس وتُهمِلَ الأخرى، وأن تُعمِلَ الثانية كإنَّ أو كليس وتُهملَ الأولى. ولذا يجوز في نحو "لا حَولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ" خمسةُ أوجهٍ (١) بناءُ الاسمين، على أنها عاملةٌ عملَ "إنَّ" نحو "لا حول ولا قوةَ إلاّ باللهِ". (٢) رفعُهُما، على أنها عاملةَ عملَ "ليس"، أو على أنها مُهملةٌ، فما بعدها مبتدأٌ وخبر، "لا حولٌ ولا قوَّةٌ إلاّ بالله" ومنه قول الشاعر [من البسيط] وما هَجرْتُكِ، حَتَّى قُلتِ مُعْلِنَةً ... لا ناقةٌ لي في هذا ولا جَملُ (٣) بناءُ الأوَّلِ على الفتح ورفعُ الثاني، نحو "لا حولَ ولا قوَّةٌ إلاّ

стр. 553

باللهِ"، ومنهُ قولُ الشاعر [من الكامل] هذا، لَعَمْرُكُم، الصَّغارُ بِعَيْنِهِ ... لا أُمَّ لي، إنْ كانَ ذاكَ، ولا أبُ (٤) رفعُ الأولِ وبناءُ الثاني على الفتح، نحو "لا حولٌ ولا قوةَ إلا باللهِ"، ومنه قول الشاعر [من الوافر] فلا لَغْوٌ ولا تَأْثيمَ فيها ... وما فاهُوا بهِ أَبداً مُقتمٌ (٥) بناءُ الأولِ على الفتح ونصبُ الثاني، بالعطف على محلّ اسم (لا) ، نحو "لا حولَ ولا قوةً إلاّ باللهِ" ومنه قولُ الشاعر [من السريع] لا نَسَبَ اليَومَ ولا خُلةً ... اتسَعَ الخرْقُ على الرَّاقع وهذا الوجهُ هو أضعفُها وأقواها بناءث الإسمينِ، ثم رفعُهما. وحيثُما رفعتَ الأولَ امتنعَ إعرابُ الثاني منصوباً مُنوَّناً، فلا يقالُ "لا حولٌ ولا قوةً إلاّ باللهِ"، إذْ لا وجهَ لِنَصْبهِ. (لانك إن أردت عطفه على (حول) وجب رفعه. وكذا إن جعلت (لا) الثانية عاملة عمل (ليس) ، كما لا يخفى. وإن جعلتها عاملة عمل (ان) وجب بناؤه على الفتح من غير تنوين، لانه ليس مضافاً ولا مشبهاً به) .

стр. 554

وإذا عطفتَ على اسم "لا" ولم تكرّرها، امتنعَ إلغاؤُها، ووجبَ إعمالُها عملَ "إنّ" وجاز في المعطوفِ وجهانِ النصب والرفعُ نحو "لا رجلَ وامرأةً أو امرأةٌ، في الدار". والنصب أولى ومن نصبه قول الشاعر [من الطويل] فلا أبَ وابْناً مِثْلُ مَرْوانَ وابنهِ ... إذا هُو بالْمَجدِ ارْتَدى وتَأزَّرا (٥) أحكامُ نَعْتِ اسمِ "لا" إذا نُعتَ اسمُ "لا" النافيةِ للجنس، فإمَّا أن يكون مُعرَباً، وإمّا أن يكون مبنياً. فإن كان مُعرباً، جاز في نعتهِ وجهانِ النصب والرفعُ، نحو "لا طالبَ علمٍ كسولاً، أو كسولٌ، ولا طالباً علماً كسولاً، أو كسولٌ، عندنا". والنصبُ أولى، والرفعُ على أنه نعتٌ لمحلّ "لا واسمها". لأنّ محلها الرفعُ بالإبتداءِ، كما سبقَ. وإن كان مبنياً فله ثلاثُ أحوالٍ (١) أن يُنعتَ بمفردٍ مُتَّصلٌ به، فيجوز في النعتِ ثلاثةُ اوجه النَّصب والبناءُ كمنعوتهِ، والرفعُ، نحو "لا رجلَ قبيحاً، أو قبيحَ، أو قبيحٌ، عندنا". والنصبُ أولى. وبناؤُهُ لمجاورته منعوتَهُ المبنيَّ. (٢) أن يُنعتَ بمفردٍ مفصولٍ بينه وبينهُ بفاصلٍ، فيمتنعُ بناءُ النعت، لِفَقدِ المجاورةِ التي أباحت بناءَه وهو مُتصِل بمنعوتهِ. ويجوز فيه النصبُ والرفع، نحو "لا تلميذَ في المدرسةِ كسولاً، أو كسولٌ".

стр. 555

(٣) أن يُنعتَ بمضافٍ أو مُشبَّهٍ به، فيجوزُ في النَّعت النصب والرفع، ويمتنعُ النباءُ، لأن المضافَ والشبيهَ به لا يُبنيانِ مع "لا". فالنعتُ المضاف نحو "لا رجلَ ذات شرّ، او ذو شرّ، في المدرسة"، والنعتُ المشبَّهُ به نحو "لا رجلَ راغباً في الشر، او راغبٌ فيه، عندنا".

стр. 556

(منصوبات الأسماء) (المفعولُ به) المفعولُ به هو اسمٌ دلَّ على شيءٍ وقع عليه فعلُ الفاعلِ، إثباتاً أو نفياً، ولا تُغيَّر لأجله صورةُ الفعل، فالأولُ نحو "برَيتُ القلمَ"، والثاني، نحو "ما بَرَيتُ القلمَ". وقد يَتعدَّدُ، المفعولُ به، في الكلام، إن كان الفعل متعدِّياً إلى أكثرَ

стр. 557

من مفعول به واحدٍ، نحو "أعطيتُ الفقيرَ دِرهماً، ظننتُ الأمرَ واقعاً، أعلمتُ سعيداً الأمر جَليّاً". (وقد سبق الكلام على الفعل المتعدي بأقسامه وأحكامه في الجزء الأول من هذا الكتاب فراجعه) . ويتَعَلَّقُ بالمفعول به أحد عشرَ مبحثاً ١- أَقسامُ المفعولِ بهِ المفعولُ بهِ قسمانِ صريحٌ وغيرُ صريح. والصّريحُ قسمان ظاهرٌ، نحو "فتحَ خالدٌ الحِيرة"، وضميرٌ متَّصلٌ نحو "أكرمتُكَ وأكرمتهم"، أو منفصلٌ، نحو ﴿إيَّاكَ نعبدُ، وإِيَّاك نستعين﴾ ، ونحو "إيَّاهُ أُريد". وغيرُ الصريحِ ثلاثةُ أقسام مُؤوَّلٌ بمصدر بعدَ حرفٍ مصدَريٍّ، نحو "علِمتُ أنكَ مجتهدٌ، وجملةٌ مُؤوَّلة بمفردٍ، نحو "ظننتك تجتهد" وجارٌّ ومجرور، نحو "أمْسكْتُ بيدِكَ" وقد يَسقُطُ حرفُ الجرِّ فينتصبُ المجرورُ على أنه مفعولٌ به. ويُسمّى "المنصوبَ على نزعِ الخافضِ" فهو يَرجعُ إلى أصلهِ من النصب، كقول الشاعر [من الوافر] تَمُرُّونَ الدِّيارَ، ولم تَعوجُوا، ... كلامُكُمُ عَلَيَّ إِذاً حَرَامُ

стр. 558

(وقد تقدم لهذا البحث فَضْلُ بيانٍ في الجزء الأول من هذا الكتاب، في الكلام على الفعل اللازم، فراجعه) . ٢- أَحكامُ المفعول بهِ للمفعول به أربعةُ أحكام ١- أنهُ يجبْ نصبُهُ. ٢- أنه يجوزُ حذفُهُ لدليلٍ، نحو "رَعَتِ الماشيةُ"، ويقالُ "هل رأيتَ خليلاً؟ "، فتقولُ "رأيتُ"، قال تعالى ﴿ما وَدَّعَكَ ربُّكَ وما قَلى﴾ ، وقال ﴿ما أنزلنا عليكَ القُرآن لتشقى، إلا تذكرةً لِمنْ يخشى﴾ . وقد يُنَزَّلُ المتعدِّي منزلة اللازمِ لعَدَم تعلُّقِ غرضٍ بالمفعول بهِ، فلا يُذكرُ له مفعولٌ ولا يُقدَّرُ، كقوله تعالى ﴿هل يَستوي الذينَ يعلمونَ والذينَ لا يعلمونَ﴾ . وما نصبَ مفعولين من أفعال القلوب، جازَ فيه حذفُ مفعوليه معاً، وحذفُ أحدهما لدليلٍ. فمن حذفِ أحدهما قولُ عَنترةَ. [من الكامل] وَلَقدْ نزَلْتِ، فلا تَظُنِّي غَيْرَهُ ... مِنِّي بِمَنْزِلةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ أي فلا تَظُني غيرَهُ واقعاً. ومن حذفهما معاً قولهُ تعالى ﴿أين

стр. 559

شُرَكائيَ الذين كنتم تَزعمونَ؟﴾ أي تزعمونهم شُرَكائي، ومن ذلك قولهم "مَنْ يَسمَعْ يَخَلْ"، أي يَخَلْ ما يَسمعُهُ حقاً. (وقد تقدم في الجزء الأول من هذا الكتاب مزيد إيضاح لهذا البحث في الكلام على أفعال القلوب، فارجع إليه) . ٣- أنه يجوزُ أن يُحذَفَ فعلُهُ لدليل، كقوله تعالى ﴿ماذا أنزلَ ربُّكم؟ قالوا خيراً﴾ ، أي أنزلَ خيراً، ويقال لك "مَنْ أُكرِمُ؟، فتقول "العلماءَ"، أي أكرمِ العلماءَ. ويجبُ حذفهُ في الأمثال ونحوها مِما اشتهرَ بحذف الفعل، نحو "الكلابَ على البَقَرِ"، أي أرسلِ الكلابَ، ونحو أمرَ مُبكياتِكَ، لا أمرَ مضحِكاتكَ"، أي الزَمْ واقبَلْ، ونحو "كلَّ شيءٍ ولا شَتيمةَ حُرّ"، أي ائتِ كلَّ شيءٍ، ولا تتي شتيمة حُرٍّ، ونحو "أهلاً وسهلاً"، أي جئتَ أهلا ونزلتَ سهلا. ومن ذلكَ حذفهُ في أَبواب التحذير والإغراءِ والاختصاص والاشتغال والنَّعتِ المقطوع. وسيأتي بيانُ ذلك في مواضعه. ٤- أن الأصلَ فيه أن يتأخرَ عن الفعلِ والفاعلِ. وقد يتقدَّمُ على الفاعلِ، أو على الفعل والفاعل معاً، كما سيأتي. ٣- تَقديمُ المفعولِ بهِ وتأخيرُهُ الأصل في الفاعل أن يَتَّصل بفعله، لأنهُ كالجزءِ منه، ثُم يأتي بعدَهُ المفعولُ. وقد يُعكَسُ الأمرُ. وقد يَتقدَّمُ المفعولُ على الفعل والفاعل معاً. وكلُّ ذلك إمَّا جائزٌ، وإمَّا واجبٌ، وإمَّا مُمتنع.

стр. 560

تقديم الفاعل والمفعول أحدهما على الآخر يجوزُ تقديمُ المفعولِ به على الفاعلِ وتأخيرُه عنه في نحو "كتبَ زُهيرٌ الدرسَ، وكتبَ الدرسَ زُهيرٌ". ويجب تقديمُ أَحدِهما على الآخر في خمس مسائل ١- إذا خُشيَ الإلتباسُ والوقوعُ في الشكِّ، بسبب خفاء الإعراب مع عدَمِ القرينةِ، فلا يُعلَمُ الفاعلُ من المفعول، فيجبُ تقديمُ الفاعل، نحو "عَلّمَ موسى عيسى، وأكرمَ ابني أخي. وغلَب هذا ذاك". فإن أُمِنَ اللّبسُ لقرينةٍ دالّةٍ، جازَ تقديمُ المفعولِ، نحو "أكرمتْ موسى سَلمى، وأَضنتْ سُعدَى الحُمّى". ٢- أن يتصلَ بالفاعلِ ضميرٌ يعودُ إلى المفعول، فيجبُ تأخيرُ الفاعل وتقديمُ المفعولِ، نحو "أكرمَ سعيداً غلامُهُ". ومنهُ قولهُ تعالى ﴿وإذْ ابتلى إبراهيمَ رَبُّهُ بكلماتٍ"، وقولهُ "يومَ لا ينفع الظّالمينَ مَعذِرتُهم﴾ . ولا يجوزُ أن يقال "أكرم غلامُهُ سعيداً"، لئلا يلزمَ عَودُ الضمير على مُتأخر لفظاً ورتبةً، وذلك محظورٌ. وأما قولُ الشاعر [من الطويل] وَلَوْ أَنَّ مَجداً أَخلَدَ الدَّهْرَ واحِداً ... مِنَ النَّاسِ، أَبقى مَجْدُهُ الدَّهرَ مُطْعِما وقول الآخر [من الطويل] كسَا حِلْمُهُ ذَا الْحِلْمِ أَثوابَ سُؤدُدٍ ... وَرَقَّىَ نَدَاهُ ذَا النَّدَى في ذُرَى الْمَجْدِ

стр. 561

وقوله غيره [من الطويل] جَزَى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ ... جَزاءَ الكِلابِ الْعاوِياتِ، وقَدْ فَعلْ وقول الآخر [من البسيط] جَزَى بَنُوهُ أبا الْغيْلانِ عنْ كِبَرٍ ... وَحُسْنِ فِعْلٍ كَما يُجْزَى سِنِّمار فضَرُورةٌ، إن جازتْ في الشعر، على قبُحها، لم تَجزْ في النّثر. فإنِ اتّصل بالمفعول ضميرٌ يعودُ على الفاعل، جازَ تقديمهُ وتأخيرُهُ فتقول "أكرمَ الأستاذُ تلميذَهُ. وأَكرمَ تلميذَهُ الأستاذُ"، لأنَّ الفاعلَ رتبتُهُ التقديمُ، سواءٌ أَتقدّمَ أَم تأخّر. ٣- أَن يكون الفاعلُ والمفعولُ ضميرينِ، ولا حصرَ في أَحدهما، فيجبُ تقديمُ الفاعل وتأخيرُ المفعول به، نحو "أَكرمتُه". ٤- أَن يكون أَحدُهما ضميراً متصلاً، والآخر اسماً ظاهراً، فيجبُ تقديمُ الضمير منهما، فيُقدّمُ الفاعلُ في نحو "أكرمتُ علياً"، ويُقدّمُ المفعولُ في نحو "أكرَمني علي"، وجوباً. (ولك في المثال الأول تقديمُ المفعول على الفعل والفاعل معاً. نحو "علياُ أكرمتُ". ولك في المثال الآخر تقديم "عليّ" على الفعل والمفعول به، نحو "عليٌ أكرمني"، غير أنه يكون حينئذ مبتدأ، على رأي البصريين، ويكون الفاعل ضميراً مستتراً يعود اليه. فلا يكون الكلام، والحالة هذه، من هذا الباب، بل يكون من المسألة الثالثة، لأن الفاعل والمفعول كليهما حينئذ ضميران) .

стр. 562

٥- أَن يكون أَحدُهما محصوراً فيه الفعلُ بإلا أَو إنما، فيجبُ تأخيرُ ما حُصِرَ فيه الفعلُ، مفعولاً أو فاعلاً، فالمفعولُ المحصورُ نحو "ما أَكرمَ سعيدٌ إلا خالداً"، والفاعلُ المحصورُ نحو "ما أكرمَ سعيداً إلا خالدٌ. وإنما أَكرمَ سعيداً خالدٌ". (ومعنى الحصر في المفعول أن فعل الفاعل محصور وقوعه على هذا المفعول دون غيره. وذلك يكون ردّاً على من اعتقد أن الفعل وقع على غيره، أو عليه وعلى غيره. ومعنى الحصر في الفاعل أن الفعل محصور وقوعه من هذا الفاعل دون غيره. وذلك يكون رداً على ن اعتقد أن الفاعل غيره، أو هو وغيره) . وقد أَجازَ بعضُ النُّحاة تقديمَ أحدِهما وتأخيرَ الآخرِ، أيًّا كان المحصورُ فيهِ الفعلُ، إذا كان الحصرُ بإلا، تَمسكاً بما ورَدَ من ذلك. فمن تقديم المفعولِ المحصورِ بإلا قولُ الشاعر [من الطويل] وَلَمَّا أَبَى إِلاَّ جِمَاحاً فُؤَادُهُ ... وَلَمْ يَسْلُ عَنْ لَيْلَى بِمَالٍ ولا أَهلِ وقول الآخر [من الطويل] تَزَوَّدْتُ مِنْ لَيْلَى بِتَكْلِيمِ ساعةٍ ... فَما زادَ ضِعْفَ ما بِي كَلامُها ومن تقديم الفاعلِ المحصورِ بها قولُ الشاعر [من البسيط] ما عابَ إِلاَّ لَئِيمٌ فِعْلَ ذي كَرَم ... ولا جَفَا قَطُّ إِلاَّ جُبَّأُ بَطَلاَ

стр. 563

وقول الآخر [من الطويل] نُبِّئْتُهُمْ عَذَّبوا بالنَّارِ جارَهُمُ! ... وَهَلْ يَعَذِّبُ إِلاَّ اللهُ بالنَّارِ؟! وقولُ غيره [من الطويل] فَلْم يَدْرِ إِلا اللهُ ما هَيَّجَتْ لَنا، ... عَشِيَّةَ آناءِ الدِّيارِ، وِشامُها والحق أَن ذلكَ كله ضَرورَةٌ سَوَّغَها ظهورُ المعنى المرادِ ووضُوحهُ، وسَهّلها عدمُ الالتباسِ. واعلم أَنهُ متى وجبَ تقديمُ أَحدِهما، وجبَ تَأخيرُ الآخر بالضرورة. تقديم المفعول على الفعل والفاعل معاً يجوزُ تقديمُ المفعول به على الفعل والفاعل معاً في نحو "عليّاً أَكرمتُ. وأَكرمتُ عليّاً"، ومنه قولهُ تعالى ﴿فَفريقاً كذَّبتم وفَريقاً تقتلونَ﴾ . ويجبُ تقديمهُ عليهما في أَربعَ مَسائلَ ١- أَن يكونَ اسمَ شرطٍ، كقولهِ تعالى ﴿من يُضلِل اللهُ فما لهُ من هادٍ﴾ ، ونحو "أَيَّهُمْ تُكرِمْ أُكرِمْ"، أَو مضافاً لاسمِ شرطٍ، نحو "هدْيَ من تَتبعْ يَتبعْ بَنوكَ".

стр. 564

٢- أَن يكونَ اسمَ استفهامٍ، كقولهِ تعالى ﴿فأيَّ آياتِ اللهِ تُنكرِونَ؟﴾ ، ونحو "من أَكرمتَ؟ وما فعلتَ؟ وكمْ كتاباً اشتريتَ؟ " أَو مُضافاً لاسم استفهامِ، نحو كتابَ من أَخذتَ؟ ". وأَجاز بعضُ العلماء تأخيرَ اسم الإستفهام، إذا لم يكن الاستفهامُ ابتداءً، بل قُصِدَ الإستثباتُ من الأمر، كأن يُقالَ "فعلتُ كذا وكذا"، فتستثبِتُ الأمرَ بقولكَ "فعلتَ ماذا؟ ". وما قولُهم ببعيدٍ من الصواب. ٣- أَن يكون "كمْ" أَو "كأيِّنْ" الخَبريَّتينِ، نحو "كم كتابٍ مَلَكتُ! "، ونحو "كأيِّنْ من عِلمٍ حَوَيتُ! "، أَو مضافاً إلى "كم" الخبريَّةِ نحو ذَنبَ كم مُذْنِبٍ غَفرتُ! ". (أما "كأين" فلا تضاف ولا يضاف اليها. وانما وجب تقديم المفعول به ان كان واحداً مما تقدم، لأنّ هذه الأدوات لها صدر الكلام وجوباً، فلا يجوز تأخيرها) . ٤- أَن ينصبهُ جوابُ "أَما"، وليسَ لجوابها منصوبٌ مُقدَمٌ غيرُهُ، كقولهِ تعالى ﴿فأمّا اليتيم فلا تَقهرْ، وأَمَّا السائلَ فلا تَنهرْ﴾ . (وانما وجب تقديمه، والحالة هذه، ليكون فاصلاً بين "أما" وجوابها، فان كان هناك فاصل غيره فلا يجب تقديمه، نحو "أما اليوم فافعل ما بدا لك") . تقديم أحد المفعولين على الآخر إذا تعدَّدَت المفاعيلُ في الكلام، فلبعضها الأصالةُ في التقدُّم على بعضٍ، إمّا بكونه مبتدأً في الاصل كما في باب "ظنَّ"، وإمّا بكونهِ فاعلاً

стр. 565

في المعنى، كما في باب "أَعطى". (فمفعولا "ظنّ" وأخواتها أصلهما مبتدا وخبر، فاذا قلت "علمت الله رحيماً". فالأصل "اللهُ رحيمٌ". ومفعولا "أعطى" وأخواتها ليس أصلهما مبتدأ وخبراً، غير أن المفعول الأول فاعل في المعنى، فاذا قلت "ألبستُ الفقير ثوباً". فالفقير فاعل في المعنى، لأنه لبس الثوب) . فإذا كان الفعل ناصباً لمفعولين، فالأصلُ تقديمُ المفعولِ الأوَّل، لأنّ اصله المبتدأُ، في باب "ظَنَّ"، ولأنهُ فاعلٌ في المعنى في باب "أَعطى"، نحو "ظننتُ البدرَ طالعاً، ونحو "أعطيتُ سعيداً الكتابَ". ويجوز العكسُ إِن أُمِنَ اللَّبْسُ، نحو، "ظننتُ طالعاً البدرَ"، ونحو "أَعطيتُ الكتابَ سعيداً". ويجب تقديم أَحدهما على الآخر في أربع مسائلَ ١- أَن لا يُؤْمنَ اللّبْسُ، فيجبُ تقديمُ ما حقّهُ التقديمُ، وهو المفعولُ الأول، نحو "أَعطيتكَ أَخاكَ"، إن كان المخاطَبُ هو المُعطى الآخذَ، وأخوهُ هو المعطى المأخوذ، ونحو "ظننت سعيداً خالداً"، إن كان سعيدٌ هو المظنونَ أنه خالدٌ. وإلا عكستَ. ٢- أن يكونَ أحدُهما اسماً ظاهراً، والآخر ضميراً، فيجبُ تقديمُ ما هو ضميرٌ، وتأخيرُ ما هو ظاهرٌ، نحو "أعطيتُكَ درهماً" و"الدرهمَ أعطيتُهُ سعيداً". ٣- أن يكون أحدُهما محصوراً فيه الفعلُ، فيجبُ تأخير المحصور، سواءٌ أكان المفعولَ الاولَ أم الثاني، نحو ما اعطيتُ سعيداً إلا دِرهماً" و"ما أعطيتُ الدرهمَ إلا سعيداً".
следующие страницы →