← Акыда

Акыда · id 328

تحقيق الكلام في المسائل الثلاث - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (503 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس، فتوفّي صاحبٌ لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسُوِّي، ثم قال: سمعت رسول الله ﵌ يأمر بتسويتها. وأخرجه أبو داود والنسائي، وهو عند الإمام أحمد بلفظ: قال: «أخفّوا عنه، فإن رسول الله ﵌ كان يأمرنا بتسوية القبور». و (كان) تُشْعِر بالدوام، و (القبور) جمع محلَّى باللام فيعمُّ كلَّ قبر. وهذا واضح، والأمر للوجوب إذ لا صارف عنه. [فـ «قبر» في الحديث الأول] (١) دخلت عليه (ال) ولا عَهْد، فكان عامًّا في كل قبر، كما أن «قبرًا» في الحديث الثاني نكرة في سياق [النهي و] هي من صيغ العموم، فكان عامًّا في كل قبر. والقول بأنّ قبور أهل العلم والفضل مستثناة من ذلك يحتاج إلى دليل، ولم يأتِ دليل على ذلك. ودعوى أنّ كون صاحب القبر فاضلًا وعالمًا يقتضي تخصيصه= مجرد استحسان بلا دليل، ومَن استحسن فقد شرَّع، ومن شرّع فقد كفر، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. بل إذا نظرنا إلى العلة في النهي عن البناء على القبور وجدناها خشيةَ أن يضلّ الناسُ بها كما ضلَّ قومُ نوح وغيرهم. وهذا المحذور أشدّ في قبور الفضلاء منه في قبور غيرهم، فكانت حُرمة البناء على قبور الفضلاء أشدّ، ووجوبُ إزالته آكد. وتخصيص بعضهم التحريمَ بما بُني في غير المِلك، كالمقابر المسبّلة،

стр. 212

لا دليل عليه، وإن كان البناء في المقابر المسبّلة أشدُ حُرْمة؛ لكونه حرامًا من جهتين: الأولى: كونه بناء على قبر. والثانية: كونه استيلاء على حق الغير بلا إذن. بقي أن يُقال: إنك قلت في أول هذه الرسالة في بحث الجلوس على القبر: إن حقيقة الجلوس على القبر هو الجلوس عليه نفسه، لا الجلوس عنده، فهلَّا تقول هنا كذلك، فيكون البناء المنهيّ عنه هو ما كان على القبر نفسه، بأن يُجعَل أساسًا لدار أو نحوها، فيكون منهيًّا عنه لانتهاك حرمته؟ قلت: إن البناء على القبر بهذا المعنى لا يمكن إلا بعد نبشه، إذ لابدّ لوضع الأساس من حفر الأرض لئلّا ينهار البناء. وهذا المعنى بعيد عن منطوق الحديث؛ إذ لو كان هو المراد لقال: أن يُنبش القبر ويُبنى مكانه، فتعيَّن أن يكون المراد بالبناء عليه: البناء على جوانبه، وهذا صريح في حديث أبي الهيَّاج.

стр. 213

[١٣٥] البحث الثاني اتخاذ القبور مساجد أو اتخاذ المساجد على القبور إذا تصفَّحنا كتابَ الله تعالى نلتمس فيه دلالة في هذا البحث لم نجد إلّا قولَه تعالى في ذكر أصحاب الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]. فيقال: إن الله تعالى حكى عنهم هذا القول ولم يُنكره، فدلّ على جوازه في شرع مَن قبلنا، وشَرْعُ مَن قبلنا شرعٌ لنا ما لم يَرِد في شرعنا ما ينسخه كما تقدم (١). والجواب: لا نسلّم أنّ عدم إنكار الله تعالى جلَّ ذكره لما يحكيه من الأقوال ويقصّه من الأفعال يدلّ على الجواز، كيف وقد حكى سبحانه قولَ إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]، ولم يردّ عليه ردًّا يخصُّ هذه الدعوى؟ وحكى سبحانه عن النمروذ قولَه: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ولم يُكذّبه. وقصّ عن إخوة يوسف خَدْعَهم أباهم، وإخلافَهم وعدَهم له، وإرادتهم قتلَ أخيهم، وإلقاءه في غيابة الجبّ، وبيعَه بثمن بَخْسٍ. ولم ينصّ في قصّتهم على أن تلك الأفعال من المحرّمات. وغير هذا كثير في القرآن. سَلَّمْنا أن عدم إنكاره يدلّ على الجواز في شرعهم، فلا نُسَلِّم أن شرع مَن قبلنا شرع لنا، كما هو الصحيح من مذهب الإمام

стр. 214

الشافعي (١). سَلَّمنا أن شرع مَن قبلنا شرعٌ لنا، لكنّا نقول: قد ورد في شرعنا ما ينسخه، وهو الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تواترت أو كادت. فإن قيل: وكيف تنسخون القرآن بالسنّة؟ فالجواب: أنا لم ننسخ القرآن بالسنة، وإنما نسَخْنا شرع مَن قبلنا بالسنة، وبيانُه: أن الآية ليست هي الخطاب الذي ثبت به الحكم الأول حتى يلزم من نسخه نسخها، بل الخطاب الذي ثبت به الحكم الأول هو خطابٌ كان لنبيّ تلك الأمة، وتضمّنت الآيةُ الإخبار عنه فقط، إذ السُّنَّة إنما نسخت ذلك الخطاب الذي ثبت به الحكم الأول، وهو الخطاب الواقع لذلك النبيّ، وهذا جائز واقع بلا خلاف. ولم تنسخ الإخبارَ عنه الذي تضمّنته الآيةُ حتى تكون ناسخةً للآية. هذا، مع أن ذلك الخبر خبر عن أمرٍ قد وقع، ونَسْخ مثل ذلك محال، فتأمل. [ص] (٢) الثانية (٣): سلّمنا أن إخبار القرآن بالشيء بدون تنبيه على خطره

стр. 215

يد [ل على جوازه] (١) ولكنّا نقول: الذي أخبر به القرآن هنا إنما هو العزم، ومجرّد العزم لا يتعلّق به حكم. الثالثة: سلّمنا أن فيه ما يدلّ على جواز الفعل، ولكنّا نقول: [إن] «على» في الآية ليست للاستعلاء بل للسببيّة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقول الشاعر (٢): * علامَ تقولُ: الرمحُ يُثقِل عاتقي * إلخ فيكون المعنى: لنتخذنّ لأجلهم مسجدًا، أي ليكون .... يحتمل ...... منهم ولون .... عنهم (٣)، ويتعيّن الثاني؛ لدلالة السُّنَّة على منع الأول، ولا يحتمل أن يكون على أجسامهم لقوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨]. وغير ذلك لما سيأتي. ثم ظهر لي مِن تأمّل الآيات [أن] الفريقين اتفقوا على العزم على البناء [على باب الغار] (٤)، واختصّ الذين غلبوا على أمرهم بالعزم [على] اتخاذ

стр. 216

المسجد، وذلك أن الله [قال]: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أهلَ المدينة ومَنْ معهم ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ أي: أهل المدينة ومَن معهم ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ﴾ أي: الحاضرون من أهل المدينة ومَن معهم ﴿بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا﴾ [الكهف: ٢١] جميعًا ــ كما هو ظاهر ــ، وعليه فالعزم على اتخاذ المسجد إنما هو بعد البناء على باب الغار وغيره، وحينئذٍ فيحتمل القُرْب، فيكون معنى «على» الاستعلاء المجازيّ. والبُعْد، ويكون معناها السببيّة. والثاني هو الحق لدلالة السُّنَّة. الطريق الرابعة: لو سلّمنا دلالة الآية على وقوع البناء على أجسامهم، وأنّ عدم التنبيه يدل على الجواز، فنقول: قد وُجد التنبيه بالسنة، إذ لا يجب أن يكون التنبيه في نصّ القرآن، فإن ما ادّعيتموه من الدلالة ليست من دلالة نظم الكتاب بمنطوقٍ أو مفهوم. ومع قطع النظر عن هذه فغايتها أن تكون ظنية كالعموم والإطلاق، فيكون من النوع الثاني من المجمل، أي الذي له ظاهرٌ وقد أُريد به خلافه. والسنة كافية للبيان اتفاقًا. الخامسة: الدلالة بعد تسليمها إنما تكون على جواز تلك الواقعة بعينها، فأما في غيرها فإنما يمكن أخذه بطريق القياس في حق أهل تلك الشريعة إذا وُجدت شروطه في حقّهم؛ بأن يكونوا متعبَّدِين به، ولا يكون هناك نصٌّ في كتابهم أو كلام نبيّهم يعارضه، وأن توجد الأولوية أو المساواة في العلة. وهذا كله مجهول لدينا. وغاية ما نعلمه أن بناء المساجد على القبور كان حرامًا على اليهود والنصارى، كما دلّ عليه لَعْنُ مَن فعل ذلك منهم، واشتدادُ

стр. 217

غضب الله عليهم، كما تواتر في السنة. فإن كانت واقعة أهل الكهف في اليهود أو النصارى فالأمر واضح، وإلَّا فالظاهر من الأحاديث أن مثل ذلك لم يزل محرَّمًا. فإن فُرِض أنه كان جائزًا في شريعةٍ قبل التوراة والإنجيل، واختير أنّ شرع مَن قبلنا شرعٌ لنا، وأننا متعبّدون بالقياس ولو على أصل مِن شرع مَن قبلنا. فالجواب بوجوه: الأول: أن مجرد احتمال أن يكون في شرعٍ قبل التوراة والإنجيل لا يصلح متمسَّكًا، وإن استُؤنِسَ له بتلك الدلالة المدّعاة (١). الثاني: أن في كون شرع مَن قبلنا شرعًا لنا خلافًا. الثالث: أن القول بأنه شرعٌ لنا مقيّدٌ بأن لا يكون في شرعنا ما يخالفه، وقد عُلِم ما في السنة من النهي عن ذلك. الرابع: أن في تعبّدنا بالقياس خلافًا. الخامس: أن القائلين بالقياس في شرعنا لم نعلمهم أجازوه على أصلٍ مِن شرع مَن قبلنا. [السادس] (٢): أن شرط القياس عدم النصّ المعارض له، حتى لو كان الأصل قطعيًّا والنصّ المعارض ظنيًّا، فكيف والأمر في مسألتنا بالعكس؟

стр. 218

[السابع]: أن شرط القياس أيضًا الأولوية أو المساواة [في العلة] (١) لا بكون مجرد النبوّة والصلاح، فما بقي إلّا أن يكون كونها [آية خارجة عن العادة] بتلك المثابة. على أنه لو فُرِض وجود مثل تلك الآية أو أبلغ منها لَمَا صحّ القياس لما تقدّم. [ثم رجعنا النظر إلى السنة، فوجدنا في «الصحيحين» (٢) وغيرهما عن عائشة ﵂: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة بأرض الحبشة، وذكرت له ما رأت فيها من الصور. فقال رسول الله ﷺ : «أولئكِ قوم إذا مات فيهم العبد الصالح ــ أو الرجل الصالح ــ بنوا على قبره مسجدًا وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئكِ شرار الخلق عند الله». وفي «صحيح مسلم» (٣) عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت يقول: «ألا وإنّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك». وفي «الصحيحين» (٤) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهودَ والنصارى اتخذوا قبورَ

стр. 219

أنبيائهم مساجد». وعن أسامة بن زيد قال: قال لي رسول الله ﷺ : «أدْخِل عليَّ أصحابي» فدخلوا عليه فكشف القناع، ثم قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد» (١)] (٢). وفي «الصحيحين» (٣) عن عائشة قالت: لما نزل برسول الله ﵌ طَفِقَ يطرحُ خميصةً له على وجهه، فإذا اغتمَّ كَشَفها، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». يحذِّرُ ما صنعوا. وروى الشيخان (٤) مثله عن ابن عباس. قال الشوكاني (٥): وأخرج الإمامُ أحمد في «مسنده» (٦) بإسناد جيّد من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: أن رسول الله ﵌ قال: «مِن شِرار الناس مَن تدركهم الساعةُ وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». قال غيره: ورواه الطبراني (٧).

стр. 220

وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي ــ وقال: حديث حسن ــ والنسائي، وابن ماجه (١)، عن ابن عباس قال: لعن رسولُ الله ﵌ زائرات القبور، والمُتَّخذين عليها المساجد والسُّرُج. وأخرج أحمد وأهل السنن عن زيد بن ثابت (٢) أنه ﵌ قال: «لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج». وفي «الموطأ» (٣) عن عطاء بن يسار قال: قال رسول الله ﵌: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعْبَد، اشتدّ غَضبُ الله على قومٍ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وعطاء تابعي، فالحديث مرسل. وقد مرَّ (٤) أن الإمام أحمد أخرجه في «المسند» (٥) بسندٍ رجاله كلهم ثقات بلفظ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

стр. 221

وفي «الموطأ» (١) في حديث وصيّة النبي ﵌: «ولا تتخذوا قبري وثنًا». فهذا ما تيسّر ذِكْره من أحاديث الباب، قد رواها من الصحابة: عائشة، وأبو هريرة، وأسامة، وجندب، وابن عباس، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وجُلّها في «الصحيحين» من طُرق، وفي ذلك كفاية لمن هداه الله، وبالله التوفيق. [١٤٠] فدلّت هذه الأحاديث على حرمة اتخاذ المساجد على القبور، أي: بأن يكون البناء مشتملًا على القبر وإن اتّسَعَ، إذ لا يتصوّر أن يُتّخذ القبر نفسه مسجدًا، ولا أن يبنى عليه مسجدٌ، بمعنى أن يكون البناء على حيطان القبر. وحديث عائشة: أن أم سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﵌ ... الحديث ــ وقد مرَّ (٢) ــ صريحٌ في هذا. [ص] فإن قال قائل (٣): إن هذه الأحاديث تدلّ على أن اتخاذ المساجد على القبور [كان محرَّمًا] (٤) على اليهود والنصارى. وذَكَر المفسِّرون أن الأمة التي بَعثَ الله فيها أهلَ الكهف كانوا نصارى، فكيف يُقال: إن اتخاذ المساجد على القبور كان جائزًا في شرعها؟

стр. 222

فالجواب: أن قول المفسرين: إن تلك الأمة التي بُعِث فيها أهلُ الكهف كانوا نصارى قولٌ لا دليلَ عليه، وإنما هو مأخوذ عن أهل الكتاب فلا يوثَق به، مع أنّ الله تعالى قد منعنا من سُؤالهم في شأن أهل الكهف بقوله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٢]. وعلى هذا فالجمع بين ما سلّمناه جَدَلًا في دلالة الآية على أن ذلك كان جائزًا في شرع تلك الأمة، وبين الأحاديث الدالّة على كونه كان حرامًا على اليهود والنصارى= أن يقال: إن تلك الأمة كانت قبل موسى ﵇، فكان ذلك جائزًا في شرعهم، ثم نُسِخ في شرع موسى وعيسى ﵉، ثم تأكَّد النسخُ في شريعةِ خاتم الأنبياء ﵌ وبارك عليه وعلى آله. على أن الظاهر أنّ البناء للمساجد على القبور كان حرامًا في جميع الشرائع، ودلالة الآية على جواز تلك الواقعة ممنوع أو محمول على أن «على» للتعليل لا للاستعلاء، فيكون المعنى: لتتخذنّ لأجلهم مسجدًا. فيكون اتخاذ المسجد بعيدًا عنهم، ليكون تذكارًا بتلك الآية، والله أعلم. تنبيهات الأول: تقدم أن الأولى حمل «على» في الآية على السببيّة وإن كان خلاف الظاهر، جمعًا بين الأدلة، ولو سُلِّم أنها استعلائية لكان المراد الاستعلاء المجازيّ، أي: على مكان يَقْرُب منهم، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠]، وقول الشاعر (١):

стр. 223

* وباتَ على النار الندى والمُحَلَّق * وذلك لأنه لا يمكن البناء عليهم لأنهم في الكهف، والكهوف تكون في الغالب صغيرة لا تسع أن يُبنى داخلها مسجد، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨]. فإنه إذا كان هذا الرعب ملازمًا لكهفهم كان من الممتنع بعد عودتهم إلى مضجعهم أن يدخل البنّاؤون لبناء مسجدٍ على جُثثهم في داخله. وما قيل: إنه لعله كان الغار حفرةً عميقة ... (١) فيكون البناء على رأسه على جثثهم بدون دخول. يُبْعِدُه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٧ - ١٨] (٢). ومع ذلك فالبناء بقُرْب القبر من المحرَّم في شريعتنا؛ لما مرّ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، ولأنّ العلةَ ــ وهي خشية أن يؤدّي تمييز القبر إلى تعظيمه ــ موجودةٌ هنا، مع أن مقصود الشارع سدّ الذريعة، ولا يتحقق ذلك إلا بسدّ الباب رأسًا، والله الموفق. الثاني: إنّما عزم الغالبون على أمرهم أن يتخذوا عليهم مسجدًا إشهارًا

стр. 224

لتلك الآية البالغة، حتى إذا قيل: بُني هذا المسجد على فتيةٍ كان مِن أمرِهم كيتَ وكيتَ= كان ذلك مما يُثبّت القلوبَ على الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، كما يدلّ عليه السياق، ومع ذلك فمثل هذا ممنوع في شرعنا لإطلاق الأدلة حُرْمة بناء المساجد على القبور، ومنها قبور الأنبياء والصالحين وغيرهم بأي قصدٍ كان، مع ما مرَّ أنّ مقصود الشارع سّد الذريعة. [ص ١٣] الثالث: ذكر ابن حجر في «الزواجر» (١) أنه وقع في كلام بعض الشافعية عدّ اتخاذ القبور مساجد والصلاة إليها واستلامها والطواف بها ونحو ذلك من الكبائر. وكأنَّه أخذ ذلك مما ذُكِر في الأحاديث. ووجه اتخاذ القبر مسجدًا واضح؛ لأنه ﵊ لَعَن من فَعَل ذلك بقبور الأنبياء ﵈، وجَعَل مَن فَعل ذلك بقبور الصالحين شرارَ الخَلْق عند الله تعالى يوم القيامة، ففيه تحذيرٌ لنا. واتخاذُ القبرِ مسجدًا معناه: الصلاة عليه أو إليه، وحيئنذٍ يكون قوله: «والصلاة إليها» مكرَّرًا، إلّا أن يُراد باتخاذها مساجد الصلاة عليها فقط. نعم، إنما يتَّجه هذا الأخذ إن كان القبرُ قبر معظَّم مِن نبيّ أو وليّ، كما أشارت إليه روايةُ: «إذا مات فيهم الرجل الصالح» (٢) ومِن ثَمَّ قال أصحابنا: تحرم الصلاةُ إلى قبور الأنبياء والأولياء تبرّكًا وإعظامًا. فاشترطوا شيئين: أن يكون قبر مُعَظّم. وأن يقصد الصلاة إليها. ومثلُ الصلاة عليه التبرُّك والإعظام. وكون هذا الفعل كبيرةً ظاهرٌ من الأحاديث، وكأنَّه قاس عليه كلَّ تعظيمٍ

стр. 225

للقبر، كإيقاد السُّرُج عليه تعظيمًا له وتبرّكًا به والطواف به كذلك. وهو أَخْذٌ غير بعيد، سيّما وقد صرَّح في بعضُ الأحاديث المذكورة بلعن من اتخذ على القبر سراجًا، فيُحمل قولُ الأصحاب بكراهة ذلك على ما إذا لم يقصد به تعظيمًا وتبركًا بذي القبر. ا? (١). أقول: قوله: «وقع في كلام ... » إلخ. هو الذي لا ينبغي غيرُه، فإنّهم عرَّفوا الكبيرةَ بأنها: ما ورد فيه وعيد شديد بنصِّ كتابٍ أو سنة. وهذا التعريف صادقٌ على الأشياء المذكورة كما لا يخفى. وقوله: «واتخاذ القبر مسجدًا معناه الصلاة عليه أو إليه ... » إلخ. فيه نظر، نعم، الصلاة إليه قد ثبت النهيُ عنها بما في «صحيح مسلم» (٢) عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﵌: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلُّوا إليها». والصلاة عليه أشدّ فهي مفهومة بالأَولى. وأما أحاديث النهي عن اتخاذها مساجد، فهي وإن لزم منها بطريق الأولى النهي عن الصلاة على القبور وإليها، فليس ذلك [هو معناها] المطابقي، [وإنما معناها] المطابقي [هو النهي] (٣) عن اتخاذ المساجد عليها؛ لأن المساجد صارت حقيقةً شرعية في ما يُبنى ليكون مصلّى. والظاهر أنه ليس المراد أن اليهود والنصارى كانوا يبنون المساجدَ على نفس القبر، بل المراد أنهم يبنون بناءً يشتمل على القبر. ويبين هذا حديث «الصحيحين» (٤)

стр. 226

وغيرهما عن عائشة ﵂ أن أمّ سَلَمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﵌ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله ﵌: «أولئك قوم ... » الحديث، وقد مرَّ (١). فهذه الكنيسة التي رأتها أمُّ المؤمنين في أرض الحبشة لم تكن ثلاثة أذرع في ذراعين أي: موضع قبر كما هو واضح. وقوله ﵌ في هذا الحديث: «بنوا على قبره مسجدًا وصوَّروا فيه تلك الصور» صريحٌ في أن المراد بناء يشتمل على القبر، وأن الوعيد يتناول البناء نفسَه فضلًا عن الصلاة على القبر وإليه. وقد ترجم البخاري على هذا بقوله: (باب بناء المسجد على القبر) (٢). وقد أحْسَن (٣) بنصِّه على أن مثل الصلاة عليه التبرّكُ والإعظام، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله (٤). [ص ١٤] وأما ما استدلّ به الإمام يحيى (٥) بقوله: (ولا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء والملوك، لاستعمال المسلمين ولم يُنْكَر).

стр. 227

فالجواب عنه: أنّ هذه الأحاديث الكثيرة لم تزل تُتْلَى في مدارسهم ومجالس حُفّاظهم (١)، يرويها الآخر عن الأول، والصغير عن الكبير، والمتعلّم عن العالم، مِن لدن أيّام الصحابة إلى هذه الغاية، وأوردها المحدّثون في كتبهم المشهورة من الأمهات والمسندات والمصنفات، وأوردها المفسِّرون في تفاسيرهم، وأهلُ الفقه في كتبهم الفقهيّة، وأهلُ الأخبار والسِّيَر في كتب الأخبار والسير، فكيف يُقال: إن المسلمين لم ينكروا على مَن فعل ذلك؟ وهم يروون أدلّة النهي عنه واللعن لفاعله خَلَفًا عن سلف في كلِّ عصر. ومع هذا فلم يزل علماء الإسلام منكرين لذلك مبالغين في النهي عنه، وقد حكى ابن القيّم (٢) عن شيخه تقيّ الدين، وهو الإمام المحيط بمذاهب سَلَف هذه الأمة وخَلَفها: أنه قد صرّح عامةُ الطوائف بالنهي عن بناء المساجد على القبور، ثم قال: «وصرّح أصحابُ أحمد ومالك والشافعي بتحريم ذلك وطائفة أطلقت الكراهةَ، لكن ينبغي أن يحمل على كراهة التحريم، إحسانًا للظنّ بهم، وأن لا يُظنَّ بهم أن يجوّزوا ما تواتر عن رسول الله ﵌ لَعْنُ فاعلِه، والنهي عنه» انتهى (٣).

стр. 228

قال المحقق ابن القيم في «زاد المعاد» (١): «ومنها: أن الوقف لا يصحّ على غير بِرٍّ ولا قُربة كما لم يصح وقف هذا المسجد (يعني مسجد الضرار) وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بُنِي على قبرٍ كما يُنْبَش الميت إذا دفن في المسجد، نصّ على ذلك الإمام أحمد وغيره، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجدٌ وقبرٌ، بل أيّهما طرأ على الآخر مَنع منه، وكان الحكم للسابق، فلو وُضِعا معًا لم يجز. ولا يصحّ هذا الوقف ولا يجوز، ولا تصحّ الصلاة في هذا المسجد لِنَهْي رسول الله ﵌ عن ذلك، ولَعْنه مَن اتخذ القبر مسجدًا أو أَوْقَد عليه سِراجًا. فهذا دينُ الإسلامِ الذي بعث الله به رسولَه ونبيَّه، وغُرْبته بين الناس كما ترى». * * * *

стр. 229

* [ص ١٥] تتمّة: لو قال قائل: ما الجمع بين هذه الأدلة ولاسيَّما حديث «الصحيحين» (١) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت: ولولا ذلك لأُبْرِز قبره غير أنه خشي أن يكون مسجدًا. وبين ما فعله الصحابة ﵃ في المسجد؟ فالجواب: أن الصحابة ﵃ لم يُدْخِلوا القبرَ في المسجد، وإنما لمَّا احتاجَ الناسُ إلى توسعة المسجد اضطرّوا إلى إدخال الحجرة، غير أنهم احتاطوا بجعل القبر بعُزْلةٍ عن المسجد. ولم يكن المسجد ولا البناء لأجل القبر (٢). فإن قلتَ: فإنه قد بُني على القبر بعد ذلك. قلت: قد علمتَ أنه لا حُجّة إلا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله، ومجرّد وقوع البناء على قبر النبي ﵌ لا يُعدّ دليلًا، كما أنه لو دخل إنسانٌ الكعبة أو أقام عند قبر النبي ﵌ وقال كلمةً أو عَمِل عملًا= لم يكن ذلك دليلًا على جوازه. وقد كانت الأصنام والأوثان (٣)

стр. 230

داخل الكعبة وخارجها زمانًا طويلًا و ... (١) الكفر. ولا أثَرَ لدعوى الإجماع هنا، فإنه لا إجماع، بل جمهور علماء الأمة متّبِعون لما تقضي به الأدلة، وإنما يسكتون عن النهي تصريحًا خوفًا من الملوك والعامة، فهم يكتفون بالنصّ على الحكم في مؤلّفاتهم وتدريساتهم. وقد علمتَ تلك الأدلة الصحيحة الثابتة في مؤلفاتهم طبقةً عن طبقة، حتى تتصل بالنبي ﵌، فكيف يصح ادّعاء إجماع يخالفها؟! ومع ذلك فقد علمتَ من كلام الإمام الشافعي الذي نقلناه في المسألة الأولى (٢) أن الإجماع السكوتيّ ليس بحجّة، وأن الإجماع الحقيقي لا سبيل إلى عِلْمِه، وإنما غاية الأمر أن يقال: هذا قول فلان ولا نعلمُ له مخالفًا، فيؤخَذ بهذا حيث لم يكن في المسألة دليلٌ من كتابٍ أو سنة، فإذا وُجِد دليلٌ من كتاب أو سنة وجَبَ المصيرُ إليه. وقد نقل المحقّق ابنُ القيم مثل هذا عن الإمام أحمد (٣). إذا علمتَ هذا فماذا يؤثِّر الإجماعُ في معارضة تلك الأدلة؟ على أنه قد مرّ عن بعض الفقهاء المتأخرين (٤) أنّ محلّ كون الإجماع حجة هو في

стр. 231

العصور الصالحة، فأما في العصور الأخيرة فلا. على أننا نعلم أن محبّة النبي ﵌ لا يتحقَّقُ الإيمانُ إلّا بها، ولكن حقيقة محبّته هو أن يكون أحبَّ إلينا من أنفسنا وأهلينا والناس أجمعين. وهذه المحبّة شيء في القلب، وإظهارها يجب أن يكون على وجهٍ مأذونٍ به شرعًا، فأما إظهار المحبة على وجهٍ منهيٍّ عنه شرعًا فإنه منافٍ لحقيقة المحبّة الإيمانية. وعلى كلِّ حال فثمرة محبّته ﵌ هو اتباع سنته، بل إن اتباعه ﵌ هو ثمرة [محبّة الله] ... (١) وبمحبته حققنا [أمر الله] تعالى بمحبّته وبمحبَّة رسوله كما يحبّ ويرضى.

стр. 232

البحث الثالث زيارة القبور تصفَّحنا كتاب الله تعالى نلتمس فيه دلالة على هذا الموضوع، فلم نجد إلا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي من المنافقين ﴿مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]. فدلّ بطريق الإيماء على أن النهي يتناول كل من وُجدت فيه العلة، وهي الكفر بالله والموت عليه. ومفهومه أن مَن لم توجد فيه العلة، وهو مَن مات على دين الإسلام غير منهيّ عن الصلاة عليه والقيام على قبره. وهذا واضح ولكن الشأن في تفسير القيام على القبر، فنقول: قال السيوطي في «فتاواه» (١) كما نقله الآلوسي في «تفسيره» (٢): «المراد بالقيام على القبر: الوقوف عليه حالة الدفن وبعده ساعةً، ويحتمل أن يعمّ الزيارة أيضًا أخْذًا من الإطلاق» ا?. قال الآلوسي: وفي كون المراد بالقيام على القبر الوقوف عليه حالة الدفن وبعده ساعةً خفاء، إذ المتبادر من القيام على القبر ما هو أعمّ من ذلك. نعم، كان الوقوف بعد الدفن قَدْر نَحْر جزور مندوبًا (٣)، ولعلّه لشيوع ذلك إذ

стр. 233

ذاك أَخَذَ في مفهوم القيام على القبر ما أخذ. انتهى. أقول: قوله: «نعم كان الوقوف بعد الدفن قدر ... [إلخ]». إنما رُوِيَ هذا في وصية [عمرو بن العاص] (١) ولم يسنده إلى السنة، نعم في «سنن أبي داود» (٢) عن عثمان [قال: كان] النبي ﵌ إذا دفن الميت وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم ثم سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل». والذي يظهر لي تناول النهي في الآية للقيام للزيارة، إذ الفعل في سياق النهي فيعمّ، فالمعنى: لا يكن منكَ قيامٌ على قبره، و «قيام» يتناول القيام للدفن والقيام للزيارة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص [السبب] (٣). وعليه ففي الآية النهي عن القيام على المنافق، سواء أكان للدفن أو للزيارة، فكلاهما منهيٌّ عنه في [حق المنافقين] (٤) بالمنطوق، وفي حق الكفَّار بالمفهوم، ومأذون فيه (٥) في حقّ المسلمين بالمفهوم، والله أعلم. [ص ٢] ثم رجعنا النظرَ إلى السنة فوجدنا حديث مسلم (٦) عن بُريدة

стр. 234

رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﵌: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» الحديث. ولابن ماجه (١) عن ابن مسعود أن رسول الله ﵌ قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تزهّد في الدنيا وتذكّر الآخرة». وحديث مسلم (٢) عن بُريدة أيضًا قال: كان رسول الله ﵌ يعلّمهم إذا خرجوا إلى المقابر: «السلام عليكم أهلَ الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية». وحديث مسلم وغيره (٣) عن أبي هريرة قال: زار النبيُّ ﵌ قبر أُمه فبكى وأبكى مَن حوله، فقال: «استأذنتُ ربي في أن أستغفر لها فلم يأذَن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكِّر الموتَ». وحديث مسلم (٤) أيضًا عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: خرج رسول الله ﵌ إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دارَ قومٍ مؤمنين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون ... » الحديث. وقد مرّ.

стр. 235

وحديث مسلم (١) عن عائشة أيضًا قالت: كان رسول الله ﵌ كلما كان ليلتها من رسول الله ﵌ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجَّلون، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد». وهاهنا فروع: الأول: في عِلَّة النهي أولًا. هي ــ والله أعلم ــ أن أهل الجاهلية كانوا يقولون ويفعلون عند القبور أشياء ينكرها الشرع، فلئلّا يقع قريبو العهد بالجاهلية في شيءٍ من تلك الأشياء جهلًا أو جريًا على ما اعتادوه= اقتضت الحكمةُ النهيَ عن زيارة القبور مطلقًا سدًّا للذريعة. فلما ثبتت قواعد الإسلام وتبينت أحكامه، ورسخت الأقدام فيه، رَخّص في الزيارة بزوال المانع. ويومئُ إلى هذا ما رواه ابن ماجه عن زيد بن ثابت عن النبي ﵌ أنه قال: «زوروا القبور ولا تقولوا هُجْرًا» (٢). الثاني: في الحكمة في استحباب زيارة القبور:

стр. 236

أقول: قد بينها ﷺ بقوله: «فإنها تذكّر الموتَ» وهو معنى القول الآخر: «فإنها تزهّد في الدنيا وتذكّر الآخرة». الثالث: في النساء هل يزرن القبور؟ أقول: ظاهر قوله ﵌: «فزوروها» شموله للذكور والإناث، كما هو شأن الخطابات الشرعية، وفي «صحيح مسلم» (١) عن عائشة قالت: كيف أقول يا رسول الله؟ ــ تعني في زيارة القبور ــ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون». [ص ٣] وفي «الصحيحين» (٢) عن أنسٍ قال: مرّ النبيُّ ﵌ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتقي الله واصبري». قالت: إليكَ عني، فإنك لم تُصَب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ﵌، فأتت بابَ النبيِّ ﵌ فلم تجد عنده بوّابين فقالت: لم أعرفك. فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». فأنكر عليها رسولُ الله ﵌ الجزعَ والحزن، ولم ينكر عليها الخروجَ إلى القبر. فهذه الأحاديث تدلّ على الجواز. لكن ورد ما ظاهره يخالف ذلك، قال في «المشكاة» (٣): وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﵌ لَعَن زوّارات القبور. رواه

стр. 237

أحمد والترمذي وابن ماجه (١). وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقال: «قد رأى بعضُ أهل العلم أنّ هذا كان قبل أن يرخِّص النبيُّ ﵌ في زيارة القبور، فلما رخّص دخل في رخصته الرجال والنساء، وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء لقلَّة صبرهنّ وكثرة جزعهنّ». تم كلامه (٢). وروى الترمذي (٣) عن ابن أبي مُليكة قال: لما توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحُبْشيّ (٤) ــ وهو موضع ــ فحمل إلى مكة فدُفِن بها، فلما قدمت عائشةُ أتت قبرَ عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت: وكُنّا كَنَدْماني جَذيمة حِقْبةً ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدّعا فلما تفرّقنا كأنّي ومالكًا ... لطول اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معا ثم قالت: والله لو حضَرْتُك ما دُفنتَ إلا حيث متَّ، ولو شهدتُك ما زرتك. والذي يلوح لي أن الرّخصة عمّت الذكورَ والإناث، ثم نهى رسول الله ﵌ النساء عن كثرة الزيارة، كما يدل عليه قوله في

стр. 238

الحديث السابق: «زوّارات القبور». وبهذا تتفق الأدلة، والله الموفق. ثم وقفت على «فتح الباري» (١) فحكى فيه الخلاف، وقال: «قال القرطبيّ: هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصِّفةُ من المبالغة .. » إلخ. وهو الذي لاح لي ولله الحمد. الرابع: هل تُزار قبور الكفّار ؟ قد مضى أول هذا البحث (٢) أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] يتناول الزيارة، وأن العلة ــ وهي الكفر بالله ورسوله والموت عليه ــ موجودة في غير المنافقين من الكفّار؛ فتكون زيارة قبور الكفار منهيًّا عنها. ولكن قوله ﵌: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» عام يتناول قبور الكفار. ثم إن العلة التي لأجلها نُدِبت زيارة القبور ــ وهي كونها تذكّر الموت أو تزهّد في الدنيا وتذكِّر الآخرة ــ موجودة في قبور الكفار. قالوا: وقد زار النبيُّ ﵌ قبر أُمِّه كما مرّ (٣). والذي يلوح لي ترجيح دلالة الآية؛ أولًا: لما يظهر من أنها نَسَخت جواز القيام على قبور الكفار كما نَسَخت جواز الصلاة عليهم. ونزولها كان بعد عود النبي ﵌ من تبوك، وما مرّ من أدلة الجواز متقدّم على ذلك.

стр. 239

[ص ٤] ثانيًا: أن النبيَّ ﵌ علّمنا كيف نقول عند زيارة قبور المسلمين فقط، فلنقتصر على ذلك. والظاهر أنه لو كانت زيارة قبور الكفار مشروعة لعلّمنا كيف نقول عندها. ثالثًا: أن (١) زيارة قبور المسلمين فيها فائدة غير مجرّد تذكُّر الآخرة، وهي الدعاء لهم كما ورد. رابعًا: أن زيارة قبور المشركين تورث للزائر غَلَبة الرجاء، بحيث يُخشى منه الاتكال والتقصير في الطاعات؛ لأنه يستشعر ما كانوا فيه من الشرك بالله تعالى، والجحود لوحدانيته وغير ذلك، وأنه مؤمن بالله تعالى. وهذا الرجاء مع كونه محذورًا في نفسه، فهو نقيض الحكمة التي شُرِعت لها زيارة القبور، وهي تذكير الآخرة لتجديد الخوف وترقيق القلب والتزهيد في الدنيا؛ لينشأ عن ذلك الإقبال على الطاعات والتوبة من الخطايا التي سَلَفت، والاحتراز عنها فيما بقي. بخلاف زيارة قبور المؤمنين فإنها ــ إن لم يكونوا معصومين (٢) ــ تذكّر بالثواب والعقاب معًا، وأن المحسنين منهم قد أفضوا إلى النعيم المقيم والمسيئين على خطر عظيم، وأنه لاحِقٌ بهم، فإن أحسن فالحُسْنى، وإن أساء فالأخرى. وبهذا النظر يحصل مقصود الزيارة الذي مرّ ذكره، فينشأ عنه ما ينشأ. وإن كانوا معصومين تذكّر ما هم فيه من النعيم المقطوع به لعصمتهم، فيشتاق إليه، ثم يذكر أنه غير معصوم، وأنه لاحِقٌ بالموتى، فإن أحسن كان

стр. 240

مع الذين أنعم الله عليهم، يتقلّب في ذلك النعيم الدائم، وإن أساء كان حريًّا أن يكون في ضدِّه من العذاب اللازم. وبهذا النظر يحصل المقصود من الزيارة، وما ينشأ عنها من الاجتهاد في الإحسان والجدّ في جهاد النفس والشيطان. وفقنا الله تعالى لما يحبُّه ويرضاه. ومما يتعلّق بالمقام: حديث الترمذي (١) عن عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن رسول الله ﵌ قال: «خصلتان مَن كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا: من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضّله الله عليه كتبه الله شاكرًا صابرًا. ومَن نظر في دينه إلى مَن [هو] دونه، ونظر في دنياه إلى مَن هو فوقه، فأسِفَ على ما فاته منه لم يكتبه الله شاكرًا ولا صابرًا». ولا يخفى أن زائر القبر ناظرٌ في دينه إلى حال المقبور، فينبغي أن لا يكون دونه، بأن يكون كافرًا، فالحديث دليل في النهي عن زيارة قبور الكفار، فتأمّل. والله أعلم.

стр. 241

[ص ٥] الخامس (١): كيفية الزيارة: أقول: قد علمتَ أن المقصود من الزيارة إنما هو تذكُّر الموت والآخرة، والدعاء للميت، ومعلوم أنه يكفي في هذا القيام قريبًا من القبر، والدعاء بالأدعية الواردة، وقد مرَّت (٢). ولفظه في حديث بريدة: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله بكم للاحقون، ونسأل الله لنا ولكم العافية». وحديث أبي هريرة: «السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون». وحديث عائشة الأول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد». وحديث عائشة الثاني: «السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين مِنَّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء الله بكم لَلاحقون» (٣). * * * *

стр. 242

[ص ٦] فصل في زيارة قبور الأنبياء والصالحين قد علمتَ أن الأدلة الواردة في مشروعية زيارة القبور عامةٌ في قبور الأنبياء والصالحين وسائر المسلمين، وإنما النزاعُ في شيئين: الأول: في شدّ الرحال. الثاني: الغرض المقصود من الزيارة. وعند التحقيق ينحصر النزاع في هذا الأخير، كما ستراه إن شاء الله تعالى. فأما شدّ الرحال، فإنّ من العلماء مَن مَنَعه لحديث «الصحيحين» (١) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵌: «لا تُشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». فقال قومٌ: هو نفيٌ، والمراد به النهي، وهو عامّ في كلّ شيءٍ. أي: لا تَشدّوا الرحال إلى شيءٍ من الأشياء إلّا إلى ثلاثة مساجد. ثم ما وَرَد فيه دليلٌ خاصّ في إباحةِ أو نَدْبِ أو وجوبِ شدِّ الرحال إليه غير ما ذُكِر فهو مخصَّصٌ من هذا العموم. وذلك كطلب الرزق، والتفكّر في آيات الآفاق، وزيارة ذوي الأرحام، وطلب العلم، والجهاد، وغير ذلك. فيبقى زيارة القبور داخلًا تحت ذلك العموم.

стр. 243

وقال آخرون: بل المراد: لا تشدّوا الرحال إلى بقعة من بقاع الأرض تلتمسون فضلَها عند الله تعالى غير الثلاثة المساجد. قالوا: ولا نحتاج لتخصيص طلب الرزق وغيره مما سبق، ويكون النهي بحالِهِ متناولًا لزيارة القبور. وقال غيرهم: بل الحديث واردٌ في شأن المساجد، أي: لا تشدّوا الرحال إلى مسجد من المساجد تلتمسون فضله غير المساجد الثلاثة، فيكون الحديث خاصًّا بالمساجد. وأنت خبيرٌ أنَّ ظاهر اللفظ يعيِّن القول الأول؛ إذ التقييد ببقاع الأرض أو بالمساجد خارج عن مدلول اللفظ. وعلى كلِّ حال فالأدلة ثابتةٌ والإجماعُ منعقدٌ على إباحة شدّ الرحال إلى كلِّ مقصدٍ دينيّ أو دنيويّ يحتاج الوصول إليه إلى ذلك. والظاهر أن المسلم إذا أراد زيارة القبور للغرض المتفق عليه، وهو تذكُّر الآخرة، ولم يكن بالقُرب منه قبور= لم يَحْرُم عليه أن يشدّ رحله لزيارة أقرب القبور إليه، بل لا أظنُّ أحدًا يتردّد في .... (١) أنه مأمور بزيارة القبور لتذكّر الآخرة، والأمر بزيارة القبور [ص ٧] مطلق، والنهي عن شدّ الرحال إلى غير الثلاثة المساجد عام، فهل يقال: إن إطلاق الأمر بزيارة القبور يخصّصُ عمومَ النهي عن شدّ الرحال؟ أو يقال: إن عموم النهي عن شدّ الرحال يقيّد إطلاق الأمر بزيارة القبور؟ أو يقال: إن كان بِقُرْبه قبر تعيّن عليه العمل بالحديثين، بأن يزور القبر القريب منه ولا يشدّ رحلَه إلى غيره. وإن لم يكن

стр. 244

بالقرب منه قبر ترجّح تخصيص عموم النهي عن شدّ الرحال بإطلاق الأمر بزيارة القبور، فيرخّص له بشدّ رحله لزيارة أقرب القبور إليه لتذكُّر الآخرة؛ لأن هذا الغرض غرضٌ مهمٌّ شرعًا، وليس في شدّ الرحل إليه إخلال بغرض شرعيّ؛ لأن الغرض الذي لأجله النهي عن شدّ الرحال لغير الثلاثة المساجد إنما هو ــ والله أعلم ــ خشيةَ أن يضيّع المسلمون مصالحهم الدينية والدنيوية في الرحيل إلى ما لا فائدة لهم فيه، وفي مسألتنا قد تحققت الفائدة. وهذا الثالث ــ والله أعلم ــ هو الحقُّ إن شاء الله تعالى. وعلى هذا فمن جعل لزيارة قبور الأنبياء والصالحين فائدةً دينية زائدة عن قبور غيرهم من المسلمين، أي زائدةً عن مجرّد تذكّر الموت وما بعده خصّصها بنحو ما خصصنا به مَن كان بعيدًا من القبور، في أنه يجوز له شدّ رحله لزيارة أقرب القبور إلى محلّه. ومن هنا قلنا: إنه عند التحقيق ينحصر النزاع في المقصود من الزيارة، وعليه فأقول: قال المانعون: إن غرض الشارع من الأمر بزيارة القبور هو ما بيّنه ﵌ بقوله في حديث مسلم (١): «فإنها تُذَكِّر الموتَ». وفي حديث ابن ماجه (٢): «فإنها تزهّد في الدنيا وتذكّر الآخرة». فقوله ﵌: «فإنها تذكر الموت ــ فإنها تزهّد في الدنيا وتذكّر الآخرة» نصٌّ منه على مشروعية زيارة القبور، وحينئذٍ (٣) فلا شكَّ أنه يكفي في تحصيل هذا المقصد أيّ قبرٍ كان من قبور المسلمين.

стр. 245

قال المجيزون: هذا مسلّم، ولكن ليس في هذا ما يدلّ على أنه لا غرض للشارع غير ما ذُكِر، كيف وقد تقدّم من الأحاديث ما يدلُّ على أنه من المقاصد السلامُ عليهم، والدعاء لهم، والدعاء للنفس؟ [ص ٨] كما مرَّ ذلك في نَقْل الأدعية الواردة عنه ﵌ في زيارة القبور، فيرجع إليها (١)، وهي تدلّ أن من المقاصد السلام عليهم، والدعاء لهم وللنفس وللمؤمنين. ولفظ حديث عائشة: «السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون» (٢). فإذا تقرَّر ذلك، فلا شك أنه لا يكفي في تحصيل هذه المقاصد زيارة أيّ قبرٍ كان، لأن من المقاصد: السلام على الموتى، وقد يريد الإنسان أن يخصّ بالسلام ميّتًا معينًا من الأنبياء أو الصالحين. ومن المقاصد: الدعاء لصاحب القبر، والإنسان قد يريد أن يخصّ أيضًا. ومن المقاصد: الدعاء للنفس وللمؤمنين، ولا شك أن الدعاء في بعض المواطن أَرْجى. ومن ذلك: مواضع قبور الأنبياء والصالحين، فإنَّ تجلِّي الرحمةِ عندها أكثر من غيرها. ومن المقاصد الشرعية ــ وإن لم تدلّ عليها تلك الأحاديث ــ: تذكُّر سيرة الأخيار؛ لأن في ذلك الحضّ للنفس عليها. ولا شكَّ أن الإنسان عند زيارته قبور الأنبياء والصالحين يتذكَّر سِيَرهم وما كانوا عليه من الأعمال الصالحة واجتناب الشبهات؛ فيحمله ذلك على الاقتداء بهم. وأيضًا: أنه عند زيارة قبور أهل الخير، يستشعر ما هم فيه من رضوان الله تعالى والجنة،

стр. 246

فتشتاقُ نفسُه إلى اللحاق بهم، ويعلم أنّ ذلك متوقِّف على العمل بِعَمَلهم؛ فيحضُّه ذلك على عمل الخير. فهذه كلُّها مقاصد شرعيّة، تختلف باختلاف القبور، وبذلك يُخصّص حديث النهي عن شدّ الرِّحال على تسليم عمومه في كلِّ شيء. فأما على اقتصار عمومه على البقاع أو المساجد فلا حاجة إلى التخصيص. أما الثاني فواضح، وأما الأول: فلأننا نقول: المراد البقاع لذاتها لا لشيء آخر كائنٍ فيها، كعالم كائن في مصر، وجهادٍ في الثغر، ونحو ذلك. إذ ليس القصد ذات مصر ولا الثغر، وإنما القصد العالم والجهاد. ومثل هذا يقال في قبور الأنبياء والصالحين، فليس القصد القبر، أي الحفرة التي هي من الأرض، بل القصد الذات المدفونة فيها. [ص ٩] قال المانعون: لا نسلِّم أن للشارع حِكْمةً في الأمر بزيارة القبور غير ما نصَّ عليها الحديثُ، كما مر. فأما السلام عليهم، والدعاء لهم، والدعاء للنفس وللمؤمنين فهي من المقاصد العامة التي تُقال عند غير القبور فجيء بها عند زيارة القبور عَرَضًا. وإن سلَّمنا أنها من المقاصد فليست لذاتها وإنما هي حاصلة تبعًا، يدلك على ذلك أن السلام عليهم معناه الدعاء لهم بالسلامة، وذلك (١) والدعاءُ لهم وللنفس وللمؤمنين يمكن أن يحصِّلها الإنسان وهو على فراشه، فكيف يقال: إنها من الأغراض التي شُرِعت لها زيارة القبور؟ ! وقولكم: «وقد يريد الإنسان أن يخصّ بالسلام إنسانًا معيّنًا».

стр. 247

فالجواب: أن السلام هو عبارة عن الدعاء له بالسلامة، فادعُ له وأنتَ في بيتك أو مسجدك أو دكانك أو حيث كنت. وسيأتي في الحديث الصحيح وهو قوله ﵌: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني» (١). وبهذا يُعْلَم الجواب عن قولكم: «ومن المقاصد الدعاء لصاحب القبر ... » إلخ. وأما قولكم: «ومن المقاصد الدعاء للنفس وللمؤمنين ... » إلخ. فقد مرَّ أن هذا ليس من مقاصد زيارة القبور، وإنما يحصل عندها عَرَضًا، فاتخاذه مقصدًا شرعيًّا بدعة. ولم يكن الصحابةُ والتابعون ومَن بعدهم يزورون القبور لأجل الدعاء عندها. ولو كانوا يرون أن في الدعاء عندها مزيد فائدةٍ وكونه أَرْجى للقبول ونحو ذلك لكانوا أسرع إليه. ولو سلّمنا أن الدعاء عندها أرجى لتبيّن بفعل السلف اختصاص العمل بذلك إذا كانت الزيارة لمقصدها، فيُسْتحسن الدعاءُ حينئذٍ. وأما أن يُقصد القبرُ لأجل الدعاء فلا. وسيأتي في التوسُّل (٢) حديث البخاري (٣) في توسّل عمر ﵁

стр. 248

والصحابة بالعباس ﵁ وقول عمر: «اللهم إنّا كنّا إذا أجْدَبْنا توسّلنا إليك بنبيك ﵌ فتسقينا، وإنَّنا نتوسّل إليك بعمِّ نبيك». وهذا دليلٌ ظاهر أنهم لم يكونوا يرون الدعاء عند القبور، وإلّا لما تركوا قبر النبي ﵌ وذهبوا يستسقون في غير محلِّه. وسيأتي في بحث عِلْم الغيب الحديث الذي أخرجه صاحب «المختارة» بسنده إلى عليّ بن الحسين أنه رأى رجلًا يجيء إلى فُرجةٍ كانت عند قبر النبي ﵌ فيدخل فيها ويدعو، فنهاه وقال: أحدّثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدِّي عن رسول الله ﵌ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، فإن تسليمكم ليبلغني أين كنتم» (١). [ص ١٠] [وثبت] (٢) عن ابن عمر (٣) أنه كان يقول عند إتيانه قبر النبي ﵌ وصاحبيه: السلام عليك [يا رسول الله]، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أَبَتِ. ونحن لا ننكر الدعاءَ عند القبور كما ورد في الأحاديث الصحاح. وإنما ننكر أن تُقْصَد القبور لأجل الدعاء. ونقول: لا تُقصَد القبور إلا لتذكُّر

стр. 249

[الموت] والآخرة. فإذا وصل الإنسانُ سلَّم على أهلها ودعا لهم ولنفسه وللمؤمنين كما ورد. أما قولكم: «إن من المقاصد الشرعية تذكُّر سيرة الأخيار». فهذا يحصل تمامَ الحصول بقراءة القرآن، فإنه [خُلُق] (١) إمام الأخيار ﵌ كما ورد في «الصحيح» عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ (٢)، أو قراءة شيء من كتب السنن الصحيحة. وتذكُّر سيرتِه ﵌ بقراءة القرآن أو مطالعة السنن يغني عن تذكّر سِيَر غيره ممن ليس بمعصوم، ولاسيَّما مع ما مُزِجت به سِيَر غيره من الصالحين من الكذب الذي يخالف كثيرًا من أحكام الشرع. قال المجيزون: وفي زيارة قبر نبيّنا ﵌ فائدة أخرى، وهي أن الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، فعلَّق المغفرةَ على ثلاثة أمور: المجيء إليه ﵌، والاستغفار، واستغفاره ﵌. وعليه فإنه ﵌ كان يستغفر لجميع أمته، ولكن استغفاره يحتاج إلى الأمرين الأخيرين، فإذا جاء أحدُنا قبرَه واستغفر الله تعالى تمَّت الأمور الثلاثة، فحصلت الرحمة وقبول التوبة. هكذا رأيتُ معنى هذا في

стр. 250

«المواهب» (١). قال المانعون: الآيةُ واردةٌ في المنافقين. وما عليكم إلا أن تقرأوا ما قبلها وما بعدها، فتعلموا ذلك. يريد الله تعالى: لو أنهم جاؤوك فاعترفوا بما سلف منهم، وخضعوا لحكم الله تعالى على يدك، واستغفروا الله تعالى واستغفرتَ لهم لوجدوا الله توابًا رحيمًا. ومع قَطْع النظر عن هذا، فإن الاستغفارَين اللذين في الآية مشروطان بتقدُّم المجيء، والاستغفارُ الذي ذكرتم أنّ النبيَّ ﵌ قد استغفره لأمته متقدِّم على المجيء، ولا يمكنكم أن تقولوا: إنه يمكن أن يستغفر لنا ﵌ الآن [ص ١١] لما ثبت في «صحيح البخاري» (٢) عن أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: وارأساه. فقال رسول الله ﵌: «ذاك لو كان وأنا حيّ، فأستغفر لكِ وأدعو لكِ» الحديث. ودعاؤه ﵌ لأمته ليس مقيَّدًا بزيارتهم قبرَه اتفاقًا. وأما شفاعته ﵌ فهي حقٌّ وأيُّ حقّ، ولكنها لا تتوقّف على زيارة قبره ﵌، بل تتوقف على تحقيق الإيمان قبل كلِّ شيء. ففي «صحيح البخاري» (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﵌: «أَسْعَد الناسِ بشفاعتي يوم القيامة مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه».
следующие страницы →