فتشتاقُ نفسُه إلى اللحاق بهم، ويعلم أنّ ذلك متوقِّف على العمل بِعَمَلهم؛ فيحضُّه ذلك على عمل الخير.
فهذه كلُّها مقاصد شرعيّة، تختلف باختلاف القبور، وبذلك يُخصّص حديث النهي عن شدّ الرِّحال على تسليم عمومه في كلِّ شيء. فأما على اقتصار عمومه على البقاع أو المساجد فلا حاجة إلى التخصيص. أما الثاني فواضح، وأما الأول: فلأننا نقول: المراد البقاع لذاتها لا لشيء آخر كائنٍ فيها، كعالم كائن في مصر، وجهادٍ في الثغر، ونحو ذلك. إذ ليس القصد ذات مصر ولا الثغر، وإنما القصد العالم والجهاد. ومثل هذا يقال في قبور الأنبياء والصالحين، فليس القصد القبر، أي الحفرة التي هي من الأرض، بل القصد الذات المدفونة فيها.
[ص ٩] قال المانعون: لا نسلِّم أن للشارع حِكْمةً في الأمر بزيارة القبور غير ما نصَّ عليها الحديثُ، كما مر. فأما السلام عليهم، والدعاء لهم، والدعاء للنفس وللمؤمنين فهي من المقاصد العامة التي تُقال عند غير القبور فجيء بها عند زيارة القبور عَرَضًا. وإن سلَّمنا أنها من المقاصد فليست لذاتها وإنما هي حاصلة تبعًا، يدلك على ذلك أن السلام عليهم معناه الدعاء لهم بالسلامة، وذلك (١) والدعاءُ لهم وللنفس وللمؤمنين يمكن أن يحصِّلها الإنسان وهو على فراشه، فكيف يقال: إنها من الأغراض التي شُرِعت لها زيارة القبور؟ !
وقولكم: «وقد يريد الإنسان أن يخصّ بالسلام إنسانًا معيّنًا».
стр. 247
فالجواب: أن السلام هو عبارة عن الدعاء له بالسلامة، فادعُ له وأنتَ في بيتك أو مسجدك أو دكانك أو حيث كنت. وسيأتي في الحديث الصحيح وهو قوله ﵌: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليَّ حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني» (١).
وبهذا يُعْلَم الجواب عن قولكم: «ومن المقاصد الدعاء لصاحب القبر ... » إلخ.
وأما قولكم: «ومن المقاصد الدعاء للنفس وللمؤمنين ... » إلخ.
فقد مرَّ أن هذا ليس من مقاصد زيارة القبور، وإنما يحصل عندها عَرَضًا، فاتخاذه مقصدًا شرعيًّا بدعة. ولم يكن الصحابةُ والتابعون ومَن بعدهم يزورون القبور لأجل الدعاء عندها. ولو كانوا يرون أن في الدعاء عندها مزيد فائدةٍ وكونه أَرْجى للقبول ونحو ذلك لكانوا أسرع إليه. ولو سلّمنا أن الدعاء عندها أرجى لتبيّن بفعل السلف اختصاص العمل بذلك إذا كانت الزيارة لمقصدها، فيُسْتحسن الدعاءُ حينئذٍ. وأما أن يُقصد القبرُ لأجل الدعاء فلا.
وسيأتي في التوسُّل (٢) حديث البخاري (٣) في توسّل عمر ﵁
стр. 248
والصحابة بالعباس ﵁ وقول عمر: «اللهم إنّا كنّا إذا أجْدَبْنا توسّلنا إليك بنبيك ﵌ فتسقينا، وإنَّنا نتوسّل إليك بعمِّ نبيك». وهذا دليلٌ ظاهر أنهم لم يكونوا يرون الدعاء عند القبور، وإلّا لما تركوا قبر النبي ﵌ وذهبوا يستسقون في غير محلِّه. وسيأتي في بحث عِلْم الغيب الحديث الذي أخرجه صاحب «المختارة» بسنده إلى عليّ بن الحسين أنه رأى رجلًا يجيء إلى فُرجةٍ كانت عند قبر النبي ﵌ فيدخل فيها ويدعو، فنهاه وقال: أحدّثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدِّي عن رسول الله ﵌ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، فإن تسليمكم ليبلغني أين كنتم» (١).
[ص ١٠] [وثبت] (٢) عن ابن عمر (٣) أنه كان يقول عند إتيانه قبر النبي ﵌ وصاحبيه: السلام عليك [يا رسول الله]، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أَبَتِ.
ونحن لا ننكر الدعاءَ عند القبور كما ورد في الأحاديث الصحاح. وإنما ننكر أن تُقْصَد القبور لأجل الدعاء. ونقول: لا تُقصَد القبور إلا لتذكُّر
стр. 249
[الموت] والآخرة. فإذا وصل الإنسانُ سلَّم على أهلها ودعا لهم ولنفسه وللمؤمنين كما ورد.
أما قولكم: «إن من المقاصد الشرعية تذكُّر سيرة الأخيار». فهذا يحصل تمامَ الحصول بقراءة القرآن، فإنه [خُلُق] (١) إمام الأخيار ﵌ كما ورد في «الصحيح» عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ (٢)، أو قراءة شيء من كتب السنن الصحيحة. وتذكُّر سيرتِه ﵌ بقراءة القرآن أو مطالعة السنن يغني عن تذكّر سِيَر غيره ممن ليس بمعصوم، ولاسيَّما مع ما مُزِجت به سِيَر غيره من الصالحين من الكذب الذي يخالف كثيرًا من أحكام الشرع.
قال المجيزون: وفي زيارة قبر نبيّنا ﵌ فائدة أخرى، وهي أن الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، فعلَّق المغفرةَ على ثلاثة أمور: المجيء إليه ﵌، والاستغفار، واستغفاره ﵌. وعليه فإنه ﵌ كان يستغفر لجميع أمته، ولكن استغفاره يحتاج إلى الأمرين الأخيرين، فإذا جاء أحدُنا قبرَه واستغفر الله تعالى تمَّت الأمور الثلاثة، فحصلت الرحمة وقبول التوبة. هكذا رأيتُ معنى هذا في
стр. 250
«المواهب» (١).
قال المانعون: الآيةُ واردةٌ في المنافقين. وما عليكم إلا أن تقرأوا ما قبلها وما بعدها، فتعلموا ذلك. يريد الله تعالى: لو أنهم جاؤوك فاعترفوا بما سلف منهم، وخضعوا لحكم الله تعالى على يدك، واستغفروا الله تعالى واستغفرتَ لهم لوجدوا الله توابًا رحيمًا.
ومع قَطْع النظر عن هذا، فإن الاستغفارَين اللذين في الآية مشروطان بتقدُّم المجيء، والاستغفارُ الذي ذكرتم أنّ النبيَّ ﵌ قد استغفره لأمته متقدِّم على المجيء، ولا يمكنكم أن تقولوا: إنه يمكن أن يستغفر لنا ﵌ الآن [ص ١١] لما ثبت في «صحيح البخاري» (٢) عن أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: وارأساه. فقال رسول الله ﵌: «ذاك لو كان وأنا حيّ، فأستغفر لكِ وأدعو لكِ» الحديث. ودعاؤه ﵌ لأمته ليس مقيَّدًا بزيارتهم قبرَه اتفاقًا.
وأما شفاعته ﵌ فهي حقٌّ وأيُّ حقّ، ولكنها لا تتوقّف على زيارة قبره ﵌، بل تتوقف على تحقيق الإيمان قبل كلِّ شيء. ففي «صحيح البخاري» (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﵌: «أَسْعَد الناسِ بشفاعتي يوم القيامة مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه».
стр. 251
على أنَّنا لا ننكر زيارةَ قبره ﵌، وأنّها من أفضل القُرُبات، وإنما ننكر ما نهى عنه ﵌ مِن اتخاذ قبره عيدًا، ونُنكر شدَّ الرحال لغير قبره من قبور الأنبياء والصالحين (١).
وفَصْل الخطاب بيننا وبينكم: أنكم تعتقدون أن الدعاءَ عند القبور أقرب إلى القبول. وتعتقدون أنّ الصالحين أحياء، بحيث يرون زائرهم ويسمعونه ويغيثونه بتصرّفهم في الكون، أو يدعون الله تعالى.
وكلا الأمرين غير صحيح؛ أما الأول، فلأنَّه لو كان الأمر كما تقولون لأمَرَنا به الله تعالى ورسولُه. فإنّ الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. وقد عَلِمْتم أنه لم يصح عنه ﵌ الأمر بزيارة قبور أحدٍ من الصالحين لأجل الدعاء، وعَلِمْتم أن أصحابه ﵃ لم يكونوا يفعلون ذلك؛ بل صحَّ عنهم ما يخالفه، وهكذا أتباعُهم حتى ذهبت قرون الخيرية، وظَهَر الجهلُ والبدعُ، وصار كلُّ أحدٍ يشرع لنفسه ما يستحسنه هواه. والدين ليس ما تستحسنه النفسُ، وإنما هو ما صحَّ عن الله تعالى وعن رسوله ﵊.
стр. 252
وهَبُوا أنكم جرّبتم أنّ الدعاء عند القبور أقرب إجابة، فإنّ هذا ليس دليلًا شرعيًّا كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى (١)، وليس الدليلُ إلّا ما ثبت من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، إجماعًا واتفاقًا بين جميع العلماء بلا خلافٍ في ذلك أصلًا.
وأمّا اعتقادُكم أنّ الصالحين أحياء، بحيث يرون زائرهم ويسمعونه ويقدرون على إعانته إلى آخره، فسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق هذا في مبحث مستقلّ (٢) بما لا تبقى معه شبهة، وحسبكم لو عَقَلْتم حديث عائشة السابق في قولها: وارأساه (٣).
[ص ١٢] هذا، في زيارة من ثبت صلاحُه بالظواهر الشرعية، ولم يكن قبره على الكيفية المنهيّ عنها، ولم يُتَّخذ قبره عيدًا، ولم يكن عند قبره شيءٌ من المنكرات، ولم يقصد من الزيارة التبرُّك بالقبر والتمسُّح ونحوه، والدعاء والاستغاثة ونحو ذلك. فأما في غير ذلك فلا يمكن لعاقل أن ينكر حرمته مطلقًا.
وممن لم يثبت صلاحُه مَن ثبت عنه أنه كان يدّعي علم الغيب أو نحوه لتكذيبه للقرآن.
وكون القبر على كيفية منهيٍّ عنها يُعْلَم مما سبق.
واتخاذُ القبر عيدًا منه ما اعتِيدَ في هذه الأزمان من الاجتماع عند قبر
стр. 253
بعض المزعوم صلاحُهم في ميعاد معلوم في كل سنة يجتمع فيها الناس، ويتجمّلون لها، ويوسِّعون فيها النفقات وغير ذلك. والحاصل أنهم يتخذون تلك الأيام عيدًا، ويكون الغرض الأكبر من الاجتماع في المحلّ الذي فيه القبر هو اختلاط الرجال بالنساء، والتوصل إلى ما يجرُّه ذلك من المنكرات، وشرح هذا يطول.
وأما قولنا: «ولم يقصد من الزيارة التبرك ... » إلخ، فهذا هو المقصد العام لعامة الناس في هذه الأعصار، وهو الشرك الصريح والعياذ بالله، كما سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في مبحث التبرك وغيره (١).
نسأل الله تعالى أن يثبت قلوبنا على دينه، ويهدينا لما اختُلف فيه من الحق بإذنه، وهو وليّ الفضل والإحسان، وهو المستعان وعليه التكلان.
стр. 254
البحث الرابع
التبرُّك
الإنسان مفطور على الطلب لما ينفعه والهرب مما يضرّه، وكلُّ عاقل يعلم أن النفعَ والضرَّ بيد الله تعالى، ومَن اعتقد في غيره قدرةً على النفع والضر، فإن اعتقد لذلك الغير قدرةً مستقلّة عن قدرة الله تعالى، أي غير مستمدّة منها، فذلك هو الكفر، سواء اعتقد أن تلك القدرة تستقلّ بالإيجاد أو تحتاج إلى إعانة قدرة الله تعالى. وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين.
وإن علم أن النفعَ والضرَّ بيد الله تعالى، ولكن اعتقد في شيء من الأشياء أن الله تعالى أودعَ فيه نفعًا أو ضرًّا وجعله سببًا، ففيه تفصيل؛ وذلك أنَّ المقصد إما أن يكون دينيًّا أو دنيويًّا، وأعني بالديني: رضوان الله تعالى والدار الآخرة، وبالدنيوي: ما عداه، والديني لا يكون سببه إلا شرعيًّا. وأما الدنيوي فهو على قسمين:
الأول: ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فهذا لا يكون سببه إلا شرعيًّا.
والثاني: ما تتناوله قُدرة الخلق، فإن أُريد تحصيله بغير سببه العادي، كان كالذي قبله، لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ولا يكون سببه إلا شرعيًّا. وإن أُريد تحصيله بسببه العادي، فهذا مما تتناوله قدرة البشر التي أعطاهم الله تعالى إيَّاها، فيكون سببه عاديًّا.
إذا تقرّر ذلك فالمقاصد الدينية كلُّها وكذا الدنيوية التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى، وكذا ما تتناوله قدرة الخلق بالأسباب العادية إذا أُريد تحصيله بغيرها= كلُّ ذلك لا يكون سببه إلا شرعيًّا. وكون الفعل شرعيًّا يفتقر إلى
стр. 255
ثبوته في الشرع بدليلٍ معتبر. فمَن اعتقد في شيءٍ ما أنه سبب لشيءٍ مما ذُكر؛ فإن كان ثابتًا في الشرع بدليل معتبر، فاعتقاده حق والعمل به هدى، وإن لم يكن ثابتًا في الشرع بدليل معتبر، فاعتقاده والعمل به ضلال مبين.
وأما المقاصد الدنيوية التي تتناولها قُدرة الخلق بالأسباب العادية إذا أُريد تحصيلها بها، فلا يفتقر اعتقاد كون شيء من الأشياء سببًا لها إلى ثبوته شرعًا، وإنما العمل بها يفتقر إلى الإذن الشرعي.
[ص ٢] إذا تقرّر ذلك فالتبرّك هو التسبُّبُ لحصول البركة، ولا يكون المقصود به إلا أحد الأمور الثلاثة التي بينّا أن سببها لا يكون إلا شرعيًّا، فهو إذن مفتقِرٌ إلى ثبوته من الشرع بدليل معتبر، فإن ثبت فاعتقاده حق والعمل به هُدى، وإن لم يثبت فاعتقاده والعمل به ضلال مبين.
فأقول: قد ثبت التبرك بأشياء منها:
* ماء زمزم، قال في «الهَدْي» (١): «ماء زمزم ، سيّد المياه وأشرفها، وأجلّها قدرًا، وأحبها إلى النفوس، وأغلاها ثمنًا وأنفسها عند الناس، وهو هَزْمَة جبريل وسُقيا إسماعيل. وثبت في «الصحيح» (٢) عن النبي ﵌ أنه قال لأبي ذر وقد أقام بين الكعبة وأستارها أربعين ما بين يوم وليلة، وليس له طعام غيره، فقال النبي ﵌: «إنها طعام طُعْم». وزاد غير مسلم بإسناده: «وشفاء سُقم» (٣).
стр. 256
وفي «سنن ابن ماجه» (١) من حديث جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي ﵌ أنه قال: «ماء زمزم لما شُرِب له». وقد ضعّف هذا الحديثَ طائفةٌ بعبد الله بن المؤمّل راويه عن محمد بن المنكَدِر.
وقد رُوِّينا عن عبد الله بن المبارك أنه لما حجّ أتى زمزم فقال: اللهم إن ابن أبي الموالِ حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ عن نبيك ﵌ أنه قال: «ماء زمزم لما شُرِب له»، فإني أشربه لظمأ يوم القيامة (٢).
وابن أبي الموالِ ثقة، فالحديث إذًا حسن، وقد صححه بعضُهم، وجعله بعضهم موضوعًا، وكلا القولين فيه مجازفة.
وقد جرّبتُ أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أمورًا عجيبة، واستشفيتُ به من عدة أمراض، فبرأتُ بإذن الله» اهـ (٣).
стр. 257
* ومنها: القرآن الكريم والأدعية المأثورة، بقراءة المتبرِّك وقراءة متبرَّكٍ به. وهذا مما لا خلاف فيه، وكذا بكتابة شيء من ذلك. قال في «الهدي» (١): «قال المرُّوذي (٢): بلغ أبا عبد الله أني حُمِمتُ، فكتب لي من الحمَّى ورقة (٣) فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله، محمد (٤) رسول الله، ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٩ - ٧٠]، اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل اشفِ صاحبَ هذا الكتاب بحولك وقوّتك وجبروتك إله الحق، آمين.
قال المرُّوذي: وقُرِئ على أبي عبد الله وأنا أسمع: أبو المنذر عمرو بن مجمع حدثنا يونس بن حبان قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي أن أعلّق التعويذ؟ فقال: إن كان من كتاب الله، أو كلامٍ عن نبيِّ الله فعلّقه واستشفِ به ما استطعتَ. قلت: أكتب هذه من حمى الرِّبْع: باسم الله وبالله، ومحمد رسول الله ... إلى آخره؟ قال: إي نعم.
وذكر أحمد عن عائشة ﵂ وغيرها: أنهم سهّلوا في ذلك.
قال حرب: ولم يشدّد فيه أحمد بن حنبل.
قال أحمد: وكان ابن مسعود يكرهه كراهةً شديدة جدًّا.
وقال أحمد وقد سُئل عن التمائم تُعلَّق بعد نزول البلاء؟ قال: أرجو أن
стр. 258
لا يكون به بأس.
قال الخلال: وحدثنا عبد الله بن أحمد قال: رأيت أبي يكتب التعويذ للذي يفزع، وللحمى بعد وقوع البلاء.
[ص ٣] ثم ذكر كتابًا آخر، ثم قال: قال الخلال: أنبأنا أبو بكر المرُّوذي أن أبا عبد الله جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله تكتب لامرأة قد عَسُر عليها ولدها منذ يومين؟ فقال: قل له يجيء بجامٍ واسعٍ وزعفران، ورأيته يكتب لغير واحد ...
ثم قال بعد كلام: ورخّص جماعة من السلف في كتابة بعض القرآن وشُربه، وجعل ذلك من الشفاء الذي جعل الله فيه.
ثم قال بعد كلام: كتاب للرعاف: كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يكتب على جبهته: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود: ٤٤]. وسمعته يقول: كتبتُها لغير واحد فبرأ، فقال: ولا يجوز كتابتها بدم الراعف كما يفعله الجهّال؛ فإن الدم نجس، فلا يجوز أن يُكتب به كلام الله تعالى» (١).
قال في «المشكاة» (٢): وعن عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﵌ قال: «إذا فزع أحدكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامّة من غضبه وعقابه وشرّ عباده، ومن هَمَزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره». وكان عبد الله بن عمرو يعلّمها مَن بلغ مِن ولدِه، ومَن لم يبلغ منهم كتبها في صكّ ثم علّقها في عنقه. رواه أبو داود
стр. 259
والترمذي (١)، وهذا لفظه.
وفي «سنن أبي داود» (٢) عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود أن عبد الله رأى في عنقي خيطًا فقال: ما هذا؟ فقلت: خيطٌ رُقي لي فيه. قالت: فأخذه فقطعه، ثم قال: أنتم آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﵌ يقول: «إن الرُّقَى والتمائم والتِّوَلَة شرك». فقلت: لِمَ تقول هكذا، والله لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي [يرقيني] فإذا رقاها سكنت. فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان كان ينخسها بيده، فإذا رقى كفَّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﵌ يقول: «أذْهِبَ الباسَ ربَّ الناس واشفِ أنتَ الشافي لا شفاءَ إلا شفاؤك شفاءً لا يغادرُ سَقَمًا».
وفيها (٣) أيضًا: عن عبد الله بن عَمرو قال: سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: «ما أبالي ما أتيتُ إن أنا شربتُ ترياقًا، أو تعلّقتُ تميمةً أو قلت الشعرَ مِن قِبَل نفسي».
وفيها (٤) أيضًا: عن عيسى بن حمزة قال: دخلت على عبد الله بن عُكَيم
стр. 260
وبه حمرة فقلت: ألا تعلّق تميمة؟ فقال: نعوذ بالله من ذلك، قال رسول الله ﵌: «مَن تعلَّق شيئًا وُكِل إليه» (١).
[ص ٤] وفي «المستدرك» (٢) عن عقبة بن عامر مرفوعًا: «مَن عَلَّق تميمةً فلا أتمَّ الله له، ومن عَلّق وَدَعةً فلا وَدَع الله له». قال الحاكم: صحيح، وأقرَّه الذهبي.
وفيه (٣) عن عِمران بن حُصين قال: دخلت على رسول الله ﵌ وفي عضدي حَلْقة صَفَر فقال: «ما هذه؟ » قلت: مِن الواهنة. فقال: «فانبذها». قال الحاكم: صحيح، وأقرّه الذهبي.
وفيه (٤) عن قيس بن السكن الأسدي، قال: دخل ابن مسعود على امرأةٍ (٥)، فرأى عليها حرزًا من الحُمرة، فقطعه قطعًا عنيفًا، ثم قال: إن آل عبد الله عن الشرك أغنياء، وقال: كان مما حفظنا عن النبي ﵌: أن التمائم والرُّقى والتِّوَلَة (٦) من الشرك. قال: صحيح، وأقرّه الذهبي.
وفيه (٧) عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زينب امرأة عبد الله أنها
стр. 261
أصابها حُمْرة في وجهها، فدخلت عليها عجوز فَرَقَتْها في خيط فعلَّقته عليها، فدخل ابن مسعود ﵁ فرآه عليها فقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، إن رسول الله ﵌ حدثنا أن الرقى والتمائم والتِّوَلَة شِرك. والتِّوَلة ما يهيّج الرجال.
قال: على شرط الشيخين، وأقرّه الذهبي.
وفيه (١) عن أم ناجية قالت: دخلتُ على امرأة ابن مسعود زينب أعودها من حمرة ظهرت بوجهها وهي معلقة بحرز؛ فإني لجالسة دخل عبد الله، فلما نظر إلى الحرز أتى جدعًا معارضًا في البيت، فوضع رداءه عليه، ثم حسر (٢) عن ذراعيه فأتاها، فأخذ الحرز فجذبها حتى كاد وجهها أن يقع على الأرض، فانقطع ثم خرج من البيت فقال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك، ثم خرج فرمى بها خلف الجدار، ثم قال: يا زينب أعندي تعلِّقين! إني سمعت رسول الله ﵌ نهي عن الرقى والتمائم والتِّوَلَة. فقالت أم ناجية: يا أبا عبد الرحمن، أما الرقى والتمائم فقد عرفنا، فما التِّوَلَة؟ قال: التِّوَلَة ما يهيِّج النساء.
وفيه (٣) عن الحسَن قال: سألت أنسًا عن النُّشْرة؟ فقال: ذكروا عن النبي ﵌ أنها من عمل الشيطان.
قال الحاكم: صحيح، وأقرَّه الذهبي.
стр. 262
وفيه (١) عن بُكير بن عبد الله بن الأشج أن أمّه حدّثته: أنها أرسلت إلى عائشة ﵂ بأخيه مخرمة، وكانت تداوي من قرحة تكون بالصبيان، فلما داوته عائشة وفرغت منه، رأت في رجليه خلخالين جديدين (كذا) فقالت عائشة: أظننتم أن هذين الخلخالين يدفعان عنه شيئًا كتبه الله عليه، لو رأيتهما ما تداوى عندي وما مس عندي، لعمري لخلخالان من فضة أطهر من هذين.
قال الحاكم: صحيح، وأقرّه الذهبي.
وفيه (٢) عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ قالت: ليست التميمة ما تعلّق به بعد البلاء، إنما التميمة ما تعلَّق به قبل البلاء.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
ثم قال: ولعل متوهمًا يتوهّم أنها من الموقوفات على عائشة ﵂، وليس كذلك، فإن رسول الله ﵌ قد ذكر التمائم في أخبار كثيرة، فإذا فسّرت عائشةُ ﵂ التميمة فإنه حديثٌ مسند. اهـ.
أقول: أما الرقى فقد ثبت في «الصحيح» تخصيص النهي بما كان فيه شرك، منه ما في «صحيح مسلم» (٣) عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنّا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: «اعرضوا
стр. 263
عليَّ رُقاكم، لا بأس بالرُّقَى ما لم يكن فيه شرك».
وأقول: الرُّقى قسمان:
الأول: ما كان فيه تبرّك، فهو بحسب المتبرَّك به، فإن كان من القرآن أو الدعاء وذِكْر الله تعالى فحَسَن. وإن كان مما فيه شرك فهو ممنوع مطلقًا. ويُلحق به ما كان بالعجمية فيُمنَع.
الثاني: ما لم يكن فيه تبرُّك، وإنما هو ألفاظ لا يظهر لتركيبها معنى، أو يظهر لها معنى ليس فيه شيء من التبرّك، وإنما هو على سبيل الخواصّ، جرت العادةُ بتأثيره بدون معرفة السبب، وهذا داخل في الإذن، ولكن لا يَغِبْ عنك أن الرقية لا تكون رقيةً إلا بعد وقوع البلاء، فأما قبله فليست رقية بل يقال لها: تعويذة ونحو ذلك، وهو على أصل المنع إلا ما كان بالقرآن والدعاء، والله أعلم.
[ص ٥] وأما التمائم والتِّوَلة فاختلف في تفسيرها أولًا، وفي حمل النهي ثانيًا.
والذي يظهر أنه إذا كان الكتاب بعد وقوع البلاء، وكان المكتوب من القرآن أو الدعاء، فلا بأس به، كما ثبت عن الإمام أحمد وغيره، ولأنّ المحذور إنما هو مظنة الشرك والإعراض عن التوكّل، وهو منتفٍ هاهنا قطعًا؛ لأن الالتجاء إلى القرآن والدعاء هي حقيقة التوكّل، فكيف تكون منافية له؟ !
ومن المنهيّ عنه: الخرزات والعظام والأوتار ونحوها من الأشياء التي يُزْعَم أن لحملها خاصيةً في دفع العين أو شرّ الجنّ أو غير ذلك. وقد ثبت
стр. 264
في «الصحيحين» (١) عن أبي بشير الأنصاري أنه كان مع رسول الله ﵌ في بعض أسفاره، فأرسل رسول الله ﵌ رسولًا: «لا تُبقينّ في رقبة بعير قلادةً من وَتَر أو قلادةً إلا قُطِعَت».
ومثل هذا ــ فيما يظهر ــ التختُّم بأحجارٍ مخصوصة، بزعم أنّ لها خاصة في القبول والمحبّة والهيبة وسعة الرزق، وغير ذلك من دفع العين والجن ونحوه.
فأما ما كان من قبيل الأدوية كالخرزات التي جرت العادةُ أن مَن تختّم بها لم تضرّه لدغ الحية والعقرب، فالظاهر ــ والله أعلم ــ أنه لا بأس بها؛ لأنها نوع من الدواء. وهذا محتاج إلى بسطٍ لم يتيسّر لي الآن، والله أعلم.
نعم تلخيص الكلام فيه أن يقال:
[ص ٦] التمائم قسمان: ما يكون طلب الانتفاع به من حيث التبرُّكُ، وما يكون من حيث الخاصية. فما كان من حيث التبرّك، فإن كان فيه شرك فهو ممنوع مطلقًا كالرقية بالشعر، وإلّا بأنْ كان من القرآن أو الدعاء فمذهب الإمام أحمد وغيره جوازه لدفع ما قد وقع من البلاء.
وأما ما يكون طلب الانتفاع به من حيث الخاصية، فإن كانت الخاصية المزعومة أثرًا غير ما يُطْلَب حصولُه في الأدوية، كالخرزات التي يُزعَم أنّ مَن حملها حصل له القبول والهيبة وسعة الرزق وغير ذلك، فهذا ممنوع، وهو من الشرك، لعموم الأحاديث السابقة وغيرها.
وإن كان مما يُطلب حصوله بالأدوية، فإن كان طريق تأثير الضرر
стр. 265
معنويًّا كالعين ومسّ الجن، فهو ممنوع قبل وقوع البلاء قطعًا؛ للأحاديث الواردة في ذلك، وأما بعد وقوع البلاء فقياس جواز الرُّقية بما لم يكن فيه تبرّك جوازُه.
وإن كان طريق تأثير الضرر حسّيًّا كلدغ الحية والعقرب ونزف الدم وغيره، فعموم الأمر بالتداوي يتناوله، وليس في حمله قبل حصول الضرر مضرّة؛ لأنه لا يطلب تأثيره من حينئذٍ، وإنما يُدّخَر إلى عند وقوع البلاء كما يُدَّخَر الدواء.
ومن هذا الخرزات التي إذا تختَّم بها الملدوغ سكن عنه الألم، أو من ينزف الدم انقطع. والله أعلم.
* ومنها التبرّك بآثار النبي ﵌.
ففي قصة الحديبية: «فوالله ما تنخَّمَ النبيُّ ﵌ نُخامةً إلا وقعت في كفّ رجل منهم، فدَلَكَ بها جلدَه ووجهَه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وَضوئه» (١).
وفي «الصحيحين» (٢) عن جابر قال: أتى رسولُ الله ﵌ عبدَ الله بن أُبيّ بعدما أُدْخِل حفرته، فأمر به فأُخْرِج، فوضعه على ركبتيه، فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصَه ... الحديث.
وفيهما (٣) عن أبي جُحيفة قال: رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وآله
стр. 266
وسلم بمكة وهو بالأبطح في قبّة حمراء من أدَم ... ورأيتُ الناسَ يبتدِرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئًا تمسّح به، ومن لم يُصب منه أخذ من بَلَلِ يد صاحبه. الحديث.
وفي «الصحيحين» (١) عن السائب بن يزيد قال: ذهبَتْ بي خالتي إلى النبي ﵌ فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وَجِع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضّأ، فشربتُ من وضوئه. الحديث.
وفي «الصحيحين» (٢) عن أم سُليم: أن النبي ﵌ كان يأتيها فيقيل عندها، فتبسط نِطْعًا، فيقيل عليه، وكان كثير العَرَق، فكانت تجمع عرقَه فتجعله في الطيب، فقال النبي ﵌: «يا أم سليم ما هذا؟ » قالت: عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطيب. وفي رواية: قالت: يا رسول الله، نرجو بركته لطيبنا. قال: «أصبتِ».
وفي «صحيح مسلم» (٣) عن أسماء بنت أبي بكر أنها أخرجت جبّة طيالسة كَسْروانيَّة لها لبنة ديباج، وفرجيها مكفوفين بالديباج، وقالت: هذه جبة رسول الله ﵌ كانت عند عائشة، فلما قُبِضت قبضتها، وكان النبي ﵌ يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها.
وفي «الصحيحين» (٤) عن أنس أن النبي ﵌ أتى
стр. 267
منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى ونَحَر نُسكَه، ثم دعا بالحلّاق، وناول الحالق شِقَّه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إيّاه، ثم ناوله الشقَّ الأيسر فقال: احلق، فحلقه، فاعطاه أبا طلحة فقال: «اقسمه بين الناس». وفي رواياته اختلاف بيَّنها في «الهدي» (١).
[ص ٧] وفي «صحيح البخاري» (٢) عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهَب قال: أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، وكان إذا أصاب الإنسانَ عينٌ أو شيء، بعث إليها مِخْضَبَه، فأخرجَتْ من شعر رسول الله ﵌، وكانت تُمسكه في جُلْجُل من فضة، فخَضْخَضَتْه له فشرب منه. قال: فاطلعتُ في الجُلْجُل فرأيت شعراتٍ حُمرًا.
وفي «صحيح مسلم» (٣) عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﵌ إذا صلى الغداة جاء خدمُ المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يُؤتَى بإناء إلا غمس يده فيه، فربما جاؤوه في الغداة الباردة، فيغمس يده فيها.
وفي «الصحيحين» (٤) عن أم عطية قالت: دخل علينا رسول الله ﵌ ونحن نغسل ابنته فقال: «اغسلنها ثلاثًا، [أو خمسًا]، أو أكثر من ذلك إن رأيتنَّ ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتنَّ فآذِنّني» فلما فرغنا آذنّاه، فألقى علينا حَقْوه فقال:
стр. 268
«أشِعِرْنها إيّاه».
الحقو: الإزار. والإشعار: جعله شعارًا. والشعار: الثوب الذي يلي الجسد.
وفي البخاري (١) عن سهل ﵁: أن امرأة جاءت النبيَّ ﵌ ببردة منسوجة فيها حاشيتُها ــ أتدرون ما البردة؟ قالوا: الشملة، قال: نعم ــ قالت: نسجتها بيدي فجئت لأكسوكها، فأخذها النبيُّ ﵌ محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فحسَّنها فلان، فقال: اكسُنيها ما أحسنها! قال القوم: ما أحسنتَ، لبسها النبيُّ ﵌ محتاجًا إليها، وسألتَه وعلمتَ أنه لا يردّ، قال: إني والله ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كَفَني. قال سهل: فكانت كفنه.
واختلف السلف في التبرُّك بوضع اليد على منبره ﵌ حين كان موجودًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): «فكرهه مالك وغيره لأنه بدعة. وذُكِر أن مالكًا لما رأى عطاءً فَعَل ذلك لم يأخذ عنه العلم، ورخَّص فيه أحمد وغيره؛ لأن ابن عمر ﵄ فَعَله».
أقول: لعلّ مَن أجازه قاسه على التبرُّك بثيابه ﵌، وقد ثبت ذلك كما مرَّ.
[ص ٨] وقد ورد في تقبيل اليدين والرجلين حديث في «سنن أبي داود» والترمذي والنسائي (٣) عن صفوان بن عَسَّال قال: قال يهودي لصاحبه:
стр. 269
اذهب بنا إلى هذا النبي، فقال صاحبه: لا تقل: نبيّ، إنه لو سمعك لكان له أربع أعين، فأتيا رسولَ الله ﵌ فسألاه عن [تسع] آيات بيِّنات، فقال رسول الله ﵌: «لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حَرَّم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولّوا للفرار يومَ الزحف، وعليكم خاصةً اليهود: أن لا تعتدوا في السبت». فقال: فقبّلا يديه ورجليه. وقالا: نشهد أنك نبي. قال: «فما يمنعكم أن تتبعوني؟ » قالا: إن داود ﵇ دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن تبعناك أن يقتلنا اليهود.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وفي «سنن أبي داود» (١) عن زارع وكان في وفد عبد القيس، قال: لما قدمنا المدينة فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبِّل يد رسول الله ﵌ ورِجله.
وقد روى الإمام أحمد في «مسنده» (٢) عن عائشة: أن رسول الله ﵌ كان في نفرٍ من المهاجرين والأنصار، فجاء بعيرٌ فسجد له، فقال أصحابه: يا رسول الله، تسجد لك البهائم والشجر، فنحن أحقُّ أن
стр. 270
نسجد لك، فقال: «اعبدوا ربكم، وأكرموا أخاكم، ولو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرتُ المرأةَ أن تسجد لزوجها» الحديث.
وفي «المشكاة» (١) عن قيس بن سعد قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبانٍ لهم، فقلت: لَرسول الله ﵌ أحقّ أن يُسجَد له، فأتيت رسول الله ﵌ فقلت: إني أتيت (٢) الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت أحقّ بأن يُسْجَد لك، فقال لي: «أرأيتَ لو مررتَ بقبري أكنت تسجد له؟ » فقلت: لا، فقال: «لا تفعلوا، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحدٍ لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهنّ لما جعل الله لهم عليهن مِن حقّ» رواه أبو داود (٣). ورواه أحمد عن معاذ بن جبل (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٥): ولما سجد له معاذ نهاه وقال: «إنه لا يصلح السجود إلا لله، ولو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها» ا? .
* * * *
стр. 271
[مسألة التبرك بالصالحين]
[ص ٩] وهل للمسلمين أن يتبرّكوا بصلحائهم كما يتبرّك الصحابة ﵃ برسول الله ﵌ مستندين إلى تلك الأحاديث ونحوها أو لا؟
يقول المجيزون: نعم؛ لأنه ﵌ بُعِث مشرّعًا، والأصل في فعله التشريع، أي أن حكم غيره من الأمة مثل حكمه، والخصوصية خلاف الأصل، فلا يُصار إليها إلا بدليل.
قالوا: ويُقاس على التبرّك بآثار النبي ﵌ التبرُّك بذريته من حيثُ كونُهم ذريةً له. وقد فهم الصحابة ﵃ هذا حيث استسقوا بالعبّاس ﵁ لفضله ولقرابته من رسول الله ﵌، وقال عمر ﵁: «وإنّا نتوسَّل إليك بعمّ نبيّك» (١). واستسقوا زمان معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي لفضله. وقال معاوية: «اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا» (٢).
ويقول المانعون: أما ما لم يرد فيه دليل صحيح فالأمر فيه واضح، وأما ما ورد فيه دليل صحيح أن النبي ﵌ فَعَلَه أو أقرَّ عليه في باب التبرّك به، فهو خاصّ به، وليس هذا من باب التشريع؛ لأن التشريع إنما هو في الأحكام التي المدار فيها التكليف، لأنه لما كان النبي صلى الله
стр. 272
عليه وآله وسلم مكلَّفًا مثلنا كان كل فعل يفعله شريعةً لنا إلا أن يدلّ دليلٌ على الخصوصية.
وأما التبرُّك فإن المدار فيه على الفضل والبركة، وهو ﵌ أعظم الناس بركةً، وليس أحدٌ من أمته مثله في ذلك، فكيف يقال: إن التبرك به يدلّ على التبرُّك بغيره؟ هذا واضح البطلان، إلا أن يدّعي المجيزون أنَّ أحدًا من أُمته أولى منه ﵌ أو مساوٍ له، فليفعلوا ما شاؤوا، ولن يلتزموا ذلك حتى يخلعوا ربقة الإسلام من أعناقهم!
[ص ١٠] ومما يؤيد ذلك أن النبي ﵌ مقطوع بكونه حبيب الله وخليله في الدنيا والآخرة، قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر. وأما غيره من هذه الأمة فإنما يمكن القطع في حق الصحابة المبشّرين بالجنة، ومع ذلك فلم يكن يُتبَّرك بهم ﵃، ولا يثبت في التبرُّك بهم أثرٌ صحيح، لا بمَن كان منهم من القرابة ولا غيرهم.
فدلَّ ذلك على أنَّ التبرُّك كان خصوصية له ﵌ لا يَشْرَكه فيها غيره حتى مَن عُلِمَت نجاتُه.
وأما غيرهم فلا سبيل إلى القطع بكمال إيمان أحد ولا وفاته عليه ولا نجاته يوم القيامة. وفي ذلك أحاديث كثيرة منها:
حديث «الصحيحين» (١) عن أبي بكرة قال: أثنى رجلٌ على رجلٍ عند النبي ﵌ فقال: «ويلك قطعتَ عنقَ أخيك ــ ثلاثًا ــ، من كان منكم مادحًا لا محالة فليقل: أحسب فلانًا والله حسيبه، إن كان يرى أنه كذلك، ولا يزكِّي على الله أحدًا».
стр. 273
ومنها: حديث «الصحيحين» (١) أيضًا عن ابن مسعود عنه ﵌ وفيه: «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها».
وفي «الصحيحين» (٢) أيضًا عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﵌: «إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار».
ولما قالت الأنصاريةُ في عثمان بن مظعون: هنيئًا لك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. لم يُقرّها ﵌. والحديث في «صحيح البخاري» (٣).
ولما قال سعد بن أبي وقّاص: يا رسول الله مالَكَ عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا. قال: «أو مسلمًا». والحديث في «صحيح البخاري» (٤) أيضًا.
والمراد هنا كراهية القطع بالإيمان والنجاة، فأما الثناء على شخص بأنه كان مواظبًا على عمل الخير، مُجانبًا أعمال الشرّ فحَسَنٌ، وهو المراد في حديث «الصحيحين» (٥) عن أنس قال: مرّوا بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال
стр. 274
النبي ﵌: «وجَبَت». ثم مرّوا بأخرى فأثنوا عليها شرًّا، فقال: «وجَبَت». فقال عمر: ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار. أنتم شهداء الله في الأرض».
والسرُّ في ذلك ــ والله أعلم ــ أن ثناءهم على الميت يدلّ على أنهم لم يروا منه إلا الخير، فإذا شهدوا له بذلك غفر الله له ما لم يطلعوا عليه؛ لأنه أكرم من أن يفضحه في الآخرة وقد ستره في الدنيا، كما ورد معنى ذلك في «الصحيح»، [ص ١١] ففي «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من المجانة (٢) أن يعمل الرجل بالليل عملًا ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربُّه، ويصبح يكشف ستر الله عنه».
وفي «الصحيحين» (٣) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى [إذا] قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: سَتَرْتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكفّار والمنافقون فينادي بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء
стр. 275
الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين».
ثم رأيت الحديث في «مسند الإمام أحمد» (١) مفسَّرًا على ما ظهر لي، وهو في مسند أبي هريرة ولفظه: «ما من عبدٍ مسلم يموت يشهد له ثلاثة أبيات من جيرانه الأدْنَين بخير إلا قال الله : قد قبلت شهادة عبادي على ما عَلِموا وغفرتُ له ما أعلم».
وذلك أن شهادة الجيران الأدْنَين ظاهرة في كونه لم يُجاهر بسوءٍ، وإذا لم يجاهر بسوء كان ذلك ظاهرًا في عدم استرساله في المعاصي وتوغّله فيها، إذ لو فعل ذلك لهان عليه المجاهرة ولو بإطلاع جيرانه على بعض عمله، إذ العادة تقضي بذلك، مع جَرَيان عادة الله تعالى بفضيحة المسترسل في المعاصي والمتوغِّل فيها. فإذ لم يقع شيءٌ من ذلك، أي من مجاهرته أو من اطلاع أعدائه أو فضيحة الله تعالى له= كان ذلك ظاهرًا في عدم استرساله.
وتلخيصه: أن ستر الله تعالى لعبده في الدنيا دليل إرادته المغفرة في الآخرة، كما اقتضته الأحاديث الصحيحة، وشهادةُ الجيران ظاهرةٌ في الدّلالة على الستر، وبهذا يتمّ المراد.
نعم يُشترط أن يكون الشهود من الجيران ممن يفرِّق بين الحق والباطل، والطاعة مِن المعصية. ويشترط أيضًا أن تكون شهادتهم مطابقةً لما علموه.
стр. 276
فإن قيل: فما تقولون في مَن كان ظاهر عمله الخير ثم خُتِم له ــ والعياذ بالله ــ بسوء الخاتمة، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦].
فالجواب: أن هذا قلّما يتفق مع ما ذُكِر لظاهر هذه الأحاديث وغيرها؛ لأن الخاتمة هي فَذْلَكة (١) العمل الطويل، ففي «الصحيح» (٢): «اعملوا فكُلٌّ ميسّر لما خُلِق له». فإن أمكن وقوعه كان مخصّصًا لما ذكر.
ثم اعلم أن هذه الشهادة ليست في التزكية المنهيّ عنها في الأحاديث المارّة؛ لأن تلك في التزكية المقطوع بها بما في نفس الأمر، وهذه شهادة بما شاهدوه من محافظته على الخير، واجتنابه الشر.
[ص ١٢] ولا يقال: إن قول النبي ﵌: «وجَبَت» قد يكون عن وحي، فيكون خاصًّا، بل ذلك عام (٣) في كل مسلم، بدليل رواية أبي هريرة التي رواها الإمام أحمد، كما مرّ قريبًا.
وفي البخاري (٤) عن أبي الأسود قال: قدمت المدينة وقد وقع بها مرض، فجلستُ إلى عمر بن الخطاب ﵁، فمرَّت بهم جنازة، فأُثنيَ على صاحبها خيرًا، فقال عمر ﵁: وجبت، ثم مُرّ بأخرى فأثني على صاحبها خيرًا، فقال عمر ﵁: وجبت، ثم مُرَّ بالثالثة
стр. 277
فأُثنيَ على صاحبها شرًّا، فقال: وجبت. فقال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي ﵌: «أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة». فقلنا: وثلاثة؟ قال: «وثلاثة». فقلنا: واثنان. قال: «واثنان». ثم لم نسأله عن الواحد.
والمقصود أن غير النبي ﵌ من الأمة لا يمكن القطع بتحقق إيمانه في حياته، ولا بموته عليه، ولا بنجاته يوم القيامة، حتى لو ظهرت على يده الخوارق؛ لأنها لا تفيد إلا الظنّ، لإمكان أن يكون من باب الاستعانة بالجن أو السِّحر أو الاستدراج أو غير ذلك.
كيف وقد يقع ما يشبه ذلك للكفار، كما كان للإشراقيين من الفلاسفة، والكَهَنة من العرب، والسَّحَرة من بقية الأمم، وكما هو معروف الآن بالتنويم المغناطيسي وغير ذلك. وحسبك ما يقع للمسيح الدجّال.
وليس المقصود رمي من ظهرت على أيديهم الخوارق بالسِّحْر والكذب وغيره، وإنما المقصود بيان أن ظهور ذلك على أيديهم لا يفيد القطع، بخلاف معجزات الرسل فإنها أمرٌ فوقَ ذلك. ولا يَغُررك قولهم: (ما كان معجزةً لنبي كان كرامة لولي) (١)، فإن هذا الإطلاق يتناول ادّعاء أن الولي قد يأتي بكتاب معجز كالقرآن، ولاسيما مع ادّعائهم نزول الوحي عليهم، كما سيأتي نقله إن شاء الله تعالى، فتنبّه.
نعم، إذا كان الإنسان كامل الاستقامة على الحدود الشرعية، كان الغالب تحقُّقَ إيمانه ونجاته، ووجب العمل بالظاهر فيما صح الأمر به
стр. 278
والإذن فيه، كمحبته وإكرامه القَدْر المشروع في حقِّ فضلاء المؤمنين. فأما أن يُقام مُقام رسول الله ﵌ في التبرّك بآثاره فكلّا.
على أن النوع الشائع في التعظيم، وهو تقبيل الأيدي والرُّكَب والأرجل لم يثبت فعله في حقِّ النبي ﵌ إلّا في حديث اليهوديين على ما مرّ (١). وأما مقابلته ﵌ لجميع الصحابة فإنما كان بمجرَّد المصافحة. وأما في هذا الزمان فقد صار الشريف أو الشيخ لا يُرْجى أن يقابله أحدٌ أبدًا إلّا ويعظّمه بشيء من ذلك، فيقيم نفسَه فوق مُقام الرسول ﵌!
[ص ١٣] فصل
قال المانعون: وأما قياس ذرّيته ﵌ على آثاره فغير صحيح، أما عند مَن لا يجيز القياس فظاهر. وأما مَن يجيزه فإنه يشترط الأولوية أو المساواة، ولا مساواة هنا فضلًا عن الأولويّة.
بيانه: أن آثاره ﵌ كالشَّعر والثياب وغيرها مما ورد مقطوعٌ بكونها كانت مُلابِسَةً له، ومقطوع بأنها ليس لها صفات تناقض البَرَكة، ولا كذلك الذرية في الأمرين، فتأمّل.
وأما استسقاء الصحابة بالعبّاس فليس من هذا؛ لأنهم إنما توسلوا بدعائه، وهذا جائز اتفاقًا، حتى أن الله سبحانه أمرنا بالدعاء لرسوله ﵌، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
стр. 279
وفي «صحيح مسلم» (١) عن عبد الله بن عَمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﵌: «إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علَيَّ فإنه مَن صلّى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمَن سأل لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة».
وروى الترمذي وأبو داود (٢) عن عمر بن الخطاب قال: استأذنتُ النبيَّ ﵌ في العمرة، فأذِن لي وقال: «أشْرِكنا يا أُخَي في دعائك ولا تنسنا».
ولا يُنْكَر أن لأهل بيته ﵌ من القُرب منه ما يوجب لهم المزيَّة على غيرهم في الجملة، فمن كان منتسبًا إليه ﵌، ظاهرَ الاستقامة فمحبته واجبة، وسؤال الدعاء منه حَسَن، وأما التبرُّك به قياسًا فلا، لما مرّ.
وكذا كلّ مَن كان ظاهر الصلاح والاستقامة والفضل فمحبّته واجبة، وسؤال الدعاء منه حَسَن، ومِن هذا استسقاء معاويةَ بيزيد بن الأسود الجرشي رحمه الله تعالى (٣).
стр. 280
قال المجيزون: إن الاستدلال بما ورد في التبرُّك بآثار النبي ﵌ على التبرُّك بآثار غيره لا يستدعي الأولويّة ولا المماثلة ولا اليقين، بل المدار على وجود مطلق البركة، وهي بحسب الظن المعتبر شرعًا. ونحن وإن لم نقطع في حق الصالحين بالتحقق بالإيمان وغيره، فالمدار في الشرع على غَلَبة الظن، وهي حاصلة.
وما أجبتم به عن التبرُّك بذريّة النبي ﵌ لا يردّه؛ لأن المدار على وجود الأثر الطاهر، وهو موجود فيهم، ولا يحتاج إلى القطع بل يكفي غَلَبة الظنّ، إذ المدار عليها في الشرعيّات. وما زالت الأمة تتبرّك بصالحيها وذريّة نبيها بتقبيل الأيدي والرُّكَب والأرجل، والتبرّك بالتفل والثياب وغير ذلك. فهو إجماع، وله أسوة بغيره من الإجماعات التي خرقتموها!
[ص ١٤] قال المانعون: أما قولكم: إنه لا يشترط الأولويّة والمساواة، فممنوع كما مرّ.
وأما قولكم: إن المدار في الشرعيات على غَلَبة الظن، فجوابه: أن هذا مسلّم لو ثبت التبرّك بالصالح مطلقًا، وهو لم يثبت، وإنما ذكرنا ذلك إيضاحًا للفرق الظاهر.
وقولكم في الذرية: إن المدار على غَلَبة الظن أيضًا= جوابُ مَن لم يفهم، ونحن لم ننكر نَسَبَهم، وإنما مرادنا أن الظنّي لا يُقاس بالقطعي.
وما ذكرتموه من عمل الناس، فجوابه: أنه لا يتمّ لكم دعوى الإجماع، بل لنا أن نقول: إن السلف كانوا مجمعين على ترك ذلك، يعني الصحابة
стр. 281
والتابعين، وإنّما حَدَث بعد ذلك، وإجماعُ الصحابة والتابعين هو الإجماع الصحيح. ولعلكم تذكرون ما نقلناه عن الفقهاء في البحث الأول من هذه المسألة (١). فبالله عليكم تعالوا بنا نصطلح، ودَعُوا هواكم ومحبّتكم لاستعباد الناس ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤]. واذكروا الحديث الصحيح، قوله ﵌: «لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» (٢)، وثِقوا بالله تعالى، فوالله ليعوضنَّكم خيرًا مما سيفوتكم من التقبيل وغيره (٣).
[ص ١٥] يقول عُبيد الله المفتقر إليه: نعم الاحتياط في هذا أن تُتبّع سيرة السلف، فيُنظر ما كان يعمله خيار الصحابة ﵃ والتابعون في حق أقارب النبي ﵌ الذين لم يُبشّروا بالجنة، فيُعْمَل مع مَن وُجد الآن من الأشراف المُسْتَيقَنين (٤). ويُنظر ما كان يعمله التابعون في حق غير المبشرين من الصحابة ﵃، فيعمله العامةُ الآن مع العلماء والصلحاء. وإنما قيّدنا بعدم التبشير لما تقدم من بطلان قياس الظني على القطعي، والله أعلم.
стр. 282
على أننا نعلم أن العلماء وأهل الفضل والصلاح الصادقين لا يحبون تعظيم الناس لهم، بل تقشعرّ منه جلودهم، وتشمئزّ منه نفوسهم، ويكرهونه أشدّ الكراهة.
وكذلك يكرهون تبرّك الناس بهم؛ لأنهم دائمًا يرون نفوسهم من أهل النقص والخطأ، ويكرهون كل ما قد يكون سببًا للعُجْب وذريعةً إليه، حتى إن بعضهم يتلبّس بما ظاهره المعصية هربًا من ذلك.
وأما مَن كان دون هذه المنزلة، فإنه وإن أحبَّ تعظيم الناس له وتبرّكهم به فإنما يدعوه إلى ذلك حبُّ الدنيا، فيرى أن تعظيم الناس له وتبرّكهم به يستدعي تقرّبهم إليه بالأموال، فالمقصود حينئذٍ (١) هو المنفعة المادية فقط. وهذا مع كونه مقصدًا سيّئًا في نفسه بالاتفاق، فالمانعون لا يمنعون الناسَ من مواساة أهل العلم والفضل والصلاح والقرابة الشريفة بالأموال، بل يرون ذلك من أفضل القُرُبات، ويحضّون الناسَ على الاستكثار منه.
نعم، قد يكون بعض الأشراف والعلماء يحبُّ تعظيم الناس له وتبرّكهم به مع عدم احتياجه إلى المنفعة المادية، وإنما يحبّ ذلك لمجرّد الفخر والعُجْب والمباهاة والتعاظم، ولا شكّ أن ذلك مذموم شرعًا. وأشدّ الناس محاربةً لهذا الداء ونحوه من أدواء القلوب: مشايخ الصوفية، حتى إن بعضهم يقول: من رأى نفسه خيرًا من بعرة كانت البعرةُ خيرًا منه!
والذي ينبغي في مثل هذا: أن يُعامل صاحبه بنقيض قصده كما ورد:
стр. 283
الكبر على المتكبِّر تواضع (١).
[ص ١٦] على أن التعظيم إنما هو وسيلة لإظهار المحبَّة التي هي المقصود بالذات وحينئذٍ فيمكن إظهار المحبة بغيره كقوله: «إني أحبك في الله» كما ورد الأمر بذلك في الحديث (٢)، وكإهداء الهدايا، وغير ذلك.
وكذلك التبرّك إنما هو وسيلة لحصول البركة التي هي المقصود بالذات، وحيئنذٍ (٣) فيمكن استحصال البركة بطلب الدعاء، كما ثبت الأمر به، وحينئذٍ فلا يخفى أن الاحتياط يقضي بالتوقّف عن التعظيم والتبرّك المختلَف فيهما، وأن يُقتصَر في تحصيل المقصود بكلّ منهما على الوسيلة الثابت الإذن بها شرعًا بالاتفاق، عملًا بقوله ﵌: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٤)، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس» الحديث (٥).
стр. 284
خاتمة:
رأيت في بعض الكتب (١) بحثًا في فضل العلم والشرف أيهما أعظم، فذكر المؤلف اختلافًا في ذلك، ثم قال ما معناه: إن القائل بأفضلية الشرف قال: لو جُنّ الشريف لم يزل عنه الشرف، ولو جُنّ العالم زال عنه العلم، وفضل الشرف ذاتي، وفضل العلم عَرَضي. وبناءً على ذلك جزم بأفضلية الشرف.
فعجبت من هذا مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وما يبينها من الأحاديث الكثيرة!
ثم ظهر لي أن المبحوث عنه هو فضل الشرف وفضل العلم مع قطع النظر عن التقوى، فأقول: إن كلًّا من العلم والشرف لا يكون فضلًا إلا مع التقوى، فإذا فُقِدت التقوى عاد وبالًا على صاحبه، كما يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ ... ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ... ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٥]. وحينئذٍ فالخلاف مفروض بين عالم وشريف مستويي الرتبة في التقوى.
إذا تقرّر ذلك فالأفضل منهما هو العلم؛ لأن طلبه نوع من أنواع التقوى، بخلاف النسب، ولأنَّ العلم شرط للتقوى بخلاف النسب، ولأن العلم من الفواضل التي ينفع بها صاحبُها دينَه وإخوانه المسلمين، ولا كذلك النسب، ولأن طلب العلم من عمل الإنسان الذي يستحقّ عليه الثواب بخلاف النسب.
стр. 285
وعلى كل حال فالفضل إنما يتحقّق بالتقوى والاتباع، وإلّا عاد العلمُ وبالًا على صاحبه. وفقنا الله تعالى لما يحبّه ويرضاه آمين.
على أن الوجهين اللذين ادعى أنهما يقتضيان أفضلية النسب يقتضيان أفضلية العلم، وذلك أنه تبين منهما أن النسب ليس من الأفعال الاختيارية التي يُحْمَد صاحبها عليها، بل هو كالطول والقصر وبياض اللون وسواده مما لا يتعلّق به الحمد ولا الجزاء. ولو تمّ استدلاله لزم منه أن حُسْن الوجه أفضل من العلم؛ لأنه ذاتي لا يزول بالجنون. وهذا القول هو الجنون! على أن فضل النسب هو أمر اعتباري [ص ١٧] بين الناس، وأما عند الله تعالى فليس الكرم إلا التقوى.
وأما ما ورد من الأدلة الشرعية مما يقتضي فضيلةً للنسب فإنما هو باعتبار كونه منشئًا للتقوى أو ناشئًا عنها، والأول ــ أعني كونه منشئًا للتقوى ــ إنما يكون بالنظر إلى المجموع لا الجميع، وحيث كان كذلك فلا يحصل للفرد إلّا إذا كان من أهل التقوى، وذلك لوجود المقتضي الذي لأجله أُطلق الفضل على النسب فيه، وإلّا كان كالحشَفَة من التمر، بل إذا اتصف بما يضاد التقوى كان بمنزلة حشفةٍ نُقِعَت في نجاسة.
والثاني ــ أعني كونه ناشئًا عن التقوى ــ شرط حصوله للفرد أن لا يوجد فيه ما يُناقض التقوى ويعارضها. ومع ذلك فمعلوم أن النسب ليس من الأمور القطعية. وقد سمعت شيخي محمد بن علي الإدريسي يحكي عن جده أحمد بن إدريس أنه كان يقول: (الزمانُ قد طال وليس على فروج النساء أقفال). وهذا البحث يحتاج إلى بسط ليس هذا موضعه.