كما يدلّ عليه ما بعدها، أن المراد ــ والله أعلم ــ بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ أي: نوجّه نظرَه إلى أشياء من آيات مُلْكنا في السماوات والأرض، ونفتح له بسببها فهمًا واستدلالًا يؤكّد يقينه في نفسه، ويكون له حجةً على قومه. فإنّ عقب هذه الآية: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ الآيات، وظاهر ترتيبها بالفاء أنها من ثمرة قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي﴾ وهذا ظاهر فيما قلناه.
وقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ استفهام بِحَذْف أداته لتكون على صورة الإخبار، فيظن قومه أن ذلك منه إخبار، وأنه موافق لهم في دينهم، ليكون ذلك أدعى إلى نظرهم وتأمّلهم وعَقْلِهم الحجة فيه (١)، والله أعلم.
[*٥] ومما يدلّ على أنه ليس المراد من الآية أن الله تعالى أظهر إبراهيم على جميع الغيب قولُه بعد هذه الآيات: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام: ٨٠]. ولما جاءه الملائكة لم يعرف أنهم ملائكة، بل ذهب فجاءهم بعجلٍ حنيذٍ، فلما رأى أيديهم لا تَصِل إليه نَكِرَهم وأوجس منهم خيفة.
وفي حديث «الصحيحين» (٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «لم يكذب إبراهيم ... » الحديث «بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبارٍ من الجبابرة، فقيل له: إن ههنا رجلًا ... » الحديث،
стр. 352
وفي آخره: «فأتته ــ أي إبراهيم ــ وهو قائم يصلي فقال: مَهْيَم ... » الحديث.
والحاصل أنه من أَمْحَل المحال أن يُظهر الله عبدًا من عبيده على جميع غيبه، وحسبك أن الله تعالى متعبِّد عبيدَه بالدعاء، فكيف يدعو العبد فيما قد عُلِم أنه واقع أو غير واقع، وقد قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧ - ١٨٨].
ومرّ (١) أن قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ كما يدلُّ على عدم العلم الذاتيّ يدلّ على عدم الإظهار على جميع الغيب، لأن استكثاره الخير وعدم مسّ السوء له لازمٌ لإظهاره على جميع الغيب، كما هو لازم للذّاتي، فلا يتمّ المنع إلا بامتناعهما معًا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ وما بعده يدلّ على أن الساعة لم يُظْهِر اللهُ على وقتها أحدًا من خلقه، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
[*٦] وأما الأحاديث الدالة على ما قدمنا فهي كثيرة لا تُحصى، ففي حديث جبريل الثابت في «الصحيحين» (٢): «متى الساعة؟ فقال: ما
стр. 353
المسؤول عنها بأعلمَ مِن السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمةُ ربَّتها، وإذا تطاولت رُعاة الإبل البهم في البنيان، في خمسٍ لا يعلمهنَّ إلا الله، ثم تلا النبي ﵌: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]» الحديث.
وفي «الصحيحين» (١) أيضًا عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمهنَّ إلّا الله، فقال: لا يعلم أحدٌ ما يكون في غدٍ، ولا يعلم أحدٌ ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفسٌ ماذا تَكْسِب غدًا، ولا تدري نفسٌ بأيّ أرضٍ تموت، وما يدري أحدٌ متى يجيء المطر».
وأخرج الإمام أحمد والبزَّار والضياء المقدسي في «المختارة» (٢) وغيرهم عن بُريدة قال: سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: «خمسٌ لا يعلمهنّ إلا الله: إن الله عنده علم الساعة ... » (٣) [الحديث.
وأخرج] (٤) الشيخان والترمذيّ والنسائيّ وأحمد وغيرهم عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ قالت: مَن زعم أن محمدًا ﵌ يخبر الناسَ بما يكون في غدٍ ــ وفي رواية: يعلم ما في غدٍ ــ فقد أَعْظَم
стр. 354
على الله الفِرْيَةَ، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) [النمل: ٦٥].
والعلم المنفيّ في الآية والأحاديث هو العلم الذاتيّ، فلا يُنافي أنّ الله تعالى قد يُظهر الرسلَ على شيءٍ من الخَمْس وغيرها، فهذا القرآن مَلْآنُ بالإخبار عما سيكون يوم القيامة، وهو داخلٌ فيما سيكون في غدٍ.
وأحاديثُ الشفاعة نصٌّ على أنه ﵌ أُعْلِم ببعض ما سيكون له يوم القيامة، وذلك داخل في قوله تعالى: ﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾. والمراد بالعلم فيها العلم القطعيّ، فلا يُنافي هذا ظنّ نزول المطر وغيره، وظنّ صاحب الرؤيا والمحدَّث، وظنّ المنجّم والكاهن ومَن في معناهما.
نعم إن الله تعالى لا يظهر أحدًا كائنًا مَن كان على كل شيءٍ من غيبه، بل الثابت إظهار الرسل على بعض الجزئيات بحسب ما تقتضيه الحكمة.
[*٧] والحاصل أن الأدلة على أنه ﵌ لم يكن مُظْهَرًا على جميع الغيب لا تُحصَى من الكتاب والسنة، وبذلك يتعيّن حمل قوله ﵌: «فتجلّى لي كلُّ شيء وعرفتُ ... » على الأشياء التي يختصم فيها الملأ الأعلى، كما يدلّ عليه السياق (٢).
стр. 355
وهذا أولى من أن يقال: إن الله تعالى أظهره حينئذٍ على ما في السموات وما في الأرض ثم سَتَر ذلك عنه. وأولى من أن يُقال: إن هذا الإظهار كان في آخر عمره ﵌، فلا يلزم عليه عدم الاحتياج إلى الوحي، ولا عدم التكليف بالدعاء، ولا غير ذلك من الأشياء؛ لأن راويه معاذ بن جبل ﵁ خرج إلى اليمن قبل وفاة النبي ﵌ بكثير.
وسيأتي قريبًا ما يدلّ على أنه ﵌ لم يُظْهَر على جميع الغيب بعد موته، ومنه حديث «الصحيحين» (١) في ذكر الحوض، وفيه: أنه يقال له ﵌: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك».
[*٨] وقد بقي حديثٌ آخر أخرجاه في «الصحيحين» (٢) عن حذيفة قال: «قام فينا رسول الله ﵌ مَقامًا ما ترك شيئًا يكون في مَقامه ذلك إلى قيام الساعة إلَّا حدَّث به، حَفِظه مَن حَفِظه، ونسيه مَن نسيه، قد عَلِمَه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيتُه، فأراه فأذكره كما يذكر الرجلُ وجهَ الرجلِ إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه».
والجواب عنه: أنَّ المراد ما ترك شيئًا من الأمور العظيمة والفتن الجسيمة، كما يدلُّ عليه حديث أبي داود (٣) عن حذيفة قال: «والله ما أدري،
стр. 356
أنسي أصحابي أم تناسَوا؟ والله ما ترك رسول الله ﵌ مِن قائدِ فتنةٍ إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ مَن معه ثلثمائة فصاعدًا إلا قد سمَّاه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته».
والحديث على كلِّ حال مشكل؛ أمَّا أولًا: فلأنَّ المقامَ الواحد، بل الأشْهُر لا تسع ذِكرَ كلِّ رئيس ثلثمائة فصاعدًا، فضلًا عن كلِّ شيء. والمعجزة ممكنة، والله على كل شيء قدير، ولكن ظاهر الأحاديث أنَّ ذلك جارٍ على مقتضى العادة.
وأمَّا ثانيًا: فلأن الصحابة ﵃ وقعوا في فتن بعده ﵌ [*٩] فما لهم لم يحفظوا ما قال ﵌ فيها، وربما حفظوا القليل.
فإن قيل: لعلّ الله تعالى أنساهم عامَّةَ ذلك لِمَا سبق في حكمته، فقد بقي إشكال آخر، وهو أنه لا يظهر فائدة عظيمة للإخبار ثم الإنساء. فأما الإخبار ببعض الفتن وعدم إنسائه، ففيه فائدة لمن أدركها؛ يَسْتدلّ على الحقّ من الباطل.
ثم إن إظهارهم على ما سيكون بهم تفصيلًا منافٍ للتكليف، كما دلّ عليه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] كما مرَّ بيانه (١).
والذي يترجَّح في معنى الحديث ــ والله أعلم ــ ما قدَّمناه: أن المراد من الأمور العِظام والفتن الجسام التي تهمُّ الإسلام، ويفزع لها الخاص والعام.
стр. 357
وأما تقييده في حديث أبي داود برئيس ثلثمائة فصاعدًا، فلعلَّه قاله بناء على ظنِّه، كأنه ــ والله أعلم ــ رأى جماعةً كلَّهم رئيس ثلثمائة قد ذكرهم النبيُّ ﵌ فقاس على ذلك المذكورين إلى يوم القيامة.
وفي هذا القياس نظر، فإن مقتضى الحكمة أن يذكر النبيُّ ﵌ الفتنَ الصغارَ التي تلي موته لأهميتها، ولا يقتضي أن يستقصي ذلك إلى يوم القيامة، بل يُكتفى بالأمور العامة.
وقد روى مسلم (١) عن عَمرو بن أخْطَب الأنصاري، قال: «صلَّى بنا رسول الله ﵌ يومًا الفجر، وصعد على المنبر، فخَطَبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلَّى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر حتى غربت الشمس فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة». قال: «فأعلمُنا أحفظُنا». وهو في معنى حديث حذيفة، والكلام عليه مثلُه.
وأنا مؤمن بأن الله على كلِّ شيء قدير، وأن رسوله ﵌ أهلٌ لأن يكرمه الله بكل كرامة يمكن أن يُكرَم بها أحدٌ من عباد الله تعالى، فيُظهره على ما شاء من الغيب، ويطوي له الزمان حتَّى يتكلم في الساعة الكلامَ الذي لا تسعه إلا السنون العديدة وغير ذلك.
وإنما اضطرَّني إلى التأويل الجمعُ بين الأدلة كما علمتَ، مع أن اتِّساع المعلومات الكونية ليس من الفضل المقصود للأنبياء ﵈، فنفيُ شيء منه عنهم لا يُوهم نقصًا.
стр. 358
وعلى كلِّ حال، فالحديثان لا يدلَّان على أنه ﵌ أُظهر على جميع الغيب؛ كيف والدنيا بما فيها ليست بالنسبة إلى الآخرة شيئًا .... (١)، والله أعلم، وهو حسبي ونعم الوكيل.
* * * *
стр. 359
[القسم الأول من الغيب]
[ومما يَستدلّ به أهلُ الأرض على بعض الغيب من القسم الأول ولا يحصّل إلا الظن: الرؤيا. وفي «صحيح البخاري» (١) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله] (٢) [١٨٥] ﵌: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوّة». ولهما (٣) [عن] (٤) أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «إذا اقترب الزمان لم تَكَد تكذب رؤيا المؤمن، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوّة ... » الحديث.
فيقال: إن تلك الطرق التي ذكرناها آنفًا ستٌّ وأربعون طريقًا، خمسٌ وأربعون منها خاصة بالأنبياء، وواحد يكون لغيرهم، وهي الرؤيا. والمراد برؤيا المؤمن في حديث أبي هريرة: رؤياه الصالحة، فقد تكون رؤياه غير صالحة، كما يُشير إليه قوله في أول الحديث: «لم تكد». وهذا يدل أن رؤيا المؤمن قد تكذب ولكن الغالب صدقها.
ومما يصرّح بهذا: حديث «الصحيحين» (٥) عن أبي قتادة قال: قال
стр. 360
رسول الله ﵌: «الرؤيا الصالحة مِن الله، والحُلُم من الشيطان، فإن رأى أحدُكم ما يحبّ فلا يحدِّث به إلا مَن يحبّ، وإذا رأى ما يكره فليتعوّذ بالله من شرِّها ومن شرِّ الشيطان، ولْيتفُل ثلاثًا، ولا يحدّث بها أحدًا فإنها لن تضرّه» ا? .
وقد قال قومٌ في معنى الستة والأربعين: أن مدّة نبوّة نبينا ﵌ كانت ثلاثًا وعشرين عامًا، فمنها ستة أشهر كان يرى الرؤيا الصالحة، ثم جاء الوحي فيما بعدها. ونِسْبةُ الستة الأشهر إلى الثلاثة وعشرين عامًا جزءٌ من ستة وأربعين.
وهذه مناسبةٌ ظاهرُها حَسَن، ولكن عند التحقيق يترجّح ما بينّاه أولًا؛ وذلك أن مُدّة نبوّته ﵌ مختلَف فيها، ومدّة الرؤيا منها غير معلومة، ومع ذلك فلم تنقطع الرؤيا عنه ﵌ بعد أن جاءه صريحُ الوحي، بل مكثت إلى أن توفَّاه الله تعالى وهو يرى في نومه.
وأيضًا الحديث جعل الرؤيا ظاهرةً بتقسيم أجزاء النبوة إلى ستة وأربعين، فما بينّاه سابقًا أقرب إلى لفظه.
ثم رأيتُ بعضَهم (١) قال: «وذَكَر الحليميُّ أن الوحي كان يأتيه ﵌ على ستة وأربعين نوعًا، مثل النفث في الرُّوع، وتمثّل المَلَك له بصورة دحية مثلًا، وسماعه مثل صلصلة الجرس، إلى غير ذلك، ولذا قال ﵌ ما قال». اهـ
стр. 361
قلت: وهذا ــ والحمد لله ــ هو الذي ظهر لي. ويؤيِّده أنه ورد في بعض الروايات: «من خمسة وأربعين» (١)، وفي أخرى: «من سبعين جزءًا» (٢).
ونَقَل (٣) عن الحافظ ابن حجر أنه قال: إن كون الرؤيا الصالحة جزءًا من كذا من النبوّة= إنما هو باعتبار صِدْقها لا غير، وإلّا لساغ لصاحبها أن يسمّى نبيًّا، وليس كذلك.
أقول: بتأمل ما تقدم يظهر أن المراد بالأجزاء: العلوم، لأن النبوّة [من] (٤) حيث هي لا تتجزَّأ، [فلا] يقال: [بُعِث نبيّ وربع] ... ، فالأجزاء عبارة عن العلوم لا غير، والمعنى: أن الرؤيا عِلْمٌ من جُملة علوم النبوة. والله أعلم.
[١٨٦] ثم اعْلَم أن الرؤيا تنقسم ــ كما قال ابن سيرين ــ إلى أقسام: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبُشرى من الله تعالى (٥).
وهذا الذي قاله ابنُ سيرين حقّ. أما حديث النفس، فلأننا نجد من أنفسنا كثيرًا أنّنا نكون في بعض الأيام نتكلّم في شيء أو نتفكّر أو نهتمّ في
стр. 362
شأنه، فإذا نمنا عقِب ذلك حلمنا بما يتعلّق به.
أما تخويف الشيطان، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة؛ ففي «الصحيحين» (١) عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﵌: «الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان .. » الحديث.
وإنما سكت عن القسم الثالث وهو حديث النفس؛ لأنه لا بد أن يحضره إما الشيطان وإما الملك، فإن حضره الشيطان التحق بقسمه، وإن حضره الملك التحق بقسمه.
وإذا كان كذلك فالرائي لا يقطع برؤياه أنها من قسم بعينه، ولاسيّما والرؤيا التي هي من الله تعالى قد تكون مُنْذرة، وإنما أُطلق عليها «المبشّرات» في الحديث السابق تغليبًا كما نُقل عن السيوطي؛ وعليه فلا سبيل للرائي إلى القطع بأنّ رؤياه من الله تعالى، وإنما معه الظن فقط، ومع ذلك فالرؤيا التي من الله تعالى تحتاج إلى تأويل وتعبير.
وقد تقدم في المسألة الثانية (٢) في الكلام على رؤيا النبي ﵌ قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٣] فارجع إليها.
وقصّ الله تعالى في كتابه رؤيا يوسف ﵇، وهي حقّ، وهي محتاجة إلى التعبير كما لا يخفى.
стр. 363
والأحاديث الصحيحة كثيرة في مرائي نبينا ﵌، وأكثرها مؤوَّلة، منها: رؤياه الناس يُعْرَضون عليه وعليهم قُمُص، منها ما يبلغ الثُّديّ، ومنها ما دون ذلك، وعُرِض عليه عمر بن الخطاب وعليه قميص يجرُّه. وأوّل ذلك بالدِّين (١). وإذا كان في حقه ﵌ فكيف بغيره.
وقد يكون التأويل بعيدًا، كمن رأى نفسه فرِحًا يُؤوّل بالحزن، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. وكمن رأى نفسه ذليلًا يؤوَّل بالعز؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. ولا سبيل إلى القطع في التأويل وإنما هو الظن.
وهذا بالنسبة إلى ما تدل عليه الرؤيا من الإخبار عن الغيب، وأما بالنسبة إلى الصورة المرئية، فإن المرئي ليس هو عين الصورة الحقيقية، وإنما المرئي مثال تستخرجه المخيِّلة من الحافظة أو يصوّره الشيطان أو يمثِّله المَلَك، والمثال حينئذٍ حاضر بالنسبة إلى الروح، فإدراكها له من الإدراك للحاضر لا للغيب؛ لأن الغيب إنما هو عين الصورة الحقيقية، والمرئي إنما هو مثالها.
فإن قلتَ: فقد ثبت في «الصحيحين» (٢) عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ قال: «مَنْ رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثَّل في صورتي». ومنها عن أبي قتادة قال: قال رسول ﵌: «مَنْ رآني فقد رأى الحقّ» (٣).
стр. 364
[١٨٧] قلت: تمثيل الصُّوَر في النوم قد يكون من حديث النفس، وقد يكون من الشيطان، وقد يكون من الملك. وحديث النفس لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يحضره الشيطان فيلتحق بقِسْمِه، وإما أن يحضره المَلك فيلتحق بقِسْمِه، فانحصر الحال في الاثنين.
والدليل على أنه قد يكون من الشيطان قوله ﵌: «ولا يتمثَّل بي الشيطان». وكما أنه لا يتمثل به فإنه لا يحضر تحديث النفس بصورته، فما بقي إلا ما يكون بتمثيل الملك أو حضوره، وكلّه حقّ.
ومما يدلُّ على تمثيل المَلَك: حديث «الصحيحين» (١) عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﵌: «أُريتك في المنام ثلاث ليالي، يجيء بك الملك في سَرَقةٍ من حرير، فقال لي: هذه امرأتك، فكشفتُ عن وجهك الثوبَ، فإذا أنتِ هي، فقلت: إن يكن هذا من عند الله يُمْضِه».
وفي الكلام تقدير والتفات، والتقدير ــ والله أعلم ــ: أُريتُ صورتَك في المنام ثلاث ليالي، يجيء بها المَلكُ في سَرَقةٍ من حرير، فقال لي: هذه امرأتك، فكشفتُ عن وجهِ تلك الصورةِ الثوبَ، فإذا هي صورتك، أي التي أعرفها في اليقظة. وكان ﵌ يعرفها في بيت أبيها وهي صبيّة، ولهذا قال: «إن يكن هذا من عند الله يُمْضِه». والله أعلم.
وعلى هذا [١٨٨] فإن رؤياه ﵌ لا تكون بتصوير الشيطان ولا حضوره، وإذا لم تكن كذلك فهي بتمثيل الملك بإذن الله تعالى
стр. 365
أو حضوره. وهذا القسم هو الحق ليكون معنى قوله ﵌: «مَن رآني في المنام فقد رآني»: مَن رأى صورتي في المنام فقد رأى مثالي الحقّ، كما يدلّ عليه قوله في حديث أبي قتادة: «من رآني فقد رأى الحق».
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: «فقد رآني» أنه سيراه يقَظَة يوم القيامة، كما يدل عليه حديث «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «مَنْ رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثّل الشيطانُ بي».
وبما قرّرْناه يتبيّن أن رؤياه ﵌ ليست من علم الغيب؛ لأن علم الغيب إنما هو ذاته ﵌، فأمّا مثاله الذي يراه النائم فليس غيبًا، بل حاضر مُشاهَد للروح. ومثلُه رؤيا بعض المؤمنين لبعض، فإنها قد تكون حقًّا مع كونها ليست مِن علم الغيب في شيء (٢).
ومع كون رؤيانا له ﵌ حقًّا، فليس ما رأيناه يقولُه أو يفعلُه أو يُقرّ عليه حجة، واسْتُشْكِل هذا فقيل وقيل، والذي فتح الله به عليَّ هو: أن ذلك القول أو الفعل يحتاج إلى تعبير وتأويل، والتعبير والتأويل يحتمل وجوهًا كثيرة، حتى قد يكون تعبير الشيء ضدّه كما مرّ تمثيله (٣).
стр. 366
فإذا رأيتَه ﵌ يأمرك بشيء، فقد يكون تأويلُ الأمرِ النهيَ أو الإخبارَ بوقوعه، أو الأمرَ بشيء يعبّر به الشيء المرئيّ، أو غير ذلك من الاحتمالات التي لا تنحصر= لا جَرَمَ لم يصلح ذلك لاعتباره حجة.
نعم، إذا رأيتَه يأمرك بشيء قد ثبت في كتاب الله تعالى أو السنةِ الصحيحة استحبابُه، فإنه يتأكّد لك استحباب ذلك الشيء، لترجُّح أن الأمر المرئيّ في النوم على ظاهره، ويشهد لهذا واقعة لابن عباس بسبب مذهبه في التمتع (١).
[١٨٩] وهل المراد برؤياه ﵌ التي هي الحقّ رؤيا شخصٍ يتسمّى باسمه، أو يخبرَ الرائي بأنه هو، أو يقع في نفسه ذلك وإن لم يكن على صورته التي كان عليها في الدنيا؟ أو لابد أن يكون على صورته التي كان عليها في الدنيا؟
أقول: ظاهر قوله ﵌: «فإن الشيطان لا يتمثّل في صورتي»، وقوله: «ولا يتمثل الشيطان بي» أنه لابدَّ في تعيّن كون الرُّؤيا حقًّا أن يكون المرئي على صورته التي كان عليها في الدنيا ﵌، فإن الشيطان إنما مُنِع من التمثّل به، ولم يُمنَع من انتحال اسمه.
стр. 367
فصل
قد فهمت مما قدمناه أن الرؤيا إنما هي بحديث النفس أو تصوير الشيطان أو تمثيل المَلَك، وأن ذلك واقع لروح الرائي بدون مفارقتها الجسد.
وفي المسألة مذهب آخر وهو أن الروح تفارق الجسد عند النوم، ثم تذهب حيث شاء الله تعالى من الكون، فربما شاهَدَتْ بعضَ الأشياء حقيقةً، وربما وقع لها التخييل والتمثيل من الشيطان أو من المَلَك.
ويُستَدَلّ لهذا المذهب بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]. قالوا: فدلّت الآيةُ على أن الله تعالى يتوفّى نفسَ النائم كما يتوفّى نفسَ الميت، ثم يمسك ما قَضى عليها الموتَ من نفوس النائمين، ويرسل التي لما يَقْض عليها الموتَ عند إرادة اليقظة.
هذا على كون ما بعد الفاء تفسيرًا للنائمة، فمعنى الآية ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا و﴾ يتوفى ﴿الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ أي: يتوفاها في منامها، ثم يقضي في النائمة بما أراد ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ أي: يحبسها عن العَود إلى الجسد فيموت ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ التي لم يَقْض عليها الموتَ بإعادتها إلى جسدها عند إرادة يقظته ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو أجل انتهاء العمر، فإذا جاء الأجلُ توفّاها وأمسكها. والله أعلم (١).
стр. 368
[١٩٠] وهذا التفسير هو الذي يؤيده حديث «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «إذا أوى أحدُكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخِلَةِ إزاره فإنه لا يدري ما خَلَفَه علىه، ثم يقول: باسمك ربي وضعتُ جنبي وبكَ أرفعُه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين».
واستشْكِل هذا بأنّ الناعس لا يجد الألم الذي يجده المحتضِر، وأن النائم يبقى فيه النَّفَسُ والدمُ والحركة، وإذا حُرِّك أو سمع صوتًا انتبه، إلى غير ذلك.
وأقرب الأجوبة من هذا: أن للروح بالجسد تعلُّقَين:
الأول: تعلّقها به في اليقظة، وهو بوجودها فيه.
الثاني: تعلّقها به عند النوم، وهو بقاء اتصالها به بآثار وأشعّة تتصل به منها، فبهذه الأشعة تبقى الحياة في الجسد، ثم إذا أراد الله تعالى إرسالها ردّها إلى جسدها فاستيقظ. وإذا أراد إمساكها أبْطَل تلك الصِّلة التي بينها وبين الجسد فمات. والألمُ الذي ينال المريض عند النَّزْع إنما هو لنزع الروح بجميع آثارها.
وزعم بعضُهم أن الله تعالى جعل السبب في ذلك صلاح الجسد، فما دام الجسدُ صالحًا فهو لا يزال منتفعًا بالروح، إن حلَّت فيه حصل له الحياة واليقظة، وإن فارقته حصلت له الحياة بما يتصل به من أشعتها. فإذا أراد الله تعالى موت أحدٍ أفسد الجسدَ عن قبول الانتفاع بالروح، وإذا شرع الجسد في الفساد نشأ من ذلك المرضُ والنزاع، فإذا تمّ فسادُه فارقَتْه الروحُ ولايزال
стр. 369
لها اتصالٌ به، ولكن لا ينفعه ذلك بعد تمام فساده. فإذا أراد الله تعالى حياةَ ميتٍ أصلح جسدَه، فيصير قابلًا للانتفاع، فتُرَدُّ عليه روحُه.
[١٩١] والخلاف في هذا متشعّب، والذي أختارُه الوقفَ، وردّ العلم إلى الله تعالى، ولا سيما وهذا البحث متعلِّق بشؤون الروح، وقد قال الله تعالى لرسوله ﵌: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
ولا دلالة فيما هو معروف في هذه الأعصار من التنويم المغناطيسي، وهو كما أخبرني بعضُهم: أن بعض السّحَرة يتسلّط على شخص يكون عنده حتى ينوّمه، ثم يقول: اذهب إلى محلّ كذا فانظر ما ثمّ هناك، ثم يصبر قليلًا فيتكلَّم النائمُ ويقول: هناك كذا وكذا إلخ= لاحتمال أن يكون الذاهب إلى ذلك المحلّ هو شيطان من الشياطين، ثم يرجع فيتكلّم على لسان النائم كما يتكلّم الشيطان على لسان المصروع. والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. أعاذنا الله منه، وحفظنا من نزغاته.
وقِس على هذا ما لعلّك تسمع به من أنواع السحر في التنويم المغناطيسي وغيره، كتحضير الأرواح والاجتماع لها، كما هو معروف في أخبار الصوفية، وقد شاع الآن في الرياضيين من النصارى وغيرهم، ولا يبعد أن يكون الحاضر إليهم هو قرين صاحب الروح؛ إذ مع كل إنسان قرين من الشياطين كما هو ثابت في «الصحيح» (١) وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى (٢).
стр. 370
نعم، لو سُلِّم أن الروح تفارق الجسد في النوم وفي التنويم المغناطيسي وتذهب حتى تشاهد بعض الأشياء بحقائقها، فهذا لا يكون من الإظهار على الغيب، أما أوّلًا فلأنه ليس من الغيب بالنسبة إلى الروح. وأما ثانيًا فلأنه لا يحصل اليقين بأنها شاهَدَتْ ذلك الشيء حقيقةً؛ لاحتمال أن يكون اعترَضَها بعضُ الشياطين فخيّل لها.
والوجه الأول متعيّن في رؤيانا لذات النبي ﵌ إذا سلّمنا أنها قد تكون برؤية أرواحنا لروحه الشريفة مباشرةً، أي لا لمثالها فقط. والله أعلم.
والروح في التنويم المغناطيسي كهي في النوم معرّضةٌ لتلاعب الشيطان بخلاف الإنسان في يقظته، فإنه محجوب عن الشياطين غالبًا، وإنما قلنا: غالبًا؛ لأنه قد يقع تصوّرهم له، ففي «صحيح مسلم» (١) عن ابن مسعود قال: إن الشيطان ليتمثَّل في صورة الرجل، فيأتي القومَ فيحدّثهم بالحديث من الكذب، فيتفرّقون فيقول الرجل منهم: سمعتُ رجلًا أعرفُ وجهه ولا أدري ما اسمه يحدث.
[١٩٢] وفي «صحيح البخاري» (٢) عن أبي هريرة قال: «وكَلَني رسولُ الله ﵌ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلتُ: لأرفعنّك إلى رسول الله ﵌، قال: إني محتاج وعَلَيَّ عِيال ولي حاجة شديدة، قال: فخلّيتُ عنه،
стр. 371
فأصبحتُ، فقال النبي ﵌: «يا أبا هريرة ما فعل أسيرُكَ البارحة؟ » قلت: يا رسول الله شكا حاجةً شديدةً وعيالًا، فرحمتُه فخلّيتُ سبيلَه، قال: «أما إنه قد كذَبَك وسيعود .. » الحديث. فذكر أنه عاد الليلة الثانية والليلة الثالثة، وقال له في الثالثة: دعني أعلّمك كلمات ينفعك الله بها، إذا أويتَ إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنّك شيطان حتى تصبح، قال: فخلّيتُ سبيلَه، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﵌: «ما فعل أسيرك البارحة؟ » قلت: زعم أنه يعلمني كلماتٍ ينفعني الله بها، [فخلّيتُ سبيلَه]، قال: «أمَا إنّه قد صَدَقك وهو كذوب. تعلمُ مَن تخاطب منذ ثلاث ليال؟ » قلت: لا، قال: «ذاك شيطان».
ووقفتُ في اليمن في بعض كتب الزيدية على قصّة: أنه بعد أن توفي الإمام القاسم (١) ــ مؤسس الدولة القاسمية في اليمن ــ بمُدّة، خرج فقيهٌ من أصحابه فإذا هو بالإمام القاسم بعينه لا يشكّ فيه، ثم ذهب في البريّة وهو يراه في حالة اليقظة. وذلك الفقيه عاقلٌ لم يُجرّب عليه كذب، ولا عُرف في عقله شيء، فذهب وأخبر علماء الزيدية حينئذٍ، فأجابوا بأن ذلك شيطان تصوّر بصورة الإمام.
والذي يظهر أن الله تعالى مانع الشياطين من التمثل بمثال الأحياء المعيّنين لئلّا تفسد المصالح، فأما التمثُّل بمثال إنسان مجهول كما في الحديثين، أو ميّت كما في القصة، فمن الممكن، إلّا النبي صلى الله عليه
стр. 372
وآله وسلم فإنه معصوم مِن تمثّل الشيطان به، ومثلُه في ذلك جميع الأنبياء. والله أعلم.
[١٩٣] ومما يَستدلُّ به أهل الأرض على بعض الغيب من القسم الأول ولا يُحصِّل إلا الظن: التحديث.
ففي «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «ولقد كان فيما قبلكم من الأمم محدَّثون، فإن يك في أمتي أحدٌ فإنه عمر».
والمحدَّث هو الذي يُلقي المَلكُ في رُوعه بعض الخواطر، فيحصل له بذلك ظنُّ وقوع ذلك. وهذه الخواطر قد تكون من المَلَك، وقد تكون من الشيطان، ولكن المحدَّث يغلب في خواطره كونها من المَلَك، فتكون غالب ظنونه صادقة، ومع ذلك فهو لا يرتقي عن الظن في شيء من ذلك، أما في نفسه، فلأنَّه لا يزال عنده احتمال ما يخالف ذلك، وأما بالتجربة، فلأنّه لا يطّرِد الصدق، ولا يزال هناك احتمال أن يكون الخاطر من الشيطان؛ ولهذا لم يكن الصحابةُ يتخذون ظنَّ عمرَ حجةً ولا هو نفسُه، وقد ثبت تردّدُه في أشياء كثيرة، وخطؤه في مواضع:
منها: قوله حين توفي رسول الله ﵌ ما قال (٢).
ومنها: نهيه الناسَ عن التغالي في الصَداق ووعيده لمن زاد على خمسمائة
стр. 373
درهم ــ فيما أظن ــ حتى ذكّرته إحدى المسلمات بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، فقال: أصابت امرأةٌ وأخطأ عمر (١).
ومنها: ما مرّ في الرسالة الأولى في كلام الشافعي ﵀ (٢).
ومنها: نسيانه لقصّته مع عمّار في التيمّم، فذكّره عمار فلم يذكر (٣).
وإذا كان النبيُّ ﵌ جائزٌ عليه النسيان والخطأ في الاجتهاد فما بالك بغيره؟ إلا أنه ﵌ لا يُقرّ على الخطأ كما هو مقرَّر في أصول الفقه، وقد سبق ما يتعلّق به (٤). ولم يكن النبي ﵌ يتخذ مجرَّد خاطرٍ يخطر له حجّةً، بل إذا اجتهد استند إلى دليل من كتاب الله تعالى أو مما سَبَق من الوحي.
وقد سَبَق (٥) حديث مسلم عن رافع بن خديج في تأبير النخل، وهو صريح في أن النبي ﵌ ظن النخل كبقيّة الشجر لا تحتاج إلى لقاح، فأخبرهم بأنه يظن ذلك قائلًا: «لعلكم ... » إلخ، ولم يأمرهم بتركه، وإنما تركوه من جهة أنفسهم، فلما نقصت وأخبروه قال لهم:
стр. 374
«إنما أنا بشر ... » إلخ.
والحاصل أن المَلك قد يتلقَّى الخبرَ من السماء بالصفة المذكورة آنفًا، أو يكون في الأرض فيخبره بعض الملائكة النازلين في السماء، فيذهب فيُلقي خاطرها في قلب المؤمن إلى آخر ما تقدّم.
[١٩٤] والتحديث أضعف من الرؤيا الصادقة، ولذلك استثناها النبي ﵌ في قوله: «لم يبق من النبوة إلا المبشّرات» (١) ولم يستثنه. وسبب ذلك ــ والله أعلم ــ أن الرؤيا الصادقة قريبة من المشاهدة لما فيها من قوة الإدراك بخلاف التحديث.
ومما يستدلّ به أهل الأرض على بعض الغيب من القسم الأول، ولا يحصِّل إلا الظن الضعيف: الكهانة.
قال الله : ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣].
وقد مرّ حديث مسلم عن ابن عباس، ويفسِّره حديث البخاري (٢) عن أبي هريرة أن نبيَّ الله ﵌ قال: «إذا قضى الله الأمرَ في السماء ضربت الملائكةُ بأجنحتها خَضَعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحقَّ، وهو العليّ الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضه فوق
стр. 375
بعض ــ ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدَّد بين أصابعه ــ فيسمع الكلمة فيلقيها إلى مَن تحته، ثم يلقيها الآخر إلى مَن تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهابُ قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فيُصدَّق بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء».
وفي «الصحيحين» (١) عن عائشة ﵂ قالت: سأل أناسٌ رسولَ الله ﵌ عن الكُهَّان؟ فقال لهم رسول الله ﵌: «إنهم ليسوا بشيء»، قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدِّثون أحيانًا بالشيء يكون حقًّا، فقال رسول الله ﵌: «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجنّي فيقرّها في أذن وليه قرَّ الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مئة كذبة».
فإن قلت: قد قررتم سابقًا (٢) أنّ إخبار المَلك للبشر بالغيب من الإظهار على الغيب، وقرَّرتم أنه خاصّ بالرُّسُل، فما تقولون في سماع الجني لكلام الملائكة بالغيب؟
فالجواب: أننا قرّرنا فيما قرّرناه أن سماع بعضِ الملائكة من بعضٍ ليس من الإظهار على الغيب، بل هو كسماع عامة البشر من الأنبياء، بخلاف سماع البشر لخبر الغيب من الملائكة مع القَطْع بكونهم ملائكة، فإنه من الإظهار على الغيب الخاص بالأنبياء.
وبقي الجنّ لم نبيِّن حكمهم فيما سبق، فقد يقال: إنهم أولى من عامّة
стр. 376
الإنس بعدم تلقّي الغيب من الملائكة؛ لأن الإنس أشرف منهم. وقد يُقَال بخلاف ذلك [١٩٥] بحُجّة أنهم من حيث الخِلْقة أقرب إلى الملائكة، فإنهم يرون الملائكة بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ الآية [الأنفال: ٤٨]، والملائكة يرونهم فلا يبعد أن يكون سماعهم لكلام الملائكة مما جرت به عادتهم، بل هذه الأحاديث حجة في كونهم يسمعون كلام الملائكة على مقتضى العادة والخِلْقة؛ فإن فيها أنهم يسمعون كلام الملائكة في السماء الدنيا، ونحن معشر البشر لا نسمع كلام الملائكة إلا إذا تمثلوا (لنا)، ومع هذا فقد دلّت الآيات والأحاديث على أن الله تعالى لا يمكِّنهم من سماع كلام الملائكة في السماء الدنيا، قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]. وقال تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ٨ - ١٠]. إلا أنهم قد يسمعون الكلمة الواحدة، أي: بدون تمام المعنى، فيتخرّصون هم وأولياؤهم في المعنى المراد بها، ويركّبون من ذلك كلامًا طويلًا، والغالبُ كذبُه، وقد يوافق على سبيل الاتفاق.
وإذا كَذَب وحَدَث حادثٌ يتعلّق بتلك الكلمة يخالف إخبار الكاهن تأوّل الناسُ خبره الأول بأنه رمز وإشارة إلى هذا الحادث وصدّقوه!
والحاصل أنّ الجنّي إنما يسمع من الملائكة كلمة أو كلمتين لا يتمّ بهما
стр. 377
المعنى، فيتخرّص هو ووليُّه لتكميل المعنى، والغيبُ إنما هو المعنى التامّ لا الكلمة أو الكلمتين التي تتعلّق به من دون وفائها به، كما يُشير إلى ذلك قوله ﵌ لابن صيّاد: «قد خبَأْتُ لك خبيئًا فما هو؟ » وكان خبأ له قولَه تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، فقال ابن صياد: هو الدُّخ، فقال له النبي ﵌: «اخسأ فلن تعدوَ قدرَك» (١). مع أن هذا [إنما] يتعلق بالقسم الثاني [من أقسام العلم بالغيب] (٢). وبهذا لم يصدق على ذلك الجني أنه تلقى عن الملائكة خبرًا من أخبار الغيب.
ولو سلَّمنا جَدَلًا أنه قد يتلقَّى خبرًا تامًّا في النادر لَمَا كان مِنْ عِلْم الغيب، فإن الملائكة ليسوا غيبًا عن الجنّ، فإنهم يرونهم ويسمعون منهم بحسب خِلْقتهم، فلا يكون سماعهم لكلامهم بالغيب إظهارًا على الغيب كما في سماع عامة الملائكة لكلام الرسل منهم، فإن رُسُل الملائكة ليسوا غيبًا بالنسبة إلى الملائكة، وكما في سماع عامة الإنس لكلام رسلهم، فإن رسل الإنس ليسوا غيبًا بالنسبة إلى عامة الإنس، وكما في سماع الجن كلام الإنس، فإن الإنس ليسوا غيبًا بالنسبة إلى الجن [١٩٦] وكما في سماع الإنس لكلام الجن إذا تمثَّلوا بصورهم، وكما في سماع الإنس لكلام الملائكة إذا تمثَّلوا بهم.
ولكن هذا الأخير لا يمكن بواسطته الاطلاع على الغيب [لأن] الملائكة لا تخبر غير الرسل بالغيب إلا بالتمثيل في الرؤيا والتحديث في القلب، بدليل قوله ﵌: «لم يبق من النبوّة إلا المبشرات» قالوا:
стр. 378
وما المبشرات؟ قال: «الرؤيا الصادقة ... ». ومرّ سابقًا (١) أن هذا لا ينافي حديث التحديث؛ لأن التحديث أضعف من الرؤيا فلم يَسْتَثْنِه.
فأما مشافهة الملائكة للإنسان بالغيب يقظةً فإنه أقوى من الرؤيا، فالحديث المذكور دليل على عدمه أيضًا، فإن وقع لأحدٍ غير الأنبياء شيءٌ مما يشبه ذلك فليحذر، فإنما المخاطِبُ له شيطان. والله أعلم.
وذلك أن الرائي لا يثق بكون الشخص المتمثِّل له ملكًا إلا أن يكون الرائي نبيًّا، فإن الله يسلك من بين يديه ومن خلفه رَصدًا، ويعصمه من تلبيس الشياطين عليه.
وأما غير النبي فالظاهر إذا تمثَّل له شخصٌ على أنه مَلَك وخاطبه بالغيب، فهو شيطان كما مرّ دفع هذا (٢)، فالأولى إطلاق الجواب الأول، وهو أنَّ الجنّ لا يُمَكَّنون من استيفاء خبرٍ تامٍّ عن الملائكة. وهكذا يقال في سماعهم لخبر الملائكة في الأرض: إن الله لا يُمكِّنهم منه إلّا ما كان من كلمة أو كلمتين، وذلك أن الملائكة إذا أرادوا أن يتكلّموا في الأرض بدأوا بطرد الشياطين حتى لا تسمع كلامهم أو غير ذلك مما لا نعلمه، والله على كل شيء قدير. (٣) وكما أن الجني قد يتلقَّى تلك الكلمة باختطاف السمع من السماء فقد يتلقّاها باختطاف السمع من الملائكة في الأرض كما مرّ، وقد يتلقّاها
стр. 379
من شيطانٍ آخر كما مرَّ في حديث البخاري (١)، وقد يتلقاها من كاهن أو منجِّم، أو طارق من الجنّ أو الإنس، وكل هذا إنما يكون في الكلمة التي لا تُفْهِم معنًى تامًّا، وإنما يقعُ التخرُّص من الجن وأوليائهم. والتخرُّصُ أكْذَب الظن. فليس في ذلك رائحة من الإظهار على الغيب. والله أعلم.
وقد يتلقّى الجنيُّ الخبرَ التامَّ من القسم الأول من الغيب عن الإنس، بعد أن يصل إلى الإنسيّ بإحدى الطرق السابقة، والجنّي حينئذٍ كأحد عامة الإنس، فما أمْكَنَ أن يسمعه أحدُ عامة الإنس أمكن أن يسمعه الجنيُّ، فيحصل للجني العلمُ بسماع النبي من الإنس، وبسماع عدد التواتر منهم، وبقراءته لذلك الخبر في كتاب الله تعالى، ويحصل له الظن في غير ذلك، والتفصيل لا يخفى، ثم يتلقى الجنُّ بعضُهم عن بعض، وقد ينقل بعضُهم ذلك الخبر إلى بعض الإنس، وهلمّ جرًّا، والله أعلم.
* * * *
[١٩٧] ومما يستدلّ به أهلُ الأرض على بعض الغيب من القسم الأول، ولا يحصِّل إلا الظنَّ الضعيف: النظر في النجوم.
وذلك أن بعض الناس يرصد هذه الكواكب وأوقات طلوعها وغروبها واقترانها ومقادير سيرها، ويحكمون على بعضها بالسعادة وبعضها بالنحس، وينسبون لكلِّ كوكب محلًّا مخصوصًا من الأرض والأيام والساعات والمعادن والأعضاء والحروف والأحوال، كالحرب والنصر والهزيمة، والغنى والفقر، والزواج والفراق، والرُّخص والغَلاء، وغير ذلك. ويسندون
стр. 380
ذلك للتجربة أو لمناسباتٍ وهمية، ويربطون ذلك باسم السائل واسم أمه والوقت الذي ولد فيه، إلى غير ذلك.
ثم منهم مَن يزعم أن هذه الكواكب هي المدبِّرة للعالم، فكلّ جوهر أو عَرَض في الأرض مربوط بالكواكب، ويزعمون لها الحياة والعلم وغير ذلك من الصفات، وهؤلاء قسمان:
قسم ينكر وجود الخالق جلّ وعلا، ويزعم أن هذه الكواكب هي المدبِّرة بمشيئتها، وهذا من أفحش أنواع الكفر، والعياذ بالله.
والثاني: يعترف بوجود الخالق جلّ وعلا، ويزعمون أن هذه الكواكب مدبِّرة للعالم بإذنه تعالى، أي يجعلون لها قدرةً كقدرة الإنسان على ما يَقْدِر عليه من الأفعال. ومنهم مَن لا يعتقد للكواكب تدبيرًا ولا تصرفًا ولكنه يزعم أن الله تعالى أجرى العادةَ بوقوع الحوادث الأرضية على قاعدةٍ نسبية بينها وبين الكواكب. فإذا جاء السائل ــ مثلًا ــ في ساعة كذا من يوم كذا في إقليم كذا، وسأل عن كذا، وكان كوكب كذا في برج كذا، وكوكب كذا في برج كذا، وكان اسم السائل كذا واسمه أمه كذا ومولده كذا= فإنّ جوابه كذا. فيقولون: أجرى الله تعالى العادةَ أنه إذا اتفقت هذه الأشياء على هذه الكيفية كان ما أجابوا به.
ولا نُطيل الكلامَ في هذا، فإن العاقل إذا تأمّل ما ذكروه من المناسبات علم أنها أمور خرافية! وإذا بحث في التاريخ عَلِم أن ما يدّعونه من التجربة وجَرَيان العادة باطل، وعَلِم أن الغالب في كلامهم الكذب [١٩٨] وإن فُرِض أنَّ كلامَ بعضهم صدق في واقعةٍ، فهي بالنسبة إلى الوقائع التي أُخْلِف قوله فيها كَلَا شيء. ولو أنّ إنسانًا جعل يحكي وقائع ستقع على سبيل الكذب
стр. 381
بدون نظرٍ في نجوم أو غيرها= لَمَا بَعُد أن يتفق وقوع بعض ما ذكره على سبيل الاتفاق و «مع الخواطئ سهم صائب» (١)!
وقد أثبت أهل الأرصاد في هذه الأعصار اكتشافَ كواكبَ لم تُعْرَف من قبل، وأنه لا يزال يتجدَّد لهم الاكتشاف، بما يُعلَم معه أن ثَمَّ كواكب لا تزال مجهولة.
فيقال للمنجّمين: إن هذه الكواكب التي اكتُشفت حديثًا وبعضها أكبر من الشمس ــ فيما يقول أهلُ الأرصاد ــ ما هو حكمها؟ والكواكبُ التي لا تزال مجهولة ما يدريكم ما حكمها؟ فقد يكون بعضها ــ على ما تزعمون ــ كونه نحسًا، فإذا اقْتَرَن بالسَّعْد قَلَبه نحسًا. وعلى هذا فربّما حكمتم بالسعد على ما نظرتم في الكواكب، ويكون هناك كوكب من المجهولة مقترنًا بها!
والحاصل أن النظر في النجوم من أكذب الظن ولا يحصل به إلّا مجرد الاحتمال، وقد رُوي عن قتادة قال: خلق الله تعالى هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمَن تأوّل فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلَّف ما لا يعنيه، وما لا علم له به، وما عَجَز عن علمه الأنبياء والملائكة (٢).
стр. 382
[١٩٩] ومما يتعلّق بالنجوم: معرفة الأنواء . والأنواءُ جمع نَوء، وهو وقت سقوط الكواكب، جرت العادةُ أن المطر ينزل غالبًا في أوقات أنواءٍ معروفة، فيتوهّم الجاهل أنَّ لها دخلًا في سبب نزول المطر، والحقيقةُ غير ما توهَّموه؛ وذلك أن الأرض تكون محتاجةً إلى المطر في أوقاتٍ مخصوصة من السنة الشمسية، واتفق أن كانت تلك الأوقات في أوقات تلك الأنواء، وربُّنا عليم حكيم رحيم، ينزّل الغيث غالبًا في أوقات حاجة الأرض إليه رحمةً بعباده، فإذا رأى الجاهلُ أن الغيثَ ينزل غالبًا في أوقات تلك الأنواء ظنَّها هي السبب في نزوله.
والمؤمن يعلم أن السبب في نزوله هو فضل الله ورحمته، وإنما يوافق نزول تلك الأنواء في غالب السنين؛ لأن الأرض تشتدُّ حاجتها إلى المطر في تلك الأوقات، فاقتضى فضل الله ورحمته إغاثتها في أوقات حاجتها، وليس للأنواء دخل في السببية.
وقد اقتضت حكمة الله دفع هذا الوهم بتقديم نزول المطر على تلك الأنواء في بعض السنين، وتأخيره عنها، وعدمه أحيانًا، ولكنَّ كثيرًا منهم لم ينتفع بذلك بل أصرّ على ضلاله.
وقد أخرج النسائي (١) بسنده إلى أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «لو أمسك الله القَطْرَ عن عباده خمس سنين ثم أرسله لأصبحت طائفةٌ كافرين يقولون: سُقينا بنَوءِ المِجْدَح».
стр. 383
وفي «الصحيحين» (١) عن زيد بن خالد الجهني قال: صلى لنا رسول الله ﵌ صلاةَ الصبح بالحديبية على إثْرِ سماءٍ كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبحَ مِن عبادي مؤمنٌ بي وكافر، فأما مَن قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب. وأما مَن قال: مُطِرْنا بنوءِ كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكوكب».
ولا يخفاك أنه لا سبيل إلى معرفة وقت نزول الغيث قبل نزوله، أما أولًا فلأنّ العادةَ غير مطّردة، بل كثيرًا ما يتقدَّم، وكثيرًا ما يتأخّر، وكثيرًا ما يخلف. وأما ثانيًا فلأنه إذا غلبت العادةُ بنزوله في أوقات مخصوصة من السنة الشمسية فالوقت الواحد منها يكون أيّامًا، فلا يُعلم في أيّ يوم منها وأيّ ساعة لاختلافِ ذلك. ولهذا كان وقت نزول الغيث مما لا يعلمه إلا الله تعالى، كما نصَّ عليه في كتابه. وإصابةُ الظنِّ في بعض الأوقات ليست علمًا. ونحو هذا يقال في هبوب الرياح وغير ذلك، والله أعلم.
[٢٠٠] مما يتعلّق بالنجوم: معرفةُ أحوالها المتعلّقة بذواتها، كأوقات طلوعها وغروبها، ومقادير سيرها، ومقادير أجرامها وارتفاعها، وخسوفها وكسوفها، وهو المعروف بعلم الهيئة. وقد تقدَّم أن معرفة ذلك ليست من علم الغيب في شيء؛ أما أولًا فلأنّ الخسوف ــ مثلًا ــ وإن كان غيبًا فالدلائل الجارية بالعادة المطَّرِدة ليست غيبًا، بل كل عاقل يمكنه أن يدركها. وهذا كعلمِ كلِّ أحدٍ إذا طلعت الشمسُ اليومَ أنها ستغرب بعد كذا وكذا ساعة،
стр. 384
وستطلع مرةً ثانية بعد تمام أربعٍ وعشرين ساعة، وغير ذلك.
وأما ثانيًا فلأنّه لا يمكن حصول العلم القطعيّ لإمكان أن يخرق الله تعالى العادة، كما في طلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك. وعلى هذا المنوال يقال في سائر الأشياء التي اطّردت العادةُ بوقوعها، كتأثير السمّ، وإحراق النار، وغير ذلك، والله أعلم.
* * * *
ومما يستدلّ به أهلُ الأرض على بعض الغيب من القسم الأول ولا يحصِّل إلا الظن الضعيف: الخطّ في الرمل.
وفي حديث مسلم (١) عن معاوية بن الحكم قال: قلتُ: يا رسول الله، أمورٌ كنّا نصنعها ... الحديث إلى أن قال: قلت: وههنا رجالٌ يخطّون خطًّا، قال: «كان نبيٌّ من الأنبياء يخط، فمَن وافق خطَّه فذاك».
وهذا إذنٌ بالخطِّ بشرط موافقة خطِّ ذاك النبي، وموافقة خط ذاك النبي متعذِّرة، فالتعليق به تعليق بالمُحَال، فمعنى الكلام على هذا: إطلاق عدم الإذن.
فإن قيل: فلعلّ هذا الخط المنقول عن المتقدِّمين موافقٌ لخطِّ ذاك النبي.
فالجواب: أن هذا أمرٌ مشكوكٌ فيه، والمراد بالموافقة المعلَّق عليها الإذن: الموافقةُ يقينًا أو على الأقل بِظنٍّ يُعْمَل بمثله في الشرع، بل الموافقة منتفية يقينًا؛ لأن هذا الخط لو كان موافقًا لخطّ ذلك النبي لكان الغالب عليه
стр. 385
الصدق، والأمرُ بالعكس. وقد عُلِم أنّ الخط بالرمل لا يحصّل اليقين بل ولا الظنَّ الغالبَ، فليس من الاطلاع على الغيب في شيءٍ. والله أعلم.
[٢٠١] ومن ذلك العَرافة ، وهي عبارة عن الاستدلال بالأشياء التي تقارن وقتَ السؤال، من حال السائل والمسؤول، واسمه واسم المكان، وما يقع عند ذلك من كلام إنسان حاضر أو مرور حيوان، أو غير ذلك.
ويدخل تحت هذا الفأل والطِيَرة .
وفي حديث معاوية بن الحكم قال: كنا نتطيَّر، قال: «ذلك شيءٌ يجده أحدُكم في نفسه فلا يصدّنّكم». وفي «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة قال: سمعت رسولَ الله ﵌ يقول: «لا طِيرَة، وخيرها الفأل» قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم».
وأقول ــ والله أعلم ــ: إن الإنسان إذا أراد سفرًا ــ مثلًا ــ فَعَرض له شيءٌ مما يتعَرَّف (٢) به؛ كأن يسمع رجلًا ينادي: يا محمود، يا سعيد، يا مبارك؛ أو يسمع رجلًا ينادي: من يشتري النحاس؟ أو نحو ذلك= فالظاهر أن ذلك مجرَّد اتفاق، ويحتمل أن يكون الله يسّر (٣) المنادي يا محمود، يا سعيد، يا مبارك؛ تبشيرًا لذلك المسافر إذا كان مؤمنًا وكان سفره مباحًا. ويحتمل أن يكون الشيطان ساق ذلك المنادي بالنحاس ليُحْزن ذلك المسافر، والشرعُ يرشد إلى اعتقاد الظاهر الغالب، وهو أن ذلك موافقة فقط.
стр. 386
ولا يكره الفرح بالتفاؤل بنحو: يا مبارك، بتجويز أن يكون تبشيرًا من الله تعالى، فإنه مما يقوّي التوكّل على الله تعالى، بخلاف التفاؤل على غير هذا الوجه، بل باعتقاد التأثير لغير الله تعالى، فإنه شركٌ والعياذ بالله. وبخلاف التطيّر مطلقًا بنحو سماع: مَنْ يشتري النحاس؟ فإنه إن لم يكن مجرّد اتفاق فهو من الشيطان ولا شكّ، فالعمل به إنما يكون عن اعتقاد التأثير لغير الله تعالى، والعياذ بالله، ولذلك أطلقَ الشرعُ ذمّ الطِّيرة، وورد أنها من الشرك، وإنما قوله ﵌: «ذلك شيءٌ يجدونه في أنفسهم» [٢٠٢] يدلّ أنّ مجرّد وجوده في النفس لا يضر.
وهذا إذا كان مع اعتقاد أنه لا مؤثِّر إلا الله تعالى، فإن وجوده في النفس حينئذٍ يكون من وسوسة الشيطان المعفوّ عنها، كما في «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «إنّ الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورُها ما لم تعمل به أو تتكلّم».
فأما إذا اعتقد الإنسان التأثير لغير الله تعالى فقد أشرك، وكذا إذا صدّه التطيّر عن عزمه، فإن هذا دليل اعتقاده ذلك، والعياذ بالله.
والتفاؤل الذي لا بأس به هو ما اتفق من غير قصد، فأما ما يقصده الإنسان، كاستنطاق إنسانٍ آخر بقصد التفاؤل وغير ذلك= فهو حرام قطعًا، كإهاجة الطير وغيرها؛ لأنها تدلّ على اعتقاد التأثير، بخلاف مَن سمع شيئًا اتفاقًا ولم يصدّه عن التوكل، والله أعلم.
ثم لا يخفى أن العَرافة مطلقًا لا تحصّل العلم بل ولا الظنّ الغالب، فليست من علم الغيب في شيءٍ. والله أعلم.
стр. 387
ومما يستدلّ به على ما ذُكر: الطّرْق بالحصى .
وفي «سنن أبي داود» (١) عن قَطَن بن قبيصة عن أبيه أن النبي ﵌ قال: «العيافة والطَّرْق والطِّيَرة من الجِبْت».
قال في «المختار» (٢): «الجِبْت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر». وكأنها ــ والله أعلم ــ موضوعة للقَدْر المشترك، أي: للشيءِ الذي يعظِّمه الناسُ ويعتقدون فيه التأثير، وهو باطل. ولا يخفى أن دلالة الطَّرْق ليست إلا مجرّد تخرّص لا شُبْهَة فيها لعلمِ الغيب. والله أعلم.
وقد حَدَث في القرون القريبة أشياءُ أخرى، كالتفاؤل بالقرآن (٣)، وقد كنتُ أفعله، حتى فتحتُ المصحف في بعض الأيام، فإذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، ففهمتُ من هذه الآية دليلًا على النهي الخاصّ عن التفاؤل بالقرآن، ومَن تأمل فيها عَرَف وجه الدلالة.
ومنها التفاؤل بغير القرآن من الكتب، والقرعة المعروفة بقرعة الأنبياء، وقرعة الطيور، وسهم الغيب، وغير ذلك. وكلها داخلة تحت النهي عن الطيرة. وقد أرْشَدَنا الشرعُ إلى ما نفعله إذا أردنا أمرًا من الأمور، وهي الاستخارة.
стр. 388
وتأمّل حكمةَ الشرعِ [٢٠٣] كيف جعل الاستخارة هي عبارة عن دعاء الله تعالى: أنه إن علم أن ذلك الأمر خير للمستخير يسَّره له وإلا صَرَفه عنه، بخلاف زَجْر الطير والتفاؤل بالكتب وغيره، فإنها تُحَتِّم على صاحبها أن هذا الأمر بعينه خير، وهذا الأمر بعينه شرّ، فربما ظهر له المصلحة في ترك ذلك الفعل المزعوم أنه خير أو فِعْل ذلك الأمر المزعوم أنه شرّ، فيكون ذلك سببًا لهمّه وغمّه وحزنه وضعف توكّله؛ لوقوعه بين أمرين: بين ترجيح المصلحة الظاهرة، وترجيح ذلك التفاؤل.
فالحمد لله الذي أرشدنا إلى ما فيه صلاحُ معاشِنا ومعادِنا، وراحةُ قلوبنا، ونجاتُنا مِن كلِّ همّ وغمّ وحَزَن، فالحمد لله رب العالمين.
стр. 389
[القسم الثاني من الغيب]
[٢٠٤] وأما القسم الثاني من الغيب، وهو ما يكون غيبًا بالنسبة إلى بعض الخلق دون بعضهم، فهو ثلاثة أنواع:
الأول: ما يختصّ بمشاهدته الملائكة، كما فوق السموات، فهذا يلتحق بالقسم الأول. ومِن هذا أحوال الموتى، كما يدلّ عليه حديث «الصحيحين» (١) في عذاب القبر، وفيه في ذِكْر الكافر: «فيصيح صيحةً يسمعها من يليه غير الثقلين».
النوع الثاني: ما يختص بمشاهدته الجن، أي دون الإنس، وهذا يمكن الإنس الإطلاع عليه بإخبار الجن، كما سيأتي تفصيله.
الثالث: ما يشاهده البشر، وهذا بالنسبة إلى من أدركه منهم ببعض الإدراكات المشتركة بين البشر مشاهَدٌ لا غيب، وبالنسبة إلى مَن لا يدركه غيب، فيكون الشيء الواحد غيبًا غير غيب، أي غيبًا بالنسبة إلى بعض البشر غير غيب بالنسبة إلى غيره، بل قد يكون الشيءُ غيبًا غير غيبٍ مع اتحاد الشخص، ولكن باعتبارين، بأن يكون غير غيب بالنسبة إلى إدراكه ببعض الحواسّ، غيبًا بالنسبة إلى إدراكه بحاسّةٍ أخرى، وذلك كالأعمى ونحوه يلمس بعض الأشياء، فإنه غير غيبٍ بالنسبة إلى لمسه، وغيبًا (٢) بالنسبة إلى بصره.
وهذا النوع إذا كان غيبًا فإن البشر يستدلّون عليه بأمور منها ما يحصّل
стр. 390
العلم، وهو إظهار الله تعالى للأنبياء وإخبار الأنبياء لأصحابهم، ونَقْل عدد التواتر من أصحابهم، ونقل عدد التواتر ممن شاهد ذلك الشيء. ومنها ما لا يُحصِّل العلم، وهو الرؤيا والتحديث، بأن يُعْلِمه المَلَك بالطريقة المذكورة في القسم الأول، أو يشاهده بنفسه، فيحدِّث به في قلب المؤمن على نحو ما مرّ (١).
ومنها الكَهَانة، وقد مرَّت حقيقتُها في القسم الأول (٢)، ولكنها هاهنا تتوسّع؛ لأن الجنّ متمكِّنون من مشاهدة الحوادث الأرضية، ومِن قَطْعِ المسافات البعيدة في المدّة القصيرة، قال الله تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩].
وكَذِبُهم وكَذِبُ الكهّان إنما هو في القسم الأول لاحتياجهم إلى الكذب، لأنهم لا يتحصّلون بعد المخاطرة وهلاك كثير منهم إلّا على بعض الكلمات التي لا تفي بالمعنى، فيتخرَّصون الكذب لإتمام المعنى. [٢٠٥] فأما في الحوادث الأرضية فلا داعي لهم إلى الكذب، ولاسيَّما إذا علموا أنّ وليَّهم الإنسيَّ إذا كَثُر صدقُه في الإخبار عن الحوادث البعيدة اعتقد الناسُ فيه العقائد الزائفة، فإن الشياطين يحرصون حينئذٍ على صدق الحديث بمقدار حرصهم على إضلال الناس.
ويمكنهم اطلاع الشياطين على الحوادث الأرضية بالمشاهدة وبالسماع من الجن ومن الإنس ممن شاهد ذلك أو سمع به أو ظنه بطريقٍ من طرق