فالجواب: أن قوله ﵌ ذلك يدلّ أن قلبه ﵌ توجّه إلى ربِّه في قضاء حوائج هذا الأعمى مطلقًا، فهو كلما أراد أن يسأل الله حاجةً فإنما يتوسّل إليه بذلك التوجُّه. وعلى ذلك حديث السؤال بحقِّ السائلين، فقوله ﵌: «اللهم إني أسألك بحقّ السائلين عليك» معناه: أسألك بحقّ سؤالي، وأما ما بعده فواضح.
وأما حديث الاستشفاع فليس من التوسُّل في شيءٍ، وإنما معناه إنا نطلب منك الشفاعة، وعلى هذا فيجوز (١) للإنسان التوسُّل بجميع أعمال نفسه مطلقًا، وكذا بعمل غيره الذي قام الدليل الشرعيُّ على أنه ينفعه في حاجته التي يريد التوسُّل به فيها خاصة [٢٢٨]، كالتوسل في السُّقيا بدعاء الغير بها، وهذا يوافق توسُّل الصحابة بالعبّاس، وذلك أنهم إنما كانوا يسألون النبي ﵌ أن يدعو لهم بالسُّقيا في ذلك الوقت، فدعاؤه بذلك عمل ينفعهم في تلك الواقعة فقط، فإذا أجْدَبوا مرةً أخرى احتاجوا إلى دعاءٍ آخر بها، فلما قُبِض رسول الله ﵌ وأجدبوا لم يمكن أن يدعو لهم النبي ﵌ بالسُّقيا حينئذٍ، فطلبوا الدعاء من عمه لفضله وقرابته، وتوسَّلوا به لكونه عملًا ينفعهم في السُّقيا حينئذٍ.
ويُستنتج مما ذكر أن الرجل من أمة محمد إذا عمل عملًا ثبت عن رسول الله ﵌ الدعاءُ لفاعله كان له أن يتوسّل بدعاء النبيّ ﵌ فيما دعا له به، فكأن يصلي أربعًا قبل العصر عملًا بحديث أحمد والترمذي وأبي داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله
стр. 317
صلى الله عليه وآله وسلم: «رحم الله امرءًا صلى قبل العصر أربعًا» (١). فله أن يتوسَّل في طلب الرحمة بدعاء النبي ﵌ له فيها، ولو أطلق التوسل بالنبي ﵌ في ذلك، ناويًا التوسّل بذلك الدعاء فلا بأس كما جاء في حديث الأعمى وغيره.
ولا يقال: إن شَفَقة النبي ﵌ ورحمته بأمته تدلّ أنه كان يدعو لهم بكل ما ينفعهم، فنتوصل بذلك إلى جواز التوسّل مطلقًا.
لأننا نقول: عدول الصحابة ﵃ إلى التوسّل بالعبّاس ﵁ ينافي ذلك. فالمتعيّن قَصْر ذلك على ما ورد بالنص، كصلاة أربع قبل العصر.
وقد يُجاب عن هذا بأن يقال: إن كان المراد بالتوسّل السؤال بحقّ ذلك العمل وفضله عند الله تعالى، والإقسام به عليه، فهو ممنوع كما مَرَّ نقلُه عن «الفتح» في حديث الغار، مع أن حديث الغار وتوسّل الصحابة بالعبّاس لا يَدُلّان عليه أصلًا، وغيرهما مقدوح فيه كما مَرَّ.
وإن أُريد بالتوسّل مجرّد ذكر العمل استنجازًا للوعد، مع المحافظة على الأدب والحذر من الاعتماد على العمل، فهذا هو الذي سبق تقريره في حديث الغار، وهو حقّ لا شُبهة فيه. والله الموافق.
[٢٢٩] أقول: هذا آخر ما تيسَّر لي كتابته في هذا البحث، ومَن تأمّله حقَّ تأمّله عَلِم أنّ مدار التوسّل على حديث الأعمى، فمن أراد معرفة الحق فعليه
стр. 318
أن يحقق البحثَ فيه والنظرَ في حاله حتى يطمئنّ قلبُه، فيعمل بما ظهر له.
وقد رأيتُ في «شرح الإحياء» (١) ما لفظه: وأخرج البيهقي في «الدلائل» والنسائي في «اليوم والليلة» من طريق أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عثمان بن حنيف، فذكر قصة فيها حديث الأعمى هذا ولفظه: «فقال له النبي ﵌: «ائت الميضأة فتوضّأ، ثم ائت المسجد فصلّ ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجّه إليك بنبيك نبيّ الرحمة، يا محمد إني أتوجّه بك إلى ربي فتجلي لي عن بصري، اللهم شفِّعه فيّ وشفّعني في نفسي ... » إلخ. ثم ذكر مَن رواه من الأئمة من طريق عُمارة بن خزيمة على نحو ما أسْلَفنا، فإن صحّت روايتُه من طريق أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمّه زالت غرابةُ الحديث في نفسه.
وقد سبق في تأويله والجمع بينه وبين غيره من الأدلة ما علمتَ، فراجِعْ ما هناك والله يتولّى هداك.
وأما العامة فتمسّكهم بالتوسّل بأنواعه هو فرعٌ عن تمسّكهم بالتقليد كل منهم لفقهاء المذهب الذي التزمَه من غير تفريق بين العقائد وغيرها، فتنازلهم إلى التوقف عن التوسّل لا يتم حتى يتنازلوا عن الانكباب على التقليد في كل شيء.
والذي أختاره لنفسي: أن أُكْثِر من الصلاة على النبي ﵌ أوّل الدعاء وأثنائه وآخره، وأتتبّع الأدعية الواردة في الكتاب والسنة
стр. 319
والإرشادات التي جاءت عن النبي ﵌ في آداب الدعاء، وأكتفي بالترضِّي والترحُّم والاستغفار للعلماء والصالحين، وأدَعُ التوسُّل عملًا بحديث الحسن السبط ﵁: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (١) أخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث الحسن السِّبط ﵁، وما في معناه من الأحاديث.
وأرجو أن تكون هذه الطريقة هي الأسلم؛ لأني على يقين أنه لو ثبت التوسّل المتعارَف ثم تركه إنسانٌ لم يكن عليه إثم؛ إذ لا قائل بوجوبه، فكيف والحال أنه لم يثبت؟ فتَرْكه بنيّة الإحجام عما لم يطمئنّ القلبُ بثبوته مما أرجو أن يأجرني الله تعالى عليه.
فمن أحبّ السلامة فهذا سبيلها، ومَن أقْدَم على التوسُّل فهو وما تولّى، ولا أقطع بخطئه ولا ضلاله، بل أرجو له التوفيق والهداية إن شاء الله تعالى.
стр. 320
[بحث في اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدًا]
[ص ١] قال المانعون: ومِن المحدَث اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدًا.
وأول مَن أحدَث ذلك العُبيديون بمصر ثم توسّع الناسُ فيه، فألفّوا في ذلك القصص المشتملة على الآثار الموضوعة والضعيفة، والتأويلات البعيدة، كما تراه في قصة المولد المعروفة بـ «شرف الأنام». وكما في بعض قصص المعراج المشتملة على الحديث الطويل الذي نصَّ أئمة الحديث أنه موضوع، وغير ذلك. والتزموا قراءة قصة المولد في غير ليلته، وصاروا ينذرون قراءتها، ويجتمعون لأجلها، ويذبحون ويطعمون، وينشدون الأشعار، وفوق ذلك صاروا يجعلون لكل من وُسِم بالصلاح عيدًا ليلة مولده أو ليلة موته، ويجتمعون لذلك، ثم يقرأون فيها قصصًا مؤلَّفة في أخباره مشتملة على أشياء يكذّبها كتاب الله تعالى وسنة رسوله، مِن دعوى علم الغيب وغيرها.
وجعلوا لكل مَن يوسَم بالصلاح عيدًا في كل سنة يجتمعون عند قبره، وينحرون النحائر، إلى غير ذلك. ويرتكبون فيها كثيرًا من المحرّمات زاعمين أن ذلك الميّت يتحمّل ذلك عنهم، يعنون أن الله تعالى لا يؤاخذهم على ذلك إكرامًا له، إلى غير ذلك من المحدَثات التي ينكرها الدين والعقل.
قال المجيزون: أما اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدًا، فهذا من المحبّة له ﵌، ومحبته شرط الإيمان.
стр. 321
قال المانعون: محبّته ﵌ التي هي شرط الإيمان هي أن يكون أحبّ إلينا من والدينا وأولادنا والناس أجمعين. والمحبّة شيءٌ في القلب يعلمه الله تعالى، وعلامتها المحافظة على ما يحبّه المحبوب، واجتناب ما يكرهه. وكلُّ مسلم يعلم أن أحبّ الأشياء إلى النبي ﵌ هو التمسُّك بسنته والعضّ عليها بالنواجذ، وأن أبغض الأشياء إليه هو الإحداث في الدين والابتداع فيه.
وصحَّ عنه ﷺ قوله: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». قال بعض الأئمة: كان النبي ﵌ يردّد هذا الكلام في عامة خُطبه.
وهذه الأمور التي أحدثتموها في باب [الدين] (١) لو كان في ذلك شيءٌ من القُربة لَأَمَر به النبي ﵌ في حياته أو فعله أصحابه بعد وفاته، لكن تلك القرون الفاضلة مضت كلُّها وليس فيها من هذا شيءٌ، وإنما أُحدِث بعد ذلك، فهو محدَث ــ والنبي ﵌ يقول: «شر الأمور محدثاتها» ــ وبدعة، وهو ﵌ يقول: «كل بدعة ضلالة».
قال المجيزون: فإنه يُقاس على العيدين والجمعة وعاشوراء مما ثبت اتخاذه عيدًا لوقوع نعمة من العامة فيه (٢)، ولا شكّ أن ولادته ومعراجه ﵌ مِن أعظم النعم.
стр. 322
قال المانعون: هذا الأمر محدَث قطعًا، فما معنى الاستدلال عليه؟ وما لكم وللاستدلال؟ فإنما أنتم مقلدون، وقد مضى (١) الأئمة الأربعة وغيرهم من المجتهدين على عدم هذا، فوجب عليكم أن تتمسكوا بمذاهبكم كما ألزمتم أنفسَكم. وعلى التنزُّل فهذا القياس باطل في ذاته أولًا، لعدة وجوه؛ منها: أن النِّعَم التي في العيدين والجمعة تتكرر بتكرُّرهما.
وأما عاشوراء فإنه ليس بِعيد، وإنما نُدب صيامه فقط. وفي «الصحيح» (٢) أن النبي ﵌ كان يصومه بمكة موافقةً لقريش فيما لم يبدّلوه من دين إبراهيم. وعلى هذا فلم يجدد له رؤية اليهودَ يصومونه حُكمًا.
وبقية الوجوه تُعْلَم من تفصيل هذا القياس، ببيان الأصل والفرع والعلة وغير ذلك مما يطول ذكره ونحن في غنًى عن ذكره.
ولمعارضته للسنة وإجماع الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ثانيًا.
[ص ٢] ولو ساغ الاستدلال بهذا القياس لاتُّخِذَت أيام السنة كلها أعيادًا. والحاصل أن بطلان هذا الاستدلال من أوضح الواضحات (٣).
قال المجيزون: فإن الاجتماع في هذه الليالي داخل تحت عموم الاجتماع للذِّكْر وتعلّم العلم وغير ذلك.
стр. 323
قال المانعون: الاجتماع الذي ينبغي دخوله تحت العموم هو ما كان يقع مثله في عهده ﵌، ثم في عصر أصحابه ومَن بعدهم من القرون الفاضلة، وهو مطلق الاجتماع الذي لا يُتحرّى له هيئة مخصوصة، ولا ذكر مخصوص ولا يوم مخصوص من أيام السنة، فهذا هو الذي يصلح لدخوله تحت عموم الأمر بالاجتماع للذكر. فأما الجمعة والعيدين فإنها ثبتت بأوامر خاصة.
وفوق هذا فإن الهيئة والذكر المخصَّصان للمولد محدَثان أيضًا، فإن ما تسمونه ذِكرًا هو قصة مشتملة على الآثار الموضوعة والضعيفة، والهيئة تشتمل على إنشاد القصائد بالألحان والترجيع، وغير ذلك. وبعضهم يزيد مع ذلك الضرب بالدفوف.
قال المجيزون: أما قولكم: إنها مشتملة على الآثار الموضوعة والضعيفة، فلا نُسَلِّم أن فيها الموضوع، وأما الضعيف فمسلَّم، ولكن قال العلماء: إنه يُعمل بالضعيف في الفضائل ونحوها من القَصَص والمواعظ، ويجوز روايته بدون بيان ضعفه.
وأما إنشاد القصائد بالألحان، فهذه مسألة مشهورة، قد تكلم عليها الغزالي وغيره، وقد ثبت إنشاد الشعر والضرب بالدفوف بحضرته ﵌.
قال المانعون: أما بيان ما في تلك القصص من الموضوعات [فلن] نتفرَّغ له الآن، ولعلّنا نتفرّغ له في وقت آخر إن شاء الله تعالى.
وأما العمل بالضعيف فله شروط أشار إلى بعضها النووي
стр. 324
في «التقريب» واستدرك السيوطي في شرحه زيادة عليها (١).
فمنها: أن لا يكون في العقائد ولا في الأحكام.
ومنها: أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج مَن انفرد من الكذّابين والمتهمين بالكذب ومَن فَحُشَ غلطُه.
ومنها: أن يندرج تحت أصل معمول به. ومثاله: جمع كثير من الأئمة أربعين حديثًا عملًا بما رُوي عن أبي الدرداء قال: سُئل رسول الله ﵌ ما حدُّ العلم الذي إذا بلغه الرجل كان فقيهًا؟ فقال رسول الله ﵌: «مَن حفظ على أمتي أربعين حديثًا في أمر دينها بعثه الله فقهيًا، وكنت له يومَ القيامة شافعًا وشهيدًا» رواه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢).
وهو حديث ضعيف، ولكن كثير من الأئمة جمعوا أربعينات؛ لأنهم رأوا أنه مما لا خلاف فيه: أن جمع سنة رسول الله ﵌ من أعظم القُرُبات بأيّ عددٍ كان، وهذا أصل معمول به بلا خلاف، وهو يشتمل ما إذا كان المجموع أربعين أو أقل أو أكثر، فمَن جمع منهم أربعين كان عاملًا بهذا الأصل الصحيح وملاحظًا العمل بذلك الحديث الضعيف، أي: إن كان صحيحًا في نفس الأمر فقد عمل به، وإلا فهو عامل بالسنة قطعًا، لدخول عمله تحت ذلك الأصل المعمول به.
[ص ٣] والحاصل: أن عملهم بالحديث الضعيف ليس إلا في تعمد عدم
стр. 325
النقصِ عن الأربعين، وقد يكون اقتصارهم على الأربعين لشغل كانوا فيه، أو ليفهموا الناس أنهم عملوا بهذا الحديث الضعيف، وإلا فليس في الحديث أن مَن زاد على الأربعين لا ينال ذلك الفضل، بل هو مُفهم بفحوى الخطاب: أن مَن زاد على الأربعين كان أولى بذلك الفضل وزيادة. والله أعلم.
ومن الشروط: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوتَه.
وقال النووي قبل هذا: وإذا أردت رواية الضعيف بغير إسناد فلا تقل: قال رسول الله ﵌ كذا، وما أشبهه من صيغ الجزم، بل قل: رُوِي كذا، وبلغنا كذا، أو: وَرَد، أو: جاء، أو نُقِل، أو ما أشبهه، وكذا ما يُشك في صحته. انتهى.
وتلك الآثار التي ننتقدها عليكم ليست مُستكملة للشروط، بل منها ما هو في العقائد، ومنها ما ضعفه شديد، ومنها ما لا يندرج تحت أصل معمول به، بل فوق ذلك هو معارض للآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة.
وأيضًا فالعامة عندما يسمعون ذلك يعتقدون ثبوته، مع كون مؤلفي القَصَص يحكونه بصيغة الجزم. وهَبْهُم حَكوه بصيغة التمريض، فإن ذلك لا يكفي في حق العوام بخلاف [ص ٤] العصور التي أُجيز فيها رواية الضعيف بشروطه، والاكتفاء بحكايته بصيغة التمريض عن التصريح بضعفه، فإن الناس كانوا حينئذٍ يعرفون الفرقَ بين صيغة التمريض وصيغة الجزم، فيفهمون أن الحاكي بصيغة التمريض غير قائل بصحة ذلك الأثر. فأما في هذه الأعصار فإنه بعد وجود الشرائط كلِّها لابد من الإشارة إلى عدم الجزم بصحة الحديث إشارةً يفهمها العامة، فإن الاقتصار في الإشارة على صيغة التمريض يوقع القاصَّ وسامعيه في الخطر.
стр. 326
أما القاص فلأنه حكى لهم الحديث الضعيف حكايةً يفهمون منها أنه صحيح، فقد أخذ بنصيبه من الكذب على رسول الله ﵌.
وأما السامعون فلأنهم يفهمون أن تلك الآثار صحيحة فيعتقدون مضمونها وأنها صحيحة، ويبادرون بتضليل كلِّ مَن سمعوه يقول: إنها ضعيفة، فينتهكون بذلك حُرمة الدين وحرمة علماء الدين بالوقوع في أعراضهم، وربما استجراهم الشيطان إلى أذيتهم في أنفسهم (١).
وهذا فيما يتعلّق بالآثار المتعلقة بشيء من أحوال النبي ﵌، أما الآثار المتعلقة بمن يُعرف بالخير والصلاح، فالأمر فيها أشد، إذا كان فيها ما يكذّبه القرآن؛ فيكون اعتقادها كفرًا والعياذ بالله تعالى.
وأما إنشاء القصائد بالألحان، وقولكم: إنه قد ثبت مثل ذلك، وضربُ الدفوف بحضرته ﵌، فنعم قد وقع شيء من ذلك بحضرته ﵌، ولكن لا على أنه من الدين ولا علاقة له بالدين، بل على أنه من الأمور الدنيوية التي تباح في أوقات مخصوصة، يُباح فيها الإقبال على أمور الدنيا وزينتها، فأخرجا في «الصحيحين» (٢) عن عائشة أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى، تدفّفان، وتضربان، وفي رواية: تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، والنبي ﵌ متغشٍ بثوبه، فانتهرهما أبو بكر، فكشف النبي ﵌ عن وجهه، فقال: «دعهما يا أبا بكر؛ فإنها أيام عيد»، وفي رواية: «يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا».
стр. 327
فالجاريتان إنما كانتا تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، وليس في ذلك مِن ذكر الله ولا الصلاة والسلام على رسوله شيء، ومع ذلك فإن نهي أبي بكر لهما واضح الدلالة على أنه كان يعلم النهي عن مثل ذلك، وظن أن النبي ﵌ لا يعلم به لكونه نائمًا، فنهاهما، فقال له ﵌: «دعهما فإنها أيام عيد». فقوله: «فإنها أيام عيد» علةٌ لقوله: «دعهما». وفي هذا تقرير منه ﵌ لأبي بكر على [ص ٥] النهي فيما عدا ما تتناوله العلة. ومقتضى الكلام أن ما تعلمه من النهي عن مثل هذا صحيح، إلا أنه مقيدٌ بأن لا يكون في أيام العيد، فإن أيام العيد يشرع فيها إظهار الزينة والتبسُّط في الأمور الدنيوية التي من شأنها ترويح النفس، كلبس الجديد، والتطيُّب، والتنظّف، ونحو ذلك.
والحاصل أن الذي يدل عليه الحديث دلالة واضحة: أن التدفيف والغناء بما فيه ذكر الحرب ونحوه غير جائز، إلا أنه يترخّص فيه أيام العيد، فهو دليل على أن ذلك مجرد رخصةً رخّص فيها ﵌ لزوجته وأقرَّها عليه، كما أقرها على اللعب بالبنات، ففي «الصحيحين» (١) عن عائشة ﵂ قالت: كنتُ ألعب بالبنات عند النبي ﵌، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﵌ إذا دخل ينقمعن منه، فيسرّبهن إليَّ فيلعبن معي.
وفي «سنن أبي داود» (٢) عنها قالت: قدم رسول الله ﵌ من غزوة تبوك أو حنين، وفي سهوتها ستر، فهبَّت ريح فكشفت ناحيةَ
стр. 328
السّتر عن بناتٍ لعائشة لعب، فقال: «ما هذا يا عائشة؟» قالت: بناتي. ورأى بينهن فرسًا له جناحان من رقاع، فقال: «ما هذا الذي أرى وسطهنّ»؟ قالت: فرس. قال: «وما هذا الذي عليه». قالت: جناحان: قال: «فرس له جناحان!». قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه.
ثم إنَّ فِعْل مثل ذلك في أيام العيد حسنٌ لثبوت الرخصة، وأما في غيرها فالأصل المنع إلا ما ثبت بدليل. كالعرس، [ص ٦] ففي «صحيح البخاري» (١) عن خالد بن ذكوان عن الرُّبيِّع بنت معوّذ بن عفراء قالت: جاء النبي ﵌ حين بُني عليَّ فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلتْ جُويريات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قُتِل من آبائي يوم بدر إذ قالت إحداهن: «وفينا نبيّ يعلم ما في غد» فقال: «دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين».
ثم إن إبدال أشعار الحرب بما فيه ذِكْر لله تعالى، وإبدال أيام العيد والعرس بمجامع الذكر، وإبدال البيوت بالمساجد، وإبدال الترخّص بذلك، واعتقاد كونه من الزينة التي يُترخّص بها أيام العيد والعرس باعتقاد كونه عبادة= لا يخفى أنه من أفحش البدع.
وأما ما زعمه بعضُهم من أن أوقات قراءة قصة المولد هي من أوقات الأفراح، بل هي أعظم الأفراح بذكرى ولادة النبي ﵌ وسيرته؛ فتقاس على أيام العيد والعرس وغيرها من أيام الأفراح؟
стр. 329
فالجواب: أنَّ هذا باطل لوجهين:
الأول: أن أيام العيد والعرس والختان هي أوقات أفراح أسبابُها حادثة، وأما قراءة قصة المولد فإنما هي ذكرى فرح قد مضى وقت سببه. وما مثل ذلك إلّا مثل من أنشأ قصيدة [ص ٧] في ذكر عرسه، أو ذكر ختان ولده، وصار ينشدها كل يوم، ويدفّف عليها بحجة أنها متعلقة بعرس أو ختان.
فإن قيل: فإن في ذِكْر ولادة الرسول ﵌ زيادة فرح.
قلنا: وكذلك في ذكرى العرس، وختان الولد، وعلى كل حال فبطلان القياس واضح.
الوجه الثاني: أن المسألة من أصلها محدَثة.
قالوا: وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إني نذرتُ أن أضرب على رأسك بالدفّ، قال: «أوفي بنذرك» رواه أبو داود (١).
قلنا: قد أسلفنا أن ضرب الدف في أوقات الفرح مما يترخّص به، ويبين هذا الحديث ما أخرجه الترمذي (٢) من حديث بريدة قال: خرج رسول الله ﵌ في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله، إني كنت نذرت إن ردَّك الله صالحًا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنّى. فقال لها رسول الله ﵌: «إن
стр. 330
كنتِ نذرتِ فاضربي وإلا فلا» فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليّ وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها، ثم قعدت عليه. فقال رسول الله ﵌: «إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسًا وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلتَ أنتَ يا عمر ألقت الدُّف» رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
أقول: والآثار الواردة في النذر تدل أنَّه يلزم فيما عدا المعصية، وما لا يُطيقه أو كان فيه مشقة شديدة، فيدخل في هذا نذر المباح، وخلاف الأَوْلى بل المكروه فيما يظهر. ففي «سنن أبي داود» عن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﵌ أن ينحر إبلًا ببوانة، فأتى رسولَ الله ﵌ فأخبره. فقال له رسول الله ﵌: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟ » قالوا: لا، قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ » قالوا: لا، فقال رسول الله ﵌: «أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم».
وأنت خبير أن السفر إلى بوانة ــ على فرض كون الرجل لم يكن ساكنًا بها وهو الظاهر ــ فيه لولا النذر إتعاب للنفس لغير غرضٍ شرعيّ، وهذا لا يبعد أن يكون مكروهًا. ثم إن العدول عن نحر الإبل في الحرم خلاف الأولى، ولاسيّما والصدقة على فقراء الحرم أولى من الصدقة على فقراء بوانة.
وحديثُ السوداء ظاهر في أن الفعل الذي نذَرتْه منهيّ عنه، لولا النذر؛ لقوله ﵌: «وإلا فلا». أي: وإن لم تكوني نذرت
стр. 331
فلا تضربي.
[ص ٨] والنهيُ حقيقة للتحريم. فظاهره: أنها إن لم تكن نذرت حرم عليها ذلك الفعل، لكن النهي مصروف عن ظاهره، بدليل الإذن لها بالفعل إن كانت نذرته.
وقد عُلم من الأحاديث الصحيحة أنه لا يلزم النذر في معصية الله تعالى، فتبقى الكراهة. فالظاهر ــ والله أعلم ــ أن ذلك الفعل الذي نذَرَتْه مكروه في نفسه، ولكنه جاز للنذر. ويؤيّد هذا قوله ﵌: «إن الشيطان يخاف منك يا عمر» إلخ، إلى أن قال في بيان علة أن الشيطان يخاف من عمر: «فلما دخلتَّ أنتَ ألقت الدفّ». وهذا واضح في أنّ في فعلها ذلك نصيبًا للشيطان. وبهذا يظهر أن قدوم الغائب ونحوه ليس مما يُشْرَع فيه التدفيف إلا أن يُنْذَر. وأنه إن نذر في مثل ذلك شُرع الوفاء به وفاءً بالنذر، وإن كان فيه للشيطان نصيب.
هذا ولا يخفى أن قدوم الغازي سالمًا سبب من أسباب الفرح، فلا يدلّ كون التدفيف في مثله غير معصية على كونه غير معصية مطلقًا. ومع هذا فقدومه ﵌ من الغزو سالمًا سبب للفرح حدَثَ حينئذٍ، فلا يُقاس عليه نحو المولد والمعراج؛ إذ ليس هذا إلّا مجرد ذكرى كما مرَّ.
ومع هذا فقد كان النبي ﵌ في حال حياته كثيرًا ما تعرض بحضرته الأشياءُ الجِبلِّية، فيعمل فيها ما يقتضيه الحال من الأفعال المباحة في مثل تلك الأحوال. وأما بعد وفاته فإن ذكره متصل بذكر الله تعالى لا ينفكّ عنه، فيجب أن يُراعى عند ذكره ما يُراعى عند ذكر الله تعالى من الأدب والرغبة فيما عند الله تعالى، ومراعاة ما كان يُراعى في عهده
стр. 332
صلى الله عليه وآله وسلم في مواطن الذكر. هذا في ما كان موافقًا للسنة من ذكره ﵌. فأما ما لم يكن موافقًا فإنه خطأ من أصله.
وقد بقيت آثارٌ غير ما سبق يتمسَّكُ بها المجيزون، وفيما قدمناه ما يُعلم به الجواب عليها.
ومما يحتاج إلى ذكره هاهنا: أن هؤلاء القوم يستدلّون على جواز الرقص بحديثِ حُكمِه ﵌ في حضانة ابنِ عمِّه حمزة، وفيه قوله ﵌ لعلي: «أنت مني وأنا منك»، ولجعفر: «أشْبَهتَ خَلْقي وخُلُقي»، ولزيد: «أنتَ أخونا ومولانا»، وأنّ كلًّا منهم حَجَل عند ذلك (١).
والجواب: أن الحجل هو عبارة عن رفع إحدى الرجلين والحفز على الأخرى. وهذا وإن كان من الحركات غير الاعتيادية، فليس هو من الرَّقْص في شيء، ومع ذلك فإنه من الأفعال الجِبِلّية [ص ٩] التي الأصل فيها الإباحة، وعَرَض لهؤلاء الثلاثة فعله، لِمَا داخل كلًّا منهم من الفرح بتلك البشارة، وغايةُ ما يُستفاد من الحديث إباحة ذلك في مثل ذلك الحال. كما يستفاد من الأحاديث المذكور فيها الضحك: إباحة الضحك فقط، وكما يستفاد من حديث مسابقته ﵌ لعائشة (٢) على (٣) مجرد الجواز.
стр. 333
والحاصل أنّ استدلالكم بهذا الحديث باطل من وجوه:
الأول: أنهم إنما حجلوا ولم يرقصوا. والحَجْل دليل الشدة والرجولية، بخلاف الرقص والتثنِّي.
الثاني: أن ذلك جرى منهم من باب الأفعال الجِبِليَّة، كالضحك. فلا يجوز اتخاذ ذلك عبادة.
الثالث: أنهم في ذلك الوقت ــ وإن كانوا بحضرته ﵌ ــ لم يكونوا في ذكر لله تعالى. بل كانوا في محاورة معه ﵌، والمحاورةُ معه حيًّا يُضْطَر معها إلى وقوع كثير من الأشياء الجِبِلّية، كالضحك وغيره. ولاسيَّما وكانوا في سفر، والسفر مما يترخّص فيه بمثل هذا ترويحًا للنفس من مشقَّته. ومن هذا مسابقته ﵌ لعائشة في بعض أسفاره (١).
فأما الذكر وسَماع العلم فإن السنة فيه: الخشوع والخضوع والإخبات، وقد ورد في بيان الإحسان: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (٢).
ومن الواضح أن المؤمن إذا استشعر بأنَّ الله يراه كانت عبادته على تمام الخضوع والسكون. بخلاف ما لم يكن عبادة، كحال عليّ وجعفر وزيد.
الرابع: أن هذا وقع مرةً واحدة في عهده ﵌، وأما في الفعل المطّرد في طول عهده فهو كما ورد في وصفهم: كأنما على
стр. 334
رؤوسهم الطير. نعم، الحديث يدلّ على أن مثل ذلك الفعل في مثل تلك الحال جائز. كأن يكون أحدنا مسافرًا فيلقى أحدًا يبشره بما يسرّه، فأما في غير ذلك فلا.
وبهذا وغيره تبيَّن أن اعتيادكم للرقص عند الذكر بدعة قبيحة، وإلى الله المشتكى.
واستدلوا أيضًا بحديث لعب الحبشة بحرابهم (١)، ولا دليل في هذا؛ لأنه من تعلُّم هيئة القتال.
واستدلوا أيضًا بحديث الترمذي (٢) عن عائشة قالت: كان رسول الله ﵌ جالسًا فسمعنا لَغَطًا وصوت صبيان، فقام رسول الله ﵌ فإذا حبشيّة تُزْفِن والصبيان حولها .. الحديث إلى أن قالت: إذ طلع عمر فارفضَّ الناسُ عنها. فقال رسول الله ﵌: «إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فرُّوا من عمر».
[ص ١٠] والجواب: أن هذا من باب اللعب واللهو الذي ليس بحرام بدليل إذنه ﵌ أن تنظر إليه وهي حينئذٍ (٣) صبية صغيرة تستأنس إلى ما يلهو به الصبيان، كما ورد في لعبها بالبنات وغير ذلك.
وقالت في حديث لعب الحبشة: فاقدروا قدر الجارية حديثة السن،
стр. 335
الحريصة على اللهو.
ولكن قوله ﵌ في آخر الحديث: «إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عُمر» يدلُّ على الكراهة. وإنما أقره ﵌ بيانًا للجواز. وفيه مع ذلك نحوٌ مما تقدم.
وما أقبحَ الجهلَ والعنادَ! فِعْلٌ من الأفعال الجِبلّية معلوم بالضرورة أنه من اللهو واللعب وإنما وقع التقرير عليه مرة أو مرتين لبيان الجواز، فيجيء هؤلاء القوم يجعلونه من العبادة التي شرع الله تعالى لخلقه أن يستعملوها عند ذكره. وما أسوأَ هذا الفعلَ حيث يُقرَن بين ذكر لله تعالى وبين هذه الأفعال التي هي من اللهو واللعب! فما أجرأ من يفعل ذلك على الله تعالى، وأجْهَلَه بالأدب معه ! بل ما أوهنَ إيمانَه؛ فإن كمال الإيمان الإحسان، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
والخلاصة: أننا نقول لهؤلاء القوم: النزاعُ بيننا وبينكم في التطريب والتدفيف والرقص عند ذكر الله تعالى، والتزامُ ذلك دائمًا وعدُّه من وظائف العبادة وشرائط الذكر؛ هل كان الأمر عليه في عهد رسول الله ﵌، أو عهد أصحابه، أو عهد التابعين، وتابيعهم من المجتهدين وغيرهم، أو لا؟ وعلى التنزُّل فهل ورَدَ في دليلٍ صحيح أن النبي ﵌ فَعَل التطريبَ، أو التدفيفَ، أو الرقص في وقت ذكر الله تعالى، أو أذِنَ فيه، أو أقرّ عليه؟ كلّا، لم يكن شيء من ذلك. وهذا كافٍ في الدلالة على أن ما يفعله هؤلاء القوم مُحْدَث، وكلّ محدثةٍ بدعة، وكل بدعة ضلالة، وإلى الله المتشكى وعليه المتكل وهو غني عن العالمين.
* * * *
стр. 336
[ص ١١] الحمد لله
بعد هذا قرأت في «تاريخ المحبّي» (١) في ترجمة إبراهيم الصمادي الواعظ ما لفظه: «ومنهم مسلم الكبير مذكور في نسبهم (٢)، وهو صاحب الطبل المستقرّ عندهم من نحاس أصفر كان معه في فتح عكة يضربون به عند سماعهم ووَجْدهم، وقد سُئل كثير من العلماء عنه فأفتى البدر الغزي والشمس بن حامد والتقوي ابن قاضي عجلون بإباحته في المسجد وغيره قياسًا على طبول الجهاد والحجيج؛ لأنها محركة للقلوب إلى الرغبة في سلوك الطريق، وهي بعيدة الأسلوب عن طريقة (٣) أهل الفسق والشر».
أقول: قوله: لأنها محركة للقلوب ... إلخ، يريد أن ذلك هو العلة المبنيّ عليها القياس، وهي الترغيب والتنشيط لسلوك ما في سلوكه مشقة من الخير.
والجواب: بمنع كون هذا الوصف هو العلة في الأصل. لِمَ لا تكون العلة هي قصد اهتداء من ضلّ من المجاهدين والحجاج؛ لأن المسافرين مع كثرتهم يتخلّف بعضهم لقضاء حاجته، ويعيى بعض المشاة، وتعيى دابّة بعض الركبان، وتشرد بعض دوابهم، ويعرِّس بعضهم وراء الجيش، ويبتعد بعضهم في طلب الماء أو طلب الظلّ في الهاجرة، أو طلب الطريق إذا ضل الدليل، وغير ذلك. ويعرض لهم ذلك دائمًا، فلا يكفي مجرّد التصويت لدفعه= لا جَرَم رُخِّص لهم في التطبيل.
стр. 337
ولو سُلّم أن في الوصف الذي ذكره مناسبة، فَلَنا أن نمنع كونه تمام العلة، لِمَ لا تكون العلة مجموع الوصفين، أي ما ذكره هو من التنشيط والترغيب وما ذكرناه نحن من الإعلام.
ولو تنازلنا بتسليم أن مجرّد الوصف الذي ذكره علة تامة، فيُعترض بأن المشقة وصف غير منضبط. ولو تسامحنا في هذا، فهي في الفرع أقلُّ مناسبة من الأصل؛ إذ مشقة السفر أشدّ من مشقة ذكر الله تعالى.
ولو تغاضينا عن هذا فيُعارَض بأن التطبيل بأي كيفية كان ظاهرٌ في قصد اللعب، وإباحته في سفر المجاهدين والحجاج لتخفيف المشقة لا يعارضها شيء، بخلافه في حالة الذكر والمساجد، فإنه يعارضه أن فيه انتهاك الحُرْمة.
ففي «صحيح مسلم» (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «مَن سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردّها الله عليك، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا». هذا مع أن نَشْد المرء لضالته مما ينبغي له؛ لما في تركه من تضييع المال. ونشد الضالة في المسجد له مناسبة لاجتماع الناس فيه، ولاسيَّما وقد يكون للمسجد أبواب، وإذا خرج الناس من المسجد اختلطوا وتكلموا، فوقعت الضوضاء فلا يقوم النّشْد خارج المسجد مُقامه داخله والناسُ مجتمعون هادئون. ومع ذلك فالمنع من ذلك عام، وأين هذا من التطبيل؟ !
وفي «صحيح البخاري» (٢) عن السائب بن يزيد قال: كنتُ قائمًا في
стр. 338
المسجد فحصبني رجل، فنظرت، فإذا هو عمر بن الخطاب ﵁ فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: ممن أنتما، أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﵌.
ليت شعري لو رأى عمر هؤلاء الناس في بعض بيوت الله يضربون بطونهم ويرقصون ويصفقون ويغنون بالألحان، ويحرفون ذكر الله تعالى، ويذكرونه بما لم ينزل به من سلطان، ما كان يقول لهم؟ !
ثم إن في التطبيل تشتيت ذهن الذاكرين وغيرهم من المصلين، والمقصود من الذكر [ص ١٢] الإقبال على الله تعالى، وتصوّر معاني الذِّكر، والتخلّي عن سائر الشواغل والخواطر.
فإن زعموا أنه لا يشغلهم ذلك عن الذكر فقد كذبوا، فقد كان القرآن يشغل الصحابة ﵃ عن الصلاة، ولذلك ورد: «لا يَشغَلنَّ قارئُكم مُصلّيكم» (١) وما في معناه. وفي «الصحيحين» (٢) عن عائشة قالت: صلَّى رسول الله ﵌ في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها
стр. 339
نظرة، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتْني آنفًا عن صلاتي». ومثل هذا في السنّة كثير.
مع أن أكثر المريدين الذين يحضرون الذكر من العامة الذين جلّ همهم التفرّج واللعب، وربما كان لبعضهم أغراض فاسدة، نسأل الله تعالى السلامة.
ومع التجاوز عما ذُكر، فنسأل المفتين هل يطردون علَّتهم في كل ما يطلب فيه الترغيب من الخير، كصلاة الجمعة والجماعة، وقراءة القرآن وتعلّم العلم وغير ذلك، فيكون المؤذّن يحضر معه طبلًا يطبّل به بعد الأذان ليرغّب الناسَ في الحضور. وعند الصلاة يؤتى بصبيان يطبلون لترغيب المصلين وتنشيطهم ولاسيّما في قيام رمضان، ويصنع ذلك في المسجد الحرام ومسجد النبي ﵊، ومسجد بيت المقدس، وغيرها من المساجد، فيصبح الدين مكاءً وتَصْديَة، ولاسيّما إذا ضموا إلى ذلك الغناء بالألحان والأصوات الحسان ليكون ذلك أبلغ في الترغيب والتنشيط قياسًا على الحَدْوِ في السَّفَر.
فإن استحيوا من الله تعالى ومِن رسوله وكتابه ومِن المسلمين، فذلك المطلوب، وإن ارتكب المفتون ما يقتضي الطرد، قلنا لهم: فإن حكم الصلوات والجُمَع والجماعات والاجتماعات لقراءة القرآن وتعلّم العلم والاجتماع للذّكر الذي هو الفرع المتكلَّم فيه في مسألتنا معلوم من السنة المتواترة والإجماع المقطوع به المطبق عليه في القرون الثلاثة الفاضلة، وعدّة قرون بعدها= وهو حرمة التطبيل في شيء من ذلك، مع وجود الاجتماعات للذكر وغيره ووجود الطبول ووجود قصد الترغيب.
стр. 340
فلو فُرِض انتظام القياس لكان معارضًا بالسنة المتواترة والإجماع القطعي، فكيف يعتبر والسنة تَثبت بالترك كما تَثبت بالفعل؟ قال الشوكاني في «إرشاد الفحول» (١): «تركه ﵌ للشيء كفعله في التأسّي به فيه، قال ابن السمعاني: إذا ترك الرسول ﵌ شيئًا وجب علينا متابعته فيه، ألا ترى أنه ﵌ لما قُدِّم إليه الضبّ فأمسك عنه، وترك أكله= أمسك عنه الصحابة وتركوه إلى أن قال لهم: «إنه ليس بأرض قومي فأَجِدُني أعافه» وأَذِن لهم في أكله ... » إلخ.
ولو أردنا استيفاء ما يتعلق بالمقام لطال الكلام ولكن فيما ذكرناه كفاية، فقد أبطلنا ذلك القياس ببضعة أوجه، كل واحد منها كافٍ في المطلوب، وأنه تبين لكل عاقل أن التطبيل في المسجد أو عند الذكر بدعة ضلالة. والله المسؤول أن يهدينا وسائر المسلمين ويوفّقنا لاتباع سراطه المستقيم.
стр. 341
المسألة الثالثة
النداء للغائبين والموتى وغيرهم
• تمهيد.
• المقام الأول: علم الغيب.
• المقام الثاني: في تصرُّف بعض بني آدم في الكون.
• المقام الثالث: النداء والطلب.
стр. 342
(١) [٢٣١] إذا تقرَّر ذلك فلا يخفى أنه قد شاع بين الناس النداءُ للغائبين والموتى، والطلبُ منهم ومن الحاضرين ممن يُعرف بالصلاح للأشياء التي لا يقدر عليها البشر عادةً.
والكلامُ على هذا يستدعي النظر في ثلاثة مقامات:
الأول: في الاطلاع على الغيب.
الثاني: في قدرة بعض البشر على التصرّف في الكائنات بما لا يقدر عليه البشر عادةً.
الثالث: في النداء والطلب.
* * * *
стр. 343
[*١] (١) المقام الأول
علم الغيب
العلم والمراد به القطعي ثلاثة أقسام:
القسم الأول: العلم الذاتي، وهو علم الله ، ويلحق به علم المخلوق المُدرِك له بذاته بسببٍ عاديّ، أي: لا باستناده إلى إخبار غيره له، ولا باستناده إلى سببٍ غير عاديّ.
القسم الثاني: العلم الخارق، أي المستند إلى سببٍ غير عاديّ، أو إلى سببٍ عاديّ ولكن بكيفية غير عادية.
القسم الثالث: العلم الخبري، أي المستند إلى الإخبار.
والغيب: عبارة عما غاب عن إدراك المخلوق له بعلمه الذاتي عادةً، وهو قسمان:
الأول: ما هو غائب عن الخلق كلهم عادةً.
الثاني: ما يختلف باختلاف الخلق، بأن يكون غيبًا بالنظر إلى مخلوق، غيرَ غيبٍ بالنظر إلى آخر.
فالصور ست:
الأول: العلم الذاتي بما هو غيب عن جميع الخلق عادةً.
стр. 344
الثانية: العلم الذاتي بالأشياء التي تختلف باختلاف الخلق.
الثالثة: العلم الخارق بما هو غيب عن جميع الخلق عادةً.
الرابعة: العلم الخارق بالأشياء التي تختلف باختلاف الخلق.
الخامسة: العلم الخبري بما هو غيب عن جميع الخلق عادة.
السادسة: العلم الخبري بالأشياء التي تختلف باختلاف الخلق.
فأقول مستعينًا بالله (١):
[*٢] الصورة الخامسة: العلم الخبريّ بما هو غيب عن جميع الخلق.
لا يخفى أن العلم الخبري إنما يحصل بأحد خمسة أمور:
الأول: بخطاب الله ﷻ للمخلوق مباشرةً من وراء حجاب.
الثاني: بخَلْقه العلمَ الضروريَّ في القلب.
الثالث: بخطاب المَلَك المعلومُ أنه مَلَك.
وهذه الثلاثة هي الواردة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١].
الرابع: بخطاب النبيّ.
الخامس: بإخبار عدد التواتر.
стр. 345
أما الأول والثاني، فإنه في الدنيا كالصورة الرابعة يعمّ وقوعه للأنبياء جميعهم، ولبعض الملائكة، ويدّعيه بعضُهم لبعض الأولياء، وفي الآخرة لجميع المؤمنين. والله أعلم.
وأما الثالث، فإنه يقع في الدنيا للأنبياء جميعهم وللملائكة؛ بأن يخبر بعضُهم بعضًا، وليس فيه ما يقع للشياطين التي تسترق السمع كما سيأتي (١)، ويدّعي بعضُهم وقوعَه للأولياء، وسيأتي الكلامُ فيه إن شاء الله تعالى (٢). وأما في الآخرة فإنه يقع لجميع الناس.
فإن قيل: فظاهر القرآن وقوعه؛ وقع لحوّاء إذ كانت في الجنة، ولإبليس إذ كان في الجنة.
قلت: الله أعلم هل كان خطاب حوّاء مباشرة أو بواسطة آدم؟ وهل كان خطاب إبليس مباشرة أو بواسطة بعض الملائكة؟ فإن ثبت وقوعُه مباشرةً فهما حينئذٍ في الجنة، وقد تقدّم أنه يقع في الآخرة لجميع أهل الجنة. والله أعلم.
وأما الرابع، فإنه ممكن لكلّ مَن لقي النبي ﵌ في حياته، سواء في الدنيا أو في الآخرة، فأمّا مَن لقيه في الرُّؤيا فإن إخباره حينئذٍ لا يحصِّل العلم كما سيأتي إن شاء الله تعالى (٣).
ويدّعي بعضُ الأولياء الاجتماع بالنبيِّ ﵌ بعد
стр. 346
موته يقظةً، وهذا إن صحّ فهو في حكم الرؤيا، فلا يحصُل بإخباره العلم كما سيأتي إن شاء الله تعالى (١).
وأما الخامس، فهو ممكن لكل أحدٍ.
وأما ما قد يقع بواسطة الخارقة، كإخبار الطفل الذي لم يبلغ حدَّ النُّطق، وإخبار الحيوانات غير الناطقة، وإخبار الجمادات= فإنّ ذلك لا يحصّل للمُخْبَر العلم القطعيّ بصدق الخبر، لتطرّق الاحتمالات إلى جميع ذلك فتأمّل.
وكذا ما يقع من إخبار الجن للكُهّان ومَن في معناهم، وما يقع من إخبار النائم في التنويم المغناطيسي، فإنه لا يحصِّل القطع أيضًا.
* * * *
стр. 347
[فصل في أنه لا يعلم الغيب إلا الله، ولا يعلمه لا نبي ولا ولي]
[*٣] (١) قال الله تعالى لرسوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال له: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية [الأنعام: ٥٧ - ٥٩].
وقال له: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. والعلمُ المنفيُّ في هذه الآية يتناول العلمَ الذاتيّ، ويتناول الإظهار على جميع الغيب؛ بدليل قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. واستكثارُ الخير وعدمُ مسّ السوء لا يتوقّف إلّا على مطلق المعرفة بالغيب، سواء بالعلم أو بالاطلاع، فتأمَّل.
وحكى عن نبيه نوح مثل ذلك، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [هود: ٣١].
стр. 348
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية [الإسراء: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٥ - ٢٨].
دلّت هذه الآية أنه وحدَه عالمُ الغيب فلا يُظهر على غيبه أحدًا إلا مَن ارتضى من رسله فإنه يطلعه على ما لا بدّ منه لأداء الرسالة، بعد أن يسلك من بين يديه ومن خلفه رَصَدًا من الملائكة يحفظونه من تلبيس الشياطين وتخييلهم، وهي مُبيّنة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]. والآيات في هذا كثيرة.
وانظر قصة نبيِّ الله يعقوب ومُكْثه تلك السنين العديدة لا يعلم أين ابنُه ــ ﵉ ــ وإن كان قد أُعْلِم أنه حيّ.
стр. 349
[فصل في علم النبي ﷺ بالغيب]
[فإن قيل: إن الله قد أظهر نبيَّه محمدًا ﵌ على جميع الموجودات، فقد روى معاذ بن جبل قال: احتبس عنّا رسول الله ﵌ ذات غداةٍ عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعًا، فثُوّب بالصلاة، فصلّى رسول الله ﵌ وتجوَّز في صلاته، فلما سلّم دعا بصوته قال لنا: «على مصافّكم كما أنتم»، ثم انفتل إلينا، ثم قال: «أما إني سأحدثكم ما حبسني] (١) [*٤] عنكم الغداة: أني قمت من الليل فتوضأتُ وصليتُ ما قُدِّر لي، فنعستُ في صلاتي حتى استثقلتُ، فإذا أنا بربّي في أحسن صورة، فقال: يا محمد! قلت: لبيك ربّ، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري، قالها ثلاثًا.
قال: فرأيته وضع كفّه بين كتفي حتى وجدت بَرْد أنامله بين ثديي، فتجلّى لي كل شيءٍ وعرفتُ، فقال: يا محمد، قلت: لبيك ربّ، قال: فيمَ يختصمُ الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفَّارات .... » الحديث.
رواه أحمد والترمذي (٢) وقال: «حسن صحيح، وسألتُ محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث صحيح».
стр. 350
فيقال: إن ظاهر قوله: «فتجلّى لي كلُّ شيء» العموم في سائر الموجودات، فيكون الله تعالى أظهره حينئذٍ على جميع الكائنات.
والجواب: أن المراد ــ والله أعلم ــ كلّ شيء مما يختصم فيه الملأ الأعلى، كما يدلّ عليه السياق، فإن السؤال إنما وقع على ذلك، والإظهار إنما وقع ليعلم ذلك كما هو ظاهر من السياق.
فإن قيل: فإن في بعض روايات الحديث: «فتجلّى لي ما في السموات والأرض، وتلا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]» (١).
قلت: إن صحّ بهذا اللفظ فيحتمل أن يكون مِن تصرُّف بعض الرواة، فَهِمه من قوله: «فتجلّى لي كلُّ شيء وعرفتُ» أن المراد كلّ شيءٍ في السموات والأرض، فروى بالمعنى الذي فهمَه، ويُبْعِد هذا تلاوة الآية.
وعلى كل حال فلا أظنَّ هذا اللفظ يصح؛ لأن الظاهر من معنى الآية،
стр. 351
كما يدلّ عليه ما بعدها، أن المراد ــ والله أعلم ــ بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ أي: نوجّه نظرَه إلى أشياء من آيات مُلْكنا في السماوات والأرض، ونفتح له بسببها فهمًا واستدلالًا يؤكّد يقينه في نفسه، ويكون له حجةً على قومه. فإنّ عقب هذه الآية: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ الآيات، وظاهر ترتيبها بالفاء أنها من ثمرة قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي﴾ وهذا ظاهر فيما قلناه.
وقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ استفهام بِحَذْف أداته لتكون على صورة الإخبار، فيظن قومه أن ذلك منه إخبار، وأنه موافق لهم في دينهم، ليكون ذلك أدعى إلى نظرهم وتأمّلهم وعَقْلِهم الحجة فيه (١)، والله أعلم.
[*٥] ومما يدلّ على أنه ليس المراد من الآية أن الله تعالى أظهر إبراهيم على جميع الغيب قولُه بعد هذه الآيات: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام: ٨٠]. ولما جاءه الملائكة لم يعرف أنهم ملائكة، بل ذهب فجاءهم بعجلٍ حنيذٍ، فلما رأى أيديهم لا تَصِل إليه نَكِرَهم وأوجس منهم خيفة.
وفي حديث «الصحيحين» (٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «لم يكذب إبراهيم ... » الحديث «بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبارٍ من الجبابرة، فقيل له: إن ههنا رجلًا ... » الحديث،
стр. 352
وفي آخره: «فأتته ــ أي إبراهيم ــ وهو قائم يصلي فقال: مَهْيَم ... » الحديث.
والحاصل أنه من أَمْحَل المحال أن يُظهر الله عبدًا من عبيده على جميع غيبه، وحسبك أن الله تعالى متعبِّد عبيدَه بالدعاء، فكيف يدعو العبد فيما قد عُلِم أنه واقع أو غير واقع، وقد قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧ - ١٨٨].
ومرّ (١) أن قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ كما يدلُّ على عدم العلم الذاتيّ يدلّ على عدم الإظهار على جميع الغيب، لأن استكثاره الخير وعدم مسّ السوء له لازمٌ لإظهاره على جميع الغيب، كما هو لازم للذّاتي، فلا يتمّ المنع إلا بامتناعهما معًا.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ وما بعده يدلّ على أن الساعة لم يُظْهِر اللهُ على وقتها أحدًا من خلقه، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
[*٦] وأما الأحاديث الدالة على ما قدمنا فهي كثيرة لا تُحصى، ففي حديث جبريل الثابت في «الصحيحين» (٢): «متى الساعة؟ فقال: ما
стр. 353
المسؤول عنها بأعلمَ مِن السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمةُ ربَّتها، وإذا تطاولت رُعاة الإبل البهم في البنيان، في خمسٍ لا يعلمهنَّ إلا الله، ثم تلا النبي ﵌: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]» الحديث.
وفي «الصحيحين» (١) أيضًا عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «مفاتح الغيب خمس لا يعلمهنَّ إلّا الله، فقال: لا يعلم أحدٌ ما يكون في غدٍ، ولا يعلم أحدٌ ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفسٌ ماذا تَكْسِب غدًا، ولا تدري نفسٌ بأيّ أرضٍ تموت، وما يدري أحدٌ متى يجيء المطر».
وأخرج الإمام أحمد والبزَّار والضياء المقدسي في «المختارة» (٢) وغيرهم عن بُريدة قال: سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: «خمسٌ لا يعلمهنّ إلا الله: إن الله عنده علم الساعة ... » (٣) [الحديث.
وأخرج] (٤) الشيخان والترمذيّ والنسائيّ وأحمد وغيرهم عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ قالت: مَن زعم أن محمدًا ﵌ يخبر الناسَ بما يكون في غدٍ ــ وفي رواية: يعلم ما في غدٍ ــ فقد أَعْظَم
стр. 354
على الله الفِرْيَةَ، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) [النمل: ٦٥].
والعلم المنفيّ في الآية والأحاديث هو العلم الذاتيّ، فلا يُنافي أنّ الله تعالى قد يُظهر الرسلَ على شيءٍ من الخَمْس وغيرها، فهذا القرآن مَلْآنُ بالإخبار عما سيكون يوم القيامة، وهو داخلٌ فيما سيكون في غدٍ.
وأحاديثُ الشفاعة نصٌّ على أنه ﵌ أُعْلِم ببعض ما سيكون له يوم القيامة، وذلك داخل في قوله تعالى: ﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾. والمراد بالعلم فيها العلم القطعيّ، فلا يُنافي هذا ظنّ نزول المطر وغيره، وظنّ صاحب الرؤيا والمحدَّث، وظنّ المنجّم والكاهن ومَن في معناهما.
نعم إن الله تعالى لا يظهر أحدًا كائنًا مَن كان على كل شيءٍ من غيبه، بل الثابت إظهار الرسل على بعض الجزئيات بحسب ما تقتضيه الحكمة.
[*٧] والحاصل أن الأدلة على أنه ﵌ لم يكن مُظْهَرًا على جميع الغيب لا تُحصَى من الكتاب والسنة، وبذلك يتعيّن حمل قوله ﵌: «فتجلّى لي كلُّ شيء وعرفتُ ... » على الأشياء التي يختصم فيها الملأ الأعلى، كما يدلّ عليه السياق (٢).
стр. 355
وهذا أولى من أن يقال: إن الله تعالى أظهره حينئذٍ على ما في السموات وما في الأرض ثم سَتَر ذلك عنه. وأولى من أن يُقال: إن هذا الإظهار كان في آخر عمره ﵌، فلا يلزم عليه عدم الاحتياج إلى الوحي، ولا عدم التكليف بالدعاء، ولا غير ذلك من الأشياء؛ لأن راويه معاذ بن جبل ﵁ خرج إلى اليمن قبل وفاة النبي ﵌ بكثير.
وسيأتي قريبًا ما يدلّ على أنه ﵌ لم يُظْهَر على جميع الغيب بعد موته، ومنه حديث «الصحيحين» (١) في ذكر الحوض، وفيه: أنه يقال له ﵌: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك».
[*٨] وقد بقي حديثٌ آخر أخرجاه في «الصحيحين» (٢) عن حذيفة قال: «قام فينا رسول الله ﵌ مَقامًا ما ترك شيئًا يكون في مَقامه ذلك إلى قيام الساعة إلَّا حدَّث به، حَفِظه مَن حَفِظه، ونسيه مَن نسيه، قد عَلِمَه أصحابي هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيتُه، فأراه فأذكره كما يذكر الرجلُ وجهَ الرجلِ إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه».
والجواب عنه: أنَّ المراد ما ترك شيئًا من الأمور العظيمة والفتن الجسيمة، كما يدلُّ عليه حديث أبي داود (٣) عن حذيفة قال: «والله ما أدري،