ثم عقَّبه بقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ أي: عظيمًا شنيعًا. فلم يمنعه ﵇ علمه بفضل الخضر وعلمه بالوحي من الله تعالى، وإعلامه أنه سيرى منه ما ظاهره منكر، وشرطه عليه أن لا يسأله عن شيءٍ من ذلك= لم يمنعه هذا كلُّه وغيرُه أن ينكر عليه ما ظنَّه منكرًا، ولم يقل: «لعل لها عذرًا وأنت تلوم» (١).
ثم أكّد عليه الخضر الشرطَ وأعْلَمه أن ذلك لأمرٍ ما من الأمور التي نبَّهه عليها، فلم يمنعه ذلك أن يُعاود الإنكار لمّا عاود الخضر مثل ذلك الفعل بقتل الغلام.
وقد يقال: إن قوله أولًا: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ استفهام على أصله، وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ﴾ إلخ أي: إن كان الأمر كذلك.
ولكن يَرِدُ عليه أنه لا يتأتَّى مثل هذا في قضية الغلام، فتأمل.
وقد علمتَ أن دلائل الكتاب والسنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عامة مطلقة، وقد كان بعض الصحابة ﵃ يرمي بعضًا منهم بالنفاق إذا فلت منه عمل يُشبه عمل المنافقين، وقد تكرّر ذلك من عمر ابن الخطّاب ﵁ بحضرة النبي ﵌ ولم ينكره
стр. 422
عليه، وإنما بيّن له خطأه، كما في قصة حاطب وغيرها (١).
ثم إن الواجب على المنكَرِ عليه أن يُبيّن عذرَه كما فعله الخَضِر. وقد ثبت في الحديث أنّ أم المؤمنين صفية زارت رسولَ الله ﵌ وهو معتكف في المسجد فقام معها يُشيّعها، وإذا برجلين مارّين، فناداهما رسول الله ﵌: «على رِسْلِكما إنما هي صفية بنت حُيي ... » (٢) الحديث.
ولم يزل الصحابةُ يُنكر بعضُهم على بعض والأئمة مِن بعدهم، [١٢٥] مع أن قصة الخضر إنما هي في أشياء مخصوصة، وأين هي من دعوى بعضهم التصرّف في جميع الكون حتى لا تتحرك ذرّة إلا ... (٣)؟
ثم إن دعوى بعضهم التصرّف في أحوال الكون كلها خيرها وشرّها يستلزم ارتفاع التكليف؛ لأن أكثر أحوال الكون جارية على خلاف الشريعة، وهذا كله خرافات لا ينبغي لعاقل الالتفات إليها ولا الاشتغال بها لولا الضرورة الملجئة إلى ذلك، وإلى الله المشتكَى!
وأما الموتى فالأمر في حقهم أوضح، ومَن تأمل أدلّة العقل والنقل وجدَها صريحةً في إبطال ما يدّعيه بعضُ الناس لبعض الصالحين مِن التصرّف في الكون، وإنما غرّهم أمور:
стр. 423
أولها (١): أن كثيرًا من الناس يلبس ثياب الزور، بانتحال الفضل والصلاح، ويتزَهَّد ويتقشّف ويتورّع= يتذرّع بذلك إلى اعتقاد الناس فيه، وإقبالهم عليه، وتعظيمهم له. وقد يستعين بما يحسنه من شعبذة ومخرقة واستعانة بالشياطين وغير ذلك.
وقد يكون الشيخ في نفسه صالحًا، ولكن يُبتلى بأصحاب سوء يحاولون أن يأكلوا به الدنيا، فهم لا يألون جهدًا في التقوّل عليه ولاسيَّما إذا مات؛ فإن أولاده وأتباعه يعرفون أنه بموته أدبرت عنهم الدنيا، فيسعون في حفظها بالأكاذيب والخُرَافات والإشاعات الباطلة، وربما ساعدتهم الشياطين لإضلال الخلق، كما كانت تفعل في الجاهلية عند الأصنام والأبداد، وكما روي مِن فعلها مع الأسود العنسي، وكما يقع من فعلها مع الدجّال.
[١٢٢] ولا يخلو حالهم عن أحد أربعة أمور:
الأول: أن يكونوا من أهل الزيغ والإلحاد، تستّروا باسم التصوّف وإظهار الزهد والتقشّف؛ ليكيدوا الإسلام والمسلمين. وهذا هو الذي يقطع به كثيرٌ من أجلّة العلماء، بحجَّة أن جميع المذاهب التي جاء بها هؤلاء القوم هي مذاهب معروفة عن الأمم الزائغة من قدماء اليونانيين الفلاسفة وغيرهم، وكذلك العادات هي عادات أولئك، والأحوال أحوالهم، والأقوال أقوالهم. ومَن راجع كتب المقالات وعَرَف أقوالَ الفلاسفة وغيرهم من الطوائف الكفرية لم يستبعد هذا.
стр. 424
الثاني: أن يكونوا أناسًا من أهل الإسلام، ولكن تلاعَب بهم الشيطان، فصوّر، وزوَّر، وخيَّل، وهوّل؛ فأراهم الحق باطلًا والباطل حقًّا.
الثالث: أن يكونوا من أهل الخير والفضل والصلاح، ولكنهم أرادوا أن يتكلّموا بتلك الكلمات التي ظاهرها كفر وجحود وإلحاد في الدين استدعاءً لتكفير الناس لهم وذمّهم إياهم؛ ليكتسبوا بذلك كسرَ نفوسهم، والأجرَ باعتداءِ الناسِ عليهم. ولهم مثل ذلك حكايات ثابتة في كتبهم؛ كذلك الرجلِ الذي دخل بلادًا، فاعتقد أهلُها فيه، وأجلّوه وعظّموه، فَكِره ذلك، فاختار أن يذهب إلى الحمّام فيأخذ ثياب الناس منه ويخرج بها ليعتقدوا أنه سارق، فيضربوه ويشتموه ويسيئوا الظنَّ به، فكان ذلك.
الرابع: أن يكون لهم في كلامهم مرادات صحيحة، ولكنهم عمَّوها على الناس، فجعلوه من قبيل الإلغاز، كما هو شائع في كلامهم، كقول بعضهم: «إن الله لا يعلم الغيبَ» مستندًا إلى أنه لا غيبَ بالنسبة إلى الله تعالى. وكقول بعضهم: «بذكر الله تزداد الذنوب». [١٢١] يعني بالذّكر التذكُّر، وأن التذكُّر يستلزم النسيان، كأنه أخذه من قول الشاعر (١):
حلفتُ بالله أني لست أذكره ... وكيف يذكره مَن ليس ينساه؟
ومثل هذا في كلامهم كثير.
ومَن يحسن الظن بهم يختار هذا الأخير، ولكنه ليس كافيًا في الذبّ عنهم إلا أنه يخفف الأمر.
стр. 425
* حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض (١) *
فإنها تبقى عليهم اللائمة من حيث إنهم عرَّضوا أنفسهم للتهمة، وعرّضوا الناس للوقوع في أعراضهم، وأشدّ من ذلك أنهم عرّضوا من يعتقد فيهم إلى الضلال باعتقاد ظواهر تلك الأقوال.
والذي يظهر أنّ كلّ أمرٍ من هذه الأمور يوجد عند طائفة منهم، وقد نشأ بعدهم ناس ليسوا على شيء من ذلك، وإنما اغترّوا بكلام مَن سَبَقهم، فأخذوا يقلّدونه ويمثّلونه ليحرزوا لأنفسهم مثل منازل أولئك في قلوب الناس، ويجتلبوا بها الشهرة والحطام، وهذا فاشٍ في كل جهة.
وإذا طالعتَ كتاب الشَّعْراني الذي سماه «تنبيه المغترّين» علمت كثرةَ هؤلاء المقلدين المتشبّهين في زمانه وقبل زمانه.
والذي ندين الله تعالى به حُسْن الظن بأشخاصهم أنهم لا يعتقدون ما تدلّ عليه مقالاتهم، وإنما قالوها لغرضٍ من الأغراض التي ظنوها حَسَنة، أو كُذِبت عليهم أو غير ذلك.
ولا يمنعنا ذلك من انتقاد كلامهم، وإنكار المنكر منه، والتصريح بما تقتضيه الحال، مِن أنّ اعتقاد المعنى الظاهر منه كفر أو فسق أو خطأ أو جهل، أو سوء أدب، بحسب رُتْبَته في ذلك.
فهذا دين الله تعالى الذي لا سلامة إلا فيه، وننصح لجميع المسلمين بأن يعرضوا عن تلك الكتب والمؤلفات في أخبارهم وأحوالهم.
стр. 426
[١٢٠] والقومُ أنفسُهم مصرِّحون أنه قد تلبّس بطريقتهم مَن ليس من أهلها، وإنما قصد بذلك التستّر بجلبابها لإظهار دسائسه وتنفيذ أغراضه. وبذلك يتبين لك أنه إن كان في كلامهم حق فقد التبس بالباطل خصوصًا مع قول بعضهم كالشعراني: إن القوم ابتلوا بأعداء ينسبون إليهم ما لم يقولوه، ويزيدون في كتبهم وينقصون ويحرّفون ويبدّلون ويُغيّرون، وأنه نفسه فُعِل في كتبه ذلك كثيرًا. وبما ذُكِر تصير كتبهم أشبه بالكتب التي بأيدي النصارى واليهود، بل هي أضرّ منها؛ لأن المسلمين جميعًا عارفون بأن كتب النصارى واليهود محرَّفة مبدّلة، وقلوبهم نافرة عنها، ولا كذلك كتب هؤلاء القوم، فافهم.
[١٢٣] وهذه من الشبهات التي رابتِ الناسَ في الصوفية؛ لأن الحق كله معروف واضح، وفي الحديث: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها» (١). وإن كان هناك أمور قد تخفى عن الجُهّال، فلن تخفى على العلماء، والعلماء هم العارفون بكتاب الله تعالى وسنة رسوله، وإن لم يكونوا كثيري العبادات والمجاهدات.
وإن سُلِّم أن ثَمَّ أسرارًا غامضة تدِقّ عن فهم غالب الناس إلا مَن اختصه الله تعالى بالولاية، فالواجب كتمان مثل هذه الأمور، فمَن أبدى لنا صفحتَه أنكرنا عليه.
وكثير من المتأخرين ألَّفوا كتبًا فيها كلام يضادّ ظواهر الشريعة كلَّ المضادّة، وسَعوا في إماتة إنكار المنكر، وتحسين تحسين الظنّ بأقصى
стр. 427
جهدهم، فأبدوا فصولًا طويلة في ذمِّ سوء الظن، وجمعوا أقاصيص فيما يلحق المنكِر على أمثالهم من الضرر!
وهب أن مثل ذلك يقع، فإنه محمول على السحر، وقد ثبت في «الصحيحين» (١) أن لبيد بن الأعصم اليهودي سَحَر رسولَ الله ﵌ حتى كان يُخيّل إليه أنه فَعَل الشيء ولم يفعله، أي من أمر دنياه، فأما أمر الدين فإنه معصومٌ فيه قطعًا.
وادّعوا أن لهم اصطلاحات وأذواقًا لا يعرفها غيرهم، وأن لهم شطحات وإطلاقات تجري على ألسنتهم حال الفَناء لا يُراد بها ظاهرها.
والحاصل أنهم بنوا خُطّتهم على نظام محكم، وأعَدّوا لكلِّ شيءٍ عُدَّته قائلين: إن مقالاتنا هذه لا تصادف إلا أحد رجلين؛ رجلًا مغفّلًا يتمسّك بها ويعتقدها، وهذا هو مرادنا. ورجلًا ثابتًا في دينه يعلم أنها منكر، فقد أعددنا له عدّته بما يمنعه عن قصدنا بالشرِّ. ثم لا تزال دعوتنا تفشوا وتشيع في الناس على هذا المنوال. وقد صدّقوا على الناسِ ظنَّهم، فإنه لما شاعت تلك الكتب بين الناس لم تَلْقَ إلا قليلًا من المنكرين، والجمهور على عدم الإنكار، منهم من حَسَّن الظن، ومنهم من خاف المضرّة، ومنهم من افتتن بها فعمل بظاهرها، حتى كان منهم من يدّعي ارتفاع التكليف، ومَن يزعم أن الولي قد يكون أفضل من النبي، إلى غير ذلك مما إن كنت سمعتَ به فقد سمعتَ، وإلا فخيرٌ لك أن لا تسمع.
ولا شك أن أوائل هؤلاء القوم كالجنيد وأصحابِه أئمةُ هدى وصلاح
стр. 428
وتقى وعملٍ بدين الله الأعلى، واتباعٍ لسنة نبيّه المصطفى. وجاء بعدهم مَن علمتَ.
[١١٩] ومع هذا فإننا لا ننفي أن تكون لبعض الصالحين في حال حياتهم كرامات، وإن كثرت بعد القرون الأولى، بخلاف عهد الصحابة وما بعده؛ فإنه قد يُقال: لما كانت كرامات الأولياء تفارق معجزات الأنبياء من حيث إن المعجزات لا تشتبه بالباطل من السِّحْر وغيره بخلاف الكرامات= كانت المصلحة أن لا توجد الكرامات في الصحابة ومَن بعدهم بكثرة، إذ لو وُجدت فيهم بكثرة، وهي مشابهة لما يجري على أيدي السَّحَرة لقالت الأمم: إنْ هؤلاء إلا سَحَرة تعلّموا السحرَ مِن صاحبهم، وإذًا لارتاب المبطلون، ولكن لما رأت الأممُ الصحابةَ مِن أبعد الناس عن السِّحْر وما يُشاكله ويشابهه= علموا أن هذا الدين دين حقٍّ لا ريب فيه.
ولكني مع هذا لا أقول: إن كل ما يدّعيه القصاصون صحيح، كيف وأكثرها حكايات منقطعة عن مجاهيل لا يُدرَى ما حالهم؟ ومنها ما هو محال لا يمكن وقوعُه بحال، وإنما هو من وَضْع بعض أهل الضلال أو المغفّلين الجُهَّال، ومنها ما لم يقع وحكايته كذب محض، ومنها ما هو سِحْر وشعوذة، ومنها ما هو صحيح.
وعلى كل حال فإنه لا يتعلق به حكم من أحكام الإسلام غير حُسْن الظن أو سوئه. وهذا ينبغي وزنُه بميزان الاعتدال، فإن كان الشخصُ ملازمًا للطاعات، عاملًا بالكتاب والسنة، مُعظِّمًا لهما، وذلك أن الأحكام الشرعية ليس لها طريق إلا كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵌ بما يدلّان عليه دلالةً معتبرة، من جنس ما كان يستدلّ به الرسولُ صلى الله عليه
стр. 429
وآله وسلم، ثم أصحابه مِن بعده، ثم العلماء المجتهدون، كالأئمة الأربعة وغيرهم= فالظاهر أن الخارقَة الواقعة على يده كرامة فينبغي احترامُه القدرَ المشروع، وسؤالُ الدعاء منه. وإن كان بخلاف ذلك فالأمر بالعكس.
والمراد بأحكام كتاب الله تعالى وسنة رسوله: الأحكامُ الظاهرة منهما، المدلول عليها بإحدى الدلالات المعتبرة في اللسان العربي والشرع المحمدي، فلا عبرة بدعوى فهمٍ غامضٍ من الكتاب أو السنة بدلالةٍ غير معتبرة. نعم، إن كان ما ادّعوا فهمه لا يخالف شيئًا من الظاهر مع تصديقهم بالظاهر فالأمر سهل. والله الموفق لا ربّ غيره.
стр. 430
[ص ١١٠] المقام الثالث
النداء والطلب
قد تبيّن مما مضى أن المخلوق لا يعلم الغيب ولا يطلعه الله عليه، إلا أن يكون نبيًّا، فيطلعه الله تعالى على بعضٍ من الغيب، لا على جميعه، وذلك في حال حياتهم، فأما بعد وفاتهم فإنهم في الرفيق الأعلى مشغولون بما هو خير وأبقى.
وعُلِم أن المخلوق لا يملك شيئًا من الأشياء إلا ما كان يقدر عليه البشر بما جرت به العادة، وأما غير ذلك فإنما يملك الدعاء به في حال حياته الأولى في الدنيا أو الثانية يوم القيامة؛ وعليه فنداء الغائب:
إن كان باعتقادِ أنه يسمع فهو اعتقاد باطل قطعًا؛ لأن فيه اعتقادًا أنه يعلم الغيب، وهذا تكذيبٌ لكتاب الله تعالى وردّ للسنن الصحيحة.
أو باعتقاد أنه يُبلّغ في كل شيء فكذلك؛ لأنه إن كان نبيًّا فقد يُبلَّغ وقد لا يُبلَّغ، وإن كان غير نبيّ فإنه لا يبلّغ حتى لو كان محدَّثًا، لما مرّ أنه إنما يُقْذَف في خاطره في بعض الأشياء، ولا يحصل له بذلك إلا مجرّد الظن.
أو مع الإيمان بأنه إنما يُبلَّغ في بعض الأشياء، فإن كان نبيًّا فمسلَّم أنه قد يبلَّغ، ولكن ذلك لا يُسوّغ النداء؛ لأن النداء لا يكون إلا لمن يترجّح أنه يسمعه، وإن كان غير نبيّ ففيه تكذيب بكتاب الله تعالى كما مرّ.
وكذا الميت مع البُعْد عن القبر على نحو ما مرّ في الغالب، ويختص هذا بزيادة أنه لم يثبت التبليغ للنبي ﵌ بعد موته إلا في الصلاة عليه، وأما مع القُرب من القبر، فكذلك عند من ينفي سماع الموتى، كما دلّ عليه القرآن. ومَن يجوِّز سماعَهم فإنه لا يجوّز نداءهم، وهو عنده
стр. 431
من أقبح البدع إلا ما ورد من السلام في زيارة القبور فلا بأس به اتفاقًا، وهو مؤول بنحو قوله: «يا أرض ربي وربك الله» (١).
وأما الطلب فإن كان لشيءٍ يملكه المطلوب منه، فإن كان مما يقدر عليه مثلُه بالأسباب العادية، فهو جائز ما لم يرد الشرع بمنعه، كالطلب من الساحر أن يسحر، فإنه حرام. وإن كان لما لا يملكه المطلوب منه، أي بأن كان مما لا يقدر عليه مثله بالأسباب العادية، فلا يسوغ طلبه منه وإن كان نبيًّا أو محدَّثًا لما مرَّ أنه إنما يملك من ذلك الدعاء لا غير.
هذا في حال إحدى حياتَيه، فأما حال وفاته (٢) ففي «صحيح البخاري» (٣) عن أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت: وارأساه! فقال رسول الله ﵌: «ذاك لو كان وأنا حيّ، فأستغفرُ لكِ وأدعو لكِ ... » الحديث.
وأما الشفاعة يوم القيامة فإن النبي ﵌ موعود بها، وإنما يملكها يوم القيامة. ومع هذا فإن الدعاء قد لا يُستجاب لسَبْق الكتاب، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وفي معناها آيات كثيرة. [ص ١١١] وفي «صحيح مسلم» (٤) عن سعد أن
стр. 432
رسول الله ﵌ مرَّ بمسجد بني معاوية، دخل فركع فيه ركعتين وصلّينا معه ودعا ربَّه طويلًا ثم انصرف فقال: «سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومَنَعني واحدة؛ سألتُ ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة، فأعطانيها، وسألت أن لا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها».
وقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٨٠].
وقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦].
وقد ثبت في «الصحيح» (١) ما فعله النبي ﵌ بعبد الله بن أُبيّ مِن إخراجه من قبره ووضعه له على ركبتيه الشريفتين، وتفلِه عليه من ريقه من قرنه إلى قدمه، وتكفينه له في قميصه، وصلاته عليه. ولم ينفعه ذلك شيئًا.
وفي «صحيح البخاري» (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: «يلقى إبراهيمُ أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قَتَرة وغَبَرة فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا ربّ إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يُبعثون، وأيّ خِزْي
стр. 433
أخْزَى من أبي الأبعد، فيقول الله: إني حرّمتُ الجنة على الكافرين. ثم يُقال لإبراهيم: ما تحت رجلك؟ فينظر فإذا هو بذيِخ متلطِّخ فيؤخذ بقوائمه فيُلقَى في النار».
وفي «الصحيحين» (١) عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﵌: «إني فَرَطكم على الحوض، مَن مَرَّ عليَّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، لَيَرِدَنّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم ... فأقول: إنهم منّي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سُحْقًا سُحْقًا لمن غيّر بعدي».
[ص ١١٢] وفي «مشكاة المصابيح» (٢) عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله ﵌ ذاتَ يوم فذَكَر الغلولَ فعظَّم أمره ثم قال: «لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملكُ لكَ شيئًا قد أبلغتك، لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرسٌ له حَمْحَمة، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتُك، لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء، يقول: يا رسول الله أغِثْني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفينَّ أحدكم يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا
стр. 434
رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك» متفق عليه (١)، وهذا لفظ مسلم وهو أتمّ.
أقول: ولا منافاة بين هذا الحديث وأحاديث الشفاعة كما يُعْلَم مِن مراجعتها.
وفي «صحيح البخاري» (٢) عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة مَن قال: لا إله إلا الله خالصًا مِن قلبه أو نفسه».
[ص ١١٣] ومَن كان له اطلاع على سنة رسول الله ﵌ عَلِم أن الصحابة ﵃ لم يكونوا ينادونه غائبًا، وإنما قال قائلهم: «اللهم أخبر عنّا رسولك» (٣). ولم يكونوا يطلبون منه فيما (٤) لا يمكنه تحصيله بالأسباب العادية المشتركة بين الناس، وإنما كانوا يسألونه في ذلك الدعاء.
ومن ذلك ما في «الصحيحين» (٥) عن أنس ﵁ قال: أصابت الناس سَنَةٌ على عهد النبي ﵌، فبينا النبي ﵌ يخطب في يوم جمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المالُ وجاع العيالُ، فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قَزَعة،
стр. 435
فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته فمُطِرْنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد حتى الجمعة الأخرى. وقام ذلك الأعرابي ــ أو غيره ــ فقال: يا رسول الله، تَهدَّم البناء وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه، فقال: «اللهم حوالينا، ولا علينا» الحديث.
وفي «صحيح مسلم» (١) عن أبي هريرة قال: لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقال عمر: ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، فقال: نعم، فدعا بنِطْع فبُسِط ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع شيء يسير، فدعا رسول الله ﵌ بالبركة ... الحديث.
[ص ١١٤] وفي «الصحيحين» (٢) أيضًا حديث ابن عباس قال: خرج رسول الله ﵌ يومًا فقال: «عُرِضت عليَّ الأمم، فجعل يمرّ النبيُّ ومعه الرجل، والنبيُّ معه الرجلان ... » الحديث. وفيه ذِكر السبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب. وفيه: فقام عُكّاشة بن مِحْصن، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «اللهمَّ اجعله منهم». ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: «سبقك بها عُكّاشة».
وفي «صحيح مسلم» (٣) عن ربيعة بن كعب قال: كنت أبيت مع
стр. 436
رسول الله ﵌ فأتيته بوَضوئه وحاجته فقال لي: «سَل»، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: «أوَ غيرَ ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود».
وهذا الحديث وإن لم يصرّح في السؤال بسؤال الدعاء فإنّ ذلك ظاهر من الجواب كما تراه.
وفي «الصحيحين» (١) عن أم سُلَيم أنها قالت: يا رسول الله، أنس خادمك، ادع الله له، فقال: «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما أعطيته». قال أنس: فوالله إن مالي لكثير وإن ولدي وولد ولدي ليتعادّون على نحو المائة اليوم.
والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تُحْصَى.
[ص ١١٥] وأما بعد موته فلم يُنقل عن أحدٍ منهم ولا من التابعين أنه طلب منه شيئًا البتة، بل كان غاية أمرهم إذا حضر أحدهم عند قبره الشريف أن يسلّم عليه وعلى صاحبيه. ولم يكن هذا إعراضًا منهم وتهاونًا بالخير، فإنهم ﵃ أسرع الناس إلى اغتنام الخير والاستكثار من أنواع البر، فلم يكونوا ليتركوا ذلك إلّا لأمرٍ ما.
وأَصْرح من ذلك حديث البخاري في استسقاء الصحابة ﵃ بالعبّاس، وقول عمر: اللهم إنّا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك برسولك فتسقينا، وإنّا نتوسّل بعمّ نبيك. وقد مرَّ شرحه في بحث التوسل فراجعه (٢).
стр. 437
وهو صريح أنهم ﵃ كانوا يرون أن طلب الدعاء ونحوه من رسول الله ﵌ إنما كان جائزًا ما دام حيًّا بين أظهرهم، فأما بعد قبضه فلا، ولكنهم لحرصهم على طاعة الرسول وتعظيمه وعلمهم بعظم جاهه فعلوا أقصى ما يمكنهم وهو سؤال الدعاء من عمِّه. وأيضًا لم يُنقل أنَّ أحدًا من الصحابة سأل صحابيًا أفضل منه أمرًا من الأمور إلا إن كان مما يمكن تحصيله بسبب عادي، فإن لم يكن كذلك سأله الدعاء فقط. وهكذا التابعون مع الصحابة، وصغار التابعين مع كبارهم، وهلمّ جرًّا. حتى عمّ الجهل وفشت البدع، وصار الدينُ غريبًا، فوجد الشيطان الفرصةَ إلى إضلال الناس، فأخذ كلّ منهم يشرِّع من الدين ما لم يأذن به الله، ويتحكم في الدين بفعله، ويقضي فيه بحكمه، فوقع الناس فيما وقعوا فيه، فإنا لله وإنّا إليه راجعون!
فهب أنّ أحدًا من بني آدم يتصرّف في الأرض والسموات ــ كما يقولون ــ فإن الشرع لم يُبِحْ لنا سؤاله شيئًا من الأمور إلا ما هو من الأشياء العادية.
وهب أن بعض الغائبين والموتى يسمع كلام مَن كلّمه حيثما كان، فإن الشرع لم يُبح لنا أن نخاطب ميتًا ولا غائبًا.
وهؤلاء الملائكة الكرام الذين هم متصرّفون في كثير من الأشياء قطعًا لم يُشْرَع لنا سؤالهم ولا خطابهم.
ويا ترى لو أن إنسانًا أخذ يخاطب الملكين الحافظين، ويتلطّف بهما أن يكتبا حسناته ويؤخّرا كتابة سيئاته، ماذا يقول له الناس؟ !
ويا ترى لو أن إنسانًا أخذ يصيح: يا ملائكة ربي أكثروا من الاستغفار لي! [ص ١١٦] مع أن استغفار الملائكة لبني آدم ثابت بكتاب الله تعالى، قال الله
стр. 438
سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٧ - ٩].
وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥].
[ص ٩٧] قال المجيزون: فإن فينا مَن يقول: إننا نرى المَلِك من ملوك الدنيا لا بُدّ في قضاء الحوائج لديه من التوسُّل بوزرائه وجلسائه والوجهاء لديه، وقد يكون صاحب الحاجة من المجرمين الذين غضب عليهم الملك، فهو يستحي أن يسأل المَلِك بنفسه، ويعلم أنه لو سأله بنفسه لم يَنَلْ منه حاجته بخلاف ما إذا استشفع بأحد الوجهاء والمقرّبين.
وقد أمر الله تعالى عبادَه بطلب الاستغفار من رسوله وسؤال الدعاء من جميع المسلمين ولاسيَّما من أهل الخير والصلاح. وأحاديث الشفاعة يوم القيامة متواترة.
قال المانعون: الله أعلى وأجلّ، أما ضرب المثل بالملوك فهو من الجهل بالله جلّ ذكره، وذلك أن ملوك الأرض لهم أسباب تدعوهم إلى الانقباض عن العامة ــ تنزّه الله عنها ــ كالخوف، فالملك يرى أنه لو برز للناس دائمًا تمكّن أعداؤه من اغتياله. والكبر، فهو يرى أنه لو
стр. 439
برز للناس دائمًا لسقط من أعينهم واجترءوا عليه. والبخل، فهو يرى أنه لو برز للناس دائمًا وقضى حوائجهم فني بما بيده. والعجز، فهو يرى أنّ بروزه للناس دائمًا يشق عليه ويتعبه.
فلهذه الأسباب ونحوها احتاجوا إلى جعل وزراء وحُجّاب يكونون وسائط بينهم وبين الناس.
ولهم أسباب تمنعهم عن الإقبال على من أساء إليهم؛ كالجَوْر وعدم التخلُّق بالعفو، فإنه يحول بينهم وبين قبول توبة المسيء، ويمنعهم من قبول (١) حوائجه.
وإذا تأملت هذه الأسباب وجدتها جميعها محالًا على الله تعالى، فهو يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
وجاء في الحديث: «إن الدعاء هو مخّ العبادة». وفي رواية: «هو العبادة» (٢).
فالله أمر خلقه بسؤاله والالتجاء إليه، وأخبر أن الذي يمتنع عن سؤاله يستحقّ العقاب.
стр. 440
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وأمر عباده في أم كتابه أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
[ص ٩٨] ومعناه: لا نعبد إلا إيّاك، ولا نستعين إلا إياك.
وفي «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له».
وفي «صحيح مسلم» (٢) عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﵌ فيما يروي عن الله ﵎ أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديتُه فاستهدوني أهدِكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي لن تبلغوا ضرِّي فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص
стр. 441
ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه».
وفي «صحيح مسلم» (١) عن أنس قال: قال رسول الله ﵌: «لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان [على] راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال ــ من شدة الفرح ــ: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح».
وأخرجه البخاري موقوفًا على عبد الله (٢)
بلفظ: «لله أفرح بتوبة عبده
стр. 442
المؤمن من رجل نزل في أرض دوِّيَّة مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه. [ص ٩٩] فالله أشدّ فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده».
وفي «صحيح مسلم» (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثمٍ أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل». قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: «يقول: قد دعوت قد دعوت فلمْ أرَ يُستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويَدَع الدعاء».
وفي «سنن الترمذي» (٢) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «من لم يسأل الله يغضب [عليه]».
وفي «سنن الترمذي» (٣) عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: «ليسأل أحدكم ربّه حاجته كلها، حتى يسأل شِسْع نعله إذا انقطع».
стр. 443
وأخرج الإمام أحمد في «مسنده» (١) عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﵌ قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها». قالوا: إذًا نُكْثِر، قال: «الله أكثر».
فمن تأمل هذه الدلائل وغيرها عرف بطلان تلك الأوهام، وعلم أن الإعراض عن الله والعدول عن دعائه وسؤاله موجب للعقوبة. وأما طلب الدعاء من الأحياء ولاسيَّما الصالحين فهو مستحبّ، ولكن بشرط ألّا يقصر الإنسان من الدعاء لنفسه، بل يبتهل إلى الله تعالى بالدعاء مع طلبه من غيره.
ونحن لا ندفعُ هذا وإنما ندفع الاستغاثة بالموتى والغائبين، فإنها إن كانت مع اعتقاد علمهم الغيب وقدرتهم على الإغاثة= كان في هذا من الشرك ما مرّ بيانُه، وإن كانت مع اعتقاد أن الله تعالى يُبلّغهم ويُجيب دعاءهم فنحو ذلك.
وإذا كان العبد لا يثق باستجابة دعائه لنفسه بتلك الحاجة فكيف يثق باستجابة دعائه أن يُبلّغهم الله تعالى طلبه منهم الدعاء؟! على أنَّ هذه الأشياء مما لم ينزل الله به سلطانًا ــ بل هي مضادة لدلائل كتاب الله تعالى وسنة رسوله كما علمت مما مرَّ.
стр. 444
[ص ١٠٠] وأما استشفاعهم يوم القيامة فإنما هو طلب الدعاء من الأحياء يومئذٍ، وليس في هذا ما يدلّ على جواز نداء الغائبين والموتى والاستغاثة بهم، على أن الشفاعة ملك لله تعالى، قال : ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والآيات في هذا كثيرة.
وقد قال النبي ﵌ لمن طلبها منه: «أعنّي على نفسك بكثرة السجود» (١).
[ص ١٠١] قال المجيزون: فإننا نرى كثيرًا أن أحدنا يجهد في دعاء الله تعالى فلا يُستجاب له حتى إذا ذهب إلى قبرٍ من قبور الصالحين فزاره واعتقد تعظيمه، ودعا بما يحبّ استُجِيب له.
ونرى كثيرًا من أصحاب الحاجات والعاهات إذا استغاث بأحدٍ من الصالحين حصل له الفَرَج، ولو اقتصر على الدعاء لم يحصل له ذلك!
وقد ينذر الإنسان بشيء لأحدِ الصالحين بنيّة حصول شيء، فيحصل ذلك الشيء قريبًا، فإذا أخّر النذرَ عاد ذلك الشيء كما كان أو أُحدثت بدله عقوبة أخرى، فإذا بادَرَ الناذر ووفّى بنذره رُفعت عنه العقوبة.
ونرى بعض أهل الجهات جرت عادتهم أنهم إذا احتاجوا إلى المطر ذهبوا إلى قبر بعض الصالحين، فذبحوا عنده وتوسّلوا به، فيسقون. وإذا
стр. 445
أخروا بعض السنين تأخر المطر، وربما قصّروا في بعض حقوق الزيارة فتأخّر المطر.
ونرى بعض النساء لا تحمل أو لا يعيش لها ولد أو تولد لها البنات، فإذا تمسكت بأحد المقابر حصل مطلوبها.
وكثيرًا ما نرى ناسًا يتعرّضون لبعض الصالحين بإيذاء أولاده أو إخوانه المعتقدين فيه، فلا يلبث أن يُصاب ببلاء، حتى إذا ذهب وزار ذلك القبر واستعفى سدنته ذهب عنه ما يكره!
ونرى كثيرًا من الخوارق عند قبور بعض الصالحين تدلّ على رضاهم وحبهم لمن يزورهم ويتقرّب إليهم وتبرّك بقبورهم.
وكثيرًا ما ينذر الإنسان لأحد أصحاب القبور بشيء فلا يشعر إلا وقد جاءه أحد أتباعهم يطلب منه ذلك النذر مع أنه لم يُعلِم بالنذر أحد، وقد يرى ذلك الوليّ في نومه يأمره بأداء ذلك النذر ونحو ذلك.
[ص ١٠٢] وكثيرًا ما نرى المجانين إذا زاروا بهم القبور ذهب جنونهم (١).
ومن جملة الخوارق المرئية عند القبور: اتساع القُبَّة للزائرين ولو بلغوا آلافًا، مع أنها لا تسع بحسب العادة إلا نحو المائتين.
ومنها خروج دراهم جديدة رمي بها للمجاذيب.
ومنها اختلاف أحوال الناس في تناول التراب من الطاقات التي تكون في توابيتهم، فينال بعض الناس التراب بمجرّد إدخال يده، ويأتي من هو أطول منه يدًّا، فيمدّ يده ويطاولها ويجهد نفسه فلا ينال التراب، فيجيء
стр. 446
بعض سدَنة القبر فيقول له: انذر بكذا، فإذا نَذَر بذلك ومدّ يده، نال التراب بسهولة!
ومنها أن الزائرين يضعون أسلحتهم ونحوها على باب القُبَّة فلا يقدر أحدٌ على سرقتها، وقد تتراكم الأسلحة بكثرة، فيخرج الزائر فيجد سلاحه ظاهرًا، وكلما خرج أحدٌ منهم وجد سلاحه فوق تلك الأسلحة حتى لا يتعب في البحث عنه. وقد يكون هو أول من وضع سلاحه تحت جميع الأسلحة.
ومنها أن يجيء المجذوب فينحر نفسه أو يبعج بطنه، ثم يعود في الحال سالمًا، وقد يضع أحدهم الرمح في ثغرة نحره حتى ينجم من قفاه أو في بطنه حتى ينجم من ظهره. بل قد يذبح أحد المجاذيب صاحبه حتى يُرى الرأس مفصولًا عن الجسد، ثم يردّه فيقوم المذبوح سالمًا.
والحاصل أنها تظهر خوارق كثيرة، ومَن أراد مراجعتها فليراجع الكتب الموضوعة في كرامات الأولياء.
[ص ١٠٣] قال المانعون: قد أسلفنا أول بحث التبرّك: أن كل ما يُراد تحصيله بسبب غير عاديّ لا يكون سببه إلّا شرعيًّا، والشرعيّ ما ثبت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله. ولا ريب أن الدعاء سبب شرعي. وقد عُلِمَ من حال السلف الأول أنهم لم يكونوا يقصدون القبور للدعاء، بل ثبت عن الصحابة العدولُ عن الاستسقاء بقبر النبي ﵌ إلى طلب الدعاء من عمّه، ومرّ (١) ذِكْر الحديث الصحيح، قوله ﵌: «لا تتخذوا قبري عيدًا ... » إلخ، ونَهْي زينِ العابدين لذلك الرجلِ الذي كان يعتاد قبر النبي ﵌ للدعاء، وذِكْره لهذا الحديث.
стр. 447
وإذا كان هذا في قبره ﵌ فغيره أولى، فحينئذٍ فجميع ما ذكرتموه من الدعاء عند القبور والاستغاثة بالصالحين والنذر لهم والذبح عند القبور، وتمسّك النساء بهم لأجل الولد، وغير ذلك= كلها محظورة في الشرع كما يعلمه من له مسكة بالكتاب والسنة.
ولا يلزم من كونها محظورة في الشرع أن لا يحصل بها نفع كما لا يلزم من حصول النفع بها كونه مأذونًا بها في الشرع؛ فهذا السحر ينتفع به صاحبه، وهذه الكهانة والتنجيم، واستخدام الجن والرقى التي فيها كفر= كلها تنفع صاحبها، وهو حرام أو كفر. وهذه صفة الدجّال في الأحاديث الصحيحة ينتفع أصحابه بالمطر ورغد العيش وحياة أقربائهم الموتى ــ فيما يرون ــ وغير ذلك، واتّباعُه أشدُّ الكفر.
وإذا كانت الأسباب العادية ــ مع أن الأصل في الشرع إباحتها ــ وفيها الحرام والكفر كالزنا والربا والسرقة ونحوها مما لا يُحْصَى، وأصحابها ينتفعون بها بلا شكّ، فما بالك بالأسباب غير العادية، والأصل في الشرع حظرها؟
والحاصل أن خوارق العادة قد قسمها العلماء إلى أقسام:
أولها: معجزات الأنبياء، وهذه قد مضت بمضيّهم، وبقي بعض معجزات خاتمهم ﵌، وأعظمها كتاب الله تعالى.
الثاني: كرامات الأولياء، والعلماء مختلفون فيها، فمن العلماء مَن ينكرها رأسًا، وينسب كل مَن ظهر على يده ما يُشبه الخارقة إلى أحد الأقسام الآتية. [ص ١٠٤] والباقون يثبتونها ويفرّقون بينها وبين الأقسام الآتية بوقوع الكرامة على يد عالم عامل محافظ على ظواهر الكتاب والسنة، متنزّه عن مخالفتهما، هذا في حال حياته، وأما بعد وفاته فإنما تُعرَف بقرائن الأحوال.
стр. 448
وذلك أنه إن وقع شيء من الخوارق لأحد الموتى، نظرنا الأحوال الحاضرة حينئذٍ، فإن كانت موافقة للكتاب والسنة، وكانت تلك الخارقة صادرة لتأييد الكتاب والسنة= جاز تسميتها كرامة، وإلا فهي من بعض الأقسام الآتية.
مثاله: أن يؤذى ولدٌ لبعض الصالحين الموتى، فيصاب المؤذي ببلاء، فالواجب أن ننظر، فإن كانت الأذية بغير حق، والمؤذي ظالم لولد ذلك الصالح= جاز أن تسمّى هذه كرامة. وإن كانت الأذية بحق مؤيَّد بدليل شرعي قطعنا أنها ليست بكرامة، وإنما هي من أحد الأقسام الآتية.
إذا تقرّر هذا لديك عرفتَ أن مجرّد الخارقة من حيث هي لا تصلح دليلًا لشيء، فإن أدلة الشرع محصورة وليست الخارقة منها، إلا المعجزة فليس الكلام فيها. وبهذا التقرير يندفع كل ما أوردتموه، ولنبيِّن أقسام الخوارق بعد المعجزة والكرامة فنقول:
منها: الاستدراج، وهذا ما يجريه الله تعالى عند بعض الأفعال ابتلاءً للناس؛ هل يثبتون على دينهم الثابت بالكتاب والسنة أم يضلون. ويصلح أن يكون منه ما يقع للدجال من الخوارق. ومن هذا ما ابتلى الله تعالى به الصحابة يوم أُحدٍ كما دلَّ على ذلك القرآن.
ومنها: السحر والشعبذة والاستعانة بالجن وأعمال الشياطين، يقصدون بها تضليل المسلمين وإزاغتهم عن السراط المستقيم، كما كانوا يفعلون في الجاهلية في الأصنام، وكما يفعلونه مع عباد الأوثان، ومثله كثير جدًّا. وقد مرَّ شيءٌ من هذا أواخر الكلام على علم الغيب، فارجع إليه (١).
стр. 449
و [منها]: الكهانة والتنجيم وغير ذلك مما مرَّ في بحث الاطلاع على المغيِّبات.
[ص ١٠٥] إذا تقرر ما ذكر، فالكلام على هذه الخوارق التي زعمتم وقوعها من وجهين:
الأول: إنكار وقوعها أصلًا، وأنه لا يجوز القول بوقوعها إلا عن مشاهدة أو تواتر بإخبارِ عددٍ يحصل بإخبارهم القطعُ بوقوعها، كما يقطع مَن باليمن أن أرض الهند موجودة.
وعلى فرض صحة وقوعها، فإنها محتملة لأن تكون من الشعبذة، ولأن تكون من السحر، ولأن تكون من أعمال الشياطين، ولأن تكون استدراجًا يبتلي الله بها عباده، ولأن تكون كرامةً. وإذا كان الأمر كذلك لم يكن من الممكن تعيين كونها من أحد الأقسام، وإنما المتيسِّر أن توزَن بميزان الشرع، فإن كان صاحبها ثابتًا على كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وكانت الخارقة مؤيِّدة لأحكام كتاب الله تعالى وسنة رسوله= كان الواجب إحسان الظن بصاحبها أن الله تعالى أكرمه. ومع ذلك فليست دالةً على أنه معصوم من المعاصي، بل ولا تمكن العصمة لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ثم إذا وقعت لذلك الشخص خارقة أخرى، كان حظّها حظّ صاحبتها، وهكذا أبدًا. فإن رأينا خارقةً تؤيد خلاف أحكام كتاب الله تعالى وسنة رسوله، حَكَمْنا عليها أنها من أحد الأنواع الأخرى.
والمقصود أن أصول الأحكام في شريعة الإسلام هي الكتاب والسنة لا غير، والعالم هو العالم بأحكامهما، والوليّ هو العامل بما عَلِمه منهما، والخوارق بعد المعجزة ليست بحجّة ولا دليل ولا يُسْتند إليها في قليل ولا
стр. 450
كثير، وإنما تفيد مجرَّد حُسن الظن لا غير، ولهذا كان سيّد الطائفة الجُنيد ﵁ يقول لأصحابه: لو رأيتم رجلًا قد تربّع في الهواء فلا تقتدوا به حتى تروا صنيعَه عند الأمر والنهي، فإن رأيتموه ممتثِلًا لجميع الأوامر الإلهية مجتنبًا لجميع المناهي، فاعتقدوه واقتدوا به. وإن رأيتموه يخلُّ [١٠٦] بالأوامر ولا يجتنب المناهي فاجتنبوه (١).
فجَعَل الدليل على كون الخارق كرامة هو الثبات على جميع الأوامر، واجتناب جميع المناهي، فكان من المحال أن يجعل الخارق دليلًا على الثبات، أو على كون فعلٍ من الأفعال هو من الدين وإلا لكان دورًا، فتأمّل.
مع أن هذا الأمر من المعلوم بالضرورة لكل مسلم، فإن أركان الإيمان إنما هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والقَدَر خيره وشرّه. ومِن لازم الإيمان بالله ورسوله الإيمانُ بالكتاب والسنة والاهتداءُ بهديهما. والخارقُ بعد المعجزة خارج عن ذلك كله، اللهم إلا أن يختار أحدٌ لنفسه الكفر بهما والإيمانَ بالخارق، فهو وما تولّى، أعاذنا الله وجميع المسلمين من الخذلان!
الوجه الثاني في الكلام على هذه الخوارق: بيانها تفصيلًا:
أولًا: قولكم: إن أحدكم يجهد في دعاء الله تعالى ... إلخ.
جوابه: أنه إن صحَّ ولم يتكرّر فهو مجرّد موافقة. فإن تكرر حتى حصل لصاحبه القطعُ بمقتضاه، فهو من الاستدراج، أو مما يصلح له من بقية الأنواع، فإن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ
стр. 451
عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
الثاني: قولكم: ونرى كثيرًا ... إلخ.
والجواب عنه كالذي قبله.
الثالث: قولكم: وقد ينذر الإنسان ... إلخ
والجواب عنه كالذي قبله، وقد يكون البلاء الذي أصابه بسبب تأخير النذر من الشياطين، ولذلك إذا أطاعهم بأداء ما نذر به كفُّوا عنه. وقد مرَّ في التبرّك قول زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵂ له أنها كانت تقذف عينها فتذهب إلى يهودي يرقي، فإذا رقاها سكنت، فقال عبد الله ﵁: إنما ذلك الشيطان ينخسها بيده ... (١) إلخ.
الرابع: قولكم: ونرى بعض أهل الجهات ...
والجواب عنه: أن هذا مجرّد موافقة، فإن تتابعَتْ وتكررت حتى حصل العلم بذلك، فهو من الاستدراج ــ والعياذ بالله ــ كما يقع مع الدجّال. والغالب أن هذا مجرّد موافقة يصير أهلُ الجهة إلى الوقت الذي جرت العادة بنزول المطر فيه، فإذا أبطأ أسبوعًا أو نحوه ذهبوا ففعلوا تلك الأفعال، ثم ينزل الله تعالى المطر على جاري العادة في نزوله في ذلك الفصل، وقد يكفّون في بعض السنين عن فعلهم [١٠٧] فيتفق تأخّر المطر تلك السنة، فيجد الشيطان الفرصة إلى تثبيت تلك العقيدة في صدورهم. وقد أخرج النسائي (٢) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﵌: «لو
стр. 452
أمسك الله القَطْر عن عباده خمس سنين ثم أرسله لأصبحتْ طائفة من الناس كافرين، يقولون: سُقينا بنوء المِجدَح».
وعلى كل حال فلا يخلو عن استدراج، نعوذ بالله من غضبه و (١).
الخامس: قولكم: ونرى بعضَ النساء ... إلخ.
والجواب: أن هذا مجرَّد اتفاق، فإن تواتر وتكرر حتى حصل العلم بمقتضاه فهو استدراج والعياذ بالله.
السادس: قولكم: وكثيرًا ما نرى أُناسًا ... إلخ.
والجواب: أنه قد مرّ أن المؤذي لولد ذلك الصالح إن آذاه ظلمًا وعدوانًا، وبغير حق ثابت في أحكام الكتاب والسنة، فيجوز أن يكون ما ناله كرامة للصالح. وإن كان بالعكس، كأن أنكر مسلمٌ البناء على القبر ونحوه، فابْتُلي بشيءٍ فهذا من أعمال الشياطين. والغالب أن هذا لم يقع ولا يقع وإنما هو من ظنون هؤلاء الجهال كما قال قوم: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤].
وعلى فرض أنّ شيئًا من ذلك وقع فهو إما مجرّد اتفاق، وإما من أعمال الشياطين الذين اتخذوا ذلك القبر شبكةً لاصطياد الجهّال، والعياذ بالله. وإما من سِحْر أولئك السَّدَنة، فإن وافقهم ذلك المنكر على باطلهم كفوا عنه، وإذا كان المنكر ثابتَ العقيدة صحيحَها لم يُصِبْه ما يكره أبدًا.
السابع: قولكم: ونرى كثيرًا من الخوارق ... إلخ.
стр. 453
والجواب: أن أصحاب القبور موتى لا يسمعون ولا يُبصرون على ما تقدّم، وليس لهم تصرّف في شيءٍ من الدنيا، وإنما يحضر عند قبورهم بعضُ الشياطين يضلون بني آدم، ليهلكوهم ويُرْدوهم، وربما كان ذلك من الاستدراج والعياذ بالله، فاتقوا الله في أنفسكم وارجعوا إلى دينكم.
الثامن: قولكم: وكثيرًا ما ينذر ... إلخ.
والجواب: أن هذا ــ إن صحّ ــ فهو من أعمال الشياطين يوحون إلى ذلك الولي من أوليائهم ذلك الخبر بعد أن سمعوا الناذِرَ يذكره، أو أخبرهم به وسواسه.
وقولكم: وقد يرى ذلك الوليَّ في نومه ... إلخ.
الجواب: أنه إنما رأى الشيطان، والشيطان يتصوّر بكل أحدٍ إلا رسول الله ﵌، على أن العلماء ﵃ صرّحوا أنه لو رأى الإنسانُ رسول الله ﵌ وأمره بشيء لم يجُزْ له أن يعمله إن كان غير جائز في الشرع، وقد مرَّ إيضاح ذلك (١).
[ص ١٠٨] التاسع: قولكم: وكثيرًا ما نرى المجانين .....
الجواب: أن هذا من أوضح الواضح من عمل الشيطان، كما مرَّ عن عبد الله بن مسعود ﵁.
العاشر: قولكم: ومن جملة الخوراق ..... إلخ.
والجواب: أن اتساع القبة لا يصح، فإن فُرِض أنه صحّ بمشاهدةٍ أو
стр. 454
تواتر يفيد العلم القطعي، فهو استدراج. وخروج الدراهم هو حيلة من حيل السَّدَنة؛ يدخل أحدهم إلى التابوت ويقف فيه، وعنده دراهم مجلوّة، فإذا أريد التمويه تكلّم بعض السَّدَنة الذين خارج التابوت بما يفهم منه الداخل، فيرمي بشيءٍ من تلك الدراهم.
وقد بلغنا عن بعض القبور أن أحد السَّدَنة يدخل في ذلك التابوت، ويُدخل معه دراهم مجلوّة ونارًا، فإذا أريد التمويه وضع بعض الدراهم على النار حتى يحمى ثم أخذه ورماه إلى الخارج، ويموّهوا على الناس أنَّ الوليّ أحضره من البلاد التي تُطبَع فيها الدراهم.
وبهذه الحيلة يضع ذلك السادن حجرًا عريضة فيجعل عليها ترابًا، فإذا أريد التمويه أبعدها عن قرب الطاقة التي يتناول منها التراب، فإذا مد الزائرُ يده لم تصل إلى الأرض لبعدها، فإذا جاء بعض السَّدَنة وأخبره أن ينذر فنذر، تكلم بما يفهم به صاحبه، فيرفع تلك الحجر إلى حيث تنالها يد الرجل بسهولة.
وأمثال هذه الحيل كثيرة جدًّا عند هذه المشاهد، وكثيرًا ما تساعدهم الشياطين فيها، فتذهب الشياطين في البلاد توسوس للناس، وتسمع ما يكون منهم من نذور ونحوها، وترجع تخبر أصحابها، وإذا كانت الشياطين تخبر أصحابها بما استرقته من خبر السماء فما بالك بخبر الأرض؟
الحادي عشر: قولكم: ومنها أن الزائرين يضعون أسلحتهم ... إلخ.
والجواب: أن هذا باطل لا يصحّ، فإن صحّ يقينًا فقد يكون من عمل الشياطين، فيكون قرين كلِّ إنسان يعرف سلاحه، فينظر أين وضَعَه ويعلم
стр. 455
ذلك، فيبقى يحرسه يرقب صاحبه، حتى إذا أراد الخروجَ أسرع فقدَّم له سلاحَه. وقد يكون ذلك من الاستدراج والعياذ بالله.
[ص ١٠٩] الثاني عشر: قولكم: ومنها أن يجيء المجذوب ... إلخ.
والجواب: أن هذا من سِحْر الشياطين، يسحرون المجذوب حتى لا يدري ماذا يصنع، ثم يسحرون عيون الناس، فيخيلون إليهم هذه الأشياء.
وها نحن قد بينّا لكم المحامل التي تُحمل عليها هذه الخوارق المدّعاة، وما كان من الاطلاع على المغيّبات قد ذكرنا محاملَها في ما مضى، لتعلموا أنه ما من خارقةٍ ــ غير المعجزات ــ إلا وهي إلى الباطل أقرب، وأن الحجة هي كتاب الله تعالى وسنة رسوله فقط.
فإن قلتم: إنّ فَتْح هذا الباب من تجويز أعمال الشياطين يؤدّي إلى مُحالات كثيرة، فلا يثق الإنسان بما يرى ولا بما يسمع، إذ كل شيء من ذلك محتمل لمثل ما ذُكِر، فقد يخيّل إليه الشيطان أنه يطأ زوجته وهو إنما يطأ بنته، مع تخييله لبنته أنه إنما يطأها زوجُها. وأشباه ذلك مما لا يُحْصَى.
فالجواب: أننا لأجل ذلك قدّمنا إنكار هذه الخوارق المدّعاة، وقلنا: إنها لا تثبت أصلًا، وإن فُرِض أنه ثبت شيءٌ منها بطريق القطع عرضناها على حكم كتاب الله تعالى وسنة رسوله، فإن قضى الكتاب والسنة ببطلانها عَلِمنا قطعًا أنها من تلك الأنواع الباطلة. والقولُ بأن شيئًا من هذه الخوارق يجوز أن يُستدلّ به ولو خالف الكتاب والسنة قولٌ لا ينبغي أن يصدر من مسلم.
стр. 456
تنبيه
قد يستبعد بعضُ الناس وجود الشياطين عند قبور الصالحين.
والجواب: أن الشياطين مأذون لهم فيما هو أشدّ من هذا، ففي «الصحيحين» (١) عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﵌: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم». وفي «صحيح مسلم» (٢) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵌: «ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكِلَ به قرينه من الجنّ وقرينه من الملائكة» قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وإياي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير» ولمسلم (٣) أيضًا نحوه عن عائشة.
وفي «الصحيحين» (٤) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «إن عفريتًا من الجن تفلّت البارحة ليقطع عليَّ صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته ... » الحديث.
وقد أخرجه مسلم (٥) عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله ﵌ يصلي فسمعناه يقول: «أعوذ بالله منك»، ثم قال: «ألعنك بلعنة الله» ثلاثًا، وبسط يدَه كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك
стр. 457
بسطت يدك؟ قال: «إنّ عدوَّ الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخذه. والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة».
وفي «سنن أبي داود» (١) عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﵌: «رصّوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصفّ كأنها الحذف».
وفي «صحيح مسلم» (٢) عن ابن مسعود قال: «إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل، فيأتي القومَ فيحدّثهم الحديث من الكذب، فيتفرقون، فيقول الرجل منهم: سمعت رجلًا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدّث».
ولا يخفى أن الشياطين بالصالح أشدّ اهتمامًا، وهذه المشاهد حريّة بأن تكون محضورة بالشياطين؛ لأنه إما أن يكون صاحب القبر صالحًا لم تتمكّن منه الشياطين في حياته، فهم حريصون على أن يعتاضوا عما فاتهم منه بما ينالونه بواسطة قبره. وإما أن يكون طالحًا فهو صاحبهم حيًّا وميّتًا؛ ولهذا نرى حرم الله تعالى وحرم رسوله منزّهين عما ذكرتم، وإن كان شياطين الإنس والجن ربما انتهكوا حرمتهما بحِيَل يتلاعبون بها بعقول الجهّال مما يعلّمهم إيّاها الشيطان، كما كانت الأصنام والأوثان في الجاهلية داخل الكعبة وخارجها. نسأل الله تعالى التوفيق.
стр. 458
[٧٨] قال المجيزون: أما بعد هذا فلا طاقة لنا بجدالكم، ولكنّا نكتفي بما هو مثبت في دواوين الإسلام من المؤلفات التي لا تُحصى، بل وبإجماع المسلمين على النداء والاستغاثة بالأنبياء والصالحين، حتى إن الظاهر أن ذلك أمر فَطَرهم الله تعالى عليه، وإنكم وإن أتعبتم أنفسكم ولجَجْتُم في الخطاب فلن تقدروا على تغيير ذلك ولا تبديله، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]. وإنما نسألكم عن أمر واحد وهو أن المسلمين في هذا الأمر فِرَق:
الفريق الأول: مَن يُثبت للأنبياء والصالحين الكشف الصادق في السموات والأرض، ويثبت لهم التصرّف فيما بين ذلك مُسْنِدًا ذلك إلى الإذن الربّاني.
الفريق الثاني: مَن لا يثبت لهم ذلك وإنما يقول: إن الله تعالى يبلغهم ويجيب دعاءهم.
الفريق الثالث: مَن لا يقول بهذا ولا بهذا، ولكنه يثبت التوسّل، ويجعل الطلب منهم والاستغاثة بهم حاضرين في معنى طلب الدعاء، ويجعل خطابهم عند قبورهم بناء على أنهم يسمعون الكلام، كما ثبت ذلك في أحاديث صحيحة، وأنهم قادرون على الدعاء وإن كانوا موتى، كما ثبت من وقوع العبادات من بعض الموتى. ويجعل نداءهم والطلب منهم والاستغاثة بهم غائبين في معنى التوسّل.
وليس من هذه الفِرَق من يدّعي لمخلوقٍ الاستقلال بالقدرة من دون الله تعالى، ولا مشاركته في القدرة، وإنما يقولون: إن الله يُسْمِع مَن يكرمه من خلقه ما غاب عنه من المسموعات، ويُطْلِعُه على ما غاب من
стр. 459
المعلومات، ويُجري على يده ما شاء من خوارق العادات.
ويبنون على ذلك جواز النداء والطلب على ما مرّ. وكلٌّ منهم متمسّك بدليل شرعيّ، فلم تتمسكوا معهم بالأدب الواجب بين العلماء، بل بادرتم إلى تفسيقهم وتكفيرهم وتضليلهم، وإخراجهم من الدين رأسًا [٧٩] فجعلتم أمة محمد ﵌ محصورةً فيكم، وسائر الأمة مرتدون، فما سمعنا بضلال أضلّ من هذا! وما دام الأمر على هذا فالكلام معكم ضائع، لأنكم تعتبروننا مرتدين كفّارًا نحن وجميع هذه الأمة إلا أفرادًا يُعدّون بالأصابع. وهذا القول يكفي في ردّه حكايتُه.
قال المانعون: إنا والحمد لله أنصار الحقّ لا عداوةَ بيننا وبين الحق، وقد تدبّرنا كتاب الله تعالى وسنة رسوله وآثار سلف هذه الأمة، فوجدنا السبيل واضحًا، والمنار بيّنًا، والهدى معروفًا. وقد سردنا في هذه الرسالة من أدلة الكتاب والسنة ما يغني عن سواه، ولا تجهل أن هناك أحاديث ضعيفة وآثارًا سخيفة لا يصحّ الاستناد إليها ولا الاعتماد عليها ولو لم يعارضها شيءٌ، فكيف وقد عارضها القرآن والسنن المتواترة.
وأما دعوى الإجماع فباطلة، فإنه لم يزل في كل زمان قائم لله بحجة، ومع ذلك فإنه قد سبق (١) عن ابن حجر قوله: إن الإجماع لا يكون حجة في هذه الأعصار لتغيّر الناس وغَلَبة الفساد. ومع هذا فالإجماع إنما يكون حجة إذا عُلِم يقينًا، وليس عندكم فيه هنا إلا الاحتمال، بل ليس ــ والحمد لله ــ (٢)
стр. 460
احتمال أصلًا ــ كما مرّ ــ. وهذه الأدلة القواطع من آيات الكتاب، والأحاديث المتواترة الصحيحة، فما معنى دعوى الإجماع بمناقضتها ومعارضتها؟ وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
وعليكم أن تراجعوا كلام الإمام الشافعي في الإجماع، وكلام الإمام أحمد، وقد مرَّ بعضُه.
وأما قولكم: إن الناس مفطورون على ذلك، فهذا جهل بيّن، فإن الفطرة إنما هي معرفة الله وحده، وما خرج عنها فهو ليس من الفطرة، وإنما هو التقليد المحض، كما ينشأ أولاد الكفار كفّارًا، يظنون الحق ما عاش عليه آباؤهم وأجدادهم وألِفُوه واعتادوه، فيقول قائلهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. ويُنشد:
بلادٌ بها عقَّ الشبابُ تمائمي ... وأوّل أرضٍ مسّ جلدي ترابُها (١)
ويردّد:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جَمَعَتْنا يا جريرُ المجامع (٢)
ويقول أحدهم: واعجباه! أيمضي آباؤنا وأجدادنا وفيهم العلماء والعُبّاد والأمراء على هذه العقيدة وتكون باطلة، إن هذا لشيء عجيب! أوَ يسوغ لنا أن نخالفهم في ذلك ويفوز هؤلاء النّفَر القليل بالحق دونهم؟ لو كان خيرًا ما سبقوهم إليه.