تنبيه
قد يستبعد بعضُ الناس وجود الشياطين عند قبور الصالحين.
والجواب: أن الشياطين مأذون لهم فيما هو أشدّ من هذا، ففي «الصحيحين» (١) عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﵌: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم». وفي «صحيح مسلم» (٢) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵌: «ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكِلَ به قرينه من الجنّ وقرينه من الملائكة» قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وإياي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير» ولمسلم (٣) أيضًا نحوه عن عائشة.
وفي «الصحيحين» (٤) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «إن عفريتًا من الجن تفلّت البارحة ليقطع عليَّ صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته ... » الحديث.
وقد أخرجه مسلم (٥) عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله ﵌ يصلي فسمعناه يقول: «أعوذ بالله منك»، ثم قال: «ألعنك بلعنة الله» ثلاثًا، وبسط يدَه كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك
стр. 457
بسطت يدك؟ قال: «إنّ عدوَّ الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخذه. والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة».
وفي «سنن أبي داود» (١) عن أنسٍ قال: قال رسول الله ﵌: «رصّوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصفّ كأنها الحذف».
وفي «صحيح مسلم» (٢) عن ابن مسعود قال: «إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل، فيأتي القومَ فيحدّثهم الحديث من الكذب، فيتفرقون، فيقول الرجل منهم: سمعت رجلًا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدّث».
ولا يخفى أن الشياطين بالصالح أشدّ اهتمامًا، وهذه المشاهد حريّة بأن تكون محضورة بالشياطين؛ لأنه إما أن يكون صاحب القبر صالحًا لم تتمكّن منه الشياطين في حياته، فهم حريصون على أن يعتاضوا عما فاتهم منه بما ينالونه بواسطة قبره. وإما أن يكون طالحًا فهو صاحبهم حيًّا وميّتًا؛ ولهذا نرى حرم الله تعالى وحرم رسوله منزّهين عما ذكرتم، وإن كان شياطين الإنس والجن ربما انتهكوا حرمتهما بحِيَل يتلاعبون بها بعقول الجهّال مما يعلّمهم إيّاها الشيطان، كما كانت الأصنام والأوثان في الجاهلية داخل الكعبة وخارجها. نسأل الله تعالى التوفيق.
стр. 458
[٧٨] قال المجيزون: أما بعد هذا فلا طاقة لنا بجدالكم، ولكنّا نكتفي بما هو مثبت في دواوين الإسلام من المؤلفات التي لا تُحصى، بل وبإجماع المسلمين على النداء والاستغاثة بالأنبياء والصالحين، حتى إن الظاهر أن ذلك أمر فَطَرهم الله تعالى عليه، وإنكم وإن أتعبتم أنفسكم ولجَجْتُم في الخطاب فلن تقدروا على تغيير ذلك ولا تبديله، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]. وإنما نسألكم عن أمر واحد وهو أن المسلمين في هذا الأمر فِرَق:
الفريق الأول: مَن يُثبت للأنبياء والصالحين الكشف الصادق في السموات والأرض، ويثبت لهم التصرّف فيما بين ذلك مُسْنِدًا ذلك إلى الإذن الربّاني.
الفريق الثاني: مَن لا يثبت لهم ذلك وإنما يقول: إن الله تعالى يبلغهم ويجيب دعاءهم.
الفريق الثالث: مَن لا يقول بهذا ولا بهذا، ولكنه يثبت التوسّل، ويجعل الطلب منهم والاستغاثة بهم حاضرين في معنى طلب الدعاء، ويجعل خطابهم عند قبورهم بناء على أنهم يسمعون الكلام، كما ثبت ذلك في أحاديث صحيحة، وأنهم قادرون على الدعاء وإن كانوا موتى، كما ثبت من وقوع العبادات من بعض الموتى. ويجعل نداءهم والطلب منهم والاستغاثة بهم غائبين في معنى التوسّل.
وليس من هذه الفِرَق من يدّعي لمخلوقٍ الاستقلال بالقدرة من دون الله تعالى، ولا مشاركته في القدرة، وإنما يقولون: إن الله يُسْمِع مَن يكرمه من خلقه ما غاب عنه من المسموعات، ويُطْلِعُه على ما غاب من
стр. 459
المعلومات، ويُجري على يده ما شاء من خوارق العادات.
ويبنون على ذلك جواز النداء والطلب على ما مرّ. وكلٌّ منهم متمسّك بدليل شرعيّ، فلم تتمسكوا معهم بالأدب الواجب بين العلماء، بل بادرتم إلى تفسيقهم وتكفيرهم وتضليلهم، وإخراجهم من الدين رأسًا [٧٩] فجعلتم أمة محمد ﵌ محصورةً فيكم، وسائر الأمة مرتدون، فما سمعنا بضلال أضلّ من هذا! وما دام الأمر على هذا فالكلام معكم ضائع، لأنكم تعتبروننا مرتدين كفّارًا نحن وجميع هذه الأمة إلا أفرادًا يُعدّون بالأصابع. وهذا القول يكفي في ردّه حكايتُه.
قال المانعون: إنا والحمد لله أنصار الحقّ لا عداوةَ بيننا وبين الحق، وقد تدبّرنا كتاب الله تعالى وسنة رسوله وآثار سلف هذه الأمة، فوجدنا السبيل واضحًا، والمنار بيّنًا، والهدى معروفًا. وقد سردنا في هذه الرسالة من أدلة الكتاب والسنة ما يغني عن سواه، ولا تجهل أن هناك أحاديث ضعيفة وآثارًا سخيفة لا يصحّ الاستناد إليها ولا الاعتماد عليها ولو لم يعارضها شيءٌ، فكيف وقد عارضها القرآن والسنن المتواترة.
وأما دعوى الإجماع فباطلة، فإنه لم يزل في كل زمان قائم لله بحجة، ومع ذلك فإنه قد سبق (١) عن ابن حجر قوله: إن الإجماع لا يكون حجة في هذه الأعصار لتغيّر الناس وغَلَبة الفساد. ومع هذا فالإجماع إنما يكون حجة إذا عُلِم يقينًا، وليس عندكم فيه هنا إلا الاحتمال، بل ليس ــ والحمد لله ــ (٢)
стр. 460
احتمال أصلًا ــ كما مرّ ــ. وهذه الأدلة القواطع من آيات الكتاب، والأحاديث المتواترة الصحيحة، فما معنى دعوى الإجماع بمناقضتها ومعارضتها؟ وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
وعليكم أن تراجعوا كلام الإمام الشافعي في الإجماع، وكلام الإمام أحمد، وقد مرَّ بعضُه.
وأما قولكم: إن الناس مفطورون على ذلك، فهذا جهل بيّن، فإن الفطرة إنما هي معرفة الله وحده، وما خرج عنها فهو ليس من الفطرة، وإنما هو التقليد المحض، كما ينشأ أولاد الكفار كفّارًا، يظنون الحق ما عاش عليه آباؤهم وأجدادهم وألِفُوه واعتادوه، فيقول قائلهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. ويُنشد:
بلادٌ بها عقَّ الشبابُ تمائمي ... وأوّل أرضٍ مسّ جلدي ترابُها (١)
ويردّد:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جَمَعَتْنا يا جريرُ المجامع (٢)
ويقول أحدهم: واعجباه! أيمضي آباؤنا وأجدادنا وفيهم العلماء والعُبّاد والأمراء على هذه العقيدة وتكون باطلة، إن هذا لشيء عجيب! أوَ يسوغ لنا أن نخالفهم في ذلك ويفوز هؤلاء النّفَر القليل بالحق دونهم؟ لو كان خيرًا ما سبقوهم إليه.
стр. 461
ثم يوحي بعضهم إلى بعض أن اثبتوا على ما وجدتم عليه آباءكم وأشياخكم، وأعرضوا عن كلام من يريد أن يصدكم عن ذلك والغَوا فيه، ولا تتفكّروا فيه، ولا تتدبروه، ولا تطالعوا رسائلهم فإنها مضلّة. وهكذا تمضي أعمارُهم في مناصبة الحق ومعارضته ومحاربته ومناقضته والإعراض عنه والتحذير منه، [ص ٨٠] كأنهم لا يقرؤون كتاب الله تعالى، فيعلمون أن الدين هو ما جاء من عند الله تعالى بكتابه وسنة رسوله الصحيحة، فيتدبرون القرآن ويراجعون السنة.
وهب أنّ آباءهم وأجدادهم وأشياخَهم كلهم على الحق، أفلا يجب على هؤلاء أن يعرفوا الحق بعينه، ويأخذوه من معدنه، حتى يكونوا على يقين منه لا على مجرد التقليد والظن المتردّد؟ وإننا لا نطلب منكم إلا أن تتبعوا الحق وتعملوا بموجبه مع قطع النظر عما كان عليه الآباء والمشايخ وغيرهم، فإنكم مكلّفون كما هم مكلّفون، والحُجَج قائمة عليكم كما كانت عليهم.
ولو رجعتم إلى أنفسكم لعلمتم أنه إنما يحملكم على معارضة الحق مجرّد الهوى والتعصّب والإلْفَة لأنفسكم ولآبائكم ولأشياخكم. وهذه هي صفة أهل الضلال كما تعلمون، فاتقوا الله في أنفسكم، وجرّدوها عن الأهواء، واعمدوا إلى الحق تجدوه واضحًا لا غبار عليه.
إن الفتى من يقول: هانا ذا ... ليس الفتى مَن يقول: كان أبي (١)
стр. 462
فإن آباءنا وآباءكم ليسوا بمعصومين عن الخطأ، ولا ندري ما هو الذي أخطأوا فيه مما أصابوا، وإنما يُعرف ذلك بالحجة، وهي كتاب الله تعالى وسنة رسوله الصحيحة، فعليكم بهما ترشدوا إن شاء الله تعالى. ولاسيّما والخطأ في مسائل التوحيد والجهل بها لا يُعذَر صاحبه، كما لا يسوغ التقليد فيها اتفاقًا.
واعلموا أن الله تعالى لم يحفظ علينا كتابه وسنة رسوله إلا لتقوم علينا الحجةُ بهما لئلّا نتمسّك بشبهة التقليد ونقول: لم نجد متمسّكًا غيرها، لذلك حفظ الله تعالى علينا كتابَه وسنةَ رسوله حتى لا تبقى لنا شُبهة.
وكيف بكَ يا ابنَ آدم إذا قال الله تعالى لك: ألم تعلم أن من شرط الإيمان أن تؤمن بكتابي وبرسولي؟
قلتَ: بلى يا رب.
قال: أوَ لم تعلم أن كتابي وسنة رسولي كانت موجودة في حياتك؟
قلت: بلى يا رب.
قال: أوَ لم يكن يمكنك أن تفهم معانيهما؟
قلت: بلى يا ربّ.
قال: فلماذا أعرضتَ عنهما واتبعتَ ما يقول الناس؟
ثم يقول لك: ألم تعلم أني أنزلتُ كتابي مخاطبًا به جميع بني آدم قائلًا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١].
فيقول: بلى يا ربّ.
فيقول: أوَ لستَ من الناس المخاطَبين.
فتقول: بلى يا ربّ.
стр. 463
فيقول لك: أوَ لم تقرأ فيه أنه ﴿عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
فتقول: بلى يا ربّ.
فيقول لك: أوَ لم تقرأ هذه الآية؟
فتقول: بلى يا رب.
فيقول: أوَ لم تفهم معناها بالأسلوب العربي؟
فتقول: بلى يا رب.
فيقول: وكيف اعتقدتَ ما يناقضها؟
فلا يسعك إلا السكوت، إذ لا يمكنك أن تقول: عملتُ بقول آبائي وأشياخي، فتعترف على نفسك أنك قدمتَ قولَ آبائك وأشياخك على كلام ربك ﷻ !
[٨١] فصل
وأما شكواكم من التكفير والتفسيق فهي شكوى لا معنى لها، وإنما عليكم أن تتجرَّدوا عن الأهواء، وتنظروا بعين الإنصاف وحب الحق حتى تقفوا على ما وقف عليه المكفِّرون والمُفَسِّقون؛ فإن تبين لكم أن لهم حجة في ذلك فلا تلوموهم على أن عملوا بها. وإن لم تجدوا لهم حجة ووجدتموهم متأوّلين، فاعلموا أنهم معذورون في ذلك. وقد مرّ في هذه الرسالة ما يتعلق بهذا (١).
وإن اتضح لكم أنهم لا حجة لهم ولا تأويل، وإنما قالوا ما قالوه
стр. 464
بالهوى والعناد، فحينئذٍ فلوموهم عن يقين.
وقد قسّمتم الناس على فِرَق، فنبني الكلام عليها، فنقول:
أما الفرقة الثالثة، وهم الذين يجيزون التوسّل، ويجيزون الطلب من الصالحين الحاضرين الأحياء، لا على أنهم قادرون على تحصيل المطلوب بأنفسهم، بل على أنهم قادرون على تحصيل سببه، وهو الدعاء. فمعنى قولهم: «يا سيدي فلان أغِثْني أو أدركني أو الغارة» = أغثني بالدعاء، وأدركني بالدعاء، والغارة بالدعاء.
ويخاطبون الموتى عند قبورهم بناءً على أنهم يسمعون الكلامَ ويقدرون على الدعاء، وينادون الغائبين ويستغيثون بهم لا على معنى أنهم يسمعون ويُغيثون بل على معنى التوسّل.
فقولهم: «يا بدوي الغاره» يريدون به: اللهم إنا نسألك بجاه البدوي الإغاثة= فمسألة التوسّل قد مرّ ما فيها. وخلاصة القول فيها: أنه خلاف السنة، وطلب الدعاء ثابت بالكتاب والسنة، وطلب الفعل من الحيّ الحاضر بمعنى طلب الدعاء لا بأس به إذا قامت القرينةُ على المراد، فأما إذا لم تقم قرينة فالعمل على الظاهر، وهو أن الطالب يعتقد أن المطلوب منه يقدر على تحصيل المطلوب. وسيأتي ما في هذا.
ثم إن قول ما ظاهره كفر محظور في الشرع وإن كان القائل لم يرد به ظاهره.
وأما خطاب الموتى عند قبورهم وسؤال الدعاء منهم صريحًا، فإنه يدلّ على اعتقاد أنهم يَسْمعون أو يُبلّغون ويَدْعون.
стр. 465
وقد مرت الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة على عدم سماعهم وعدم دعائهم فراجعْها (١). ولا ريب أن فاعل ذلك مخالف لتلك الأدلّة، وبمراجعتها يتبيّن حكم مخالفها.
وأما إن طلب منهم غير الدعاء فالأمر أشدّ، وفيه نحو ما سبق قريبًا.
وأما الفرقة الثانية، وهم الذين يعتقدون أن الله تعالى يبلّغ الصالحين غائبين أو موتى، فهؤلاء مكذّبون لصريح الكتاب والسنة، فإن التبليغ إنما يقع للأنبياء في حال حياتهم في بعض الوقائع لا في جميعها. [٨٢] ومع ذلك فإنما يجوز في حال حياتهم أو غيبتهم أن يقال كما قال عاصم: «اللهم أخبر عنا رسولك» (٢).
وأما أن الله تعالى يقبل رجاءهم، فهذا صحيح في حقّ الأنبياء ﵈ غالبًا لما مرّ، ومع ذلك فالطريق في سؤالهم ذلك: أن يُسأل منهم الدعاءَ حال حياتهم. وأما إذا كانوا غائبين أو قد ماتوا فإنما يقال: اللهم شفِّع نبيّك ﵌ فينا، ونحوه مما ثبت بالدليل.
وأما غير الأنبياء فإنما المشروع أن يُسأل منهم الدعاء في حال حياتهم، وأما بعد موتهم فإنما الجائز أن يسأل من الله تعالى أن يجعله مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقًا.
وأما الفرقة الأولى، وهم الذين يثبتون للأنبياء والصالحين الكشفَ الصادق في السموات والأرض عمومًا، ويثبتون لهم التصرّف فيما بين ذلك، مُسْنِدين ذلك إلى الإذن الربّاني، فهؤلاء في إثباتهم للأنبياء الكشفَ في ما
стр. 466
بين السموات والأرض عمومًا مكذّبون لكتاب الله تعالى وسنة رسوله، لما مرّ بيانُه في المقام الأول، وفي إثباته للصالحين أشدّ تكذيبًا للكتاب والسنة. وفي إثبات التصرُّف فيما بينهما عمومًا مكذّبون لكتاب الله تعالى وسنة رسوله لما مرّ بيانه في المقام الثاني.
ثم إن ما خالف كتاب الله وسنة رسوله فهو باطل، والمبطل في العقائد غير معذور عند الجمهور. وفوق ذلك فمخالفة كتاب الله تعالى في الاعتقاد لا تخلو أن تكون صريحة أو غير صريحة، فغير الصريحة تكذيبٌ له غير صريح، وهذا خطأ في الاعتقاد، وقد مرّ أن صاحبه غير معذور عند الجمهور. وأما الصريحة فهي تكذيب صريح لكتاب الله تعالى، [ص ٨٣] وتكذيبه الصريح كفر صريح. وهذا كتاب الله تعالى بين أيديكم، وهذه اعتقاداتكم، فانظروا أين منزلتكم؟
ثم إن الاستعانة والاستغاثة والاستعاذة ونحوها من أقسام الطلب إن كانت مما جرت به العادةُ المشتركة بين سائر البشر، فالأصل جوازها حتى يرد الشرع بالمنع. وإن كانت فيما لم تَجْرِ به العادة؛ بأن يطلب من مخلوق ما لا يقدر عليه البشر عادة، فهذه من العبادة، قال الله : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ... ﴾ الآية [غافر: ٦٠]. وفي الحديث عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﵌: «الدعاء هو العبادة» ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه (١). وفي رواية للترمذي عن أنس
стр. 467
قال: قال رسول الله ﵌: «الدعاء مخ العبادة» (١).
ولا شك أن مَن طلب من المخلوق ما لا يقدر عليه البَشَر عادةً، فقد عمل معه ما لا يُعْمَل إلا مع الله، أي: دعاه وعَبَدَه. وعبادة غير الله تعالى كفر بلا شكّ. ولا شكَّ أن مَن يعمل هذا مع المخلوقين معتقد استحقاقَهم لمثله. وبذلك الفعل والاعتقاد يَنْقض شهادته بوجهيها، فإن من شهد أن لا إله إلا الله فقد أخبر أنه يعتقد أن لا معبود بحقّ في الوجود إلا الله، والتَزَم أنه لا يعبد إلا الله. فمتى أخلّ بأحدِ الأمرين كفر، فكيف بمن أخلّ بهما معًا؟ والله أعلم.
قال المجيزون: فهمنا هذا وبقي أن كثيرًا من المانعين يرموننا بكفر أهل الجاهلية وأشدّ منه، فما وجه ذلك؟
قال المانعون: وجهه أنكم تعتقدون في غير الله تعالى أنه يضر وينفع، وهذا هو الذي كانوا يعتقدونه في أصنامهم، وكانوا عند الشدائد يوحّدون الله تعالى، كما دلّ عليه القرآن في عدة مواضع: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة أن القومَ كانوا يوحّدون الله تعالى عند الشدائد، وأنتم بخلاف ذلك، بل كلما اشتدت عليكم الشدائد ازددتم غفلةً عن الله تعالى وذكرًا (٢) للذين تدعون من دونه!
стр. 468
قال المجيزون: لا سواء، فإن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون في أصنامهم أنها تضرّ وتنفع من دون الله أو معه، ونحن إذا اعتقدنا في الصالحين أنهم يضرون وينفعون [ص ٨٤] فإنما نعتقد أن ذلك بإذن الله تعالى، لا من دونه ولا معه.
قال المانعون: وهكذا كان الجاهليون يقولون، كما يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٣ - ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]، وقوله جلّ ذكره: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]. وقوله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ
стр. 469
لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦١ - ٦٣].
وقوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧]. وقوله : ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... ﴾ الآية [يونس: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
وفي «صحيح مسلم» (١) عن ابن عبّاس قال: «كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك». يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت.
وكفى بقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فإنهم حصروا السببَ الحاملَ لهم على عبادتهم في إرادة أن يقرِّبوهم إلى الله زُلْفى.
стр. 470
[ص ٨٥] قال المجيزون: هذه الآيات التي ذكرتم وغيرها تدلُّ على أن المشركين سمّوا أصنامهم آلهة، وعبدوها، واعتقدوا أنها تستحقُّ العبادة، واعتقدوا أنها تشفع عند الله تعالى وتقرب إليه بغير إذنه، وكذّبوا القرآن والنبيّ ﵌ في ذلك، وليس منّا أحدٌ يعبد الصالحين، ولا يعتقد أنهم يستحقون العبادة، ولا يعتقد أنهم يشفعون ويقرِّبون إلى الله تعالى بغير إذنه.
قال المانعون: أما مطلق التسمية فإنه لا يتعلّق بمجرّد لفظها حقّ، وإنما يتعلّق بها من حيث معناها، ومعنى الإله: المعبود بحق، وسيأتي مثل هذا عنكم. وأما العبادة فإن فيكم من يعبد الصالحين، وذلك أنكم تدعونهم وتستيغيثون بهم كما مرّ، والدعاء مخّ العبادة أو هو العبادة، كما ورد في الحديث (١)، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] وفيكم من يتمسّح بأضرحتهم ويذبح عندها، وينذر النذور للموتى، ونحو ذلك. وكلُّ هذا من العبادة. ولا شكّ أنكم تعتقدون أنهم يستحقّون ذلك، وهذا معنى الإلهية.
وأما قولكم: إن المشركين كانوا يعتقدون في الأصنام أنها تشفع عند الله من غير إذنه، ففيه نظر، كيف وهم يقولون في تلبيتهم: إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك؟ وقد مرَّ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]. مع أن فيكم من يعتقد في الصالحين قريبًا من
стр. 471
ذلك ويستدلّ بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]. غافلًا عن كون ذلك إنما هو في الجنة التي كلّ من دخلَها كان له ما يشاء، وأن الله تعالى يحفظ نفوس أهل الجنة أن تشتهي ما سبق في علمه خلافُه، فلا يشتهي أهل الجنة خروج أقربائهم الكفار من النار.
وأما في الدنيا فقد سبقت الدلائل من الكتاب والسنة أن الأنبياء يُمنعون بعض ما يشاؤون فضلًا عن غيرهم، والله يقول: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وكذا في المحشر قد يُمنعون بعض ما يشاؤون كما مرّ في حديث شفاعة الخليل لأبيه (١).
وأما كون المشركين كذَّبوا القرآن والنبي، فقد شاركتموهم في هذا، فكذّبتم دلائل القرآن ودلائل سنة الرسول ﵌. وغاية الأمر أن تكذيبهم أصرح من تكذيبكم.
[ص ٨٦] قال المجيزون: أما كون دعاء الله تعالى من عبادته فمسلّم، ولكن لا نسلِّم أن ما يقع منّا من نذر الصالحين والاستغاثة بهم، كدعاء الله تعالى، فإن دعاء المرء لله تعالى دعاءُ مَن يعلم أنه الفاعل المختار، فهو يطلب منه العفو والمغفرة والرحمة والرزق والشفاء وغير ذلك، ودعاء أحدنا للصالح إنما هو كما يدعو الإنسانُ صاحبه ويطلب منه ما يقدر عليه.
وأما التمسّح بالأضرحة، فإنما يفعله من يفعله منا تبرّكًا بأثر ذلك الصالح. وقد ثبت التبرّك بآثار النبي ﵌، فثبت أن
стр. 472
التبرّك بآثار الصالحين إن لم يكن مستحبًّا فليس بكفر قطعًا.
وأما النذر والذبح، فإن الناذر إما أن يتصدّق بالمنذور، ويعطيه من يقرأ إلى روح ذلك الصالح، أو يجمع عليه الناس لذكر الله تعالى، أو نحو ذلك. وإما أن يعطيه أقارب ذلك الصالح وأتباعه.
فهو في الحالة الأولى إنما يريد النذر بثواب تلك الصدقة أو تلك القراءة أو الذكر ونحوه. وفي الثاني إنما أراد النذر على أتباعه، وهذا من باب البرّ والصِّلَة المستحبّة في الشرع. كما أن الإنسان يبرّ قرابة النبي ﵌ ويعتقد أن ذلك من برِّه للنبي ﵌ قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]. فهذا الرجل في نذره على ذلك الميت وإعطاء المنذور به لأتباعه إنما يعني النذر على أتباعه بنيّة البرِّ له.
وكذلك الذبح، فلا نعلمَ أحدًا يذبح باسم أحدٍ من الصالحين، وإنما يذبح على اسم الله تعالى قائلًا: بسم الله، والله أكبر. وإنما قد ينذرون بالشاة ونحوها على الولي قاصدين النذر بثواب الصدقة بها أو غير ذلك مما مرَّ. وإذ قد ثبت أنه لا بأس بهذه الأشياء، فلا بأس باعتقادنا أنهم يستحقّونها.
وأما أننا نعتقد أن لهم ما يشاؤون في الدنيا والآخرة فلسنا نطلق ذلك، وإنما نعتقد أن دعاءهم أقرب إلى الإجابة، وهذا لا ينازع فيه أحد.
[ص ٨٧] قال المانعون: إننا ــ كما يعلم الله تعالى ــ نحبّ أن تكون جميع أفراد الأمة على هدى وسراط مستقيم، ولا غرض لنا في أن يكون أحدٌ منهم ضالًّا، وإنما غرضنا في تحقيق الحقّ.
стр. 473
أما قولكم: إنّ نداءكم للصالحين والاستغاثة بهم ليس كدعاء الله تعالى ... إلخ، فنداء الصالح على ضربين:
الأول: أن يكون حاضرًا، وهذا معلوم بالضرورة أن مجرّد ندائه لا حرجَ فيه على كل حال.
والثاني: أن يكون غائبًا أو ميّتًا.
والاستغاثةُ على ضربين:
الأول: الاستغاثة بحيّ حاضرٍ بِطَلبِ ما يقدر عليه المخلوقون عادةً، كقولك للطبيب: أغثني بالدواء، ولصاحب الماء: أغثني بالسقي، وللقويّ: أغثني من هذا العدو، وللصالح: أغثني بالدعاء، فهذا من المعلوم بالضرورة أنه لا حرج فيه.
والثاني: الاستغاثة بالحيّ الحاضر بما لا يقدر عليه المخلوقون عادةً، كقولك له: أطلبُ منكَ المطر. وبالميت أو الغائب بأي شيءٍ كان. فنداء الميت أو الغائب والاستغاثة بهما مطلقًا أو بالحيّ الحاضر فيما لا يقدر عليه المخلوقون عادة= عبادةٌ.
وهذه حالة الكفّار مع أصنامهم، ومع عيسى والملائكة، ولا يفيدكم اعتقاد تبليغ الغائب والميت، كما لا يفيد الكفار اعتقاد حياة تلك الأحجار؛ لأن كلًّا منهما وإن كان ممكنًا في القدرة إلا أنه مِن خَرْق العادة، وما كان من خَرْق العادة لم يَسُغ الاستناد إليه إلا أن يخرقها بالفعل بأن يصير مُشاهَدًا أو نحوه، كأن يُحيي الله ميتًا بالفعل. وعليه بنى بعضُ العلماء خطاب النبي ﵌ لأصحاب قليب بدر، قالوا: إن الله تعالى ردّ عليهم أرواحهم وأعْلَمَ نبيَّه بذلك فخاطبهم.
стр. 474
وأما التمسُّح بالأضرحة، فقد مرّ في بحث التبرّك ما يُغني عن الإعادة (١)، وقد علمتم أن سلفَ الأمة وعلماءها مجمعون على المنع من ذلك، وأنه من أفعال المشركين. ومرّ هناك أيضًا التبرك بآثار الصالحين والخلاف فيه.
وأما النذر فهو على وجهين: النذر لله تعالى، والنذر للمخلوق.
فالنذر لله تعالى هو: أن يلزم الإنسان نفسه لله تعالى حقًّا في عملٍ من الأعمال كالصلاة والصيام ونحوها، وقد يتعلّق بالمخلوق تَبَعًا، كأن ينذر لله تعالى أن يتصدق على زيد، ويُعرف هذا بالنذر على المخلوق.
والثاني: النذر للمخلوق، بمعنى التقرّب إليه بالنذر.
[ص ٨٨] فالنذر لله تعالى بالصدقة على زيد صحيح، فالنذر لله عبادة، وعلى زيد صدقة. وأنتم تنذرون للصالحين كما ينذر لله تعالى، فيقول أحدهم: هذه الناقة لفلان بِنِيّة سلامة الإبل، وهذا الثور لفلان بِنِيَّة سلامتي أو سلامة ولدي. ويقول: يا بدوي هذا الكبش لك على شفاء ولدي، ونحو ذلك. ثم إذا سُئل أحدكُم عن تلك الناقة أو الثور أو الكبش قال: هذه حق الولي الفلاني، ويسمونها: ناقة فلان، وثور فلان وكبش فلان، ويعتبرونها ملكًا له، حتى إذا رأى أحدهم في منامه شخصًا يتسمّى له باسم ذلك الولي ويقول: أعط الناقة حقي لفلان، أعطاها إياه، كائنًا مَن كان!
ومَن مارس أحوال هؤلاء العوام عَرف أنهم لا يريدون بشيءٍ من ذلك أنه لله تعالى، وإنما ينوون به التقرّب إلى الولي الذي هو في زعمهم على كل
стр. 475
شيء قدير، فإن (١) لاحظوا قَصْدَ وجه الله تعالى فإنما هو تَبَعًا، أي: أنهم يتقرّبون إلى ذلك الوليِّ، والوليُّ يقربهم إلى الله تعالى زُلْفَى، وله من الله ما يشاء وهو شفيع لا يُردّ.
وأما الذبح، فإنهم ينوون به التقرّب إلى الولي، حتى إن منهم مَن يحضرون للاستسقاء بقبرٍ معروف عندهم بأنه قبر ولي، فيقدِّمون الثورَ ليُذْبح عند القبر، ويعتقدون أنه لو ذُبح بعيدًا عن قبره لم يُجْزِ، كما يعتقدون أنهم إذا لم يُمْطَروا أن في ذلك الثور نقصًا، فينظرون ثورًا أجود منه، ويذهبون به، فيذبحونه عند القبر. بل ربما اعتاد عوام بعض الجهات أن يطوفوا بالثور قبل ذبحه على القبر، ثم يذبحونه بعد ذلك، وربما لطخوا القبر بشيء من دمه، فأين إرادة الصدقة لوجه الله تعالى؟ !
قال المجيزون: إننا لا ننكر أن يكون بعض العامة غلاةً في الاعتقاد إلى نحو ما ذكرتم، ولكنهم في دعاءِ الغائب والميت مع اعتقاد أنه يسمع، والطلبِ منه مع اعتقاد أن الله تعالى أعطاه التصرّف في الكون، والنذرِ له على ما وصفتم، والذبحِ عند قبره كذلك= جُهّال، وهؤلاء معذورون بجهلهم.
وكان ينبغي لكم أن تعملوا معهم بما أمر الله تعالى به رسوله ﵌ بقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، [ص ٨٩] ولاسيَّما وإطلاقكم التكفير بهذه الأفكار يستلزم ردّ أحاديث كثيرة، كحديث: «إن الله تعالى يغفر في ليلة النصف من شهر شعبان لأكثر من عدد شعر غنم كلب» (٢). وأنتم إذا
стр. 476
عددتم مَن على وجه الأرض من المسلمين وجدتم جمهورهم متمسّكين بهذه الأشياء، فإن قلتم بكفرهم لم يبق إلّا عددٌ قليل!
قال المانعون: أما حديث: «عدد شعر غنم كلب» فهو ضعيف. قال الترمذي: سمعتُ محمدًا ــ يعني البخاري ــ يُضعِّف هذا الحديث. وإن صحّ حديثٌ بنحو ذلك فهو محمول على ما إذا وجد هذا العدد (١) ممن تمكن له المغفرة؛ لأننا نعلم أن نبيّ الله ﵌ مكث زمانًا لا يبلغ أصحابه المائة، وأخبر أن أمته ستتبع سَنن من قبلها إلا طائفة منها، وأخبر أنه آخر الزمان لا يبقى على الأرض من يقول: اللهَ اللهَ. فمن هم الذين غفر الله تعالى لهم في بدء أيام رسوله قبل كثرة أصحابه، بل وبعد كثرتهم؟ ومَن هم الذين يغفر الله تعالى لهم آخر الزمان؟ فجوابكم هو جوابنا.
وأما قولكم: إن المعتقدين جُهّال، فهم جُهّال ولا شكّ، ولكن ليس الجهل عُذرًا في أمور الاعتقاد، بل ولا غيرها حيث أمكن التعلّم.
وهؤلاء الناس جميعهم قد بلغتهم دعوة محمد ﵌، ولزم كلًّا منهم أن يعرف حقيقة الدين الذي جاء به، ويعرف معنى هذه الكلمة التي هي كلمة الشهادة حقَّ معرفتها، وإلا جاء يوم القيامة مع القائلين: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ الآيات [الأحزاب: ٦٧ - ٦٨]. على أننا نلزم أنفسَنا تحسين الظنّ ما أمكن قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ
стр. 477
رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
[٩٠] تنبيه:
قد يتمسك بعض الناس في إبطال التكفير بأحاديث النُّطق بالشهادتين، كحديث الشيخين (١) عن ابن عمر ﵁: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، وأموالَهم، إلّا بحقّ الإسلام».
زاد في رواية البخاري: «وحسابهم على الله».
وحديث البخاري (٢) عن أنس أنه قال: قال رسول الله ﵌: «مَن صلّى صلاتنا، واستقبل قبلَتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله، وذمة رسوله، فلا تَخْفِروا الله في ذمته».
والجواب عن هذا على وجهين: إجمالي وتفصيلي.
أما الإجمالي فيقال لهم: قد نصّ علماؤكم جميعًا على كفر من أهان المصحف، أو أنكر بعض آيات القرآن غير البسملة، ونحو ذلك، فكيف ترون في رجل يفعل شيئًا من ذلك وهو يكرر الشهادتين؟
وأما التفصيلي: فتتضمنه قصة جرت لي وأنا يومئذٍ بمجلس المرحوم الإمام الإدريسي، وذلك أني حضرت لديه مرةً وهناك رجل من أهل نجد وجماعة من علماء الشناقطة، فقام المرحوم وتركَنا، فسأل بعضُ الشناقطة ذلك الرجل النجديّ قائلًا: كيف تكفِّرون قومًا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن
стр. 478
محمدًا رسول الله، وتستحلّون دماءَهم وأموالَهم؟ وقد قال ﵌ كيتَ وكيتَ؟ فأجابه ذلك الرجل قائلًا: إن شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله لا تكفي في الإسلام، ثم طال النزاعُ حول هذا الحديث، وتداخل بقية الشناقطة في الكلام وأنا ساكت، فرجع المرحوم فسكتوا، فقال: ما هذا النزاع؟ فأخذ كلّ منهم يخبره بقوله. فابتدرتُ وقلتُ: إني لم أتداخل في نزاعهم، فالحقّ لي أن أخبركم بالحقيقة. فقال: هات، فقلت: إنه في الحقيقة لا خلافَ ولا اختلاف، فالفريقان متفقان، وإنما هو كما يقول المولَّدون: سوء تفاهم. وذلك أن هؤلاء المشايخ أعني الشناقطة [٩١] قالوا للأخ: كيتَ وكيتَ، فأجاب عليهم بكيت وكيت.
والواقع أن الأخ لا ينكر أنّ مَن نطق بالشهادتين عارفًا بمعناهما يصير مسلمًا، والمشايخ لا ينكرون أن مَن اعتقد ما يخالف شيئًا من مقتضى الشهادتين صريحًا يعدُّ مرتدًّا حلالَ الدم والمال، وإن استمر على النطق بالشهادتين زاعمًا أن ذلك لا يخالف مقتضاهما، ولكنّ المشايخ تمسّكوا بالنطق بالشهادتين وفهموا أن الأخ يقول: لا يُكتفى بالنطق بها ولو مع فهم معناهما والمحافظة على مقتضاهما. والأخ تمسك بأنه لا يكفي مجرّد النطق بالشهادتين أي: بدون فهم معناهما والمحافظة على مقتضاهما، وفَهِم أن المشايخ يقولون: إنه يكفي مجرّد النطق، أي: ولو بدون ذلك. انتهى.
وأقول الآن بيانًا لذلك: إن المقصود الأهم إنما هو اعتقاد معنى هذه الكلمة على ما يفيده الوضع العربي، والاعتقاد غيب لا يعلمه إلا الله تعالى، فاكتفى الشارع بأقوى الأدلة عليه، وهو النطق على الوجه القاطع، ولذلك لو لقِّن مشرك أعجمي ذمي الشهادتين، ولم يعلم معناهما، فنطق بهما لم يَصِر بذلك مسلمًا، كما إذا لقِّن صيغة الطلاق ولم يعلم معناها، فنطق بها لم يقع.
стр. 479
إذا تقرر ذلك فمعنى الحديث أنه أُمِرَ أن يقاتلهم حتى يشهدوا ... إلخ فإذا فعلوا عصموا ... إلخ.
بقي ما إذا نقضوا شهادتهم إما بجحد الشهادتين معًا أو الاتيان بما يخالف شيئًا من مقتضاهما، وذلك كأن يعتقد إنسانٌ أن الله ﷻ قد يكذب ــ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا ــ مثلًا، وكذا تجويزه أن الأنبياء أو أحدًا منهم يكذبون. ومن هذا ما نص عليه الفقهاء من إنكار آية من كتاب الله تعالى أو زيادة آية فيه غير البسملة فيهما. وهذا كثير مفصل في باب الردة من كتب الفروع، وإنما قد يقع الاختلاف في بعض الجزئيات هل هو مخالف لشيءٍ من مقتضى الشهادتين، فمن ذلك قول الإمام أحمد: إن ترك الصلاة ــ[ص ٩٢] والعياذ بالله ــ كفر ولو مع عدم جحد وجوبها. وقال غيره ــ كالإمام الشافعي ــ: ليس الكفر إلا جحد الوجوب، فالإمام أحمد ﵀ رأى أن مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وجوب امثال أمره، وأنه من البعيد أن يشهد الإنسان أن لا إله إلا الله شهادةَ حقٍّ ثم يخالف أمره، فكان يقتضي ذلك أن مَن خالف أمر الله تعالى فقد برهن على أن شهادته مدخولة، وبعبارةٍ أصرح فقد خالف مقتضى الشهادة.
ولكن عَلِمَ الله ضَعْف ابن آدم وأنه معرّض لعدة عوامل (١)، كالشهوة والخوف والغضب وغيرها، فعفَا عما عفا عنه، فوجب أن نتبع الأدلة لنعلم ما عفا الله عنه وما لم يعفُ عنه، فلما تتبَّعْنا الأدلة وجدنا العفو عن اللمم قبل كلِّ شيء، ثم نظرنا في بقية الأشياء، فوجدنا من حيث
стр. 480
العقل أن الإنسان قد يذنب مع سلامة عقيدته، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) [التوبة: ١٠٢] إلى غير ذلك.
والنقص الذي يعتري العقيدة غير منضبط، فوجب الرجوع إلى النقل، فما وجدناه حكم فيه بالكفر عَلِمْنا أن نقص العقيدة بفعله يبلغ حدًّا يعدّ نقضًا للشهادة، فوجدنا حديث بريدة قال: قال رسول الله ﵌: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، كما في «المشكاة» (٢).
ووجدنا أيضًا حديث الترمذي (٣) عن عبد الله بن شقيق ــ من ثقات التابعين ــ قال: كان أصحاب رسول الله ﵌ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.
وفوق ذلك فالعقل يؤيد هذا، وذلك أن هذه الصلوات الخمس هي أهم أمور الدين، فتَرْك بعضِها أول دليلٍ على التهاون، ومع ذلك فالأمر في فِعْلها
стр. 481
يسير، والمشقة فيه خفيفة جدًّا، ولاسيّما مع التسهيل بالسفر والخوف والمرض والعذر بالنوم والنسيان [٩٣] لا جَرَم كان ترك بعضها من أحرى الأشياء أن يُعدّ نقضًا للشهادة.
وقد توسّع الخوارج في هذا الباب فتمسّكوا بظاهر ما مرّ مع عدة أحاديث تنص على بعض الأعمال أنها كفر، كالزنا والسرقة وشرب الخمر والانتهاب والغلول وقتال المسلم وغيره، وخالفهم غيرهم. وليس هذا موضع البحث وإنما الذي يهمّنا أن دعاء الغائب والميت والاستغاثة به وبالحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى واعتقادَ مقتضى ذلك هي أظهر في نقض الشهادة من ترك إحدى الصلوات؛ لأن فيها عبادة غير الله تعالى واعتقاد استحقاقه لذلك، وهذا هو معنى اتخاذه إلاها، فيكون ذلك مناقضًا لشهادة أن لا إله إلا الله.
وعلى كل حال فلا يحسن بالمنصف أن يلوم مَن قال بتكفير الداعي والمستغيث والمعتقد على الوجه المذكور، وإن لزم على قولهم تكفير أكثر الأمة، كما أنه لا يجترئ مسلم على القدح في الإمام أحمد بن حنبل في قوله: إن مَن تَرَك صلاةً من الفرائض فقد ارتدّ، وإن كان يعترف بوجوبها مع أنه يلزم على هذا القول أن أكثر الأمة مرتدون؛ لأنه ما من مدينة من المدن التي يسكنها المسلمون إلا وتاركوا الصلاة منهم أكثر من المصلين، وإذا عطفت النظر إلى المصلين وجدت كثيرًا منهم لا يصححون صلاتهم مع إمكان التعلم، فهم مع ذلك غير معذورين، فيلتحقون بالتاركين بدليل قوله ﵌ للمسيء صلاته: «صلّ فإنك لم تصلِّ» (١).
стр. 482
وقد اختلف الأئمة في أشياء كثيرة عدَّها بعضهم رِدّة كالسِّحر وغيره، ولم يطعن فيه مَن خالفَه حيث كان مجتهدًا مستندًا إلى الدليل، وقد رمى عمرُ ﵁ حاطب بن أبي بلتعة بالنفاق، ولم ينكر عليه النبي ﵌ ذلك، بل نبَّهه على خطأه فقط، ومثل هذا كثير في الصحابة.
وقد قال لي قائل: إن هؤلاء الوهابية كفّار، فقلتُ له: لماذا؟ فقال: لأن النبي ﵌ قال: «من كفّر مسلمًا فقد كفر» (١).
[ص ٩٤] فقلت له: فإن الوهابية لا يكفِّرون أحدًا من المسلمين.
قال: كيف وهم يكفّرون مَن قال: يا ستّنا خديجة، ويا ... ويا ... ؟
فقلت له: إن هذا عندهم كافر لا مسلم، فلم يصدق عليهم الحديث، لأن الحديث يقول: «من كفر مسلمًا» وهم يقولون: إنما كفّرنا كافرًا.
فقال: لكن العبرة بالقول الصحيح لا بما في زعمهم.
فقلت: فإنهم يعتقدون أن القولَ الصحيح هو الذي قالوه. وما ترى لو أن رجلًا مرَّ بك فظننته يهوديًا فناديته: يا يهودي، أليس قد كفّرته؟ قال: بلى.
قلت: فإذا بان مسلمًا، هل يحق لنا أن نقول: إنك كافر؟ قال: لا، لأني إنما قلت له ذلك بناءً على ما وقع في ظني.
فقلت له: فإن الوهّابية على فرض خطئهم في التكفير يقولون مثلك، وعذرهم أبلغ من عذرك، وأدلتهم أقوى من مجرد ظنّك.
قال: فما هو معنى الحديث إذًا؟
стр. 483
قلت: هو ــ والله أعلم ــ أن تقول لأخيك المسلم: «يا كافر» على جهة السبّ من غير أن يكون هناك دليل يدلّ على كفره، كما يفسِّره حديث «الصحيحين» (١) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌: «أيما رجلٍ قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما». وحديث البخاري (٢) عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول الله ﵌: «لا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك».
قال: فما وجه كفر القائل؟
قلت: هو ــ والله أعلم ــ إلزامٌ له بلازم قوله حيث أطلق أن صاحبه كافر، فكان ظاهر ذلك أن الدين الذي عليه صاحبه كُفْر، وحيث كان الدينُ الذي عليه صاحبُه هو الإسلام، فكأنه قال: إن الإسلام كُفْرٌ، أي: أنّ الإسلام دينٌ باطل. وأسْتَغْفِر الله تعالى من حكاية هذا. وهذا بخلاف مَن قال لتارك الصلاة: يا كافر، مستندًا إلى أدلة الإمام أحمد؛ وذلك أنه لم يُطْلِق عليه: «يا كافر» إلا بالنظر إلى بعض أعماله، وهو ترك الصلاة، فلم يلزم على قوله أن جميع أعمال ذلك الشخص (٣) كالنُّطق بالشهادتين كفر.
[ص ٩٥] ثم الحكم على بعض الأعمال أنه كفر لا يسوغ إلا بعد اجتهادٍ ونَظَر في الأدلة حتى يغلب على الظنّ كونه كفرًا. فمن قال في شيءٍ من الأعمال إنه كفر بدون تثبّت ولا نظر في الأدلة، فهو غير معذور لتقصيره، وحينئذٍ فهو حريّ بالدخول في الوعيد المذكور.
стр. 484
وعلى كل حال، فإن هذه الأشياء التي يقول الوهّابيّون إنها كفر ليس منها شيءٌ إلا وقد قام الدليل على المنع منه، فلو سُلّم أن الأدلة لا تدلّ أن ذلك كفر فلا أقلَّ من أن تفيد أن ذلك فسوق وضلالة؛ لأن جميع ذلك من المحدثات، وقد ورد: «كل محدثة بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة» (١) إلى غير ذلك من الأحاديث التي قد مرّ بعضها، بل قد دلّ على ذلك القرآن كما مرّ بيان بعض ذلك.
وحينئذٍ فما لكم وللتعصّب؟ تعالوا بنا نصطلح، ونَصِل ما أمر الله به أن يوصل، ونقطع ما أمر الله به أن يُقطع، ونحرص كل الحرص على جمع كلمة هذه الأمة، والتأليف بين أوصالها المقطعة، وأشلائها الممزّعة، وفقنا الله تعالى لرضاه آمين.
стр. 485
[٩٦] الميزان
لو أنَّ علماء الفِرَق الإسلامية استيقظوا من سُباتهم، واجتمعوا على تأليف ميزان في مسائل الاعتقاد؛ ما كان متفَقًا عليه فأمْرُه واضح، وما كان مختَلَفًا فيه ردُّوه إلى الله ورسوله، فصدَّقوا بما جاء عن الله ورسوله بدون بحثٍ عن كيفية و ..... وغيرها، عاملين بما أمر الله به في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].
والتزموا الوقف عن الخوض فيه، وألزموا عامة المسلمين ذلك، ورموا بالأغلوطات العقلية وراء ظهورهم، وأرشدوا الأمة إلى ما كان عليه سلفها الصالح، من تعلُّم العربية وتدبُّر كتاب الله ، وسنة رسوله، وترك الخوض في المضايق العقلية التي لا ثمرةَ لها إلا النزاع والجَدَل، والخلاف والفشل، والعداوة والبغضاء، وتجزئة الدين إلى أديان لا تُحْصَى.
وهذه هي الطريقة الوحيدة في ضم شمل الإسلام وأهله، والتأليف بين قلوبهم.
وكذلك يعملون فيما كان من العادات الحادثة بعد القرون الأولى، يرشد العلماء إلى تركها والاستغناء بما شرعه الله تعالى، والإقبال عليه، وهو الكثير الطيّب. ومتى وفّينا حقّ الفرائض المشروعات بصريح الشرع فضلًا عن المستحبّات، حتى نذهب إلى أشياء لم تثبت نحاول بها التقرّب إلى الله تعالى؟
وجِماع القول: أن الله إنما يُعْبَد بما شرع، وهذه الأشياء المحدثة قد قامت الأدلة القطعية على بطلانها. وهب أنَّ بعض الأذهان
стр. 486
قاصرة عن فهم ذلك الشيء الواضح، أو أن بعض هذه الأشياء مما لم يتبيّن فيه الحق، ولم يترجّح جانب الحَظْر، فلا أقلّ مِن أن تكون عندهم مما لا حَرَج في تركه.
وإذًا فالاحتياط يقضي بتركها، عملًا بالأحاديث الكثيرة، كقوله ﵌: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من [الناس]» (١) فالسلامة منحصرة في اجتناب تلك الأشياء، فمن تركها سالم لا محالة، إذ ليس فيها شيءٌ يقول المجيزون إنه فرض واجب، بل غاية الأمر أنهم يزعمون أنها مستحبة أو مباحة. وإذا تأمّلوا ما بُيِّن من الأدلة تبيّن لهم ما فيها من الخطر، فإن لم يتبين لهم فعليهم تركها؛ لأنها إن كانت كما يقول المانعون فيها الكفر وفيها الحرام والمكروه، فقد اجتنبوها، وإن كانت مباحة أو مستحبّة فلهم في تركها أجرُ اجتناب الشُّبْهة، وليس منها شيء إلا وفي الشرع ما يُغني عنه.
والمسلم مَن حَرَص على السلامة بأيّ تقديرٍ كان، ولا أسلم ولا أعلم ولا أفضل ولا أتمّ مما كان عليه النبي ﵌ وأصحابه وتابعوهم، والله يهدي من يشاء إلى سراط مستقيم.
стр. 487
ملحق ــ ١ ــ
[ص ٤٩] ... اتباع القطعي مطلقًا والظنّي في العمليات، واجتناب المرجوح مطلقًا، فلم يبقَ إلّا ... لا يفهم دلالة، بأن كان مستغلق المعنى أصلًا، وإلّا الظنّي في العقائد ... مطلقًا. وهذه الثلاثة يصدُق عليها التشابه، أما مستغلق المعنى ... أيضًا في الاستغلاق، وأما الظني في العقائد فلأن بعض آياته تشبه بعضًا ....
كل آية من آياته متشابهة المعاني في احتمال الإرادة ..... يكفي فيها إلا الجزم، ... لا يفيد إلّا الظنّ ... يكفي الإيمان به وأن يُوكَلَ تأويلُه إلى الله تعالى.
وإنما جاز العمل بالظن في العمليات لسهولة الأمر فيها وللاحتياج إليه فيها، وليس الحال كذلك في الاعتقاديات.
[ثم] إن كلًّا من هذه الثلاثة على قسمين:
الأول: ما يقع اختلاف حال الأشخاص فيه، بأن يكون بالنظر إلى شخصٍ متشابهًا وبالنظر إلى شخصٍ آخر محكمًا.
الثاني: هو متشابهٌ مطلقًا.
والثاني هو المراد في الآية، لأنَّ فيها ذمَّ ابتغاءِ تأويله ومدْحَ قول: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ الدالّ على التسليم والإيمان بدون تأويل، وجَعْلَ الأول نصيبَ الزائغين، والثاني نصيبَ الراسخين. وإذا كان غاية الراسخين الإيمان بها بدون تأويل فلا شك فيما ذكرناه.
стр. 488
ويؤيد ذلك حديث «الصحيحين» (١) عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﵌: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ... ﴾ إلى ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، فقال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله، فاحذروهم».
الحديث صريح أن المتشابهات آيات مخصوصة من القرآن كان الصحابة ﵃ يعرفونها بأعيانها، وأن ... واتباعها زيغٌ يجب الحذرُ منه ومن أهله وبيانه، إذ قوله: «وإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه»، يدل على أن المتشابه آيات مخصوصة هي متشابهة مطلقًا، إذ لو كانت قد تكون متشابهةً بالنظر إلى شخصٍ غيرَ متشابهةٍ بالنظر إلى آخر، لما أمكنهم أن يُميِّزوا بين من يتبعها مع كونها متشابهةً في حقّه ومن يتبعها مع كونها غير متشابهةٍ في حقِّه، إذ كلُّ أحدٍ يدَّعي أنها ليست من المتشابه في حقِّه.
ويدلُّ أيضًا على أن الصحابة كانوا يعرفونها، لأنه لا يمكنهم الحذرُ ممن يتبعها إلّا إذا كانوا يعرفونها.
وقوله: «فأولئك الذين سماهم الله ـ أي الذين في قلوبهم زيغ ــ فاحذروهم».
стр. 489
ملحق ــ ٢ ــ
[ص ٥٠] [يدلُّ] عليه، فينبغي تمييز القسم الأول من القسم الثاني.
قد حصرنا التشابه في مستغلق المعنى، وفي الظنّي في العقائد وفي المشكوك ... فيه الاحتمالات. فأما مستغلق المعنى فهو قسمان: الأول فواتح السُّور، والثاني .... فرض وجوده، والأخير إما أن يكون في الاعتقاديات أو لا ... إما أن يكون في الاعتقاديات أو لا ... : (١) فواتح السور، (٢) مستغلق المعنى في الاعتقاديات، (٣) مستغلق المعنى في غيرها، (٤) [مشكوك في الاعتقاديات]، (٥) مشكوك في غيرها، (٦) ظنّي في الاعتقاديات.
[والقسم] الثالث والخامس الظاهر أنهما وإن كانا يصدُقُ عليهما التشابه، فليسا من المتشابه [المراد] في الآية، لأنهما إن كانا في العبادات أو المعاملات [فلا] يتم كونهما من المتشابه الذي لا مطمَع في علمه، إذ جميع أحكام العبادات والمعاملات كلها مبيَّنة [في] الشرع، فإن خفيتْ على واحدٍ وُفِّق لها الآخر. وإن كانا في القصص ونحوها فاتباعهما لا يظهر [دخولُه] في الزيغ المذموم المحذور منه.
وأما القسم الثاني والرابع والسادس ــ وهي المستغلق والمشكوك والظني في الاعتقاديات ــ فتنقسم إلى قسمين:
الأول: ما اختلف حالُ الناس فيه، بأن يكون مستغلقًا أو مشكوكًا أو ظنيًّا في حق شخصٍ، وقطعيًّا عند شخصٍ آخر لوقوفه على [دلائل] تبلِّغه درجةَ القطع.
стр. 490
الثاني: ما اتفق حالُ الناس فيه، بأن يكون مستغلقًا أو مشكوكًا أو ظنيًّا عند جميع الناس.
فالأول وإن كان يصدُق عليه التشابه فليس من المتشابه المراد في الآية لحديث «الصحيحين» كما مرَّ بيانه (١). فلم يبقَ معنا إلَّا القسم الثاني، وهو ما يكون في الاعتقاد مستغلقًا أو مشكوكًا أو ظنيًّا، ولا يمكن علمه لأحدٍ من الخلق، وإلَّا فواتح السُّوَر.
فأما فواتح السور فإنها وإن كان يصدُق عليها التشابه فقد رأينا بعض الصحابة ومَن بعدهم خاضوا في تأويلها، ولم يُنكَر عليهم. ومع ذلك فلا يظهر وجهٌ قويمٌ لأن يُعدَّ الخائض فيها [ص ٥١] [من الذين في قـ] لوبهم زيْغٌ المحذَّر منهم في الحديث. فلم يبقَ معنا إلَّا ما يكون في الاعتقاد [مستغلقًا أو مشكـ] وكًا أو ظنيًّا، ولا يمكن علمه لأحدٍ من الخلق [فهو] المراد في الآية.
وأما تعيينُه فإن حديث الصحيحين [يدلُّ على أن] الصحابة كانوا يعرفون الآيات المتشابهات بأعيانها، وأن النبي ﵌ أخبرهم أنه ... وحذَّرهم منهم. ومن البيِّن أن الصحابة ﵃ لم يكونوا ليتبعوها .... مع كونهم كانوا خير القرون، فإن وُجِد من يتبعها فإنما هو بعدهم. [و] بتتبُّعِ أقوال الصحابة ﵃ في الاعتقاديات عرفنا أنهم لم يكونوا يتبعون [آيات] الصفات وكذا أحاديثها بتفسيرٍ ولا تأويل، وإنما كانوا يكتفون بالإيمان بها والتسليم لها.
وقد نشأ بعدهم مَن ابتّعها واعتقد الملازمةَ بين ثبوتِ مطلق اليد والوجه
стр. 491
ونحوهما وثبوتِ الماهية والكيفية والكمية وغيرها من الحوادث، وهم فرقتان:
فرقة تتبعها بأن تعتقدَ ظاهرَ آياتِ الصفات وأحاديثها، وتعتقد التلازم، فتستدل بها على صريح التشبيه ولوازمه، حتى قال بعضهم (١): [أعفو] ني من الفرج واللحية، وسلوني عما شئتم.
وفرقة اعتقدوا التلازم وعلموا أن ثبوت الماهية وغيرها من الحوادث يقضي بتنزُّهِ الله تعالى عنه، فصرفوها كلَّها عن ظاهرها وأوَّلوها.
وكلا الفرقتين ــ والله أعلم ــ هم الذين قال تعالى فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ وهؤلاء هم الفرقة الأولى ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وهم الفرقة الثانية.
هكذا ظهر لي أولًا، ثم رأيتُ الأَولى عدمَ التوزيع، بل الحق أن يُحمَل كلا الحكمين على كلا الفرقتين، فإن كلًّا منهما ابتغى الفتنة بخوضه فيما نُهِيَ عن الخوض فيه، وابتغى تأويل المتشابه، أي: بيان ما يؤول إليه معناه.
وأما الصحابة ﵃ ومَن اتبعهم فهم الذين قال تعالى فيهم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ذلك هو المتشابه المراد في الآية.
стр. 492
ملحق ــ ٣ ــ
[ص ٥٢] توقيفية، لا يجوز فعلُ شيء منها إلا ما ثبت به الدليل. وهي ثلاثة أنواع: فرائض معلومة من الدين بالضرورة، [ونفلٌ مقيَّد يكون] له اسمٌ خاص، فإحداث نفلٍ كذلك ــ كصلاة الرغائب ــ بدعة ضلالة، ونفلٌ مطلقٌ، وهو .....
ـفية، وهو أيضًا ثلاثة أنواع: فرض معلوم من الدين بالضرورة، ونفلٌ مقيد، وهو [ما كان في زمن] خاص، كست شوال وتسع ذي الحجة، .... والبيض، وصوم يومٍ وفطر يوم، فإحداثُ صومٍ كذلك بدعة ضلالة، [كالتزام الإ] نسان صيامَ أحد عشرَ يومًا من أول صفر كل سنة، ونفلٌ مطلق [وهو ما لم] يجئ به زمن خاصّ.
[فالمطلو] ب في اتباعه في التطوع بالصلاة والصيام وقراءة القرآن هو ما ورد به دليلٌ خاص من السنة، وأن لا يُزاد على ذلك. [وفي الـ] صحيحين» (١) عن أنس قال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى أزواج النبي ﵌ يسألون عن عبادة النبي ﵌، [فلما] أُخبِروا بها كأنهم تَقالُّوها، فقالوا: أين نحن من النبي ﵌ وقد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخَّر؟ فقال [أحدهم]: أما أنا فأصلِّي الليلَ أبدًا، [وقال آخر: أنا أصوم الدهرَ ولا أُفطِر، وقال آخر: أنا أعتزلُ النساءَ فلا أتزوَّج أبدًا]. فجاء النبي ﵌ إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصومُ وأُفطر، وأصلِّي وأرقدُ، وأتزوج النساء، فمن رغبَ عن سنتي فليس منِّي».
стр. 493
وفي «الصحيحين» (١) أيضًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول الله ﵌: «يا عبد الله! ألم أُخبَرْ أنك تصوم النهار وتقوم الليلَ؟ » فقلتُ: بلى يا رسول الله! قال: «فلا تفعلْ، صُمْ وأفطِرْ، وقُمْ ونَمْ، فإنّ لجسدِك عليك حقًّا، وإنّ لعينِك عليك حقًّا، وإنّ لزوجِك عليك حقًّا، وإنّ لزَوْرِك عليك حقًّا. لا صامَ من صام الدّهرَ، صومُ ثلاثة أيام من كلِّ شهرٍ صومُ الدهر كلِّه. صُمْ كلَّ شهر ثلاثةَ أيام، واقرأ القرآن كلَّ شهر» قلت: فإني أطيقُ أكثر من ذلك، قال: «صُمْ أفضلَ الصوم صومَ داود: صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليالٍ مرةً، ولا تزِدْ على ذلك».
стр. 494
ملحق ــ ٤ ــ
. . . . الصلاة على النبي ﵌.
. . . . فنوعان: مقيَّد وغيره، فالمقيّد إما متعيِّن كتكبير الصلاة ... ، وإما غير متعيَّن كالأدعية عقبَ الصلاة وعند النوم والانتباه وغير ذلك. والمأثور في هذا أفضل، وكذا في سائر الأوقات التي لم [يُعيَّن فيها] ذكرٌ أو دعاءٌ مخصوص، فالأفضل اختيار ذكرٍ أو دعاءٍ من المأثور .... لو كان مقيدًا بغير ذلك. وأما إنشاء صيغة من صيغ الذكر أو الدعاء غير مأثورة ... .... عموم الأمر بالذكر والدعاء والصلاة على النبي ﵌.
. [ثم] الذكر المأمور به هو ما تضمَّن ثناءً حسنًا وردَ في الشرع، فما خالفَ ذلك [فهو ممنوع] بدعةُ ضلالة. والدعاء المأذون فيه ما لم يكن فيه اعتداء، ومن الاعتداءِ الدعاءُ ... مكروه، وكالدعاء على مَن لم يظلمه، فما كان فيه اعتداءٌ فهو مخالفٌ للشرع. والصلاة على النبي ﵌ المأذون بها ما لم يكن فيها إطراءٌ محظورٌ ولا ارتكابٌ لمنهيٍّ ولا كذبٌ عليه ﷺ . ومن الكذب عليه ﵌ أن يُثنِيَ عليه بما لم يثبت، كأن يقول: اللهمَّ صلِّ على نبيك محمد الذي حمله جبريل على عاتقه، [فإن] ذلك كذبٌ عليه ﵌.
وقد تواتر عنه ﵌ أنه قال: «من كذبَ عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (١). والمراد بالتعمُّد أن يكون القائل غيرَ عالمٍ بصحة ما قاله، ولهذا كان حاكي [الحديث] الضعيف بصيغة الجزم كاذبًا، على أن النبي صلى الله
стр. 495
وسلم وبارك عليه غنيٌّ بما له من الفضائل والفواضل عن أن يغدق عليه أحدٌ بادعاءِ فضيلةٍ أخرى، وما مثلُه إلّا مثلَ ملِكٍ عظيم أمرَ طبَّاخَه أن يُصلِح له طعامًا، وأحضَر له من كل ما قد يحتاج إليه في الطبخ، فترك الطباخ ذلك وخرج إلى بيوت الجيران يسألهم للملك! فهل ترى هذه خدمةً للملك ومحبةً له أو إهانةً وإيهامًا أن الملك فقير؟ !
ومما يُنظر فيه زيادة «سيدنا» في الصلاة الإبراهيمية وفي التشهد وغيره، فإن بعضهم استحسن ذلك بحجة أنه زيادة إخبار بواقعٍ، مع أنه ليس في عدم ذكر ذلك في السنة ما يدلُّ على الكراهة، وقد قام الدليل أنه ﷺ [ص] سيِّد ولد آدم، وأن الثناء عليه وتوقيره من أعظم القُرَب. قال: وما رُوي من قوله ﵌: [لا تُسيِّدوني في الصلاة] لا أصلَ له (١)، ولو ثبت حُمِل على مطلق الإذن عنه ﷺ بعدم تسييده، كما فهم الصديق [من إشارته صلى الله عليه] وآله وسلم له بالثبات في الإمامة، حيث رجَّح حسنَ الأدب فتأخّر، فيتعارض هنا امتثال الأمر [مع حسن الأدب]، [وحسن] الأدب أولى اقتداءً بالصديق. وكذلك نقول في مخالفة الوارد، إذ لم يكن فيه التسييد، بل هو أولى مما مرَّ ...
[فالجواب: ] .... هذه الزيادة يشعر أنها غير مشروعة؛ إذ لو كانت مشروعةً لأرشد إليها الشارع. وفي حديث [ابن مسعود] قال: قال رسول الله ﵌: «أيها الناس! ليس من شيء يُقرِّبكم إلى الجنة ويباعدكم من النار [إلا قد أمرتُكم به» (٢)]. فإن كان ﵌ يمنعُه من ذلك الحياءُ والتواضع كما