← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 3298

خريدة العجائب وفريدة الغرائب

ابن الوردي الحفيد، سراج الدين

Полный текст (461 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ذكر نزول عيسى بن مريم ﵉ المسلمون لا يختلفون في نزول عيسى بن مريم ﵉ آخر الزمان. وقد قيل في قوله تعالى: " وإنه لَعِلْمٌ للساعة فلا تَمتَرُنَّ بها " إنه نزول عيسى. وجاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: إن عيسى نازل فيكم وهو خليفتي عليكم، فمن أدركه فليقرئه سلامي، فإنه يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويحج في سبعين ألفاً، فيهم أصحاب الكهف فإنهم يحجون، ويتزوج امرأة من الأزد، ويذهب البغضاء والشحناء والتحاسد، وتعود الأرض إلى هيئتها وبركاتها على عهد آدم ﵇ حتى تترك القلاص فلا يسعى إليها أحد، وترعى الغنم مع الذئب، وتلعب الصبيان مع الحيات فلا تضرهم، ويلقي الله العدل في الأرض في زمانه حتى لا تقرض فأرة جراباً، وحتى يدعى الرجل إلى المال فلا يقبله وتشبع الرمانه السكن. قالوا: وينزل عيسى ﵇ وفي يده مشقص فيقتل به الدجال، وقيل: إذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الرصاص، واتبعهم المسلمون يقتلونهم، فيقول الحجر والشجر: هذا يهودي خلفي إلا الغرقد من شجر اليهود، قالوا: ويمكث عيسى ﵇ أربعين سنة، ويقال: ثلاثاً وثلاثين سنة يصلى خلف المهدي ثم يخرج يأجوج ومأجوج. بقية من خبر الدجال: عن فاطمة بنت قيس قالت: خرج علينا رسول الله ﷺ في نحو الظهيرة، فخطبنا فقال: إني لم أجمعكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن لحديث حدثنيه تميم الداري منعني سرور القائلة: حدثني أن نفراً من قومه ركبوا في البحر فأصابتهم ريح عاصف ألجأتهم إلى جزيرة. فإذا هم بدابة، قالوا لها: ما أنت؟

стр. 422

قالت أنا الجساسة. قلنا: أخبرينا الخبر. قالت: إن أردتم الخبر فعليكم بهذا الدير، فإن فيه رجلاً هو بالأشواق إليكم. فأتيناه فأخبرناه فقال: ما فعلت بحيرة طبرية؟ قلنا: تدفق الماء من جانبيها. قال: ما فعل نخل عمان ويبسان. قلنا: يجنيها أهلها. قال: فما فعلت عين زغر؟ قلنا يشرب أهلها منها. قال: فلو يبست هذه نفذت من وثاقي ثم وطئت بقدمي كل منهل إلى مكة والمدينة. وروي أن النبي ﷺ خطب فقال: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم من الدجال. وقال: إنه لم يكن نبي إلا أنذر قومه فتنة الدجال ووصفه، وإنه قد بين لي ما لم يبين لأحد أنه أعور، وكيت وكيت، فإن خرج وأنا فيكم فأنا حجتكم، وإن لم يخرج إلا بعدي فالله خليفتي عليكم، فما اشتبه عليكم فاعلموا أن ربكم ليس بأعور. والدجال تسميه اليهود مواطيح كوائيل؛ ويزعمون أنه من نسل داود؛ وإنه يملك الأرض ويردها إلى بني إسرائيل؛ فيتهود أهل الأرض كلهم.

стр. 423

بقية من خبر عيسى ﵇ قال بعض المفسرين في قوله تعالى: " وإنْ من أهلِ الكتابِ إلا لَيؤْمِنَنَّ به قبلَ موته " إنه عند نزول عيسى؛ وقال : " وما قتلُوه وما صلَبوه ولكنْ شُبِّه لهم " ثم قال: " بل رفعه الله إليه ". ثم اختلف المتأولون له؛ فقال أكثرهم وأحقهم بالتصديق: هو عيسى ﵇ بعينه يرد إلى الدنيا؛ وقالت فرقة: نزول عيسى خروج رجل يشبه عيسى في الفضل والشرف؛ كما يقال للرجل الخير ملك وللشرير شيطان، تشبيهاً بهما، ولا يراد الأعيان. وقال قوم: ترد روحه في رجل اسمه عيسى، والآخران ليسا بشيء. والله أعلم.

стр. 424

ذكر طلوع الشمس من مغربها قال بعض المفسرين في قوله تعالى: " يَوم يأتي بعض آياتِ ربِّك لا ينفع نفساً إيمانُها لم تكن آمنتْ من قبلُ أو كسَبتْ في إيمانها خيراً " قيل: هو طلوع الشمس من مغربها. وروينا عن أبي هريرة ﵁: أنه قال: ثلاث إذا خرجت لا ينفع نفساً إيمانها: طلوع الشمس من مغربها؛ والدابة والدجال. وقالوا في صفة طلوعها من مغربها: إنه إذا كانت الليلة التي تطلع الشمس في صبيحتها من مغربها حبست فتكون تلك الليلة قدر ثلاث ليال. قالوا: فيقرأ الرجل جزءه ثم ينام، ويستيقظ والنجوم راكدة والليل كما هو. فيقول بعضهم لبعض: هل رأيتم مثل هذه الليلة قط؟ ثم تطلع من مغربها كأنها علم أسود حتى تتوسط السماء، ثم تعود بعد ذلك فتجري في مجراها الذي كانت تجري فيه. وقد أُغلق باب التوبة إلى يوم القيامة. وروي عن علي أنه قال: تطلع بعد ذلك من مشرقها مائة وعشرين سنة، لكنها سنون قصار، السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة. وكان كثير من الصحابة يترصدون طلوع الشمس من مغربها، منهم حذيفة بن اليمان وبلال وعائشة، ﵃.

стр. 425

ذكر خروج الدابة قال الله : " وإذا وقع القولُ عليهم أخَرجْنا لهم دابّة من الأرض تكلّمهم " قال كثير من أهل العلم بالاخبار: إنها ذات وبر وريش وزغب، فيها من كل لون ولها أربع قوائم، رأسها رأس ثور وآذانها آذان فيل، وقرونها قرون أُيل، وعنقها عنق نعامة وصدرها صدر أسد، وقوائمها قوائم بعير، ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، وترفع الأسماء فلا يعرف أحد باسمه وهي تجلو وجه المؤمن بالعصا فيبيض، وتختم على أنف الكافر فيفشو السواد فيه، فيقال: يا مؤمن يا كافر. وروي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: هي الدابة التي أخبر تميم الداري عنها. وعن الحسن أنه قال: سأل موسى ربه أن يريه الدابة، فخرجت ثلاثة أيام ولم يدر أي طرفيها خرج؟ فقال موسى: يا رب، رد هذا المتاع النفيس إلى مكانه لا حاجة لنا فيه. ويقال إنها تخرج بأجنادين عقيب الحاج، تسير بالنهار وتقف بالليل، يراها كل قائم وقاعد، وإنها لتدخل المسجد وقد عاذ به المنافقون فتقول: أترون المسجد ينجيكم مني؟ هلا كان هذا بالأمس؟ والله أعلم

стр. 426

ذكر الدخان قال الله : " فارْتَقِبْ يومَ تأتي السماءُ بدُخان مُبين ". وروي عن الحسن ﵁ أنه قال: يجيء دخان فيملأ ما بين السماء والأرض حتى لا يدرى شرق ولا غرب، ويأخذ الكفار فيخرج من مسامعهم ويكون على المؤمن كهيئة الزكمة، ثم يكشفه الله بعد ثلاثة أيام، وذلك بين يدي الساعة. وأكثر أهل التأويل على أنه الجوع الذي أصابهم في زمن النبي ﷺ .

стр. 427

ذكر خروج يأجوج ومأجوج قال الله : " فإذا جاء وعدُ ربي جعله دَكّاءَ " يعني السد. وجاء في الأخبار من صفاتهم وعددهم ما الله به عليم، ولا يختلفون في أنهم بين مشارق الأرض وشمالها. وروي عن مكحول أنه قال: المسكون من الأرض مسيرة مائة عام، ثمانون منها ليأجوج ومأجوج، وعشرة للسودان، وعشرة لبقية الأمم. ويأجوج ومأجوج أمتان، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا تشبه أمة أخرى، وعن الزهري أنهما ثلاث أمم: منسك، وتأويل، وتدريس. فصننف منهم كأمثال الشجر الطوال من الأرز، وصنف منهم عرض أحدهم وطوله بالسواء، وصنف منهم يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى. وروي أن طول أحدهم شبر وأكبر. ويكون خروجهم بعد قتل عيسى الدجال. وإذا جاء الوقت جعل الله السد دكاً، كما ذكره في كتابه، فيخرجون وينتشرون في الأرض. وروي أنهم يكون أول مقدمتهم بالشام وساقتهم ببلخ. قال: ويأتي أولهم البحيرة فيشربون ماءها، ويأتي أوسطهم فيلحسون ما فيها من النداوة، ويأتي آخرهم فيقولون: لقد كان هنا مرةً ماء ويكون مكثهم في الأرض سبع سنين. ثم يقولون: قد قهرنا أهل الأرض فهلموا نقاتل سكان السماء، فيرمون

стр. 428

بنشابهم نحو السماء فيردها الله عليهم ملطخة بدم، فيقولون: قد فرغنا من أهل السماء، فيرسل الله عليهم النغف في رقابم فيصبحون موتى. ثم يرسل الله عليهم السماء فتجرفهم إلى البحر. وفي رواية كعب أنهم ينقرون السد بمناقيرهم كل يوم، فيعودون من الغد وقد عاد لما كان، حتى إذا بلغ الأجل المعلوم ألقى الله على لسان أحدهم: إن شاء الله فيخرجون حينئذ. وروي أنهم يلحسون السد. وقيل إن فيهم طائفة، لكل منهم أربعة أعين، عينان في رأسه وعينان في صدره، ومنهم من له رجل واحدة يقفز بها قفزاً، ومنهم من هو ملبس شعراً كالبهائم. ومن طوائفهم طائفة لا تأكل إلا لحوم الناس ولا تشرب إلا الدماء، ولا يموت الواحد منهم حتى يرى لصلبه ألف عين تطرف. وفي التوراة مكتوب: إن يأجوج ومأجوج يخرجون في أيام المسيح، ويقولون: إن بني إسرائيل أصحاب أموال وأوان كثيرة، فيقصدون أورشليم وينتهبون نصفها ويسلم النصف الآخر، ويرسل الله عليهم صيحة فيموتون عن آخرهم. وتصيب بنو إسرائيل من أدوات عسكرهم ما يستغنون به سبع سنين عن الحطب. وهذا المقدار من حديثهم في كتاب زكريا ﵇، قيل: ويمكث الناس بعد هلاك يأجوج ومأجوج عشرين سنة يحجون ويعتمرون. والله أعلم.

стр. 429

ذكر خروج الحبشة قال أصحاب هذا العلم: ويمكث الناس بعد هلاك يأجوج ومأجوج في الخصب والدعة ما شاء الله تعالى. ثم تخرج الحبشة وعليهم ذو السويقتين، فيخربون مكة ويهدمون الكعبة، ثم لا تعمر أبداً، وهم الذين يستخرجون كنوز فرعون وقارون. قال: فيجتمع المسلمون ويقاتلونهم فيقتلونهم ويسبونهم، حتى يباع الحبشي بعباءة، ثم يبعث الله ريحاً عقيماً فتقبض روح كل مسلم. والله تعالى أعلم.

стр. 430

ذكر فقدان مكة المكرمة روي عن الحسن، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حجوا قبل أن لا تحجوا فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ليرفعن هذا البيت من بين أظهركم حتى لا يدري أحدكم أين كان مكانه بالأمس؟ وقال: كأني أنظر إلى أسود أحمش الساقين قد علاها، ينقضها طوبةً طوبة.

стр. 431

ذكر خروج الريح التي تقبض أرواح أهل الإيمان روي أن الله يبعث ريحاً يمانية ألين من الحرير وأطيب نفحة من المسك، فلا تدع أحداً في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا قبضته. ويبقى الناس بعد مائة عام لا يعرفون ديناً ولا ديانة، وهم شرار خلق الله، وعليهم تقوم الساعة وهم في أسواقهم يتبايعون. وفي رواية عبد الله بن بريدة عن النبي ﷺ أنه قال: لا تقوم الساعة حتى لا يعبد الله في الأرض مائة سنة. وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: يؤمر صاحب الصور أن ينفخ في صوره، فيسمع رجلاً يقول: لا إله إلا الله، فيؤخر مائة عام.

стр. 432

ذكر ارتفاع القرآن روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: القرآن أشد نقصياً على قلوب الرجال من النعم في عقلها قيل: يا أبا عبد الرحمن، كيف؟ وقد أثبتناه في صدورها ومصاحفنا قال: يسرى عليه ليلاً فلا يذكر ولا يقرأ.

стр. 433

ذكر النار التي تخرج من قعر عدن فتسوق الناس إلى المحشر روى حذيفة بن أُسيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: عشر بين يدي الساعة، هذه إحداهن وفي رواية أخرى: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى. وفي رواية أخرى: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من حضرموت، مع اختلاف كثير في الروايات.

стр. 434

ذكر نفخات الصور وهي ثلاث مرات، اثنتان منها في آخر الدنيا، وواحدة في أول الآخرة؛ قال الله : " ما يَنظُرون إلا صَيْحةً واحدة تأخُذهم وهم يَخِصِّمُون، فلا يستطيعون توصيةً ولا إلى أهلهم يَرجعون ". وروي عن الحسن بن شيبان، عن قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: تهيج الساعة والرجلان يتبايعان، قد نشرا أثوابهما فلا يطويانها، والرجل يلوط حوضه فلا يستقي منه، والرجل قد انصرف بلبن نعجته فلا يطعمه، والرجل قد رفع أكلته إلى فيه فلا يأكلها، ثم تلا: " تأخُذهم وهم يَخِصِّمُون "، " لأتاتيكم إلا بغته ".

стр. 435

ذكر النفخة الأولى صاحب الصور هو السيد إسرافيل ﵇، وهو أقرب الخلق إلى الله وله جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، والعرش على كاهله، وإن قدميه قد مرقتا من الأرض السفلى حتى بعدتا عنها مسيرة مائة عام، على ما رواه وهب. ومثل هذا مما يزيد في يقين العامي ويبلغ في تخويفه وتعظيمه لأمر الله تعالى. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: كيف أنتم وصاحب الصور قد التقمه، ينتظر متى يؤمر له فينفخ؟.

стр. 436

ذكر ما جاء في الصور وهيئته روي أنه كهيئة قرن، فيه بعدد كل روح ثقب. وله ثلاث شعب: شعبة تحت الثرى تخرج منها الأرواح وترجع إلى أجسادها، وشعبة تحت العرش منها يرسل الله الأرواح إلى الموتى، وشعبة في فم الملك ينفخ فيها. فإذا مضت الآيات والعلامات التي ذكرناها أُمر صاحب الصور أن ينفخ نفخة الفزع ويديمها ويطولها، فلا يبرح كذا عاماً. وهي المذكورة في قوله تعالى: " ما ينظُرون إلا صيحةً واحدة تأخذهُم وهم يخِصِّمون ". وكذلك في قوله تعالى: " ما ينظُرون إلا صيحة واحدةً ما لها من فَواقٍ ". وفي قوله تعالى: " ويومَ يُنفَخ في الصور ففزِع مَن في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ". وإذا بدت الصيحة فزعت الخلائق وتحيرت وتاهت، والصيحة تزداد كل يوم مضاعفة وشدةً وشناعة. فينحاز أهل البوادي والقبائل إلى القرى والمدن، ثم تزداد الصيحة وتشتد حتى تتجاوز إلى أمهات الأمصار، وتعطل الرعاة السوائم وتفارقها، وتأتي الوحوش والسباع وهي مذعورة من هول الصيحة، فتختلط بالناس وتستأنس بهم، وذلك قوله تعالى: " وإذا العِشار عُطّلتْ، وإذا الوحوش حُشرت ". ثم تزداد الصيحة هولاً وشدة حتى تسير الجبال على وجه الأرض وتصيرَ سراباً جارياً، وذلك قوله تعالى: " وإذا الجبال سُيّرتْ " وقوله تعالى: " وتكون الجبالُ كالعِهْن المنفوش "

стр. 437

وزلزلت الأرض وارتجت وانتفضت، وذلك قوله تعالى: " إذا زُلزلت الأرضُ زِلزالَها " وقوله تعالى: " يوم تَرجُف الأرضُ والجبال ". ثم تكور الشمس وتنكدر النجوم وتسجر البحار، والناس حيارى كالوالهين ينظرون إليها. وعند ذلك تذهل المراضع عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، ويشيب الولدان، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، من الفزع، ولكن عذاب الله شديد. حكى أبو جعفر الرازي عن ربيع، عن أبي العيالة عن أبي بن كعب قال: بينما الناس في أسواقهم إذ ذهبت الشمس، وبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، وبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، وبينما هم كذلك إذ تحركت الأرض فاضطربت لأن الله تعالى جعل الجبال أوتادها؛ ففزعت الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، واضطربت الدواب والطيور والوحوش فماج بعضهم في بعض؛ فقال الجن: نأتيكم بالخبر اليقين. فانطلقوا فإذا هي نار تتأجج. فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأهلكتهم. وهذه من نص القرآن ظاهرة، لا يسع لأحد مؤمن ردها والتكذيب بها. وفي هذه الصيحة تكون السماء كالمهل، وتكون الجبال كالعهن، ولا يسأل حميم حميماً، وفيها تنشق السماء فتصير أبواباً، وفيها يحيط سرادق من نار بحافات الأرض فتطير الشياطين هاربةً من الفزع، حتى تأتي أقطار السماء والأرض فتتلقاهم الملائكة يضربون وجوههم حتى يرجعوا. وذلك قوله تعالى: " يا معشرَ الجنِّ والإنس إن استطعتم أن

стр. 438

تنفذوا من أقطارِ السموات والأرضِ فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان "، والموتى في القبور لا يشعرون بهذه.

стр. 439

ذكر النفخة الثانية في الصور وذلك قوله تعالى: " ونُفخ في الصور فصَعِقَ مَن في السموات ومن في الأرض إلاّ مَن شاء الله "، فيموتون في هذه النفخة إلا من تناوله الاستثناء في قوله: " إلاّ مَن شاء الله ".

стр. 440

ذكر ما بين النفختين من المدة يقال: إن ما بين النفختين أربعون سنة، تبقى الأرض على حالها مستريحة بعدما مر بها من الأهوال العظام والزلازل، وتمطر سماؤها، وتجري مياهها وتطعم أشجارها، ولا حي على ظهرها من سائر المخلوقات.

стр. 441

ذكر ما ورد في قوله تعالى: هو الأول والآخر قال الله : " كما بَدأْنا أولَ خَلْقٍ نُعيده " وقال سبحانه: " كُلّ مَن عليها فانٍ ". وقال عز من قائل: " كلُّ شيءٍ هالك إلا وجهه " وقال جل وعلا: " كلُّ نفسٍ ذائقة الموت ". فدلت هذه الآيات على هلاك كل شيء دونه. قال جل وعز: " ونُفخ في الصور فصَعِق مَن في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله " دل على أن الصعقة لا تعم جميع الخلائق. فالتمسنا التوفيق بين الآيات بعد أن أمكن أن تكون آية الاستثناء مفسرة لتلك الآي، فقلنا: الاستثناء عند نفخة الصعق، وعموم الفناء بين النفختين، كما جاء في الخبر، لئلا يظن ظان أن القرآن متناقض. وروى الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: " كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهه " قال: كل شيء وجب عليه الفناء إلا الجنة والنار والعرش والكرسي والحور العين والأعمال الصالحة. وقيل في قوله تعالى: " إلا مَن شاء الله " الشهداء حول العرش سيوفهم بأعناقهم؛ وقيل: الحور العين؛ وقيل: موسى ﵇ لأنه صعق مرة؛ وقيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل، صلوات الله عليهم أجمعين. وقيل: ملك الموت ﵇، وقيل: حملة العرش ﵈. قالوا: فيأمر الله تعالى ملك الموت فيقبض أرواحهم، ثم يقول له: مت، فيموت فلا

стр. 442

يبقى في الملك حي إلا الله؛ فعند ذلك يقول: " لمَنِ المُلك اليوم؟ " فلا يجيبه أحد، فيقول: " للهِ الواحدِ القهار ". هكذا روي في الأخبار. والله أعلم.

стр. 443

ذكر المطرة التي تنبت الأجساد قالوا: فإذا مضى من النفختين أربعون عاماً أمطر الله سبحانه من تحت العرش ماء خاثراً كالطلاء وكالمني من الرجال، يقال له ماء الحيوان، فتنبت أجسامهم كما ينبت البقل. قال كعب: ويأمر الله الأرض والبحار والطير والسباع برد ما أكلت من أجساد بني آدم حتى الشجرة الواحدة، فتتكامل أجسامهم. قالوا: وتأكل الأرض ابن آدم إلا عجب الذنب فإنه يبقى مثل عين الجرادة لا يدركه الطرف، فينشأ الخلق من ذلك العجب، وتركب عليه أجزاؤه كالهباء في شعاع الشمس، فإذا تم وتكامل نفخ فيه الروح ثم انشق عنه القبر، ثم قام خلقاً سوياً.

стр. 444

ذكر النفخة الثالثة وهي نفخة القيامة وذلك قوله تعالى: " ثم نُفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون " وقوله: " إن كانت إلا صيحةً واحدة فإذا هم جميع لدينا مُحْضَرون ". ويجمع الله أرواح الخلائق في الصور، ثم يأمر الله الملك أن ينفخ فيهم قائلاً: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة والأعضاء المتمزقة والشعور المنتثرة، إن الله المصور الخلاق يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. فيجتمعن ثم ينادي: قوموا للعرض على الجبار. فيقومون، وذلك قوله تعالى: " يخرجُون من الأجداثِ سِراعاً " وقوله تعالى: " يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشرٌ، مُهْطِعين إلى يسير ". فإذا خرجوا من قبورهم تلقى المؤمنين بمواكب من رحمة الله كما وعد : " يومَ نحشُر المتّقين إلى الرحمن وَفداً " والفاسقون يمشون على أقدامهم سوقاً وهو قوله: " ونَسوق المجْرمين إلى جهنمَ وِرْداً ".

стр. 445

ذكر الموقف وأين يكون روى المسلمون أن الناس يحشرون إلى بيت المقدس. وروي أن النبي ﷺ قال: هو المحشر والمنشر. ووافقت اليهود على ذلك. وروي عن كعب: أن الله نظر إلى الأرض وقال: إني واطئ على بعضك، فانتسفت الجبال وارتجت الصخرة وتضعضعت وارتعدت؛ فشكر الله لها ذلك فقال: هذا مقامي ومحشر خلقي، هذه جنتي وهذه ناري، وهذا موضع ميزاني، وأنا ديان يوم الدين؛ وقيل: يصير الله الصخرة من مرجانة طباق الأرض، ويحاسب عليها الخلق. والله أعلم.

стр. 446

ذكر يوم القيامة والحشر والنشر وتبديل الأرض غير الأرض وطي السماء، وأحوال ذلك اليوم قال الله : " يومَ تُبدَّل الأرضُ غيرَ الأرض والسمواتُ، وبرزُوا لله الواحِد القهّار ". فأول من يحييه الله ﷻ يوم القيامة إسرافيل لينفخ النفخة الثالثة لقيام الخلق كما تقدم. ثم يحيي رؤساء الملائكة ثم أهل السماء، ويأمر جبريل وميكائيل وإسرافيل أن انطلقوا إلى رضوان خازن الجنان وقولوا له: إن رب العزة والجبروت والكبرياء مالك يوم الدين، يأمرك أن تزين البراق وترفع لواء الحمد وتاج الكرامة وسبعين حلة من حلل الجنة الفاخرة، واهبطوا بها إلى قبر البشير النذير حبيبي محمد صلواتي وتسليمي عليه، فنبهوه من رقدته وأيقظوه من نومته وقولا له: هلم إلى استكمال كرامتك واستيفاء منزلتك وارتفاعك على الأولين والأخرين، وشفاعتك في المذنبين. قال: فينطلقون إلى باب الجنة فيقرعونه فيقول رضوان: من بباب الجنة؟ فيقول: جبريل وميكائيل وإسرافيل وأتباعهم، ويبلغ جبريل الرسالة، فيقول: وأين القيامة؟ فيقول جبريل: هذا يوم القيامة. قال: فيقبل رضوان بالبراق ولواء الحمد وتاج الكرامة والحلل وتستبشر الحور والولدان، ويرتفعن إلى أعالي القصور ويمجدن الملك الغفور ويفرحن بلقاء الأحباب ويشكرن رب الأرباب. ثم يأتي النداء من قبل الله : يا رضوان زخرف الجنان ومر الحور العين أن يتزين بأكمل زينة

стр. 447

ويتهيأن لقدوم سيد الأنبياء والمرسلين وقدوم أزواجهن من المؤمنين فما بقي غير الوصال والاجتماع والاتصال. ثم يقبل إسرافيل وميكائيل وجبريل إلى قبر النبي ﷺ فيقف إسرافيل عند رأسه وميكائيل عند وسطه وجبريل عند رجليه فيقول إسرافيل لجبريل: نبهه يا جبريل فأنت صاحبه ومؤنسه في دار الدنيا؛ فيقول له جبريل: صح به يا إسرافيل فأنت صاحب النفخة والصور. قال: فيقول له إسرافيل: أيتها النفس المطمئنة البهية الطاهرة الزكية عودي إلى الجسد الطيب، يا محمد قم بإذن الله وأمره. فيقوم ﷺ وهو ينفض التراب عن رأسه ووجهه، ثم يلتفت عن يمينه وإذا بالبراق ولواء الحمد وتاج الكرامة وحلل المجد، فتسلم الملائكة عليه ويقول له جبريل: يا محمد هذه هدية إليك وكرامة من رب العالمين. فيقول النبي ﷺ : بشرني. فيقول جبريل: إن الجنان قد زخرفت والحور العين قد تزينت وهن في انتظار قدومك أيها المختار، فهلم إلى لقاء الملك الجبار. فيقول: سمعاً وطاعة لرب العالمين. أخبرني أين تركت أمتي المساكين؟ فيقول: يا محمد وعزة من اصطفاك على العالم ما انشقت الأرض عن أحد سواك من بني آدم. قال: فيسر رسول الله ﷺ ويلبس تلك الحلل ويتقدم فيركب البراق وتضع الملائكة على رأسه تاج الكرامة ويسلمونه لواء الحمد، فيأخذه بيده ويسير في موكب الكرامة والعز فرحاً مسروراً مبجلاً معظماً محبوراً، حتى يقف بين يدي الله ثم يرسل الله الأرواح ويأمرها أن تلج في الأجساد بنفخة إسرافيل، فإذا الخلائق قيام من قبورهم، عراة ينفضون التراب عن وجوههم ورؤوسهم، وقد عقدوا أيديهم في أعناقهم وشخصوا بأبصارهم مهطعين إلى الداع سكارى وما هم بسكارى، متحيرين والهين حيارى لا يعرفون شرقاً ولا غرباً،

стр. 448

الرجال والنساء في صعيد واحد، لا يعرف الرجل من إلى جانبه: أرجل أم امرأة؟ ولا تعرف المرأة من إلى جانبها: أمرأة أم رجل؟ قد شغل كل منهم بنفسه. ثم يوكل الله بكل نفس ملكاً يسوقها إلى الموقف وشاهداً من نفس، فالسائق هو الملك الموكل والشاهد جملة أعضائه وجسده. قال: ثم يؤتى بهم إلى أرض المحشر والموقف، وهي أرض بيضاء من فضة أو كالفضة، لم يسفك عليها دم حرام ولم يعبد عليها وثن، يظهرها الله سبحانه بأرض بيت المقدس، وقد نصبت عليها منابر للأنبياء وكراسي للأولياء والصالحين والشهداء، ويصف الخلائق على تلك الأرض صفوفاً من المشرق إلى المغرب. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: أهل الجنة يومئذ مائة وعشرون صفاً، ثمانون من أمتي، وأربعون من سائر الأمم. ثم تقرب الشمس من رؤوس الخلائق ويزداد في حرها سبعين ضعفاً، وتبرز جهنم وذلك قوله تعالى: " وُبّرزَتِ الجحيمُ لمن يَرى " فتغلي أدمغتهم في رؤوسهم، ويرشح العرق من أبدانهم فيسير في الأرض ثم يأخذهم العرق على قدر ذنوبهم: فمنهم من يأخذه إلى كعبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى إبطيه، ومنهم من يأخذه إلى عنقه، ومنهم يعوم فيه عوماً. ثم يقومون كذلك ما شاء الله حتى يطول الوقوف ويشتد بهم الكرب، فيقول بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى آدم فنسأله أن يشفع فينا إلى ربنا، فمن كان من أهل الجنة فيؤمر به إلى الجنة، ومن كان من أهل النار فيؤمر به إلى النار. فيأتون آدم فيقولون: يا آدم قد طال الوقوف واشتد الكرب فاشفع لنا إلى ربنا، فمن كان من أهل الجنة يؤمر به إليها ومن كان من أهل النار يؤمر به إليها. فيقول آدم: ما لي وللشفاعة؟ ويذكر ذنبه انطلقوا إلى غيري.

стр. 449

فيأتون نوحاً فيقولون مقالهم. فيقول: كيف لي بالشفاعة وقد أهلك الله بدعوتي من في الأرض وأغرقهم؟ ولكن انطلقوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه ويذكرون له الحال ويسألونه الشفاعة، فيقول: ما لي وللشفاعة؟ ولكن انطلقوا إلى موسى بن عمران الذي كلمه الرحمن. قال: فيأتونه فيقول: كيف لي بالشفاعة؟ وقد قتلت نفساً وألقيت الألواح فتكسرت، ولكن انطلقوا إلى عيسى بن البتول. فينطلقون إليه ويقولون مقالهم. فيقول: ما لي وللشفاعة؟ وقد اتخذني النصارى إلهاً من دون الله وإني لعبد الله، ولكن أدلكم على صاحب الشفاعة الكبرى، انطلقوا إلى أبي القاسم محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وسيد المرسلين. فيأتون النبي ﷺ وعليهم أجمعين، ووجهه يضيء على أهل الموقف، فينادونه من دون منبره العالي: يا حبيب رب العالمين وسيد الأنبياء والمرسلين، قد عظم الأمر وجل الخطب وطال الوقوف واشتد الكرب فاشفع لنا إلى ربنا في فصل الأمر، فمن كان من أهل الجنة يؤمر به إليها، ومن كان من أهل النار يؤمر به إليها، الغوث الغوث يا محمد، فأنت صاحب الجاه، والمبعوث رحمة للعالمين، قال: فيبكي النبي ﷺ ثم يأتي أمام العرش فيخر ساجداً فينادى: يا محمد ليس هذا يوم سجود فارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع: فيقول: يا رب مر بالعباد إلى الحساب فقد اشتد الكرب وعظم الخطب. فيجاب إلى ذلك ويأمر الله بالعرض للحساب، ثم تزفر جهنم زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا أخذه الرعب والجزع، وكل ينادي: نفسي يا رب، فآدم يقول: يا رب أسألك حواء ولا هابيل، ولا أسألك إلا نفسي، ونوح ينادي: لا أسألك ساماً ولا حاماً بل أسألك نفسي، والخليل ينادي: لا أسألك

стр. 450

إسماعيل ولا إسحق ولكن أسألك نفسي يا رب، وموسى ينادي: لا أسألك هرون أخي بل أسألك نفسي يا رب، وعيسى ينادي: يا رب لا أسألك مريم أمي وأسألك يا رب نفسي وذلك قوله : " يومَ يَفِرُّ المرءُ من أخيه، وأمِّه وأبيه، وصاحبتِه وبنيه، لكل امرئٍ منهم يومئذ شأن يُغنيه ". قال: ونبينا محمد ﷺ ينادي: يا رب لا أسألك فاطمة ابنتي ولا بعلها ولا ولديها، ولا أسألك اليوم إلا أمتي ولا أسألك غيرها، فينادي المنادي من قبل الله : يا رضوان زخرف الجنان، يا مالك سعر النيران، يا كسرون مد الصراط على متن جهنم. وهو أدق من الشعرة وأحد من السيف، وهي ألف عام صعود وألف عام استواء وألف عام هبوط، وقيل أكثر من ذلك. وهو سبع قناطر، فيسأل العبد عند القنطرة الأولى عن الإيمان وهي أصعب القناطر وأهواها قراراً، فإن أتى بالايمان نجا، وإن لم يأت به تردى إلى أسف سافلين. ويسأل عند القنطرة الثانية عن الصلاة فإن أتى بها نجا وإن لم يأت بها تردى في النار. ويسأل عند القنطرة الثالثة عن الزكاة فإن أتى بها نجا وإن لم يأت بها تردى في النار. ويسأل عند القنطرة الرابعة عن صيام شهر رمضان فإن أتى به نجا وإن لم يأت به تردى في النار. ويسأل عند القنطرة الخامسة عن الحج فإن أتى به نجا وإن لم يأت به تردى في النار. ويسأل عند القنطرة السادسة عن الأمر بالمعروف، فإن أتى به نجا وإن لم يأت به تردى في النار. ويسأل عند القنطرة السابعة عن النهي عن المنكر، فإن أتى به نجا وإن لم يأت به تردى في النار. قال: ثم تحمل الخلائق على الصراط، فمنهم من يجوزه كالبرق الخاطف، ومنهم من يجوزه كالريح العاصف، ومنهم من يجوزه كالفرس الجواد، ومنهم كالرجل

стр. 451

الساعي، ومنهم من يجوزه وهو يحضن الصراط بصدره، ومنهم من تأخذه النار. وإذا وقف الخلائق بين يدي الله تطايرت الصحف بالأيمان والشمائل " فأمّا من أُوتيَ كتابه بيمينه فسوف يحاسَبُ حساباً يسيراً، وينقلبُ إلى أهله مسروراً، وأما من أُوتيَ كتابَهُ بشِماله فسوف يدعُو ثُبوراً ويصلَى سعيراً ". وسئل بعض العلماء: كيف يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره؟ قال: تدخل يده الشمال في صدره وتخرج من وراء ظهره، فيدفع إليه كتابه بشماله من وراء ظهره، فيدعو بالويل والثبور ويصلى سعيراً فيقال: " لا تَدْعُوا اليوم ثُبوراً واحداً وادعُوا ثبوراً كثيراً ". ثم يأتي النداء من قبل الله : وعزتي وجلالي لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم ولا جور جائر ولأقتصن من الشاة القرناء إذا نطحت الشاة الجماء، ولأسألن العود لم خدش العود؟ ولا يدخلن أحد من أهل الجنة الجنة ولا من أهل النار النار وفي قلبه مظلمة. فيقتص حينئذ للمظلومين من الظالمين ويؤخذ من حسنات الظالم فتوضع في صحيفة المظلوم، فإذا استوعبت حسناته وبقي عليه مظالم بعد، أُخذ من سيئات المظلوم فتوضع في سيئات الظالم، ثم يلقى في النار، وكذلك أمثاله. قال أبي بن كعب: يجيء الرب ﷻ يوم القيامة في ملائكة السماء السابعة وتعالى عن الرحلة والمقام فيؤتى بالجنة مفتحةً أبوابها وهي تزف بين الملائكة، يراها كل بر وفاجر، وقد احتفت بها ملائكة الرحمة، فتوضع عن يمين العرش، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة سنة، ويؤتى بالنار تقاد بسبعين ألف زمام، كل زمام يقبض عليه سبعون ألف ملك، مصفدة أبوابها، عليها ملائكة سود غلاظ شداد، معهم السلاسل الطوال وأطواق الأغلال والأنكال الثقال، وسرابيل القطران

стр. 452

ومقطعات النيران، لأعينهم لمعان كالبرق، ولوجوههم لهيب كنار الحريق، وقد شخصت أبصارهم نحو العرش، ينتظرون أمر رب العزة، فتوضع حيث شاء الله، فإذا بدت النار للخلائق ودنت وبينها وبينهم مسيرة خمسمائة عام زفرت زفرة فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا وجثا على ركبتيه وأخذته الرعدة وصار قلبه معلقاً إلى حنجرته، ويخرج ولا يرجع إلى مكانه، وذلك قوله تعالى: " إذِ القلوبُ لدى الحناجرِ كاظمين ". وقيل: توضع النار على يسار العرش ثم يؤتى بالميزان فيوضع بين يدي الجبار، ثم تدعى الخلائق للعرض والحساب. قال كعب الأحبار: لو أن رجلاً كان له مثل عمل سبعين نبياً لخشي في ذلك اليوم ألا ينجو من شر ذلك اليوم. قال عبد الله بن مسعود ﵁: وددت أن حسناتي فضلت سيئاتي بمثقال ذرة ثم أُترك بين الجنة والنار، ثم يقال لي: تمن، فأقول: تمنيت أن أكون تراباً. وفي هذا القدر كفاية.

стр. 453

ذكر أسماء يوم القيامة هو يوم تعدد أساميه لكثرة معانيه: يوم القيامة. يوم الحسرة والندامة. يوم السابقة. يوم المناقشة. يوم المنافسة. يوم المحاسبة. يوم المسألة. يوم الزلزلة. يوم الندامة. يوم الدمدمة. يوم الآزفة. يوم الراجفة. يوم الرادفة. يوم الصاعقة. يوم الواقعة. يوم الداهية. يوم الحاقة. يوم الطامة. يوم الصاخة. يوم الغاشية. يوم القارعة. يوم النفخة. يوم الصيحة. يوم الرجفة. يوم الرجة. يوم الزجرة. يوم السكرة. يوم البقاء. يوم اللقاء. يوم البكاء. يوم القضاء. يوم الجزاء. يوم المآب. يوم المتاب. يوم الثواب. يوم الحساب. يوم العذاب. يوم العقاب. يوم المرصاد. يوم الميعاد. يوم التناد. يوم الانكدار. يوم الانفطار. يوم الانتشار. يوم الانفجار. يوم الافتقار. يوم الاعتبار. يوم الحشر. يوم النشر. يوم الجزع. يوم الفزع. يوم السباق. يوم التلاق. يوم الفراق. يوم الانشقاق. يوم الفلق. يوم الغرق. يوم العرق. يوم اليقين. يوم الدين " يومَ يقومُ الناسُ لربِّ العالمين ". فكيف يا بن آدم المغرور، إذا نفخ في الصور، وبعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، وكورت الشمس وخسف القمر، وانتثرت النجوم، وعطلت البحار، وحشرت الوحوش، وزوجت النفوس، وسيرت الدبال، وعظمت الأهوا، وحشروا حفاةً ووقفوا عراة، ومدت لهم الأرض، وجمعوا فيها للعرض، من الهول حيارى، ومن الشدة سكارى، قد أظلهم الكرب، وأجهدهم العطش، واشتد بهم الحر، وعم الخوف، وجل العناء، وكثر البكاء، وفنيت الدموع، ولازموا الخضوع، ودهمهم القلق وعمهم العرق، وطاشت العقول؛ وشمل الذهول؛ وتبلبلت الصدور؛ وعظمت الأمور؛ وتحيرت الألباب وتقطعت الأسباب، ورأوا العذاب، وركبهم الذل، وخضعت رقاب الكل، وزلزلت الأقدام، وتبلدت الأفهام، وطال القيام، وانقطع الكلام، ولا شمس تضيء ولاق مر يسري ولا كوكب دري، ولا فلك

стр. 454

يجري، ولا أرض تقل، ولا سماء تظل، ولا ليل ولا نهار، ولا بحار ولا قفار. يا له من يبر تفاقم أمره وتعاظم ضره وعظم خطره، يوم تشخص فيه الأبصار بين يدي الملك الجبار " يوم لا ينفعُ الظالمين معذرتُهم ولهم اللعنةُ ولهم سوء الدار " قد خشعت لهوله الأصوات، وقل فيه الالتفات، وبرزت الخفيات، وظهرت الخطيات، وأحاطت البليات، وسيق العباد ومعهم الأشهاد، وتقلصت الشفاه وتقطعت الأكباد، وشاب الصغير، وسكر الكبير، ووضعت الموازين، ونشرت الدواوين، وتقطعت الجوارح، وارتعدت الجوانح، واتضحت الفضائح وأُزلفت الجنان، وسعرت النيران، ويؤمر بعد الخطب الجسيم والهوا العظيم للمقعد المقيم؛ إما بدار النعيم والرضوان، وإما بدار الجحيم والنير.

стр. 455

وهذه قصيدة جامعة لغالب ما تقدم من أحوال يوم القيامة واسمها قلادة الدر المنثور في ذكر البعث والنشور الله أعظم مما جال في الفكر ... وحكمه في البرايا حكم مقتدر مولىً عظيم حكيم واحد صمدٌ ... حيٌّ قديم مريد فاطر الفطر يا ربّ يا سامع الأصوات صلّ على ... رسولك المجتبى من أطهر البشر محمد المصطفى الهادي البشير هدى ... كلّ الخلائق بالآيات والسور وآله والصحاب الكائنين به ... كأنجمٍ حول من يسمو على القمر أشكو إليك أموراً أنت تعلمها ... فتور عزمي وما فرّطت في عمري وفرط ميلي إلى الدنيا وقد حسرت ... عن ساعد الغدر في الآصال والبكر يا رّبنا جد يتوفيق ومغفرة ... وحسن عاقبةٍ في الورد والصدر قد أصبح الخلق في خوفٍ وفي ذعر ... وزور لهوٍ وهم في أعظم الخطر وللقيامة أشراط وقد ظهرت ... بعض العلامات، والباقي على الأثر قلّ الوفاء فلا عهدٌ ولا ذمم ... واستحكم الجهل في البادين والحضر باعوا لأديانهم بالبخس من سحتٍ ... وأظهروا الفسق بالعدوان والأشر وجاهروا بالمعاصي وارتضوا بدعاً ... عمّت، فصاحبها يمشي بلا حذر وطالب الحق بين الناس مستتر ... وصاحب الإفك فيهم غير مستتر والوزن بالويل والأهواء معتبرٌ ... والوزن بالحقّ فيهم غير معتبر وقد بدا النقص في الإسلام مشتهراً ... وبدّلت صفوة الخيرات بالكدر

стр. 456

وسوف يخرج دجّال الضلالة في ... هرجٍ وقحطٍ كما قد جاء في الخبر ويدّعي أنه ربّ العباد، وهل ... تخفى صفات كذوبٍ ظاهر العور فناره جنّةٌ، طوبى لداخلها ... وزور جنّته نارٌ من السعر شهر وعشر ليالٍ طول مدّته ... لكنها عجبٌ في الطول والقصر فيبعث الله عيسى ناصراً حكماً ... عدلاً، ويعضده بالنصر والظفر فيتبع الكاذب الباغي ويقتله ... ويمحق الله أهل البغي والضرر وقام عيسى يقيم الحقّ متبعاً ... شريعة المصطفى المختار من مضر في أربعين من الأعوام مخصبةٍ ... فيكسب المال فيها كلّ مفتقر وجيش ياجوج مع ماجوج قد خرجوا ... والبغي عمّ بسيلٍ غير منهمر حتى إذا أنفذ الله القضاء دعا ... عيسى فأفناهم المولى على قدر وعاد للناس عيد الخير مكتملاً ... حتى يتمّ لعيسى آخر العمر والشمس حين ترى في الغرب طالعةً ... طلوعها آية من أعظم الكبر فعند ذلك لا إيمان يقبل من ... أهل الجحود ولا عذرٌ لمعتذر ودابةٌ في وجوه المؤمنين لها ... وسمٌ من النور والكفار بالقتر والخلف: هل فتنة الدّجال قبلهما ... أو بعد؟ قد ورد القولان في الخبر وكم خرابٍ وكم خسفٍ وزلزلة ... وفيح نار وآياتٍ من النّذر ونفخة تذهب الأرواح شدّتها ... إلا الذين عنوا في سورة الزّمر وأربعون من الأعوام قد حسبت ... نفخاً تبثّ به الأرواح في الصّور قاموا حفاةً عراة مثل ما خلقوا ... من هول ما عاينوا سكرى بلا سكر قوم مشاةٌ وركبان على نجب ... عليهم حللٌ أبهى من الزهر

стр. 457

ويسحب الظالمون الكافرون على ... وجوههم، وتحيط النار بالشرر والشمس قد أُدنيت والناس في عرقٍ ... وفي زحام وفي كربٍ وفي حصر والأرض قد بدّلت بيضاء ليس لها ... خفضٌ ولا ملجأ يبدو لمستتر طال الوقوف فجاءوا آدماً ورجوا ... شفاعةً من أبيهم أول البصر فردّ ذاك إلى نوحٍ فردّهم ... إلى الخليل، فأبدى وصف مفتقر إلى الكليم، إلى عيسى، فردّهم ... إلى الحبيب، فلبّاها بلا حصر فيسأل المصطفى فصل القضاء لهم ... ليستريحوا من الأهوال والخطر تطوى السموات والأملاك هابطة ... حول العباد لهولٍ معضلٍ عسر والشمس قد كوّرت والكتب قد نشرت ... والأنجم انكدرت ناهيك من كدر وقد تجلى إله العرش مقتدراً ... سبحانه جلّ عن كيفٍ وعن فكر فيأخذ الحقّ للمظلوم منتصفاً ... من ظالمٍ جار في العدوان والبطر والوزن بالقسط والأعمال قد ظهرت ... ووزنها عبرةٌ تبدو لمعتبر وكلٌ من عبد الأوثان يتبعها ... بإذن ربّي، وصار الكلّ في سقر والمسلمون إلى الميزان قد قسموا ... ثلاثةً، فاسمعوا تقسيم مختصر فسابقٌ رجحت ميزان طاعته ... له الخلود بلا خوفٍ ولا ذعر ومذنب كثرت آثامه فله ... شفعٌ بأوزاره، أو عفو مفتقر وواحد قد تساوت حالتاه، له ال ... أعراف حبسٌ وبين البشر والحصر ويكرم الله مثواه بجنّته ... بجود فضلٍ عميمٍ غير منحصر وفي الطريق صراط مدّ فوق لظى ... كحدّ سيف سطا في دقة الشعر

стр. 458

والناس في ورده شتّى، فمستبق ... كالبرق والطير، أو كالخيل في النظر ساعٍ وماشٍ ومخدوش ومعتلق ... ناج، وكم ساقط في النار منتثر للمؤمنين ورودٌ بعده صدرٌ ... والكافرون لهم وردٌ بلا صدر فيشفع المصطفى والأنبياء ومن ... يختاره الملك الرحمن في زمر في كل عاصٍ له نفسٌ مقصّرة ... وقلبه عن سوى الربّ العظيم بري فأوّل الشّفعا حقاً وآخرهم ... محمدٌ ذو البهاء الطيّب العطر مقامه ذروة الكرسيّ ثم له ... عقد اللواء بعزٍّ غير منحصر والحوض يشرب منه المؤمنون غداً ... كالأري يجري على الياقوت والدّرر ويخلق الله أقواماً قد احترقوا ... كانوا أولي العزة الشنعاء والنجر والنار مثوىً لأهل الكفر كلهم ... طباقها سبعةٌ مسودّة الحفر جهنمٌ ولظى والحطم بينهما ... ثم السعير كما الأهوال في سقر وتحت ذاك جحيمٌ ثم هاويةٌ ... يهوى بها أبداً، سحقاً لمحتقر في كل باب عقوبات مضاعفة ... وكل واحدة تطوى على النفر فيها غلاظ شداد من ملائكة ... قلوبهم شدّة أقوى من الحجر لهم مقامع للتعذيب مرصدةٌ ... وكل كسرٍ لديهم غير منجبر سوداء مظلمة شعثاء موحشة ... دهماء محرقة لوّاحة البشر فيها الجحيم مذيبٌ للوجوه مع ال ... أمعاء من شدة الإحراق والشرر

стр. 459

فيها الغساق الشديد البرد يقطعهم ... إذا استغاثوا بحرٍّ ثمّ مستعر فيها السلاسل والأغلال تجمعهم ... مع الشياطين قسراً جمع منقهر فيها العقارب والحيات قد جعلت ... جلودهم كالبغال الدّهم والحمر والجوع والعطش المضني ولا نفسٌ ... فيها ولا جلدٌ فيها لمصطبر لها إذا ما غلت فورٌ يقلّبهم ... ما بين مرتفع منها ومنحدر جمع النواصي مع الأقدام صيّرهم ... كالقوس محنيّةً من شدة الوتر لهم طعام من الزقوم يعلق في ... حلوقهم شوكةً كالصّاب والصبر يا ويلهم عضّت النيران أعظمهم، ... والموت شهوتهم، من شدة الضجر ضجّوا وصاحوا زماناً ليس ينفعهم ... دعاء داعٍ ولا تسليم مصطبر وكلّ يوم لهم في طول مدّتهم ... نوع شديد من التعذيب والسعر كم بين دار هوانٍ لا انقضاء لها ... ودار أمنٍ وخلدٍ دائم الدهر دار الذين اتّقوا مولاهم وسعوا ... قصداً لنيل رضاه سعي مؤتمر وآمنوا واستقاموا مثل ما أُمروا ... واستغرقوا وقتهم في الصوم والسهر وجاهدوا وانتهوا عما يباعدهم ... عن بابه، واستلانوا كل ذي وعر جنّات عدن لهم ما يشتهون بها ... في مقعد الصّدق بين الروض والزهر بناؤها فضة قد زانها ذهبٌ ... وعينها المسك والحصبا من الدّرر أوراقها ذهبٌ، منها الغصون دنت ... بكل نوع من الرّيحان والثمر أوراقها حلل، شفافةً خلقت ... واللؤلؤ الرطب والمرجان في الشجر

стр. 460

دار النعيم وجنّات الخلود لهم ... دار السلام، لهم مأمونة الغير وجنة الخلد والمأوى، وكم جمعت ... جنات عدن لهم من مونقٍ نضر طباقها درجات عدّها مائةٌ ... كلّ اثنتين كبعد الأرض والقمر أعلى منازلها الفردوس عاليها ... عرش الإله فسل واطمع ولا تذر أنهارها عسل ما فيه شائبة ... وخالص اللبن الجاري بلا كدر وأطيب الخمر والماء الذي سلمت ... من الصّداع ونطق اللهو والسّكر والكلّ تحت جبال المسك منبعها ... يجرونه كيف شاؤوا غير محتجر فيها نواهد أبكار مزيّنة ... يبرزن من حلل في الحسن والخفر نساؤها المؤمنات الصابرات على ... حفظ العهود مع الإملاق والضّرر كأنهنّ بدور في غصون نقا ... على كثيب بدت في ظلمة السحر كلّ امرئ منهم يعطى قوى مائةٍ ... في الأكل والشرب والإفضا بلا خور طعامهم رشح مسكٍ كلما عرقوا ... عادت بطونهم في هضم منضمر لا جوع لا برد لا همٌّ ولا نصبٌ ... بل عيشهم عن جميع النائبات عري فيها الوصائف والغلمان تخدمهم ... كلؤلؤٍ في كمال الحسن منتثر فيها غناء الجواري الغانيات لهم ... بأحسن الذكر للمولى مع السمر لباسهم سندس، حلاّتهم ذهب ... ولؤلؤ ونعيم غير منحصر والذكر كالنفس الجاري بلا تعب ... ونزّهوا عن كلام اللغو والهذر
следующие страницы →