← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 3298

خريدة العجائب وفريدة الغرائب

ابن الوردي الحفيد، سراج الدين

Полный текст (461 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

كثير الجيوش حسن الرأي لا يماثله ملك في زيه وترتيبه، تعظمه ملوك الأرض وتخشى بأسه وترغب في مودته وتترضاه وهو سلطان الحرمين الزاهرين والحاكم على البحرين الزاخرين؛ وهي مدينة يعبر عنها بالدنيا، وناهيك من إقليم يحكم سلطانه على مواطن العبادة في الأرض المشرفة والمدينة الشريفة وبيت المقدس؛ ومواطن الأنبياء ومستقر الأولياء وأهل هذه المدينة في غاية الرفاهية والعيشة الهنية والهيئة البهية، وقد ورد في الخبر: مصر كنانة الله ما رماها أحد بسوء إلا أخرج من كنانته سهماً فرماه به وأهلكه. عين شمس وهي شرق القاهرة، وكانت في القديم دار مملكة لهذا الإقليم، وبها من الأعمال والأعلام الهائلة والآثار العظيمة، وبها البستان الذي لا ينبت

стр. 72

شيء من الأرض إلا وهو فيه، وهو بستان طوله ميل في ميل، والسر في بئره لأن المسيح ﵇ اغتسل فيه. وغربيها مدينة قليوب وهي مدينة عظيمة يقولون إنه كان بها ألف وسبعمائة بستان، ولكن لم يبق إلا القليل. وبها من أنواع الفاكهة شيء كثير في غاية الرخص، وبها السردوس الذي هو أحد نزه الدنيا، يسار فيه يومان بين بساتين مشتبكة وأشجار ملتفة وفواكه فاخرة ورياض ناضرة، وهي حفير هامان وزير فرعون. يقال إنه لما حفرها جعل أهل البلاد يخرجون إليه ويسألونه أن يجريها إليهم ويجعلون له على ذلك ما شاء من المال، ففعل وحصل من أهل البلاد مائة ألف

стр. 73

ألف دينار فحملها إلى فرعون؛ فسأله من أين هذا المال الكثير؛ فأخبره أن أهل البلاد سألوا منه اجراء الماء إلى بلادهم وجعلوا هذا المال مقابلة لذلك فقال فرعون: بئس ما صنعت من أخذ هذه الأموال، أما علمت أن السيد المالك ينبغي له أن يعطف على عبيده ولا يأخذ منهم على إيصال منفعة أجراً ولا ينظر إلى ما بأيديهم؟ اردد المال إلى أربابه ولا تأت بمثلها. الجيزة: وهي مدينة عظيمة على ضفة النهر الغربية ذات قرى ومزارع، وبها خصب كثير وخير واسع، وبها القناطر التي لم يعمل مثلها وهي أربعون قوساً على سطر واحد، وبها الأهرام التي هي من عجائب الدنيا لم يبن على وجه الأرض مثلها في إحكامها وإتقانها وعلوها، وذلك أنها مبنية بالصخور العظام وكانوا حين بنوها يثقبون الصخر من طرفيه ويجعلون فيه قضيباً من حديد قائم ويثقبون الحجر الآخر وينزلونه فيه ويذيبون الرصاص ويجعلونه في القضيب بصنعة هندسية حتى كمل بناؤها، وهي ثلاثة أهرامات، ارتفاع كل هرم منها في الهواء مائة ذراع بالملكي، وهو خمسمائة ذراع بالذراع المعهود بيننا، وضلع كل هرم من جهاته ذراع بالملكي.

стр. 74

وهي مهندسة من كل جانب محددة الأعالي من أواخر طولها على ثلثمائة ذراع. يقولون إن داخل الهرم الغربي ثلاثين مخزناً من حجارة صوان ملونة مملوءة بالجواهر النفيسة والأموال الجمة والتماثيل الغريبة والآلات والأسلحة الفاخرة التي قد دهنت بدهان الحكمة فلا تصدأ أبداً إلى يوم القيامة. وفيه الزجاج الذي ينطوي ولا ينكسر، وأصناف العقاقير المركبة والمفردة والمياه المدبرة. وفي الهرم الشرقي الهيئات الفلكية والكواكب، منقوش فيها ما كان وما يكون في الدهور والأزمان إلى آخر الدهر. وفي الهرم الثالث أخبار الكهنة في توابيت صوان مع كل كاهن لوح من ألواح الحكمة وفيه من عجائب صناعاته وأعماله. وفي الحيطان من كل جانب أشخاص كالأصنام تعمل بأيدها جميع الصناعات على المراتب. ولكل هرم منها خازن. وكان المأمون لما دخل الديار المصرية أراد هدمها فلم يقدر على ذلك فاجتهد وأنفق أموالاً عظيمة حتى فتح في أحدها طاقة صغيرة، يقال إنه وجد خلف الطاقة من الأموال قدر الذي أنفقه لا يزيد ولا ينقص، فتعجب من ذلك وقال: انظر إلى الهرمين واسمع منهما ... ما يرويان عن الزمان الغابر

стр. 75

لو ينطقان لخبّرانا بالذي ... فعل الزمان بأوّلٍ وبآخر وقال غيره: خليلي ما تحت السماء بنيّةٌ ... تناسب في إتقانها هرمي مصر بناء يخاف الدهر منه ... وكل على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر وقال آخر: أين الذي الهرمان من بنيانه ... ما قومه، ما يومه، ما المصرع؟ تتخلّف الآثار عن أصحابها ... حيناً ويدركها الفناء فتصرع

стр. 76

الفيوم: وهي مدينة عظيمة بناها يوسف الصديق ﵇، ولها نهر يشقها. ونهرها من عجائب الدنيا، وذلك أنه متصل بالنيل وينقطع منه في أيام الشتاء وهو يجري على العادة. ولهذه المدينة ثلثمائة وستون قرية عامرة آهلة، كلها مزارع وغلال. ويقال إن الماء في هذا الوقت أخذ أكثرها. وكان يوسف ﵇ قد جعلها على عدد أيام السنة فإذا أجدبت الديار المصرية كانت كل قرية تقوم بأهل مصر يوماً، وبأرض الفيوم بساتين وأشجار وفواكه كثيرة رخيصة وأسماك

стр. 77

زائدة الوصف، وبها من قصب السكر شيء كثير، ويقال إنه كان على الفيوم وإقليمها كلها سور واحد. سخا: مدينة حسنة، ولها إقليم واسع، بجامعها حجر أسود عليه طلسم بقلم الطير، إذا أخرج ذلك الحجر من الجامع دخله العصافير، وإذا دخل إليه خرجت العصافير. وأما أنصنا والأشمونان وأبو صير: فمدن أزلية وبها آثار عجيبة وأعلام هائلة. ويقال إن سحرة فرعون كانوا من مدينة أبي صير، وبها الآن بقية منهم. وأما أسيوط وأخميم ودندرا: فمدن أزلية بها آثار عجيبة وأعلام هائلة.

стр. 78

وزماخر: وهي مدينة حسنة كثيرة الفواكه يقرب منها جبل الطليمون وهو يأتي من جهة المغرب فيعترض مجرى نهر النيل، والماء ينصب إليه بقوة حتى يمنع المراكب فلا يقدرون على الجواز عليه إلى أسوان. ذكروا أن كرهية الساحرة كانت ساكنة بأعلى هذا الجبل في قصر عظيم، وكانت تتكلم على المراكب المقلعة في البحر فتقف. وأسوان: وهي آخر الصعيد الأعلى، وهي مدينة صغيرة عامرة كثيرة اللحوم والأسماك والغزلان. وليس يتصل بأسوان من جهة المشرق بلد للإسلام إلا جبل العلاقي، وهو جبل في واد جاف لا ماء به لكن يحفر عليه فيوجد الماء قريباً فيسمى معيناً، وبه معدن الذهب والفضة وعلى جنوبه من النيل جبل في أسفله معدن الزمرد في برية منقطعة عن العمارة ليس في الأرض كلها معدن للزمرد سواه. ويتصل بأسوان من جهة المغرب أرض الواحات، وبديار مصر معدن الملح والنطرون، وهما من عجائب الدنيا. وأما رمال الضليم: فإنها آية من آيات الله ، فإنه يؤخذ العظم فيدفن في ذلك الرمل سبعة أيام فيعود حجراً صلداً. وكان على أسوان وأرضها سور محيط من جانبيها فتهدم ويقال له حائط العجوز الساحرة. أرض القلزم: وهي بين مصر والشام وهو بحر في ذاته، وفيه جبال فوق الماء، وفيه قروش وحيوانات مضرة ظاهرة ومخفية. وكانت القلزم مدينتين عظيمتين فتهدمتا من تسلط العرب على أهلهما وشربهما من عين سدير وهي وسط الرمل، وماؤه زعاق، وبين القلزم وهو منتهى بحر فارس الآخذ من المحيط الشرقي من الصين وبين البحر الشامي مسافة أربع مراحل يسمى بحصين التيه، وهو تيه بني

стр. 79

إسرائيل، وهي أرض واسعة ليس بها وهدة ولا رابية ولا قلعة، ومسافتها خمسة أيام في خمسة. ومن مدنه المشهورة عقبة أيلة وهي قرية مشهورة على جبل عال صعب المرتقى، يكون ارتفاعه والانحدار منه يوماً كاملاً. وهي طريق لا يمكن أن يجوز فيها إلا واحد واحد، على جانبها أودية بعيدة المهوى. والحوزى: وهي قرية صغيرة بها معدن البرام، ويحمل منها إلى سائر أقطار الأرض. وشربهم من آبار عذبة. وهي على ساحل بحر القلزم. مدينة مدين: وهي خراب، وبها البئر التي استسقى منها موسى لغنم شعيب ﵉، وهي الآن معطلة. أرض البادية: هي ما بين أرض الشام والحجاز وتسمى أرض الحجر. أرض الشام: وهو إقليم عظيم كثير الخيرات جسيم البركات ذو بساتين وجنات وغياض وروضات وفرج ومنتزهات وفواكه مختلفة رخيصة. وبها اللحوم كثيرة، إلا أنها كثيرة الأمطار والثلوج. وهو يشتمل على ثلاثين قلعة وليس فيها أمنع من قلعة الكرك. وإقليم الشام يشتمل على مثل كورة فلسطين وكورة عمدان بينيا، وكورة يافا، وكورة قيسارية، وكورة طرابلس، وكورة سبيطة، وكورة عسقلان، وكورة حطين، وكورة غزة، وكورة بيت جبريل، وفي جنوبه فحصى التيه وكورة الشويك، وكورة الأردن وكورة لبنان، وكورة بيروت وكورة صيدا، وكورة التبينة،

стр. 80

وكورة السامرة، وكورة عانة، وكورة ناصرة وكورة صور. وأرض دمشق: من كورها كورة الغوطة وكورة البقاع وكورة بعلبك، وكورة جولان، وكورة ظاهر، وكورة الحولة، وكورة طرابلس، وكورة البلقاء، وكورة جبريل الغور، وكورة كفر طاب، وكورة عمان، وكورة السراة. ومن مدن الشام الشهيرة دمشق المحروسة وهي أجمل بلاد الشام مكاناً وأحسنها بنياناً وأعدلها هواء وأغزرها ماء. وهي دار مملكة الشام ولها الغوطة التي لم يكن على وجه الأرض مثلها، بها أنهار جارية مخترقة وعيون سارحة متدفقة وأشجار باسقة وثمار يانعة وفواكه مختلفة وقصور شاهقة. ولها ضياع كالمدن.

стр. 81

وبدمشق الجامع المعروف ببني أمية الذي لم يكن على وجه الأرض مثله، بناه الوليد بن عبد الملك وأنفق عليه أموالاً عظيمة، قيل: إن جملة ما أنفق عليه أربعمائة صندوق من ذهب، وكل صندوق أربعة عشر ألف دينار. واجتمع في ترخيمه اثنا عشر ألف مرخم. وقد بني بأنواع الفصوص المحكمة والمرمر المصقول والجزع المكحول. ويقال إن العمودين اللذين تحت قبة النسر اشتراهما الوليد بألف وخمسمائة دينار، وهما عمودان مجزعان بحمرة لم ير مثلهما. ويقال إن غالب رخام الجامع كان معجوناً، ولهذا إذا وضع على النار ذاب. وفي وسط المحيط الفاصل بين الحرم والصحن عمودان صغيران يقال إنهما كانا في عرش بلقيس. ومنارة الجامع الشرقية يقال: إن المسيح ينزل عليها، وعندها حجر يقال إنه قطعة من الحجر الذي ضربه موسى بعصاه فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً. قال بعض السلف الصالح: مكثت أربعين سنة ما فاتتني صلاة من الخمس بهذا الجامع وما دخلته قط إلا وقعت عيني على شيء لم أكن رأيته قبل ذلك من صناعة ونقش وحكمة. ومن باب دمشق الغربي وادي البنفسج، طوله اثنا عشر ميلاً في عرض ثلاثة أميال، مفروش بأجناس الثمار البديعة المنظر والمخبر، ويشقه خمسة أنهار. ومياه الغوطة كلها تخرج من نهر الزبداني وعين الفيجة، وهي عين تخرج من أعلى جبل وتنصب إلى أسفل بصوت هائل ودوي عظيم، فإذا قرب إلى المدينة تفرق أنهاراً وهي بردى ويزيد وتورة وقناة المزة وقنوات الصوف وقنوات بانياس وعقربا. واستعمال هذا النهر للشرب قليل لأن عليه مصب أوساخ المدينة. وهذا النهر يشق المدينة وعليه قنطرة. وكل هذه الأنهار يخرج منها سواق تخترق المدينة فتجري في شوارعها وأسواقها وأزقتها وحماماتها ودورها وتخرج إلى بساتينها.

стр. 82

والشام خمس شامات هكذا قرر في كتاب العقد الفريد: فالشام الأولى: غزة والرملة وفلسطين وعسقلان وبيت المقدس، ومدينتها الكبرى فلسطين. والشام الثانية: الأردن وطبرية والغور واليرموك وبيسان، ومدينتها الكبرى طبرية. والشام الثالثة الغوطة: ودمشق، وسواحلها. ومدينتها الكبرى دمشق. والرابعة: حمص وحماة وكفر طاب وقنسرين وحلب. والخامسة: أنطاكية والعواصم والمصيصة وطرسوس. فأما فلسطين فهي أول أجواز الشام من الغرب، وماؤها من الأمطار والسيول وأشجارها قليلة لكنها حسنة البقاع. وهي من رفح إلى اللجون طولاً ومن

стр. 83

يافا إلى زعر عرضاً، وهي مدينة قوم لوط، والبحيرة التي بها يقال لها البحيرة المنتنة. ومنها إلى بيسان وطبرية يسمى الغور لأنها بقعة بين جبلين وسائر مياه الشام تنحدر إليها. نابلس: هي مدينة السامرية؛ وبها البئر التي حفرها يعقوب ﵇، وجلس ﵇ يطلب من المرأة ماء للشرب. وعلى ذلك المكان كنيسة معهودة. عسقلان: هي مدينة حسنة، ولها سوران، وهي ذات بساتين وثمار وبها من الزيتون والكروم واللوز والرمان شيء كثير. وهي في غاية الخصب. بيت المقدس: ويسمى إيلياء وهي حسنة ولها سوران عظيمان بين جبلين. وفي طرفها الغربي باب المحراب وعليه قبة داود ﵇. وفي طرفها الشرقي باب

стр. 84

الرحمة، وكان يقفل فلا يفتح من عيد الزيتون إلى عيد الزيتون. ومن الباب الغربي يسار إلى الكنيسة العظمى المسماة بكنيسة القيامة وهي المعروفة بكنيسة قمامة، وتحج إليها الروم من سائر الأقطار. ويقابلها من المشرق كنيسة الحبس الذي فيه المسيح عيسى ﵇. وبها مقابر الفرنج وشرقيه المسجد المعظم المسمى بالأقصى، وليس في الدنيا كلها مسجد على قدره إلا جامع قرطبة من بلاد الأندلس. وطول المسجد الأقصى مائتا باع في عرض مائة وثمانين. وفي وسطه قبة عظيمة تسمى قبة الصخرة. ويقال إن سقف جامع قرطبة أكبر من سقف الأقصى وصحن الأقصى أكبر من صحن جامع قرطبة. وبالقرب من باب الأسباط كنيسة حسنة كبيرة

стр. 85

وفيها قبر مريم أم عيسى ﵉ وتعرف بالجسمانية. وهناك جبل يقال له جبل الزيتون، وبهذا الجبل قبر العاذر الذي أحياه الله للمسيح ﵇. وعلى الميامن من جبل الزيتون قرية منها جلب حمار المسيح. وقريب من قبر عاذر مدينة أريحاء وعلى الأردن كنيسة عظيمة على اسم يوحنا المعمدان. والأردن نهر يخرج من بحيرة طبرية ويحط في بحيرة سدوم وعامودا مدائن لوط. وبجنوب بيت المقدس كنيسة صهيون وهي التي فيها قلاية يقال إن المسيح أكل فيها مع حوارييه من المائدة لما أنزلت عليه؛ ويقال إن المائدة باقية فيها. وهي كنيسة حصينة وفيها على طرف الخندق كنيسة بطروس، وبهذا الخندق عين سلوان وهي التي أبرأ فيها المسيح الضرير الأعمى، ويقرب منها الحقل وهو مقابر الغرباء، وبها بيوت كثيرة منقورة في الصخر، وفيها رجال مقيمون قد حبسوا أنفسهم لله تعالى فيها. وأما بيت لحم: فهي كنيسة حسنة البناء متقنة الصنعة، وهو الموضع الذي ولد فيه عيسى ﵇، وبينه وبين بيت المقدس ستة أميال، وفي وسط الطريق

стр. 86

قبر راحيل أم يوسف الصديق ﵇. ويقرب من ذلك مسجد الخليل ﵇، وهو قرية ممتدة بها قبر الخليل إبراهيم وإسحق ويعقوب ﵈. وكل صاحب قبر من قبورهم تجاهه امرأته، وهو في وهدة بين جبلين، ملتفة الأشجار كثيرة الثمار. طبرية: هي مدينة جليلة على جبل مطل، وأسفلها بحيرة عذبة، وبها مراكب سابحة ولها سور حصين ويعمل بها من الحصر السامان كل حسن بديع وبها

стр. 87

حمامات حامية من غير نار وبها حمام يعرف بحمام الدماقر كبير وأول ما يخرج ماؤه يسمط الحدأة والدجاج ويسلق البيض، وهو مالح، وبها اللؤلؤ، وهو أصغر حماماتها وليس فيها حمام يوقد فيه نار إلا الصغير. وفي جنوبها حمام كبير مثل عين يصب إليها مياه حارة من عيون كثيرة، وإنما يقصده أهل البلاد ويقيمون به ثلاثة أيام فيبرؤون. وأما حمص: فهي مدينة حسنة في مستوى من الأرض حصينة، مقصودة من سائر النواحي، وأهلها في خصب ورغد عيش، وفي نسائها جمال فائق. وكانت في قديم الزمان من أكبر البلاد. ويقال إنها مطلسمة لا يدخلها حية ولا عقرب، ومتى وصلت إلى باب المدينة هلكت. ويحمل من تراب حمص إلى سائر البلاد فيوضع على لسعة العقرب فتبرأ. وبها القبة العالية التي في وسطها صنم من نحاس على صورة انسان راكب على فرس تدور مع الريح كيفما دارت. وفي حائط القبة حجر فيه صورة عقرب، يأتي إليه الملدوغ والملسوع ومعه طين فيطبعه على تلك الصورة ويضعه على اللدغة أو اللسعة فتبرأ لوقتها. وجميع شوارعها وأزقتها مفروشة بالحجر الصلد؛ وبها جامع كبير. وأهلها موصوفون بالرقاعة وخفة

стр. 88

العقل. وأما بعلبك: فهي مدينة حسنة حصينة على رأس جبل مسفح، والماء يشقها ويدخل كثيراً في دورها. وعلى نهرها أرحية كثيرة وبها أنواع الفاكهة ووجوه الخصب والرخاء، وفيها قلعة من ثلاثة أحجار، وهي أعجوبة الزمان. وأما حلب: فهي المدينة الشهباء. كانت في قديم الزمان من أوسع البلاد قطراً. قيل أوحى الله إلى خليله إبراهيم ﵇ أن يهاجر بأهله إلى الشونة البيضاء فلم يعرفها، فسأل الله تعالى في ارشاده إليها، فجاءه جبريل عليه

стр. 89

السلام حتى أنزله بالتل الأبيض الذي عليه الآن قلعة حلب المحروسة، حماها الله من الغير والآفات، فاستوطنها وطابت له مدة، ثم أُمر بالمهاجرة إلى الأرض المقدسة فخرج منها، فلما بعد عنها ميلاً صلى هناك. والآن يعرف المكان بمقام الخليل قبلي حلب؛ فلما أراد الرحيل التفت إلى مكان استيطانه كالحزين الباكي لفراقها؛ ثم رفع يديه وقال: اللهم طيب ثراها وهواءها وماءها وحببها لأبنائها. فاستجاب الله دعاءه فيها وصار كل من أقام في بقعة حلب ولو مدة يسيرة أحبها، وإذا فارقها يعز ذلك عليه، وربما إذا فارقها التفت إليها وبكى. وهذا نقله الصاحب كمال الدين بن العديم في تاريخه المسمى بتاريخ حلب.

стр. 90

ولهذه المدينة أعني حلب نهر يأتيها من الشمال يقال له قويق فيخترق أرضها؛ وبها قناة مباركة تخترق شوارعها ودورها وحماماتها وسبلانها، وماؤها عذب فرات. ولها قلعة حصينة راسخة يقال إن في أساسها ثمانية آلاف عمود، وهي ظاهرة الرؤوس بسفحها. ولها قرية تسمى براق يقال إن بها معبداً يقصده أرباب الأمراض وينامون به؛ فإما أن يبصر المريض في نومه من يمسح بيده عليه فيبرأ، وإما أن يقال له استعمل كذا وكذا، فإذا أصبح واستعمله فإنه يبرأ. وأما حماة: فهي مدينة قديمة على عهد سليمان بن داود ﵉، واسمها باليونانية حاموثا؛ ولما فتحها أبو عبيدة ﵁ جعل كنيستها جامعاً وهو جامع السوق الأعلى، وجدد في خلافة المهدي، وكان فيه لوح من الرخام مكتوب فيه أنه جدد من خارج حمص، وكانت حماة وشيزر من أعمال حلب، وكانت حمص في القديم كرسي هذه البلاد.

стр. 91

وأما بلاد الأرمن: فإقليمها عظيم واسع ممتنع القلاع والحصون، كثير الخصب والخير والفواكه الحسنة اللون والطعم، يقال إن بإقليمها ثلثمائة وستين قلعة، منها ست وعشرون قلعة لا تكاد أن ترام لشدة امتناعها، لا يصل أحد إلى واحدة منها لا بقوة ولا بحيلة البتة. ومن مدنها المشهورة أرمينية وهي أرمينيتان: الداخلة والخارجة، وهي مدينة عظيمة بها بحيرة تعرف ببحيرة كندوان، بها تراب تتخذ منه البوادق التي يسبك فيها. وخلاط: وهي مدينة حسنة. وكانت في القديم قاعدة بلاد الأرمن فلما تغلبت الأرمن على الثغور انتقلوا إلى سيس. وبها يعمل من التكك البديعة الحسنة

стр. 92

الغالية الثمن كل غريب. وبقرب خلاط حفائر يستخرج منها الزرنيخ الأحمر والأصفر. مليطية: مدينة عظيمة كثيرة الخير والأرزاق، ليس في بلاد تلك المملكة أحسن منها. وأهلها ذوو ثروة ورفاهية عيش. ذكر أنه كان بها اثنا عشر ألف نول تعمل الصوف، ولكن قد تلاشى أمرها. ميافارقين: مدينة عظيمة، وهي من حدود الجزيرة وحدود أرمينية.

стр. 93

نصيبين: مدينة حسنة في مستوى من الأرض، وماؤها يشق دورها وقصورها. وإليها ينسب الورد النصيبي، وبها عقارب قتالة. وبأرض الأرمن النهران الكبيران المشهوران، وهما نهر الرأس ونهر الكرج المعروف بالكر، ومسيرهما من المغرب إلى المشرق، وعليهما مدن كثيرة وقرى متصلة من الجانبين. وبأرض الأرمن بركة فيها سمك كثير وطير عظيم، وماؤها غزير عميق، ويقيم بها الماء سبع سنين متوالية، وينشف منها سبع سنين أيضاً ثم يعود الماء. وهذا دأبه أبداً، وبها جبل يسمى غرغور، وفيه كهف وفي الكهف بئر بعيدة القعر إذا رمي فيها حجر يسمع لها دوي كدوي الرعد ثم يسكن ولا يعلم ما هو. وفي هذا الجبل معدن الحديد المسموم، متى جرح به حيوان مات في الحال.

стр. 94

أرض الجزيرة: وهي جزيرة ابن عمرو، وتشتمل على ديار ربيعة ومضر، وتسمى ديار بكر، وهي ما بين دجلة والفرات وكلها تسمى بالجزيرة، وبها مدن وقرى عامرة. وأكثر أهلها نصارى وخوارج. ومن مدنها المشهورة الموصل وهي قاعدة بلاد الجزيرة، وهي مدينة كبيرة صحية الهواء طيبة الثرى، ولها نهر حسن عميق في عمق ستين ذراعاً. وبساتينها قليلة إلا أن لها ضياعاً ومزارع ورساتيق ممتدة، وكورها كثيرة وهي المدينة التي بعث إليها يونس ﵇ وهي غربي دجلة. الرها: مدينة عظيمة قديمة واسعة الأقطار، وكانت عامرة الدير، وتتصل بأرض حران. والغالب على أهلها دين النصرانية، وبها من الكنائس ما يزيد على مائتي كنيسة ودير، ولم يكن للنصارى أعظم منها. وكان بكنيستها العظمى منديل المسيح الذي مسح به وجهه فأثرت فيه صورته فأرسل ملك الروم إلى الخليفة رسولاً وطلبه منه وبذل فيه أسارى كثيرة فأخذه وأطلق الأسارى.

стр. 95

مدينة الخضر: وهي الآن خراب. وكانت مدينة عظيمة في قديم الزمان وكان اسم صاحبها الساطرون، فحاصرها سابور بن أردشير بن بابك أربع سنين فلم يقدر عليها، وكانت مركبة على قناطر يدخل الماء من تحتها، وكان لساطرون ابنة جميلة في غاية الجمال بحيث إذا نظرها أحد حصل في عقله خبل وخلل، وكان اسمها نضيرة. وكانت عادة الروم إذا حاضت المرأة عندهم أنزلوها إلى ربض المدينة، فحاضت ابنة الساطرون فأنزلوها إلى الربض وسابور المذكور محاصر المدينة وهو راكب في جيشه دائر من خارج المدينة فرأت نضيرة بنة الساطرون سابور وهو في غاية الحسن فأحبته لأول نظرة، فأرسلت إليه تقول: إن أنا أخذت لك المدينة وأرحتك من العناء أتتزوج بي؟ فقال سابور: نعم، قالت: فخذ حمامة زرقاء فاخضب رجليها بحيض جارية زرقاء بكر وأطلقها، فإنها تطير وتحط على السور فيسقط في الحال وتأخذ المدينة. ففعل سابور ذلك الأمر كما قالت نضيرة. فدخل المدينة وأخذها وهدم ما بقي من سورها وقتل الساطرون وسبى وغنم وتزوج نضيرة، فنامت عنده ليلة وهي تميل طول الليل إلى الصباح، فنظر سابور فإذا في الفراش ورقة آس فقال لها: كل هذا التميل من هذه الورقة؟ قالت نعم. قال: فما كان أبوك يطعمك؟ قالت كان يطعمني مخ العظم وشهد أبكار النحل والزبد ويسقيني الخمر المصفى أربعين مرة فقال: أهذا كان جزاؤه منك، ثم أمر بها فربطت بين فرسين جموحين، فضرباها حتى تمزقت أعضاؤها. وأما جزيرة العرب: فهي ما بين نجران والعذيب.

стр. 96

أرض عراق العرب: وهي أرض طيبة ممتدة ذات أقاليم وقرى، وطولها من تكريت إلى عبادان، وعرضها من القادسية إلى حلوان. ومن مدنها المشهورة بغداد وهي مدينة عظيمة قاعدة أرض العراق، بناها المنصور في الجانب الغربي على الدجلة، وأنفق عليها أموالاً عظيمة، يقال إنه أنفق عليها أربعة آلاف دينار، ونقل أبواب واسط وركبها عليها وجعلها مدورة حتى لا يكون بعض الناس أقرب إلى السلطان من بعض، وبنى بها قصراً عظيماً بوسطها يقال إن دوره اثنا عشر ألف قصبة، والجامع في القصر، وقصر المهدي يقابل قصر المنصور في الضفة الأخرى وهما مدينتان يسقيهما نهر الدجلة وبينهما جسر من السفن، وبساتينها في الجانب الآخر الشرقي تسقى بماء النهروان وماء سامر، وهما نهران عظيمان. وأما نهر عيسى فتجري فيه السفن من بغداد إلى الفرات. وأما نهر السراة فلا تركبه سفينة أصلاً لكثرة الأرحية التي عليه.

стр. 97

وكانت بغداد في أيام البرامكة مدينة عظيمة يقال إن حماماتها حصرت في وقت من الأوقات فكانت ستين ألفاً. وكان بها من العلماء والوزراء والفضلاء والرؤساء والسادات ما لا يوصف. قال الطبري في تاريخه: أقل صفة بغداد أنه كان فيها ستون ألف حمام، كل حمام يحتاج على الأقل إلى ستة نفر، سواق ووقاد وزبال وقائم ومدولب وحارس، كل واحد من هؤلاء في مثل ليلة العيد يحتاج إلى رطل صابون لنفسه ولأهله وأولاده، فهذه ثلثمائة ألف رطل وستون ألف رطل صابوناً برسم فعلة الحمامات لا غير، فما ظنك بسائر الناس وما يحتاجون إليه من الأصناف في كل يوم؟

стр. 98

المدائن: وهي مدينة قديمة جاهلية وبها آبار هائلة وبها إيوان كسرى المضروب به المثل في العظم والشماخة والارتفاع والإتقان، واقليمها يعرف بأرض بابل. وكان المنصور لما قصد أن يبني بغداد استشار خالد بن برمك في نقض الإيوان ونقله من المدائن إلى بغداد، فقال له خالد: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فقال له المنصور ملت إلى بقاء آثار أخوالك الفرس، لا بد من هدمه. وأمر المنصور بنقض القصر الأبيض، وهو شيء يسير من جانب الإيوان. فنقضت ناحية من القصر الأبيض فكان ما غرموا على نقضه أكثر من قيمة المنقوض فأزعج ذلك المنصور فقال لخالد: قد عزمت على ترك النقض، فقال له خالد: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فغضب المنصور وقال: أما والله إن أحد رأييك غش. فقال خالد بلى والله كلاهما نصح، فقال: صحح ما قلت، فقال: أما قولي في الأول: لا تنقض، حتى إن كل جيل يأتي في الدهر ويرى الإيوان ويستعظم أمره وأمر بانيه ثم يقول إن أمةً وملوكاً أزالت ملك الفرس وأخذت بلادها وأبادتها لأُمة عظيمة ولملوك عظيمة، فذلك من تعظيم الملة الإسلامية، وأما قولي الآخر: لا تفعل، يعني لا تترك النقض حتى إن من يأتي من الأجيال والخلق ويرى بعض النقض، والنقض أسهل من البنيان، فيقول إن أمة بنت

стр. 99

هذا البنيان فأعجز نقضه من أتى بعدهم لأمة عظيمة فذلك تعظيم للفرس واستهانة بالملة الإسلامية. فلم يلتفت إلى مقاله وترك النقض. والنيل: وهي مدينة حسنة وهي على الفرات العظمى، بين بغداد والكوفة وأصل تسميتها بالنيل أن الحجاج بن يوسف حفر نهراً من الفرات وسماه النيل باسم نيل مصر، وأجراه إليها وعليه مدن عظيمة وقرى ومزارع. ونينوى: وهي مدينة أزلية قبالة الموصل وبينهما دجلة. ويقال إنها المدينة التي بعث إليها يونس بن متي ﵇.

стр. 100

الكوفة: مدينة علوية بناها علي بن أبي طالب ﵁. وهي كبيرة حسنة على شاطئ الفرات، لها بناء حصين وحصن حصين، ولها نخل كثيرة وثمره طيب جداً. وهي كهيئة بناء البصرة وعلى ستة أميال منها. وفيها قبة عظيمة

стр. 101

يقال إن بها قبر علي بن أبي طالب ﵁، وما استدار بتلك القبة مدفن آل علي، والقبة بناء أبي العباس عبد الله بن حمدان في دولة بني العباس. البصرة: وهي مدينة عمرية بناها المسلمون في أيام عمر بن الخطاب ﵁، وهي مدينة حسنة رحبة. حكى أحمد بن يعقوب أنه كان بالبصرة سبعة آلاف مسجد. وحكى بعض التجار أنه اشترى التمر فيها خمسمائة رطل بدينار، وهو عشرة دراهم. وغربي البصرة البادية وشرقيها مياه الأنهار وهي تزيد على عشرة آلاف نهر تجري فيها السامريات، ولكل منها اسم ينسب إلى صاحبه الذي حفره، وإلى الناحية التي يصل إليها، وبها نهر يعرف بنهر الأيكة وهو أحد نزهات الدنيا، طوله اثنا عشر ميلاً وهو مسافة ما بين البصرة والأيكة، وعلى جانب النهر قصور وبساتين وفرج ونزه كأنها كلها بستان واحد وكأن نخلها كلها قد غرس في يوم واحد، وجميع أنهارها يدخل عليها المد والجزر، والغالب على هذه الأنهار الملوحة. وبين عمارات البصرة وقراها آجام وبطائح ماء معمورة بزوارق وسامريات.

стр. 102

واسط: وهي بين البصرة والكوفة، وهي مدينتان على جانبي دجلة، وبينهما قنطرة كبيرة مصنوعة على جسر من سفن يعبر عليها من جانب إلى جانب، فالغربية تسمى كسكران، والشرقية تسمى واسط العراق، وهما في الحسن والعمارة سواء، وهما أعمر بلاد العراق وعليهما معول ولاة بغداد. وعبادان: وهي مدينة عامرة على شاطئ البحر في الضفة الغربية من الدجلة، وإليها مصب ماء الدجلة ويقال في المثل: ما بعد عبادان قرية. ومن عبادان إلى الخشبات وهي خشبات منصوبات في قعر البحر بإحكام وهندسة وعليها ألواح مهندسة يجلس عليها حراس البحر ومعهم زوارق، وهو البحر الفارسي شاطئه الأيمن للعراق والأيسر لفارس. أرض الفرس: وهي بلاد فارس، ومسكنهم وسط المعمورة. وهي مدن عظيمة وبلاد قديمة وأقاليم كثيرة وهي ما دون جيحون ويقال لها إيذان، وأما ما وراء جيحون فهور أرض الترك ويقال لها قزوين. وأرض فارس كلها متصلة العمائر وهي خمس كور: الكورة الأولى: أرجان، وهي أصغرهن وتسمى كورة سابور، والكورة الثانية اصطخر وما يليها، وهي كورة عظيمة وبها أعظم

стр. 103

بلاد الفرس. والكورة الثالثة: كورة سابور الثاني. الكورة الرابعة: الشاذروان وقاعدتها شيراز. الكورة الخامسة: كورة سوس. أرض كرمان: هي بين أرض فارس وأرض مكران، وهو إقليم واسع ومن مدنها المشهورة يم، وهرمز. أرض الجبال: أرض واسعة وإقليم عظيم، ويسمى إقليم خراسان وعراق العجم وله نحو خمسمائة مدينة قواعد، خارجة عن القرى والرساتيق، ومن مدنها همذان والسوس وششتر، وزرنج ونيسابور وسرخس

стр. 104

وغزنة ومرو، والطالقان، وبلخ وفاراب وبدخشان وقم وقاشان وأصبهان، وجرجان والبيلقان وراعة، وأردبيل وطوس.

стр. 105

أرض طبرستان: وهي مشتملة على إقليم عظيم ومياه غزيرة وأشجار ملتفة، ومدينتها العظمى تسمى أيضاً طبرستان. أرض الري: هي آخر الجبال من خراسان، وهو إقليم عظيم كثير القرى والأعمال والرساتيق. جبال الديلم: وهي ثلاثة جبال منيعة يتحصن أهلوها بها. أحدها يسمى تردوسيان والثاني يسمى المرونج، والثالث يسمى واران. ولكل جبل منها رئيس. والجبل الذي فيه الملك يسمى الكروم وبه رياسة الديلم ومقام آل حسان، وبهذا الجبل والأولين أمم عظيمة من الديلم، وهي كثيرة الغياض والشجر والمطر وهي في غاية الخصب، ولها قرى وشعاب كثيرة وليس عندهم من الدواب ما ينقلون بها. أرض خوارزم: إقليم عظيم منقطع عن أرض خراسان وبعيد عما وراء النهر، ويحيط به مفاوز من كل جانب، وأول أعماله الظاهرية: خوارزم، وهي قاعدة هذه الأرض، وهي مدينة عظيمة، وفي الوضع مدينتان شرقية وغربية، فالأولى على ضفة نهرها الشرقية تسمى درغاشا، والثانية على ضفته الغربية وتسمى الجرجانية.

стр. 106

بخارى: مدينة عظيمة ومملكة قديمة ذات قصور عالية وجنان متوالية وقرى متصلة العمائر، ودورها سبعة وثلاثون ميلاً في مثلها ويحيط بها جميعاً سور واحد وداخل هذا السور المحيط سور آخر يدور على نفس المدينة ومدائنها من الرساتيق، ولها قلعة حصينة ونهر يشق ربضها وعلى النهر أرحية كثيرة، وأهلها متمولون وذوو ثروة. سمرقند: وهي مدينة تشبه بخارى في العمارة والحسن، لها قصور عالية شاهقة ونهور دافقة تخترق أزقتها ودورها وتشق جهاتها وقصورها، وقل أن تخلو من بقاعها المياه الجارية ويقال إنها بناء تبع الكبر وأتمها ذو القرنين. وبحيرة خوارزم دورها ثلاثمائة ميل وماؤها ملح أجاج وليس لها مصب ولا مغيض، ويقع فيها جيحون على الدوام وسيحون وقتاً دون وقت، ويقع فيها أيضاً نهر الشاش ونهر الترك ونهر سرمازعا، وأنهار كثيرة صغيرة غيرها ولا يعذب ماؤها ولا يساغ ولا يزيد بما يقع فيها ولا ينقص. ويجمد نهر جيحون في الشتاء بالقرب من هذه البحيرة حتى تجوز عليه الدواب وعلى شطها جبل يعرف بحفرا نموية، يجمد فيه

стр. 107

الماء فيصير ملحاً لأهل تلك المملكة، وفي هذه البحيرة شخص يظهر في بعض الأوقات عياناً على صورة إنسان يطفو على وجه الماء ويتكلم ثلاث كلمات أو أربع كلمات مقفلات غير مفهومات ثم يغوص في الماء في الحال وظهوره يدل على موت ملك من الملوك الأعزاز. أرض خورستان: وهي من بلاد الجبال، وهي أرض سهلة معتدلة الهواء كثيرة المياه واسعة الخير والخصب، وبها مدن كثيرة وقرى عامرة. ومن مدنها المشهورة الأهواز وهو القطر الكبير الواسع، المعمور النواحي، وهي قاعدة هذه المملكة وبها أرزاق وخيرات زائدة الوصف، وبها تعمل الثياب الأهوازية التي لا نظير لها في الدنيا وكذلك البسط والحلل والستور وملابس ومراكيب الملوك، وبها يصنع كل نوع غريب. أرض طخارستان: وهي أرض الهياطلة؛ وإقليمه واسع؛ وهو بين أرض الجبال وبلاد الأتراك، وبها مدن كثيرة وقرى عامرة وخصب. أرض الصغد: وهي أرض واسعة ذات بساتين وأشجار وفواكه ومياه ومدن عامرة ولها نهر يسمى الصغد يخرج من جبال التيم ويمتد على ظهرها،

стр. 108

ومدينتها العظمى تسمى الصغد وهي ذات قصور عالية وأبنية شاهقة والمياه تخترق أزقتها وشوارعها، وقل أن يكون بها قصر أو دار أو بستان بغير ماء. أرض أشروسنة: وهي أرض قبل أرض فرغانة؛ وهي إقليم عظيم كالعراق، وبه مدن وقرى وخيرات وافرة وخصب إلى الغاية. أرض التيم: وهي غربي بلاد فرغانة وهي أرض واسعة وبها جبال شاهقة بها معادن الذهب والفضة والنوشادر والزاج، وبها جبال شاهقة وطرق ممنعة، وفي الجبال خسوف تخرج منه النار في الليل فترى على مسافة خمسة أميال وفي النهار يخرج منه الدخان. وفي جبال التيم حصن شبيك الذي لم يطمع في الوصول إليه من يرومه من الأعداء؛ وهو كثير الخيرات وبه تعمل آلات الحديد والفولاذ وأنواع الأسلحة لتلك المملكة وغيرها. أرض فرغانة: وهي مجاورة أرض التبت، وهي أرض واسعة ذات كور وأقاليم ومدن وقرى وضياع. ومن مدنها المشهورة فرغانة وهي إقليم واسع وهي قاعدة ذلك الملك وبها أمم عظيمة وأسواق وخيرات. أرض التبت: إقليم واسع ومدينته تسمى به، وهو آخر مدن خراسان وهو مجاور بلاد الصين وبعض بلاد الهند، وهو بلاد الأتراك التبتية وهو إقليم على نشز من الأرض عال؛ وفي أسفله واد يمر على بحيرة نزوان مشرقاً. ويعمل بها ثياب ثخان

стр. 109

الأجرام لها قيمة غالية. وأهلها يتجرون في الفضة والحديد والحجارة الملونة والمسك التبتي وجلود النمور، وليس على معمور الأرض أحسن ألواناً ولا أنعم أبداناً ولا أجمل أخلاقاً ولا أرق بشرة ولا أذكى رائحة من الترك الذين بتلك البلاد وهم يسرق بعضهم بعضاً ويبيعونه في البلاد. ومن مدنه المشهورة يتنج وهي مدينة على رأس جبل، وعليها سور حصين ولها باب واحد لا غير، وبها صناعات كثيرة وأعمال بديعة. وبالجبل المتصل بالتبت ينبت السنبل، وفي غياضه دواب المسك ترعى منه وهي كغزلان الفلاة غير أن لها نابين معتقفين كأنياب الفيلة يخرج المسك من سرتها كالدمل فتحك سرتها في الحجر

стр. 110

فينفجر وتجمد فتخرج التجار فتجمعه ويضعونه في النوافج. وبها فأرة المسك وهي فأرة يخرج المسك من سرتها أيضاً. وهذا المسك هو الغاية في قوة الرائحة وغاية الثمن. وبهذا الجبل من الراوند الصيني شيء كثير ويقرب منه جبل معطوف عليه كالدال وبه بئر بعيد القعر يسمع من أسفله خرير الماء ودوي جريانه ولا يدرك له قعر. ويتصل طرفا هذا الجبل بجبال الهند، وفي وسطه أرض وطيئة وفيها قصر عظيم مائل مربع البناء ولا باب له، وكل من قصد ومشى نحوه يجد في نفسه طرباً وسروراً كما يجد شارب الخمر من نشوة الخمر. ويقال إن من تعلق بهذا القصر وصعد إلى أعلاه ضحك ضحكاً شديداً ثم رمى بنفسه إلى داخله لا يدرى لأي شيء، ولا يمكن أحد أن يعلم ما سبب ذلك وما الذي في داخله؟ أرض اللان: وهي أرض واسعة عامرة. ومن مدنه المشهورة برذعة وهي مدينة عظيمة كثيرة الخصب، ويقرب منها موضع يقال له الاندروان مسيرة يوم في يوم، وهو من نزه الدنيا، كله عمارات وقصور وبساتين ومناظر وفواكه وثمار، وبه البندق والشاهبلوط الذي ليس له في الدنيا نظير في الطعم والكثرة حتى لو حمل ذلك إلى البلاد شرقها وغربها لكفاهم، وبها الريعان وهو نوع من العنبر الذي لا يوجد مثله في الدنيا. وهي على نهر الكر. وبها باب يعرف بباب الأكراد له سوق يعرف بسوق الكركي مقداره ثلاثة أميال. أرض التغزغز: وهي بين أرض التبت والصين كما تقدم. ومن مدنها المشهورة أخوان وهي مدينة عظيمة آخذة من جهة المشرق على ضفة نهر وحولها مياه جارية
следующие страницы →