← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 3298

خريدة العجائب وفريدة الغرائب

ابن الوردي الحفيد، سراج الدين

Полный текст (461 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بخارى: مدينة عظيمة ومملكة قديمة ذات قصور عالية وجنان متوالية وقرى متصلة العمائر، ودورها سبعة وثلاثون ميلاً في مثلها ويحيط بها جميعاً سور واحد وداخل هذا السور المحيط سور آخر يدور على نفس المدينة ومدائنها من الرساتيق، ولها قلعة حصينة ونهر يشق ربضها وعلى النهر أرحية كثيرة، وأهلها متمولون وذوو ثروة. سمرقند: وهي مدينة تشبه بخارى في العمارة والحسن، لها قصور عالية شاهقة ونهور دافقة تخترق أزقتها ودورها وتشق جهاتها وقصورها، وقل أن تخلو من بقاعها المياه الجارية ويقال إنها بناء تبع الكبر وأتمها ذو القرنين. وبحيرة خوارزم دورها ثلاثمائة ميل وماؤها ملح أجاج وليس لها مصب ولا مغيض، ويقع فيها جيحون على الدوام وسيحون وقتاً دون وقت، ويقع فيها أيضاً نهر الشاش ونهر الترك ونهر سرمازعا، وأنهار كثيرة صغيرة غيرها ولا يعذب ماؤها ولا يساغ ولا يزيد بما يقع فيها ولا ينقص. ويجمد نهر جيحون في الشتاء بالقرب من هذه البحيرة حتى تجوز عليه الدواب وعلى شطها جبل يعرف بحفرا نموية، يجمد فيه

стр. 107

الماء فيصير ملحاً لأهل تلك المملكة، وفي هذه البحيرة شخص يظهر في بعض الأوقات عياناً على صورة إنسان يطفو على وجه الماء ويتكلم ثلاث كلمات أو أربع كلمات مقفلات غير مفهومات ثم يغوص في الماء في الحال وظهوره يدل على موت ملك من الملوك الأعزاز. أرض خورستان: وهي من بلاد الجبال، وهي أرض سهلة معتدلة الهواء كثيرة المياه واسعة الخير والخصب، وبها مدن كثيرة وقرى عامرة. ومن مدنها المشهورة الأهواز وهو القطر الكبير الواسع، المعمور النواحي، وهي قاعدة هذه المملكة وبها أرزاق وخيرات زائدة الوصف، وبها تعمل الثياب الأهوازية التي لا نظير لها في الدنيا وكذلك البسط والحلل والستور وملابس ومراكيب الملوك، وبها يصنع كل نوع غريب. أرض طخارستان: وهي أرض الهياطلة؛ وإقليمه واسع؛ وهو بين أرض الجبال وبلاد الأتراك، وبها مدن كثيرة وقرى عامرة وخصب. أرض الصغد: وهي أرض واسعة ذات بساتين وأشجار وفواكه ومياه ومدن عامرة ولها نهر يسمى الصغد يخرج من جبال التيم ويمتد على ظهرها،

стр. 108

ومدينتها العظمى تسمى الصغد وهي ذات قصور عالية وأبنية شاهقة والمياه تخترق أزقتها وشوارعها، وقل أن يكون بها قصر أو دار أو بستان بغير ماء. أرض أشروسنة: وهي أرض قبل أرض فرغانة؛ وهي إقليم عظيم كالعراق، وبه مدن وقرى وخيرات وافرة وخصب إلى الغاية. أرض التيم: وهي غربي بلاد فرغانة وهي أرض واسعة وبها جبال شاهقة بها معادن الذهب والفضة والنوشادر والزاج، وبها جبال شاهقة وطرق ممنعة، وفي الجبال خسوف تخرج منه النار في الليل فترى على مسافة خمسة أميال وفي النهار يخرج منه الدخان. وفي جبال التيم حصن شبيك الذي لم يطمع في الوصول إليه من يرومه من الأعداء؛ وهو كثير الخيرات وبه تعمل آلات الحديد والفولاذ وأنواع الأسلحة لتلك المملكة وغيرها. أرض فرغانة: وهي مجاورة أرض التبت، وهي أرض واسعة ذات كور وأقاليم ومدن وقرى وضياع. ومن مدنها المشهورة فرغانة وهي إقليم واسع وهي قاعدة ذلك الملك وبها أمم عظيمة وأسواق وخيرات. أرض التبت: إقليم واسع ومدينته تسمى به، وهو آخر مدن خراسان وهو مجاور بلاد الصين وبعض بلاد الهند، وهو بلاد الأتراك التبتية وهو إقليم على نشز من الأرض عال؛ وفي أسفله واد يمر على بحيرة نزوان مشرقاً. ويعمل بها ثياب ثخان

стр. 109

الأجرام لها قيمة غالية. وأهلها يتجرون في الفضة والحديد والحجارة الملونة والمسك التبتي وجلود النمور، وليس على معمور الأرض أحسن ألواناً ولا أنعم أبداناً ولا أجمل أخلاقاً ولا أرق بشرة ولا أذكى رائحة من الترك الذين بتلك البلاد وهم يسرق بعضهم بعضاً ويبيعونه في البلاد. ومن مدنه المشهورة يتنج وهي مدينة على رأس جبل، وعليها سور حصين ولها باب واحد لا غير، وبها صناعات كثيرة وأعمال بديعة. وبالجبل المتصل بالتبت ينبت السنبل، وفي غياضه دواب المسك ترعى منه وهي كغزلان الفلاة غير أن لها نابين معتقفين كأنياب الفيلة يخرج المسك من سرتها كالدمل فتحك سرتها في الحجر

стр. 110

فينفجر وتجمد فتخرج التجار فتجمعه ويضعونه في النوافج. وبها فأرة المسك وهي فأرة يخرج المسك من سرتها أيضاً. وهذا المسك هو الغاية في قوة الرائحة وغاية الثمن. وبهذا الجبل من الراوند الصيني شيء كثير ويقرب منه جبل معطوف عليه كالدال وبه بئر بعيد القعر يسمع من أسفله خرير الماء ودوي جريانه ولا يدرك له قعر. ويتصل طرفا هذا الجبل بجبال الهند، وفي وسطه أرض وطيئة وفيها قصر عظيم مائل مربع البناء ولا باب له، وكل من قصد ومشى نحوه يجد في نفسه طرباً وسروراً كما يجد شارب الخمر من نشوة الخمر. ويقال إن من تعلق بهذا القصر وصعد إلى أعلاه ضحك ضحكاً شديداً ثم رمى بنفسه إلى داخله لا يدرى لأي شيء، ولا يمكن أحد أن يعلم ما سبب ذلك وما الذي في داخله؟ أرض اللان: وهي أرض واسعة عامرة. ومن مدنه المشهورة برذعة وهي مدينة عظيمة كثيرة الخصب، ويقرب منها موضع يقال له الاندروان مسيرة يوم في يوم، وهو من نزه الدنيا، كله عمارات وقصور وبساتين ومناظر وفواكه وثمار، وبه البندق والشاهبلوط الذي ليس له في الدنيا نظير في الطعم والكثرة حتى لو حمل ذلك إلى البلاد شرقها وغربها لكفاهم، وبها الريعان وهو نوع من العنبر الذي لا يوجد مثله في الدنيا. وهي على نهر الكر. وبها باب يعرف بباب الأكراد له سوق يعرف بسوق الكركي مقداره ثلاثة أميال. أرض التغزغز: وهي بين أرض التبت والصين كما تقدم. ومن مدنها المشهورة أخوان وهي مدينة عظيمة آخذة من جهة المشرق على ضفة نهر وحولها مياه جارية

стр. 111

ومزارع كثيرة، وهي مرابع الأتراك، وبها يعمل من الآلات الحديد الصيني كل غريب، وبها من الآنية الصينية ما لا يوجد في غيرها. وأما أرض الصين: فإنها طويلة عريضة، طولها من المشرق إلى المغرب نحو ثلاثة أشهر، وعرضها من بحر الصين إلى بحر الهند في الجنوب، وإلى سد يأجوج ومأجوج في الشمال. وقد قيل إن عرضها أكثر من طولها. وهي تشتمل على الأقاليم السبعة. ويقال إن بها ثلثمائة مدينة قواعد كبار عامرة، سوى الرساتيق والقرى والجزائر. وعندهم معدن الذهب. قال الهروي: أبواب الصين اثنا عشر باباً وهي جبال في البحر، بين كل جبلين منها فرجة تصير إلى موضع بعيد من بلاد الصين فإذا جاوزت السفينة تلك الأبواب جازت في بحر فسيح وماء عذب فلا تزال كذلك حتى تصير إلى الموضع الذي تريد من بلاد الصين. وأهل الصين أحسن الناس سياسة وأكثرهم عدلاً وأحذق الناس في الصناعات والنقوش والتصوير. وإن الواحد منهم ليعمل بيده من النقش والتصوير ما يعجر عنه أهل الأرض وكان من عادات ملوكهم أن الملك منهم إذا سمع بنقاش أو مصور في أقطار بلاده أرسل إليه بقاصد ومال ورغبه في الإشخاص إليه، فإذا حضر عنده وعده بالمال والرزق والصلات، وأمره أن يصنع تمثالاً مما يعلمه من النقش والتصوير، ويبذل في ذلك غاية جهده ومقدرته ويحضر به إليه، فإذا فعل وأحضره علق ذلك الصنع والتمثال بباب قصر الملك وتركه سنة كاملة، والناس يهرعون إليه في تلك المدة، فإذا مضت السنة ولم يظهر أحد من الناس على عيب به وخلل في صنعه، أحضر ذلك الصانع وخلع عليه وجعله من خواص الصناع في دار الصناعة، وأجرى عليه ما وعده به من المال والصلة والإدرار.

стр. 112

فبلغه عن نقاش ماهر في النقش والتصوير في بلاد الروم فأرسل إليه وأشخصه وأمره بعمل شيء مما يقدر عليه من النقش والتصوير مثالاً يعلقه بباب القصر على العادة فنقش له في رقعة صورة سنبلة حنطة خضراء قائمة وعليها عصفور، وأتقن نقشه وهيئته حتى إذا نظره أحد لا يشك في أنه عصفور على سنبلة خضراء ولا ينكر شيئاً من ذلك غير النطق والحركة. فأعجب الملك ذلك وأمر بتعليقة وبإدرار الرزق عليه إلى انقضاء مدة التعليق فمضت سنة إلا بعض أيام ولم يقدر أحد على إظهار عيب ولا خلل فيه، فحضر شيخ مسن ونظر إلى المثال وقال: هذا مختل وفيه عيب. فأحضر الملك وأحضر النقاش والمثال، وقال: ما الذي فيه من الخلل والعيب؟ فاخرج عما وقعت فيه بوجه ظاهر ودليل وإلا حل بك الندم وما لا خير فيه. فقال الشيخ: أسعد الله الملك وألهمه السداد، مثال أي شيء هذا الموضع؟ فقال الملك: مثال سنبلة من حنطة قائمة على ساقها وفوقها عصفور. فقال الشيخ: أصلح الله الملك: أما العصفور فليس به خلل، وإنما الخلل في وضع السنبلة. فقال الملك: وما الخلل؟ وقد امتزج غضباً على الشيخ. فقال: الخلل في استقامة السنبلة لأن من العرف أن العصفور إذا حط على سنبلة أمالها لثقل العصفور وضعف ساق السنبلة، ولو كانت السنبلة معوجة مائلة لكان ذلك نهاية في الوضع والحكمة. فوافق الملك على ذلك وسلم. وأهل الصين قصار القدود عظام الرؤوس، ومذاهبهم مختلفة؛ فمنهم أهل أوثان، وأهل نيران، وعباد حيات وغير ذلك. وأشرف ما يتحلون به قرون الكركند، لأنها إذا بشرت ظهرت منها صور مدهشة عجيبة كاملة النقش

стр. 113

والتخطيط، فيتخذون منها مناطق ويفتخرون بها فتبلغ قيمة المنطقة الواحدة أربعة آلاف دينار. وفي تلك القرون المنشورة خاصية عظيمة إذا شدت على الجسم تحت الثياب فإنها إذا دخل على الملك سم قدم إليه طعام فيه سم تحركت على جسمه واختلجت. وأما صين الصين فهي نهاية العمارة في المشرق، وليس وراءها إلا البحر المحيط. ومدينة الصين العظمى تسمى السبلى، وأخبارهم منقطعة عنا لبعدهم. ويحكى أن الملك عندهم إذا لم يكن له مائة زوجة بمهور، وألف فيل برجالها وأسلحتها، لا يسمى بملك. وإذا كان للملك منهم عدة أولاد ثم مات لا يرث ملكه منهم إلا أحذقهم بالنقش والتصوير. ومن مدن الصين المشهورة خانقو وهي أعظم مدن الصين وهي على نهر عظيم أعظم من دجلة والفرات، وبها أمم لا تحصى كثرة، ولها ملك ذو هيبة على مربطه ما يزيد على ألف فيل، وجنوده كثيرة وهي على خور من البحر الأعظم تدخل فيه المراكب إلى مسيرة شهرين، وبها الأرز والموز الغزير وقصب السكر والنارجيل. وخانكو: وهي مدينة عظيمة تشبه خانقو في السعة والعمارة وكثرة الخلق. وهي كثيرة الفواكه الفاخرة وهي على خور من البحر. وبهذه البلاد الحيوانات الغريبة الشكل مثل الفيل والكركند والزرافة وغير ذلك من الصندل والأبنوس والكافور والخيزران والعطر وجميع الأفاويه ما لا يوصف، والليل والنهار في هذه البلاد متكافئان. وباجة: مدينة عظيمة وبها أمم عظيمة، وبها جميع الفواكه إلا العنب والتين فإنهما لا يوجدان بها ولا ببلاد الصين والتبت والهند، وإنما عندهم شجر يسمى الشكى

стр. 114

والبركى، يطرح ثمراً طول الثمرة أربعة أشبار مدور كالمخروط وله قشر أحمر، وهو لذيذ الطعم وفي جوف تلك الثمرة حب مثل حب الشاهبلوط يشوى في النار ويؤكل فيوجد فيه طعم التفاح وطعم الكمثرى وطعم الموز، وفي بلاد الهند شجر يسمى العنباء كشجر الموز وثمرته كالمقل يعمل بالخل فيكون كطعم الزيتون. وهذه المدينة هي سكنى البغبوغ وهو ملك الصين ومعناه ملك الملوك وله في دسته وموكبه زي عظيم. وجمدان: وهي مدينة عظيمة يشقها نهرها الأعظم المسمى جمدان وأهلها ذوو أموال غزيرة، وهي قاعدة من قواعد الصين. كاشغر: وهي مدينة عظيمة على ضفة نهر صغير يأتي من شمالها، يقع من جبل، وبهذا الجبل معادن الفضة الطيبة الفائقة السهلة التخلص. وخيعون: وهي مدينة حسنة ذات بساتين وفرج، وبها غزال المسك الفائق، ودابة الزباد الفاخر، وهي دابة كالهرة في الخلق وأنفس منها في الجسم، يحك الزباد من آباطها بمعلقة فضة وهو عرق يخرج من آباطها. اسفيريا: مدينة عظيمة على بركة ماء عذب لا يعرف لها قعر، وبه سمك له وجوه مثل البوم على رؤوسها كقلانس الديوك. وطوخا: مدينة يعمل فيها ثياب

стр. 115

الحرير الطوخية التي لا نظير لها. وسوسة: وهي المدينة التي بها الفخار الصيني الفاخر الذي لا يعدله شيء من فخار الصين. وقد ذكرنا من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق من المحيط إلى المحيط. ونرجع الآن إلى ذكر بلاد الجنوب وهي الواقعة بين المشرق والمغرب إن شاء الله تعالى، وهذه البلاد كلها بلاد السودان، وأولها من المغرب الأقصى إلى المشرق الأقصى، على حكم ربع الدائرة. فأول بلادهم من المغرب الأقصى: أرض مغرارة: ومن مدنها المشهورة المعظمة أولينى وهي في البحر، وبها الملاحة المشهورة التي يحمل منها إلى سائر السودان. وصلي: وهي مدينة كبيرة على نهر النيل، وهي مجتمع السودان، وأهلها ذوو بأس ونجدة، وملكها مؤمن. وتكرور: وهي في جنوب النيل وغربيه. وهي مدينة كبيرة وبها أمم عظيمة من السودان وهي مقر ملكهم وببلادهم معدن الذهب، ويسافر إليها أهل

стр. 116

الغرب بالصوف والنحاس والخرز والودع، ولا يجلب منها إلا الذهب العين. ولملم: وهي مدينة متوسطة. وعندهم معدن الذهب. وباقي أرض مغرارة صحارى وبراري ومفاوز لا عمارة بها ولا مسالك، لقلة الماء والمراعي. وشمالها أرض غانة، وجنوبها الأرض من الربع الخراب. وأرض نقارة: وهي شرقي أرض مغرارة، ويه أرض واسعة. ومن مدنها المشهورة ونقرة وهي بلاد التبر والطيب، وهي جزيرة على ضفة المحيط، وطولها ثلاثمائة ميل وعرضها مائة وخمسون ميلاً. والبحر محيط بها من جهاتها الثلاث. والنيل في زيادته يغطي أكثر هذه الجزيرة، وإذا نقص الماء عنها خرج أهل تلك البلاد يبحثون في أرضها على التبر، فيحل لكل واحد منهم ما قسمه الله، ويخرجون وهم أغنياء. ولملكهم أرض محمية مختصة لا يدخلها إلا أجناده فيجمعون له كنوزاً لا توصف، فيأتون به إلى مدينة سلجماسة في الغرب بها تبر فيضربونه دنانير ولذلك أهل سلجماسة جميعهم أغنياء بتلك الواسطة.

стр. 117

وسمقارة: وهي مدينة متوسطة، وفي شمالها قوم يقال لهم تعامة برابر، رحالة لا يقيمون في موضع، ويرعون جمالهم وأبقارهم على ساحل نهر يأتي من جهة المشرق يصب فيه النيل، ومعاشهم من اللحم واللبن والسمك. وغينارة: وهي مدينة على ضفة النيل، وعليها خندق محيط بها، وأهلها ذوو بأس ونجدة، وهم يغيرون على بلاد لملم ويأسرون منهم ويبيعون في البلاد. أرض الكرك: وهي مملكة عظيمة واسعة ولها ممالك كثيرة، ومدينتهم تسمى باسم إقليمهم كركرة وهي على نهر يخرج من ناحية الشمال، ويجوز عنها بأيام ويفيض في رمال في الصحراء كما يفيض الفرات، وبها من السودان أمم لا تحصى، وملكهم عظيم كثير الجنود، ولهم زي حسن، وحليهم الذهب الإبريز إلا العوام فإن لباسهم الجلود. وهي متصلة ببلاد معادن الذهب، يقال إن الأرض عندهم كلها ذهب، ولهم خط لا يتجاوزه من وصل إليهم من التجار ومعه متاع، لكن إذا وصلوا إلى الخط وضعوا متاعهم عليه وانصرفوا، فإذا كان الغد أتوا إلى أمتعتهم فيجدون عند كل متاع شيئاً من الذهب، فإن رضي أحدهم أخذ الذهب وترك المتاع وإن لم يرض ترك المتاع والذهب إلى غد، فإن كان الغد وجد زيادة عند متاعه فإن رضي رفع الذهب وترك المتاع وإن لم يرض تركه إلى ثالث يوم، فمن وجد زيادة أخذ الذهب وإلا رفع متاعه وترك الذهب أو أخذ الذهب مع زيادة. وهكذا يفعل تجار القرنفل في بلادهم في القرنفل، وربما يتأخر بعض التجار بعد فراغه من البيع والمعاوضة ويضع النار في الأرض فيسيل منها الذهب فيسرقه ويهرب فإذا فطنوا لهم خرجوا في طلبهم فإن أدركوهم قتلوهم البتة. وبأرض الكركر عود ينبت يسمى عود الحية، خاصيته أنه إذا وضع على حجر فيه حية خرجت مسرعة ويمسكها بيده فلا تضره أبداً.

стр. 118

أرض الدهام: يسار إليها من كركر على شاطئ البحر مغرباً، وهي مملكة عظيمة ولها ممالك كثيرة وجنود ذوو شدة ونجدة وتحت يد ملكهم ملوك وفي مملكته قلعة عليها سور، وفي أعلاه صورة امرأة يتألهون لها ويعبدونها ويحجون إليها، وهم أمة كالبهائم مهملون في أديانهم، وكلهم عرايا يأكل بعضهم بعضاً. أرض غانة: وهي شمالي أرض مغرارة وهي مدينة سميت باسم إقليمها، وهي أكبر بلا السودان وأوسعها شجراً وهم في سعة من المال وهي مدينتان في ضفة النيل ويقصدها التجار من سائر البلاد وأرضها ذهب ظاهر. ولهم في النيل زوارق عظيمة وأهلها يستخرجون الذهب يصنعونه كاللبن ويسافر إليها التين والملح والنحاس والودع، ولا يحملون منها إلا الذهب العين، ولها ملك ضخم في جنود وعدد، وله ممالك عديدة فيها ملوك من تحت يده، وله قصر عظيم النيل، وفي قصره تبرة واحدة من ذهب كالصخرة العظيمة، وهي خلقة الله وفيها ثقب كالمربع وهو مربط فرس الملك ويقال إن ملكها مسلم. أرض قمندوية: وهي شمال أرض مغرارة متصلة بالمحيط وشرقها صحراء ينسر وبهذه الصحراء حيات طوال القدود غلاظ الأجسام في غلظ الخروف السمين وطول الرمح، وأطول وأقصر، ويصيدها ملوك السودان ويسلخونها ويطبخونها بالملح والشيح ويأكلونها. وبها جبل قابان وهو عال جداً يقال إن السحاب يمر دونه وليس به شيء من النبات وفيه أحجار لماعة إذا طلعت الشمس تكاد تخطف الأبصار وليس لأحد سبيل إلى الوصول إلى ذروته ولا سفحه لأنه مزحلق، وفي أسفله عيون عذبة كأن مياهها قد مزجت بالعسل.

стр. 119

أرض الكاتم: وهي أرض منبسطة واسعة على شاطئ النيل، وأهلها مسلمون إلا القليل منهم، وهم على مذهب مالك ﵁. أرض النوبة: أرض واسعة واقليم كبير ومسيرة مملكتهم ثلاثة أشهر، وهي في حدود مصر، وكثيراً ما يغزوهم عسكر مصر. ويقال: إن لقمان الحكيم الذي كان مع داود ﵊ وهو المذكور في القرآن العظيم من النوبة، وأنه ولد بأيلة. ومنها ذو النون المصري ﵁، وبلال بن رباح خادم رسول الله ﷺ ومؤذنه.

стр. 120

وعندهم معدن الذهب ودينهم النصرانية، وملكهم ملك جليل كثير الجنود، وهم فرقتان فرقة يقال لها علوة ومدينتهم العظمى ويلولة وهي مدينة عظيمة وبها من السودان أمم لا تحصى، والفرقة الأخرى يقال لها النوبة ومدينتهم العظمى دنقلة وهي مثل ويلولة على ضفة النيل من غربيه، وأهلها أحسن السودان وجوهاً وأعدلهم شكلاً وفي بلادهم الفيلة والزرافات والقرود والغزلان. ومن مدن النوبة المشهورة نوابية ويقال لها نوبة. وهي مدينة وسط وبينها وبين النيل أربعة أيام، وشرب أهلها من الآبار. وفي نساء هذه المدينة الجمال الفائق والحسن الكامل. ولهم حسن النطق وحلاوة اللفظ وطيب النعمة وليس في سائر السودان من شعورهم مسبلة غيرهم وبعض الهنود وبعض الحبوش لا غير. وقيمة الجارية الحسناء منهن ثلثمائة دينار وما فوقها. وحكي أنه كان عند الوزير أبي الحسن المروف بالمصحفي جارية منهن لم ير أكمل منها قدراً ولا أحسن خلقاً ولا أملح شكلاً ولا أنعم جسماً ولا أحلى منطقاً ولا أتم محاسن، وكانت إذا تكلمت سحرت الألباب بمنطقها وحلاوة ألفاظها فاشتراها الصاحب بن عباد منه بأربعمائة دينار وأحبها حباً عظيماً ومدحها في

стр. 121

بعض أشعاره. وقيل عنه إنه قبل مشتراها كانت همته قد ذهبت وشهوته انقطعت فلما اشتراها وضاجعها انبعثت شهوته ونهضت همته وتراجعت قوته، لطيب ما وجد عندها. وطرمي: وهي مدينة كبيرة على البطيحة التي يجتمع بها ماء النيل. وعلى ضفة هذه البطيحة صنم كبير من حجر رافع يده إلى صدره يقال إنه كان رجلاً ظالماً فمسخ حجراً. ويلاق: وهي مدينة كبيرة وهي مجتمع تجار النوبة وتجار الحبشة ومن ويلاق إلى جبل الجنادل ستة أيام، وإلى هذا الجبل تصل مراكب مصر والسودان. الحبشة: وبلادهم تقابل بلاد الحجاز وبينهم البحر، وأكثرهم نصارى وهي أرض طويلة عريضة، مادة من شرقي النوبة إلى جنوبها، وهم الذين ملكوا اليمن قبل الإسلام في أيام الأكاسرة، وخصيان الحبشة أفضل خصيان، وفي نسائهم أيضاً جمال وحلاوة وحسن نغمة. ومن مدنها المشهورة كعبر وهي مدينتها العظمى وهي دار مملكة النجاشي رحمه الله تعالى، وبها من شجر الموز كثير، وأهل تلك البلاد لا يأكلون الموز ولا الدجاج أصلاً. أرض الزيلع: وهي تجاور الحبشة من

стр. 122

الشمال إلى الجنوب، وهم أمم عظيمة والغالب عليهم الإسلام والصلاح والانقياد إلى الخير. أرض البجة: وأهلها تجاور الحبشة من الشمال وهي بين الحبشة والنوبة وهم السواد، عراة الأجسام يعبدون الأوثان. ولهم عدة ممالك، وهم أهل أنس مع التجار، وفي بلادهم معدن الذهب، وليس بأرضهم قرى ولا خصب وإنما هي بادية جدبة تصعد التجار منها إلى وادي العلافي، وهو واد فيه خلق كثير كالبلد الجامع، وفيه آبار عذبة يشربون منها. ومعدن الذهب عندهم متوسط في صحراء لا جبل حوله بل رماله لينة وسباسب سيالة، فإذا كان أولى ليالي الشهر العربي خاض الطلاب في تلك الرمال فينظرون التبر يضيء بين الرمال ويعلمون مواضعها ويصيحون فيجيء كل منهم إلى الكوم الرمل الذي علمه فيحمله على هجينة ويمضي إلى آبار فيغسله ويصوله ويستخرج منه التبر، ويلغمه بالزئبق ثم يسبكه في

стр. 123

البوادق، فمن ذلك بلاغهم ومعاشهم وقد انضاف إليهم جماعة من العرب من ربيعة بن نزار وتزوجوا منهم. عيذاب: وما يتصل بها من الصحراء المنسوبة إلى عيذاب وليس لها طريق معروفة إلا رمال سيالة، ولا يستدل عليها إلا بالحبال والكدي وربما أخطأها الدليل وهو ماهر. وعيذاب مدينة حسنة وهي مجمع التجار براً وبحراً، وأهلها يتعاملون بالدراهم عدداً ولا يعرفون الوزن، وبها وال من قبل البجة ووال من قبل سلطان مصر، يقسمان جباياتها نصفين، وعلى عامل مصر القيام بطلب الأوراق وعلى عامل البجة حمايتها من الحبشة. واللبن والعسل والسمن بها كثير، وبينها وبين الحجاز عرب البحر وبين النوبة قوم يقال لهم البليون أهل عزم وشجاعة يهابهم كل من حولهم من الأمم ويهادنونهم وهم نصارى خوارج على مذهب اليعقوبية.

стр. 124

أرض بربرة: وهي تتصل بأرض النوبة على البحر، وهي مقابلة اليمن، بها قرى عامرة متصلة وبها جبل يقال له قانوني وهو جبل له سبعة رؤوس خارجة وتمتد في البحر أربعة وأربعين ميلاً، وعلى رؤوس هذه الجبال بلاد صغيرة يقال لها الهاوية، وبعض أهل بربرة يأكلون الضفادع والحشرات والقاذورات ويتصيدون في البحر عوماً بشباك صغيرة. ويلي هذه الأرض أرض الزنج وهي مقابل أرض السند وبينهما عرض بحر فارس، وهم أشد السودان سواداً وكلهم يعبدون الأوثان، وهل أهل بأس وقساوة، ويحاربون راكبين على بقر، وليس في بلادهم خيل ولا بغال ولا جمال. قال المسعودي: ولقد رأيت هذه البقرة تبرك كما تبرك الجمال ويحملونها وتثور كالجمال، ومساكنهم من حد الخليج المنصب إلى سفالة الذهب. وواق الواق: وأرضهم واسعة وقراهم عامرة وكل قرية على خور وهي أرض كثيرة الذهب والخصب والعجائب، ولا يوجد البرد عندهم أصلاً ولا المطر، وكذلك غالب بلاد السودان، وليس لهم مراكب بل تدخل إليهم المراكب من عمان، والتجار يشترون أولادهم بالتمر ويبيعونهم في البلاد، وأهل بلاد الزنج كثيرون في العدد قليلون في العدد ويقال إن ملكهم يركب في ثلثمائة ألف راكب، كلهم على

стр. 125

البقر. والنيل ينقسم فوق بلادهم عند جبل المقسم وأكثرهم يحددون أسنانهم ويبردونها حتى ترق، ويبيعون أنياب الفيلة وجلود النمور والحديد، ولهم خزائن يخرجون منها الودع ويتحلون به وبييعونه فيما بينهم بثمن له قيمة، ولهم ممالك واسعة. أرض الدمادم: وبلادهم على النيل مجاورة للزنج، والدمادم هم تتر السودان، يخرجون عليهم كل وقت فيقتلون ويأسرون وينهبون وهم مهملون في أمر أديانهم وفي بلادهم الزرافات كثيرة، ومنهم يفترق النيل إلى أرض مصر إلى جهة الزنج. أرض سفالة الذهب: وهي تجاور أرض الزنج من المشرق، وهي أرض واسعة وبها جبال فيها معادن الحديد يستخرجه أهل تلك البلاد. والهنود تأتي إليهم ويشترون منهم بأوفر ثمن مع أن في بلاد الهنود معادن الحديد، لكن معادن سفالة أطيب وأصح وأرطب، والهنود يصفونه فيصير فولاذاً قاطعاً. وبهذه البلاد معادن لضرب السيوف الهندية وغيرها ومع ذلك لا يتحلون إلا بالنحاس ويفضلونه على الذهب. وأرض سفالة متصلة بأرض واق الواق. أرض الحجاز: وهي تقابل أرض الحبشة وبينهما عرض البحر. ومن مدنها المشهورة مكة المشرفة وهي مدينة

стр. 126

قديمة. روى الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في كتاب البهجة قصة بناء البيت الحرام، قال: وهو حرم مكة وكعبة الإسلام وقبلة المؤمنين، والحج إليه أحد أركان الدين.

стр. 127

ابتداء البيت الحرام واختلف العلماء في ابتداء بناء البيت الحرام على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الله تعالى وضعه، ليس ببناء أحد. ثم في زمان وضعه إياه قولان: أحدهما قبل خلق آدم ﵇. قال أبو هريرة ﵁: وكانت الكعبة خشفة على الماء وعليها ملكان يسبحان الله تعالى، الليل والنهار، قبل خلق الأرض بألفي عام. والخشفة الأكمة الحمراء. قال ابن عباس ﵄: لما كان عرش الرحمن على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض بعث الله ريحاً فصفقت الماء فأبرزت عن خشفة في موضع البيت كأنها قبة، فدحا الأرض من تحتها. وقال مجاهد: لقد خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي عام، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى. وقال كعب الأحبار ﵁: كانت الكعبة غشاء على الماء قبل أن يخلق الله الأرض والسموات بأربعين سنة. وقد روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: كان قبل هبوط آدم ﵇ ياقوتة حمراء من

стр. 128

يواقيت الجنة فلما هبط آدم إلى الأرض أنزل الله عليه الحجر الأسود فأخذه فضمه إليه استئناساً به. وحج آدم فقالت له الملائكة: لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. فقال آدم: رب اجعل له عماراً من ذريتي. فأوحى الله تعالى إليه: إني معمره ببناء نبي من ذريتك اسمه إبراهيم. القول الثاني: أن الملائكة بنته. قال أبو جعفر الباقر ﵁: لما قالت الملائكة: " أتجعلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها " غضب الرب عليهم فلاذوا بالعرش مستجيرين يطوفون حوله، يسترضون رب العالمين فرضي عنهم فقال ابنوا لي بيتاً في الأرض يعوذ به كل من سخطت عليه كما فعلتم أنتم بعرشي. القول الثالث: أن آدم لما أُهبط من الجنة أوحى الله إليه أن ابن لي بيتاً واصنع حوله كما صنعت الملائكة حول عرشي، وافعل كما رأيتهم يفعلون، فبناه. أبو صالح عن ابن العباس، وروى عطية عنه أيضاً، قال: بنى آدم البيت في خمسة أجبل: لبنان وطورسينا وطوزيتا والجردى وحراء. قال وهب ابن منبه: لما مات آدم بناه بنوه بالطين والحجارة فنسفه الغرق. قال مجاهد: وكان موضعه بعد الغرق أكمة حمراء لا تعلوها السيول، وكان يأتيها المظلوم ويدعو عندها المكروب. وقال : " وإذ

стр. 129

يرفع إبراهيمُ القواعدَ من البيت وإسماعيلُ " وهما أول من بنى البيت بعد الطوفان على القواعد الأزلية الأولية، فنسب بناء البيت إلى إبراهيم الخليل وإسماعيل ﵉، والله أعلم.

стр. 130

يثرب: وهي مدينة النبي ﷺ ودار هجرته الشريفة، وبها قبره ﷺ وسماها رسول الله ﷺ طيبة وهي مدينة في غاية الحسن في مستوى من الأرض، وعليها سور قديم. وحولها نخل كثير وتمرها في غاية

стр. 131

الطيب والحلاوة. ولها مخاليف وحصون، منها وادي العقيق. وبها نخل مزارع أيضاً وقبائل من العرب، والبقيع كذلك. ووادي القرى وهو حصين بين الجبال وبه بيوت منقورة في الصخور، وتسمى تلك النواحي الأثالب وبها كانت ثمود، وبها الآن بئر ثمود ودومة الجندل، وهو حصن منيع. وتبوك وهي قرية حسنة ولها حصن من حجر. وفدك كانت خاصة برسول الله ﷺ ، ومدين مقر شعيب ﵇. أرض نجد: وهي أرض عظيمة واسعة كثيرة الخير، وهي بين الحجاز واليمن، وبها مياه جارية وثمار وأشجار في غاية الرخص. وأما أرض اليمن: فهي تقابل أرض البربر وأرض الزنج وبينهما عرض البحر. واليمن على ساحل بحر القلزم من الغرب، وكان بين هذا البحر وأرض

стр. 132

اليمن جبل يحول بينهما وبين الماء، وكان بين اليمن والبحر مسافة بعيدة فقطع بعض الملوك ذلك الجبل بالمعاول ليدخل منه خليجاً فيهلك بعض أعدائه وأطلق البحر في أرض اليمن، فاستولى على ممالك عظيمة ومدن كثيرة وأهلك أمماً عظيمة لا تحصى، وصار بحراً هائلاً. ومن مدنها المشهورة زبيد وهي مدينة كبيرة عامرة على نهر صغير، وهي مجتمع التجار من أرض الحجاز والحبشة وأرض العراق ومصر، ولها جبايات كثيرة على الصادر والوارد. وصنعاء: وهي مدينة متصلة العمارات كثيرة الخيرات معتدلة الهواء والحر والبرد، وليس في بلاد اليمن أقدم منها عهداً ولا أوسع قطراً ولا أكثر خلفاً وبها قصر غمدان المشهور، وهو على نهر صغير يأتي إليها من جبال هناك. وشمالي صنعاء جبل يقال له جبل المدخير وعلوه ستون ميلاً، وبه مياه جارية وأشجار وثمار ومزارع كثيرة وبها من الورس والزعفران كثير جداً.

стр. 133

عدن: وهي مدينة لطيفة، وإنما اشتهر اسمها لأنها مرسى البحرين، ومنها تسافر مراكب السند والهند والصين وإليها تجلب بضائع هذه الأقاليم من الحرير والسيوف، والكيمخت والمسك والعود والسروج، والأمتعة والأهليجات والحرارات والعطريات، والطيب والعاج والأبنوس، والحلل والثياب المتخذة من الحشيش الذي يفخر على الحرير والديباج والقصدير، والرصاص واللؤلؤ والحجارة المثمنة والزباد والعنبر، إلى ما لا نهاية لذكره. ويحيط بها من شمالها جبل دائر من البحر إلى البحر، وفي طرفيه بابان يدخل منهما ويخرج، وبينهما وبين اليابس مدينة الزنج مسيرة أربعة أيام. تهامة: وهي قطعة من اليمن بين الحجاز واليمن، وهي جبال مشتبكة، حدها من الغرب بحر القلزم، ومن الشرق جبال متصلة، وكذا من الجنوب الشمالي وبأرض تهامة قبائل العرب. ومن مدنها المشهورة هجر. أرض حضرموت: وهي شرقي اليمن وهي بلاد أصحاب الرس وكانت لهم مدينة اسمها الرس سميت بأسم نهرها. ومن أرض حضرموت المشهورة سبأ

стр. 134

التي ذكرها الله تعالى في القرآن وكانت مدينة عظيمة؛ وكان بها طوائف من أهل اليمن. وعمان تسمى مدينة مأرب، وهو اسم ملك البلاد وبهذه المدينة كان السد الذي أرسل الله إليه سيل العرم. وكان من حديثه أن أمرأة كاهنة رأت في منامها أن سحابة غشيت أرضهم فأرعدت وأبرقت ثم صعقت فأحرقت كل ما وقعت عليه؛ فأخبرت زوجها بذلك وكان يسمى عمراً، فذهب إلى سد مأرب فوجد الجرذ وهو الفأر يقلب برجليه حجراً لا يقلبه خمسون رجلاً؛ فراعه ما رأى وعلم أنه لا بد من كارثة تنزل بتلك الأرض، فرجع وباع جميع ما كان له بأرض مأرب وخرج هو وأهله وولده. فأرسل الله تعالى الجرذ على أهل السد الذي يحول بينهم وبين الماء فأغرقهم، وهو سيل العرم، فهدم السد وخرج أهل تلك الأرض فأغرقها كلها. وهذا السد بناه لقمان الأكبر بن عاد، بناه بالصخر والرصاص، فرسخاً في فرسخ، ليحول بينهم وبين الماء وجعل فيه أبواباً ليأخذوا من مائه بقدر ما يحتاجون إليه. وكانت أرض مأرب من بلاد اليمن مسيرة ستة أشهر متصلة العمائر والبساتين، وكانوا يقتبسون النار بعضهم من بعض، وإذا أرادت المرأة الثمار وضعت على رأسها مكتلها وخرجت تمشي بين تلك الأشجار وهي تغزل، فما ترجع إلا والمكتل ملآن من الثمار التي بخاطرها، من غير أن تمس شيئاً بيدها البتة.

стр. 135

وكانت أرضهم خالية من الهوام والحشرات وغيرها فلا توجد فيها حية ولا عقرب ولا بعوض ولا ذباب ولا قمل ولا براغيث. وإذا دخل الغريب في أرضهم وفي ثيابه شيء من القمل أو البراغيث هلك من الوقت والحين وذهب ما كان في ثيابه من ذلك بقدرة القادر. وأذهب الله تعالى جميع ما كانوا فيه من النعيم الذي ذكره في كتابه ولم يبق بأرضهم إلا الخمظ والأثل وهو الطرفاء والأراك وشيء من سدر قليل وقد قال الله تعالى: " وبدّلناهم بجَنَّتَيْهِمْ جنتين ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ " الآية وذلك بأنهم كفروا بنعمة الله تعالى وجحدوها فنزل بهم ما نزل من العذاب، قال الله جل ذكره " ذلك جزَيْناهم بما كفروا وهل نُجازي إلا الكفور ". وسبأ الآن خراب وكان بها قصر سليمان بن داود ﵉، وقصر بلقيس زوجته، وهي ملكة تلك الأرض التي تزوجها سليمان، وقصتها مشهورة، وبأرضها جبل منيع صعب المرتقى لا يصعد إلى أعلاه إلا بالجهد العظيم، وفي أعلاه قرى كثيرة عامرة وبساتين وفواكه

стр. 136

ونخل مثمر وخصب كثير، وبهذا الجبل أحجار العقيق وأحجار الحمشت وأحجار الجزع وهي مغشاة بأغشية ترابية لا يعرفها إلا طالبها والعارف بها، ولهم في معرفتها علامات فتصقل فيظهر حسنها. الأحقاف: هي التلال من الرمل التي بين حضرموت وعمان، وهي قرى متفرقة. وروي عن عبد الله بن قلابة ﵁ أنه خرج في طلب ابل له شردت فبينما هو في صحارى بلاد اليمن وأرض سبأ إذ وقع على مدينة عظيمة بوسطها حصن عظيم، وحوله قصور شاهقة في الجو، فلما دنا منها ظن أن بها سكاناً أو أناساً يسألهم عن إبله، فإذا هي قفر ليس بها أنيس ولا جليس، قال: فنزلت عن ناقتي وعقلتها ثم استللت سيفي ودخلت المدينة ودنوت من الحصن، فإذا ببابين عظيمين لم ير في الدنيا مثلهما في العظم والارتفاع، وفيهما نجوم مرصعة من ياقوت أبيض وأصفر يضيء بها ما بين الحصن والمدينة، فلما رأيت ذلك تعجبت منه وتعاظمني الأمر فدخلت الحصن وأنا مرعوب ذاهب اللب، وإذا الحصن كمدينة في السعة، وبه قصور شاهقة وكل قصر منها معقود على عمد من زبرجد وياقوت، وفوق كل قصر منها غرف، وفوق الغرف غرف أيضاً وكلها مبنية بالذهب والفضة مرصعة باليواقيت الملونة والزبرجد واللؤلؤ، ومصاريع تلك القصور كمصاريع

стр. 137

الحصن في الحسن والترصيع. وقد فرشت أراضيها باللؤلؤ الكبار وبنادق المسك والعنبر والزعفران. فلما عاينت ما عاينت من ذلك ولم أر مخلوقاً كدت أن أصعق فنظرت من أعالي الغرف فإذا بأشجار على حافات أنهار تخرق أزقتها وشوارعها، منها ما أثمرت ومنها ما لم تثمر، وحافات الأنهار مبنية بلبن من فضة وذهب. فقلت: لا شك أن هذه الجنة الموعود بها في الآخرة، فحملت من تلك البنادق واللؤلؤ ما أمكن وعدت إلى بلادي وأعلمت الناس بذلك. فبلغ الخبر معاوية بن أبي سفيان وهو الخليفة يومئذ بالشام فكتب إلى عامله بصنعاء أن يجهزني إليه فوفدت عليه فاستخبرني عما سمع من أمري فأخبرته فأنكر معاوية إخباري فدفعت له من ذلك اللؤلؤ وقد اصفر وتغير، وكذلك بنادق العنبر والزعفران والمسك، ففتحها فإذا فيها بعض رائحة، فبعث معاوية ﵁ إلى كعب الأخبار فلما حضر قال له: يا كعب إني دعوتك لأمر أنا من تحقيقه على قلق ورجوت أن يكون علمه عندك. فقال: ماذا يا أمير المؤمنين؟ قال معاوية: هل بلغك أن في الدنيا مدينة مبنية من ذهب وفضة عمدها من زبرجد وياقوت وحصباؤها لؤلؤ وبنادق مسك وعنبر وزعفران؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، هي إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، بناها شداد بن عاد الأكبر.

стр. 138

قال معاوية: حدثنا من حديثها، قال كعب: إن عاداً الأول كان له ولدان شديد وشداد، فلما هلك ملكا بعده البلاد، ولم يبق أحد من ملوك الأرض إلا دخل في طاعتهما. فمات شديد بن عاد، فملك شداد الملك بعده على الانفراد، وكان مولعاً بقراءة الكتب القديمة، وكلما مر به ذكر الجنة وما فيها من القصور والأشجار والثمار، وغيرها مما في الجنة، دعته نفسه أن يبني مثلها في الدنيا عتواً على الله فأصر على ابتنائها، ووضع مائة ملك تحت يد كل ملك ألف قهرمان. ثم قال: انطلقوا إلى أطيب فلاة في الأرض وأوسعها فابنوا لي مدينة من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت ولؤلؤ، واجعلوا تحت عقود تلك المدينة أعمدة من زبرجد وأعاليها قصوراً وفوق القصور غرفاً مبنية من الذهب والفضة، واغرسوا تحت تلك القصور في أزقتها وشوارعها أصناف الأشجار المختلفة والثمار وأجروا تحتها الأنهار في قنوات من الذهب والفضة النضار، فإني أسمع في الكتب القديمة والأسفار صفة الجنة في الآخرة والعقبى وأنا أحب أن أجعل لي مثلها في الدنيا. فقالوا بأجمعهم: كيف نقدر على ما وصفت؟ وكيف لنا بالزبرجد والياقوت الذي ذكرت؟ فقال لهم، ألستم تعلمون أن ملك الدنيا كلها لي وبيدي وكل من فيها طوع أمري؟ قالوا: نعم، نعلم ذلك، قال: فانطلقوا إلى معادن الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والفضة والذهب فاستخرجوها واحتفروا ما بها ولا تبقوا مجهوداً في ذلك، ومع ذلك فخذوا ما في أيدي العالم من أصناف ذلك ولا تبقوا ولا تذروا واحذروا وأنذروا.

стр. 139

وكتب كتبه إلى كل ملك في الدنيا وجهاتها وأقطارها يأمرهم فيها أن يجمعوا ما في بلادهم من أصناف ما ذكر، وأن يحتفروا معادنها ويستخرجوها من التراب والصخور والمعادن والأحجار وقعور البحار، فجمعوا ذلك في عشر سنين وكان عدد الملوك المبتلين بجمع ذلك ثلثمائة وستين ملكاً وخرج المهندسون والفعلة والحكماء والصناع من سائر البلاد والبقاع والبراري، وتبددوا في البراري والقفار والجهات والأقطار حتى وقفوا على صحراء عظيمة فيحاء نقية خالية من الآكام والجبال والأودية والتلال، وإذا بها عيون مطردة وأنهار متجعدة، فقالوا: هذه صفة الأرض التي أمرنا بها ونبذنا إليها. فاختطوا بفنائها بقدر ما أمرهم به شداد ملك الأرض من الطول والعرض، وأجروا فيها قنوات الأنهار ووضعوا أساسات على المقدار، وأرسلت إليهم ملوك الأقطار بالجواهر والأحجار واللؤلؤ الكبار والعقيان النضار على الجمال في البراري والقفار وفي البحر أوسقوا بها السفن الكبار ووصل إليها من تلك الأصناف ما لا يوصف ولا يعد ولا يحصى ولا يكيف. فأقاموا في عمل ذلك ثلثمائة سنة جداً من غير تعطيل أبداً؛ وكان شداد قد عمر في العمر تسعمائة سنة. فلما فرغوا من عمل ذلك أتوه وأخبروه بالإتمام، فقال لهم شداد انطلقوا فاجعلوا عليها حصناً منيعاً شاهقاً رفيعاً واجعلوا حول الحصن قصوراً، عند كل قصر ألف غلام ليكون في كل قصر منها وزير من وزرائي. فمضوا وفعلوا ذلك في عشر سنين ثم حضروا بين يدي شداد وأخبروه بحصول القصد والمراد فأمر وزراءه وهم ألف وزير، وأمر خاصته ومن يثق بهم من

стр. 140

الجنود وغيرهم، أن يستعدوا للرحلة ويتهيئوا للنقلة إلى إرم ذات العماد تحت ركاب ملك الدنيا شداد، وأمر من أراد من نسائه وحرمه وجواريه وخدمه أن يأخذوا في الجهاد. فأقاموا في أخذ الأهبة لذلك عشرين سنة. ثم سار شداد بمن معه من الأحشاد مسروراً ببلوغ المراد حتى إذا بقي بينه وبين إرم ذات العماد مرحلة واحدة أرسل الله عليه وعلى من معه من الأمة الكافرة الجاحدة صيحةً من سماء قدرته، فأهلكتهم جميعاً بسوط عظمته وسطوته. ولم يدخل شداد ومن معه إليها ولا رأوها ولا أشرفوا عليها. ومحا الله آثار طرقها ومحجتها، فهي مكانها حتى الساعة على هيئتها. فتعجب معاوية من إخبار كعب بهذا الخبر، وقال: هل يصل إلى تلك المدينة أحد من البشر؟ فقال: نعم، رجل من أصحاب محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وهو بصفة هذا الرجل الجالس بلا شك ولا إبهام. وروى الشعبي عن علماء حمير من اليمن أنه لما هلك شداد ومن معه من الصيحة، ملك بعده ابنه شداد الأصغر، وكان أبوه شداد الأكبر استخلفه على ملكه بأرض حضرموت وسبأ، فأمر بحمل أبيه من تلك المفازة إلى حضرموت، وأمر فحفرت له حفيرة في مفازة فاستودعه فيها على سرير من ذهب، وألقى سبعين حلة منسوجة بقضبان الذهب ووضع عند رأسه لوحاً عظيماً من ذهب، وكتب فيه هذا الشعر: اعتبر بي أيها المغ ... رور بالعمر المديد

стр. 141

أنا شدّاد بن عاد ... صاحب الحصن العميد وأخو القوّة والقد ... رة والملك الحشيد دان أهل الأرض لي من ... خوف قهري ووعيدي وملكت الشرق والغر ... ب بسلطانٍ شديد وبفضل الملك والعدّ ... ة أيضاً والعديد فأتى هودٌ وكنّا ... في ضلال قبل هود فدعانا لو قبلنا ... منه للأمر السديد فعصيناه ونادينا ... ألا هل من محيد فأتتنا صيحة تد ... وي من الأفق البعيد فترامينا كزرعٍ ... وسط بيداء حصيد قال الثعلبي: ولقد وقع على هذه المفازة أيضاً رجل من حضرموت يقال له بسطام، ومعه رجل آخر ذكراً أنهما دخلا هذه المفازة فوجدا في صدرها درجاً فنزلا فيه فإذا هي مقدار مائة درجة، كل درجة قامة، وأسفلها أزج معقود في الجبل طوله مائة ذراع وعرضه أربعون ذراعاً وارتفاعه مائة ذراع، وفي صدر الأزج سرير من ذهب وعليه رجل عظيم الجسد قد أخذ طول السرير وعرضه، وعليه الحلى والحلل المنسوجة بقضبان الذهب والفضة، وعلى رأسه لوح من ذهب وعليه كتابة فأخذا ذلك اللوح وحملا ما أطاقا من قضبان الذهب ونظرا إلى طاقة في أسفل الأزج يدخل منها ضوء، فقصداها وخرجا منها فإذا هما على ساحل البحر، فقعدا هناك إلى أن عبر بهما مركب فأشارا إليه ولوحا لأهله، فأتوا إليهما وسألوهما عن أمرهما فأخبرا بالحال، فحملوهما حتى قربوا من أرضهما، فوصلا وأخبرا بما اتفق لهما فتعجبوا منه.

стр. 142

عمان: وأرضها مجاورة لأرض الشمال، وهي أرض عامرة كثيرة الخلائق والبساتين والفواكه، إلا أنها بلاد حارة جداً. وببلاد عمان حية تسمى العربد، وتسمى الكرام، تنفخ ولا تؤذي، فإذا أُخذت وجعلت في إناء وثيق، وأُوثقت رأس ذلك الإناء وسد سداً محكماً، ووضعت في إناء آخر ثان، وأخرجت من بلاد عمان، عدمت من الإناء ولا توجد فيه ولا يعرف كيف ذهبت. وهذا من أعجب العجب. وبهذه الأرض دويبه صغيرة تسمى القراد، إذا عضت الإنسان انتفخ مكانها ودود، ولا يزال الدود يسعى في باطن الإنسان المعضوض حتى يموت. وبجبال أرض عمان قرود كثيرة تضر بأهلها ضرراً كثيراً وربما لا تندفع في بعض الأوقات إلا بالسلاح والعدد الكثيرة لكثرتها؛ وفي أرض عمان مغاص اللؤلؤ الجيد؛ وفي بحر عمان جزيرة قيس طولها اثنا عشر ميلاً في مثلها. وصاحب هذه الجزيرة تصل مراكبه إلى بلاد الهند ويغزوهم في غالب الأوقات ويغير على كفار الهند. ويحكى أن عنده في الجزيرة المذكورة على مرسى البحر من المراكب التي تسمى السفينات مائتي مركب، وهذه المراكب من عجائب الدنيا وليس على وجه الأرض ومتن البحور مثلها أبداً؛ وهي أن المركب الواحد منها منحوت من خشبة واحدة؛ قطعة واحدة، والمركب الواحد منها يسع مائة رجل وخمسين، وبهذه الجزيرة دواب ومواشي وأشجار وفواكه.

стр. 143

اليمامة: هي بلاد طسم وجديس، وهي بلاد الزرقاء المعروفة بزرقاء اليمامة وأخبارها مشهورة منها: أن طسما وجديسا كانا ابني عم وهم العرب العاربة. وكان الملك في طسم اسمه عمليق، وكان جباراً ظالماً طاغياً، بلغ من طغيانه وتجبره أنه ألزم جديسا أن لا تزف بكر من بناتها إلى بعلها حتى يأتوا بها ليلاً أو نهاراً ووقت زفافها إلى عمليق حتى يفترعها ويأخذ بكارتها ثم يمضوا بها إلى زوجها العريس، وفي صبيحة زفافها يعملون وليمة لعمليق ولأصحابه من طسم. فمكث زماناً على هذا الحال وكان من أكابر جديس رجل يقال له الأسود، وله أخت حسناء مبدعة تدعى سعاد وكانت بكراً، فزوجت برجل من أولاد عمها: فلما حضرت ليلة زفافها ذهبوا بها إلى عمليق فافترعها على العادة ثم خرجت من عنده ودمها ظاهر على أثوابها؛ فنظرت فإذا أكابر جديس وأعيان قومها وأخوها الأسود جلوس في ناحية

стр. 144

من الحي يتشاورون في أمر الوليمة للملك في صبيحة تلك الليلة؛ فما أحسوا بها إلا وهي في وسطهم ثم مزقت أثوابها من طوقها إلى أذيالها وكشفت عن بطنها وفرجها، وأظهرت دمها ونظرت يميناً وشمالاً وقالت: لا أحدٌ أذلّ من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس يرضى بذا يا قوم بعلٌ حرّ ... من بعد ما ساق وسيق المهر يقبضه الموت إذاً بنفسه ... حتفا ولا يصنع ذا بعرسه فقام الأسود أخوها ورمى بثوبه عليها وسترها وبكى وأمر بردها إلى بيتها، فلم تفعل، وقالت وهي تحرض على قتل عمليق والقوم يسمعون: أترضون ما يعزى إلى فتياتكم ... وأنتم رجال فيكم عدد النّمل وتمشي سعاد في الدماء غريقة ... جهاراً وقد زفّت عروساً إلى بعل فلو أننا كنا رجالاً وكنتم ... نساءً لكنا لا نقرّ بذا الفعل وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساءً لا تعدّمن الفحل ودونكم طيب العروس فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللذل فبعداً وسحقاً للذي ليس ينتخي ... ويختال يمشي بيننا مشية الرجل قال فأخرجوها من بينهم ودبت في رؤوس القوم خمرة النخوة والمروءة فقاموا جميعاً إلى مكان آخر، فابتدأ الأسود أخو سعاد وقال: يا إخوتاه ويا بني عماه، قد رأيتم ماذا يصنع ببناتكم وقد اتفق لأختي ما اتفق لمن تقدمها فما الرأي؟ قالوا: ما ترى، فقال الأسود لو اجتمع رأيكم على واحد من بينكم وليتموه أمركم لا نكشف عنكم العار وانتصفتم من الأغيار، قالوا جميعاً: أنت ذلك الواحد فلا مخالف ولا معاند، وتحالفوا، فقال ائتوني بالغنم والبقر والإبل وانحروا وأكثروا من الذبح

стр. 145

وأوقدوا النيران وعلقوا القدور وأشغلوا النساء بالطبخ ثم ائتوني بسيوفكم تحت ثيابكم. ففعلوا فمضى بهم إلى المكان المعروف بالضيافة وكل أراضيهم رمال. وكان من عادة عمليق أن كل بكر يفترعها يقف وليها خلف ظهره وهو جالس على السماط في مكان الضيافة لتعلم طسم كلها من هو ولي العروس وتتحققه مبالغة في إهانته. قال: فدفن الأسود سيفه في الرمل خلف مجلس عمليق وقال لقومه من جديس هكذا فافعلوا، فإذا جلس الملك وقفت خلفه وسيفي تحت قدمي، فإذا اشتغل بالأكل وأخذت سيفي وضربت عنق عمليق يفعل كل منكم بمن هو فوق رأسه كما فعلت، فلا يفلت أحد من القوم. فقالوا. سمعاً وطاعة. فأصبح عمليق سكران، وكذا أعيان قومه وأنى إلى مكان الضيافة في أعظم زينة وهم مسرورون منشرحون. فلما أخذوا مجالسهم قدموا الضيافة فرأى عمليق ما لم يره من كثرة الضيافة، فشكر الأسود وبش له. فقال واحد من قوم عمليق حين مد يده إلى الأكل: رب أكلة تمنع أكلات. فما استتم كلامه حتى قتل عمليق، وكل من كان معه جالساً على الأكل وحضر الضيافة، قتلةً واحدة وامتلأت الجفان والمناسف بدماء القتلى. وقد قيل: إنه قتل في تلك الساعة من طسم ما يزيد عن ثمانين ألفاً، وما بقي من طسم رجل إلا من غاب عن الوليمة. ووضعت جديس سيوفها فيمن بقي من الرجال ونهبت وسبت وفتكت في طسم فتكاً ذريعاً وهربت شرذمة من طسم إلى حسان بن تبع ملك حمير باليمن فاستغاثت به فأغاثها. وتوجه حسان بعساكره
следующие страницы →