القَوَاعِدَ النُّوْرَانِيَّةَ فِي اخْتِصَاِر الدُّرَرِ المُضِيَّةِ
المشهور بـ مختصر الفتاوى المصرية
للعلامة
محمد بن علي بن محمد اليونيني البعلي
الشهير بـ: ابن أسبا سلار (٧٧٨ هـ)
قوبل على نسخة بخط المؤلف، وثلاث نسخ أخرى
تحقيق
د. عبدالعزيز بن عدنان العيدان
د. أنس بن عادل اليتامى
стр. 40
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبِهِ نَستعينُ
وهُوَ حَسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ
الحمدُ للهِ مُبدِعِ العالمينَ، وناصرِ الحقِّ المبينِ إلى يومِ الدِّينِ، وصلَّى اللهُ على سيدنا محمدٍ خاتَمِ النبِيِّينَ.
وبعدُ؛ فإنَّ العلمَ أفضلُ ما صُرِفتْ إليه الهمةُ، وأجمعتْ عليه علماءُ الأمةِ، وقدِ استخرْتُ اللهَ تعالى في اختصارِ شيءٍ منَ الدُّرَرِ المضيةِ، من فتاوى شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ، مما أكثرُه فقهُ المسائلِ، وما عسُرَ علمُه على الأوائلِ، فأتى به بأوضحِ الدلائلِ ﵀، موضحًا القواعد السُّنِّية، جامِعًا لشتاتِ مسائلِه المهمةِ، وسميتُه: «القَوَاعِدَ النُّوْرَانِيَّةَ فِي اخْتِصَاِر الدُّرَرِ المُضِيَّةِ» وعلى اللهِ اعتمادي، وإليهِ تفويضي واستنادي، وهو حسبُنا ونعمَ الوكيلُ.
стр. 41
بَابُ النِّيَّةِ
مَحَلُّ النيةِ القلبُ باتفاقِ الأئمةِ الأربعةِ وغيرِهم؛ إلَّا بعضَ المتأخِّرِينَ أوجبَ التلفُّظَ بها، وهو مسبوقٌ بالإجماعِ، ولكن تنازعوا: هل يُستحَبُّ التلفُّظُ بها؟ معَ اتفاقِهم على أنَّه لا يُشرَعُ الجهرُ بها، ولا تَكرارُها:
فاستَحبَّ التلفُّظَ بها طائفةٌ من أصحابِ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ.
ولم يَستحِبَّه آخرونَ من أصحاب مالكٍ وأحمدَ وغيرِهما، وهذا أقوى؛ فإنَّ ذلك بدعةٌ، لم يفعَلْها رسولُ اللهِ ﷺ ولا أَصحابُهُ.
وأمَّا مقارنةُ النيةِ للتكبيرِ ؛ ففيها قولانِ مشهورانِ:
أحدُهما: لا يجبُ؛ كما هو مذهبُ أحمدَ وغيرِه.
والثاني: يجبُ؛ كما هو مذهبُ الشافعيِّ وغيرِه.
والمقارنةُ المشروطةُ: قد تُفسَّرُ بوقوعِ التكبيرِ عَقيبَ النيةِ، وهذا ممكنٌ لا صعوبةَ فيه، بل عامةُ الناسِ هكذا يُصلُّونَ، بل هو أمرٌ ضروريٌّ، ولو كُلِّفوا تَرْكَه لعجَزوا عنه.
وقد تُفسَّرُ بانبساطِ أجزاءِ النيةِ على أجزاءِ التكبيرِ؛ بحيثُ يكونُ أولُها معَ أولِه، وآخِرُها معَ آخرِه، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّه يقتضي عزوبَ
стр. 42
كمالِ النيةِ في أولِ الصلاةِ، وخُلُوَّ أولِها عنِ النيةِ الواجبةِ.
وقد تُفسَّرُ بحضورِ جميعِ النيةِ معَ جميعِ أجزاءِ التكبيرِ، وهذا تُنُوزِعَ في إمكانِه؛ فمنهم مَن قال: إنه غيرُ ممكنٍ ولا مقدورٍ للبشرِ؛ فضلًا عن وجوبِه، ولو قيلَ بإمكانِه فهو مُتعسِّرٌ جدًّا؛ فيسقُطُ بالحَرَجِ.
ومما يُبطِلُ هذا والذي قبلَه: أنَّ المكبِّرَ ينبغي له أن يتدبرَ التكبيرَ ويتصوَّرَه، فيكونُ قلبُه مشغولًا بمعنى التكبيرِ، لا بما يشغَلُه عن ذلك منِ استحضارِ المنويِّ، ولأنَّها منَ الشروطِ، والشرطُ يتقدَّمُ العبادةَ، ويستمِرُّ حكمُها إلى آخِرِها؛ كالطهارةِ وغيرِها، واللهُ أعلمُ (١).
والجهرُ بها وتكريرُها مَنْهيٌّ عنه ، وفاعلُه مُسيءٌ، وإنِ اعتَقدَه دِينًا فقد خرَج عن إجماعِ المسلمينَ، يُعرَّفُ ذلك، فإن أصرَّ قُتِلَ، ويجبُ تعريفُه ذلك.
ولو قال: كلٌّ (٢) يعملُ في دينِه ما يشتهي ، فهي كلمةٌ عظيمةٌ، يجبُ أن يُستتابَ منها أيضًا.
فإن أصرَّ على الجهرِ بالنيةِ عُزِّرَ، وإن عُزِلَ عنِ الإمامةِ إذا لم يَنْتهِ؛ كان لعَزْلِه وجهٌ، فقد عزلَ النبيُّ ﷺ إمامًا لأجلِ بُزاقِه في القِبْلةِ. رواه أبو داودَ (٣).
стр. 43
فإنَّ الإمامَ عليه أن يصليَ كما كان النبيُّ ﷺ يصلي، ليس له أن يقتصرَ على ما يقتصرُ عليه المنفرِدُ، بل يُنهى عنِ التطويلِ والتقصيرِ، فكيفَ إذا أصرَّ على ما يُنهى عنه الإمامُ والمأمومُ والمنفردُ؟! (١)
فَصْلٌ (٢)
نيةُ المرءِ خيرٌ من عمَلِه ، هذا قد قالَه غيرُ واحدٍ، وبعضُهم يرفعُه (٣)، وبيانُه من وجوهٍ:
أحدُها: أنَّ النيةَ المجرَّدةَ منِ العملِ يُثابُ عليها، والعملُ بلا نيةٍ لا يُثابُ عليه.
الثاني: أنَّ مَن نَوى الخيرَ، وعمِلَ مَقْدورَه منه، وعجَز عن إكمالِه؛ كان له أجرُ عاملٍ؛ لقولِه: «إنَّ بالمدينةِ لرجالًا ما سِرْتُم مسيرًا إلا كانوا معكم» (٤).
стр. 44
الثالثُ: أنَّ القلبَ ملِكُ البدنِ، والأعضاءُ جنودُه، فإذا طابَ الملِكُ طابتْ جنودُه، وإذا خبُثَ خبُثتْ، والنيةُ عمَلُ الملِكِ.
الرابعُ: أنَّ توبةَ العاجِزِ عنِ المعصيةِ تصحُّ عندَ أهلِ السنةِ، كتوبةِ المجبوبِ منَ الزنى، وكتوبةِ الأخرَسِ عنِ القَذْفِ، وأصلُ التوبةِ عزمُ القلبِ.
الخامسُ: أنَّ النيةَ لا يدخُلُها فسادٌ، فإنَّ أصلَها حبُّ اللهِ ورسولِه، وإرادةُ وجهِهِ، وهذا بنَفْسِه محبوبٌ للهِ ورسولِه، مَرْضيٌّ للهِ ورسولِه، والأعمالُ الظاهرةُ تدخُلُها آفاتٌ كثيرةٌ، ولهذا كانت أعمالُ القلوبِ المجرَّدةُ أفضلَ من أعمالِ البدنِ المجرَّدةِ، كما قيل: قوةُ المؤمنِ في قلبِه، وضعفُه في جسمِه، والمنافقُ عَكْسُه، واللهُ أعلمُ.
стр. 45
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
قد صحَّ عنه ﷺ أنَّه لمَّا سُئِلَ عن بئرِ بُضاعةَ قال: «الماءُ طَهورٌ، لا يُنجِّسُه شيءٌ» (١).
وبئرُ بُضاعةَ ليستْ جاريةً بالاتفاقِ، وما يُذكَرُ عنِ الواقديِّ أنَّها جاريةٌ؛ أمرٌ باطلٌ، والواقديُّ لا يُحتَجُّ به، ولم يكُنْ بالمدينةِ عينٌ جاريةٌ، وعينُ الزرقاءِ (٢) وعيونُ حمزةَ (٣) مُحدَثةٌ بعدَ النبيِّ ﷺ ، وبئرُ بُضاعةَ باقيةٌ شرقيَّ المدينةِ، معروفةٌ.
وأمَّا حديثُ القُلَّتَينِ (٤): فالأكثرُ على أنه حسَنٌ يُحتَجُّ به.
стр. 46
وقد أُجيبَ عن كلامِ مَن طعَن فيه، وصنَّفَ أبو [عبدِ اللهِ] (١) محمدُ بنُ عبدِ الواحدِ المقدسيُّ جزءًا ردَّ فيه على ابنِ عبدِ البَرِّ وغيرِه.
ولفظُ «القُلَّةِ» معروفةٌ عندَهم أنه الجَرَّةُ الكبيرةُ كالحُبِّ، وكان يُمثَّلُ بها؛ كما في سِدْرةِ المُنتهى: «وإذا ورَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلةِ، وإذا نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هجَرَ» (٢)، وهي قِلالٌ معروفةُ الصَّنعةِ والمقدارِ، فإنَّ التمثيلَ لا يكونُ بمختلِفٍ، وهذا يُبطِلُ كونَ القُلَّةِ قُلَّةَ الجبلِ، فإنها مختلفةٌ، فيها المرتفعُ كثيرًا، وما هو دونَه، وليس في الوجودِ ماءٌ يصلُ إلى قُلَلِ الجبالِ إلا ماءُ الطوفانِ، فحَمْلُ كلامِه على مِثْلِ ذلك يُشبِهُ الاستهزاءَ بكلامِه.
ومِن عادتِه أنه يقدِّرُ المُقدَّراتِ بأوعيتِها؛ كقولِه: «ليسَ فيما دونَ خمسةِ أَوْسُقٍ صدقةٌ» (٣)، والوَسْقُ حِمْلُ الجملِ، «وكان يتوضأُ بالمُدِّ، ويغتسلُ بالصاعِ» (٤)، وذلك من أوعيةِ الماءِ، فكذا تقديرُ الماءِ بالقِلالِ مناسبٌ؛ لأنها وِعاءُ الماءِ (٥).
стр. 47
فَصْلٌ
الماءُ المتغيرُ بالطاهرِ مما يمكنُ صَوْنَه عنه فيه قولانِ؛ لأحمدَ وغيرِه.
قال شيخُ الإسلامِ: والصحيحُ عندي - وعليه أكثرُ نصوصِ أحمدَ - أنَّه لا يسلُبُه الطهوريةَ؛ لأنَّ المتغيِّرَ بالطاهراتِ: إمَّا أن يتناولَه اسمُ الماءِ عندَ الإطلاقِ، أو لا، فإن تناولَه: فلا فرْقَ بينَ ما يمكنُ صَوْنُه، وما لا يمكنُ صَوْنُه، وبينَ ما تغيَّرَ بأصلِ الخلقةِ وغيرِه، وإذا تناولَه فلا فَرْقَ بينَ هذينِ النوعينِ وبينَ غيرِهما؛ إذ الفَرْقُ بينَ ما كان دائمًا أو حادِثًا وما كان يمكنُ الاحترازُ عنه وما لا يمكنُ إنما هي فروقٌ فقهيةٌ، أمَّا كونُها فروقًا من جهةِ اللغةِ وتناول اللفظِ له فلا.
وبهذا يظهرُ الجوابُ عن جميعِ شواهدِ أدلتِهم؛ مثلُ: اشتراءِ الماءِ في بابِ الوكالةِ والنَّذْرِ، أو الوَقْفِ، أو اليمينِ، أو غيرِ ذلك؛ فإنَّ خطابَ الناسِ في هذه الأحكامِ لا فَرْقَ فيه بينَ متغيِّرٍ وحادِثٍ، فحينئذ قولُه: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ إن كان شاملًا للمتغيرِ بأصلِ الخلقةِ أو لما تغيرَ بما يشُقُّ الاحترازُ عنه فهو شاملٌ لما تغيرَ بما لا يشُقُّ صَوْنُه عنه، وإذا كانت دلالةُ القرآنِ على الكلِّ سواءً؛ كان التمسُّكُ بدلالةِ القرآنِ حجةً لمن جعله طهورًا، لا عليه.
وليس في المسألةِ دليلٌ منَ السنةِ، ولا منَ الإجماعِ، ولا منَ القياسِ؛ بلِ الأحاديثُ كما في المُحرِمِ الذي وقَصَتْه ناقَتُه: «اغسِلُوه
стр. 48
بماءٍ وسِدْرٍ» (١)، و: «اغسِلْنَها بماءٍ وسِدْرٍ» (٢)، وكونِها تتوَضَّأ من قصعةٍ فيها أثَرُ العجينِ (٣)، وقولِه: «تمرةٌ طيبةٌ، وماءٌ طَهورٌ» (٤)، كلُّ ذلك ونحوُه نصٌّ دالٌّ على جوازِ استعمالِ الماءِ المتغيرِ بالطاهراتِ أدَلُّ منها على نقيضِ ذلك (٥).
وأيضًا؛ الأصلُ بقاءُ ما كانَ على ما كان ، وليس هذا استصحابًا للإجماعِ في موردِ النزاعِ حتى يقالَ: فيه خلافٌ، فإن ذلك هو دعوى بقاءِ الإجماعِ، بل يقالُ: هو قبلَ التغيُّرِ طاهرٌ بالنصِّ والإجماعِ، والأصلُ بقاءُ الحكمِ، وإن لم يكُنِ الدليلُ شاملًا له، إذ معَ شمولِ الدليلِ إنَّما يكونُ استدلالًا بنصٍّ أو إجماعٍ لا بالاستصحابِ، وهذا الاستدلالُ إنما هو بالاستصحابِ.
وقولُ بعضِ الحنفيةِ: إنَّ الماءَ لا ينقسِمُ إلا إلى طاهرٍ ونجِسٍ؛ فليس بشيءٍ؛ لأنه إن أرادَ كلَّ ما يُسمَّى ماءً مطلقًا ومقيدًا فهو خطأٌ؛
стр. 49
لأنَّ المياهَ المعتصَرةَ طاهرةٌ، ولا يجوزُ بها رفعُ الحدثِ.
وإن أرادَ الماءَ المطلَقَ لم يصِحَّ؛ فإن النجِسَ لا يدخلُ في المطلَقِ.
وقولُهم: طهورٌ بمعنى طاهرٍ: غلَطٌ؛ لأنَّ الطَّهورَ اسمٌ لما يُتطهَّرُ به؛ كالفَطورِ، والسَّحورِ، والوَجورِ؛ لما يُفطَرُ عليه، ويُتسحَّرُ به، ولهذا قال: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، ﴿وليطهركم به﴾، والطاهرُ لا يدلُّ على ما يُتطهَّرُ به، ومَن ظنَّ أنَّ الطَّهورَ معدولٌ عن طاهرٍ فيكونُ بمنزلتِه في التعديةِ واللزومِ النَّحْوِيَّيْنِ، فهو قولُ مَن لم يُحكِمْ قولَه من جهةِ العربيةِ.
وبهذا تظهرُ دلالةُ النصوصِ على ما قُلْناه؛ كقولِه ﵊ في البحرِ: «هو الطَّهورُ ماؤُه» (١).
و «جعلت لي الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا» (٢)، مما يُبيِّنُ أنَّ المرادَ ما يُتطهَّرُ به، ولا يجوزُ أن يُرادَ به: «طاهرٌ»؛ لفسادِ المعنى، ولا: «طَهورٌ» تعديةُ «طاهرٍ»؛ لفسادِ الاستعمالِ.
стр. 50
فَصْلٌ
ويُعفَى عن يسيرِ بَعْرِ الفأرِ في أظهرِ القولَيْنِ، وهما روايتانِ عن أحمدَ وأبي حنيفةَ وغيرِهما (١).
والاحتياطُ بمجرَّدِ الشكِّ في أمورِ المياهِ ليس مستحبًّا، ولا مشروعًا؛ بلِ المستحَبُّ بناءُ الأمرِ على الاستصحابِ (٢).
وماء الحَّمامُ إذا كان الحوضُ فائضًا ؛ فإنه جارٍ في أصحِّ قولَيِ العلماءِ، نصَّ عليه أحمدُ، وهو بمنزلةِ الحفيرةِ تكونُ في النهرِ، فإنه جارٍ، وإن كان الجَرَيانُ على وجهِه فإنه يستخلِفُه شيئًا فشيئًا، ويذهبُ ويأتي ما بعدَه؛ لكن يُبطِئُ ذَهابُه؛ بخلافِ الذي يَجري جميعُه (٣).
وإذا شكَّ في روثةٍ: هل هي نجِسَةٌ، أم طاهرةٌ؟ ففيها قولانِ، هما وجهانِ في مذهَبِ أحمدَ؛ بناءً على أنَّ الأصلَ في الروثِ النجاسةُ، أم الأصلَ في الأعيانِ الطهارةُ؟ وهذا أصحُّ (٤).
стр. 51
فَصْلٌ
مذهَبُ الزُّهْريِّ والبخاريِّ: أنَّ حكمَ المائعِ حكمُ الماءِ، ورُوِي عن مالكٍ، وهو مذهَبُ أبي حنيفةَ، وإحدى الروايتَيْنِ عن أحمدَ، وهو قولُ طائفةٍ منَ السَّلَفِ والخلَفِ؛ كابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ ﵃، وأبي ثَوْرٍ، وغيرِهم، ولا دليلَ على نجاسَتِه من كتابٍ ولا سنةٍ.
وما رواه أبو داودَ عنِ النبيِّ ﷺ : أنه سُئِلَ عن فأرةٍ وقعَتْ في سَمْنٍ؟ فقال: «إن كان جامدًا فألقوها وما حولَها وكُلُوه، وإن كان مائعًا فلا تَقْرَبوه» (١)، فهو حديثٌ ضعيفٌ، غلِطَ فيه مَعمرٌ على الزُّهْريِّ، كما ذكَرَه النقاد؛ كالبخاريِّ وغيرِه؛ مثلِ: التِّرْمِذيِّ، وأبي حاتمٍ، والدارَقُطْنيِّ، وإن اعتَقدَ بعضُ الفقهاءِ أنه على شرطِ الصحيحِ؛ فلعَدَمِ عِلْمِه بعِلَّتِه، وقد بيَّنَ البخاريُّ في صحيحِه فسادَ هذه الروايةِ، قال: بابٌ إذا وقعَتِ الفأرةُ في السمنِ الجامدِ أو الذائبِ: حدَّثَنا عَبْدانُ، ثَنا عبدُ اللهِ - يعني: ابنَ المباركِ - عن يونسَ، عنِ الزُّهْريِّ؛ أنه سُئِلَ عنِ الدابَّةِ تموتُ في السمنِ أو الزيتِ وهو جامدٌ، أو غيرُ جامدٍ؛ الفأرةُ وغيرُها؟ فقال: بلَغَنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمر بفأرةٍ ماتَتْ في سمنٍ، فأمَرَ بما قرُبَ منها فطُرِحَ، ثم أكَلَ.
وفي حديثِ عُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ عن (٢) ابنِ عباسٍ، عن ميمونةَ ﵂؛
стр. 52
قالتْ: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن فأرةٍ وقعَتْ بسمنٍ؟ فقال: «ألقوها وما حولَها، وكُلُوه» (١).
فذكَر البخاريُّ عن ابنِ شِهابٍ الزُّهْريِّ - الذي هو أعلمُ الناسِ بالسنةِ في زمانِه - أنَّه أفتى في الزيتِ والسمنِ الجامدِ وغيرِه: إذا ماتَتْ فيه الفأرةُ أنها تُطرَحُ وما قرُبَ منها، واستَدلَّ بالحديثِ الذي رواه عن عُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عنِ (٢) ابنِ عباسٍ، وذكر الحديثَ، ولم يقُلْ فيه: «إن كان مائعًا فلا تقربوه»، ولا ذكَر الفرقَ.
فذكَر البخاريُّ ذلك ليُبيِّنَ أنَّ مَن ذكَر عنِ الزُّهْريِّ التفصيلَ فقد غلِطَ عليه؛ لجوابِه بالعمومِ مستدِلًّا بهذا الحديثِ بعينِه؛ إذ إطلاقُ الجوابِ منَ النبيِّ ﷺ ، وتَرْكُ الاستفصالِ في حكايةِ الحالِ معَ قيامِ الاحتمالِ يُنزَّلُ منزلةَ العمومِ في المقالِ، فبذلك أجابَ الزُّهْريُّ، فإن مذهَبَه في الماءِ أنه لا ينجُسُ إلا بالتغيرِ، وقد سوَّى البخاريُّ في أولِ الصحيحِ بينَ الماءِ والمائعِ، وقد ذكَرْنا أدلةَ هذه المسألةِ مستوفاةً.
وفي تنجيسِ ذلك من فسادِ الأطعمةِ العظيمةِ وإتلافِ الأموالِ العظيمةِ ما لا تأتي الشريعةُ بمِثْلِه، واللهُ إنما حرَّمَ علينا الخبائثَ تَنْزيهًا لنا عن المَضارِّ، وأحلَّ لنا الطيباتِ كلَّها، واللهُ أعلمُ (٣).
стр. 53
وفأرةُ المسكِ (١) طاهرةٌ عندَ جماهيرِ العلماءِ، وليس ذلك مما يُبانُ منَ البهيمةِ وهي حيةٌ؛ بل هو بمنزلةِ البيضِ، والولدِ، واللبنِ، والصوفِ، واللهُ أعلمُ.
فَصْلٌ
الأظهرُ طهارةُ النجاسةِ بالاستحالةِ ؛ وهو مذهَبُ أبي حنيفةَ، وأحدُ القولَيْنِ في مذهَبِ أحمدَ ومالكٍ (٢).
والصحيحُ: أن النجاسةَ تُزولُ بغيرِ الماءِ ؛ لكن لا يجوزُ استعمالُ الأطعمةِ والأشربةِ في إزالتِها لغيرِ حاجةٍ؛ لما في ذلك من إفسادِ الأموالِ، كما لا يجوزُ الاستنجاءُ بها (٣).
والفرقُ بينَ طهارةِ الحدَثِ والخبثِ: أنَّ طهارةَ الحدَثِ من بابِ الأفعالِ المأمورِ بها، فلا تسقطُ بالنسيانِ والجهلِ، ويُشترَطُ فيها النيةُ،
стр. 54
وطهارةَ الخبثِ من بابِ التروكِ، فمقصودُها اجتنابُ الخبثِ، فلا يُشترَطُ فيها فعلُ العبدِ، ولا قصدُه.
وإذا صلَّى بالنجاسةِ جاهلًا أو ناسيًا؛ فلا إعادةَ في أصحِّ قولَيِ العلماءِ، وذلك لأنَّ ما كان مقصودُه اجتنابَ المحظورِ إذا فعلَه العبدُ ناسيًا أو مُخطِئًا فلا إثمَ عليه؛ لقولِه: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به﴾، ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾؛ ولهذا كان أقوى الأقوالِ: أنَّ ما فعلَه العبدُ ناسيًا أو مُخطِئًا من محظوراتِ الصلاةِ أو الحجِّ أو الصيامِ؛ لا يُبطِلُ العبادةَ؛ لكن إذا أتى بها بفعلِه ونيتِه؛ أُثيبَ على ذلك (١).
ويجبُ على المُضطَرِّ الأكلُ والشربُ بقدرِ ما يسُدُّ رمَقَه (٢).
وفي نجاسةِ شعرِ الكلبِ قولانِ؛ هما روايتانِ.
فلو تمعَّطَ (٣) في بئرٍ، فهل يجبُ نزْحُه عندَ مَن يُنجِّسُه؟ وهو قولُ فقهاءِ الكوفةِ كأبي حنيفةَ.
وقيلَ: لا ينجُسُ إلا بالتغيرِ؛ وهو مذهَبُ الجمهورِ.
فيجوزُ استعمالُ الماءِ وإن خرَج فيه شعرٌ عندَ مَن يُطهِّرُه، وعندَ
стр. 55
المُنجِّسِ يقولُ: إذا خرج في الدَّلْوِ - وهو قليلٌ - نجس؛ وهو المشهورُ عن أحمدَ.
والأظهرُ: أن شعرَ الكلبِ طاهرٌ؛ لأنَّه لم يثبُتْ فيه دليلٌ شرعيٌّ (١).
فَصْلٌ
إذا وقَع في الماءِ نجاسةٌ فغيَّرتْه ؛ نجس اتفاقًا.
وإن لم يتغيَّرْ؛ فقيلَ: لا ينجُسُ؛ وهو قولُ أهلِ المدينةِ، وكثيرٍ من أهلِ الحديثِ، وروايةٌ عن أحمدَ اختارها طائفةٌ من أصحابِه، ونصَرَها ابنُ عَقيلٍ وابنُ المنِّي وغيرُهما.
والثاني: ينجُسُ قليلُ الماءِ بقليلِ النجاسةِ، وهي روايةُ المصريينَ عن مالكٍ.
والثالثُ: مذهَبُ الشافعيِّ وروايةٌ عن أحمدَ: الفرق بين القليلِ والكثيرِ.
والرابعُ: الفرقُ بينَ البولِ والعَذِرةِ المائعةِ وغيرِهما، فالأولُ ينجُسُ منه ما أمكنَ نَزْحُه دونَ ما لا يمكنُ نَزْحُه؛ وهي المشهورةُ عن أحمدَ واختيارُ أكثرِ أصحابِه.
والخامسُ: أن الماءَ ينجُسُ بملاقاةِ النجاسةِ؛ سواءٌ كان قليلًا أو
стр. 56
كثيرًا؛ لكن ما لم تصِلْ إليه لا ينجُسُ.
ثم حدُّوا ما لا تصِلُ إليه: بما لا يتحركُ أحدُ طرَفَيْه بتحركِ الطرفِ الآخَرِ.
ثم تنازعوا: هل هو بحركةِ المتوَضِّئِ أو المغتسِلِ؟
وقدَّرَه ابنُ الحسنِ بمسجِدِه، فوجدوه عشَرةَ أذرُعٍ في عشَرةِ أذرُعٍ.
وتنازعوا في الآبار إذا وقعَتْ فيها النجاسةُ؛ فزعم المريسيُّ أنه لا يمكنُ تطهيرُها، وقال أبو حنيفةَ: يمكنُ بالنَّزْحِ، ولهم في تقديرِ الدِّلاء أقوالٌ معروفةٌ.
والسادسُ: قولُ أهلِ الظاهرِ الذين يُنجِّسونَ ما بالَ فيه البائلُ دونَ ما أُلقِي فيه البولُ.
وأصلُ ذلك: أنَّ اختلاطَ الخبيثِ بالماءِ هل يُوجبُ تحريمَ الجميعِ، أم يُقالُ: بل استحالَ فلم يَبْقَ له حكمٌ؟
فهل الأصلُ الإباحةُ حتى يقومَ الدليلُ على التحريمِ، أم الأصلُ المنعُ إلا ما قام الدليلُ على إباحتِه؟
والصحيحُ: الأول؛ وهو أنَّ النجاسةَ متى استحالتْ فالماءُ طاهرٌ؛ قليلًا كانَ أو كثيرًا، فإنه داخلٌ في حدِّ الطيبِ، خارجٌ عن الخبيثِ، وقد صحَّ قولُه: «الماءُ طَهورٌ، لا يُنجِّسُه شيءٌ» (١)، وهو عامٌّ في القليلِ
стр. 57
والكثيرِ وفي جميعِ النجاساتِ.
وأما إذا تغيرَ؛ فإنما حرُمَ لظهورِ جِرمِ النجاسةِ فيه؛ بخلافِ ما إذا استُهلكَ، ويبيِّنُ ذلك: أن الخمرَ واللبنَ لو وقَع في ماءٍ واستُهلكَ، فشرِبَه شاربٌ: لم يُحَدَّ، ولم ينشرِ الحرمةَ.
ونَهْيُه ﷺ عنِ البولِ في الماءِ الدائمِ (١)؛ لأنه ذريعةٌ إلى تَنْجيسِه، فسَدَّ الذريعةَ، ولهذا يعُمُّ النهيُ البولَ في كلِّ ماءٍ راكدٍ، فلا يجوزُ فيما فوقَ القُلَّتَينِ، ولا فيما لا يمكنُ نَزْحُه، ولا فيما لا يتحركُ أحدُ طَرَفَيْه، ومَن قال: يجوزُ في ذلك؛ فقد خالفَ النصَّ؛ إذ هو عامٌّ.
وأمَّا قولُه: «الماءُ طَهورٌ، لا يُنَجِّسُه شيءٌ»؛ فلا يُقالُ: وصْفُ الماءِ بكونِه طَهورًا يدُلُّ على تَنْجيسِ غيرِهِ؛ لأنه يجوزُ تعليلُ الحكمِ بعِلَّتَينِ، وكونُ الماءِ طهورًا يوجبُ دفْعَ النجاسةِ عن نفْسِه، وأنه أَوْلى من غيرِه، ولا يمنعُ أن يكونَ في غيرِه ما يمنعُ عنه النجاسةَ.
وأيضًا؛ فإنهم سألوه عنِ الماءِ فخَصَّه بذلك؛ لحاجةِ السائلِ إليه، معَ أنه مفهومُ لقبٍ، وهو ضعيفٌ.
وأمَّا حديثُ القُلَّتَينِ إذا صحَّ؛ فمَنْطوقُه موافقٌ لغيرِه، وهو أنه إذا بلَغَ الماءُ قُلَّتَينِ لم يُنجِّسْه شيءٌ.
وأمَّا مفهومُه - إذا قُلْنا بدلالةِ مفهومِ العددِ - فإنما يدُلُّ على أنَّ
стр. 58
الحكمَ في المسكوتِ عنه مخالِفٌ للحكمِ في المنطوقِ بوجهٍ من الوجوهِ، ولا يُشترَطُ أن يكونَ الحكمُ مخالفًا للمنطوقِ من كلِّ وجهٍ، وهذا معنى قولِهم: «المفهومُ لا عمومَ له»، فلا يلزَمُ أنَّ كلَّ ما لم يبلُغِ القُلَّتَينِ أنَّه ينجُسُ، بل إذا قيلَ بالمخالفةِ في صورةٍ حصلَ المقصودُ، فمَنْطوقُه: أنه لا يحملُ الخبثَ عندَ بلوغِ القُلَّتَينِ، مفهومُه: والقليلُ (١) قد يحمِلُ؛ لمَظِنَّةِ القِلَّةِ، فيكفي المخالفةُ بجوازِ احتمالِ الخبثِ في القليلِ دونَ الكثيرِ، فقد خالفَ المفهومُ للمنطوقَ بذلك وهو كافٍ؛ إذ لا يلزمُ أنَّ المفهومَ يخالفُ المنطوقَ في كلِّ صورةٍ من صُوَرِه؛ بل يكفي ولو بصورةٍ، فلا عمومَ للمفهومِ كما قُلْنا؛ وهذا ظاهرٌ.
والنبيُّ ﷺ لم يذكُرْ ذلك حكمًا عامًّا، إنما ذكَرَه في جوابِ مَن سألَه عن ماءٍ بعَيْنِه، فَيُتَقيَّدُ به، فإنَّ التخصيصَ إذا كان له سببٌ غيرُ اختصاصِ الحكمِ؛ لم يبْقَ حجةً بالاتفاقِ؛ كقولِه تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾.
فلما كان حالُ الماءِ المسؤولِ عنه أنه كثيرٌ قد بلَغَ القُلَّتَينِ، ومِن شأن الكثيرِ أنه لا يحمِلُ الخبَثَ، بل يستحيلُ فيه: دلَّ ذلك على أن مَناطَ الحكمِ كونُ الخبَثِ محمولًا؛ فحيثُ كان محمولًا - أي: موجودًا - كان نجِسًا، وحيثُ استُهلِكَ فهو غيرُ محمولٍ، فصار حديثُ القُلَّتَينِ موافقًا لقولِه: «الماءُ طَهورٌ لا يُنجِّسُه شيءٌ».
стр. 59
ونكتة الجوابِ: أن كونه يحملُ الخبَثَ أو لا يحملُه؛ أمرٌ حِسِّيٌّ معروفٌ بالحسِّ، والدليلُ على هذا اتفاقُهم على أنَّ الماءَ إذا تغيَّرَ حملَ الخبثَ ونجَّسَه، فصار قولُه: «إذا بلغَ الماءُ قُلَّتَينِ لم يحمِلِ الخَبَثَ»، و: «لم يُنَجِّسْه شيءٌ»؛ مثلَ قولِه: «الماءُ طهورٌ لا يُنجِّسُه شيءٌ»، وهو إنما أرادَ إذا لم يتغيرْ في الموضعَينِ، وأمَّا إذا كان قليلًا فقد يحملُ الخبثَ لضَعْفِه، وعلى هذا يُحمَلُ أمرُه في الكلبِ؛ لمَّا أمَر بتطهيرِ ما ولَغَ فيه سبعًا (١).
وقوله: «ألقوها وما حولها»؛ لأنَّه مظنة التغيُّر، لا لأنَّه ملاقي النجاسة، لأنَّه لو كان الملاقي للنجس نجسًا؛ لتنجس البحر بما يلقى فيه من النجاسة، فعُلم أن إلقاء ما حولها للمظنة، فإنه قد يبقى فيه شيء محمولًا ولا يُتحقَّق.
وكذا قولُه: «فلا يُدخِلُ يدَه في الإناءِ حتى يغسِلَها ثلاثًا» (٢)؛ المرادُ: الإناءُ الذي للماءِ المعتادِ للولوغِ، ولإدخالِ اليدِ، وهو الصغيرُ، والكلبُ يلَغُ بلسانِه شيئًا فشيئًا، فلا بدَّ أن يبقى في الماءِ من ريقِه، فيكونُ ذلك الخَبَثُ محمولًا والماءُ يسيرًا، فيُراقُ لأجلِ كونِ الخَبَثِ محمولًا، ويُغسَلُ الإناءُ الذي لاقاه ذلك الخبثُ؛ بخلافِ ما إذا استُهلِكَ الخبثُ؛ كالخمرِ إذا قلبَ اللهُ عَيْنَها، فتطهُرُ بالدَّنِّ؛ لأنَّ الاستحالةَ والاستهلاكَ حصَلَ في الخمرِ دونَ تلك، ولو أرادَ الفصلَ بي
стр. 60
نَ المبتدئِ والذي ينجُسُ بمجرَّدِ الملاقاةِ لقال: إذا لم يبلغْ قُلَّتَينِ نجُسَ، وما بلَغَهما لم ينجُسْ إلا بالتغيرِ، أو نحوَ ذلك من الكلام الدالِّ على ذلك، أمَّا مجرَّدُ قولِه: «إذا بلَغَ الماءُ قُلَّتَينِ لم يحمِلِ الخبثَ»، معَ كونِه إذا تغيرَ حمَلَه وينجُسُ بالاتفاق؛ فلا يدلُّ على هذا المقصودِ.
وأمَّا نَهْيُه القائمَ من نومِ الليلِ أن يغمِسَ يدَه في الإناءِ حتى يغسِلَها: فهو لا يقتضي التنجيسَ بالاتفاقِ؛ بل لأنه قد يؤثرُ في الماءِ منعًا (١)، أو يفضي إليه؛ مثلُ قولِه: «لا يَبولَنَّ أحدُكُم في الماءِ الدائمِ» (٢)، وقد تقدَّمَ أنه لا يدلُّ على التنجيسِ.
وأمَّا نَهْيُه عنِ الاغتسالِ فيه بعدَ البولِ إن صحَّ؛ فهو كنَهْيِه عنِ البولِ في المُستحَمِّ، «فإنَّ عامَّةَ الوَسْواسِ منه» (٣)، وربما بقِي من أجزاءِ البولِ، فعاد عليه رشاشُها، فكذلك إذا بال في ماءٍ، ثم اغتسَلَ فيه، فقد يغتسِلُ قبلَ الاستحالةِ معَ بقاءِ أجزاءِ البولِ.
ونَهْيُه عنِ الاغتسالِ في الماءِ الدائمِ إن صحَّ؛ يتعلَّقُ بمسألةِ الماءِ المستعمَلِ، وقد يكونُ لما فيه من تقذيرِ الماءِ على غيرِه، لا لأجلِ نجاستهِ، ولا لمصيره مستعملًا، فقد قال: «الماءُ لا يُجْنِبُ» (٤).
стр. 61
فَصْلٌ
الحكمُ إذا ثبَت بعِلَّةٍ يزولُ بزوالِها ، فإنْ بقِي معَ زوالِها من غيرِ أن يخلُفَها عِلةٌ أخرى؛ كانت عديمةَ التأثيرِ، فلا تكونُ عِلةً، وأمَّا إذا خلَفَتْها علةٌ أخرى؛ فإنه لا يَبطلُ كونُها علةً، وهذا هو التحقيقُ في مسألةِ عكسِ العللِ وعدمِ التأثيرِ فيها؛ فإنه قد يُظَنُّ أنَّا إذا جوَّزْنا تعليلَ الحكمِ الواجبِ بالشرعِ بالنوعِ بعِلَّتَينِ لم تبطلِ العلةُ بعدمِ التأثيرِ، وهو انتفاءُ الحكمِ لانتفاءِ الوصفِ، لجوازِ أن يخلُفَها علةٌ أخرى، بل إذا كان الحكمُ ثابتًا مع انتفاء الوصفِ؛ كثبوتِه معَ ثبوتِه؛ دلَّ على أنه ليسَ علةً، فالنقضُ وجودُ الوصفِ بلا حكمٍ، فإن لم يكُنِ التخلُّفُ لفواتِ شرطٍ أوِ انتفاءِ مانعٍ؛ كان دليلًا على أنه ليسَ بعلةٍ، وعدمُ التأثيرِ هو وجودُ الحكمِ بلا وصفٍ، فإن لم يكُنْ له علةٌ أخرى كان دليلًا على أن الوصفَ ليس بعلةٍ.
فإذا علَّلْنا الملكَ بالبيعِ، أو الإرثَ، أو الاغتنامَ، ونحوَ ذلك، وقُلْنا في صورةٍ قد عُلِّل الملكُ فيها بالبيعِ: هذا بيعٌ باطلٌ، فلا يحصُلُ الملكُ؛ كان كلامًا صحيحًا، وإن علِمْنا أن الملكَ يثبُتُ بإرثٍ وغيرِه، لكنَّ التقديرَ: أنه لا يثبُتُ له هنا غيرُ البيعِ، وإذا قُلْنا: هذا يملِكُ هذه
стр. 62
السلعةَ؛ لأنه اشتراها شراءً شرعيًّا، أو لأنه ورِثَها؛ كان كلامًا صحيحًا، ولا يلزمُ من ذلك أن يكونَ الملكُ منتفيًا في كلِّ موضعٍ انتفى فيه البيعُ، أو الإرثُ؛ لأن الملكَ له أسبابٌ متعددةٌ.
وكذلك الطهارةُ؛ إذا كان لها سببانِ، فعلَّلَ الشارعُ طهارةَ بعضِ الأعيانِ بسببٍ؛ كانَ ذلك كلامًا صحيحًا، ولا يلزمُ منه أنَّ ما انتفى عنه هذا السببُ يكونُ نجِسًا، فقولُه في الهرِّ: «إنَّها منَ الطوَّافينَ» (١) دليلٌ على أنَّ الطوافَ سببُ الطهارةِ، فإذا انتفى فيما هو سببٌ فيه زالت طهارتُه، وقد تثبتِ الطهارةُ بغيرِه وهو الحِلُّ؛ كطهارةِ الصيدِ والأنعامِ، فإنها طيبةٌ منَ الطيباتِ التي أباحها اللهُ، فلا يُحتاجُ إلى تعليلِ طهارتِها بالطوافِ، فإنَّ الطوافَ يدلُّ على أن ذلك ليدفعَ الحَرَجَ في نجاستِها.
وقولُه: «الماءُ طَهورٌ، لا يُنجِّسُه شيءٌ»: فقد يقالُ فيه أولًا: قد يكونُ المقصودُ وصفَ الماءِ بكونِه طَهورًا، وبكونِه لا يُنجِّسُه شيءٌ، فيكونُ صفةً بعدَ صفةٍ، ليس المقصودُ جعلَ إحداهما علةً للأخرى، ووَصْفُه بهاتينِ الصفتينِ يبيِّنُ به مفارقتَه للبدنِ والثوبِ ونحوِهما من هذينِ الوجهينِ، من جهةِ أنه طَهورٌ، وأنه لا يُنَجِّسُه شيءٌ، وإذا لم يعلَّلْ نفيُ النجاسةِ بكونِه طَهورًا لم يوجبْ ذلك حصولَ النجاسةِ فيما ليسَ بطَهورٍ بمجرَّدِ الملاقاةِ، فإذا أمكنَ أن تكونَ هذه عِلتينِ لجوازِ استقائِهِ منَ البئرِ لم يجبْ أن يقالَ: إن أحدهما علةٌ للأخرى؛ بل كان قولُه: «لا يُنجِّسُه
стр. 63
شيءٌ» كقولِه: «الماءُ لا يُجنِبُ»، وهناك ما علَّل انتفاءَ الجنابةِ عنه بكونِه طَهورًا، فكذا هنا لم يعللِ انتفاءَ النجاسةِ عنه بكونِه طَهورًا؛ بل هناك علَّلَ جوازَ استعمالِه لسُؤْرِها بأن الماءَ لا يُجنِبُ، وهنا علَّلَ جوازَ توضُّئِه من بئرِ بُضاعةَ: بأن الماءَ لا ينْجُسُ، وزادَ معَ ذلك أن الماءَ طَهورٌ، وهذا بيِّنٌ لمن تأمَّلَه، بل هو ظاهرُ الحديثِ.
ويبين ذلك: أنه قد سمَّى الترابَ طَهورًا في نجاستي الحدَثِ والخَبَثِ، فقال: «جُعِلتْ لي الأرضُ مسجدًا، وتُرْبتُها طَهورًا» (١)، وقال في النعلينِ: «فلْيَدلكْهما بالترابِ؛ فإن الترابَ لهما طَهورٌ» (٢)، ومعَ هذا فالترابُ وغيرُه من أجزاءِ الأرضِ في النجاسةِ سواءٌ؛ لا فرقَ بينَ الترابِ وغيرِ ذلك؛ إذا ظهَرتْ فيه النجاسةُ كان نجِسًا، وإذا زالتْ بالشمسِ ونحوِها، فإمَّا أن يقالَ: تزولُ مطلقًا، أو لا تزولُ مطلقًا، لم يُفرَّقْ بينَ الترابِ والرملِ وغيرِهما من أجزاءِ الأرضِ، كما فرَّقَ بينَهما من فرَّقَ في طهارةِ الحدثِ، بل قد احتجَّ مَن يقولُ بزوالِها بحديثِ البخاريِّ: «كانت الكلابُ تُقبِلُ وتُدبِرُ وتبولُ في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولم يكونوا يرُشُّونَ من ذلك شيئًا» (٣)، والمسجدُ كان فيه ترابٌ وغيرُه.
فإذا كان قولُه: «فإن الترابَ لهما طَهورٌ» صريحًا في التعليلِ، ولم يخصَّ الترابَ بذلك: فقولُه في الماءِ: إنه «طَهورٌ لا يُنَجِّسُه شيءٌ» أَوْلى
стр. 64
أن لا يُخَصَّ بذلك؛ لكن هل يقالُ إن غيرَ الماءِ يشارِكُه في إزالةِ النجاسةِ كما شاركَ ما ليسَ بترابٍ الترابَ، هذا فيه نزاعٌ مشهورٌ.
وللعلماءِ في إزالةِ النجاسةِ بغيرِ الماءِ ثلاثةُ أقوالٍ:
يجوزُ مطلقًا؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ، وروايةٌ عن أحمدَ.
وقيل: لا يجوزُ مطلقًا؛ كقولِ الشافعيِّ، والظاهرِ عن أحمدَ.
وقيل: يجوزُ عندَ الحاجةِ؛ وهو قولٌ ثالثٌ في مذهبِ أحمدَ، كما قيلَ بذلك على أحدِ الوجوهِ في طهارةِ فمِ الهِرِّ باللُّعابِ، وكذلك أفواهُ الصِّبيانِ ونحوِهم منَ القَيءِ.
فإن قيلَ: إن طهوريةَ الماءِ للنجاسةِ يشاركُه فيها غيرُه؛ صارَ كالترابِ، وإن قيلَ: لا يشاركُه؛ كان قولُه: «طهورٌ لا يُنَجِّسُه شيءٌ» تعليلًا لاستقائه (١) بعلتين كما سبق.
وبالجملةِ: فلم أعلمْ إلى ساعتي هذه - لمن يُنجِّسُ المائعاتِ الكثيرةِ بوقوعِ النجاسةِ فيها إذا لم تتغيرْ - حجةً يَعتمِدُ عليها المفتي فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فتحريمُ الحلالِ كتحليلِ الحرامِ، فمن كان عندَه علمٌ يُرجَعُ إليه، أو يُعتمَدُ عليه فلْيَتَّبِعِ العلمَ، وإن لم يكنْ عندَه إلا مجردُ التقليدِ؛ فالنزاعُ فيها مشهورٌ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام﴾.
стр. 65
بَابُ الآنِيَةِ
المرادُ بـ «الضَّبَّةِ للحاجةِ»: ما يحتاجُ إلى تلك الصورةِ؛ وإن كان غيرُها يقومُ مَقامَها كالنُّحاسِ، أمَّا لو كان مُضطرًّا إليها؛ أُبيحتْ، سواءٌ كانتْ من ذهبٍ أو فضةٍ؛ كالأنفِ، وشدِّ الأسنانِ بالذهبِ، ونحوِ ذلك.
ولو لم يجدْ ما يشربُ فيه إلا إناءَ ذهبٍ أو فضةٍ؛ جازَ.
ولو لم يجدْ ثوبًا يقيه البَرْدَ ، أو يقيه السلاحَ، أو يسترُ عورتَه، إلا حريرًا منسوجًا بذهبٍ أو فضةٍ؛ لجاز لُبْسُه؛ فإن الضرورةَ تبيحُ أكلَ الميتةِ والدمِ ولحمِ الخِنْزيرِ بنصِّ القرآنِ، معَ أنَّ تحريمَ المطاعمِ أشدُّ من تحريمِ الملابسِ؛ لأن تأثيرَ الخبائثِ بالممازجةِ للبدنِ أعظمُ من تأثيرِها بالملابسةِ، ولهذا كانتِ النجاساتُ التي تحرُمُ ملابسَتُها؛ يحرُمُ أكلُها، ويحرُمُ من السمومِ ونحوِها منَ المُضِرَّاتِ ما ليس بنجِسٍ، ولا يحرُمُ مباشرتُها.
ثم ما حرُمَ لخُبْثِ جنسِه أشدُّ مما حرُمَ لما فيه منَ السَّرَفِ والفخرِ والخُيلاءِ، فإن هذا يُحرِّمُ القدرَ الذي يقتضي ذلك منه، ويباحُ للحاجةِ كما للنساءِ، ولهذا كان الصحيحُ منَ القولينِ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه: جوازَ التداوي بهذا الضربِ دونَ الأولِ؛ كما رخَّصَ للزبيرِ وطلحةَ ف
стр. 66
ي لُبْسِ الحريرِ من حِكَّةٍ (١)، ونهى عن التداوي بالخمرِ، وقال: «إنها داءٌ، وليستْ بدواءٍ» (٢)، ونهى عن الدواءِ الخبيثِ (٣)، وعن قتلِ الضِّفْدعِ لأجلِ التداوي بها، وقال: «نَقيقُها تسبيحٌ» (٤)، وقال: «إنَّ اللهَ تعالى لم يجعَلْ شفاءَ أمتي فيما حرَّمَ عليها» (٥).
واستُدلَّ على طهارةِ أبوالِ الإبلِ لإذنِه للعُرَنيِّينَ بشربِها (٦)، فليستْ منَ الخبائثِ المحرَّمةِ النجِسةِ؛ لنَهْيِه عن التداوي بمثلِ ذلك، ولم يأمرْ بغَسْلِ أفواهِهم منها، وإن كان القائلونَ بطهارةِ أبوالِها تنازعوا في جوازِ شربِها لغيرِ ضرورةٍ، وفيه روايتانِ منصوصتانِ، فذلك لما فيها منَ
стр. 67
القذارةِ الملْحِقِ لها بالبُصاقِ والمُخاطِ والمني، ونحوِ ذلك من المستقذَراتِ.
ولهذا أيضًا حرُمَ هذا الضربُ في بابِ الآنيةِ والمنقولاتِ على الرجالِ والنساءِ، بخلافِ التحَلِّي بالذهبِ ولُبْسِ الحريرِ؛ مباحٌ للنساءِ، وبابُ الخبائثِ بالعكسِ، فرخِّصَ في استعمالِ ذلك فيما ينفصِلُ عن بدنِ الإنسانِ ما لا يباحُ متصلًا به، كما يباحُ إطفاءُ الحريقِ بالخمرِ، وإطعامُ الميتةِ للبُزاةِ والصقورِ، وإلباسُ الدابةِ الثوبَ النجِسَ، والاستصباحُ بالدُّهنِ النجِسِ؛ في أشهَرِ قولَيِ العلماءِ؛ وذلك لأن استعمالَ الخبائثِ فيها يجري مَجْرى الإتلافِ، وليس فيه ضررٌ، وكذلك في الأمورِ المنفصلةِ؛ بخلافِ استعمالِ الحريرِ والذهبِ؛ فإنه غاية السَّرَفُ والفخرُ.
وبهذا يظهرُ غلَطُ مَن رخَّصَ من أصحابِ أحمدَ وغيرِهم في إلباسِ دابَّتِه الحريرَ قياسًا على النجِسِ، فهو بمنزلةِ مَن يُجوِّزُ افتراشَ الحريرِ ووَطْأَه؛ قياسًا على المُصوَّراتِ، أو مَن يبيحُ تحليةَ دابَّتِه بالذهبِ والفضةِ قياسًا على إلباسِها الثوبَ النجِسَ، فقد ثبت بالنصِّ تحريمُ افتراشِ الحريرِ (١).
ويظهرُ أن قولَ مَن حرَّمَ افتراشَه على النساءِ - كما هو قولُ المراوزةِ
стр. 68
من أصحابِ الشافعيِّ - أقربُ من قولِ مَن أباحَه للرجالِ - كما قاله أبو حنيفةَ-، وإن كان الجمهورُ على أن الافتراشَ كاللباسِ يحرُمُ على الرجالِ دونَ النساءِ؛ لأن الافتراشَ لُبْسٌ؛ إذ لا يلزمُ من إباحةِ التزيُّنِ على البدنِ إباحةُ المنفصلِ؛ كما في الذهبِ والفضةِ، فإنهم اتفقوا على أن استعمالَ ذلك حرامٌ على الذكرِ والأنثى (١).
فَصْلٌ
آخِرُ الروايتينِ عن أحمدَ: أن الدِّباغَ مُطهِّرٌ؛ لكن هل يقومُ مَقامَ الذَّكاةِ أو مَقامَ الحياةِ؟ فيه وجهانِ، أوجَهُهُما الأولُ (٢)، فيطهُرُ بالدبغِ ما يطهُرُ بالذَّكاةِ (٣).
وحديثُ عبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ: «نهى عنِ الانتفاعِ بالجلودِ بلا دِبغٍ» (٤)، فإنه كان قد أرخَصَ فيه، وأمَّا بعدَ الدَّبْغِ فلم ينْهَ عنه قطُّ.
وعظمُ الميتةِ، وقرنُها ، وظُفُرُها، وشعرُها، وريشُها، ونحوُه: فيه ثلاثة أقوالٍ:
стр. 69
نجاسةُ الجميعِ؛ وهو روايةٌ عن أحمدَ.
والثاني: أن العظامَ ونحوَها نجِسةٌ، والشعورَ ونحوَها طاهرةٌ، وهو المشهورُ من مذهبِ أحمدَ.
والثالث: الجميعُ طاهرٌ، وهو الصوابُ، وقولٌ في مذهبِ أحمدَ ومالكٍ.
وملابسةُ النجاسةِ للحاجةِ جائزٌ إذا طهَّرَ بدنَه وثيابَه عندَ الصلاةِ، وكما يجوزُ الاستنجاءُ بالماءِ معَ مباشرةِ النجاسةِ، ولا يُكرَهُ ذلك على أصحِّ الروايتينِ وقولِ أكثرِ الفقهاءِ.
وهل تطهُرُ النجاسةُ بالاستحالةِ ؟ على قولينِ للعلماءِ، هما روايتانِ، الصوابُ: الطهارةُ.
وقولُهم: إن الخمرَة نجِسةٌ بالاستحالةِ، فتطهُرُ بها؛ كذلك جميعُ النجاساتِ إنما نَجُستْ بالاستحالةِ؛ كالدمِ يستحيلُ عن الغذاءِ، وكذا البولُ والعَذِرةُ، حتى الحيوانُ النجِسُ مستحيلٌ عن الماءِ والهواءِ والترابِ ونحوِه من الطاهراتِ، ولا ينبغي أن يُعبَّرَ عن ذلك: بأن النجاسةَ طهُرتْ بالاستحالةِ، فإن نفْسَ النجِسِ لم يطهُرْ؛ لكن استحالَ، وهذا الطاهرُ ليس هو ذاك النجِسَ وإن كان مستحيلًا منه والمادةُ واحدةً، كما أن الزرعَ ليس هو الماءَ والهواءَ والحَّبَ، والإنسانَ ليس هو المَنِيَّ، واللهُ تعالى يخلُقُ أجسامَ العالَمِ بعضَها من بعضٍ، ومعَ تبدُّلِ الحقائقِ ليس هذا ذاك، فكيفَ يكونُ الرمادُ هو العظمَ واللحمَ والدمَ، بمعنى أنه يتناولُه اسمُ الدمِ أو العظمِ.
стр. 70
وأما كونُه هو هو باعتبارِ المادةِ؛ فلا يضرُّ؛ فإن التحريمَ يتبعُ الاسمَ والمعنى الذي هو الخبَثُ، وكلاهما مُنْتَفٍ (١).
ويجوزُ الخرْزُ بشعرِ الخِنْزيرِ في أظهَرِ قولَيِ العلماءِ، ومنهم مَن يقولُ: إنه طاهرٌ؛ كمالكٍ وأحمدَ في روايةٍ عنه، وعلى القولِ بنجاستِه؛ يُعفى عن الرطوبةِ التي لا يمكنُ الاحترازُ عنها، وإمَّا ألا يفعلَ إن أمكنَ.
والصحيحُ: طهارةُ الشعورِ حتى شعرِ الكلبِ.
وكلُّ حيوانٍ قيلَ بنجاستِه ففي شعرِه روايتانِ (٢).
والصحيحُ: طهارةُ العظمِ، والقرنِ، والريشِ، ونحوِه.
فَصْلٌ
إذا سرَّحَ شعرَه في المسجدِ ، وخلَّاه يقعُ فيه؛ كُرِه عندَ مَن لا ينجِّسُ الشعرَ، وعندَ مَن (٣) ينجِّسُه يحرُمُ.
وبالجملةِ: المسجدُ يُصانُ عن القَذاةِ التي تقَعُ في العينِ (٤).
стр. 71
وليسَ حَلْقُ الرأسِ في غيرِ نسُكٍ بسنةٍ ولا قربةٍ باتفاقِ المسلمينَ.
وتنازعوا في كراهتِه، وكان عمرُ ﵁ يُعزِّرُ بحَلْقِ الرأسِ (١)، فإنه كان عندَ السلَفِ مُثْلَةً.
وما علِمْتُ أحدًا كرِه السِّواكَ في المسجدِ.
وقصُّ الشاربِ (٢) ليس بعيبٍ ، بل فعله ﷺ ، ومدَح فاعلَه (٣)، ومن عاب شيئًا فعلَه رسولُ اللهِ أو مدح عليه، أو أقرَّ عليه؛ عُرِّفَ ذلك، فإن أصرَّ كَفر.
فَصْلٌ
الوضوءُ عبادةٌ ؛ لأنَّه لا يُعلَمُ إلا من الشارعِ، وكلُّ فعلٍ لا يُعلَمُ إلا من الشارعِ فهو عبادةٌ؛ كالصلاةِ والصومِ، ولأنَّه مُستلزِمٌ للثوابِ، كما وعد عليه النبيُّ ﷺ المتوَضِّئَ بتكفيرِ خطاياه (٤)، فلا بدَّ فيه منَ النيةِ،
стр. 72
ومَن لم يوجبِ النيةَ رأى ذلك من شرائطِ الصلاةِ، فهو كالسُّتْرةِ.
وهل يصحُّ غُسْلُ الكافرِ منَ الجَنابةِ ؟ على قولينِ، بخلافِ وضوئِه (١).
وكره مالكٌ وأحمدُ لُبْسَ العمامةِ المقتعطةِ التي ليس تحتَ الحنكِ منها شيء (٢)، وكان عمرُ بنُ الخطابِ يقولُ: «لا ينظُرُ اللهُ لقومٍ لا يُديرونَ عَمائمَهم تحتَ أذقانِهم» (٣)، وكانوا يُسمُّونَها الفاسقيةَ.
لكن رخَّصَ فيها إسحاقُ وغيرُه، ورَوى أن أبناءَ المهاجرِينَ كانوا يعتمَّونَ كذلك (٤)، وقد يُجمَعُ بينَهما، فإن هذا حالُ أهلِ الجهادِ
стр. 73
والمُستعدِّينَ له، وهذا حالُ مَن ليس من أهلِ الجهادِ.
وإمساكُها بالسيورِ يشبِهُ المحنَّكَ.
فَصْلٌ (١)
النظرُ إلى الأمردِ لشهوةٍ حرامٌ بإجماعِ المسلمينَ، وكذلك إلى ذواتِ المحارمِ، ومُصافَحتُهم، والتلذُّذُ بهم، ومَن قال: إنه عبادةٌ؛ فهو كافرٌ، وهو بمنزلةِ مَن جعلَ إعانةَ طالبِ الفواحشِ عبادةً، بل النظرُ إلى الأشجارِ والخيلِ والبهائمِ إذا كان على وجهِ استحسانِ الدنيا والرياسةِ والمالِ فهو مذمومٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا﴾، فإذا كان هذا في نَظَرِ الدُّنْيا والزِّينةِ، فكيفَ بنظرِ الأمردِ بشهوةٍ.
стр. 74
وأمَّا إذا كان على وجهٍ لا يَنقُصُ الدينَ، وإنما فيه راحةُ النفسِ فقطْ؛ كالنظرِ إلى الأزهارِ؛ فهذا من الباطلِ الذي يُستعانُ به على الحقِّ.
وقد يُنظَرُ إلى الإنسانِ لما فيه منَ الإيمانِ والتقوى، وهنا الاعتبارُ بقلبِه وعملِه، لا بصورتِه.
وقد يُنظَرُ إليه لما فيه من الصورةِ الدالةِ على المُصوِّرِ؛ فهذا حسَنٌ.
وقد يُنظَرُ من جهةِ استحسانِ خَلْقِه.
فكلُّ قِسْمٍ من هذه الأقسامِ متى كان معه شهوةٌ؛ كان حرامًا بلا رَيْبٍ؛ سواءٌ كانت شهوةَ تَمتُّعٍ بنظر الشهوة، أو كان نظرًا بشهوةِ الوَطْءِ.
وفرْقٌ بينَ ما يجِدُه الإنسانُ عندَ نظَرِه إلى الأزهارِ، وعندَ نظرِه إلى النِّسوانِ والمُردانِ، فلهذا الفرقانِ افترقَ الحكمُ الشرعيُّ.
فصار النظرُ إلى المُرْدانِ ثلاثةَ أقسامٍ:
أحدُها: ما تُقرنُ به الشهوةُ؛ فهو حرامٌ بالاتفاقِ.
والثاني: ما يُجزَمُ أنه لا شهوةَ معه، كنظَرِ الرجلِ الوَرِعِ إلى ولدِه الحسَنِ وابنَتِه الحسناءِ، فهذا لا تُقرنُ معه شهوةٌ إلا أن يكونَ الرجلُ من أفجَرِ الخلقِ، ومتى اقترنَتْ به الشهوةُ؛ حرُمَ.
وعلى هذا؛ مَن لا يميلُ قلبُه إلى المُرْدانِ - كما كان الصحابةُ، وكالأممِ الذين لا يعرفونَ هذه الفاحشةَ - فإن الواحدَ من هؤلاءِ لا يُفرِّقُ بينَ نظَرِه إلى هذا الوجهِ وبينَ نظَرِه إلى ابنِه وابنِ جارِه وصبيٍّ أجنبيٍّ، لا يخطُرُ بقلبِه شيءٌ من الشهوةِ؛ لأنه لم يعتدْ ذلك، وهو سليمُ القلبِ،
стр. 75
وقد كانت الإماءُ على عهدِ الصحابةِ يَمْشِينَ في الطرقاتِ مكشوفاتٍ (١) وتَخدِمُ الرجالَ معَ سلامةِ القلوبِ، فلو أرادَ الرجلُ أن يتركَ الإماءَ التركياتِ الحسانَ يَمْشِينَ بينَ الناسِ في مثل هذه البلادِ والأوقاتِ؛ كان من بابِ الفسادِ.
وكذلك المُرْدانُ الحسانُ، لا يصِلح أن يخرجوا في الأمكنةِ والأزمنةِ التي يُخافُ فيها الفتنةُ بهم إلا بقَدْرِ الحاجةِ، فلا يُمكَّنُ الأمردُ الحسنُ من التبرُّجِ، ولا من الجلوسِ في الحَّمامِ بينَ الأجانبِ، ولا من رقصِه بينَ الرجالِ، ونحوِ ذلك.
وإنما وقَع النزاعُ بينَ الناسِ في القسمِ الثالثِ: وهو النظَرُ إليه لغيرِ شهوةٍ، لكن معَ خوفِ ثَوَرانِها، ففيه وجهانِ في مذهبِ أحمدَ، أصَحُّهما، وهو المَحْكيُّ عن نصِّ الشافعيِّ وغيرِه: أنه لا يجوزُ.
والثاني: يجوزُ؛ لأن الأصلَ عدَمُ ثَوَرانِها.
والأولُ هو الراجحُ.
ومَن أدْمَنَ النظرَ إلى الأمردِ، وقال: لا أنظُرُ لشهوةٍ، فقد كذَبَ، فإنه إذا لم يكُنْ له داعٍ يحتاجُ معه إلى النظرِ؛ لم يكُنِ النظرُ إلا لما يحصُلُ في القلبِ من اللذةِ، وأما نظَرُ الفجأةِ فهو عَفْوٌ إذا صرَفَ بصرَه.
ويُقالُ: غضُّ البصرِ عن الصورةِ التي يحرُمُ النظرُ إليها له ثلاثُ فوائدَ: