← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وليسَ حَلْقُ الرأسِ في غيرِ نسُكٍ بسنةٍ ولا قربةٍ باتفاقِ المسلمينَ. وتنازعوا في كراهتِه، وكان عمرُ ﵁ يُعزِّرُ بحَلْقِ الرأسِ (١)، فإنه كان عندَ السلَفِ مُثْلَةً. وما علِمْتُ أحدًا كرِه السِّواكَ في المسجدِ. وقصُّ الشاربِ (٢) ليس بعيبٍ ، بل فعله ﷺ ، ومدَح فاعلَه (٣)، ومن عاب شيئًا فعلَه رسولُ اللهِ أو مدح عليه، أو أقرَّ عليه؛ عُرِّفَ ذلك، فإن أصرَّ كَفر. فَصْلٌ الوضوءُ عبادةٌ ؛ لأنَّه لا يُعلَمُ إلا من الشارعِ، وكلُّ فعلٍ لا يُعلَمُ إلا من الشارعِ فهو عبادةٌ؛ كالصلاةِ والصومِ، ولأنَّه مُستلزِمٌ للثوابِ، كما وعد عليه النبيُّ ﷺ المتوَضِّئَ بتكفيرِ خطاياه (٤)، فلا بدَّ فيه منَ النيةِ،

стр. 72

ومَن لم يوجبِ النيةَ رأى ذلك من شرائطِ الصلاةِ، فهو كالسُّتْرةِ. وهل يصحُّ غُسْلُ الكافرِ منَ الجَنابةِ ؟ على قولينِ، بخلافِ وضوئِه (١). وكره مالكٌ وأحمدُ لُبْسَ العمامةِ المقتعطةِ التي ليس تحتَ الحنكِ منها شيء (٢)، وكان عمرُ بنُ الخطابِ يقولُ: «لا ينظُرُ اللهُ لقومٍ لا يُديرونَ عَمائمَهم تحتَ أذقانِهم» (٣)، وكانوا يُسمُّونَها الفاسقيةَ. لكن رخَّصَ فيها إسحاقُ وغيرُه، ورَوى أن أبناءَ المهاجرِينَ كانوا يعتمَّونَ كذلك (٤)، وقد يُجمَعُ بينَهما، فإن هذا حالُ أهلِ الجهادِ

стр. 73

والمُستعدِّينَ له، وهذا حالُ مَن ليس من أهلِ الجهادِ. وإمساكُها بالسيورِ يشبِهُ المحنَّكَ. فَصْلٌ (١) النظرُ إلى الأمردِ لشهوةٍ حرامٌ بإجماعِ المسلمينَ، وكذلك إلى ذواتِ المحارمِ، ومُصافَحتُهم، والتلذُّذُ بهم، ومَن قال: إنه عبادةٌ؛ فهو كافرٌ، وهو بمنزلةِ مَن جعلَ إعانةَ طالبِ الفواحشِ عبادةً، بل النظرُ إلى الأشجارِ والخيلِ والبهائمِ إذا كان على وجهِ استحسانِ الدنيا والرياسةِ والمالِ فهو مذمومٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا﴾، فإذا كان هذا في نَظَرِ الدُّنْيا والزِّينةِ، فكيفَ بنظرِ الأمردِ بشهوةٍ.

стр. 74

وأمَّا إذا كان على وجهٍ لا يَنقُصُ الدينَ، وإنما فيه راحةُ النفسِ فقطْ؛ كالنظرِ إلى الأزهارِ؛ فهذا من الباطلِ الذي يُستعانُ به على الحقِّ. وقد يُنظَرُ إلى الإنسانِ لما فيه منَ الإيمانِ والتقوى، وهنا الاعتبارُ بقلبِه وعملِه، لا بصورتِه. وقد يُنظَرُ إليه لما فيه من الصورةِ الدالةِ على المُصوِّرِ؛ فهذا حسَنٌ. وقد يُنظَرُ من جهةِ استحسانِ خَلْقِه. فكلُّ قِسْمٍ من هذه الأقسامِ متى كان معه شهوةٌ؛ كان حرامًا بلا رَيْبٍ؛ سواءٌ كانت شهوةَ تَمتُّعٍ بنظر الشهوة، أو كان نظرًا بشهوةِ الوَطْءِ. وفرْقٌ بينَ ما يجِدُه الإنسانُ عندَ نظَرِه إلى الأزهارِ، وعندَ نظرِه إلى النِّسوانِ والمُردانِ، فلهذا الفرقانِ افترقَ الحكمُ الشرعيُّ. فصار النظرُ إلى المُرْدانِ ثلاثةَ أقسامٍ: أحدُها: ما تُقرنُ به الشهوةُ؛ فهو حرامٌ بالاتفاقِ. والثاني: ما يُجزَمُ أنه لا شهوةَ معه، كنظَرِ الرجلِ الوَرِعِ إلى ولدِه الحسَنِ وابنَتِه الحسناءِ، فهذا لا تُقرنُ معه شهوةٌ إلا أن يكونَ الرجلُ من أفجَرِ الخلقِ، ومتى اقترنَتْ به الشهوةُ؛ حرُمَ. وعلى هذا؛ مَن لا يميلُ قلبُه إلى المُرْدانِ - كما كان الصحابةُ، وكالأممِ الذين لا يعرفونَ هذه الفاحشةَ - فإن الواحدَ من هؤلاءِ لا يُفرِّقُ بينَ نظَرِه إلى هذا الوجهِ وبينَ نظَرِه إلى ابنِه وابنِ جارِه وصبيٍّ أجنبيٍّ، لا يخطُرُ بقلبِه شيءٌ من الشهوةِ؛ لأنه لم يعتدْ ذلك، وهو سليمُ القلبِ،

стр. 75

وقد كانت الإماءُ على عهدِ الصحابةِ يَمْشِينَ في الطرقاتِ مكشوفاتٍ (١) وتَخدِمُ الرجالَ معَ سلامةِ القلوبِ، فلو أرادَ الرجلُ أن يتركَ الإماءَ التركياتِ الحسانَ يَمْشِينَ بينَ الناسِ في مثل هذه البلادِ والأوقاتِ؛ كان من بابِ الفسادِ. وكذلك المُرْدانُ الحسانُ، لا يصِلح أن يخرجوا في الأمكنةِ والأزمنةِ التي يُخافُ فيها الفتنةُ بهم إلا بقَدْرِ الحاجةِ، فلا يُمكَّنُ الأمردُ الحسنُ من التبرُّجِ، ولا من الجلوسِ في الحَّمامِ بينَ الأجانبِ، ولا من رقصِه بينَ الرجالِ، ونحوِ ذلك. وإنما وقَع النزاعُ بينَ الناسِ في القسمِ الثالثِ: وهو النظَرُ إليه لغيرِ شهوةٍ، لكن معَ خوفِ ثَوَرانِها، ففيه وجهانِ في مذهبِ أحمدَ، أصَحُّهما، وهو المَحْكيُّ عن نصِّ الشافعيِّ وغيرِه: أنه لا يجوزُ. والثاني: يجوزُ؛ لأن الأصلَ عدَمُ ثَوَرانِها. والأولُ هو الراجحُ. ومَن أدْمَنَ النظرَ إلى الأمردِ، وقال: لا أنظُرُ لشهوةٍ، فقد كذَبَ، فإنه إذا لم يكُنْ له داعٍ يحتاجُ معه إلى النظرِ؛ لم يكُنِ النظرُ إلا لما يحصُلُ في القلبِ من اللذةِ، وأما نظَرُ الفجأةِ فهو عَفْوٌ إذا صرَفَ بصرَه. ويُقالُ: غضُّ البصرِ عن الصورةِ التي يحرُمُ النظرُ إليها له ثلاثُ فوائدَ:

стр. 76

أحدها: حلاوةُ الإيمانِ ولذَّتُه التي هي أحلى وأطيبُ مما ترَكَه للهِ، والنفْسُ تحبُّ النظرَ إلى هذه الصُّوَرِ، لا سيَّما نفوسِ أهلِ الرياضةِ والصفاء، فإنه يبقى فيها رقةٌ، حتى إن الصُّورَ تجذبُ أحدَهم وتصرَعُه، ورُوِي عن فتحٍ (١) أنه قال: (صحِبتُ ثلاثينَ منَ الأبدالِ، كلُّهم يُوصيني عندَ فراقِه: بتَرْك صحبةَ الأحداثِ). الثانيةُ: أنه يورثُه نورَ القلبِ والفِراسةَ، قال تعالى عن قومِ لوطٍ: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾. فالتعلقُ بالصُّوَرِ يورثُ فسادَ العقلِ، وعمى البصرِ، وسُكْرَ القلبِ؛ بل جُنونَه، كما قيلَ (٢): قَالُوا جُنِنْتَ بِمَنْ تَهْوَى فَقُلْتُ لَهُمْ … العِشْقُ أَعْظَمُ مِمَّا بِالمَجَانِينِ العِشْقُ لَا يَسْتَفِيقُ الدَّهْرَ صَاحِبُهُ … وَإِنَّمَا يُصْرَعُ المَجْنُونُ فِي الحِينِ فمن غضَّ بصرَه عما حرَّمَه اللهُ؛ عوَّضَه اللهُ من جنسِه بما هو خيرٌ منه، فيُطلِقُ نورَ بصيرتِه، ويفتحُ عليه بابَ العلمِ والمعرفةِ والكشوفِ. الثالثةُ: قوةُ القلبِ وثباتُه وشجاعتُه، فيجعلُ اللهُ له سلطانَ النصرةِ معَ سلطانِ الحجةِ، وفي الأثرِ: «الذي يخالفُ هَواه؛ يَفرَقُ الشيطانُ من

стр. 77

ظلِّه» (١)، ويوجدُ في المُتَّبِعِ لهواه: الذلُّ، ذلُّ النفسِ ومَهانتُها، فإن اللهَ جعلَ العزةَ لمن أطاعَه، والذلةَ لمن عصاه، ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾، والناسُ يطلبونَ العِزَّ في بابِ الملوكِ، ولا يجِدونَه إلا في طاعةِ اللهِ، أبى اللهُ إلا أن يذلَّ مَن عصاه. فَصْلٌ ويُنقَضُ الوضوءُ بالمَذْي ، ويجبُ غسلُ ذكَرِه وأُنْثَيَيْه. ويجبُ على الرجلِ وَطْءُ زوجتِه بالمعروفِ ، وهو أوكدُ حقِّها عليه، أعظمُ من إطعامِها. والوَطْءُ الواجبُ: قيلَ: كلَّ أربعةِ أشهُرٍ مرةً. وقيلَ: بقدرِ حاجتِها وقدرتِه، كإطعامِها؛ وهو أصَحُّ (٢). ولم يجِئِ الوضوءُ في كلامِ النبيِّ ﷺ إلا والمرادُ به: الوضوءُ الشرعيُّ، ولم يردْ لفظُ الوضوءِ بمعنى غسلِ اليدِ والفمِ إلا في لغةِ

стр. 78

اليهودِ، كما رُوِي أنَّ سلمانَ قال للنبيِّ ﷺ : إنا نجدُ في التوراةِ أن مِن بركةِ الطعامِ الوضوءَ قبلَه، فقال ﷺ : «من برَكةِ الطَّعامِ: الوضوءُ قبلَه والوضوءُ بعدَه» (١). ومسُّ اليهوديِّ والنصرانيِّ لا ينقُضُ الوضوءَ باتفاقِ المسلمينَ. وأكلُ النساءِ الأجانبِ والرجالِ لا يُفعَلُ إلا لحاجةٍ، من ضيقِ المكانِ، وقلةِ الطعامِ، ومعَ ذلك فلا تكشِفُ وجْهَها للأجانبِ، ولا يُلقِمُها الأجنبيُّ، ولا تُلقِمُه، ولمَّا سُئِلَ عن الحَمْوِ؟ فقال: «الحَمْوُ الموتُ» (٢)، والحَمْوُ أخو الزوجِ ونحوُه، دونَ ابنه؛ فإنه مَحْرمٌ. وفي الحديثِ: «لا يدخلُ الجنةَ دَيُّوثٌ» (٣)؛ وهو الذي لا غِيرةَ له، بل إذا رأى في أهلِه شيئًا؛ لم يُنكِرْه. ولا يجوزُ للمرأةِ أن تظهرَ على أجنبيٍّ ولا رقيقٍ غيرِ مِلْكِها، ولو كان خصِيًّا، وهو الخادمُ، فليس له النظرُ إليها؛ لأنه يفعلُ مقدماتِ الجِماعِ، ويُذكَرُ بالرجالِ، وله شهوةٌ وإن كان لا يُحبِلُ.

стр. 79

وأما مَمْلوكُها ففيه قولانِ: أحدُهما: أنها معه كالأجنبيِّ؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ، والمشهورُ عن أحمدَ. والثاني: أنه مَحْرمٌ؛ وهو قولُ الشافعيِّ، وقولٌ لأحمدَ. فَصْلٌ (١) ومَن أصابه سهمٌ مسمومٌ من سهامِ إبليسَ (٢)؛ فعليه بالتِّرْياقِ (٣) والمَرْهَمِ، وذلك بأمورٍ: منها: التزويجُ والتَّسَرِّي، فإنه ينقُصُ الشهوةَ، ويضعِفُ العشقَ. الثاني: أن يداومَ على الصلواتِ الخمسِ، والدعاءِ، والتضرعِ وقتَ السَّحَرِ، وتكونَ صلاتُه بحضورِ قلبٍ وخشوعٍ، وليُكثِرْ من قولِه: «يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّتْ قلبي على دِينكَ، يا مُصرِّفَ القلوبِ اصرفْ قلبي إلى طاعتِكَ وطاعةِ رسولِكَ»، فمتى أَدْمنَ الدعاءَ والتضرُّعَ للهِ؛ صرَفَ قلبَه عن ذلك.

стр. 80

الثالثُ: أن يبعدَ عن سكَنِ هذا الشخصِ والاجتماعِ بمن يجتمعُ به؛ بحيثُ لا يسمعُ له خبرًا.

стр. 81

بَابُ الاسْتِطَابَةِ إذا كان في المسجدِ بِرْكةٌ يُغلَقُ عليها بابُه، ويُمشَى حولَها دونَ أن يُصلَّى حولَها، فهل يبالُ فيها؟ هذا يشبِهُ البولَ في المسجدِ في القارورةِ، ومن الفقهاءِ مَن نهى عنه؛ لأن هواءَ المسجدِ كقَرارِه في الحُرْمةِ، ومنهم من يُرخِّصُ للحاجةِ، والأشبَهُ: أن هذا إذا فُعِل للحاجةِ فقريبٌ، وأمَّا إذا اتُّخِذَ مَبالًا ومُستنجًى فلا. والاستنتار (١)، والتنحنحُ، والمشيُ فليس بواجبٍ، إنما يجبُ الإنقاءُ. ولا يجبُ غسلُ داخلِ فرجِ المرأةِ في أصحِّ القولينِ. وإذا دسَّتِ المرأةُ معها دواءً يمنعُ نفوذَ المنيِّ في مجاري الحَبَلِ؛ فصومُها وصلاتُها صحيحةٌ، وإن كان ذلك الدواءُ في جوفِها. وأما جوازُ ذلك: ففيه نزاعٌ بينَ العلماءِ، والأحوطُ ألا تفعلَ.

стр. 82

بَابُ الغُسْلِ يجوزُ الاغتسالُ عُريانًا بكشفِ عَوْرتِه إن كان في خَلْوةٍ. وأما داخلَ الحمامِ؛ فعليه سترُ عَوْرتِه، ولا يُخلِّي أحدًا يراها ولا يمَسُّها؛ قَيِّمًا كان أو غيرَه، ولا يشهدُ منكرًا، بل يأمرُ بالمعروفِ بحسَبِه، وليس له أن يُسرِفَ في صبِّ الماءِ، بل الحمامُ أشدُّ؛ لحقِّ صاحبِه، ويلزمُ السنةَ؛ فلا يجفو إجفاء النصارى، ولا يغلو غُلُوَّ اليهودِ. ومنِ اغتَسلَ ولم يتوضأْ ؛ أجزأَه عنهما في المشهورِ من مذاهبِ الأربعةِ؛ لكن عند أحمدَ وأبي حنيفةَ: يجبُ أن يتمضمضَ ويستنشقَ. وهل عليه أن ينويَ رفْعَ الحدثينِ؟ فيه نزاعٌ بينَ العلماءِ (١). وهل للمرأةِ دخولُ الحمامِ إذا شقَّ عليها تَرْكُه؛ بأن اعتادَتْه؟ على وجهينِ في مذهبِ أحمدَ وغيرِه (٢).

стр. 83

والاستمناءُ مُحرَّمٌ عندَ عامةِ العلماءِ، وهو أظهرُ الروايتينِ عن أحمدَ، والأخرى أنه مكروهٌ؛ لكن إنِ اضطُرَّ إليه - مثلُ: أن يخافَ الزنى أو المرضَ إن لم يفعلْه -؛ ففيه قولانِ مشهورانِ، وقد رخَّصَ فيه في هذه الحالِ طوائفُ من السلَفِ والخلَفِ (١). ويجوزُ المسحُ على الخفِّ إذا كان فيه خَرْقٌ يسيرٌ عندَ أبي حنيفةَ ومالكٍ، وقيلَ: لا يجوزُ، وهو المعروفُ من مذهبِ الشافعيِّ وأحمدَ، والأولُ أرجحُ (٢).

стр. 84

بَابُ التَّيَمُّمِ وإذا لم تقدرْ على الاغتسالِ بالماءِ ؛ فعليها أن تُصلِّيَ في الوقتِ بالتيمُّمِ عندَ جماهيرِ العلماءِ؛ لكنَّ مذهبَ أحمد والشافعيِّ: أنها تغسلُ ما يمكنُ، وتتيَمَّمُ للباقي. ومذهبُ مالكٍ وأبي حنيفةَ: إن غسَلتِ الأكثرَ لم تتَيمَّمْ، وإن لم يمكنْ إلا غسلُ الأقلِّ تيَمَّمتْ، ولا غُسْلَ عليها (١). ومَن عَدِمَ الماءَ والترابَ ؛ صلَّى على الأصحِّ، ولا إعادةَ في الأصحِّ. ومن أجنبَ ونام ، فلم يَنْتبِهْ إلا عندَ طلوعِ الشمسِ، وإن استحمَّ خاف الضررَ، وإن راح الحمامَ خرج الوقتُ؛ فمذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ وأبي حنيفةَ: أنه يغتسلُ ويصلِّي؛ ولو خرج الوقتُ. ومذهبُ مالكٍ: يتيَمَّمُ، ويصلي في الوقتِ (٢).

стр. 85

وأما مَن كان مستيقظًا من أولِ الوقتِ؛ فإن عليه أن يصليَ في الوقتِ باغتسالٍ، أو تيَمُّمٍ، ولا يُفوِّتُ الوقتَ، بخلافِ الأولِ، فإن الوقتَ في حَقِّه من حينَ انْتَبَهَ (١). والتيمُّمُ؛ هل يرفعُ الحدثَ رفعًا مؤقتًا ، أو يبيحُ فعلَ الصلاةِ معَ قيامِ المانعِ؟ فيه نزاعٌ (٢). ومَن كان حاقنًا عادمًا للماءِ: فالأفضلُ أن يصليَ بالتيمُّمِ غيرَ حاقنٍ من أن يحفظَ وضوءَه ويصليَ حاقنًا. ومَن خاف أن يغتسلَ فيُرمَى بشيء هو بريءٌ منه، ويتضررَ به: جاز له التيمُّمُ والصلاةُ والقراءةُ ومسُّ المصحفِ (٣).

стр. 86

ويَؤُمُّ المغتسلَ عندَ جمهورِ العلماءِ؛ إلا محمدَ بنَ الحسنِ (١). وقد رُوِي عن عمرَ وابنِ مسعودٍ: مَنْعُ الجُنُبِ من التيمُّمِ (٢)، وخالَفَهما جمهورُ الصحابةِ والتابعينَ. وهل المبيحُ للتيمُّمِ خوفُ الضَّرَرِ أو التلَفِ ؟ فيه نزاعٌ للشافعيةِ. ومَن أمكَنَه أن يغتسلَ ويصليَ خارجَ الحمامِ ؛ فعل ذلك، فإن لم يُمكِنْه - مثلُ: أن يستيقظَ أولَ الفجرِ وإن اشتغلَ بطلبِ الماءِ خرَجَ الوقتُ - فإنه يصلِّي بالتيمُّمِ عندَ الجمهورِ؛ إلا بعضَ المتأخِّرِينَ من أصحابِ الشافعيِّ وأحمدَ، قالوا: يشتغلُ بتحصيلِ الطهارةِ وإن فات الوقتُ، هكذا قالوا في اشتغالِه بخياطةِ الثوبِ، وتعلُّمِ دلائلِ القبلةِ، ونحوِه. وهذا القولُ خطأٌ؛ فإن قياسَه: أن المسافرَ يُؤخِّرُ حتى يصليَ بعدَ الوقتِ بالوضوءِ، والعُريانَ يُؤخِّرُ حتى يصليَ بعدَ الوقتِ باللباسِ، وهو خلافُ إجماعِ المسلمينَ، بل على العبدِ أن يصليَ في الوقتِ بحسَبِ الإمكانِ، وهذا بخلافِ ما إذا استيقظَ آخِرَ الوقتِ.

стр. 87

وإنِ اشتغلَ باستقاءِ الماءِ منَ البئرِ خَرَج الوقتُ، أو ذهَب إلى الحمامِ؛ فهنا يغتسلُ وإن خرَج الوقتُ عندَ الجمهورِ إلا مالكًا، فإنه قال: يتيَمَّمُ ويصلِّي في الوقتِ؛ كما تقدَّمَ ذلك عنه. وأما مَن أمكنه الذهابُ إلى الحمامِ لكن إن دخَل لا يُمكِنُه الخروجُ حتى يفوتَ الوقتُ، إمَّا لكونِه مقهورًا، مثلُ: العبدِ الذي لا يُمَكِّنُه سيدُه من الخروجِ، ومثلُ: المرأةِ معَها أولادُها لا يُمكِنُها الخروجُ حتى تغسِلَهم، ونحوِ ذلك؛ فهذا لا بدَّ لهم من أحدِ أمورٍ: إمَّا أن يغتسلوا ويصلُّوا في الحمامِ في الوقتِ، وإمَّا أن يصلُّوا خارجَ الحمامِ بعدَ الوقتِ، وإمَّا أن يصلُّوا بالتيمُّمِ خارجَ الحمامِ، وبكلٍّ من هذه الأقوالِ يُفتي طائفةٌ. لكنَّ الأظهرَ: أنهم يصلُّونَ بالتيمُّمِ خارجَ الحمامِ؛ لأن الصلاةَ في الحمامِ يُنهى عنها، وتفويتُ الصلاةِ أعظمُ، ولا يُمكِنُه الخروجُ عن هذينِ النَّهْيَينِ إلا بالتيمُّمِ في الوقتِ خارجَ الحمامِ، ثم يصلي بذلك قبل دخولِه الحمامِ. وصار هذا كما لو لم يُمكِنْه الصلاةُ إلا في موضعٍ نجِسٍ في الوقتِ، أو في موضعٍ طاهرٍ بعدَ الوقتِ إذا غسَلَ الموضعَ، أو يصلي بالتيمُّمِ في مكانٍ طاهرٍ في الوقتِ؛ فهذا أَوْلى؛ لأن كلًّا من ذلك مَنْهيٌّ عنه. ونزاعُ الفقهاءِ فيمن صلَّى في موضعٍ نجِسٍ لا يُمكِنُه الخروجُ منه على قولينِ معروفينِ، والأظهرُ: أنه لا يعيدُ، بل الصحيحُ أن كلَّ مَن صلَّى في الوقتِ بحسَبِ إمكانِه لا يعيدُ؛ كالعاجزِ عن الطهارةِ، أو

стр. 88

الستارةِ، أو الاستقبالِ، أو اجتنابِ النجاسةِ أو عن إكمالِ الركوعِ أو السجودِ، أو عن قراءةِ الفاتحةِ، ونحوِهم (١). لا يجوزُ لمن اشترى جاريةً وَطْؤُها قبلَ استبرائِها باتفاقِ العلماءِ؛ بل لا يجوزُ في أحدِ قولَيِ العلماءِ أن يبيعَها الواطئُ حتى يستبرئَها، وهل عليه استبراءٌ وعلى المشتري استبراءٌ، أو استبراءان، أو يكفيهما استبراءٌ واحدٌ؟ على قولينِ (٢).

стр. 89

بَابُ الحَيْضِ وَطْءُ المرأةِ في دُبُرِها حرامٌ في قولِ جماهيرِ العلماءِ، ومتى وطِئَها في الدُّبُرِ وطاوعَتْه؛ عُزِّرا، فإن لم يَنْتهيا فُرِّقَ بينَهما كما يُفرَّقُ بينَ الفاجرِ ومَن يفجُرُ به (١). ومَن شربتْ دواءً فانقطعَ دمُها ، ثم طلَّقَها زوجُها؛ فإن كانت تعلمُ أن الدمَ لا يأتي فيما بعدُ بحالٍ؛ فعِدَّتُها ثلاثةُ أشهرٍ، وإن كان يمكنُ أن يعودَ؛ فإنها تتربصُ سنةً، ثم تتزوجُ، كما قضى عمرُ في المرأةِ يرتفعُ حَيْضُها، لا تدري ما رفعَه (٢)، وهذا مذهبُ الجمهورِ: مالكٍ وأحمدَ والشافعيِّ في قولٍ. ومَن قال: تنتظرُ حتى تدخلَ في سنِّ الإياسِ فهو ضعيفٌ جدًّا؛ لما فيه من الضَّرَرِ الذي لا تأتي الشريعةُ بمثلِه (٣). وإذا انقطعَ الدمُ ؛ فلا تُوطأُ حتى تغتسلَ.

стр. 90

وقال بعضُ الظاهريةِ: يجوزُ إذا غسَلتْ فرجَها؛ لقولِه: ﴿فإذا تطهرن﴾ أي: غسَلْنَ فُروجَهن. وليس بشيءٍ، فإن التطهُّرَ هو الاغتسالُ. وأبو حنيفةَ يقولُ: إذا اغتسَلتْ، أو مضى عليها وقتُ صلاةٍ، أو انقطعَ الدمُ لأكثره، وأكثرُه عندَه عشَرةُ أيامٍ (١)، وقولُ الجمهورِ أصحُّ (٢).

стр. 91

كِتَابُ الصَّلَاةِ لم يقلْ أحدٌ: إن تأخيرَ جميعِ الصلواتِ أفضلُ، لكن منهم من يقولُ: تأخيرُ بعضِها أفضلُ، كما يقوله أبو حنيفةَ في الفجرِ والعصرِ. والمواقيتُ التي علَّمَها جِبْريلُ للنبيِّ ﷺ (١)، وعلَّمَها النبيُّ ﷺ لأمتِه حينَ بيَّنَ مواقيتَ الصلاةِ، وهي التي ذكَرها العلماءُ في كتُبِهم؛ هي الأيامُ المعتادةُ، فأمَّا ذلك اليومُ الذي قاله ﷺ : «يومٌ كسنةٍ»، وقال: «اقْدُروا له قَدْرَه» (٢)، فله حكمٌ آخَرُ. يبيِّنُ ذلك: أن صلاةَ الظهرِ في الأيامِ المعتادةِ لا تكونُ إلا بعدَ الزوالِ وانتصافِ النهارِ، وفي ذلك اليومِ يكونُ من أوائلِ اليومِ بقدرِ ذلك، وكذلك العصرِ هي في الأيامِ المعتادةِ إذا زاد ظِلُّ كلِّ شيءٍ على مِثْلِه عندَ الجمهورِ؛ كمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ وأبي يوسفَ ومحمدٍ وغيرِهم. وأبو حنيفةَ يقول: إذا صار ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثْلَيْه، وهذا آخِرُ وقتِها عندَ

стр. 92

مالكٍ، وأحمدَ في إحدى الروايتينِ، والشافعيِّ. والمقصودُ: أن في ذلك اليومِ لا يكونُ وقتُ العصرِ إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ لا مثلَه ولا مثلَيْه؛ بل يكونُ أولَ اليومِ قبلَ هذا الوقتِ بشيءٍ كثيرٍ، فكما أن وقتَ الظهرِ والعصرِ ذلك اليومَ هما قبلَ الزوالِ؛ كذلك صلاةُ المغربِ والعشاءِ قبلَ الغروبِ، وكذلك صلاةُ الفجرِ فيه تكونُ بقدرِ الأوقاتِ في الأيامِ المعتادةِ، ولا يُنظَرُ فيها إلى حركةِ الشمسِ ذلك اليوم، لا بزوالٍ ولا غروبٍ، ولا مَغيبِ شَفَقٍ، ونحوِ ذلك، وهذا كما قد قيلَ في قولِه: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾، قال بعضُهم: يُؤتَوْنَ على مقدارِ البُكرةِ والعَشِيِّ في الدنيا. وقيلَ: يُعرَفُ ذلك بأنوارٍ تظهرُ من ناحيةِ العرشِ، كما يُعرَفُ ذلك في الدنيا بنورِ الشمسِ. وقولُ الصحابةِ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ اليومَ كالسنةِ يَكْفينا فيه صلاةُ يومٍ؟ فقال: «لا، ولكن اقْدُروا له قدْرَه»؛ أرادوا اليومَ والليلةَ، فقد يُعنى به الليلُ؛ كما يُعنى بلفظِ الليلةِ الليلةُ بيومِها؛ كقولِه: ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام﴾، وفي الموضعِ الآخَرِ: ﴿ثلاث ليال﴾، و «يوم عَرفةَ»، و «إذا فاتَه الوقوفُ يومَ عَرفةَ»؛ يُرادُ اليومُ والليلةُ التي تليه. وأيضًا؛ إذا علِموا أنهم يُقدِّرونَ لثلاثِ صَلَواتٍ قبلَ وقتِها المعتادِ؛ عُلِمَ بطريقِ اللزومِ أنهم يُقدِّرونَ للمغربِ والعشاءِ، ووقوعُ ذلك في النهارِ كوقوعِ صلاتَيِ العشيِّ قبلَ الزوالِ من ذلك.

стр. 93

وأيضًا؛ قولُه: «اعتَكفَ العشْرَ» (١)؛ دَخَل فيه الليلَ، ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة﴾؛ دخَل فيها النهارُ. واللهُ أعلمُ. فَصْلٌ هؤلاءِ الذين يُؤذِّنونَ معَ المؤذِّنِ الراتبِ يومَ الجمعةِ في مثلِ صَحْنِ الجامعِ؛ ليس أذانُهم مشروعًا باتفاقِ الأئمةِ، بل هو بدعةٌ منكرةٌ مشتملةٌ على وجوهٍ مذمومةٍ: منها: أنه بدعةٌ. ومنها: أنهم يتركونَ ما أُمِروا به، فقد صحَّ عنه: أن يقولُ مثلَ قولِ المؤذِّنِ، إلا في الحيعلةِ، فيقولُ: «لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ» (٢). والثاني: أن يصلِّيَ على النبيِّ ﷺ (٣). الثالثُ: أن يسألُ له الوسيلةَ (٤). الرابعُ: أن يدعوَ بعدَ ذلك بما شاءَ (٥).

стр. 94

فيتركونَ سَماعَه وما أُمِروا به، ويفعلونَ ما لم يُؤمَروا به. ومنها: أنهم يَشغلونَ الناسَ عن هذه السُّنَنِ، ويخلطونَ عليهم، فإن أصواتَهم تختلطُ وتشتبهُ به. وأيضًا: لا فائدةَ في هذا الأذانِ، فإن أهلَ المسجدِ قد سمِعوا الراتبِ، وغيرُهم لا يسمعُ هؤلاء (١). ومنها: أنهم يؤذِّنُون في وقتٍ واحدٍ، ومتى أذَّنَ مؤذنانِ معًا في وقتٍ واحدٍ مفترقانِ؛ كان مكروهًا منهيًّا عنه، بخلافِ ما إذا أذَّنَ واحدٌ بعدَ واحدٍ، كما كان المؤذِّنانِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ . وكذلك القُصَّاصُون الذين يقومونَ على رؤوسِ الناسِ يومَ الجمعةِ، ويَشغلونَهم عما شُرِع منَ الصلاةِ، والقراءةِ، والدعاءِ؛ لا سيَّما إن قصُّوا وسألوا والإمامُ يخطُبُ، فإنه منَ المنكَراتِ الشنيعةِ معَ أنهم يكذبونَ كثيرًا، فيتعيَّنُ إزالةُ ذلك باتفاقِ الأئمةِ. ولم يكُنِ التبليغُ وراءَ الإمامِ على عهدِ النبي ﷺ ، ولا خلفائِه، ولكن لما مرِضَ صلَّى بالناسِ مرةً، وكان أبو بكرٍ يُسمِعُ الناسَ التكبيرَ (٢)، على أن الظاهرَ عن أحمدَ أن هذه الصلاةَ كان أبو بكرٍ مُؤتَمًّا بالنبيِّ، وكان إمامًا بالناسِ، فيكونُ تبليغُه لكونِه إمامًا للناسِ، وكذا بلَّغ مرةً أخرى لما صُرِعَ رسولُ اللهِ ﷺ فجُحِشَ شِقُّه (٣)، ولهذا اتفقَ العلماءُ

стр. 95

على أنه لا يُستحَبُّ التبليغُ، بل يُكرَهُ إلا لحاجةٍ؛ مثلِ ضعفِ صوتِ الإمامِ، أو بُعْدِ المأمومِ، ونحوِه، وقد اختلفوا فيه في هذه الحالِ، والمعروفُ عن أحمدَ: أنه جائزٌ، وأصحُّ قولَيْ مالكٍ. أما عندَ عدَمِ الحاجةِ؛ فبدعةٌ، بل صرَّحَ كثيرٌ منهم أنه مكروهٌ، بل قد ذهب طائفةٌ من أصحابِ مالكٍ وأحمدَ إلى أنه تَبطلُ صلاةُ المبلِّغِ لغيرِ حاجةٍ، ولم يستحِبَّه أحدٌ من العلماءِ حينئذٍ، ومَن أصرَّ على اعتقادِ كونِه قربةً فإنه يُعزَّرُ، وهذا أقلُّ أحوالِه (١). وكذلك التثويبُ بينَ الأذانِ والإقامةِ لم يكُنْ على عهدِه، بل كرِهَه أكثرُ الأئمةِ والسلَفِ، وعدُّوه بدعةً. وكذلك الجهرُ بالدعاءِ عَقيبَ الصَّلَواتِ ؛ مثلُ: دعاءِ الإمامِ والمأموم جميعًا عَقيبَ الصلاةِ؛ لم يكُنْ، ولكنه ثبَتَ أنهم كانوا يَجهرونَ بالذِّكْرِ (٢)، وأنه كان يجهَرُ عَقيبَ الصلاةِ بالذِّكْرِ، يقولُ: «لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، لا إلهَ إلا اللهُ، ولا نعبدُ إلا إياه» (٣)، فالذكرُ ثابتٌ، ومَن اعتقدَ قربةَ ما لم يدلَّ عليه دليلٌ شرعيٌّ؛ فهو مخطئٌ ضال.

стр. 96

فَصْلٌ الذي جاءتْ به السُّنَّةُ هو ما كان على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ وخلفائِه؛ مِن أنه كان بعضُ المؤذِّنِينَ يؤذِّنُ قبلَ الفجرِ، وبعضُهم بعدَ طلوعِ الفجرِ (١)، وأبلغُ ما قاله الفقهاءُ من أصحابِ الشافعيِّ وأحمدَ وغيرهم في تقديمِ الأذانِ: من نصفِ الليلِ، معَ أنَّ أبا حنيفةَ وغيرَه ينهَوْنَ عن الأذانِ قبلَ الفجرِ مطلقًا. فأمَّا سوى الأذانِ من تسبيحٍ، ونشيدٍ، ورفعِ الصوتِ بدعاءٍ: فليسَ بمسنونٍ عندَ الأئمةِ، ولا أعلمُ أحدًا استحَبَّه، بل ذكره طائفةٌ من أصحابِ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ من البدعِ المكروهةِ، وما كان مكروهًا؛ لم يكُنْ لأحدٍ أن يأمرَ به، ولا ينكرَ على مَن تَرْكِه، ولا يُعلِّقَ به استحقاقَ رِزقٍ، ولا يلزمُ فعْلُه؛ ولو شرَطَه واقفٌ. وإذا قيلَ: في بعضِ هذه الصُّوَرِ مصلحةٌ راجحةٌ على مَفْسدتِها؛ فيُقتصَرُ من ذلك على القدرِ الذي تحصُلُ به المصلحةُ دونَ الزيادةِ التي هي ضررٌ بلا مصلحةٍ راجحةٍ.

стр. 97

فَصْلٌ لا يجبُ على المالكيِّ ولا على غيرِه تقليدُ واحدٍ من الأئمةِ بعَيْنِه في جميعِ الدِّينِ باتفاقِ الأئمةِ الكبارِ. والصلاةُ بالنَّعْلَينِ سنةٌ، أمَرَ بذلك رسولُ اللهِ ﷺ (١)، وأمَرَ إذا كان فيهما أذًى يدلُكُهما بالأرضِ، فإنها لهما طَهورٌ (٢)، وهذا هو الصحيحُ من قولَيِ العلماءِ. وصلاتُه وأصحابِه بالنعالِ في المسجدِ معَ أنهم يسجُدونَ على ما يلاقي النعالِ: كلُّ ذلك دليلٌ على طَهارةِ أسفلِ النعلِ، معَ أنهم كانوا يَروحونَ بها إلى الحُشِّ للبَرازِ، فإذا رأى (٣) عليها أثرَ النجاسةِ فدُلِكَتْ بالأرضِ طهُرت. خَمْرةُ الخلَّال هل يجبُ إراقتُها؟ على قولينِ في مذهبِ أحمدَ وغيرِه، أصَحُّهما: الإراقةُ. ولا يجوزُ أن يُذبَحَ في المسجدِ ، ولا أن يُقبَرَ فيه، ولا أن يُستنجَى،

стр. 98

ولا يُغيَّرَ وَقْفُه لغيرِ مصلحةٍ، وفي كراهةِ الوضوءِ نزاعٌ (١). ومن ردَّ على الآمرينَ بالمعروفِ والناهينَ عن المنكَرِ؛ عوقبَ. ولا يُغسَّلُ الميتُ في المسجدِ . وإذا كان الرجلُ مُتَّبِعًا لبعضِ الأئمةِ، فرأى في بعضِ المسائلِ أن مذهبَ غيرِه أقوى فاتَّبَعَه؛ كان قد أحسَنَ، ولم يقدحْ ذلك في دينِه ولا عَدالتِه بلا نزاعٍ؛ بل هذا أَوْلى بالحقِّ وأحبُّ إلى اللهِ ورسولِه ممن يتعصَّبُ لواحدٍ معيَّنٍ غيرِ النبيِّ ﷺ ، كمن يرى أن قولَ هذا المعيَّنِ هو الصوابُ الذي ينبغي اتباعُه دونَ قولِ الإمامِ الذي خالَفَه، فمن فعَل هذا كان جاهلًا ضالًّا، بل قد يكونُ كافرًا. فإنه متى اعتَقدَ أنه يجبُ على الناسِ اتباعُ واحدٍ بعَيْنِه من هؤلاءِ الأئمةِ دونَ الإمامِ الآخَرِ: فإنه يجبُ أن يُستتابَ، فإن تاب؛ وإلا قُتِل. بل غايةُ ما يقالُ: إنه يسوغُ، أو ينبغي، أو يجبُ على العامِيِّ أن يقلدَ واحدًا بعَيْنِه (٢)، من غيرِ تعيينِ زيدٍ ولا عمرٍو. وأمَّا أن يقولَ قائلٌ: إنه يجبُ على الأمةِ تقليدُ فلانٍ أو فلانٍ؛ فهذا لا يقولُه مسلمٌ.

стр. 99

ومَن كان مواليًا للأئمةِ، مُحِبًّا لهم، يقلِّدُ كلَّ واحدٍ منهم فيما يظهرُ له أنه موافقٌ للسُّنةِ؛ فهو مُحسِنٌ في ذلك، بل هو أحسَنُ حالًا من غيرِه. فالأئمةُ اجتماعُهم حجةٌ قاطعةٌ، واختلافُهم رحمةٌ واسعةٌ، فمن تعصَّبَ لواحدٍ بعينِه؛ كان بمنزلةِ الرافضةِ الذين يتعصَّبونَ لواحدٍ من الصحابةِ دونَ غيرِه، والخوارجِ، وهذه طريقةُ أهلِ البدعِ والأهواءِ الذين هم خارجونَ عن الشريعةِ بإجماعِ الأمةِ والكتابِ والسنةِ. ثم غايةُ المتعصِّبِ لواحدٍ؛ إما مالكٍ، أو الشافعيِّ، أو أحمدَ، أو أبي حنيفةِ، أو غيرِه؛ غايتُه أن يكونَ جاهلًا بقَدْرِه في العلمِ والدينِ، وبقَدْرِ الآخَرِينَ، فيكونَ جاهلًا ظالمًا، واللهُ يأمرُ بالعلمِ والعدلِ، وينهى عن الجهلِ والظلمِ. فالواجبُ مُوالاةُ المؤمنينَ والعلماءِ، وقَصْدُ الحقِّ واتباعُه. ولْيُعْلَمْ أن مَن اجتَهدَ منهم فأصابَ؛ فله أجرانِ، وإن اجتَهدَ فأخطَأَ؛ فله أجرٌ. وبلادُ الشرقِ من أسبابِ تسليطِ اللهِ عليهم التُّرْكَ؛ كثرةُ التفرُّقِ والفتنِ بينَهم في المذاهبِ، وكلُّ ذلك مِن الاختلافِ الذي ذمَّه اللهُ، فإن الاعتصامَ بالجماعةِ والائتلافَ من أصولِ الدِّينِ، والواجبُ على الخلقِ اتباعُ المعصومِ الذي لا ينطِقُ عنِ الهوى، إن هو إلا وَحْيٌ يُوحَى، ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾.

стр. 100

فعلى أقوالِه وأحوالِه وأفعالِه؛ تُوزَنُ جميعُ الأحوالِ والأقوالِ والأفعالِ. واللهُ يُوفِّقُنا وإخوانَنا وسائرَ المؤمنِينَ لما يُحِبُّه ويَرضاه (١).

стр. 101

فَصْلٌ يجبُ أن يُحرِّكَ لسانَه في الذِّكْرِ الواجبِ في الصَّلاةِ من القراءةِ ونحوِها معَ القدرةِ، ومَن قال: إنه يصحُّ بدونِه؛ يُستتابُ، ويُستحَبُّ ذلك في الذِّكْرِ المستحَبِّ. والمشهورُ من مذهبِ الشافعيِّ وأحمدَ: أن يكونَ بحيثُ يُسمِعُ نفْسَه إذا لم يكُنْ ثَمَّ مانعٌ. وفيه وجهٌ: أنه يكفي الحركةُ بالحروفِ (١). وأكملُ الذِّكْرِ: بالقلبِ واللسانِ، ثم بالقلبِ، ثم باللسانِ فقط. والمأمورُ به في الصلاةِ: القلبُ واللسانُ جميعًا؛ لكنَّ ذِكْرَ اللسانِ مقدورٌ، والقلبُ قد لا يُقدَرُ عليه لوَسْواسٍ، فلو قُدِّرَ رجلانِ أحدُهما ذَكَر الذِّكْرَ الواجبَ بالقلبِ فقطْ، والثاني بلسانِه فقطْ؛ فإنَّ الأولَ لا تُجزِئُه صلاتُه بلا نزاعٍ، وإن قُدِّرَ أنَّ ذِكْرَ القلبِ أفضلُ؛ لأنَّه ترَكَ الواجبَ المقدورَ عليه، كما أن الخشوعَ للهِ بالقلبِ والبدنِ أكملُ منهُ بالقلبِ وحدَه، وهو بالقلبِ وحدَه أكملُ منه بالبدنِ وحدَه، ثم إن المصلِّي لو اقتصرَ على خشوعِ القلبِ لم يُجزِئْه بلا نزاعٍ.

стр. 102

ولو غلَبَ الوَسْواسُ على قلبِه في أكثرِ الصلاةِ: لم تصِحَّ صلاتُه عندَ ابن حامدٍ والغزاليِّ وأبي الفرجِ بنِ الجوزيِّ، لكنَّ المشهورَ عنِ الأئمةِ أن الفرضَ يسقُطُ بذلك. والتحقيقُ: أن كلَّ عملٍ في الظاهرِ من مؤمنٍ لا بدَّ أن يصحَبَه عملُ القلبِ، بدونِ العكسِ، فلا يُتصوَّرُ عملُ البدنِ منفردًا إلا من المنافقِ الذي يصلِّي رياءً، وكان عمَلُه باطلًا حابطًا، ففرقٌ بينَ المنافقِ والمؤمنِ. فيظهرُ الفرقُ بينَ المؤمنِ الذي يقصدُ عبادةَ اللهِ بقلبِه معَ الوَسْواسِ، وبينَ المنافقِ الذي لا يصلِّي إلا رياءَ الناسِ. وأبو حامدٍ ونحوُه سَوَّوْا بينَ النوعينِ، فإن كلاهما إنما تُسقِطُ عنه الصلاةُ القتلَ في الدنيا من غيرِ أن تُبرِئَ ذِمَّتَه، ولا ترفعَ عنه عقوبةَ الآخرةِ، والتسويةُ بينَ المؤمنِ والمنافقِ في الصلاةِ خطأٌ. نعم؛ قد يكونُ بعضُ الناسِ فيه إيمانٌ ونفاقٌ، مثلُ من يصلِّيَ للهِ، ويُحسِّنَها لأجلِ الناسِ، فيُثابُ على ما أخلَصَه للهِ دونَ ما عمِلَه للناسِ، ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾.

стр. 103

فَصْلٌ (١) حديثُ أنسٍ في نَفْيِ الجهرِ بالبسملةِ صريحٌ لا يَحتمِلُ تأويلًا، فإن فيه: «فكانوا يَستفتِحونَ بـ ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، لا يذكرونَ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في أولِ قراءةٍ ولا آخِرِها» (٢)، وهذا النفيُ لا يجوزُ إلا معَ العلمِ بذلك، لا يجوزُ بمجرَّدِ كونِه لم يسمَعْ معَ إمكانِ الجهرِ بلا سماعٍ، واللفظُ الآخَرُ في مسلم: «صليتُ خلفَ النبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ فلم أسمَعْ أحدًا منهم يجهَرُ - أو قال: يصلِّي - بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾» (٣). فهذا نَفى فيه السماعَ، ولو لم يُرْوَ إلا هذا اللفظُ؛ لم يَجُزْ تأويلُه بأنَّه لم يكُنْ يَسمعُ معَ جهرِ النبيِّ ﷺ لوجوهٍ: أحدُها: أنَّه إنما رَوى هذا ليُبيِّنَ للناسِ ما كانَ يفعَلُه الرسولُ ﷺ ؛ إذ لا غرضَ لهم في معرفةِ كونِ أنسٍ سمِعَ أو لم يسمعْ إلا ليَستدلوا بعدَمِ سَماعِه على عدَمِ المسموعِ، فلو لم يدلَّ؛ لم يكن أنسٌ يروي شيئًا لا فائدةَ فيه، ولا كانوا يَرْوُونَ هذا الذي لا يُفيدُهم.

стр. 104

الثاني: أن مثلَ هذا اللفظِ في العرفِ صار دالًّا على عدمِ ما لم يُدرَكْ، فإذا قيلَ: ما سمِعْنا، ولا دَرَيْنا، ولا رَأَيْنا؛ لِما شأنُه أن يُسمَعَ أو يُرَى، والمقصودُ (١): نفيُ وجودِه، وذِكْرُ نفيِ الإدراكِ دليلٌ على نَفْيِه. يُبيِّنهُ الوجهُ الثالثُ: وهو أنَّ أنسًا كان يخدُمُ النبيَّ من حينَ قدِمَ النبيُّ المدينةَ إلى أن ماتَ، وكان يدخُلُ على نسائِه قبلَ الحجابِ، ويصحَبُه حَضَرًا وسَفَرًا، وحينَ حَجَّتِه كان تحتَ ناقتِه يسيلُ عليه لُعابُها، أفيُمكِنُ معَ هذا القربِ الخاصِّ والصحبةِ الطويلةِ ألَّا يسمعَ النبيَّ ﷺ يجهرُ بها معَ كونِه كان يجهرُ؟! هذا مما يُعلَمُ بالضرورةِ بُطْلانُه عادةً، ثم إنه صحِبَ أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ، ولم يسمعْ معَ أنهم كانوا يَجهرونَ؟! هذا لا يمكنُ، بل هو تحريفٌ لا تأويلٌ، لو لم يرِدْ إلَّا هذا اللفظُ، كيفَ والآخَرُ صريحٌ في نَفْيِ الذِّكْرِ لها، فقال: «لم يكونُوا يذكرُونَها»، فهو تفسيرُ هذه الروايةِ. وكِلا التأويلينِ ينفي قولَ مَن تأوَّلَ قولَه: «يَفْتتحونَ الصلاةَ بـ ﴿الحمد الله رب العالمين﴾» أنه أراد السورةَ، فإنه قال: «لا يَذكرونَ ﴿بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ﴾ في أوَّلِ قِراءةٍ ولا في آخِرِها»، صَريحٌ في أنَّه قَصَد الافتتاحَ بالآيةِ، لا بِسورةِ الفاتحةِ.

стр. 105

ومثلُ حديثِ أنسٍ حديثُ عائشةَ: «أنَّهم كانوا يَفْتتحونَ القراءةَ بـ ﴿الحمد الله رب العالمين﴾» (١)، وقد رُوِي: «يَفْتتحونَ القراءةَ بـ ﴿الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين﴾» (٢). وهذا صريحٌ في إرادةِ الآيةِ. وأيضًا: فافتتاحُ القراءةِ بالفاتحةِ قبلَ السورةِ منَ المعلومِ الظاهرِ، يعرفُه الخاصُّ والعامُّ، كما يعلمونَ الركوعَ قبلَ السجودِ، فليسَ في نقلِ مثلِ هذا فائدةٌ. لكن ليسَ في حديثِ أنسٍ نَفْيٌ لقراءتِها سرًّا؛ لأنه رُوِي: «فكانوا لا يَجْهرونَ» (٣)، فنَفَى الجهرَ، وكَذا قولُه: «لا يَذكرون»، نَفَى ما يُمكِنُه العلمُ به، وذلك موجودٌ في الجهرِ، فإنَّه إذا لم يُسمَعْ مع القُربِ عُلِم أنَّهم لم يَجهروا. وأمَّا كونُ الإمامِ لم يقرَأْها فلا يمكنُ إدراكُه إلا إذا لم يكنْ بينَ التكبيرِ والقراءةِ سكتةٌ.

стр. 106

يؤيِّدُ ذلك: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مُغفَّلٍ في «السننِ»؛ لما سمِعَ ابنَه يجهرُ بها، فأنكَرَه، وقال: «يا بنيَّ، إياكَ والحَدَثَ»، وذكر أنه صلَّى خلفَ النبيِّ وأبي بكرٍ وعمرَ، فلم يكونوا يجهرونَ بها (١). وأيضًا: فمن المعلومِ أن الجهرَ بها مما تتوفَّرُ الدواعي على نَقْلِه، بل لو انفردَ بنقلِ مثلِ هذا الواحدُ أو الاثنانِ؛ قُطِع بكذِبِهما، وبمثلِ هذا تُكذَّبُ دعوى الرافضةِ النصَّ على عليٍّ في الخلافةِ، وأمثالُ ذلك. وقد اتفقَ أهلُ المعرفةِ على أنه ليسَ في الجهرِ حديثٌ صريحٌ، ولم يَرْوِ أهلُ السُّننِ شيئًا من ذلك، إنما يوجدُ الجهرُ بها في أحاديثَ موضوعةٍ، يَروي ذلك الثَّعْلبيُّ (٢) والماوَرْديُّ وأمثالُهما (٣) منَ الذين يحتجُّونَ بمثلِ حديثِ الحُمَيراءِ (٤).

стр. 107

وأعجبُ من ذلكَ: بعضَ أفاضلِ الفقهاءِ لم يعْزُ في كتابِه حديثًا إلى البخاريِّ إلا حديثًا في البسملةِ (١)، ومَن هذا مَبلَغُ عِلمِه كيفَ يكونُ حالُه في هذا البابِ، أو يَرْويها من جَمَع الأحاديثَ في هذا البابِ؟! وإذا سُئِل يقولُ بموجَبِ علمِه، كما قال الدارَقُطْنيُّ لما سُئِلَ: أفيها شيءٌ صحيحٌ؟ فقالَ: أمَّا عن النبيِّ ﷺ فلا، وأمَّا عن الصحابةِ فمنه صحيحٌ وضعيفٌ (٢).

стр. 108

فإذا لم يكنْ فيها حديثٌ صحيحٌ، فضلًا أن يكونَ فيها أخبارٌ متواترةٌ أو مستفيضةٌ؛ امتَنعَ أن يكونَ النبيُّ ﷺ جهَرَ بها، ولا يعارِضُ ذلك كونُ عدمِ الجهرِ مما تتوفَّرُ الدواعي على نقْلِه، ولم يُنقلْ متواتِرًا، بل تَنازَعَ فيه العلماءُ؛ لأنَّ الذي تَتوفَّرُ الِهمَمُ والدَّواعي على نَقْلِه في العَادِةِ هو الأمورُ الوُجوديَّةُ، فأمَّا العَدَمِيَّةُ فَلا، ولا يُنقَلُ منها إلا ما ظُنَّ وجودُه، أوِ احتِيجَ إلى معرفتِه، ولهذا لو نقَلَ ناقلٌ افتراضَ صلاةٍ سادسةٍ، أو صومٍ زائدٍ، أو حجٍّ، أو زيادةٍ في القراءةِ، أو في الرَّكَعاتِ؛ لقطَعْنا بكَذِبِه، وإنْ كان عدمُ ذلك لم يُنقَلْ نقلًا متواترًا قاطعًا. يوضِّحُه: أنَّهم لمَّا لم ينقُلوا الجهرَ بالاستفتاحِ والاستعاذةِ؛ استَدلَّتِ الأمةُ على عدمِ جهرِه بذلك، وإن كان لم يُنقَلْ نقلًا عامًّا عدمُ الجهرِ، فبالطريقِ التي يُعلَمُ عدمُ جهرِه بذلك يُعلَمُ بالبسملةِ، هذا وجهٌ. الثاني: أن الأمورَ العدميةَ لما احتِيجَ إلى نقْلِها؛ نُقِلتْ، فلما انقرضَ عصرُ الخلفاءِ سأل الناسُ أنسًا لمَّا جهَرَ بها بعضُ الأئمةِ كابنِ الزُّبَيْرِ، فأخبَرَهم أنسٌ بتَرْكِ الجهرِ. الثالثُ: أنَّ نفيَ الجهرِ قد نُقِل نقلًا صحيحًا صريحًا في حديثٍ، والجهرُ لم يُنقَلْ نقلًا صحيحًا، معَ أن العادةَ توجبُ نقلَ الجهرِ دونَ عدمِه كما قدَّمْناه. ومَن تدبَّرَ هذه الوجوهَ، وكان عالمًا بالأدلةِ؛ قطَعَ بأنَّ النبيَّ ﷺ لم يكنْ يجهرُ بها. وهل هذا إلا بمثابةِ مَن يَنقُلُ أنَّه كان يجهرُ بالاستفتاحِ معَ أن بعضَ

стр. 109

الصحابةِ كان يجهرُ به، كما كان فيهم مَن يجهرُ بالبسملةِ، ونحن نعلمُ بالاضطرارِ أنه لم يكنْ يجهرُ ﷺ بالاستفتاحِ ولا بالاستعاذةِ كما يجهرُ بالفاتحةِ، فكذلك البسملةُ لم يكنْ يجهرُ بها كما يجهرُ بالفاتحةِ، معَ أنه قد كان يجهرُ بها أحيانًا، أو أنَّه كان يجهرُ بها قديمًا ثمَّ ترَكَ ذلكَ؛ كما روى أبو داودَ والطبرانيُّ (١): أنَّه كان يجهرُ بها بمكةَ، فإذا سمِعَه المشركونَ سبُّوا الرحمنَ، فترك، فما جهَر بها حتى مات، فهذا مُحتمِلٌ. وفي الصحيحينِ: «أنَّه كان يجهرُ بالآيةِ أحيانًا» (٢)، ومثلُ جَهْرِ عمرَ بقولِ: «سبحانَكَ اللهمَّ وبحمدِكَ» (٣)، ومثلُ جَهْرِ ابنِ عمرَ وأبي هريرةَ بالاستعاذةِ (٤)، وجَهْرِ ابنِ عباسٍ بالقراءةِ على الجَنازةِ؛ ليُعلِّمَ الناسَ (٥). فيُمكِنُ أن يقالَ: إن مَن جهَر بها من الصحابةِ كان على هذا الوجهِ؛ ليُعرِّفوا أن قراءتَها سنةٌ، مثلما روَى ابنُ شهابٍ وابنُ وهبٍ، عن ابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ وابنِ عمرَ: «أنه كان يَفتتحُ القراءةَ بـ (بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ)» (٦)، قال ابنُ شهابِ: «يُريدُ بذلك أنها آيةٌ من

стр. 110

القرآنِ» (١)، فابنُ شهابٍ أعلمُ أهلِ زمانِه بالسُّنةِ قد بيَّنَ حقيقةَ الحالِ في ذلك. فإن عمدةَ مَن يجهرُ إنَّما هو ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ وابنُ عباسٍ، فقد عُرف حقيقةُ حالِ أبي هريرةَ وغيرِه في ذلك ﵃ أجمعين. وإنما كثُر الكذبُ في أحاديثِ الجهرِ؛ لأنَّ الشيعةَ ترى الجهرَ؛ وهم من أكذَبِ الناسِ، فوضعوا أحاديثَ لبَّسُوا على الناسِ دينَهم، ولهذا يوجدُ في كلامِ أئمةِ السُّنةِ - مثلِ: سفيانَ الثوريِّ - أنهم يذكرونَ من السُّنةِ المسحَ على الخفينِ، وتركَ الجهرِ بالبسملةِ، كما يذكرونَ تقديمَ أبي بكرٍ وعمرَ؛ لأنَّه كان عندَهم شعارُ الرافضةِ ذلك. وروَى مسلمٌ عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَن صلَّى صلاةً لم يقرأْ فيها بأمِّ القرآنِ؛ فهي خِدَاجٌ» ثلاثًا، فقال له رجلٌ: أكونُ أحيانًا وراءَ الإمامِ، فقال: اقرَأْ بها في نفْسِكَ، فإني سمعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «قال اللهُ تعالى: قسمتُ الصلاةَ بَيْني وبينَ عبدي نصفينِ، فإذا قال العبدُ: ﴿الحمد لله﴾ … » الحديثَ (٢). فدلَّ على أنَّ أبا هريرةَ القراءةَ الواجبةَ عندَه المقسومةَ: هي أمُّ
следующие страницы →