← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 946–966 · переход к 951.

стр. 946

نعم، قد يكونُ في الضُّلَّالِ من الزُّهادِ مَن يتركُ السنةَ حتى ينبُتُ الشعرُ ويكثرُ على جسَدِه، فينبغي أن يُؤمَرَ بما أمَر اللهُ به ورسولُه من إحفاءِ الشواربِ، ونَتْفِ الإِبْطِ، وحلقِ العانةِ، فإن ظَنَّ أن هَدْيَه خيرٌ من هديِ محمدٍ؛ فهو كافرٌ. فالانحناء لهذا الجبلِ هو من الجهالاتِ والضلالاتِ، وكذلك التبركُ بما يحملُ منه مِن التمرِ، وهو من البِدَعِ الجاهليةِ المضاهيةِ لجهالاتِ النصرانيةِ المشركينَ. فَصْلٌ وكراماتُ الأولياءِ حقٌّ باتِّفاقِ أئمةِ أهلِ الإسلامِ والسُّنَّةِ والجماعةِ، وقد دلَّ عليه القرآنُ في غيرِ موضعٍ، والأحاديثُ الصحيحةُ، والآثارُ المتواترةُ عن الصحابةِ والتابعِينَ وغيرِهم، وإنما أنكَرها أهلُ البِدَعِ من المعتزلةِ والجَهْميَّةِ ومَن تابَعَهم؛ لكنْ كثيرٌ ممن يدَّعيها، أو تُدَّعى له؛ يكونُ كذبًا أو ملبوسًا عليه. وأيضًا؛ فإنها لا تدلُّ على عِصمةِ صاحبِها، ولا على وجوبِ اتباعِه في كلِّ ما يقولُه؛ بل قد تصدرُ بعضُ الخوارقِ من الكشفِ وغيرِه عن الكفارِ، كما ثبَتَ عن الدَّجَّالِ أنه يقولُ للسماءِ: أمطري، فتُمطِرُ، وللأرضِ: أَنْبِتِي، فتُنبِتُ، وأنه يقتلُ واحدًا، ثم يحْيى، وأنه يُخرِجُ خلفَه كنوزَ الذهبِ والفِضَّةِ (١).

стр. 947

ولهذا اتَّفقَ أئمةُ الدينِ على أن الرجلَ لو طارَ في الهواءِ، ومشى على الماءِ؛ لم يغترَّ به حتى يُنظَرَ وقوفُه عندَ الأمرِ والنَّهْيِ الذي بعَث اللهُ رسولَه ﷺ . والعلاجُ بالحجارةِ إن كان فيه منفعةٌ للجهادِ، وإلا فهو باطلٌ. وما روي عنه: «اتخذوا معَ الفقراءِ أياديَ؛ فإن لهم دولةً وأيَّ دولةٍ»؛ حديثٌ باطلٌ، والدولةُ في الآخرةِ للمتقينَ؛ سواءٌ كانوا فقراءَ أو أغنياءَ، ومن أحسَنَ إلى الفقراء؛ فاللهُ يأجُرُه على ذلك، ومن أحسنَ إليهم لطلبِ الجزاءِ منهم، كما تؤخذُ اليدُ مِن الشخصِ ليُكافِئَه بها؛ فلا أجرَ له عندَ اللهِ. وأما ما رُوِي: «إنه مكتوبٌ على كلِّ فَرْجٍ ناكِحُه»؛ فليس له صحة أيضًا، وليس هو من كلامِ النبيِّ ﷺ ؛ لكن لا رَيْبَ أن اللهَ كتَب ما يفعلُ العبادُ قبلَ أن يفعلوه، وذلك عندَه، وقد كتبت الملائكة ما يعملُه العبدُ قبلَ أن يَعملَه.

стр. 948

كِتَابُ الشَّهَادَاتِ إذا مات الشاهدُ فهل يُحكَمُ بخطِّه؟ فيه نزاعٌ، فمذهَبُ مالكٍ: يُحكَمُ، وهو قولٌ في مذهبِ أحمدَ. إذا شهِد شاهد أن فلانةَ أبرأَتْ زوجَها: حلَف الزوجُ، وحُكِم له إن كان الشاهد ممن يُرضَى من الشهداءِ. وإذا كان الشاهدُ في الرضاعِ ذا عدل؛ قُبِل قولُه، وفي تحليفِه نزاعٌ (١). ويجوزُ للشافعيِّ أن يشهدَ عندَ حاكمٍ مالكيٍّ: أن هذا خطُّ فلانٍ، إذا جزَم به من غيرِ شكٍّ، متبعًا لمن يجيزُ ذلك من الأئمَّةِ في مسألةٍ يتوجَّهُ فيها قولُ الذي قلَّدَه، ولم يكُنْ متبعًا للرخصةِ، فهذا سائغٌ في المشهورِ من مذاهب الأربعةِ؛ إذ لا يجبُ على أحدٍ أن يلتزمَ مذهَبَ شخصٍ بعينِه في جميعِ الشريعةِ في ظاهرِ مذهَبِ الشافعيِّ وغيرِه، لكن متى التزمَه فلا بدَّ أن يلتزمَه له وعليه؛ مثلُ من يترجَّح عندَه إثباتُ الشُّفْعةِ للجارِ، فيتبعُ ذلك له وعليه، فأما أن يُقلِّدَ إذا كان الطالبُ هو من يرى إثباتها، وإذا

стр. 949

كان هو المطلوبَ قلَّد (١) من يرى نفيها؛ فهذا لا يجوزُ بلا نزاعٍ فيما أعلَمُه، وكذلك لا يجوزُ تتبُّعُ الرُّخَصِ مطلقًا. والعملُ بالخطِّ مذهبٌ قويٌّ ، بل هو قولُ جمهورِ السَّلَفِ، وإذا رأى الرجلُ بخطِّ أبيه حقًّا له، وهو يعلمُ صِدْقَه؛ جاز له أن يَدَّعِيَه ويحلفَ عليه. واتفقوا على أنه يجوزُ أن يشهدَ على الرجلِ إذا عرَف صورتَه، معَ إمكانِ الاشتباه، وتَنازَعوا في الشهادةِ على الصوتِ من غيرِ رؤيةِ المشهودِ عليه، فجوَّزَها الجمهورُ؛ كمالكٍ وأحمدَ، وجوَّزَها الشافعيُّ في صورةِ الضبطةِ (٢)، والشهادةُ على الخطِّ دونَ ذلك؛ لكنَّه قويٌّ. وما يجرح به الشاهدُ وغيرُه مما يقدحُ في عَدالتِه ودينِه؛ فإنه يَشهَدُ به إذا علِمَه الشاهدُ بالاستفاضةِ، ويكونُ ذلك قدحًا شرعيًّا، صرَّحوا بأنه يُجرَحُ بما سَمِعَه منه، أو رآه، أو استفاضَ عنه، وما أعلمُ في هذا نزاعًا بينَ الناسِ، فإن المسلمِينَ يشهدونَ في وقتِنا هذا في مثلِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ والحسنِ البصريِّ وأمثالِهما بالعدالةِ والدِّينِ، ولا يعلمونَ ذلك إلا بالاستفاضةِ، ويشهدونَ في مثلِ الحَجَّاجِ بنِ يوسفَ، والمختارِ بنِ أبي عُبَيدٍ، وعمرِو بنِ عبيدٍ، وغَيْلانَ القدريِّ، أنهم من

стр. 950

أهلِ البِدَعِ والظلمِ؛ وذلك بالاستفاضةِ أيضًا، هذا إذا كان فيه ردُّ شهادتِه. أما إذا كان المقصودُ اتقاءَ شَرِّه، فيجوزُ، ويُتلقَّى بما دونَ ذلك، كما قال ابنُ مسعودٍ: «اعتَبِروا الناسَ بأخدانِهم» (١)، وبلغ عمرَ أن رجلًا يجتمعُ إليه الأحداثُ، فنهى عن مجالسَتِه (٢)، فإذا كان الرجلُ مخالطًا في الشرِّ لأهلِ الشرِّ يُحذَّرُ منه. والداعي إلى البدعةِ يستحقُّ العقوبةَ باتِّفاقِ المسلمِينَ، وعقوبتُه تكونُ تارةً بالقتلِ، وتارةً بما دونَه، كما قتَل السَّلَفُ الجَهْمَ بنَ صَفْوانَ، والجَعْدَ، وغَيْلانَ وغيرَه، ولو قُدِّر أنه لا يستحقُّ العقوبةَ، أو لا تمكنُ عقوبتُه؛ فلا بدَّ من بيانِ بدعتِه والتحذيرِ منها؛ لأنه من الأمرِ بالمعروفِ، والنَّهْيِ عن المُنكَرِ. والبدعةُ ما اشتُهِر عندَ أهلِ السُّنَّةِ مخالفتُها للكتابِ والسُّنَّةِ؛ كبدعةِ الروافضِ، والخوارجِ، والقَدَريَّةِ، والمرجئةِ، قال ابنُ المباركِ ويوسفُ بنُ أسباطَ: (أصولُ الثِّنْتَينِ وسبعينَ فرقةً أربعةٌ: الخوارجُ، والروافضُ، والقَدَريَّةُ، [والمرجئةُ] (٣)، قيلَ لابنِ المباركِ: والجَهْميَّةُ؟ قال: (ليسَتِ الجَهْميَّةُ من أمةِ محمدٍ).

стр. 951

والجَهْميَّةُ نُفاةُ الصفاتِ، القائلونَ بأن القرآنَ مخلوقٌ، وأن اللهَ لا يُرَى في الآخرةِ، ولم يُعرَجْ بمحمدٍ ﷺ ، ولا عِلْمَ لله ولا قدرةَ ولا حياةَ، ونحو ذلك (١). ولا يجبُ عندَ أحدٍ من العُلَماءِ أن يُكتَبَ في الوثائقِ أنه قادرٌ مليءٌ، ولا يجوزُ أن يُكتَبَ ذلك إلا إذا علم أنه مُقِرٌّ به. ولا يجوزُ تلقينُ الإقرارِ لمن لا يُعلَمُ أنه صادقٌ فيه، ولا الشهادةُ عليه إذا عُلِم أنه كاذبٌ في ذلك؛ كالعقودِ المحرمةِ، فإن النبيَّ ﷺ لعَن آكِلَ الربا، ومُوكِلَه، وشاهدَه، وكاتبَه (٢)، ومَن أقرَّ بمثلِ هذا الكذِبِ، وشهِد على الإقرارِ به، أو لَقَّنَه أن يقولَ: إنه مليءٌ بالحقِّ، وهو غيرُ مليءٍ به؛ بل لقَّنَه ذلك معَ علمِه بالحال؛ قدَحَ ذلك في عدالته. ويجبُ على مَن طُلِبتْ منه الشهادةُ أداؤُها؛ بل إذا امتَنعَ الجماعةُ من الشهادةِ؛ أثِموا كلُّهم باتِّفاقِ العلماءِ، وقدَح ذلك في دينِهم وعدالتِهم. وإذا شهِد أن العينَ كانت على ملكِه حينَ خرَجتْ من يدِه بغيرِ حقٍّ؛ حُكِم له بها، وأما إن شهِد أنها كانت ملكَه فقط، فهل يُحكَمُ له بذلك؟ على وجهَينِ في مذهَبِ الإمام أحمدَ، وقولَينِ للشافعيِّ.

стр. 952

وإن شهِد بسببِ الملكِ أو ظهورِه؛ مثلُ: أنه ابتاعَه، أو ورِثَه، أو حكَم له به الحاكمُ الفلانيُّ؛ فإن الحاكمَ هنا يحكُمُ باستصحابِ الحالِ، إذا لم يثبُتْ معارضٌ راجحٌ، والشاهدُ لا يشهدُ بناءً على استصحابِ الحالِ، ولا أعلمُ في الأولى خلافًا أن الحاكمَ يحكمُ باستصحابِ الحالِ باتِّفاقِ العلماءِ. وأما صورةُ الخلافِ؛ فإن البينةَ لما شهِدت بالملكِ في الماضي، وسكتَتْ عنه في الحالِ؛ كان هذا رِيبةً تُجوِّزُ أن البينةَ علمت بالزوالِ وسكتَتْ عن ذلك، وأما إذا شهِدت بسببِ الملك؛ لم يكُنْ فيه ريبةٌ، والأصلُ بقاءُ الملكِ. وإذا شهِدت أنه لم يزُلْ ملكُه إلى أن غُصِبت منه، أو استُعيرتْ، أو زالت عنه يدُه بغيرِ حقٍّ، كما لو شهِدت له أنه لم يزُلْ ملكُه إلى أن مات؛ فإنه يُحكَمُ به للورثةِ حتى تقومَ حجةٌ بما يخالفُ ذلك، وكذلك هناك يُحكَمُ به للذي كان مالكًا حائزًا إلى حينِ زوالِ حَوزِه؛ فزوالُ الحوزِ كزوالِ الملكِ، ولا أعلمُ في هذا خلافًا، ولا ينبغي أن يكونَ فيه خلافٌ، فإن الغاصبَ والسارق والمستعيرَ وغيرَهم إذا جحَدوا ملكَ غيرِهم، فشهِدتِ البينةُ أنه لم يزُلْ ملكُه إلى حينِ الغَصْبِ مثلًا: احتاجوا هم إلى إثباتِ الانتقالِ لهم، وإلا فالأصلُ بقاءُ الملكِ، وقد عُلم أن زوالَ اليدِ بالعدوانِ، فلا يُقبلُ أن اليدَ يدُه إذا عُرِف مستندُها ما يصلحُ أن يستند إليه من زوالِ اليدِ المحقَّقة والانتقالِ إلى يدٍ عاديةٍ، إما هذه المعيَّنةُ أو غيرُها، فلا يُكلَّفُ ربُّ البينةِ بقاءَ الملكِ إلى حينِ الدعوى؛

стр. 953

لتعذُّرِ ذلك أو لتعَسُّرِه، وفيه معونةٌ عظيمةٌ لكلِّ ظالمٍ من سارقٍ وناهبٍ. يوضحُ ذلك: أن الحاكمَ يحكمُ باستصحابِ الحال، باليدِ وبغيرِها من الطرقِ التي تفيدُ غالبَ الظنِّ، والشاهدُ لا يشهدُ إلا بالعلمِ؛ لأن الحاكمَ لا بدَّ له من فصل الخصومة، فيفصِلُها لأقوى الجانبيينِ حجةً. وإذا حضره الموتُ ، وليس عندَه مسلمٌ؛ فله أن يُشهِدَ مَن حضَرَه من أهلِ الذِّمَّةِ في الوصيةِ، ويُحَلَّفوا إذا شهِدوا، هذا قولُ جمهورِ السَّلَفِ، وهو قولٌ للإمامِ أحمدَ وأبي عُبَيدٍ، وعليه يدلُّ القرآنُ والسُّنَّةُ، وهذا مبنيٌّ على أصلٍ؛ وهو أن الشهادةَ عندَ الحاجةِ تُجُوِّزَ فيها مثلُ شهادةِ النساءِ فيما لا يطَّلعُ عليه الرجالُ. وشهادةُ الفاسقِ مردودةٌ بنصِّ القرآنِ واتفاقِ المسلمِينَ، وقد يُجيزُ بعضُهم قبول شهادة الأمثلِ فالأمثلِ من الفساقِ عندَ الضرورةِ؛ إذا لم يوجَدْ عدولٌ ونحوُ ذلك. وأما قبولُ شهادةِ الفاسقِ؛ فهذا لم يقُلْه أحدٌ من المسلمِينَ. كذا هو؛ وظاهره التناقض إلا أن يكون في النسخة غلط، أو يكون المراد أن شهادة الفاسق لم يَقلْ أحدٌ بقبولها مطلقًا، النفيُ ضدُّ الإطلاقِ (١).

стр. 954

وإذا شهِد رجلٌ في شيءٍ أنه ملكُ فلانٍ إلى حينِ بيعِه، وحُكِم بشهادتِه، ثم شهِد بعدَ ذلك في كتابِ إقرارٍ على والدِ البائعِ بتاريخٍ متقدمٍ على تاريخِ البائعِ أنه وقَف المكانَ المذكورَ، وأن الواقفَ لم يزُلْ ملكُه إلى حينَ وقَفَه؟ فأجابَ بأن قال: رجوعُ الشاهدِ عن شهادتِه بعدَ الحكمِ بها لا تُقبَلُ، وإنما يضمَنُ، وشهادتُه الثانيةُ المنافيةُ للأولى أبلغُ من الرجوعِ، فهو أَوْلى ألَّا تُقبَلَ، والله أعلم. ويجبُ على الشاهدِ أداءُ الشهادةِ إذا طُلِبت منه. ولو كان الشهودُ أكثرَ من نِصابِ الشهادةِ، وطُلِب أحدُهم؛ وجَب عليه في أصحِّ قولَيِ العلماءِ. وأما إذا كان المطلوبُ لا يتمُّ النِّصابُ إلا به؛ تعيَّنتْ عليه إجماعًا؛ إلا أن تكونَ الشهادةُ محرَّمةٌ كجورٍ أو كذبٍ ونحوِه، فلا يجوزُ أن يُعانَ على ذلك، لا بشهادةٍ ولا غيرِها. ومَن قصَد خروجَ الريحِ منه ليُضحِكَ الجماعةَ؛ فإنه يُعزَّرُ على ذلك، وتُرَدُّ شهادتُه، فقد ذكر العلماءُ أن هذا عملُ قومِ لوطٍ، ومَن لا يستحيي من الناسِ لا يستحيي من اللهِ، قال طائفةٌ في قولِه: ﴿وتأتون في ناديكم المُنكَر﴾: إنهم كانوا يتضارَطُونَ في مجالسِهم، وينصبونَ مزالقَ تَزلِقُ فيها المارةُ، ونحوُ ذلك (١).

стр. 955

فَصْلٌ في السنن: «أن الذي يُحدِّثُ فيكذب فيُضحِكُ الناسَ؛ ويلٌ له، ثم ويلٌ له، ثم ويل له» (١)، والمصِرُّ على ذلك فاسقٌ، مسلوبُ الولايةِ، مردودُ الشهادةِ. وما كان مباحًا في غيرِ حالِ القراءةِ ؛ مثلُ المزاحِ الذي جاءَتْ به الآثارُ، وهو أن يمزحَ ولا يقولَ إلا حقًا (٢)، لا يكونُ في مزاحِه كذبٌ ولا عدوانٌ، فهذا أيضًا لا يُقالُ في حالِ القراءةِ، بل يُنَزَّهُ عنه القرآنِ، فليس كلُّ ما يُباحُ في حالِ غيرِ القراءةِ يُباحُ فيها، كما أنه ليس كلُّ ما يباحُ خارجَ الصَّلاةِ يباحُ فيها؛ لا سيَّما ما كان يَشْغَلُ القارئَ والمستمعَ عن التدبرِ والفهمِ؛ مثلُ كونِه يُخايلُ أو يضحكُ، كيفَ واللغوُ والضحكُ حالَ القراءةِ من أعمالِ المشركينَ؟! كما قال: ﴿وقالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه﴾، ﴿وإذا علم من آياتنا شيئًا اتخذها هزوا﴾، ﴿أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون﴾، ووصَف المؤمنينَ أنهم يبكونَ ويخشعونَ حالَ القراءةِ. فمن كان يضحكُ حالَ القراءةِ؛ فقد تشبَّهَ بالمشركينَ لا بالمؤمنينَ، وليس لأحد إذا أُنكِرَ عليه يقولُ للذي أنكَرَ عليه: أنتَ مُراءٍ؛ بل عليه أن

стр. 956

يطيعَ اللهَ ورسولَه، ولا يكونَ ممن إذا قيلَ له اتَّقِ اللهَ أخذَتْه العِزَّةُ بالإثمِ. وكَسْبُ المُغنِّي خبيثٌ باتِّفاقِ الأئمَّةِ، والمُغنِّي خارجٌ عن العدالةِ. ومَن عُرِفَ أنها زوجةُ فلانٍ فمات؛ فلها المطالبةُ بمهرِ المثلِ، ولو لم يكُنْ لها بينةٌ بمقدارِ الصداقِ، وعليها اليمينُ: أنها لم تُبرِئْه، ولم تقبَضْ. وإذا رحَل رجُلٌ وخلَّى وظيفتَه شاغرةً، فتوَلَّاها أحدٌ ولايةً شرعيةً، ثم عاد ذلك الأولُ بعدَ مدةٍ؛ فليس له أن ينازعَه، وإن ذَكَر أن وليَّ الأمرِ أذِن له أن يستنيبَ؛ فإنه إن كان جائزًا فلم يفعَلْه، وإن لم يكُنْ جائزًا لم ينفَعْه، وإذا أصَرَّ على منازعتِه معَ علمِه بالتحريمِ؛ قُدِح في عَدالتِه.

стр. 957

كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِ ومَن ادَّعى أن بعضَ الحكام أخَذ منه شيئًا، وكان الرجلُ معروفًا بالصدقِ؛ فله على الحاكمِ اليمينُ، وإن كان غيرُه من الصادقينَ قد قال مثلَ قولِه؛ لم تُرَدَّ أخبارُ الصادقينَ؛ بل ينبغي عزلُ الحاكمِ. وإن كان الحاكمُ معروفًا بالأمانةِ، والرجلُ فاجرٌ؛ لم (١) يُلتفَتْ إلى قولِه، وعُزِّرَ، وإن كان كلٌّ منهما مُتَّهمًا؛ فله تحليفُه، ولا يُعزَّرُ. وإذا ادَّعتْ جاريةٌ أن فلانًا - زوجَ سيِّدتِها - وطِئَها؛ فالقولُ قولُه، وهل يحلِفُ؟ فيه نزاعٌ، ولا يحلُّ أن يجحدَ أنه وطِئَها إن كانت صادقةً، والولدُ رقيقٌ تَبَعًا لأمِّه إن لم يُقِرَّ بوَطْئِها. وإذا نكَل المدَّعى عليه عن اليمينِ؛ رُدَّتْ على المدعي. وقيلَ: لا تُرَدُّ، بل يُحكَمُ عليه بنُكولِه. وقيلَ: إن كان المدَّعَى عليه هو العالمَ بالمدعى به؛ مثلُ: أن تدَّعِيَ الورثةُ أو الوَصِيُّ على غريمٍ للميتِ دَعْوى، فيُنكِرُها، فهنا لا يُحلَّفُ المدعي؛ بل إذا نكَل المُنكِرُ قُضِي عليه؛ لقولِه: «لا تَضْطرُّوا الناسَ في

стр. 958

أيمانِهم إلى ما لا يعلمونَ» (١)، وإن كان المدعي هو العالمَ؛ مثلُ: أن يدَّعِيَ على وَرَثةِ الميتِ حقًّا عليه يتعلق بتَرِكتِه؛ فهنا لهم رَدُّ اليمينِ عليه، فإذا لم يحلِفْ لم يأخُذْ، وأما إذا كان المدعي يدعي العلمَ، والمنكِرُ يدعي العلمَ؛ فهنا يتوجَّهُ القولانِ. وإذا مات الرجلُ ، وقد قال لأولادِه: إنه طلَّق امرأتَه من مدةٍ، واتفقوا معَ بعضِ الشهودِ من أصحابِ الميتِ، فشهِدوا بذلك، وهم من أصحابِه المباطِنِينَ له، وكانت المرأةُ مقيمةً معَه إلى أن تُوُفِّي، يخلو بها، وهم يعلمونَ ذلك في العادةِ؛ فإن شهادتَهم مردودةٌ؛ لأن إقرارَهم له على خَلْوتِه بها بعدَ الطلاقِ يجرَحُ عَدالتَهم. وإذا حَبَستِ المرأة زوجَها على حقٍّ؛ فله عليها ما كان يجبُ قبلَ الحبسِ؛ من إسكانِها حيثُ شاءَ، ومَنْعِها الخروجَ، فإذا أمكنَ حبسُه في مكانٍ تكونُ هي عندَه تمنَعُه من الخروجِ ويمنعها من الخروج كذلك؛ فُعِل ذلك، وليس للغريمِ منعُ المحبوسِ من حوائجِه إذا احتاج؛ بل يُخرجُه ويلازِمُه؛ مثلُ: غُسْلِ الجنابةِ، ونحوِه، والزوجُ له مَنْعُها مطلقًا. وأيضًا: فإنها قد تحبِسُه، وتبقى مفلتةً، تفعلُ الفواحشَ وتقهَرُه وتعاشِرُ مَن تختارُ، وتبقى هي القَوَّامةَ عليه؛ لا سيَّما حيثُ يكثُرُ ذلك في الأزمنةِ والأمكنةِ، فرعايةُ مثلِ ذلك من أعظمِ المصالِحِ الذي لا يجوزُ إهمالُها، فكيفَ يستحلُّ مسلمٌ أن يحبسَ الرجلَ، ويمنعَه حبسَها بل

стр. 959

تذهبُ حيثُ شاءت، وهي إنما تملكُ ملازمتَه، وهي تحصُلُ بأن تكونَ هي وهو في موضعٍ واحدٍ؛ فإن النبيَّ أمر الغريمَ بملازمةِ غريمِه (١). وإذا طلَب منها الجماعَ في الحبسِ؛ لم يكُنْ لها منعُه. وإذا ظهَر أنه قادرٌ على الوفاءِ ، وامتنعَ ظلمًا؛ عُوقِبَ بغيرِ الحبسِ؛ مثلُ: ضربِه مرةً بعدَ مرةٍ حتى يُوَفِّيَ؛ لأن مَطْلَ الغنيِّ ظلمٌ، والظالِمُ يستحقُّ العقوبةَ. وتمكينُ مثلِ هذا من فضولِ الأكلِ والنكاحِ محلُّ اجتهادٍ، فإن رأى الحاكمُ أن تعزيرَه به؛ كان له ذلك. وإن لم يمكنْ حبسُها معَه؛ إما لعداوةٍ تحصلُ بينهما، فأمكنَ أن يُسكِنَها في موضعٍ لا تخرجُ منه، مثلُ: رِباطٍ عندَ أناسٍ مأمونينَ؛ فلا بأسَ. وبالجملةِ؛ فلا تُترَكُ تذهبُ حيثُ شاءت باتفاقٍ. ولا تُقبَلُ الدعوى بما يناقِضُ إقرارَه؛ إلا أن يذكرَ شبهةً تجري بها العادة. وإذا أنكَر زوجيةَ امرأتِه قُدَّامَ الحاكمِ، فلمَّا أبرَأَتْه الزوجةُ بعدَ ذلك؛ اعترفَ بالزوجيةِ، وطلَّق على مائَتَيْ درهمٍ؛ لم يبطُلْ حقُّها؛ بل هو باقٍ في ذِمَّتِه، لها أخذُه منه.

стр. 960

والخطُّ كاللفظِ إذا ثبت أنه خطه، فلو ادَّعى عليه قَدْرًا، ثم أخذه منه، ثمَّ ظهر خطه أنَّه كان عنده على سبيلِ الوديعةِ، أو أنه قبَضَه؛ أخذ بالخطِّ، كما لو لفظَ بذلك، وله أن يأخذَ منه ما أخَذَه إذا كان قد تلفت الوديعةُ بغيرِ تفريطٍ. وإذا كانت عادةُ العمالِ يستخرجونَ بالوصولاتِ، فمات بعضُ العمالِ، فادَّعى بعضُ المستأجرينَ أنه قبَضَ منه؛ فلا يُقبَلُ إلا ببيِّنةٍ أو وصولٍ. وإذا قبَضَه من له ولايةُ القبضِ؛ لم يعُدْ على المحتكرينَ به؛ بل يحتسبُ على أهلِ الوقفِ. وإذا خلَّف رجلٌ مالًا بينَه وبينَ آخَرَ، فأنكَرَ الوَرَثةُ حتى أبرؤوا وأخذوا منه بعضَ شيءٍ؛ لم يصِحَّ إبراؤُهم؛ لأنهم مُكرَهونَ. وكذلك إذا قال: ما لكم عندي غيرُ كذا؛ فأبرؤوه، ثم ظهَر أن لهم عندَه غيرَ ما أقَرَّ لهم به؛ فلا يصِحُّ إبراؤُهم من الزائدِ الذي كتَمَه. ولا يجوزُ أن يكذبَ على مَن كذَبَ عليه، ولا يشهدَ بزورٍ على من شهِد عليه بزورٍ، ولا يُكفِّرَه بالباطلِ كما كفَّره بالباطلِ، ولا يقذِفَه كذبًا كما قذَفَه كذبًا، ولا يفجُرَ إذا خاصَمَه كما فجر هو، فكذلك لا يجوزُ له أن يغدرَ في عقدٍ عقده بينهما؛ لأجلِ كونِه غدره، فلا يخونُه كما خانه، والشارعُ نهى عن الخيانةِ لمن خان (١)، ولم يجعلْه قِصاصًا، فلا يأخذُ

стр. 961

من مالِه بغيرِ علمِه بقدرِ ما أخَذَه هو، وهذا أصحُّ قولَيِ العلماءِ. وأما إذا كان الرجلُ قد غصَب مالَ الرجلِ مجاهرةً، فغصَب من مالِه مجاهرةً بقدرِ مالِه؛ فليس هذا من هذا البابِ، فإن الأولَ يؤدي إلى التأويلاتِ الفاسدةِ، وأن يُحلِّلَ لنفْسِه ما لا يحلُّ له أخذُه، وهذا يَعرفُ ما أخَذَه، فلا يأخذُ إلا قدرَ حقِّه، أو أكثرَ، ويكونُ معلومًا لا يمكنُ إنكارُه. وإذا حملوا الجَهازَ معَ البنتِ إلى بيتِها على الوجهِ المعروفِ؛ فهو تمليكٌ لها، فلا تُقبَلُ دعوى أمِّها أنَّه مِلكُها، وليس للأمِّ الرجوعُ بها ولا للأبِ أيضًا بعدَ أن تعلَّقَ بذلك رغبةُ الزوجِ، وزُوِّجتْ على ذلك. ومَن ادعى بحقٍّ ، وخرج يقيمُ البَيِّنةَ؛ لم يجُزْ حبسُ الغريمِ؛ لكنْ هل له طلَبُ كفيلٍ منه إلى ثلاثةِ أيامٍ أو نحوِها؛ إذا قال المدعي: لي بَيِّنةٌ حاضرةٌ؟ فيه نزاعٌ، هذا إذا لم تكُنْ دعوى تُهَمةٍ. فإن كانت تُهَمة مثلُ أنه سرَق، فهنا: إن كان مجهولَ الحالِ؛ حُبِسَ حتى يكشفَ عنه. وأما دعاوى الحقوقِ؛ مثلُ: البيعِ، والقرضِ؛ فلا يُحبَسُ بدونِ حجةٍ، وإن ذَكر نزاعًا في المدةِ القريبةِ كاليومِ، فلا نزاعَ فيما أعلَمُه.

стр. 962

كِتَابُ العِتْقِ إذا اعترفَ السيدُ بوَطْءِ الأَمَةِ قبلَ خروجِها من ملكِه، وجاءَتْ بولدٍ لمدةِ الإمكانِ؛ لحِقَه نسَبُه، وثبَتَ في «صحيحِ مسلمٍ» أن النبيَّ ﷺ قال في امرأةٍ مُجِحٍّ على بابِ فُسْطاطٍ - والمُجِحُّ: هي الحاملُ المُقرِبُ - فقال: «لعَلَّ سيدها يطؤها»، قالوا: نعم، قال: «لقد هممْتُ أن ألعَنَه لعنةً تدخُلُ معَه قبرَه، كيفَ يُورِّثُه وهو لا يَحِلُّ له؟! كيفَ يستعبِدُه وهو لا يَحِلُّ له؟!» (١)، فنصَّ أنه لا يجوزُ له استعبادُه، ولا أن يجعلَه ميراثًا عنه؛ إذا كان قد سقاه ماءَه، وزاد في سمعِه وبصرِه، فصار فيه ما هو بعضٌ له، فهي أمُّ ولدِه من هذا الوجهِ. وقد نصَّ على ذلك غيرُ واحدٍ من العُلَماءِ؛ منهم أحمدُ وغيرُه؛ حتى قالوا: تصيرُ أمَّ ولدٍ، والإسلامُ يسري كالعِتقِ، فإذا وطِئَها وهي حاملٌ؛ عتِق الولدُ، وحُكِم بإسلامِه، وليس له بَيْعُه، ولا يثبُتُ نسَبُه بمجرَّدِ ذلك. ومَن زنَتْ أَمَتُه ، وأتَتْ بولدٍ فأعتَقَه؛ فله أجرُ عِتقٍ كاملٍ عندَ جمهورِ العُلَماءِ، وذهبَ طائفةٌ - كأبي هريرة ومالكٍ - إلى أن عِتقَه ناقصٌ (٢).

стр. 963

وإذا اشترى أمَّ ولدٍ ، ثم وطِئَها؛ فهل هذا البيعُ شبهةٌ في الوَطْءِ؟ فيه نزاعٌ، والأقوى: أنه شبهة، فيلحَقُه الولدُ، وتُرَدُّ إلى سيدِها؛ لأن عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ: لا يجوزُ بَيْعُها، وقال رسولُ اللهِ ﷺ : «ثلاثةٌ لا يقبلُ اللهُ لهم صلاةً: الرجلُ يؤُمُّ قومًا وهم له كارهونَ، ورجلٌ لا يأتي الصَّلاةَ إلا دِبارًا، ورجلٌ اعتَبَدَ مُحرَّرًا» (١). فالرجلُ الأولُ يؤُمُّ القومَ وهم يكرهونَه لفسقِه أو بدعته؛ فليس له أن يؤُمَّهم، ولو كان بينَ الإمامِ والمأموم معاداةٌ من جنسِ أهلِ الأهواءِ والمذاهبِ؛ لم يسُغْ له أن يؤُمَّهم؛ لأن في ذلك منافاةً لمقصودِ الصَّلاةِ جماعةً. والرجلُ الذي يأتي الصَّلاةَ دِبارًا؛ فهو الذي يُفوِّتُ الوقتَ. والذي اعْتبدَ مُحرَّرًا؛ هو الذي يستعبِدُ الحرَّ؛ مثلَ: أن يُعتقَ عبدًا ويجحَدَه، أو يقهَرَه على العبوديةِ. فلا تُقبَلُ صلاةُ هؤلاءِ؛ لأنهم قد أتوا بذنبٍ يُقاوِمُ فعلَ الصَّلاةِ، فصار ثوابُ هذا يقاومُ عقاب هذا؛ لأنه أدخلَ عليهم من البغض في الصَّلاةِ ما يقاومُ صلاتَه، وأخرَج الصَّلاةَ عن وقتِها، فعليه إثمُ التأخيرِ، فدخَل في ﴿الذينَ هم عن صلاتهم ساهون﴾، وهذا منعَ عبدَ اللهِ أن يفعلَ نفْسَه عبدًا للهِ، وجعله عبدًا لنفْسِه، فأيُّ ذنبٍ مثلُ

стр. 964

هذا؟! فلم تُقبَلْ لهم صلاةٌ، إذ الصَّلاةُ المقبولةُ هي التي يتقبلُها اللهُ من عبدِه فيثيبُه عليها. ومَن وطِئ جاريةَ امرأتِه ، وتعلَّق بالحديثِ الذي فيه: عن الحسنِ، [عن قبيصة بن حريث؛ عن سلمة بن المحبِّق] (١)، عن النبيِّ في رجلٍ وقَع على جاريةِ امرأتِه، فقال: «إن كان استَكرَهَها؛ فهي حرةٌ وعليه مثلُها، وإن كانَتْ طاوَعَتْه؛ فهي جاريتُه وعليه مثلُها» (٢)، فهذا الحديثُ في السننِ، وليس هو من الواهيةِ، وبعضُ الناسِ ضعَّفَه؛ لأن رُواتَه غيرُ مشهورينَ بالحديثِ، ولأنه يخالفُ الأصولَ من جهةِ عِتقِ الموطوءةِ، وجعلِها للواطِئِ. وبعضُهم رآه حديثًا حسنًا، وحكى ذلك عن أحمدَ وإسحاقَ، وقالوا: إنه موافقٌ للأصولِ؛ لأنه يجري مَجرى إفسادِها على سيدتِها، فإنها إذا طاوَعَتْه؛ فقد فسد حالها عليها، وزاحمت سيدتها في زوجها، فيخاف من زيادة الشرِّ، فقد عَطَّل عليها بذلك نفعَها واستخدامَها، وإذا أتلَفَ مالَ غيرِه ومنَع مالِكَه من التصرفِ فيه عادةً؛ مثلُ: أن يُجدِّعَ مَركوبَ الحاكمِ ونحوَه مما لا يمكنُه ركوبُه عادةً؛ فإنه في مذهَبِ مالكٍ ومَن اتبعَه يصيرُ له، وعليه القيمةُ لمالكِه، فوَطْءُ الأَمَةِ من هذا البابِ.

стр. 965

وإذا استَكرَهَها فهو مثلُ التمثيلِ بها، ومَن مثَّل بعبدِه عَتَقَ عليه عندَ مالكٍ وأحمدَ. وكذا مَن جعل استكراهَ المملوكِ على التلوُّطِ به من هذا البابِ. فإذا وطِئَها فقد أتلَفَها، فلزِمتْهُ القيمةُ، وتصيرُ له، ولأجلِ أن استِكْراهَها يُشبِهُ تمثيلَه بها؛ فتعتقَ عليه. وقولُه: «وعليه مثلُها» في الموضعينِ، فهو مبنيٌّ على أن الحيوانَ هل يُضمَنُ بالمثلِ، أو بالقيمةِ؟ على قولَينِ للفقهاءِ الشافعيةِ والحنبليةِ، فهذا الحديثُ جارٍ على هذه الأصولِ. ولا يملكُ السيدُ نقلَ الملكِ في أمِّ الولدِ، لا في حياتِه ولا بعدَ موتِه، ولا يجوزُ وَقْفُها ولا هِبَتُها ولا غيرُه، ولا نزاعَ أنه يجوزُ له استخدامُها ووَطْؤُها، وفي جوازِ إجارتِها وتزويجِها نزاعٌ؛ يجوزُ عندَ أحمد وأبي حنيفةَ، وأحدُ قولَيِ الشافعيِّ، والآخَرُ: لا يجوزُ التزويجُ، وله قولٌ ثالثٌ: يجوزُ برِضاها، ومالكٌ لا يُجوِّزُ إجارتَها، ولا تزويجَها. فمن سأل فقال: إذا وقَفَها هل تكونُ الديةُ إذا قُتِلتْ وقفًا؟ فيه تغليطٌ للمفتي؛ فإنه كان ينبغي أن يقولَ: فهل يصِحُّ وقْفُها أم لا؟ وعلى التقديرينِ ما يكونُ حكمُها؟ فينبغي أن يُعزَّرَ هذا المستفتي تعزيرًا يردَعُه، فقد نهى رسولُ اللهِ عن أغلوطاتِ المسائلِ (١)، واللهُ أعلمُ.

стр. 966

انتهى كتاب القواعد النُورانية المختصرة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية من الدرر المضيئة، انتهت في غرة شهر صفر [ … ] بالصور، سنة خمسين وسبعمائة، والحمد لله وحده (١).