← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وإذا تعدَّى أحدٌ على الركبِ في الطريقِ أو في مكةَ، فدفَعَهم الركبُ عن أنفُسِهم كالصائلِ؛ فيجوزُ الدفعُ معَ الركبِ؛ بل يجبُ دفعُ هؤلاءِ عن الركبِ. وأما إذا اعتدى الركبُ على أهلِ مكةَ أو غيرِهم؛ فلا يُعينُهم على ذلك. وإذا وجَد معَ الركبِ جائعًا أو عطشانَ؛ فعليه أن يبذُلَ ما فضَلَ عن حاجتِه، فأما ما يحتاجُ إليه هو؛ فلا يجبُ بَذْلُه. ولو وجد ميتًا؛ فليس عليه أن يتخلفَ ليَدفِنَه؛ بحيثُ يخافُ الانقطاعَ. ومَن سأل وظهَر صدقُه ؛ وجب إطعامُه؛ لقولِه: ﴿وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾، وإن ظهَر كذِبُهم؛ لم يجبْ إعطاؤهم، وإن سألوا مطلقًا لغيرِ معينٍ؛ لم يجبْ أيضًا. وإذا أقسَموا على غيرِ معينٍ؛ فإن إبرارَ المقسِمِ إنما هو إذا أقسمَ على معينٍ، وقولُه: لأجلِ فلانٍ من المخلوقينَ؛ فلا حُرْمةَ له، وأما قولُه: شيءٌ للهِ، و: لأجلِ اللهِ؛ فيُعطَى؛ لأنه سؤالٌ، وليس هذا إقسامًا.

стр. 912

فَصْلٌ ثبَت في «صحيحِ مسلمٍ» أنه قال: «الصَّلَواتُ الخمسُ، والجُمُعةُ إلى الجُمُعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ؛ كفارةٌ لما بينَهُنَّ إذا اجتُنِبتِ الكبائرُ» (١)، وهذا موافقٌ لقولِه تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾، فإنه سُبْحانَه وعَد باجتنابِ كبائرِ ما يُنهَى عنه أن يُكفِّرَ عنا سيئاتِنا، ويُدخِلَنا مُدْخلًا كريمًا، وكذلك قولُه: ﴿الذينَ يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾، وهو مقدِّماتُ الوَطْءِ؛ من النظَرِ، واللمسِ، والسمعِ، والمشيِ، ونحوِه، كما ثبَتَ في الصحيحِ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه قال: «ما رأيتُ أشبَهَ باللَّمَمِ ما حدَّثَ أبو هُرَيرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: «إن اللهَ كتَب على ابنِ آدمَ حظَّه من الزنى، فهو مُدرِكٌ ذلك لا محالةَ، فالعينانِ تَزْنِيانِ وزِناهما النظَرُ، والأُذُنانِ تَزْنِيانِ وزِناهما السمعُ، واليدانِ تَزْنيانِ وزناهما البَطْشُ، والرجلانِ تَزْنيانِ وزِناهما المشيُ، والقلبُ يتمَنَّى ويشتهي، والفَرْجُ يُصدِّقُ ذلك، ويُكذِّبُه» (٢)، وسَمَّاه اللهُ لَمَمًا؛ لأن العبدَ يُلِمُّ بالكبيرةِ، ولا يأتيها، قال الشاعر (٣): متَى تأتِنا تُلْمِمْ بنا في دِيارِنا تجِدْ حَطَبًا جزلًا ونارًا تأَجَّجا

стр. 913

وقال (١): متَى تأتِنا تُلْمِمْ في دِيارِنا تجِدْ خيرَ نارٍ عندَها خيرُ موقِدِ فإن الطارقَ يُلِمُّ بأهلِ المنزلِ قبلَ أن يدخُلَ إلى منزلِهم، ويقالُ: اللَّمَمُ أن يُلِمَّ بالذنبِ الصغيرِ مرةً من غيرِ إصرارٍ؛ لأن مَن أصَرَّ على الصغيرةِ صارَتْ كبيرةً، كما في «التِّرْمِذيِّ»: «لا صغيرةَ معَ إصرارٍ، ولا كبيرةَ معَ استغفارٍ» (٢)، فقد جاء الكتابُ والسُّنَّةُ بتكفيرِ الصغائرِ لمن اجتَنبَ الكبائرَ، وهذا لا رَيْبَ فيه. ثم قال قائلونَ: مفهومُ هذا أنه لا تُكفَّرُ الصغائرُ إلا بهذا الشرطِ، فمن لم يجتنبِ الكبائرَ كلَّها لا تُكفَّرُ عنه صغيرةٌ. وبالغت الخوارجُ والمعتزلةُ، فقالوا: إن من أتى كبيرةً استحقَّ العقوبةَ حتمًا، فتَحبَطُ جميعُ حسناتِه بتلكَ الكبيرةِ، ويستحقُّ التخليدَ في النارِ، لا يخرُجُ منها بشفاعةٍ ولا غيرِها. وهذا قولٌ باطلٌ باتِّفاقِ الصحابةِ وسائرِ أهلِ السُّنَّةِ. والمرجئةُ من الشيعةِ والأشعريةِ قابلوا المعتزلةَ، فقالوا: لا نجزِمُ بتعذيبِ أحدٍ من أهلِ التوحيدِ، وهذا أيضًا باطلٌ؛ بل تواتَرَتِ السننُ

стр. 914

بدخولِ أهلِ الكبائرِ النارَ، وخروجِهم منها بشفاعةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وسَلَفُ الأمةِ وأئمَّتُها متفقونَ على ما جاءَتْ به السننُ. وقد يفعلُ العبدُ من الحسناتِ ما يمحو اللهُ به بعضَ الكبائرِ، كما غفَر للبغيِّ بسَقْي الكلبِ (١)، وقولِه لأهلِ بدرٍ: «اعمَلوا ما شئتُم؛ فقد غفرتُ لكم» (٢)، ولكن هذا يختلفُ باختلافِ الحسناتِ ومقاديرِها، وصفاتِ الكبائرِ ومقاديرِها، فلا يمكِنُنا أن نُعيِّنَ حسنةً تُكفَّرُ بها الكبائرُ كلُّها غيرَ التوبةِ، فمن أتى بكبيرةٍ ولم يتُبْ منها؛ ولكن أتى معها بحسناتٍ أُخَرَ، فهذا يقفُ أمرُه على الموازنةِ والمقابلة، ﴿فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ومن خفت موازينه فأمه هاوية﴾، فلهذا كان صاحبُ الكبيرةِ تحتَ الخطرِ ما لم يتُبْ منها، فإذا أتى بحسناتٍ؛ يُرجَى له بها محوُ الكبيرةِ، وكان بينَ الخوفِ والرجاءِ. والحسنةُ الواحدةُ قد يقترنُ بها من الصدقِ واليقينِ ما يجعلُها تكفِّرُ الكبائرَ؛ كالحديثِ الذي في صاحبِ البطاقةِ، الذي يُنشَرُ له تسعةٌ وتسعونَ سِجِلًّا مدَّ النظرِ، ويُؤتَى ببطاقةٍ فيها كلمةُ: لا إلهَ إلا اللهُ، فتُوضَعُ البطاقةُ في كِفَّةٍ، والسِّجِلَّاتُ في كِفَّةٍ، فثقُلَتِ البطاقةُ وطاشَتِ السجلاتُ (٣)، وذلك لعِظَمِ ما في قلبِه من الإيمانِ واليقينِ، وإلا فلو

стр. 915

كان كلُّ مَن نطَق بهذه الكلمةِ تُكفَّرُ خطاياه؛ لم يدخلِ النارَ من أهلِ الكبائر المؤمنين أحدٌ، وهذا خلافُ ما تواتَرَتْ به السننُ، وكذا حديثُ البغيِّ، وإلا فليس كلُّ مَن سقَى كلبًا عطشانَ يُغفَرُ له. كما أنه قد يقترنُ بالسيئةِ من الاستخفافِ والإصرارِ ما يُعظِّمُها، فلهذا وجَب التوقفُ في المُعيَّنِ، فلا يُقطَعُ بجنةٍ ولا نارٍ؛ إلا ببيانٍ من اللهِ؛ لكن يُرجَى للمحسنِ، ويُخافُ على المسيءِ، وأما من شهِد له النصُّ؛ فنقطعُ له، ومن له لسانُ صدقٍ؛ ففيه نزاعٌ (١). وما يُوجَدُ في كتبِ أبي حامدٍ من كلامِ الفلاسفةِ الباطنيةِ، كما يوجدُ في «المضنونِ به على غيرِ أهلِه» وأمثالِه، قال طائفةٌ من الفضلاءِ: إنه كذِبٌ عليه، وطائفةٌ قالت: بل رجع عن ذلك، فإنه صرَّح بكفرِ الفلاسفةِ في «التهافتِ»، واستَقَرَّ أمرُه على مطالعةِ «البخاري» و «مسلم»، ومات على أحسنِ أحوالِه، فلا يجوزُ أن تُنسَبَ إليه مثلُ هذه الأقوالِ نسبةً مستقرةً. ومَن قال للآخر: اللهُ أكبرُ عليك ، فهو من نحوِ الدعاءِ عليه، فإن لم يكُنْ بحقٍّ، وإلا (٢) كان ظالمًا له؛ يستحقُّ الانتصارَ منه لذلك، إما بمثلِ

стр. 916

ذلك، وإما بالتعزيرِ. وليس لأحدٍ استعمالُ القرآنِ لغيرِ ما أنزلَ له ، وبذلك فسَّر العلماءُ الحديثَ المأثورَ: «لا يُناظَرُ بكتابِ اللهِ» (١)؛ أي: لا يَجعَلُ (٢) له نظيرًا يَذكُرُه عندَه، كقول القائِلِ لمن قدَّمَ حاجة: «لقد جئتَ على قَدَرٍ يا موسى»، وقولِه عندَ الخصومةِ: «متى هذا الوعد؟»، «واللهُ يشهدُ إنهم لكاذبونَ» ونحوه. ثم إن خَرَج هذا مخرجَ الاستخفافِ بالقرآنِ والاستهزاءِ به؛ كفَرَ صاحبُه، وأما إذا تُليت الآيةُ عندَ الحكمِ الذي أُنزِلت له، أو ما يُناسِبُه من الأحكامِ؛ فحسَنٌ. ومِن هذا البابِ؛ ما يبيِّنه الفقهاءُ من الأحكامِ الثابتةِ بالقياسِ، وما يتكلمُ فيه المشايخُ والوُعَّاظُ، فلو دُعِي الرجلُ إلى معصيةٍ قد تاب منها، فقال: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاءَ اللهُ ربنا﴾؛ كان حسناً، وكذا لو قال عندَ هَمِّه: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾، ونحوَ ذلك؛ لو قصَد به التلاوةَ والتنبيهَ بالقرآن على معنًى يخاطِبُ به للحاجةِ؛ كان جائزًا؛ مثلُ ما قيلَ لعليٍّ في الصَّلاةِ: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾، فقال: ﴿فاصبر إن وعد الله حق﴾ (٣)، فهذا ونحوُه رخَّص فيه العلماءُ.

стр. 917

ولا يجوزُ أن يُظهِرَ ما عمِله من السيئاتِ سرًّا؛ بل إن أظهَرَه كَثُرَ إثْمُه. فَصْلٌ لواءُ الحمدِ الذي بيدِ رسولِ اللهِ ﷺ يومَ القيامةِ هو لواءٌ صورةً ومعنًى؛ إشارةً إلى سيادتِه لجميعِ الخلائِقِ، فيكونُون تحتَ لوائِهِ كما يكونُ الأجنادُ تحتَ ألويةِ الملوكِ، وحاملُه المقدَّمُ الذي يكونُ خطيبَ الأنبياءِ إذا وفدوا، وإمامُهم إذا اجتمعوا، وهو الذي يُقدَّمُ للشفاعةِ، فيحمَدُ ربَّه بمحامدَ لا يحمَدُه بها أحدٌ غيرُه، وهو محمدٌ وأحمدُ، وأمَّتُه الحَامدونَ الذينَ يَحمدونَ اللهَ على السراءِ والضراءِ، وهو أولُ مَن يُدعَى إلى الجنةِ، فلا تُفتَحُ لأحدٍ قبلَ صاحبِ لواءِ الحمدِ. وقولُه سُبْحانَه: ﴿فوجدها تغرب في عين حمئة﴾؛ العينُ في الأرضِ، ومعنى ﴿تغرب في عين﴾؛ أي: في رأيِ الناظرِ باتِّفاقِ المفسرينَ، وليس المرادُ: أنَّها تسقُطُ من الفلكِ، فتغربُ في تلك العينِ؛ فإنها لا تنزِلُ من السماءِ إلى الأرضِ، ولا تُفارِقُ فلَكَها، والفَلَكُ فوقَ الأرضِ من جميعِ أقطارِها، لا يكونُ تحتَ الأرضِ؛ لكن إذا تخيلَ المتخيِّلُ أن الفَلَكَ محيطٌ بالأرضِ وهَمَ أن ما يلي رأسَه هو أعلاه، وما يلي رجلَيْه أسفَلُه وليس الأمرُ كذلك؛ بل جانبُ الفَلَكِ من هذا الجانبِ كجانبِه من المشرقِ والمغربِ، والسماءُ فوقَ الأرضِ بالليلِ والنهارِ، والسُّفْلُ - هو أضيقُ مكانٍ في الأرضِ - المركزُ الذي إليه

стр. 918

تنتهي الأثقالُ، وكلُّ ما تحركَ من المركزِ إلى السماءِ من أيِّ جانبٍ كان؛ فإنه يصعَدُ من أسفل إلى الأعلى، واللهُ أعلمُ. والأمرُ بالمعروفِ والنَّهْيُ عن المنكَرِ واجبٌ على الكفايةِ باتِّفاقِ أئمَّةِ المسلمِينَ، وكلٌّ من الأمةِ مخاطبٌ بقدرِ قدرتِه، وهو من أعظمِ العباداتِ، ومن الناسِ مَن يكونُ ذلك لهواه لا للهِ. وليس لأحدٍ أن يُزيلَ المنكَرَ بما هو أنكَرُ منه؛ مثلُ أن يقومَ آحادُ الناسِ يريدُ أن يقطعَ السارق، ويجلدَ الشاربَ، ويقيمَ الحدودَ؛ لأنه لو فعَل ذلك لأفضى إلى الهرجِ والفسادِ؛ لأن كلَّ واحدٍ يضربُ غيرَه، ويدعي أنه استحقَّ ذلك؛ فهذا مما يقتصر فيه إلى من يطاعُ؛ كالسلطانِ ونُوَّابِه. وكذلك دقيقُ العلمِ الذي لا يفهَمُه إلا خواصُّ الناسِ، وجِماعُ الأمرِ في ذلك: أن يُنكِرَ بحسَبِ قدرتِه. وإنما الخلافُ فيما إذا غلَب على ظنِّ الرجلِ أن أمرَه بالمعروفِ ونَهْيَه لا يُطاعُ؛ هل يجبُ عليه حينئذٍ؟ على قولَينِ، أصَحُّهما: أنه يجبُ، وإن لم يُقبَلْ منه، إذا لم تكُنْ مفسدةُ الأمرِ راجحةً على مفسدةِ التركِ، كما بقي نوحٌ ألفَ سنةٍ إلا خمسينَ عامًا يُنذِرُ قومه، ولما قيل: ﴿لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم﴾؛ أي: نقيمُ عُذْرَنا عند ربِّنا، وليس هداهم علينا؛ بل الهدايةُ إلى اللهِ.

стр. 919

ومن لم يحبَّ ما أحبَّه اللهُ ، وهو المعروفُ، ويُبغِضْ ما أبغَضَه اللهُ، وهو المُنكَرُ؛ لم يكُنْ مؤمنًا، فلهذا لم يكُنْ وراءَ ذلك حبةُ خَرْدلٍ من إيمانٍ، ولا يتركُ إنكارَ جميعِ المُنكَراتِ بالقلبِ إلا مَن يكونُ كافرًا؛ وهو الذي مات قلبُه، كما قال بعضُ السلفِ لما سُئِلَ عن ميتِ الأحياءِ في قولِهم: ليس مَن ماتَ فاسْتراحَ بِمَيْتٍ … إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحياءِ فقال: «هو الذي لا يعرفُ معروفًا، ولا يُنكِرُ منكرًا» (١)؛ لكن من الناسِ مَن قد يُنكِرُ بعضَ الأمورِ دونَ بعضٍ، فيكونُ في قلبِه إيمانٌ ونفاقٌ، كما ذكر ذلك من ذكَره من السَّلَفِ؛ حيثُ قالوا: (القلوبُ أربعةٌ: قلبٌ أجرَدُ، فيه سِراجٌ يزهرُ، فذلك قلبُ المؤمنِ، وقلبٌ أغلَفُ؛ فهو قلبُ الكافرِ، وقلبٌ منكوسٌ؛ فذلك قلبُ المنافق، وقلبٌ فيه مادتانِ؛ مادةٌ تُمِدُّه بالإيمان، ومادةٌ تُمِدُّه بالنفاق، فذلك رجلٌ خلطَ عملًا صالحًا وآخَرَ سيئًا) (٢). وفي الجملةِ؛ فالأمرُ بالمعروفِ والنَّهْيُ عن المنكرِ فرضُ كفايةٍ، فإذا غلَب على الظنِّ أن غيرَه لا يقومُ به؛ تعيَّنَ عليه، ووجَب عليه ما يقدرُ عليه من ذلك، فإن ترَكَه كان عاصيًا للهِ ورسولِه، وقد يكونُ فاسقًا، وقد يكونُ كافرًا.

стр. 920

وينبغي لمن يأمرُ بالمعروفِ وينهى عن المُنكَرِ: أن يكونَ فقيهًا قبلَ الأمرِ، رفيقًا عندَ الأمرِ؛ ليسلُكَ أقربَ الطرقِ في تحصيلِه، حليمًا بعدَ الأمرِ؛ لأن الغالبَ أن يُصيبَه أذًى، كما قال: ﴿وانه عن المُنكَرِ واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾. فَصْلٌ قولُ مَن يقول: يلزمُ من كونِ الشيءِ في جهةٍ؛ سواءٌ كانت الجهةُ داخلَ العالمِ أو خارجَه؛ ثبوتُ إمكانِ الانقسامِ لذاتِه؛ لأن كلَّ واحدٍ من جوانبِه غيرُ الجانبِ الآخرِ، وكلُّ ممكنِ القسمةِ لذاتِه ممكنُ الوجودِ لذاتِه، لا واجب الوجود لذاته، ويلزمُ أيضًا من كونِ الشيءِ في جهةٍ؛ إما قِدَمُ الجهةِ، وإما ثبوت الانتقالِ. والجواب عن ذلك: أما الحجةُ الأولى؛ فللناسِ في جوابِها طريقانِ: أحدُهما: أنه تعالى فوقَ العرشِ، وهو معَ ذلك ليس بمنقسمٍ، هذا قولُ الكلَّابيةِ وأئمةِ الأشعريةِ وغيرِهم، وإذا قيلَ لهم: هذا ممتنعٌ، قالوا: إثباتُ وجودِ موجودٍ لا داخلَ العالمِ ولا خارجَه؛ أبعدُ عن العقولِ من إثباتِ موجودٍ خارجَ العالمِ وليس بجسمٍ ولا منقسمٍ، فإن كان الأولُ جائزًا في العقلِ؛ فالثاني أَوْلى بالجوازِ، وإن كان ممتنعًا؛ بطَلَ قولُ النُّفاةِ.

стр. 921

الطريقُ الثاني: أن يقالَ: الانقسامُ إن أريدَ به ثبوتُ الانقسامِ فيه بالفعلِ أو بالإمكانِ، بحيثُ يقبلُ التفريقَ والتبعيضَ؛ لم يسلَّمِ اللزومُ، ولا دليل عليه، وإنما ذَكر في الدليلِ أن كلَّ جانبٍ غيرُ الآخَرِ، ومُطلَقُ المغايرةِ لا يقتضي قبولَ التفريقِ والانفصالِ؛ فإن لفظَ «الغير» فيه اصطلاحانِ: أحدُهما: اصطلاحُ الأشعريةِ ومَن وافَقَهم؛ أنه ما جاز مفارقةُ أحدِهما الآخرَ بزمانٍ أو مكانٍ أو وجودٍ، أو ما جاز مفارقةُ أحدِهما مطلقًا، ولهذا لا يقولونَ: صفاتُ اللهِ مغايرةٌ لذاتِه، بل لا يقولونَ: إن الصفةَ اللازمةَ للمخلوقِ مغايرةٌ له، ولا أن بعضَ الجملةِ مغايرةٌ لها، ولا الواحدُ من العشرةِ مغايرٌ لها، فعلى هذا؛ إذا لم يقبلِ التفريقَ لم يكُنْ أحد (١) الجانبين مغايرًا للجملةِ ولا للآخرِ. والاصطلاحُ الثاني: أن حدَّ «الغيرين» ما جاز العلم بأحدِهما دونَ الآخرِ، وهو اصطلاحُ المعتزلةِ والكراميةِ، فعلى هذا تكونُ صفةُ الموصوفِ مغايرةً له، وتكون صفاتُ اللهِ مغايرةً لذاتِه، ويكونُ كلامُ اللهِ غيرَ اللهِ. وعلى قول الأولينِ: لا يكونُ كلامُه غيرَه. والذي عليه السَّلَفُ: أنه لا يُطلَقُ إثباتُ المغايرةِ ولا نَفْيُها؛ لكن يُفصَّلُ: هل أُريدَ بالغيرِ أنه يمكنُ العلم بهذا دونَ هذا، وأريدَ أنه يمكنُ

стр. 922

مفارقةُ هذا لهذا، أو وجودُ هذا دون هذا، أو تحقيقُ ماهيةِ هذا دونَ هذا، ونحوُ ذلك؟ فعلى هذا التفسيرِ؛ لا تكونُ الصفةُ اللازمةُ للموصوفِ ولا البعضُ اللازمُ مغايرًا لكلِّه. وعلى ذلك؛ فقولُه: (كلُّ ممكنِ القسمةِ لذاتِه ممكنُ الوجودِ لذاتِه)؛ جوابُه: أن لفظَ: (إمكانِ القسمةِ) فيه الإجمالُ المتقدمُ: فإن أردت أنه يقبلُ مفارقةَ بعضِه لبعضٍ؛ فلا دليلَ على لزومِ ذلك بعلُوِّه على عرشِه. وإن أردتَ به الامتيازَ الذي ذكَرْتَه والمغايرةَ التي عيَّنتَها؛ فلا نُسلِّمُ أن ما أمكنَ أن يميزَ منه شيءٌ عن شيءٍ يجبُ أن يكونَ ممكنَ الوجودِ لذاتِه، لا واجبَ الوجودِ لذاتِه؛ لا سيَّما على مذهَبِ أهلِ السُّنَّةِ الصفاتيةِ؛ فإن عندَهم: عالمٌ بعلمٍ، قادرٌ بقدرةٍ، حيٌّ بحياةٍ، وهذه معانٍ متميزةٌ ليس أحدُها هو الآخَرَ، بل وكذلك نُفاةُ الصفاتِ باتفاقِهم وجودُ واجبٍ قديمٍ في ذاتِه، عليمٍ قديرٍ، وليس المفهومُ من كلِّ اسمٍ هو المفهومَ من الآخَرِ؛ بل هو معانٍ متميزةٌ، وإن كان المسمَّى واحدًا، والمُعطِّلُ مُقِرٌّ بأنه موجودٌ، واجبٌ، قديمٌ، عاقلٌ، معقولٌ، عقلٌ، ونحوُ ذلك من المعاني المتميزةِ. ودَعْواه أن هذه الأمورَ تعودُ إلى سلْبِ أوصافِه معلومٌ بالضرورةِ، وإن جوَّز عقلُه أن تكونَ هذه المعاني لا تعودُ إلا إلى عدمِ أوصافِه؛ أمكنَ منازِعُه أن يقولَ فيما يُثبِتُه من الصفاتِ والقدرِ مثلَ ذلك، ويقول:

стр. 923

إن ذلك لا يوجبُ تعدُّدًا ولا تكثيرًا، بل هو راجعٌ إلى سلبِ أوصافه. وأما الحجةُ الثانيةُ؛ فجوابُها أن يقالَ: الجهةُ إما أن يُرادَ بها أمرٌ موجودٌ، أو معدومٌ: فإن أُريدَ بها أمرٌ موجودٌ؛ فما ثَمَّ موجودٌ إلا اللهُ ومخلوقاتُه، والله ليس في مخلوقاتِه. وإن أُريدَ بها أمرٌ معدومٌ؛ فالمعدومُ ليس بشيءٍ يحوي الموجودَ، وإنما يُقدَّرُ فيه الموجودُ تقديرًا. فقولُه: (يلزمُ قِدَمُ الجهةِ أو الانتقالُ)؛ إنما يصِحُّ لو قيلَ: إنه في موجود سواه، وأما إذا أريد بذلك أنه فوقَ العالَمِ، أو وراءَ العالمِ، وليس هناك غيرُه، فليس هناك شيءٌ موجودٌ غيرُه، حتى يقالَ: إنه قديم، وأما القدمُ؛ فإن قيلَ: إنه قديمٌ؛ فهو لعدمِ سائرِ المخلوقاتِ، وقدمُ العدمِ بهذا التفسيرِ ليس بممتنعٍ، فظهر فسادُ لزومِ أحدِ الأمرينِ. وأما لزومُ الانتقالِ؛ فللناسِ عنه جوابانِ مبنيانِ على جوازِ قيامِ الصفاتِ الفعليةِ المتعلقةِ بالمشيئةِ بذاتِه، فمن لم يُجوِّزْ ذلك قال: إنه لمَّا خلَق العالمَ لم ينتقلْ هو ولم يتغيرْ؛ بل خلَقَه مباينًا له، لم يدخُلْ في العالمِ، ولم يدخُلِ العالمُ فيه، وحدَثَت بينَه وبينَ العالمِ إضافة كما حدثت إضافةُ المعيَّةِ، وحدوثُ الإضافاتِ جائزٌ اتفاقًا؛ بل لا بدَّ منه، وهذا قولُ مَن يقولُ: الاستواءُ إضافةٌ محضةٌ، وأنه فعَلَ فِعْلَةً في العرشِ صار به مستويًا عليه لكونِه خلَق العرشَ تحتَه، فلزم أن يكونَ فوقَه من غيرِ حركةٍ من الربِّ، ولا تحولٍ قائمٍ بذاتِه.

стр. 924

والجوابُ الثاني: جوابُ مَن يُجوِّزُ قيامَ الأفعالِ الإراديةِ بذاتِه، كما هو المفهومُ من النصوصِ، وهؤلاءِ يلتزمونَ ما ذُكِر من معنى الانتقالِ والحركةِ؛ لكن منهم من يُقِرُّ بالمعنى دونَ اللفظِ؛ لكونِ الشرعِ لم يرِدْ بهذا اللفظِ، وإنما ورَد بلفظِ الاستواءِ، والمجيءِ، والنزولِ، ونحوِ ذلك، ومنهم من يُقِرُّ باللفظِ أيضًا، ويقولُ: إن ذلك لا يستلزمُ الحدوثَ، وإن الاستدلالَ بذلك على الحدوثِ باطلٌ، ومَن قال: إن ذلك حجةُ إبراهيمَ ﵇؛ فقد أبطَلَ؛ بل قصةُ إبراهيمَ تدلُّ على نقيضِ المطلوبِ، كما قد بُسِط كلامُ الناسِ في غيرِ هذا المكانِ، وهذا احتَملَتْه الورقةُ (١). فَصْلٌ (٢) وجودُ الجنِّ ثابتٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ واتفاقِ سَلَفِ الأمةِ، وكذلك دخولُ الجِنِّيِّ في بدَنِ الإنسانِ ثابتٌ باتِّفاقِ أئمةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة، وهو أمرٌ مشهورٌ محسوسٌ لمن تدَبَّرَه، يدخُلُ في المصروعِ، ويتكلمُ بكلامٍ لا نَعرفُه؛ بل ولا نَدْري به؛ بل يُضرَبُ ضربًا لو ضُرِبه جملٌ لمات، ولا يُحِسُّ به المصروعُ. وقولُه: ﴿يتخبطه الشيطان من المس﴾، و: «إنَّ الشيطانَ

стр. 925

يجري مَجْرى الدمِ» (١)، وغيرُ ذلك يُصدِّقُه. وأما معالجةُ المصروعِ بالرُّقَى والتعوذِ حتى يبرأَ؛ فهذا على وجهَينِ: فإن كانت الرُّقَى مما يُعرَفُ معناها، وهو مما يجوزُ في دينِ الإسلامِ أن يتكلمَ الرجلُ بها داعيًا للهِ، أو ذاكرًا له، ومخاطبًا لخلقِه، ونحوُه؛ فإنه يجوزُ أن يُرقَى بها؛ لأنه أذِنَ في الرُّقَى ما لم تكُنْ شركًا؛ ثبَتَ ذلك في الصحيحِ (٢)، وقال: «مَن استطاعَ أن ينفعَ أخاه فلْيفعَلْ» (٣). وإن كان في ذلك كلماتٌ محرمةٌ؛ مثلُ شركٍ، أو كانت كلمات مجهولة المعنى، يَحتمِلُ أن يكونَ فيها ما هو كفرٌ؛ فليس لأحدٍ أن يرقيَ بها، ولا يعزمَ، ولا يقسمَ، وإن كان قد ينصرفُ عن المصروعِ بها؛ فإنَّ ما حرَّمَه اللهُ ضررُه أكثرُ من نفعِه؛ كالسيمياءِ وغيرِها من أنواعِ السحرِ، فإن الساحرَ السيماويَّ، وإن كان يَنالُ بذلك بعضَ أغراضِه؛ فهو كما ينالُ بالزنى بعضَ أغراضِه، فليس للعبدِ أن يدفعَ كلَّ ضررٍ بما شاءَ، ولا يجلبَ كلَّ منفعةٍ بما شاء؛ بل لا بدَّ من تقوى اللهِ. فمن كذَّبَ بما هو موجودٌ من الجنِّ والشياطينِ والسِّحْرِ، وما [يأتون به] (٤) على اختلافِ أنواعِه؛ كدعاءِ الكواكبِ، وتمريخِ (٥) القوى الفعالةِ

стр. 926

السماوية بالقوى المنفعلةِ الأرضيةِ، وما ينزلُ مِن الشياطينِ على كلِّ أفاكٍ أثيمٍ، وحضورِ الجنِّ بما يُستحضَرونَ به من العزائمِ والأقسام وأمثالِ ذلك، كما هو موجودٌ؛ فقد كذَّبَ بما لم يُحِطْ به علمًا. ومَن جوَّز أن يفعلَ الإنسانُ بما يراه مؤثرًا من غيرِ أن يزِنَه على شريعةِ الإسلامِ؛ فقد أخطأَ خطأً بيِّنًا، بل ثبَتَ عنه أنه قال: «مَن قرأ آيةَ الكرسيِّ حينَ يأوي إلى فِراشِه؛ لم يزَلْ عليه حافظٌ، ولم يقرَبْه شيطانٌ» (١)، وكان يُعلِّمُ أصحابَه: «أعوذُ بكلماتِ اللهِ التامةِ من غضَبِه وعقابِه، وشرِّ عبادِه، ومن هَمَزاتِ الشياطينِ، وأن يحضرونِ» (٢)، وقد جمع العلماءُ ما ثبَتَ عنه من ذلك مما فيه نجاةُ المؤمنينَ وسبيلُ المتقينَ. فَصْلٌ الذي عليه جمهورُ سلَفِ المسلمِينَ: أنَّ كلَّ مؤمنٍ مسلمٌ، وليس كلُّ مسلمٍ مؤمنًا، فالمؤمنُ أفضلُ من المسلمِ، قال تعالى: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾، ومَن كان عالمًا بما أمَره اللهُ ونهاه؛ فهو عالمٌ بالشريعةِ، ومَن لم يكُنْ عالمًا بذلك؛ فهو جاهلٌ من أجهلِ الناسِ.

стр. 927

وليس القَدَمُ الذي بالصخرةِ قدمَ النبيِّ، ولا قدمَ أحدٍ من الأنبياءِ، ولا يُضافُ إلى الشريعةِ تقبيلُه، ولا التمسُّحُ به، ولا شيءٍ من الأرضِ سوى الحجرِ الأسودِ والركنَينِ اليمانِيَيْنِ بالبيتِ العتيقِ، وتنازَعوا في التمسحِ بمِنْبرِه لو كان باقيًا. وأبو بكرٍ وعمرُ؛ هما أفضلُ وأشجعُ وأدينُ وأكرمُ من جميعِ الصحابةِ ﵃ أجمعينَ. والثوبُ الذي هو للشهرةِ ؛ هو الثوبُ يُقصَدُ به الارتفاعُ على الناسِ، أو إظهارُ التواضعِ والزهدِ، كما جاء أن السَّلَفَ يكرهونَ الشهرتينِ من اللباسِ المرتفعِ والمنخفضِ (١)، ولهذا قال في الحديثِ: «مَن لبِسَ ثوبَ شُهْرةٍ ألبَسَه اللهُ ثوبَ مَذَلَّةٍ» (٢)؛ فإنه عُوقِبَ بنقيضِ قَصْدِه، وجاء في الحديثِ: «إن لكلِّ عاملٍ شِرَّةً، ولكلِّ شِرَّةٍ فَتْرةً، فإنْ صاحِبُها سدَّد وقارَبَ، فارجوه، وإنْ أشِير إليه بالأصابعِ؛ فلا تَعُدُّوه» (٣)، وقال الحسنُ البصريُّ: «إذا دخلْتَ السوقَ، وأشار الناسُ إليكَ بالأصابعِ» (٤)، فقال: إنه لم يُرِدْ هذا، وإنما أرادَ المبتدعَ في دينهِ، والفاجرَ في دينِه؛ أي: يشار إليه بخروجِه عن الطريقِ الشرعيةِ.

стр. 928

ومَن قال: إن أحدًا من أولياءِ اللهِ يقولُ للشيءِ: «كُنْ فيكونُ»؛ فإنه يُسْتتابُ، فإن تاب وإلا قُتِل؛ فإنه لا يقدرُ على ذلك أحدٌ غيرُ الله، وليس كلُّ ما يريدُه ابنُ آدمَ يحصلُ له، ولو كان مَن كان؛ لكنْ في الآخرةِ يحصُلُ له كلُّ ما يريدُ، فإذا اشتهى شيئًا حصَل له ذلك بقدرةِ اللهِ تعالى. فَصْلٌ أعمالُ القلوبِ التي تُسمَّى المقاماتِ أو الأحوالَ؛ وهي من أصولِ الإيمانِ وقواعدِ الدينِ؛ مثلُ: محبةِ اللهِ ورسولِه، والتوكلِ على اللهِ، وإخلاصِ الدينِ له، والشكرِ له، والصبرِ على حكمِه، والخوفِ منه، والرجاءِ له، وما يتبعُ ذلك؛ كلُّ ذلك واجبٌ على جميعِ الخلقِ المأمورينَ في الأصلِ باتِّفاقِ أئمةِ الدينِ. والناسُ فيها على ثلاثِ درجاتٍ، كما هم في أعمالِ الأبدانِ على ثلاثِ درجاتٍ أيضًا: ظالمٌ لنفْسِه، ومقتصِدٌ، وسابقٌ بالخيراتِ. فالظالمُ: العاصي بتركِ مأموراتٍ، وفعلِ محظوراتٍ. والمقتصدُ: المؤدي للواجباتِ، والتاركُ للمحرماتِ. والسابقُ بالخيراتِ: المتقربُ بما يقدرُ عليه من واجبٍ ومُستحَبٍّ، والتاركُ للمحرمِ والمكروهِ. وإن كان كلٌّ من المقتصدِ والسابقِ قد تكونُ له ذنوبٌ تُمحَى عنه؛ إما بتوبةٍ، واللهُ يحِبُّ التوابينَ، وإما بحسناتٍ ماحيةٍ، وإما بمصائبَ

стр. 929

مكفِّرةٍ، وإما بغيرِ ذلك، وكلٌّ من السابقينَ والمقتصدينَ؛ أولياءٌ للهِ، فإن أولياءَ اللهِ هم الذينَ قال فيهم: ﴿ألا إن أولياء اللهِ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذينَ آمنوا وكانوا يتقون﴾، فحَدُّ أولياءِ اللهِ: هم المؤمنونَ المتقونَ. وأما الظالمُ لنفْسِه؛ فهو من أهلِ الإيمانِ، فمعَه ولايةٌ بقدرِ إيمانِه وتقواه، كما معَه من ضدِّ ذلك بقدرِ فُجورِه؛ إذِ الشخصُ الواحدُ تجتمعُ فيه الحسناتُ والسيئاتُ؛ حتى يمكنَ أن يثابَ ويُعاقَبَ، وهذا قولُ جميعِ الصحابةِ وأئمةِ الإسلامِ وأهلِ السُّنَّةِ؛ بخلافِ الخوارجِ والمعتزلةِ القائلينَ بأنه لا يخرُجُ من النارِ مَن دخَلها مِن أهلِ القبلةِ، وأنه لا شفاعةَ للرسولِ، ولا لغيرِه في أهلِ الكبائرِ، لا قبلَ دخولِ النارِ ولا بعدَها، فعندَهم: لا تجتمعُ في شخصٍ حسناتٌ وسيئاتٌ. ودلائلُ هذا الأصلِ مبسوطةٌ في موضعٍ آخَرَ. وأصلُ الدينِ هو الأمورُ الباطنةُ من العلومِ والأعمالِ، فإن الأعمالَ الظاهرةَ لا تنفعُ بدونِها، كما في الحديثِ: «إن في الجسدِ مُضْغةً، إذا صلَحَتْ صلَحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فسدَتْ فسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ» (١)، وعن أبي هُرَيرةَ، قال: «القلبُ مَلِكٌ، والأعضاءُ جنودُه، فإذا طاب الملكُ طابَتْ جنودُه، وإذا خبُثَ خبُثَتْ جنودُه» (٢).

стр. 930

وأما الحزنُ فلم يأمُرِ اللهُ به؛ بل نهى عنه في مواضعَ؛ مثلُ: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا﴾، ﴿لا تحزن إن اللهَ معنا﴾، ﴿لكيلا تحزنوا﴾، وذلك لأنه لا يجلبُ منفعةً ويدفعُ مَضَرَّةً؛ فلا فائدةَ فيه، وما لا فائدةَ فيه (١) لا يأمُرُ اللهُ به. نعم؛ ولا يأثَمُ صاحبُه إذا لم يقترنْ بحزنِه محرمٌ، كما يحزنُ على المصائبِ، كما قال: «إن اللهَ لا يُؤاخِذُ على دمعِ العينِ، ولا على حزنِ القلبِ» (٢). وقد يقترنُ الحزن بما يُثابُ صاحبُه عليه ويُحمَدُ عليه، فيكونُ محمودًا من تلك الجهةِ، لا من جهةِ الحزنِ، كالحزينِ على مصيبةٍ في دينِه، وعلى مصائبِ المسلمِينَ عمومًا؛ فهذا يُثابُ على قدرِ ما في قلبِه من حبِّ الخيرِ وبغضِ الشرِّ وتوابعِ ذلك، ولكن الحزنَ على ذلك إذا أفضى إلى تركِ مأمورٍ من الصبرِ والجهادِ وجلبِ منفعةٍ ودفعِ مضرةٍ؛ نُهِيَ عنه، وإلا كان حسْبُ صاحبه رفعَ الإثمَ عنه من جهةِ الحزنِ. وأما إذا أفضى إلى ضعفِ القلبِ واشتغالِه به عن فعلِ ما أمَر اللهُ به ورسولُه؛ كان مذمومًا من تلك الجهةِ، وإن كان محمودًا من جهةٍ أخرى. وأما المحبةُ له، والتوكلُ عليه، والإخلاصُ له؛ فهذه كلُّها خيرٌ

стр. 931

محضٌ، وهي حسنةٌ محبوبةٌ في حقِّ كلٍّ من النبيينَ والصدِّيقينَ والشهداءِ والصالحينَ، لا يخرُجُ عنها مؤمنٌ قطُّ، وهذه المقاماتُ للخاصةِ خاصَّتُها، وللعامةِ عامَّتُها. والعبادةُ هي الغايةُ التي خلَق اللهُ لها العبادَ من جهةِ أمرِ اللهِ ومحبتِه ورضاه، وهو اسمٌ يجمعُ كمالَ الحبِّ لله ونهايتَه، وكمالَ الذلِّ ونهايتَه، والحبُّ الخليُّ عن الذلِّ، والذلُّ الخليُّ عن الحبِّ؛ لا يكونُ عبادةً، وإنما العبادةُ ما جمَع كمالَ الأمرينِ، ولهذا كانت العبادةُ لا تصلُحُ إلا للهِ، وهي وإن كانت للعبدِ منفَعتُها واللهُ غنيٌّ عن العالمينَ؛ فهي له من جهةٍ أخرى؛ من جهةِ محبتِه لها ورضاه بها، ولهذا كان أشدَّ فرحًا بتوبةِ عبدِه من الفاقدِ لراحلتِه عليها طعامُه وشرابُه، في أرضٍ دَوِّيَّةٍ مهلكةٍ، إذ نام آيِسًا منها، ثم استيقظَ فوجَدَها، فاللهُ أشدُّ فرحًا بتوبةِ عبدِه مِن هذا براحلتِه، وهذا يتعلقُ به أمورٌ جليلةٌ شرَحْناها في غيرِ هذا الموضعِ. وروَى الطبرانيُّ في «كتابِ الدعاءِ» أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: «يقولُ اللهُ تعالى: يا ابنَ آدمَ، إنما هي أربعٌ، واحدةٌ لي، وواحدةٌ لكَ، وواحدةٌ بيني وبينَكَ، وواحدةٌ بينَكَ وبينَ خَلْقي، فأما الذي هي لي: فتعبُدُني لا تشركُ بي شيئًا، وأما التي هي لكَ: فعملُكَ أجزيكَ به أحوجَ ما تكون إليه، وأما التي بيني وبينكَ: فمنك الدعاءُ، وعليَّ الإجابةُ، وأما التي بينَكَ وبينَ خَلْقي: فائتِ الناسَ ما تحبُّ أن يأتوه لكَ» (١).

стр. 932

وطلبُ العلمِ الواجبِ لكونِه معيَّنًا على كلِّ أحدٍ، أو لكونِه هو محتاجٌ إلى جوابِ مسائلَ في أصولِ دينِه أو فروعِه، ولا يجدُ في بلدِه من يُجيبُه، وإما لكونِه فرضًا على الكفايةِ، ولم يقُمْ به مَن يُسقِطُ الفرضَ؛ فيجوزُ السفرُ لطلبِ ذلك بدونِ رضا الوالدينِ، فلا طاعةَ لهما في تركِ فريضةٍ. فَصْلٌ (١) ومَن قال: إن اللهَ لم يكلِّمْ موسى تكليمًا، فإنه يُعرَّفُ نصَّ القرآنِ، فإن أنكَرَه بعدَ ذلك استُتِيبَ، فإن تاب وإلا قُتِل، فالكفرُ لا يكونُ إلا بعدَ البيانِ. وأما الأئمَّةُ الذينَ أفتَوا بقتلِ مثل هؤلاء الجَهْميَّةِ الذينَ يُنكِرونَ رؤيةَ اللهِ في الآخرةِ، ويقولونَ: القرآنُ مخلوقٌ، ونحوَ ذلك؛ قيلَ: إنهم أمروا بقتلِهم لأجلِ كفرِهم، وقيلَ: لأنهم إذا دعوا الناسَ إلى بدعَتِهم؛ أضلُّوا الناسَ، فقُتِلوا لأجلِ الفسادِ في الأرضِ، وحفظًا لدينِ الناسِ أن يُضِلُّوهم. وبالجملةِ؛ فقد اتَّفقَ سلَفُ الأمةِ وأئمَّتُها على أن الجَهْميَّةَ من شرِّ طوائفِ أهل البدع، حتى أخرجوهم عن الثنتينِ والسبعينَ فرقةً. ومِن الجَهْميَّةِ: المتفلسفةُ والمعتزلةُ الذينَ يقولونَ: كلامُ الله

стр. 933

مخلوق، وأنه لا يُرَى في الآخرةِ، وأنه ليس مباينًا لخلقِه، وأمثالَ هذه المقالاتِ المستلزمةِ تعطيلَ الخالقِ، وليس كلُّ من خالفَ ما عُلِم بطريقِ العقلِ كان كافرًا، ولو قُدِّرَ أنه جحَد بعضَ صرائحِ العقلِ؛ لم يُحكَمْ بكفرِه؛ حتى يكونَ قوله كفرًا في الشريعةِ، بخلافِ مَن خالفَ ما عَلِم أن الرسولَ جاء به؛ فإنه كافرٌ بلا نزاعٍ. وذلك أنه ليس في الكتابِ والسُّنَّةِ، ولا في قولِ أحدٍ من سلف الأمةِ: الإخبارُ عن اللهِ بأنه مُتحيِّزٌ، أو ليس بمُتحيِّزٍ، ولا في الكتابِ والسُّنَّةِ: أن مَن قال هذا وهذا يكفُرُ. وهذا اللفظُ مُبتدَعٌ، والكفرُ لا يتعلقُ بمجرَّدِ أسماءٍ مُبتدَعةٍ لا أصلَ لها؛ بل يُستفسَرُ هذا القائلُ، فإن قال: أعني أنه مُتحيِّزٌ؛ أي: داخلٌ في المخلوقاتِ، قد حازَتْه؛ فهذا باطلٌ، وإن قال: أعني أنه منحازٌ عن المخلوقاتِ، مباينٌ لها؛ فهذا حقٌّ، وكذلك قولُه: ليس بمتحيز؛ إن أرادَ أن المخلوقَ لا يحوزُ الخالقَ؛ فقد أصابَ، وإن قال: الخالقُ لا يُبايِنُ المخلوقَ؛ فقد أخطأَ. فَصْلٌ (١) السماعُ الذي أمَر الله به ورسولُه هو سماعُ القرآنِ؛ كما قال: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا﴾، وقال: ﴿إذا يتلى عليهم

стр. 934

يخرون للأذقان﴾، ﴿يبكون ويزيدهم خشوعا﴾، ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾، ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾، ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾، ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن﴾، ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذينَ يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾، وهذا كثيرٌ في القرآنِ. وذَمَّ المعرضينَ عنه مثل قولِه: ﴿وقال الذينَ كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه﴾، ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها﴾، ﴿إن شر الدواب عندَ اللهِ الصم البكم الذينَ لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾. وشُرِع سماعُه في عِشاءِ الآخرةِ والمغربِ، وأعظمُ سماعٍ شرَعه في الفجرِ؛ قال: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾، قال ابنُ رَواحةَ يمدحُ النبيَّ ﷺ : وفينا رسولُ اللهِ يتلو كتابَه إذا انشَقَّ معروفٌ من الفجرِ ساطِعُ أرانا الهُدَى بعدَ العَمَى فقُلوبُنا … به موقناتٌ أنَّ ما قال واقِعُ يَبِيتُ يُجافي جَنْبَه عن فِراشِه … إذا استَثْقَلَتْ بالمشركينَ المضاجِعُ (١)

стр. 935

وهو مُستحَبٌّ لهم في غير الصلاة، كما في الصحيحِ أنه قال لابنِ مسعودٍ: «اقرأ عليَّ»، فقلتُ: أقرأُ عليكَ وعليكَ أُنزِلَ؟! فقال: «إنِّي أحِبُّ أن أسمعَه مِن غيري»، فقرأتُ عليه سورةَ النساءِ حتى قرأتُ قولَه: ﴿فكيفَ إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاءِ شهيدا﴾، فقال: «حَسْبُكَ»، فنظرتُ فإذا عيناه تذرفانِ (١)، وكان الصحابةُ إذا اجتمعوا أُمِر أحدُهم يقرأ، والباقون (٢) يستمعونَ (٣). وهذا السماعُ له آثارٌ إيمانيةٌ من المعارفِ القدسيةِ والأحوالِ الكونيةِ، يطولُ شرحُها، وله في الجسدِ آثارٌ محمودةٌ من خشوعِ القلبِ، ودموعِ العينِ، واقشعرارِ الجلدِ. وقد ذكَر اللهُ هذه الثلاثةَ في القرآنِ، وكانت موجودةً في الصحابةِ، وحدَثَ بعدَهم آثارٌ ثلاثةٌ؛ من الاضطرابِ، والصراخِ، والإغماءِ أو الموتِ، فأنكَرَ بعضُ السَّلَفِ ذلك؛ إما لبدعَتِهم، وإما لتصنُّعِ صاحبه، وجمهورُ السَّلَفِ لا يُنكِرُ ذلك إذا كان السماعُ شرعيًّا، فإن السببَ إذا لم يكُنْ محذورًا؛ كان صاحبُه معذورًا، وسبَبُه ضعفُ القلبِ وقوةُ الواردِ، ولو لم يُؤثِّرْ لكان مذمومًا، كما قال: ﴿ولا تكونوا كالذينَ أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون﴾، ولو

стр. 936

أثَّر آثارًا محمودةً ولم يُخرِجْ عن العقلِ؛ لكانوا أكملَ. وأما سَماعُ القصائدِ لصلاحِ القلوبِ والاجتماعِ على ذلك، إما نشيدًا مجردًا، وإما مقرونًا بالتغبيرِ (١) ونحوِه؛ مثلِ: الضربِ بالقضيبِ على الجلودِ حتى يطيرَ الغبارُ، وإمَّا بالتصفيقِ ونحوِه؛ فهذا السماعُ مُحدَثٌ في الإسلامِ بعدَ ذهابِ القرونِ الثلاثةِ، وقد كرِهَه أعيانُ الأئمَّةِ، ولم يحضُرْه أكابرُ المشايخِ، فقال الشافعيُّ: «خلَّفْتُ ببغدادَ شيئًا أحدَثَتْه الزَّنادِقةُ يُسمونَه التغبيرَ، يصُدُّونَ به الناسَ عن القرآنِ»، وسُئِلَ الإمامُ أحمدُ؟ فقال: «هو مُحدَثٌ، أكرَهُه»، قيلَ له: إنه يُرِقُّ القلبَ، قال: لا تجلسْ معَهم، قيلَ: أيُهجَرونَ؟ فقال: «لا يبلُغُ بهم هذا كلُّه». فتبيَّنَ أنه بدعةٌ، ولو كان للناسِ فيه منفعةٌ لفعَلَه القرونُ الثلاثةُ، ولم يحضرْه مثلُ ابنِ أدهمَ، والفضيلِ، ومعروفٍ، وسَرِيٍّ، وأبي سليمانَ الدارانيِّ، والشيخِ عبدِ القادرِ، والشيخ عدي، وأبي البيان، والشيخ حياة، بل في كلام بعضهم - كالشيخ عبد القادر وغيرِه - النهيُ عنه، وكذلك أعيانُ المشايخِ.

стр. 937

وقد حضَره جماعةٌ من المشايخِ، وشرَطوا له المكانَ والإمكانَ والخِلَّانَ، وأكثرُ الذينَ حضَروه من المشايخِ؛ المعروفُ أنهم رجَعوا عنه في آخِرِ عمرِهم؛ كالجُنَيدِ، وكان يقولُ: (من تكلَّفَ السماعَ فُتِنَ به، ومَن صادَفَه استراحَ)، فقد ذَمَّ مَن يجتمعُ له، ورخَّص لمن لا يقصِدُه؛ بل صادَفَه. وسببُ ذلك: أنه مجمل؛ فيه شعر يحتمل حبَّ الرحمنِ، والمردانِ والنِّسوانِ والصلبانِ والإخوانِ والأوطانِ، فقد يكونُ فيه منفعةٌ إذا حرَّك الساكنَ، وكان مما يحبُّه اللهُ ورسولُه؛ لكن فيه مضرةً راجحةً على منفعتِه؛ كالخمرِ والميسرِ؛ فإن ﴿فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، فلهذا لم تأتِ به الشريعةُ، فإنها لم تأتِ إلا بالمصلحةِ الخالصةِ أو الراجحةِ. أما ما غَلبتْ مفسدتُه فلا تأتي به شريعةٌ، وذلك أنه يهيجُ الوَجدَ المشتركَ، فيُثيرُ من النفسِ كوامنَ تضُرُّه آثارُها، وتعدي النفسَ وتُتعِبُها به، فيعتاضُ به عن سماعِ القرآنِ؛ حتى لا يبقى فيها محبةٌ لسماعِ القرآنِ، ولا الالتذاذُ به؛ بل يبقى في النفسِ بغضٌ لذلك، كمن شغَل نفْسَه بتعلُّمِ علمِ التوراةِ والإنجيلِ وعلومِ أهلِ الكنائسِ، واستفادةِ العلمِ والحكمةِ منها، وأعرَضَ بذلك عن كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِه، إلى أشياءَ أخَرَ يطولُ شرحُها، فلما كان هذا السماعُ لا يعطي بنفْسِه ما يحِبُّ اللهُ ورسولُه من الأحوالِ والمعارفِ، بل قد يصُدُّ عن ذلك، ويُعطي ما لا يحبُّه اللهُ ورسولُه، أو ما يُبغِضُه؛ لم يأمُرِ اللهُ به ولا رسولُه، ولا سلَفُ الأمةِ، ولا أعيانُ مشايخِها.

стр. 938

ونكتةُ ذلك: أن الصوتَ يؤثرُ في النفسِ بحسَبِه، فتارةً يُفرِحُ، وتارةً يُحزِنُ، وتارةً يُغضِبُ، وتارةً يُرضِي، وإذا قوِي أسكَرَ الروحَ، فتصيرُ في لذةٍ مطربةٍ من غيرِ تمييزٍ، كما يحصُلُ لها إذا سكرتْ بالصورِ، والجسدِ إذا سكِر بالطعامِ أو الشرابِ، فإن السُّكْرَ هو الطَّرَبُ الذي يُورِثُ لذةً بلا عقلٍ، فلا تقومُ منفعةُ تلك اللذةِ بما يحصُلُ من غَيْبةِ العقلِ الذي صَدَّتْ عن ذكرِ اللهِ وعن الصَّلاةِ، وأورَثَتْ العداوةَ والبغضاءَ. وبالجملةِ؛ فعلى المؤمنِ أن يعلمَ أن النبيَّ ﷺ لم يتركْ شيئًا يُقرِّبُ إلى الجنةِ إلا وقد حدَّث به، ولا شيئًا يُبعِدُ عن النارِ إلا وقد حدَّث به، ولو كان في هذا السماعِ مصلحةٌ شرعيةٌ؛ لشرَعَه اللهُ ورسولُه، فإنه يقولُ: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، وإذا وجَد فيه منفعةً بقلبِه، ولم يجدْ شاهدَ ذلك من الكتابِ والسُّنَّةِ؛ لم يَلْتفِتْ إليه، كما أن الفقيهَ إذا رأى قياسًا لا يشهدُ له الكتابُ والسُّنَّةُ؛ لم يَلتفِتْ إليه ويكونُ باطلًا. وقال أبو سليمانَ الدارانيُّ: (إنه ليمُرُّ بقلبي النكتةُ من نُكَتِ القومِ، فلا أقبَلُها إلا بشاهدَيْن عدلين: الكتابِ والسُّنَّةِ)، وقال أيضًا: (ليس لمن أُلهِمَ شيئًا من الخيرِ أن يَفعلَه حتى يجدَ فيه أثرًا، فإذا وجَد فيه أثرًا؛ كان نورًا على نور)، وقال الجُنَيدُ: (عِلمُنا هذا مقيدٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ، فمن لم يقرَأِ القرآنَ ويكتب الحديثَ؛ لم يصلُحْ له أن يتكلمَ في علمِنا).

стр. 939

وأيضًا: فإن اللهَ تعالى يقولُ: ﴿وما كان صلاتهم عندَ البيت إلا مكاء وتصدية﴾، قال السَّلف: المُكاءُ: الصفير، والتصديةُ: التصفيقُ باليدِ، فقد أخبر عن المشركين أنهم كانوا يجعلونَ التصفيقَ والغناءَ لهم صلاةً وعبادةً وقربةً، يعتاضونَ به عن الصَّلاةِ التي شرَعَها اللهُ ورسولُه. وأما المسلمونَ من الصحابةِ والتابعِينَ؛ فصلاتُهم وعبادتُهم القرآنُ واستماعُه، والركوعُ والسجودُ، وذِكْرُ اللهِ ودعاؤُه، ونحوُ ذلك مما يحبُّه اللهُ، فمن اتخذَ الغناءَ والتصفيقَ عبادةً؛ فقد شابَهَ المشركينَ، فإن فعَلَه في بيوتِ اللهِ؛ فقد شابَهَهم أكثرَ وأكثرَ، وإن اشتَغلَ به عن الصَّلاةِ والقرآنِ؛ فقد عظُمتِ المشابهةُ لهم، وصار له كِفْلٌ عظيمٌ من الذمِّ الذي دلَّ عليه القرآن؛ لكن قد يُغفَرُ لهم بحسناتٍ، أو اجتهادٍ، أو غيرِ ذلك مما يفترقُ فيه المسلمُ والكافرُ؛ لكن مفارقتَه للمشركينَ في غيرِ هذا؛ لا يمنعُ أن يكونَ ملومًا خارجًا عن الشريعةِ، داخلًا في البدعةِ التي ضاهَى بها المشركينَ. فينبغي للمؤمنِ أن يتفطنَ لهذا، ويُفرِّقَ بينَ سماعِ المسلمِينَ الذي أمَر اللهُ به، وسماعِ المشركينَ الذي نهى الله عنه، ويعلمَ أن هذا السماعَ المُحدَثَ من جنسِ سماعِ المشركينِ، ومعَ ذلك فقد شرَطوا له شروطًا لا تكادُ توجدُ في سماعٍ، فعامةُ هذه السماعاتِ خارجةٌ عن إجماعِ المشايخِ، وليس للعالَمينَ شريعةٌ سوى التي جاء بها محمدٌ ﷺ ، فخيرُ الكلامِ كلامُ اللهِ، وخيرُ الهدي هدي محمدٍ.

стр. 940

وقد تزَنْدقَ بعضُ الكذابينَ، ورَوى أن أعرابيًّا أنشد للنبيِّ ﷺ : قد لسعَتْ حيةُ الهوى كَبِدي فلا طبيبَ لها ولا راقي إلا الحبيبُ الذي شُغِفْتُ به فعندَه رُقْيَتي وتَرْياقي وأنه تواجدَ حتى سقَط رداؤُه عن مَنكِبيه، وقال: «ليس بكريمٍ مَن لم يتواجدْ عندَ ذكرِ محبوبه» (١). وهذا كذبٌ بإجماعِ العارفينَ بسيرةِ رسولِ اللهِ ﷺ وسنتِه وأحوالِه، كما كذَب بعضُهم أن أهلَ الصُّفَّةِ قاتلوا المسلمِينَ معَ المشركينَ، فهذا كلُّه قد كَذَبه مَن خرَج عن أمرِ اللهِ ورسولِه، ونفَقَتْ على طوائفَ من الجاهلينَ. وأما الرقصُ؛ فلم يأمُرِ اللهُ به ولا رسولُه، ولا أحدٌ من الأئمَّةِ؛ بل قال: ﴿ولا تمش في الأرضِ مرحا﴾، والرقصُ شيء من ذلك. وليس لأحدٍ أن يتعاطى ما يُسكِرُه ويُخرِجُه عن عقلِه، فمن كان صادقًا في هذه الأحوالِ؛ فهو مبتدعٌ ضالٌّ، من جنسِ خُفَراء العدوِّ وأعوانِ الظلمةِ، ومن كان كاذبًا فهو منافقٌ ضالٌّ، وقال الجُنَيدُ: (من وقَّر صاحبَ بدعةٍ؛ فقد أعانَ على هدمِ الإسلامِ، ومَن انتَهرَ صاحبَ بدعةٍ؛ ملأ اللهُ قلبَه أمنًا وإيمانًا)، وإذا كان غيرَ مشروعٍ ولا مأمورٍ به؛

стр. 941

فالتعبدُ به، واستفتاحُ بابِ الرحمةِ به؛ هو مِن جنسِ عبادةِ الرُّهْبانِ، ليس مِن عبادةِ أهلِ الإسلامِ والإيمانِ. فَصْلٌ وأما دعاءُ غيرِ اللهِ والاستعانةُ بغيرِه؛ فلا تجوزُ، وإن جاز أن يتوسلَ برسولِ اللهِ، فيجوز أن يقولَ: «اللهُمَّ إني أسألُكَ وأتوسلُ إليكَ بنبِيِّكَ نبيِّ الرحمةِ، يا محمدُ، يا رسولَ اللهِ، إني أتوسلُ بكَ إلى ربي في حاجتي؛ ليقضِيَها لي، اللهُمَّ فشفِّعْه فيَّ» (١). ولا يجوزُ أن يقولَ: يا رسولَ اللهِ اغفِرْ لي، ولا: ارحَمْني، ولا: تُبْ عليَّ، ولا: أَعِنِّي، ولا: انصُرْني، ولا: أغِثْني، ولا يُدعَى إلا اللهُ، ولا يُعبَدُ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، ﴿وأن المساجد للهِ فلا تدعوا معَ الله أحدا﴾، فلا يجوزُ أن يُدعَى أحدٌ من الملائكةِ والنبيينَ، فكيفَ بالمشايخِ؟! ولكنَّ حقَّ الرسولِ: أن نؤمنَ به ونُعَزِّرَه ونُوَقِّرَه ونتبِعَه، ويكونَ أحبَّ إلينا من أنفسِنا، وأهلِنا، وأموالِنا، وأولادِنا. ولولاةِ الأمورِ من العُلَماءِ والمشايخِ والملوكِ والأمراءِ حقوقٌ، كلٌّ بحسَبِه فيما أمَر اللهُ به ورسولُه.

стр. 942

وأما العبادةُ والاستعانةُ وتوابِعُها فللهِ، ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، فلا يجوزُ لأحدٍ أن يحلفَ بحياةِ أبيه، أو نفْسِه، أو شيخِه، أو تربتِه، ولا برأسِه، أو رأسِ فلانٍ، ولا بنعمةِ السلطانِ، ولا بالسيفِ، ولا بغيرِ اللهِ، واللهُ يُوفِّقُنا وسائرَ إخوانِنا لما يحبُّه ويَرْضاه. فَصْلٌ (١) وليس في جبلِ لبنانَ وأمثالِه فضلٌ، ولا نصَّ في ذلك عن اللهِ ولا عن رسولِه؛ بل هو كغيرِه من الجبالِ التي خلَقَها اللهُ تعالى. وأما ما يُذكَرُ في بعضِ الحكاياتِ من الاجتماع ببعضِ العبادِ في جبلِ لبنانَ، وجبلِ اللُّكامِ ونحوِه، وما يُؤثَرُ عن بعضهم من حميدِ المقالِ؛ فلأن هذه الأمكنةَ كانت ثُغورًا يُرابِطُ بها المسلمونَ بجهادِ العدوِّ، فكانت غزةُ، وعَسْقلانُ، وعَكَّا، وبيروتُ، وجبلُ لبنانَ، وطَرابُلُسُ، ومَصِيصةُ، وسِيسُ، وطَرْطُوسُ، وأَذِنةُ، وجبلُ اللُّكامِ، ومَلَطْيةُ، وآمِدُ، وجبل ليسون، إلى قَزْوينَ، إلى الشاشِ، ونحوُ ذلك من البلادِ كانت ثُغورًا، كما كانت الإسكندريةُ وعَبَّادانُ، وكان الصالحونَ ينتابونَ الثغورَ لأجلِ الجهادِ والمرابطةِ في سبيلِ اللهِ، فإن المرابطةَ أفضلُ من المجاورةِ بمكةَ والمدينةِ، ما أعلَمُ في ذلك خلافًا، فكان

стр. 943

صالحو المؤمنينَ يرابطونَ في هذه الأماكنِ؛ كالأوزاعيِّ، وأبي إسحاقَ الفزاريِّ، ومَخْلَدِ بنِ الحسينِ، وإبراهيمَ بنِ أدهمَ، وعبدِ اللهِ بنِ المباركِ، وحذيفةَ المرعشي، ويوسفَ بنِ أسباطَ، وغيرِهم، كأحمد ابن حنبلٍ وسَرِي وغيرِهما كانا يقصدانِ طَرَسوسَ. فعامةُ ما يُذكَرُ في فضلِ هذه الأماكنِ في كلامِ المتقدمينَ هو لأجلِ كونِها كانت ثغورًا، لا لخاصيةٍ في ذلك المكانِ، وكونُ البقعةِ ثَغرًا وغيرَ ثَغْرٍ هو من الصفاتِ العارضةِ لها لا الملازمةِ، بمنزلةِ كونها دارَ إسلامٍ أو دارَ كفرٍ، فذلك يختلفُ باختلافِ سُكَّانِها وصفاتِهم، بخلافِ المساجدِ الثلاثةِ؛ فإن حرمَتَها صفةٌ لازمةٌ لها، لا يمكنُ إخراجُها عن ذلك، وأما سائرُ المساجدِ فبين العُلماءِ نزاعٌ في جوازِ تغييرِها للمصلحةِ وجعلِها غيرَ مسجدٍ، كما فعَل عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ بمسجدِ الكوفةِ؛ لما بدَّلَه وجعَلَه حَوانيتَ للتمَّارِينَ (١)، وهذا مذهَبُ إمامِ الأئمَّةِ أحمدَ بن حنبل وغيرِه. وكان قد فتَح المسلمونَ قُبرُصَ، فتحها معاويةُ في خلافةِ عثمانَ، فكانت هذه الأماكنُ - السواحلُ الشاميةُ - ثُغورًا، ثم في أثناءِ المائةِ الرابعةِ تغَلَّبَت على الخلافةِ الرافضةُ والمنافقونَ وصار لهم دولةٌ، فغلَبَ النصارى على عامةِ السواحلِ وأكثرِ بلادِ الشامِ، وقهروا الروافضَ والمنافقينَ وغيرَهم، إلى أن يسَّر اللهُ بولاةِ ملوكِ السُّنَّةِ؛ مثلِ: نورِ الدينِ، وصلاحِ الدينِ، فاستنقَذوا عامةَ الشامِ من النصارى، وبقِيتْ

стр. 944

بقايا الروافضِ والمنافقينَ في جبلِ لبنانَ وغيرِه، ليس فيه فضيلةٌ، ولا يُشرَعُ، بل ولا يجوزُ المقامُ بينَ النصارى والروافضِ إذا منعوا المسلمَ عن إظهارِ دينِه. وصار طائفةٌ من الذينَ يؤثرونَ الخلوةَ يُحِبُّونَ هذه الأماكنَ، ويظنونَ أن فضيلتَها لأجلِ ما فيها من الخلوةِ والمباحات، فيقصدونَه لأجلِ ذلك، وهذا غلَطٌ وخطأٌ؛ فإن سُكْنى الجبالِ والغِيرانِ والبَوادي غيرُ مشروعةٍ للمسلمِينَ؛ إلا عندَ الفتنةِ في الأمصارِ التي تخرِجُ الرجلَ إلى ترك دينه، فيهاجرُ المسلمُ من أرضٍ يعجِزُ فيها عن إقامةِ دينِه إلى أرضٍ يمكنُه فيها إقامةُ دينِه، وربما كان فيه بعضُ الأوقاتِ من الزهادِ والنُّسَّاكِ ممَّن هو إما ظالمٌ لنفْسِه، وإما مقتصدٌ مخطئٌ مغفورٌ له، وأمَّا السابقونَ؛ فهم الذينَ يتقربونَ بالنوافلِ بعدَ الفرائضِ. ولا خلافَ أنَّ جنسَ النُّساكِ والزُّهادِ الساكنينَ في الأمصارِ أفضلُ من جنسِ ساكني الجبالِ والبوادي؛ كفضيلةِ القرويِّ على البدويِّ، والمهاجرِ على الأعرابيِّ، قال اللهُ تعالى: ﴿الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾، وفي الحديثِ: «إنَّ من الكبائرِ أن يرتدَّ الرجلُ أعرابيًّا بعدَ الهجرةِ» (١)، هذا لمن هو ساكنٌ في الباديةِ بينَ الجماعةِ، فكيفَ بالمقيمِ وحدَه دائمًا في جبلٍ أو باديةٍ؟! فإنه يفوتُه من مصالحِ دينِه نظيرُ ما يفوتُه مِن مصالحِ

стр. 945

الدنيا، أو قريبٍ منها، فإن يدَ اللهِ على الجماعةِ، والشيطانُ معَ الواحدِ، وهو مِن الاثنينِ أبعدُ. وأما اعتقادُ بعضِ الجهَّالِ أن فيه الأربعينَ الأبدالَ؛ فهذا جهلٌ وضلالٌ، ما اجتَمعَ فيه الأبدالُ الأربعونَ قطُّ، ولا هو مشروعٌ لهم ولا فائدةَ في ذلك؛ وهو نظيرُ اعتقادِ جهالِ الرافضةِ في الإمامِ المعصومِ صاحبِ الزمانِ الذي يقولونَ: إنه غائبٌ عن الأبصارِ، حاضرٌ في الأمصارِ، ويُعظِّمونَ قدرَه ويرجون برَكتَه؛ وهو معدومٌ لا حقيقةَ له، فكلُّ من علَّق دينَه بالمجهولاتِ؛ فهو من أهلِ الضلالاتِ. وكذلك قولُ بعضِ الجهالِ: إن به أو بغيرِه رجالَ الغيبِ، فقد أضلوا به كثيرًا من الأتراكِ والجهالِ، وأكلوا أموالَهم بالباطلِ، ولم يكُنْ من أولياءِ اللهِ من هو غائبُ الجسدِ عن أبصارِ الناسِ، ولكن قد يغيبُ كثيرٌ منهم عن الناسِ حقيقةُ قلبِه وما في باطنِه من ولايةٍ للهِ، فيكونُ في الأمصارِ وبينَ الناسِ مَن هو مِن أولياءِ اللهِ، وقد لا تُعلمُ حالُه، كما قال: «رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طِمرَيْنِ، مدفوعٍ بالأبوابِ؛ لو أقسَمَ على اللهِ لأَبَرَّه» (١)، وليس ذلك محصورًا في رَثاثةِ الحالِ، بل الولايةُ في كلِّ مؤمنٍ تقِيٍّ، كما قال تعالى: ﴿ألا إن أولياء اللهِ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذينَ آمنوا وكانوا يتقون﴾. وكذلك خبَرُ الرجلِ الذي ينبُتُ الشعرُ على جميعِ بدنِه كالماعزِ؛ باطلٌ ومحالٌ.

стр. 946

نعم، قد يكونُ في الضُّلَّالِ من الزُّهادِ مَن يتركُ السنةَ حتى ينبُتُ الشعرُ ويكثرُ على جسَدِه، فينبغي أن يُؤمَرَ بما أمَر اللهُ به ورسولُه من إحفاءِ الشواربِ، ونَتْفِ الإِبْطِ، وحلقِ العانةِ، فإن ظَنَّ أن هَدْيَه خيرٌ من هديِ محمدٍ؛ فهو كافرٌ. فالانحناء لهذا الجبلِ هو من الجهالاتِ والضلالاتِ، وكذلك التبركُ بما يحملُ منه مِن التمرِ، وهو من البِدَعِ الجاهليةِ المضاهيةِ لجهالاتِ النصرانيةِ المشركينَ. فَصْلٌ وكراماتُ الأولياءِ حقٌّ باتِّفاقِ أئمةِ أهلِ الإسلامِ والسُّنَّةِ والجماعةِ، وقد دلَّ عليه القرآنُ في غيرِ موضعٍ، والأحاديثُ الصحيحةُ، والآثارُ المتواترةُ عن الصحابةِ والتابعِينَ وغيرِهم، وإنما أنكَرها أهلُ البِدَعِ من المعتزلةِ والجَهْميَّةِ ومَن تابَعَهم؛ لكنْ كثيرٌ ممن يدَّعيها، أو تُدَّعى له؛ يكونُ كذبًا أو ملبوسًا عليه. وأيضًا؛ فإنها لا تدلُّ على عِصمةِ صاحبِها، ولا على وجوبِ اتباعِه في كلِّ ما يقولُه؛ بل قد تصدرُ بعضُ الخوارقِ من الكشفِ وغيرِه عن الكفارِ، كما ثبَتَ عن الدَّجَّالِ أنه يقولُ للسماءِ: أمطري، فتُمطِرُ، وللأرضِ: أَنْبِتِي، فتُنبِتُ، وأنه يقتلُ واحدًا، ثم يحْيى، وأنه يُخرِجُ خلفَه كنوزَ الذهبِ والفِضَّةِ (١).

стр. 947

ولهذا اتَّفقَ أئمةُ الدينِ على أن الرجلَ لو طارَ في الهواءِ، ومشى على الماءِ؛ لم يغترَّ به حتى يُنظَرَ وقوفُه عندَ الأمرِ والنَّهْيِ الذي بعَث اللهُ رسولَه ﷺ . والعلاجُ بالحجارةِ إن كان فيه منفعةٌ للجهادِ، وإلا فهو باطلٌ. وما روي عنه: «اتخذوا معَ الفقراءِ أياديَ؛ فإن لهم دولةً وأيَّ دولةٍ»؛ حديثٌ باطلٌ، والدولةُ في الآخرةِ للمتقينَ؛ سواءٌ كانوا فقراءَ أو أغنياءَ، ومن أحسَنَ إلى الفقراء؛ فاللهُ يأجُرُه على ذلك، ومن أحسنَ إليهم لطلبِ الجزاءِ منهم، كما تؤخذُ اليدُ مِن الشخصِ ليُكافِئَه بها؛ فلا أجرَ له عندَ اللهِ. وأما ما رُوِي: «إنه مكتوبٌ على كلِّ فَرْجٍ ناكِحُه»؛ فليس له صحة أيضًا، وليس هو من كلامِ النبيِّ ﷺ ؛ لكن لا رَيْبَ أن اللهَ كتَب ما يفعلُ العبادُ قبلَ أن يفعلوه، وذلك عندَه، وقد كتبت الملائكة ما يعملُه العبدُ قبلَ أن يَعملَه.

стр. 948

كِتَابُ الشَّهَادَاتِ إذا مات الشاهدُ فهل يُحكَمُ بخطِّه؟ فيه نزاعٌ، فمذهَبُ مالكٍ: يُحكَمُ، وهو قولٌ في مذهبِ أحمدَ. إذا شهِد شاهد أن فلانةَ أبرأَتْ زوجَها: حلَف الزوجُ، وحُكِم له إن كان الشاهد ممن يُرضَى من الشهداءِ. وإذا كان الشاهدُ في الرضاعِ ذا عدل؛ قُبِل قولُه، وفي تحليفِه نزاعٌ (١). ويجوزُ للشافعيِّ أن يشهدَ عندَ حاكمٍ مالكيٍّ: أن هذا خطُّ فلانٍ، إذا جزَم به من غيرِ شكٍّ، متبعًا لمن يجيزُ ذلك من الأئمَّةِ في مسألةٍ يتوجَّهُ فيها قولُ الذي قلَّدَه، ولم يكُنْ متبعًا للرخصةِ، فهذا سائغٌ في المشهورِ من مذاهب الأربعةِ؛ إذ لا يجبُ على أحدٍ أن يلتزمَ مذهَبَ شخصٍ بعينِه في جميعِ الشريعةِ في ظاهرِ مذهَبِ الشافعيِّ وغيرِه، لكن متى التزمَه فلا بدَّ أن يلتزمَه له وعليه؛ مثلُ من يترجَّح عندَه إثباتُ الشُّفْعةِ للجارِ، فيتبعُ ذلك له وعليه، فأما أن يُقلِّدَ إذا كان الطالبُ هو من يرى إثباتها، وإذا

стр. 949

كان هو المطلوبَ قلَّد (١) من يرى نفيها؛ فهذا لا يجوزُ بلا نزاعٍ فيما أعلَمُه، وكذلك لا يجوزُ تتبُّعُ الرُّخَصِ مطلقًا. والعملُ بالخطِّ مذهبٌ قويٌّ ، بل هو قولُ جمهورِ السَّلَفِ، وإذا رأى الرجلُ بخطِّ أبيه حقًّا له، وهو يعلمُ صِدْقَه؛ جاز له أن يَدَّعِيَه ويحلفَ عليه. واتفقوا على أنه يجوزُ أن يشهدَ على الرجلِ إذا عرَف صورتَه، معَ إمكانِ الاشتباه، وتَنازَعوا في الشهادةِ على الصوتِ من غيرِ رؤيةِ المشهودِ عليه، فجوَّزَها الجمهورُ؛ كمالكٍ وأحمدَ، وجوَّزَها الشافعيُّ في صورةِ الضبطةِ (٢)، والشهادةُ على الخطِّ دونَ ذلك؛ لكنَّه قويٌّ. وما يجرح به الشاهدُ وغيرُه مما يقدحُ في عَدالتِه ودينِه؛ فإنه يَشهَدُ به إذا علِمَه الشاهدُ بالاستفاضةِ، ويكونُ ذلك قدحًا شرعيًّا، صرَّحوا بأنه يُجرَحُ بما سَمِعَه منه، أو رآه، أو استفاضَ عنه، وما أعلمُ في هذا نزاعًا بينَ الناسِ، فإن المسلمِينَ يشهدونَ في وقتِنا هذا في مثلِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ والحسنِ البصريِّ وأمثالِهما بالعدالةِ والدِّينِ، ولا يعلمونَ ذلك إلا بالاستفاضةِ، ويشهدونَ في مثلِ الحَجَّاجِ بنِ يوسفَ، والمختارِ بنِ أبي عُبَيدٍ، وعمرِو بنِ عبيدٍ، وغَيْلانَ القدريِّ، أنهم من

стр. 950

أهلِ البِدَعِ والظلمِ؛ وذلك بالاستفاضةِ أيضًا، هذا إذا كان فيه ردُّ شهادتِه. أما إذا كان المقصودُ اتقاءَ شَرِّه، فيجوزُ، ويُتلقَّى بما دونَ ذلك، كما قال ابنُ مسعودٍ: «اعتَبِروا الناسَ بأخدانِهم» (١)، وبلغ عمرَ أن رجلًا يجتمعُ إليه الأحداثُ، فنهى عن مجالسَتِه (٢)، فإذا كان الرجلُ مخالطًا في الشرِّ لأهلِ الشرِّ يُحذَّرُ منه. والداعي إلى البدعةِ يستحقُّ العقوبةَ باتِّفاقِ المسلمِينَ، وعقوبتُه تكونُ تارةً بالقتلِ، وتارةً بما دونَه، كما قتَل السَّلَفُ الجَهْمَ بنَ صَفْوانَ، والجَعْدَ، وغَيْلانَ وغيرَه، ولو قُدِّر أنه لا يستحقُّ العقوبةَ، أو لا تمكنُ عقوبتُه؛ فلا بدَّ من بيانِ بدعتِه والتحذيرِ منها؛ لأنه من الأمرِ بالمعروفِ، والنَّهْيِ عن المُنكَرِ. والبدعةُ ما اشتُهِر عندَ أهلِ السُّنَّةِ مخالفتُها للكتابِ والسُّنَّةِ؛ كبدعةِ الروافضِ، والخوارجِ، والقَدَريَّةِ، والمرجئةِ، قال ابنُ المباركِ ويوسفُ بنُ أسباطَ: (أصولُ الثِّنْتَينِ وسبعينَ فرقةً أربعةٌ: الخوارجُ، والروافضُ، والقَدَريَّةُ، [والمرجئةُ] (٣)، قيلَ لابنِ المباركِ: والجَهْميَّةُ؟ قال: (ليسَتِ الجَهْميَّةُ من أمةِ محمدٍ).
следующие страницы →