¬الأعراب عن الحيرة والألتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس
تأليف
الإمام الحافظ أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري
(٣٨٤ هـ- ٤٥٦ هـ)
دراسة وتحقيق
الدكتور محمد بن زين العابدين رستم
تقديم
الدكتور زين العابدين بن محمد بلافريج
أستاذ التعليم العالي بجامعة الدار البيضاء بالمغرب
أضواء السلف
стр. 2
¬بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تقديم الدكتور زين العابدين بن محمد بلا فريج
أستاذ التعليم العالي بجامعة الدار البيضاء - المغرب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اتبع هداه.
أما بعد:
فإن تاريخ العلم عند المسلمين يزخر بتراث ضخم أصيل، سطرته أقلام العلماء بما جادت به قرائحهم الملهمة السيالة، استنادًا إلى قواعد العلم وتطبيقًا لأصوله المبنية على أدلة الكتاب والسنة، وقد نتج عن استعمالهم قواعد العلم وأصوله هذا الفقه الإسلامي الغزير، الذي يعد الفهم السديد لأدلة الشريعة، مهما تباينت بعض أقوال الفقهاء في مسائل منه، إذ أن لذلك أسبابًا معروفة مفصلة في موضعها من كتب الخلاف.
وظل هذا الفقه العتيد صامدًا منذ نشأنه في عصر الصحابة فمن بعدهم إلى عصور التدوين، وشهد خلال تاريخه مدارس متعددة، مرجعها إلى المذاهب الفقهية المشهورة المتبعة، مع تباين طرائقها في استنباط الفقه واعتماد مسائله.
وكان من لوازم حيوية الفقه الإسلامي مع نشوء المذاهب المتباينة أن
стр. 3
¬يظهر الحوار الفقهي، إذ كانت رحمه موصولة، فكل مذهب على اطلاع بما عند الآخرين، وبوصول المعرفة بالمذاهب الفقهية إلى شتى فرق الفقهاء كان لابد من بروز مناقشات ومُدَارسات تصيب مقاصد العلم وتحقق له مزيدًا من الثراء.
فكم من مذهب ينعى على آخر احتجاجه بحديث ضعيف، أو فهمًا غير مستقيم لدليل، أو عدم استخدام القاعدة الأصولية على الوجه الصحيح، وغير ذلك من ردِّ وَهْم، أو دفع إيهام، أو كبح لجام العلم وتقييد الكلام المطلق، أو توسيع ما ضاق عطن صاحبه، أو انتقاد عدم اطراد منهج الأخذ والرد، فهذه وغيرها مقومات لأصول الجدل الفقهي، وبواعث حاملة على استمرار حراسة العلم، ورد طغيان الفهم أو انحساره، وهذا شيء كثير يستخرج عند تصفح كتب المذاهب وتراجم العلماء.
وكان الأدب الجم يطبع هذا الجدل الفقهي، لأن الدافع إليه تبيان الصواب، وإنصاف العلم والعلماء، من غير عصبية مخلة بالمروءة، بل متى لاح الشطط أنكروه، وقد أُثِرَ عنهم: "الحق عندنا أولى من الشافعي".
وفي نص حافل بهذه المعاني وغيرها يقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام ﵀: "من العجب العجيب أن يقف المقلد على ضعف مأخذ إمامه، وهو مع ذلك يُقَلّده كأن إمامه نبي أرسل إليه، وهذا نَأْي عن الحق وبعد عن الصواب، لا يرضى به أحد من أولي الألباب، بل
стр. 4
¬تجد أحدهم يُنَاضل عن مقلده، ويتحيّل لدفع ظواهر الكتاب والسنة ويتأولها، وقد رأيناهم يجتمعون في المجالس، فإذا ذكر لأحدهم خلاف ما وطَّن عليه نفسه، تعجب منه غاية التعجب، لما أَلِفَهُ من تأليف إمامه، حتى ظن أن الحق منحصر في مذهب إمامه".
والإمام ابن حزم الظاهري معروف بتعظيمه للحق والآثار، وإن كان مذهبه في الظاهري مردود من قِبَلِ الفقهاء، لكن ظاهريته لا تعنى خَطَأه في كل شيء إلا أن الطالب المنصف يقدر على الانتقاء من علمه، وإنصافه في إصابته وعدم الزهادة في علومه.
أما عن منهجه في التعقب وقلمه الذي يكتب به: فلا يعتقد طالب العلم العصمة لأحد في كل ما يكتب أو ينطق، وتعلمنا في أدب العلم أن نأخذ الحق عن أي لسان جاء، ونتجنب ما لا يليق بالأدب مع من كان.
وليست التعقبات الفقهية مقتصرة على مذهب دون آخر، فلكل مذهب نصيب من ذلك، فليس المراد الحط على مذهب بعينه، فما يجيء من هذا فالأصل فيه هو التصويب ليس إلا.
وكتاب الإعراب لابن حزم قطعة نادرة نفيسة بقيت مركونة قابعة في دياجير الدهاليز. لكنها وجدت عناية العلماء، وقد خص بهذه العناية أحد علماء الأثر والسنة في هذا العصر وهو الشيخ الفاضل البحاثة محمد بوخبزة أمتع الله بطول بقائه، فكان له الفضل في الدلالة والتوجيه.
стр. 5
¬والكتاب رغم نقصانه شفعت له قيمته العلمية وإمامة مؤلفه، الذي يناقش السادة الحنفية في منهجهم في تقرير مسائل الفقه.
وليس في الحرص على إخراج هذا الكتاب ونظائره ما يتيح الفرصة للتجاسر على الفقهاء وتغيب الأدب في خطابهم.
هذا وإن الأخ الأستاذ محمد رستم قد اعتنى بهذه القطعة من كتاب الإعراب، وعكف على تحقيقها بما جاد به علمه ونثره وقلمه، فخدم الكتاب تحقيقًا وتعليقًا، وقدم له بمقدمة نافعة، شكر الله سعيه.
وأخيرًا نكرر الشكر لأضواء السلف على عنايتها بالتراث الإسلامي النافع المنتقى، وبذل المجهود في تأمينه - ثاب الله صاحبها الأخ الفاضل الشاب الحبيب علي الحربي على ما أظهر الله على يديه من كتب قيمة وتراث نفيس، سائلين له مزيد العون والتوفيق.
والله من وراء القصد.
وكتب
زين العابدين بن محمد بلا فريج
أستاذ التعليم العالي بجامعة الدار البيضاء - المغرب
стр. 6
¬الأعراب عن الحيرة والألتباس الموجودين في مذاهب أهل الرأي والقياس
تأليف
الإمام الحافظ أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري
(٣٨٤ هـ- ٤٥٦ هـ)
دراسة وتحقيق
الدكتور محمد بن زين العابدين رستم
تقديم
الدكتور زين العابدين بن محمد بلافريج
أستاذ التعليم العالي بجامعة الدار البيضاء بالمغرب
[الجزء الأول]
стр. 7
¬حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م
دار أضواء السلف
الرياض - الربوة الدائري الشرقي مخرج ١٥
ص. ب: ١٢١٨٩٢ - الرمز: ١١٧١١ - ت: ٢٣٢١٠٤٥ - جوال: ٥٥٢٨٠٣٢٨
стр. 8
¬بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أصل هذا الكتاب عبارة عن رسالة علمية نال بها الباحث درجة الدكتوراة من جامعة القاضي عياض كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال شعبة الدراسات الإسلامية بدرجة حسن جدا
стр. 9
¬بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مُقَدمة التحقِيق
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى، ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا.
أما بعد:
فلقد كان من لطائف المنن علي، ومحاسن النعم لدي، أن هديت إلى تحقيق كتاب "الإعراب"، وذلك لجملة أسباب، منها:
١ - جلالِة قَدْر مؤلِّفه، وعظم منزلة واضعه، وعلو شأن صاحبه، فابن حزم مُحدِّثٌ من المحدثين، وحافظ من الحفاظ وفقيه من الفقهاء، وأصولي من الأصوليين، ومؤرخ ثبت من أهل التاريخ، وأديب من الأدباء، قد حَفِظَ على أهل الإسلام علوما كثيرة، فأربى بذلك على من كان قبله، أو جاء بعده.
٢ - نفاسة كتاب "الإعراب"، وعِظَمُ خَطَوِه وشَرَفُ موضوعِهِ، فهو خزانة فقه، ومدونة حديث، وجامع أثر، قد حوى علما كثيرا، وخيرا وفيرا، مع ما ملأه به واضعه من حط عظيم، واعتراض كثير، ونقد مسترسل، وتَعَقُّب بليغ.
стр. 10
¬٣ - الرغبة الشديدة في بعث كنوز التراث الأندلسي التي حوت نفائس كثيرة ودُرَرًا خطيرة، فكان منها منارات في سماء العلم، ومصابيح في دنيا الفكر ولقد أخرج للناس في هذا العصر منها جملة، وبقي منها بقية ...
وكان أول عهدي بكتاب "الإعراب"، مذ تسع سنين، فلما وقفت عليه في مكتبة شيخنا العلامة المدقق المحقق محمد بن الأمين بو خبزة حفظه الله: وتأملته مليًّا، راقني موضوعه، وأعجبني مقصده وأسلوبه، وشدني إليه نقد صاحبه القاسي، ولفظ مخترعه النابي، فعزمت على تحقيقه، واستخرت الله في الاشتغال به.
ولقد حثني على ذلك وزينه في قلبي شيخنا محمد بن الأمين بو خبزة فأعارني نسخة الكتاب التي عنده، وبذل لي من النصح ما ذَلَّل لي سبيل البحث وأوضح لدي طريق التحقيق.
ثم كَلَّمْتُ بعد دهر شيخنا الدكتور زين العابدين بن محمد بلا فريج سلَّمه الله في قبول الإشراف على تحقيق "الإعراب"، فما هو إلا أن نظر في الكتاب، وتأمله قليلا، حتى بادر إلى القبول، ودعا بالتوفيق، ويسر حصول المأمول.
ثم إني طفقت أنظر في منهج تحقيق الكتاب ودراسته، فكان مما وقع لي من ذلك:
стр. 11
¬أولا: القسم الأول: الدراسة
وتشتمل على خمسة فصول:
الفصل الأول: تكلمت فيه على عصر ابن حزم وبيئته، وفيه المباحث الآتية:
المبحث الأول: السياسة.
المبحث الثاني: الاقتصاد.
المبحث الثالث: الاجتماع.
المبحث الرابع: الفكر والعلم.
الفصل الثاني: وعقدته للكلام على حياة ابن حزم، وذلك في ستة مباحث:
المبحث الأول: نسبه وأصله ومولده.
المبحث الثاني: أسرته.
المبحث الثالث: أوليته وطلبه للعلم.
المبحث الرابع: شيوخه ومقروءاته.
المبحث الخامس: أخلاقه وصفاته.
المبحث السادس: رحلاته.
المبحث السابع: وفاته.
الفصل الثالث: وخصصته للكلام على مكانة ابن حزم العلمية وآثاره
وفيه:
المبحث الأول: تلاميذه.
стр. 12
¬المبحث الثاني: آثار ابن حزم العلمية.
المبحث الثالث: ثناء العلماء على ابن حزم.
الفصل الرابع: وتناولت فيه ظاهرية ابن حزم وذلك في خمسة مباحث:
المبحث الأول: المذهب الظاهري في الأندلس.
المبحث الثاني: أسباب ظاهرية ابن حزم.
المبحث الثالث: معالم المنهج الظاهري عند ابن حزم.
المبحث الرابع: الاعتراض على أهل الظاهر.
المبحث الخامس: محنة ابن حزم بسبب القول بالظاهر.
الفصل الخامس: دراسة تحليلية لكتاب "الإعراب" وفيه:
المبحث الأول: موضوع الكتاب وغايته وسبب التأليف وتاريخ ذلك.
المبحث الثاني: منهج المؤلف في الكتاب وموارده وفيه:
١ - ترتيب الكتاب ووضعه.
٢ - منهج المؤلف في المناقشة والتَّعَقُب والجدل.
٣ - أسلوب ابن حزم في الاعتراض.
٤ - موارد ابن حزم في الكتاب.
المبحث الثالث: في محاسن الكتاب.
المبحث الرابع: التعقبات على الكتاب.
ثانيًا: القسم الثاني: التحقيق، وفيه
١ - تحقيق عنوان الكتاب.
стр. 13
¬٢ - تصحيح نسبة الكتاب إلى ابن حزم.
٣ - وصفا النسخ الخطية للكتاب.
٤ - تحقيق الكتاب، ومن أجل ذلك سلكت المسالك الآتية:
١ - اعتمدت في التحقيق على نسختين خطيتين للكتاب، سيرد وصفهما وصفا علميا إن شاء الله تعالى.
٢ - قابلت بين نسخة شسشربتي التي رمزت لها بحرف "ش"، وبين النسخة التونسية التي رمزت لها بحرف "ت".
٣ - نسخت الكتاب وفق قواعد الخط العربب الحديث، من تحقيق الهمز، وإثبات الألف المحذوفة، وغير ذلك.
٤ - قسمت الكتاب إلى فقرات تبعا للمعاني، واستعنت في ذلك بعلامات الترقيم.
٥ - وضعت كل زيادة مني، أو لفظة تَوَقَفْتُ في قراءتها قراءة صحيحة بين معقوفتين، وأشرت إلى ذلك في الحاشية.
٦ - إذا أشكل علي لفظ، أو انبهم علي أمر، نبهت عليه في الحاشية، وقلت: "كذا بالأصل"، وقد أتجاسر فأقترح وجها فيه، أرجح أنه هو الصواب فأقول: "كذا ولعل الصواب كيت وكيت ... ".
٧ - أشرت إلى نهاية الورقة من النسختين اللتين بين يدي، ووضعت ذلك منفصلا عن متن الكتاب في جهة اليمين، وكان من خطتي في ذلك أن أذكر رقم الورقة أولا، ثم أضع خطًّا مائلا هكذا (/) يفصل بين الرقم، ورمز النسخة، ثم أجعل ذلك كله بين قوسين.
٨ - خَرَجْتُ الآيات القرآنية: وذكرت مواضعها من السور التي
стр. 14
¬وردت فيها، ولقد جرى المؤلف على اقتطاع جزء من الآية المستشهد به في موضع، ثم اقتطاع جزء آخر من الآية نفسها في موضع آخر والاستشهاد به، فكنت كلما فعل ذلك وأمعن فيه، أخرج الآية في الموضع الثاني وإن تقدم ذلك في الموضع الأول، ولم أجد غضاضة في تخريج الآية مرة أخرى، إذا كررها المؤلف تارة أخرى، وربما خَرَّجتُ الآية داخل المتن، أو جَعَلْتُ التخريجَ في الحاشية.
٩ - خرجت الأحاديث المرفوعة، وأمعنت في ذلك: فاستوعبت ما ذكره المؤلف من ذلك على جهة التصريح، أو على جهة الإشارة والتلميح، وقد يقطع المؤلف الحديث الواحد فيذكر منه في موضع ما لا يذكره في موضع آخر، فأخرجه في الموضع الأول، وأحيل على ذلك في الموضع الثاني، وقد يجمع المؤلف بين حديثين في سياق واحد، فيوردهما كأنهما من مخرج متحد، فأخرجهما مميزا بينهما، ودالا على أنهما حديثان اثنان.
ولقد كان من عادة المؤلف الجارية أن يشير إلى ما احتج به الحنفية من الحديث بقوله: "واحتجوا بأخبار فيها ... " فأجتهد في تخريج بعضا من تلك الأخبار لا كلها. ومن الأحاديث المرفوعة جملة، لم أقف على عين لَهَا ولا أثر فيما بين يدي من مصادر الحديث والسنة المعروفة المطبوعة، فكنت كلما عرض لي من ذلك شيء، علَّقت عليه بقولي: "لم أجده فيما بين يدي من المصادر" أو رُبَّما سَكَت.
ولا يذهبن عنك أن المؤلف ﵀ واسع الرواية، مكثر من الاستقراء، وقف على بعض ما لم نقف عليه من دواوين السنن
стр. 15
¬والأخبار، كمستخرج قاسم بن أصبغ، ومسند بقي بن مخلد ومصنفه، ومستخرج محمد بن عبد الملك بن أيمن، وجامع سفيان الثوري، ومصنف حماد بن سلمة، ومصنف وكيع بن الجراح، وغير ذلك، فلا يبعد أن يكون ما لم أقف عليه من الحديث في "الإعراب" موجودا في أحد هذه الكتب.
وقد يجزم المؤلِّف: أن ما احتج به الحنفية في قولٍ أو رأي، من قبيل
المرسل، فأبحث عنه فيما بين يدي من مصادر. فلا أقف من ذلك -بعد التأني والروية- إلا على السند، فأخرجه كما وجدته مُنَبِّهًا على ذلك.
على أن بعض ما لم أجده من الحديث، أَحَلْتُ فيه على "المُحَلَّى"، إذ ربما أورده المؤلِّف هناك بسنده متصلا إلى مخرجه، أو أسقط السند منه، فساقه على سبيل الحكاية والذكر.
وكان من عادتي في التخريج أن أذكر الجزء والصفحة والكتاب، والباب، ورقم الحديث إن وجد: وإذا كان للمؤلِّف كتابان أخرج الحديث في أحدهما، ذكرته بما يميزه فقلت مثلا: "أخرجه النسائي في الكبرى ... "، أو "أخرجه البيهقي في الصغرى ... "، وما ذكرته من طريقتي في التخريج قد لا يطرد لي في التحقيق كله، إذ قد يختلف الكتاب الواحد المخرج منه، في الطبعة، فأخرج الحديث منه أحيانا من طبعة مُرَقَّمة، وأحيانا من طبعة غير مرقمة كما وقع لي في مسند الإمام أحمد.
وإذا كان الحديث في الصحيحين، أو أحدهما، أمسكت عن الكلام عليه، وإذا كان في غيرهما تكلمت عليه -غالبا- تصحيحا وتضعيفا.
стр. 16
¬وربما سقت الحديث بلفظه أثناء التخريج، إذا أعرض المؤلف عن ذكره، واكتفى بالإشارة إليه.
١٠ - خرجت الآثار الموقوفة والمقطوعة: والمؤلف قد ملأ بها كتابه حتى أكثر، وكنت أخرج الأثر وأسوق ألفاظه إذا أشار إليه المؤلف بقوله: " ... وهو قول علي وعثمان"، أو بقوله: "وجاءت رواية عن ابن مسعود ... "، أو نحو ذلك.
ولقد خرجت من الآثار قدرا كبيرا، وتركت منها قدرا غير يسير، لم أجده فيما بين يدي من المصادر، ولعل منه قسطا وفيرا خرجه المؤلف بأسانيده في كتاب الإيصال الذي لم يصل إلينا، أو أخرج طائفة من الكتب -التي تقدم ذكرها آنفا- مما وقف عليه المؤلف، ولم نظفر به اليوم. وكان إذا وقع عندي من ذلك شيء لم أقف عليه -بعد البحث- قلت: "لم أجده"، وربما سَكَت.
١١ - ضبطت الآيات ضبطا تاما، وما عذا ذلك من متن الكتاب، فضبطت منها ما أشكل.
١٢ - شرحت ما وقع في الكتاب من لفظ غريب، أو كلمة مشكلة، واستعنت في ذلك بمعاجم اللغة، وأحلت عليها بذكر الجزء والصفحة والمادة اللغوية، كما استعنت بالنهاية لابن الأثير، وغريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام لشرح غريب الحديث والأثر.
١٣ - ترجمت للأعلام المذكورين في الكتاب، ما عدا الصحابة الذين طبقت شهرتهم الآفاق، كالعشرة المبشرين بالجنة، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر، وجلالة القدر، والسبق إلى الإِسلام، فإن كان
стр. 17
¬الصحابي مذكورا بكنيته، أو مغمورا، أو في صحبه خلاف، أو نحو ذلك ترجمت له.
وأعرضت عن الترجمة لأعلام العلماء كأصحاب المذاهب المتبوعة، وبعض أهل الحديث الذين اشتهر ذكرهم، وعلا نجمهم.
وكان من عادتي في الترجمة أن أذكر اسم الرجل، ونسبه، ومولده، ومشايخه ومنزلته في العلم: وشهرته بذلك، ووفاته، ثم أختم ذلك بذكر بعض مؤلفاته إن عرف بالتأليف، وأشير إليها برمز (ط) إن كانت مطبوعة: و (ح) إن كانت محققة، و (خ) إن كانت مخطوطة، وإذا كان المترجم له من رجال الكتب الستة، نبهت على ذلك. واشترطت على نفسي أن أترجم للرجل من ثلاثة مصادر فأكثر، وربما لم أجد ترجمته إلا في المصدر أو المصدرين فأسوقها من هناك.
وفي بعض من ذكرهم المؤلف طائفة قليلة، لم أتف على تراجمهم فيما بين يدي من مصادر، أو ربما أشكل علي حالهم، فلم أعرفهم، إذ لم يذكرهم المؤلف بما يعينهم أو تحرفت أسماؤهم في النسخة التي بين يدي، ومن هؤلاء نفر لم أعلق عليهم بشيء، ومنهم نفر كنت أقول فيهم: "لم أجده فيما بين يدي من المصادر"، أو "لم أعرفه". وأترجم للرجل عند أول موضع ذكر فيه، ثم أحيل على ترجمته إذا ذكر في موضع ثان، وربما أسكت إذا تكرر ذكر الرجل مرات كثيرة.
١٤ - خرجت المسائل الفقهية الكثيرة التي ذكرها المؤلف: من مصادر فقه الحنفية المعتمدة، وربما كرر المؤلف المسألة الفقهية بعينها: فأكرر تخريجها إذا طال العهد بها، أو ساقها المؤلف على غير وجهها عند
стр. 18
¬الحنفية، وربما اكتفيت بالإحالة على ما تقدم من تخريجها، ولقد أسكت تارة أخرى عن ذلك كله. ولقد أحيل على مصادر هذه المسائل مرتبا لها، حسب تقدم وفاة مؤلفيها، وربما خالفت ذلك لبعض التدبير.
١٥ - نقلت من كلام ابن حزم في "المحلى" ما هو بموضوع الكتاب أشكل، وبه أَعْلقُ، وأحلت عليه -أحيانا- لبيان أن المؤلف قد اعترض على الحنفية بنحو ما ورد في "الإعراب".
١٦ - تعقبت المؤلف فيما وقع له من أوهام، وبينت الوجه في ذلك: مع ذِكْرِ الدليل.
١٧ - شرحت مذهب الحنفية في المسألة التي يوردها المؤلف، وبينت أدلتهم، وذكرت الخلاف عنهم في ذلك.
ثالثا: القسم الثالث: فهارس الكتاب وهي
١ - فهرس الآيات القرآنية.
٢ - فهرس الأحاديث المرفوعة.
٣ - فهرس المراسيل.
٤ - فهرس الآثار عن الصحابة.
٥ فهرس الآثار عن التابعين فمن دونهم.
٦ - فهرس المسائل الفقهية على الكتب.
٧ - فهرس الأمثال المرسلة.
٨ - فهرس الأعلام.
стр. 19
¬٩ - فهرس الكتب الواردة في الكتاب.
١٠ - فهرس الأيام والغزوات.
١١ - فهرس المواضع والبلدان.
١٢ - فهرس الفرق والمذاهب والطوائف.
١٣ - فهرس ما تكلم ابن حزم عليه من حديث أو أثر.
١٤ - فهرس آراء ابن حزم في مسائل أصولية.
١٥ - فهرس الرواة الذين تكلم فيهم ابن حزم.
١٦ - فهرس الفوائد اللغوية عن ابن حزم.
١٧ - فهرس الموضوعات.
١٨ - فهرس مصادر ومراجع الدراسة والتحقيق.
وبعد: فلقد نَخَلْتُ في تحقيق ودراسة هذا الكتاب العجيب مخزون رأيي، وبذلت فيه غاية وسعي، فأسهرت فيه ليلي، وأمضيت فيه أكثر نهاري، فلئن وفقت للإصابة، وهديت للإجادة، فذلك فضل من الله ونعمة، وإن تكن الأخرى، فها أنذا أبسط عذري، وأظهر عجزي، وأبدي ضعفي، وأستغفر الله فكل ذلك عندي.
ولقد كان غيري أحجم عن تحقيق هذا الكتاب لهول المطلع، وشدة الجهد، وخطر البلاء (١): ولقد كان يسعني ما وسعهم، لكني أقدمت
стр. 20
¬إذ تقاعدوا: وتجاسرت إذ تراجعوا: واستعنت بالله ربي إذ لم يفعلوا.
ثم المشكور بعدُ، صاحبُ الفضل علي، ودائم النصح والإفادة لدي، شيخنا الدكتور زين العابدين بن محمد بلا فريج، فجزاه الله عني الجزاء الأوفى.
اللهم اغفر لي زلات الكلمات، وسقطات الألفاظ، وهفوات اللسان.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (١).
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٢).
وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
* * *
¬ (المبحث الأول) السياسة
كان دخول العرب المسلمين إلى شبه جزيرة إيبيريا (إسبانيا والبرتغال)، فتحا عظيما وجهادا كبيرا رائعا، نقل تلك القطعة من الأرض من حال إلى حال، ومن عهد إلى عهد، بما أحدث فيها من حضارة وعمران، ومدنية وازدهار.
والأندلس -ناحية من تلك الجزيرة عمرها العرب المسلمون، فسكنوا مدنها وقراها وكورها، وشادوا في جنباتها مدارس العلم، ومعاهد الآداب والفنون، ودور الصناعة، وأسواق التجارة. وغدت لهم - بعد الغربة- دَارًا ووطنا، ملء أسماعهم وأبصارهم، لا تفتر ألسنتهم عن ذكر محاسنها، ولا تنقطع بهم فنون القول عن تعداد فضائلها، حتى بعدما جلوا عن أرضها وسمائها.
يقول لسان الدين ابن الخطيب: "خَصَّ الله تعالى بلاد الأندلس من الريع، وغدق السقيا، ولذاذة الأقوات، وفراهة الحيوان، ودرور الفواكه، وكثرة المياه، وتبحر العمران، وشرف الآنية، وكثرة السلاح، وجودة اللباس، وصحة الهواء، ابيضاض ألوان الإنسان، ونبل الأذهان، وفنون الصنائع، وشهامة الطباع، ونفوذ الإدراك، وإحكام التمدن والاعتمار، بما حرمه الكثير من الأقطار ... " (١).
ولم ير العرب المسلمون في الأرض: بلادا أجمل من أندلسهم، ولا
стр. 24
¬إقليما أحسن من صقعهم، لأنه جمع من المحاسن ما تفرق في غيره، ومن الفضائل ما تشتت في سواه، يقول أبو عبيد البكري: "الأندلس شامية في طيبها وهوائها، يمانية في اعتدالها واستوائها، هندية في عطرها وذكائها، أهوازية في عظم جبايتها، صينية في جواهر معادنها، عدنية في منافع سواحلها ... " (١).
وكانت هذه الأرض الطيبة هي تلك التي نطيت فيها عن ابن حزم تمائمه، فولد فيها، ودرج بين أكفانها، وعاش بين جنباتها بين سنة ٣٨٤ هـ وسنة ٤٥٦ هـ، وفي هذه الفترة شهدت الأندلس أفول نجم الخلافة، ومجيء دول الطوائف والتنازع على الإمارة. وتفصيل ذلك: أنه لما توفي الحكم الثاني المستنصر بالله (٢) سنة ٣٦٦ هـ خلفه ابنه الصبي هشام المؤيد بالله (٣)، وهو فتى في العاشرة من عمره، قليل التجربة، ضعيف العقل، خائر القوى، فحجبه في القصر، واستبد بالأمر دونه المنصور بن أبي عامر (٤) الذي استطاع أن يتسنم ذروة الحكم الحقيقي في
стр. 25
¬الأندلس، وأن يصيره في ذريته من بعد فترة تزيد على ثلاثة عقود (١).
ولقد تمكن المنصور بن أبي عامر من القضاء على خصومه، والظهور عليهم، فدانت له الأندلس، وأمنت به، ولم يضطرب عليه شيء منها أيام حياته، لعظيم سياسته وهيبته، ومع ذلك فقد أساء حينما أزال هيبة الخلافة الأموية من نفوس الناس، بتسلطه عليها، وجعلها شعارا لا معنى له، ودولة لا سلطان لها، وعرشا لا حكم له، كما أساء مرة أخرى حينما جرى على سنن الناصر (٢) في اتخاذ البربر والصقالبة والمأجورين والمرتزقة أعوانا وأنصارا وصنائع من دون العرب (٣).
وتقلد الإمارة بعد المنصور ابنه المظفر أبو مروان عبد الملك بن محمد، فجرى في الغزو والسياسة، والنيابة عن هشام المؤيد، وحجابته مجرى أبيه، وكانت أيامه أعيادا دامت سبع سنين إلى أن مات (٤).
وتَوَلَّى بعده أخوه عبد الرحمن بن المنصور الملقب بشنجول، وكان نحسا على نفسه، وعلى أهل الأندلس (٥)، إذ أقدم على تنصيب نفسه وليا للعهد بعد هشام الثاني، وتم له ذلك بمرسوم صدر في شهر ربيع
стр. 26
¬الأول سنة ٣٩٩ هـ: ولم تحمد سيرة عبد الرحمن، إذ انكب على لهوه وشَرَابِهِ، وقرب إليه بطانة السوء التي زينت له ذلك، وأعانته عليه (١).
فوثب على الحكم أحد أحفاد عبد الرحمن الناصر ويدعى محمد بن هشام ابن عبد الجبار، وقاد ثورة استولى بها على قصر الخلافة، ورغب إلى هشام المؤيد خلع نفسه فبادر هشام بالقبول خشية البطش به، ووليها محمد بن هشام، وتلقب بالمهدي بالله (٢).
وسولت للمهدي نفسه أن يزيل من نفوس الناس التعلق بإعادة الأمر إلى هشام المؤيد، فادعى موته، ودعا بالفقهاء وعلية القوم، فشهدوا جنازة رجل على أنه الخليفة، وكانت تلك الحادثة سنة ٣٩٩ هـ (٣)، وكان ابن حزم ووالده ممن حضرها، وأورد الأول أخبارها في "الفصل" (٤). ولم يطمئن الأمر للمهدي غير قليل، حتى نشبت بينه وبين البربر فتنة أودت بحياته، وأعادت الخليفة هشام بن الحكم، وكان ذلك على رأس القرن الرابع الهجري (٥).
وكانت السبعة أعوام الأولى للفتنة "شدادا نكدات، صعابا مشؤومات، كريهات المبدأ والفاتحة، قبيحة المنتهى والخاتمة، لم يعدم
стр. 27
¬فيها حيف، ولا فُورق فيها خوف، ولا تم سرور، ولا فقد محذور مع تغيير السيرة، وخرق الهيبة واشتعال الفتنة، واعتلاء العصبية، وظعن الأمن، وحلول المخافة" (١).
ولم يلبث هشام المؤيد أن قتل، واختار البربر سليمان بن الحكم بن سليمان، فبايعوه خليفة ولقب المستعين (٢). وفي سنة ٤٢٢ هـ أعلن أهل قرطبة وعلى رأسهم أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور إلغاء الخلافة وبدأ بالأندلس عهد جديد أطلق عليه "عهد دول الطوائف" (٣).
وانتثر عقد الأندلس بين عناصر متصارعة ثلاثة وهي: البَرْبَر في الجنوب، والصقالبة في الشرق، والعرب في بقية الأطراف الأخرى، وتوزع هؤلاء في ممالك ودول في أرجاء الأندلس في نحو عشرين دولة (٤) وهي:
١ - موالي العامرية في شرق الأندلس وهم: خيران العامري في المرية ومرسية، ومجاهد العامري وابنه في دانية.
٢ - بنو زيري في جنوب الأندلس: في غرناطة ومالقة، ثم بسط هؤلاء بعد ذلك نفوذهم على قبرة وجيان ومالقة وبطليوس وطليطلة.
٣ - بنو عباد أصحاب إشبيلية، الذين بسطوا نفوذهم على حساب إمارات أخرى.
стр. 28
¬٤ - بنو هود أصحاب سرقسطة، وبنو القاسم الفهريون في البونت، وبنو حمود الحسنيون بالجزيرة.
٥ - بنو جهور موالي بني أمية في قرطبة، وَتَضُّمُّ إماراتهم مدنا أخرى مثل جيان وبياسة وأيذ؛ ولقد سار أبو الحزم بن جهور في قرطبة بسيرة حسنة، أعجبت المؤرخين، فأثنوا عليها، يقول المقوي " ... فاستولى على قرطبة عند ذلك أبو الحزم، ودبر أمرها بالجد والعزم، وضبطها ضبطا أمن خائفها، ورفع طارق تلك الفتنة وطائفها، وخلا له الجو فطار، وقضى اللُّبانات، والأوطار" (١).
وهكذا انقسم ذاك الفردوس الذي كان منجمعا تحت راية واحدة، وتنافس ملوك الطوائف على السلطة، وطمع بعضهم فيما تحت يد الآخر، وثارت بينهم حروب وفتن، واستنصر بعضهم على بعض بالنصارى في الشمال، ولقد وصف ابن الحزم حال الأندلس أيام الطوائف فقال في سياق بليغ، "اجتمع عندنا بالأندلس في صُقْعٍ واحد خلفاء أربعة، كل واحد منهم يخطب له بالخلافة بموضعه، وتلك فضيحة لم ير مثلها، أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام كلهم يتسمى بالخلافة، وإمارة المؤمنين، وهم: خلف الحصري بإشبيلية على أنه هشام، من بعد اثنتين وعشرين سنة من موت هشام، وشهد له خصيان ونسوان، فخطب له على منابر الأندلس، وسفكت الدماء من
стр. 29
¬أجله، وحمد بن القاسم خليفة بالجزيرة، ومحمد بن إدريس خليفة بمالقة، وإدريس بن يحيى على بيشتر" (١).
وقال المقري: " ... انقطعت الدولة الأموية من الأرض، وانتثر سلك الخلافة بالمغرب، وقام الطوائف بعد انقراض الخلائف، وانتزى الأمراء والرؤساء من البربر والعرب والموالي بالجهات، واقتسموا خطتها، وتغلب بعضهم على بعض، واستقل أخيرا بأمرها ملوك، استفحل أمرهم، ولاذوا بالجزية يدفعونها للطاغية، أن يظاهر عليهم، أو يبتزهم ملكهم ... " (٢).
وكان انقسام الأندلس إلى دويلات وطوائف، سببا ممهدا لانهيار الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الأندلسية، وذلك هو الذي أومأ إليه القاضي عياض عندما قال، في سياق حديثه عن دول الطوائف: "وقد نشأ بينها من المفاسد ما أعوز دلعه، وتعدد وتره وشفعه، واستحكم ضرره حتى لم يمكن دفعه" (٣).
ولقد عاين ابن حزم بعض هذه الحوادث، فَأَثَّرَتْ في نفسه تأثيرات مختلفة منها:
١ - الشعور بالحسرة والأسى على قرطبة التي كانت "جوهرة العالم"
стр. 30
¬في ذلك الوقت، ثم استحال أمرها إلى خراب وأطلال، بعد فتنة البربر، يقول ابن حزم: "ولقد أخبرني بعض الوُرَّاد من قرطبة -وقد استخبرته عنها- أنه رأى دورنا ببلاط مغيث في الجانب الغربي منها، وقد امحت رسومها، وطمست أعلامها، وخفيت معاهدها، وغيرها البِلَى، وصارت صحاري مجدبة بعد العمران، وفيافي موحشة بعد الأنس، وخرائب منقطعة بعد الحسن، وشعابا مفزعة بعد الأمن، ومأوى للذئاب، ومعازف للغيلان، وملاعب للجان، ومكامن للوحوش، بعد رجال كالليوث، وخرائد كالدمى، تفيض لديهم النعم الفاشية -تبدد شملهم، فصاروا في البلاد أيادي سبا، فَكأن تلك المحاريب المنمقة والمقاصير المزينة التي كانت تشرق إشراق الشمس، ويجلو الهموم حسن منظرها، حين شملها الخراب، وعمها الهدم، كأفواه السباع فاغرة، تؤذن بفناء الدنيا، وتريك عواقب أهلها، وتخبرك عما يصير إليه كل من تراه قائما فيها، وتزهد في طلبها بعد أن طالما زهدت في تركها، وتذكرت أيامي بها ولذاتي وشهور صباي لديها، مع كواعب إلى مثلهن صبا الحليم، ومثلت لنفسي كونهن تحت الثرى، وفي الآفاق النائية، والنواحي البعيدة، وقد فرقتهن يد الجلاء، ومزقتهن أكف النوى، وخيل إلى بصري فناء تلك النصبة بعدما علمته من حسنها، وغضارتها، والمراتب المحكمة التي نشأت فيما لديها، وخلاء تلك الأفنية بعد تضايقها بأهلها، وأوهمت سمعي صوت الصدى والهام عليها، بعد حركة تلك الجماعات التي ربيت بينهم فيها، وكان ليلها تبعا لنهارها في انتشار
стр. 31
¬ساكنها والتقاء عمارها، فعاد نهارها تبعا لليلها في الهدوء والاستيحاش -فأبكى عيني، وأوجع قلبي، وقرع صفاة كبدي، وزاد في بلاء لبي، فقلت شعرا منه:
لئن كان أظمانا فقد طالما سقى ... وإن ساءنا فيها فقد طالما سرا" (١)
٢ - كان ابن حزم أَمَوِيَّ الهوى: يرى أن بني أمية أحق بالخلافة في الأندلس من غيرهم، وأن الأندلس لن تقوم لها قائمة إلا إذا حكمها خليفة منهم، ولذلك آثر المقام عند "خيران العامري" بألمرية، لأنه كان يظهر ميلا لبني أمية في أوليته (٢).
ثم نكب في ألمرية، فانتقل الى حصن القصر -قرية صغيرة في مقاطعة إشبيلية- ثم لما نمي إليه ظهور أمير المؤمنين المرتضى عبد الرحمن ابن محمد وإعلانه الحكم ببلنسية، سَارَ إليه ووزر لديه (٣). ولما انتهى أمر المرتضى، وبُويع لعبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار تَوَلَّى ابنُ حزم عنده الوزارة (٤)، ولم تدم وزارته تلك أكثر من سبعة وأربعين يوما.
стр. 32
¬إذ وثب على عبد الرحمن بن هاشم، ابنُ عمه المستكفي في طائفة من أراذل العوام (١).
وبعد ذلك بعدة سنوات عاد ابنُ حزم للوزارة أيام هشام بن المعتد بالله بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر الذي تولى الخلافة بين سنتي (٤١٨ هـ- ٤٢٤ هـ) (٢).
وزهد ابنُ حزم في الوزارة بعد ذلك، وأقبل على قراءة العلوم وتقييد الآثار والسنن (٣)، وأطلق لسانه وقلمه في بيان استهتار ملوك الطوائف، وما أورثوا الأمة من الوهن والإنحدار يقول: " ... ثم انحرف الأمر واتسع، ثم رذل الأمر بالمشرق والغرب، حتى تسمى هذه الأسماء السماسرة ورذالات الناس، لِيُرِي اللهُ عبادَهُ هوان ما تنافسوا عليه وغالوا به، وصح قول رسول الله ﷺ "حقيق على الله أن لا يرفع الناس شيئا إلا وضعه الله"، أو كلاما هذا معناه ... واستبان أن الحقيقة هي العمل لله ، والعدل في البلاد، والعمل بمكارم الأخلاق، وحمل الناس على الكتاب والسنة، فذلك الذي لا يقدر عليه السخيف، ولا يطيقه ضعيف، وبهذا يتبين فضل القوي على الساقط المهين، لا بأسماء يقدر على التسمي بها كل خسيس واهن، ولله الأمر من قبل وبعد، وحسبنا الله ونعم الوكيل،
стр. 33
¬ولقد كانت دولة عبد الملك وسليمان والوليد وعمر وهشام لا عضد لها وعماد، ولا لقب إلا أسماؤهم، وكانت قد طَبَّقَتِ الدنيا طاعةً واستقامةً، والدولة الآن أكثر ما كانت أعضادا وعمدا، وقد طَبَّقَتِ الدنيا ضعفًا ومهانةً والله المستعان" (١).
* * *
стр. 34
¬ المبحث الثاني الاقتصاد
يتأثر الاقتصاد بالسياسة وتقلباتها، فإذا نعم الناس بالأمن والاطمئنان، درت الخيرات، في التجارة والزراعة والصناعة، وإذا اضطرب الأمن، وازداد الخوف، وكثرت الفتن، وعمت الفوضى، تعطلت سبل الرزق في الحقول والمصانع والمتاجر.
ولقد نعمت قرطبة -مدينة ابن حزم- بالاستقرار والأمن في عصر بني عامر، فكان أهلها أغنى الناس في الأندلس، بما فُتح عليهم من أبواب الرزق الواسع، والعيش الرابح.
ولما جاءت الفتنة، واضطرب أمر الناس في عهد ملوك الطوائف، ساءت الأحوال وضاقت سبل الرزق، وقلت الموارد وذهب ذلك الثراء. وقد فصل ابنُ حزم القولَ فيما أصبح عليه حال الأندلس من خوف واضطراب وظلم فقال: " ... وعمدة ذلك أن كل مدبر مدينة، أو حصن في شيء من أندلسنا هذه، أولها عن آخرها، محاربٌ لله تعالى ورسوله، وساع الأرض بفساد، للذي ترونه عيانا من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية التي تكون في ملك مَنْ ضَارَّهُم، وإباحتهم لجندهم قطع الطريق على الجهة التي ينقضون على أهلها، ضاربون للمكُوس والجزية على رقاب المسلمين ... " (١).
وازدهرت الزراعة في الأندلس في عصر بني عامر، وسعى أهل
стр. 35
¬الأندلس في تحويل وديان بلادهم إلى بساتين مونقة، ورياض نضرة، كما أنهم أفلحوا في إقامة زراعة على أسس علمية متطورة (١).
وراجت بالأندلس -في عهد الأمويين وبني عامر- الصناعة، وتعددت مجالاتها، وأهم ما عرف بالأندلس منها: الحديد والنحاس والزجاج والنسيج (٢).
وكانت تجارة الأندلس نافقة، وأسواقها بها عامرة، وكان لكل حرفة شارع، أو "درب" مثل سوق الغزل، وسوق الجباسين، وسوق الوراقين وسوق الحصارين، وكانت البضائع تُجلب إلى هذه الأسواق من إفريقية والمغرب، وقد مُهِّدت السبل وأمنت الطرق.
ولما ضَرَب الدَّهرُ ضرباته، كسدت التجارة، وأغلقت تلك الأسواق، وفرضت المكوس على الناس، وتسلط رجال الطوائف على الأموال، فاشتد بالناس الجَهْدُ، وعظم الخطب.
وفي عصر بني عامر قَسّمَ الحكامُ قرطبة إلى مدن خمس تشبه الأحياء، وكان في كل مدينة ما يكفيها من الأسواق والفنادق والحمامات وسائر الصناعات (٣)، وفي عهد عبد الرحمن الناصر اتسع العمران بقرطبة، فنشأ خارج السور الشرقي ربض جديد كالمدينة المحلقة، وُسِمَ بالمدينة الشرقية، وكان يتكون من ستة أحياء هي:
стр. 36
¬شبلار، وقرن بريل، ومنية عبد الله، ومنية المغيرة، والبرج، والزاهرة (١).
وبَنَى عبد الرحمن الناصر في غربي قرطبة في سفح جبل "الزهراء"، وَجَمَّلَ بناءها، وبالغ في ذلك (٢)، كما بني قصرا ريفيا سماه الرُّصافة على تل شمال قرطبة، وهو من مفاخر قرطبة التي جمعها أبو محمد بن عطية في قوله:
بأربع فاقت الأمصارَ قرطبة ... وهن: قنطرة الوادي، وجامعها
هاتان ثنتان، والزهراء ثالثة ... والعلم أكبر شيء وهو رابعها (٣)
ولما نجمت فتنة البربر، خَرِبَتْ قرطبة، وذهب رونقها وجمالها، فكما "عُمِّرت بالعدل، خربت بالجور" (٤).
* * *
стр. 37
¬ المبحث الثالث الاجتماع
تعددت فئات المجتمع في الأندلس وتنوعت ما بين عرب وبربر وصقالبة وإسبان، فالعرب هم الذين حملوا الإسلام إلى الجزيرة، فدخلوها مع موسى بن نصير، أو جاؤوا إليها في أفواج أيام عبد الرحمن الناصر، وقد ذكرهم ابن حزم في "جمهرة أنساب العرب"، فوصف من منازلهم، ومراتبهم وأحوالهم (١). وكان هؤلاء العرب أقل عددا، وأشد الفئات محافظة على الأصول، وَتَشَبُّثًا بالألقاب العربية (٢).
وَهَبَّ البربر إلى دخول الأندلس لقربها من بلادهم، فاتخذوا من جنوبها وغربها مثوى لهم، وشغلوا أنفسهم بالمهن الدنية، وفيهم من أدرك أسنى المِراتب والمناصب كِأبناء يحيى بن يحيى الليثي (٣) ومنذر بن سعيد البلوطي (٤)
стр. 38
¬وابن دراج القسطلي (١) شاعر المنصور بن أبي عامر.
وازداد عدد الصقالبة في عهد الناصر لدين الله، والمنصور بن أبي عامر، واتُّخِذوا في خدمة القصور، لما عرف عَنْهُم قوة واحتمال (٢).
وأما الكثرة الغالبة من سُكَّان الأندلس، فمن الإسبان الذين يسميهم المؤرخون "المسالمة"، ويطلقون على أبنائهم "المولّدين"، وكان منهم الحرفيون، وصغار التجار، ورجال الأعمال، وبعضهم كان يعمل في المزارع حول قرطبة (٣).
"وإذا كان سُكَّان الأندلس من سلائل مختلفة، فقد بدت فيهم كل خواص هذه السلالات" (٤): قال المقري: "أهل الأندلس عرب في الأنساب والعزة والأنفة، وعلو الهمم وفصاحة الألسن، وطيب النفوس، وإباء الضيم، وقلة احتمال الذلِّ، والسماحة بما في أيديهم، والنزاهة عن الخضوع، وإتيان الدنية، هنديون في إفراط عنايتهم بالعلوم وحبهم لها، وضبطهم لها وروايتهم، بغداديون في
стр. 39
¬نظافتهم وظرفهم ورقة أخلاقهم ونباهتهم وذكائهم، وحسن نظرهم، وجودة قرائحهم، ولطافة أذهانهم، وحدة أفكارهم ونفوذ خواطرهم، يونانيون في استنباطهم للمياه، ومعاناتهم لضروب الغراسات، واختيارهم لأجناس الفواكه، وتدبيرهم لتركيب الشجر، وتحسينهم البساتين بأنواع الخضر، وصنوف الزهر، فهم أحكم الناس لأسباب الفلاحة، وهم أصبر الناس على مطاولة التعب في تجويد الأعمال، ومقاساة النصب في تحسين الصنائع، وأحذق الناس بالفروسية، وأبصرهم بالطعن والضرب ... إن أهل الأندلس صينيون في إتقان الصنائع العلمية، دماحكام المهن الصورية -أي الآلية- تركيون في معاناتهم الحروب، ومعالجات آلاتها، والنظر في مهماتها" (١).
وأمن بقية الطوائف الدينية الأخرى على أنفسهم وأموالهم، فعاش النصارى واليهود في ظل دولة الإسلام، آمنين على عقائدهم وثقافتهم (٢).
وحظيت المرأة في الأندلس بنفوذ واسع، وقسط من الحرية وافر، واشتهر مِن بالنساء بالرأي والسلطة "صبح" زوجة الحكم المستنصر بالله (٣).
стр. 40
¬و"طروب" جارية عبد الرحمن الأوسط (١).
وفي قرطبة وما ولاها من الكور: وجدت أحياء ثلاثة مخصصة للطَّبقة العليا من المجتمع هي الرصافة والزاهرة والزهراء، أما بقية الأرباض، فكانت للطبقتين الوسطى والدنيا (٢). واتسع العمران بقرطبة، واستبحر البناء، وكثر لذلك سكانها، ففي عهد المنصور بن أبي عامر بلغت أرباضها (٣) إحدى وعشرين ربضا، كل ربض منها يعد أكبر مدينة من مدائن الأندلس، ولقد أحب المنصور "أن يتعرف مقدار ما يدخل قرطبة من جهاتها من أحمال الحطب في اليوم الواحد، فوكل بإحصاء ذلك عدة من ثقاته، قعدوا له راصدين بسائر طرق قرطبة وأنقابها، وكتب كل واحد منهم ما أحصاه، ورفعوا جميعه. فانتهى إلى ستة آلاف وستمائة حمل على اختلافها، وذكر أن الخليفة الحكم وكل مَنْ أحصى له ما يباع بقرطبة من السمك المملوح المسمى بالسردين خاصة المجلوب من الساحل، فانتهى البيع فيه في يوم واحد إلى عشرين ألف دينار" (٤). وقد اتخذ ابن حزم مظاهر المجتمع الأندلسي "مادة للدرسة التحليل والموازنات، وإن رسالتيه "طوق الحمامة" و"مداواة النفوس" مملوءتان بنتائج دراسته النفسية لذلك المجتمع الذي كان يموج بالعناصر المختلفة، والمنازع المتباينة، والمظاهر المتضاربة" (٥).