¬شبلار، وقرن بريل، ومنية عبد الله، ومنية المغيرة، والبرج، والزاهرة (١).
وبَنَى عبد الرحمن الناصر في غربي قرطبة في سفح جبل "الزهراء"، وَجَمَّلَ بناءها، وبالغ في ذلك (٢)، كما بني قصرا ريفيا سماه الرُّصافة على تل شمال قرطبة، وهو من مفاخر قرطبة التي جمعها أبو محمد بن عطية في قوله:
بأربع فاقت الأمصارَ قرطبة ... وهن: قنطرة الوادي، وجامعها
هاتان ثنتان، والزهراء ثالثة ... والعلم أكبر شيء وهو رابعها (٣)
ولما نجمت فتنة البربر، خَرِبَتْ قرطبة، وذهب رونقها وجمالها، فكما "عُمِّرت بالعدل، خربت بالجور" (٤).
* * *
стр. 37
¬ المبحث الثالث الاجتماع
تعددت فئات المجتمع في الأندلس وتنوعت ما بين عرب وبربر وصقالبة وإسبان، فالعرب هم الذين حملوا الإسلام إلى الجزيرة، فدخلوها مع موسى بن نصير، أو جاؤوا إليها في أفواج أيام عبد الرحمن الناصر، وقد ذكرهم ابن حزم في "جمهرة أنساب العرب"، فوصف من منازلهم، ومراتبهم وأحوالهم (١). وكان هؤلاء العرب أقل عددا، وأشد الفئات محافظة على الأصول، وَتَشَبُّثًا بالألقاب العربية (٢).
وَهَبَّ البربر إلى دخول الأندلس لقربها من بلادهم، فاتخذوا من جنوبها وغربها مثوى لهم، وشغلوا أنفسهم بالمهن الدنية، وفيهم من أدرك أسنى المِراتب والمناصب كِأبناء يحيى بن يحيى الليثي (٣) ومنذر بن سعيد البلوطي (٤)
стр. 38
¬وابن دراج القسطلي (١) شاعر المنصور بن أبي عامر.
وازداد عدد الصقالبة في عهد الناصر لدين الله، والمنصور بن أبي عامر، واتُّخِذوا في خدمة القصور، لما عرف عَنْهُم قوة واحتمال (٢).
وأما الكثرة الغالبة من سُكَّان الأندلس، فمن الإسبان الذين يسميهم المؤرخون "المسالمة"، ويطلقون على أبنائهم "المولّدين"، وكان منهم الحرفيون، وصغار التجار، ورجال الأعمال، وبعضهم كان يعمل في المزارع حول قرطبة (٣).
"وإذا كان سُكَّان الأندلس من سلائل مختلفة، فقد بدت فيهم كل خواص هذه السلالات" (٤): قال المقري: "أهل الأندلس عرب في الأنساب والعزة والأنفة، وعلو الهمم وفصاحة الألسن، وطيب النفوس، وإباء الضيم، وقلة احتمال الذلِّ، والسماحة بما في أيديهم، والنزاهة عن الخضوع، وإتيان الدنية، هنديون في إفراط عنايتهم بالعلوم وحبهم لها، وضبطهم لها وروايتهم، بغداديون في
стр. 39
¬نظافتهم وظرفهم ورقة أخلاقهم ونباهتهم وذكائهم، وحسن نظرهم، وجودة قرائحهم، ولطافة أذهانهم، وحدة أفكارهم ونفوذ خواطرهم، يونانيون في استنباطهم للمياه، ومعاناتهم لضروب الغراسات، واختيارهم لأجناس الفواكه، وتدبيرهم لتركيب الشجر، وتحسينهم البساتين بأنواع الخضر، وصنوف الزهر، فهم أحكم الناس لأسباب الفلاحة، وهم أصبر الناس على مطاولة التعب في تجويد الأعمال، ومقاساة النصب في تحسين الصنائع، وأحذق الناس بالفروسية، وأبصرهم بالطعن والضرب ... إن أهل الأندلس صينيون في إتقان الصنائع العلمية، دماحكام المهن الصورية -أي الآلية- تركيون في معاناتهم الحروب، ومعالجات آلاتها، والنظر في مهماتها" (١).
وأمن بقية الطوائف الدينية الأخرى على أنفسهم وأموالهم، فعاش النصارى واليهود في ظل دولة الإسلام، آمنين على عقائدهم وثقافتهم (٢).
وحظيت المرأة في الأندلس بنفوذ واسع، وقسط من الحرية وافر، واشتهر مِن بالنساء بالرأي والسلطة "صبح" زوجة الحكم المستنصر بالله (٣).
стр. 40
¬و"طروب" جارية عبد الرحمن الأوسط (١).
وفي قرطبة وما ولاها من الكور: وجدت أحياء ثلاثة مخصصة للطَّبقة العليا من المجتمع هي الرصافة والزاهرة والزهراء، أما بقية الأرباض، فكانت للطبقتين الوسطى والدنيا (٢). واتسع العمران بقرطبة، واستبحر البناء، وكثر لذلك سكانها، ففي عهد المنصور بن أبي عامر بلغت أرباضها (٣) إحدى وعشرين ربضا، كل ربض منها يعد أكبر مدينة من مدائن الأندلس، ولقد أحب المنصور "أن يتعرف مقدار ما يدخل قرطبة من جهاتها من أحمال الحطب في اليوم الواحد، فوكل بإحصاء ذلك عدة من ثقاته، قعدوا له راصدين بسائر طرق قرطبة وأنقابها، وكتب كل واحد منهم ما أحصاه، ورفعوا جميعه. فانتهى إلى ستة آلاف وستمائة حمل على اختلافها، وذكر أن الخليفة الحكم وكل مَنْ أحصى له ما يباع بقرطبة من السمك المملوح المسمى بالسردين خاصة المجلوب من الساحل، فانتهى البيع فيه في يوم واحد إلى عشرين ألف دينار" (٤). وقد اتخذ ابن حزم مظاهر المجتمع الأندلسي "مادة للدرسة التحليل والموازنات، وإن رسالتيه "طوق الحمامة" و"مداواة النفوس" مملوءتان بنتائج دراسته النفسية لذلك المجتمع الذي كان يموج بالعناصر المختلفة، والمنازع المتباينة، والمظاهر المتضاربة" (٥).
стр. 41
¬ المبحث الرابع العلم والفكر
كانت الأندلس في عصر الطوائف دار علم وأدب، يتنافس أهلُها في طلب العلوم، وتحصيل المعارف، ويزدحم أرباب الفكر فيها على أبواب الأمراء، الذين عرفوا أقدراهم، فأنزلوهم منزلة حسنة، وأحاطوهم بالرعاية والعناية. يقول أبو الوليد الشقندي في رسالته في فضل الأندلس: "ولما ثار بعد انتثار هذا النظام ملوك الطوائف، وتفرقوا في البلاد. كان في تفرقهم اجتماع على النعم لفضلاء العباد، إذ نفقوا سوق العلوم، وتباروا في المئوبة على المنثور والمنظوم، فما كان أعظم مباهاتهم إلا قول: "العالم الفلاني عند الملك الفلاني"، و"الشاعر الفلاني مختص بالملك الفلاني"، وليس منهم إلا من بذل وسعه في المكارم، ونبهت الأمداح من مآثره، ما ليس طول الدهر بنائم" (١).
وكان عدد من رجال الدولة ووزرائها من أعيان العلماء، وفضلاء النجباء، ونبلاء الأدباء، وَمِنَ الأمراء الحكام مَنْ كان لَهُ اشتغالٌ لعلم والأدب، كعباد بن المعتضد (٢) وابنه محمد
стр. 42
¬المعتمد (١)، والمظفر من بني الأفطس الذي ألف كتابًا عُرف باسمه - المظفري: وكالمعتصم وولديه: رفيع الدولة ورشيد الدولة من بني صمادح.
ولقد كان السبب في رواج سُوق العلم بالأندلس في هذا العهد، ما شاده خلفاء بني أمية من مراكز العلم، ومعاهد الفنون: ففي عهد عبد الرحمن الناصر كانت قرطبة كعبة العلوم والفنون، تعج بعشرات العلماء، وألوف الطلبة والمتعلمين، واعتنى الحكم المستنصر بالعلم والآداب فكان "رفيقا بالرعية، محبا في العلم. ملأ الأندلس بجميع كتب العلم" (٢) و"كان يبعث في شراء الكتب إلى الأقطار رجالا من التجار، ويرسل إليهم الأموال لشرائها، حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه، وبعث في كتاب الأغاني إلى مُصَنِّفه أبي الفرج الأصفهاني وكان نسبه من بني أمية، وأرسل إليه فيه بألف دينار من الذهب العين فبعث إليه بنسخة منه، قبل أن يخرج إلى العراق، وكذلك فعل مع
стр. 43
¬القاضي أبي بكر الأبهري المالكي في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم، وأمثال ذلك، وجمع في داره الحذاق في صناعة النسخ، والمهرة في الضبط والإجادة في التجليد فاوعى من ذلك كلله، واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب، لم تكن لأحد قبله، ولا بعده" (١).
وأنشا الحَكَمُ مكتبةً عظيمة، جمع لها الدواوين الكثيرة، والمؤلفات العديدة، وجعلها في قصره، قال ابن حزم: "وأخبرني تليد الفتي - وكان على خزانة العلوم بقصر بني مروان بالأندلس- أن عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب أربعة وأربعون فهرسة، في كل فهرسة خمسون ورقة، ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط" (٢)، وكان الحكم يجلس إلى كتبه "وقلما تجد كتابا في خزائنه، مِنْ أَيِّ فنِّ كان, إلا وله فيه نظر، يكتب فيه بخطه إما في أوله، وإما في آخره، أو في تضاعيفه، نسب الؤلف، ومولده، ووفاته، والتعريف به، ويذكر أنساب الرواة له، ويأتي من ذلك بغرائب لا تكاد توجد إلا عنده لكثرة مطالعته، وعنايته بمختلف الفنون، وكان موثوقا به، مأمونا عليه حتى صار كل ما كتبه حجة، عند شيوخ أهل الأندلس وأئمتهم، ينقلونه من خطه" (٣). وقد أغدق الحكم العطايا على العلماء والأدباء والفقهاء كي تسمو هممهم للتأليف لخزانته، كما كان يستقدم من
стр. 44
¬المشرق طائفة منهم، كصنيعه بأبي علي القالي (١) الذي استدعاه من بلده "فتلقاه بالجميل وحظي عنده، وقرب منه، وبالغ في إكرامه" (٢) فاستوطن قرطبة، ونشر علمه بها.
وكان ولع أهل الأندلس بالكتب وجمعها شيئًا عظيمًا، لا ينقضي منه العجب، ولا يدانيهم فيه أحد، واختص أهل قرطبة منهم من ذلك بالقدر العلي، والشأن الجلي، قال المقري وهو يذكر محاسن قرطبة وفضائلها: "ومن محاسنها ظرف اللباس، والتظاهر بالدين، والمواظبة على الصلاة، وتعظيم أهلها لجامعها الأعظم ... والتستر بأنواع المنكرات والتفاخر بأصالة البيت وبالجندية وبالعلم، وهي أكثر بلاد الأندلس كتبا، وأهلها أشد الناس اعتناء بخزائن الكتب، وصار عندهم من آلات التبين والرياسة حتى أن الرئيس منهم الذي لا تكون عنده معرفة يحتفل في أن تكون في بيته خزانة كتب، وَيَنْتَخِبُ فيها، ليس إلا لأن يقال فلان عنده خزانة كتب، والكتاب الفلاني ليس عند غيره، والكتاب الذي هو بخط فلان حصله وظفر به" (٣) ولقد كان
стр. 45
¬أهل قرطبة يتغالون في اقتناء الكتب، وإن لم تكن لهم بها حاجة، قال الحضرمي: "أقمت بقرطبة، ولازمت سوق كتبها مدة أترقب فيه وقوع كتاب؛ لي بطلبه اعتناء إلى أن وقع، وهو بخط فسيح، وتفسير مليح، ففرحت به أشد الفرح، فجعلت أزيد في ثمنه، فيرجع إلي المنادي بالزيادة إلى أن بلغ فوق حده، فقلت له: يا هذا أرني مَنْ يزيد في هذا الكتاب حتى بلغه إلى ما لا يساوي، فأراني شخصا على لباس رياسة، فدنوت منه، وقلت له: أعز الله سيدنا الفقيه، إن كان لك غرض في هذا الكتاب تركته لك، فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده: فقال لي: لست بفقيه، ولا أدري ما فيه، ولكني أقمت خزانة كتب، واحتفلت بها لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فيها موضعٌ يسع هذا الكتاب، فلما رأيته حسن الخط، جيد التجليد استحسنته، ولم أبال بما أزيد فيه، والحمد لله على ما أنعم من الوزق، فهو كثير" (١).
ولقد ضم عصر ابن حزم مكتبات خاصة غير مكتبة "الحكم"، ومن هذه المكتبات، مكتبة قاضي الجماعة بقرطبة أبي المطرف عبد الرحمن بن فطيس (٢): فقد "كان له بداره مجلس عجيب الصنعة، حسن الآلة:
стр. 46
¬ملبس كلله بالخضرة، جدرانه وأبوابه، وسقفه وفرشه وستوره، ونمارقه، وكل ذلك متشاكل الصفات، قد ملأه بدفاتر العلم، ودواوين الكتب التي ينظر فيها ... وبهذا المجلس كان أنسه وخلوته" (١).
وكان لسان أهل الأندلس أفصح الألسن، وأبعده من العُجمة، وتد عجب أبو علي القالي من صفاء لغة أهل الأندلس ونقائها من الكدر فقال: "لما وصلت القيروان، وأنا أعتبر مَنْ أَمُرٌّ به من أهل الأمصار فأجدهم درجات في العبارات، وقلة الفهم بحسب تفاوتهم في مواضعهم منها بالقرب والبعد، كأن منازلهم من الطريق هي منازلهم من العلم محاصةً، ومقايسةً، فقلتُ إن نقص أهل الأندلس عن مقادير مَنْ رأيت مِن أفهامهم بقدر نقصان هؤلاء عمن قبلهم، فَأَحْتَاجُ إلى ترجمان في هذه الأوطان"، قال ابن بسام: "فبلغني أنه كان يصل كلامه هذا بالتعجب من أهل هذا الأفق الأندلسي في ذكائهم، ويتخطى عنهم هذه المباحثة والمناقشة، ويقول لهم: إن علمي علم رواية، وليس علم دراية، فخذوا عني ما نقلت" (٢).
وازدحمت قرطبة بالعلماء (٣) في عصر المنصور بن أبي عامر، حتى إنه كان يصطحب منهم إلى الغزو جمعا غفيرا، وعددا كثيرا، قال لسان
стр. 47
¬الدين ابن الخطيب: "والذي صح أنه حضر ذلك، أبو عبد الله بن حسين الطبني، أبو القاسم حسين بن الوليد المعروف بابن العريف ... عبد الرحمن بن أحمد، أبو العلاء صاعد اللغوي، أبو بكر زيادة الله بن علي اليمني ... أحمد بن دراج القسطلي، أبو الفرج الأشجعي، محمد ابن عبد البصير، الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد، محمد بن عبد الملك بن جهور ... " (١).
ثم ذكر ابن الخطيب طائفة أخرى من العلماء والأدباء وقال: "هؤلاء من حفظته منهم، وهم أكثر من أن يُحْصَوْا: فعلى هذا ينبني القياس في ضخامة هذا الملك، وانفساح هذا العز". (٢)
وازدهرت مناحي العلم المختلفة، وكثر من تشبت بطرف منها، ففي الأدب: اشتهرت التآليف المصنفة في هذا النوع في المشرق بالأندلس، وعرفت بين الناس، فقد أدخل أحمد بن هارون البغدادي (٣) كتب ابن قتيبة (٤) وأدخل فرج بن سلام (٥) كتاب البيان
стр. 48
¬والتبيين، ورسائل وكتبا أخرى للجاحظ (١)، وأدخل عثمان بن المطنة ديوان أبي تمام، وفي طليعة الشعراء في هذا العصر ابن عبد ربه (٢)، وابن هانئ الألبيري (٣) وابن دراج القسطلي، ويوسف بن هارون الرمادي (٤)، وأبو عامر بن شهيد (٥) الذي ألف رسالة التوابع
стр. 49
¬والزوابع (١) وفي التاريخ: شهد هذا العصر ظهور مؤرخين كبار ألفوا مؤلفات ضخام في تاريخ الأندلس وسير أعلامها، ومن هؤلاء ابن القوطية (٢) صاحب تاريخ افتتاح الأندلس (٣)، وابن حيان القرطبي (٤) صاحب: "المتين" في ستين مجلدا، و"المقتبس" (٥): والخشني (٦)
стр. 50
¬صاحب: "قضاة الأندلس" (١)، وابن الفرضي (٢) صاحب: "تاريخ علماء الأندلس" (٣).
وفي الجغرافيا ومسالك الأمصار: ظهر في هذا العصر أول جغرافي أندلسي، جليل الشأن هو أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري (٤)، وهو من بيت شرف وإمارة، وأهم تآليفه: "المسالك والممالك": و"معجم ما استعجم" (٥).
وفي الطب: أَزْهَرَ هذا الميدان إِزْهَارًا في عصر الأمويين، وما بعده في عصر أمراء الطوائف، وظل يُتوارث في بعض البيوت مثل بيت بني زُهر بإشبيلية، الذي أنجب سلسلة من الأطباء المشهورين في
стр. 51
¬القرنين الخامس والسادس للهجرة (١) من بينهم: أبو القاسم الزهراوي (٢) الذي ألف كتابه في الطب المَوْسوم بـ: "التصريف لمن عجز عن التأليف" (٣). كما أن مِنْ أشهر أطباء هذا الوقت محمد بن الحسين المعروف بابن الكتاني (٤).
وكانت علوم الدين كثر العلوم انتشارا في الأندلس: أكثرها رجالا، وأبسطها كتبا، وأعمرها مجالس، وأقربها إلى قلوب الناس، وأحظاها بالعناية والاهتبال.
ففي علوم القرآن نبغ رجال، ألفوا كتبا مبسوطة كانت عمدة المتأخرين، ومنبعا استقى منه جمع كثير من النابهين، ففي قرطبة ظهر الحافظ الإمام المقرئ الهمام أبو عمر أحمد بن محمد بن يحيى العافري
стр. 52
¬الطلمنكي (١)، ومكي بن أبي طالب القيسي (٢)، الذي ألف في القراءات والتفسير كتبا نافعة ممتعة: كـ "الإبانة" و"الهداية إلى بلوغ النهاية في معاني القرآن" (٣): وغير ذلك، ومن العلماء النابهين في هذا العصر: محمد بن عبد الله بن أبي زمنين (٤) الذي ألف مختصرا في التفسير (٥)، ومحمد بن شريح الإشبيلي (٦) صاحب: "الكافي في القراءات": والحافظ الإمام شيخ الإسلام أبو عمرو الداني القرطبي (٧)،
стр. 53
¬صاحب "المنبهة": و"التيسير" (١)، وغير ذلك من التآليف الممتعة، والكتب الرائقة التي عَوَّلَ عليها النَّاسُ، وعدلوا عن غيرها.
ولقد صارت الأندلس دَارَ حديثٍ وإسنادٍ مُذْ بَثَّ فيها بقي بن مخلد (٢) علمه (٣)، ونشر في أنحائها تلاميذه: ثابت بن عبد العزيز السرقسطي (٤)، وابنه قاسم بن ثابت (٥) الذي ألف: "الدلائل" فأمتع وأجاد، وبلغ المراد (٦).
стр. 54
¬ومن تلاميذ بقي أيضا قاسم بن أصبغ (١) الذي أَلَّفَ: "المُجْتَبَي على أبواب كتاب ابن الجارود - المنتقى"، قال ابن حزم: "وهو خير منه انتقاء، وأنقى حديثا، وأعلى سندا، وأكثر فائدة" (٢). وله أيضا: "كتاب في غرائب حديث مالك بن أنس ما ليس في الموطأ" (٣)، وغير ذلك.
ومن مُحَدِّثي المائة الرابعة، أبو المطرف بن فطيس (٤)، ومنهم في المائة الخامسة: ابن عبد البر (٥)، الذي ألف: "التمهيد" (٦) قال ابن حزم: "وهو كتاب لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلا، فكيف أحسن منه" (٧) ومن كتب ابن عبد البر أيضا في الحديث وفنونه "الاستذكار" و"الاستيعاب" (٨). ومنهم أبو الوليد ابن الفرضي الذي ألف: "الاستذكار في الروايات وتسمية الشيوخ الرواة لها
стр. 55
¬والإجازات" (١): والحميدي (٢) الذي ألف: "الجمع بين الصحيحين"، وأبو علي الغساني الجياني (٣) الذي ألف: "تقيد المهمل، وتمييز المشكل" (٤).
وكانت الأندلس تموج بأفواج الفقهاء الذي تنوعت مشاربهم ومذاهبهم، فمن فقهاء المالكية الأعلام في هذا العصر: ابن أبي دليم (٥)، ويحيى بن عبد الله بن يحيى الليثي (٦)، وابن أبي زمنين (٧):
стр. 56
¬الذي اختصر "مدونة سحنون" (١): في تأليف سماه: "المغرب في اختصار المدونة"، وله أيضا كتاب في الشروط على مذهب مالك بن أنس يسمي: "المشتمل في الشروط"، وابن الحذاء (٢) القاضي، وابن عفيف (٣)، وأبو عبد الله محمد بن عتاب بن محسن (٤)، ومن أكابر أعْلام المَالِكية في الأندلس في هذا الوقت أبو الوليد الباجي (٥)
стр. 57
¬صاحب "المنتقى" (١) و"إحكام الفصول في أحكام الأصول" (٢).
وفي الأندلس من فقهاء الشافعية ثلة.
منهم: ابن صلا الله القُرْطبي (٣)، ويوسف بن محمد بن سُليمان الهمداني (٤)، وعبد السلام بن السمح بن نابل الهواري (٥)، وأبو محمد الأصيلي (٦)، وغيرهم.
وكانت قصور الأمويين والعامريين وأمراء الطوائف مرتعا
стр. 58
¬للمساجلات العلمية والأدبية بين الأدباء والعلماء (١) "ولم يكن مجال هذه المناظرات التنافس والكسب فقط، كما أنها لم تكن لمجرد التسلية، وإنما كانت أسلوبا من أساليب امتحان القدرة الفكرية والفنية" (٢).
ولقد كانت الأندلس موئل جماعة كبيرة من العلماء الواردين عليها من جهات متعددة، وذلك أثر في نهضتها العلمية، ويقظتها الفكرية (٣).
* * *
стр. 59
¬ الفَصْلُ الثَّانِي
حَيَاةُ الإِمَام ابْنِ حَزْم
стр. 60
¬ (المبحث الأول) نسبه وأصله ومولده
اختلف الرأي في أصل ابن حزم ونسبه على أقوال ثلاثة:
القول الأول: يرى القائلون به أن ابن حزم فارسي الأصل، قرشي الولاء، أصل آبائه من فارس، وقد رحل جده الأعلى "خلف" مع الأمويين إلى الأندلس حين رحلوا إليها، قال الحميدي: " ... أبو محمد أصله من الفرس، وجده الأقصى في الإسلام يزيد مولى ليزيد ابن أبي سفيان" (١). وتابع الحميدي على هذا القول طائفة من المؤرخين منهم: الذهبي والمقري وابن العماد الحنبلي (٢). وساق هؤلاء نسب ابن حزم هكذا: "أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ابن غالب ابن صالح بن خلف بن سفيان بن يزيد الفارسي، مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشي" (٣).
القول الثاني: يرى القائلون به أن ابن حزم إسباني الأصل، من أسرة من إسبانيا الغربية كانت تدين بالنصرانية، ولبثت على ذلك بعد الفتح الإسلامي، حتى اعتنق "حزم" الإسلام في منتصف القرن الثالث
стр. 61
¬الهجري على وجه التقريب، ومن قال بهذا الرأي وسبق إليه أبو مروان ابن حبان فإنه قال: "وقد كان من عجائبه انتماؤه في فارس، واتباع أهل بيته له في ذلك حقبة من الدهر، تولى فيها الوزير المفضل في زمانه الرَّاجح في ميزانه أحمد بن سعيد بن حزم لِبَنِي أمية أولياء نعمته؛ لا عن صحة، ولايةً لهم عليه، فقد عهده الناس مُوَلَّد الأرومة من عجم لبلة (١)، جده الأدنى، حديث عهد بالإسلام لم يتقدم لسلفه نباهة، فأبوه أحمد على الحقيقة، هو الذي بني بيت نفسه في آخر الدهر برأس رابية، وَعَمَّرَهُ بالخلال الفاضلة من الرجاحة والدهاء، والمعرفة والرجولة والرأي ... " (٢).
وقد تابع ابنَ حيان على هذه المقالة ابنُ سعيد من الأقدمين (٣)، ودوزي ونيكلسون وجولدتسهير ود. أحمد هيكل، ود. طه الحاجري ويعقوب زكي من المُحْدَثين (٤).
стр. 62
¬القول الثالث: وقد انفرد به المستشرق الإيطالي جبريلي، حيث يرى أن ابن حزم يوناني الأصل (١).
والذي يترجح من هذه الأقوال: القول الأول وذلك للأدلة الآتية:
١ - ورد التصريح من قبل ابن حزم بنسبته الفارسية وولائه في قريش وذلك في قوله:
سَمَا بي ساسان دارا وبعدهم ... قريش العِلا أعياصها والعَنابس
فما أخرت حربٌ مراتب سؤددي ... ولا قعدت بي عن ذوي المجد فارسُ
هنالِك مجد الدهر طالت فُرُوعه ... فَهُنَّ مَواض صُعُد لا نَواكس
مَلَكْنَا ملوك الأرض في كل جانب ... مَجْدٌ مِنَّا وبنا الحُدُودُ الأواكس (٢)
стр. 63
¬٢ - ليس أحد يستطيع اتهام ابن حزم بالكذب في هذه الدعوى: لأنه علَّامة نَسَّابة وقد أَلَّف في علم النسب كتابه المشهور: "جمهرة أنساب العرب".
٣ - لم تكن بابن حزم حاجةٌ للكذب في نسبه: "فنسبته في فارس، لا تزيده شرفا على نسبته في الإسبان، وحداثة إسلام أسرته، أو قدمها ليست شيئا يرجح مكانته في شيء" (١).
٤ - لا يُسَلَّمُ قول ابن حبان في نسب ابن حزم، لأنه مَيَّالٌ إلى الثلب والقدح في أعراض الناس (٢)، وكان منحرفا عن ابن حزم، وإن أخفى ذلك وستره (٣).
стр. 64
¬٥ - سَلَّم جمع من المؤرخين الثقات بصحة ما ادعاه ابن حزم في نسبه وتابعوه على ذلك، ومن هؤلاء الحميدي وابن بشكوال وابن خلكان وياقوت والذهبي وابن حجر (١)، ولو كان شيءٌ يشوب هذا النسب، لبادر الواحدُ من هؤلاء إلى الاعتراض، وفيهم مَنْ كان يصنع ذلك في أهون من هذا (٢).
٦ - لا تقوم حجة صحيحة، أو دليل معتبر، على سلامة دعوي مَن ادعى أن ابن حزم يوناني الأصل، ولو قال قائل إن الحامل على ذلك العصبية للجنس اليوناني، والانتصار له، ورد كل فضيلة إليه، لما أَبْعَدَ النُّجعةَ.
ولقد ولد الإمام ابن حزم بعد صلاة الصبح، وقبل طلوع الشمس من يوم الأربعاء، آخر يوم من شهر رمضان من سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
هذا ما صرح به ابنُ حزم نفسه فيما كتب به إلى صاعد صاحب الطبقات (٣)، وهو شيء أجمعت عليه كتب التراجم والطبقات، ونقله
стр. 65
¬الآخِرُ عن الأول (١).
"وإن ذلك التعيين يدلُّ على عناية أسرته بتحرير تاريخ ولادة آحادها وإلا ما تَسَنَّى لابن حزم أن يعرف ميلاده بذلك التعيين الدقيق، ويدل على تَحضُّرِ الأندلس، وعناية أهلها بأخبار مواليدها، وعلى رفعة شأن تلك الأسرة، حتى كانت تُعْنَى هذه العناية" (٢).
وكان مولد ابن حزم بقرطبة في الجانب الشرقي بربض منية المغيرة بقصر أبيه القريب من مدينة المنصور بن أبي عامر الزاهرة قال ابن حزم في معرض الافتخار بقرطبة: " ... فإن قرطبة، مسقط رؤوسنا ومعق تمائمنا" (٣).
* * *
стр. 66
¬ (المبحث الثاني) أسرته
ينتمي ابن حزم إلى أسرة كريمة المحتد، شريفة الأرومة، نبيلة الأصل، عُرف فيها العلم والفضل، وعُلمت فيها الرياسة والريادة، وفي ذلك يقول الفتح بن خاقان: "بنو حزم فتية علم وأدب، وثنية مجد وحسب، ولي الوزارة منهم غيرُ واحد، ونالوا بقرطبة جاهًا عريضًا ... " (١).
وأصل أسرة ابن حزم من قرية منت ليشم (٢) من أعمال لبلة من أقليم الزاوية من عمل أونبة (٣). وأما والد ابن حزم فهو أبو عمر أحمد بن سعيد ابن حزم، وزير المنصور بن أبي عامر، كان "له في البلاغة يد قوية" (٤)،
стр. 67
¬قال الحميدي: "سمعت أبا العباس أحمد بن رشيق الكاتب يقول: "كان الوزير أبو عمر بن حزم يقول: "إني لأعجب ممن يلحن في مخاطبة، أو يجيء بلفظة قلقة في مكاتبة، لأنه لا ينبغي له إذا شك في شيء أن يتركه ويطلب غيره، فالكلام أوسع من هذا". قال الحميدي: "وهذا لا يقوله إلا المتبحر الواسع العلم" (١).
ولقد كان الوالد الوزير حفيا بابنه الفقيه، يُغذيه بالوصايا، ويسوسه بالحكم، قال الحميدي: "أنشدني أبو محمد علي بن أحمد قال: أنشدني الوزير أبي في بعض وصاياه لي:
إذا شئت أن تحيا غنيا، فلا تكن على حالة إلا رضيتَ بدونها" (٢)
قال المقري بعد أن ساق هذا الخبر: "وهذا كافٍ في فضل الفرع والأصل" (٣).
وَذَكَرَ ابن حزم والده في "طوق الحمامة"، ونقل عنه أخبارا تتعلق ببعض خلفاء بني أمية (٤).
وقد عاش والد ابن حزم إلى نهاية الدولة العامرية: وبداية الفتنة، ومات يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة عام اثنتين وأربعمائة (٥).
стр. 68
¬وكان لابن حزم أخ أكبر منه، يكنى بأبي بكر، تزوج عاتكة بنت قند صاحب الثغر الأعلى، أيام المنصور بن أبي عامر، ويصف ابن حزم زوج أخيه فيقول: "وكانت لا مرمى وراءها في جمالها، وكريم خلالها، ولا تأتي الدنيا بمثل فضائلها" (١).
والظاهر أَنْ ليس لابن حزم أخ غير أبي بكر، ذلك لأنه أَلَّفَ كتابا مفقودا وَسَمَة بقوله: "تواريخ أعمامه وأبيه وأخيه" (٢) فَنَصَّ على أخيه بالإفواد، ولو كان له غيره لَجمَعَ.
وكان لابن حزم ابنٌ هو الفضل بن علي أبو رافع، قد روى عن أبيه وغيره، وكتب بخطه كثيرا، قال ابن بشكوال: "وكان عنده أدب ونباهة ويقظة وذكاء" (٣). وقد توفي في معركة الزلاقة سنة ٤٧٩ هـ مع صاحب إشبيلية (٤).
وقد عُرف لابن حزم عَمٌّ فقيه وأديب، هو عبدالوهاب بن حزم (٥)، كما عرف له أولاد أعمام من بينهم:
١ - أحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن حزم: ذكره الحميدي فقال: "كان من أهل الفضل والعلم، تولى الحكم بالجانب الغربب من قرطبة للمهدي" (٦).
стр. 69
¬٢ - عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الرحمن بن سعيد بن حزم: قال الحميدي في صفته: "من المقدمين في الأدب والشعر والبلاغة، وهو ابن عم الفقيه أبي محمد بن حزم، ووالد أيى الخطاب، وأبو محمد خاله، وشعره كثير مجموع" (١).
* * *
стр. 70
¬ المبحث الثالث أوليته وطلبه للعلم
نشأ ابن حزم في بيت عز مكين، وجاه عريض، في قصر أبيه الوزير المُقَام في الشارع الآخذ من النهر الصغير على الدرب المتصل بقصر الزاهرة (١)، وفي هذا القصر تَلَقَّى أول مبادئ العلم، وَجَدَّ في ذلك، حُبًّا في نباهة الذكر، وحُسن الأحدوثة في الدنيا والآخرة. ولقد أومأ ابنُ حزم إلى هذا المعنى صراحة عندما قال له الباجي: "أنا أعظم منك همة في طلب العلم، لأنك طلبته وأنت مُعان عليه، فتسهر بمشكاة الذهب، وَطَلَبْتُهُ وأنا أسهر بقنديل بائت السوق" (٢): فقال له ابن حزم: "هذا الكلام عليك لا لك، لأنك إنما طلبت العلم، وأنت في هذه الحال رجاء تبديلها بمثل حالي، وأنا طلبته في حال ما تعلمه، وما ذَكَرْتَهُ، فلم أرجُ به إلا علو القدر العلمي في الدنيا والآخرة" (٣).
وأوَّل مَنْ عَلَّم ابنَ حزم من أهل عصره النساءُ ويقول في ذلك:
стр. 71
¬"لقد شاهدتُ النساء، وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري، لأني رُبيت في حجورهن، ونشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن، ولا جالستُ الرجال إلا وأنا في حد الشباب، وحين تبقل (١) وجهي، وهن علمنني القرآن وروَّينني كثيرا من الأشعار، ودربنني في الخط، ولم يكن وُكدي وإعمال ذهني مُذْ أول فهمي، وأنا في سن الطفولة جدا إلا تعرف أسبابهن، والبحث عن أخبارهن، وتحصيل ذلك، وأنا لا أنسى شيئا أراه منهن، وأصل ذلك غيرة شديدة طُبعتُ عليها، وسوء ظن في جهتهن فُطرت به، فأشرفت من أسبابهن على غير قليل" (٢).
ويعلم من هذا النص أسماء المواد التي تلقاها ابن حزم في مُقتبل العُمر، وهي: حفظ القرآن الكريم، ورواية الأشعار، والتمرين في الخط، وهو يقتضي تعليما سابقا تناول تهجِّي الحروف، وتلقين الكتابة للمرة الأولى. فمن هو معلم أو معلمة ابن حزم في هذه المرحلة؟ ومن القريب جدا أن يكون هو أحمد بن محمد بن عبد الوارث القرطبي المتوفى سنة ٤٠٢ هـ وهو الذي يقول عنه الحميدي: "أخبرني أبو محمد علي بن أحمد أنه كان معلمه" (٣).
وكان من عادة أهل الأندلس أن يخلطوا في ثعليمهم للقرآن رواية الشعر في الغالب، والترسل، ويأخذون الناشئة بقوانين العربية
стр. 72
¬وحفظها، وتجويد الخط والكتابة، إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة، وقد شدا طرفا في العربية والشعر، والبصر بهما، وبرز في الخط والكتابة، وتعلق بأذيال العلم على الجملة (١).
ومن الراجح أن يكون ابن حزم تلقى العربية ومتعلقاتها على يد أحمد ابن محمد بن عبد الوارث القرطبي (٢).
وصار للغلام ذوقٌ في العربية، وحسن بَصَر بالأدب، فقد حدث عَنْ نفسه أنه لما كان في الثانية عشرة مِنْ عمره أَدخله والده على المظفر ابن أبي عامر قال: "وهو أول يوم وصلت فيه إلى حضرة المظفر" (٣).
وفي مجلس المظفر سمع قصيدة أيى العلاء صاعد اللغوي (٤) التي يمدح فيها الأمير ويستهلها بقوله:
إليك حَدوت ناجية الركاب ... محُمَّلَة أَمَاني كالهضاب
فاستحسنها. فكتبها له أبو العلاء بخطه وأنفذها إليه" (٥).
стр. 73
¬وَأَثَّرَ تذوق الأدب في حِسِّ الغلام، فصار له في قول الشعر ملكة قوية، وفي قرضه طبع مرهف، وفي طوق الحمامة من شعر -الغلام- الذي لم يبلغ الحلم قصيدة واحدة، ومقطعتان، وبيتان من الشعر (١).
واعتنى الوالد الوزير بتهذيب أخلاق ولده الناشئ فجعل له من يقوم على سياسته بالتأديب، وتربيته بالتقويم والتسديد، وفي هذا يقول ابن حزم:
" ... كان السبب فيما ذكرته، أني كنت وقت تَأَجُّجِ نار الصبا، وشِرة الحداثة، وتمكُّن غرارة الفتوة، محظرا علي بين رقباء ورقائب" (٢).
وصحبت هذه التربية ابن حزم إلى ما بعد بلوغه وفي هذا يقول:
" ... فلما ملكت نفسي وعقلت صحبت أبا علي الحسين بن علي الفارسي في مجلس أيى القاسم ... وكان أبو علي المذكور عاقلا عاملا، ممن تقدم في الصلاح والنسك الصحيح، وفي الزهد في الدنيا والاجتهاد للآخرة علما وعملا ودينا، وورعا، فنفعني الله به كثيرا، وعلمت موقع الإساءة وقبح المعاصي" (٣).
وكانت بداية التحصيل العلمي في حياة ابن حزم قبل الأربعمائة (٤)،
стр. 74
¬إذ سمع الحديث على أحمد بن الجسور (١)، قبل أن يبلغ السابعة عشرة "وإذا كان الحديث والفقه أخوين متلازمين، لا يمكن أن يطلب الحديث إلا مع الفقه، أو على الأقل المعارف الأولى في الفقه فلا بُدَّ إذن أن نَقُولَ إنَّ ابنَ حزم قد ابتدأ يَتَلَقَّى الفقهَ في سِنِّيهِ الأولى، وليس مِنَ المعقول أن يكون أَبُوه الذي عُني بتربيته تلك العناية، يهمله وَيتْرُكُه من غير أن يُعَلَّم المعارف الأولى في الفقه كالصلاة، فرائضها ونوافلها، هذا هو المعقول في ذاته، وهو الذي يتفق مع السياق التاريخي" (٢).
لكن قال عبد الله بن محمد بن العربي: "أخبرني ابنُ حزم أن سبب تعلمه الفقه، أنه شهد جنازة، فدخل المسجد، فجلس ولم يركع، فقال له رجل: قم فصل تحية المسجد، وكان ابن ست وعشرين سنة، قال: فقمت وركعت فلما رجعنا من الجنازة جئت المسجد، فبادرت بالتحية، فقال لي: إجلس، ليس ذا وقت صلاة، يعني بعد العصر، فانصرفتُ حزينا، وقلت للأستاذ الذي رباني: دُلَّني على دار الفقيه أبي عبد الله بن دحون، فقصدته، وأعلمته بما جرى علي، فدلني على الموطأ، فبدأت عليه القراءة: ثم تتابعت قراءتي عليه، وعلى غيره ثلاثة أعوام، وبدأت بالمناظرة" (٣).
стр. 75
¬ويقرب من هذا الخبر ما رواه أبو محمد بن العريى أيضا عن ابن حزم أنه قال: "إني بلغت هذه السن -أي سن ستٍّ وعشرين سنة- وأنا لا أدري كيف أجبر صلاة من الصلوات" (١).
والخبر الأول مَنْقُوض بأمور، منها:
أولا: لقد ثَبَتَ بالدليل الصحيح سَمَاعُ ابن حزم من أحمد بن الجسور (٢)، وَيَحْيى بن عبد الرحمن بن مسعود القرطبي (٣)، وتوفي الأول سنة ٤٠١ هـ، بينما توفي الثاني سنة ٤٠٢ هـ (٤). فيكون ابن حزم شرع في دراسة الحديث والفقه على ابن الجسور وهو ابن سبع عشرة سنة: ويكون قد شرع في دراسة الفقه على يحيى بن عبد الرحمن القرطبي، وهو ابن ثمان عشرة سنة (٤).
ثانيا: "إن الخبر في ذاته يحمل دليل بطلان أن يكون ابن حزم في هذه السن، وذلك لأنه ذكر أن مربيه وأستاذه قد صحبه، وأشار إليه بذلك، وَمَنْ كان في السادسة والعشرين، وبلغ مرتبة الوزارة لا يذكر الناس من يشير إليه على أنه مربيه، وإن المعقول، أو القريب من المعقول أن يكون ذلك وهو في السادسة عشرة من عمره، وأن يكون