ثبت الأمر بأن تُرَدّ القبور إلى الهيئة المشروعة إذا جعلت على خلافها.
ابن حبيب: قد تقدم أنه إذا صح، كان قوله: "بالأرض" من زيادة بعض الرواة. والله أعلم.
وفيه أن عمر ﵁ كان مُحْييًا لهذه السنة.
أثر عثمان: فيه أن عثمان كان عاملًا بهذه الأدلة.
فكان هذا الحكم قائمًا معمولًا به في عصر الخلفاء الراشدين. والله أعلم.
[ص ٩٩] حديث جابر وأبي سعيد وناعم: فيها النهي عن البناء على القبر وتجصيصه، والجلوس عليه.
وفي حديث جابر: النهي عن الزيادة عليه والكتابة.
* * * *
стр. 142
الكتابة
بعد أن صححها الحاكم على شرط مسلم قال: "وليس العمل عليها، فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوبٌ على قبورهم، وهو عملٌ أخذ به الخلف عن السلف" (١). اهـ.
تعقبه الذهبي فقال: ما قلتَ طائلًا، ولا نعلم صحابيًّا فعل ذلك، وإنما هو شيءٌ أحدثه بعض التابعين، فمن بعدهم، ولم يبلغهم النهي. اهـ.
وتعقبه ابن حجر الهيتمي (٢) بقوله: "ويُردّ بمنع هذه الكلية وبفَرْضها، فالبناء على قبورهم أكثر من الكتابة عليها في المقابر المُسَبَّلة، كما هو مشاهد، لا سيما بالحرمين ومصر ونحوها، وقد علموا بالنهي، فكذا هي.
فإن قلت: هو إجماعٌ فِعْلي، فهو حجة كما صرَّحوا به.
قلت: ممنوعٌ، بل هو أكثريٌّ فقط، إذ لم يُحْفَظ ذلك حتى عن العلماء الذين [لا] (٣) يرون منعه. وبفرض كونه إجماعًا فعليًّا، فمحل حجيته ــ كما هو ظاهر ــ إنما هو عند صلاح الأزمنة، بحيث ينفَّذ فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تعطَّل ذلك منذ أزمنة" (٤). اهـ.
стр. 143
أقول: النهي عن الكتابة لم يرد إلا في الروايات التي عنعن فيها ابن جُريج، وهو مدلّس كما تقدم، ولكن يؤخذ النهي عنها من الأحاديث بطريق القياس.
* * * *
стр. 144
[ص ١٠٠] الزيادة على القبر
(قد مر الكلام عليها في الفصل الأول) (١).
* * * *
الجلوس على القبر
اختلف فيه؛ فقال مالك ومن تبعه: لا بأس به (٢).
وتأولوا الأحاديث بأن المراد القعود لقضاء الحاجة، واستدلوا:
أولًا: بأن في بعضها التقييد به، فحُمِلَ عليه الباقي، حملًا للمطلق على المقيد.
وثانيًا: بحديث وضع الجريد على القبر، إذ هو وضع شيءٍ على القبر، فيقاس عليه الجلوس، كما أشار إليه البخاري، ونبهنا عليه في أثر خارجة (٣).
وثالثًا: بآثار رويت عن بعض الصحابة، أنهم كانوا يجلسون على القبور، ويقولون: إنما نُهِي عن القعود لقضاء الحاجة.
وقد مرَّ بعض هذه الآثار، في أثر خارجة بن زيد (٤).
стр. 145
قالوا: وأما ما في بعض الروايات بلفظ: "وأن توطأ" فمِنْ تصرُّف الرواة، ظن الراوي أن النهي عن الجلوس على إطلاقه، فعبر بالوطء؛ لأنه أشد منه.
وقال الجمهور: بل هو ممنوع (١). واستدلوا بالأحاديث المطلقة، وبحديث أحمد بإسنادٍ صحيح عن عَمْرو بن حزم قال: "رآني رسول الله ﵌ متكئًا على قبر، فقال: لا تؤذِ صاحب هذا القبر، أو لا تؤذه" (٢).
فأما من لا يقول بحَمْل المطلق على المقيّد، فاستدلاله واضح.
وأما من يقول بالحمل ــ كالشافعية ــ فيجاب من طرفهم بأنَّ حديث أحمد نصٌّ لا يحتمل التقييد؛ لأن الاتكاء لا يكون مع قضاء الحاجة.
وعليه، فيتعين بقاء الأحاديث المطلقة على إطلاقها، كما هو المقرر في المطلق الدائر بين قيدين متضادين. انظر كتب الأصول.
ويجاب عن القياس الذي أشار إليه البخاري: بأن لوضع الجريد حِكْمة خاصة، كما يعلم من الحديث، لا يعلم وجودها في غير الجريد، فلا يتم القياس، ولو فُرِض صحة القياس، فهو مصادم للنص بحديث أحمد.
ويجاب عن الآثار المروية عن بعض الصحابة ﵃: بأنها لا تصلح لمعارضة الدليل الثابت عن رسول الله ﵌، مع أننا لا ننكر أنهم لا يرون ما رأوه إلا متمسكين بدليل، ولكن ليس لنا أن نترك دليلًا قد علمناه وتحققناه، ونأخذ بدليل نظن أنهم ظنوه.
стр. 146
هذا، مع أن قولهم معارضٌ بقول صحابة آخرين، كعَمْرو بن حزم.
وقد يتأول الأولون حديث عَمْرو بن حزم بأن يقال: لعل المراد [ص ١٠١] بصاحب القبر فيه وليّ المدفون، فإنه قد يتأذَّى من جلوس الأجنبي على قبر ميِّته، فيكون النهي إذًا لأجل تأذِّي الحي، لا لأجل القبر.
ويُجاب عن هذا: بأنه خلاف الظاهر، مع أن القبور إنما كانت في ذلك العهد في غير الملك.
وعليه، فإن كان تأذي الولي بمجرد أنه يرى أن قبر مَيِّته، كالمستحق له، فلا عبرة بذلك؛ لأن الاستحقاق إنما هو للميت، بالنظر لباطن الحفرة، فأما ظاهرها فإنه باقٍ على الإباحة على قضية مذهبكم.
وإن كان لظنه أن في الاتكاء انتهاكًا لحرمة الميت، أو أنه يتأذى بذلك، فإما أن يكون ظنه خطأً، فلا عبرة به، وكان الأولى أن يبين الحال للأولياء بأن ذلك الظن باطل، مع أنكم لم تقيدوا الإباحة بما إذا لم يتأذَّ الحي، ولا نُقِل عمن كان يرى الإباحة من السلف ما يدل على هذا القيد.
وإما أن يكون صوابًا، فيلزم أن يكون الاتكاء منهيًّا عنه لذاته، فرجعنا إلى المعنى الظاهر، فلم يبق فائدة لهذا التأويل، إلا تأكيد النهي، لدلالته على أن في الاتكاء إيذاء الحي والميت.
وقد يتأولونه أيضًا بأنه لعله كان القبر قبرًا لبعض أقارب عَمْرو، فاتكأ عليه يبكي عليه، فيكون إيذاؤه للميت بالبكاء عليه، لما ورد "أن الميت يعذَّب ببكاء أهله" (١).
стр. 147
والجواب: أن هذا خلاف الظاهر، فقول عَمْرو بن حزم: "على قبر" يدل أنه قبر مُطلق ليس له مزية تناسب النهي عن الاتكاء، ودعوى خلاف ذلك تمحُّل لا وجه له.
فإن قيل: يدلّ عليه ذهاب بعض الصحابة إلى جواز الجلوس المطلق، وتقييد النهي عن الجلوس بأن يكون لقضاء الحاجة.
قلت: كل هذا بعيد.
أما الأول؛ فلأننا متعبَّدون بظاهر ما بلغنا عن الشارع، لا ندعه إلا إذا بلغنا عن الشارع ما يخالفه، وقول بعض الصحابة ليس قولًا للشارع، فإنه قد يخفى عليهم الدليل، فيجتهدون ويخطئون، مع أن قولهم معارض بقول غيرهم من الصحابة كما مر. [ص ١٠٢] ولم يقل أحدٌ: إن ذهاب بعض الصحابة إلى حكمٍ يوجب تأويل ما يخالفه مما ثبت عن النبي ﵌.
وأما الثاني؛ فلأن التقييد إنما ورد في التعليق على إثم خاصٍّ، فغايته أن يفهم أن ذلك الإثم بخصوصه لا يكون مع مطلق الجلوس.
فأما أن يفهم عدم الإثم أصلًا فلا، مع أن دلالة حديث عَمْرو بن حزم منطوق، وهو مقدَّم على المفهوم مطلقًا.
وتأول بعض الأجلة (١) الجلوس المنهي عنه، بالجلوس للاستشفاع بصاحب القبر، والسؤال منه. والكلامُ عليه يعلم مما قبله، مع أن ظاهر الأدلة ولاسيما حديث عَمْرو بن حزم الإطلاق. والله أعلم.
стр. 148
ثم اختلف الجمهور؛ فقال بعضهم: النهي للتحريم. وقال آخرون: بل هو للكراهية.
احتج الأولون: بأن الأصل في النهي التحريم، ولا صارفَ عنه.
ولم يأت الآخرون بشيءٍ، إلا أنهم ربما (١) ذكروا ما تمسَّك به القائلون بالإباحة، وقد مرَّ الكلام عليه.
قال الشوكاني في "نيل الأوطار" (٢): " (وأن يقعد عليه) فيه دليلٌ على تحريم القعود على القبر، وإليه ذهب الجمهور ... " إلخ.
وقال النووي في "شرح مسلم" (٣): "وفي هذا الحديث كراهية تجصيص القبر والبناء عليه، وتحريم القعود، والمراد بالقعود: الجلوس عليه، هذا مذهب الشافعي، وجمهور العلماء ... قال أصحابنا: تجصيص القبر مكروه، والقعود عليه حرام، وكذا الاستناد إليه، والاتكاء عليه ... " إلخ.
وتُعقِّب بأن الذي عليه الشافعي والجمهور كراهة ذلك تنزيهًا، وقد يُناقَش ما ذكره النووي ﵀ بأنه يلزمه الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ النهي، [ص ١٠٣] وذلك أن كون النهي على حقيقته ــ وهي التحريم ــ تقتضي حُرمة البناء والتجصيص والقعود، فالقول به في بعضها دون بعض حملٌ للكلمة على الحقيقة والمجاز معًا.
واختيار جوازه أو القول بأن هذا ليس منه، بل من عموم المجاز. يردُّه أنه يحتاج إلى دليل، وإلا فالمجاز البسيط أولى منه، فضلًا عن الحقيقة.
стр. 149
ومع هذا، فحديث عَمْرو بن حزم صريحٌ في التحريم؛ لأنه جعل الاتكاء على القبر إيذاءً لصاحبه، وإيذاء المسلم بغير حق حرامٌ بلا خلاف.
فإن قيل: وكيف يكون الإيذاء للميت؟
قلت: الله أعلم، صحَّ عن رسول الله ﵌ أن الاتكاء على القبر يؤذي صاحبه، فسمعنا وأطعنا، وعلمنا أنه على كل حال يكون الجلوس على القبر ووطؤه، ونحو ذلك أولى من الاتكاء، فقلنا به.
ومع ذلك، فإنني أذكر هـ? هنا احتمالًا يُفْهَم من مجموع الأدلة الواردة فيما يتعلق بالأرواح بعد الموت، وعلى من أراد تحقيق البحث أن يراجع تلك الأدلة.
لعل الروح بعد الموت ورفعها إلى السماء، وإرجاعها إلى القبر للسؤال، تبقى مجاورة لجسدها، ويمكنها معرفة ما يجري على القبر.
فإن قيل: فعلى هذا لا يحرم الجلوس على من كان يحبه الميت.
قلت: كلّا، فلعله قد طرأ أو تبين للميت من حال الحيّ ما يبغِّضه إليه، مع أنه بعد الموت لا يهم الميت إلا ما ينفع عند الله .
وهذه أمورٌ غيبية، وعِلّةٌ غير يقينية، والأحاديث مطلقة، فالمتعين إطلاق المنع، والله أعلم.
* * * *
تجصيص القبر
التجصيص والتقصيص بمعنًى، وهو ظاهرٌ، وسيأتي حكمه إن شاء الله.
стр. 150
[ص ١٠٤] البناء على القبر (١)
قد يقال: يحتمل أن يراد بالبناء ما كان فيه انتهاك لحرمة القبر، كأن يكون للسكنى، ويدل عليه قرنه بالجلوس.
والجواب: أن البناء في الحديث مطلق، وقرنه بالجلوس يعارضه قرنه بالتجصيص الذي هو تشييد للقبر، لا إهانة، بل هذا أبين دلالة، إذ التجصيص من جنس البناء، مع أن البناء للسكنى لا يستلزم انتهاك حرمة القبر، فقد يترك بجانب من البيت على حاله، بل إن ذلك تعظيمٌ للقبر واحترامٌ له، ولذلك جاء النهي مطلقًا، يتناول البناء للسكنى وغيره.
فإن قيل: الأصل في الكلام الحقيقة، والحقيقة في البناء على القبر البناء على متنه.
قلت: بل الحقيقة في البناء على القبر ما كان مستعليًا عليه، فيتناول البناء حواليه مسقوفًا، إذ هو باعتبار السقف مستَعْلٍ على القبر حقيقةً.
مع أنه لو سُلِّم ما قلتم، أو لم يرد النهي إلا عن التجصيص فقط، لكان في ذلك دليلٌ على النهي عن البناء الضيِّق والواسع، المسقوف وغير المسقوف، بل وعن البناء بقرب القبر غيرَ مشتملٍ عليه، ولكنه لأجله، بل وعن البناء بعيدًا عنه لأجله، كالمَشاهد، وكذا كل ما فيه تمييز للقبر، كرفعه زيادةً على الشبر، ووضع الستور عليه، ونصب الرايات عنده، وإيقاد السُّرُج.
والحاصل: كل شيءٍ يكون فيه إكرامٌ للقبر أو تشييدٌ له مما لم يثبت
стр. 151
بالسُّنة، فإنَّ كل هذا يدلّ الحديث على النهي عنه بالقياس، سواءً أكانت العلة كراهية تشييد القبور وتزيينها، أم كراهية تمييز القبر الذي يُخْشى أن يؤدي إلى تعظيمه، وقد مر إيضاح هذا آخر الفصل الأول (١).
وقد عورض إطلاق البناء على القبر في النهي بإطلاقات أخر:
منها: الإذن للإنسان أن يصنع في ملكه ما يشاء.
ومنها: الأمر باحترام الصالحين.
ومنها: الأمر بالإحسان إلى الخلق، وإعانتهم على البر.
فعلى الأول؛ يُقَيَّد النهي عن البناء [ص ١٠٥] بما إذا لم يكن في الملك.
وعلى الثاني؛ بما إذا لم يكن على قبور الصالحين.
وعلى الثالث؛ بما إذا لم يكن (لتظليل) الزوَّار.
والجواب: أن هذه الأمور ليست مطلقة، بل هي مقيَّدة بما لم ينه عنه الشرع، والبناء مطلقًا مما نهى عنه الشرع، فلا معارضة؛ وإلا لساغ تقييد النهي عن اتخاذ الأصنام بما إذا لم يكن في الملك. وتقييد النهي عن الرياء، بما إذا لم يكن لأجل الإهداء إلى صالح، أو لأجل الصدقة، وتقييد النهي عن تأخير صلاة الصبح مثلًا عن وقتها بما إذا لم يكن لخدمة الوالدين، وغير هذا من المصالح التي لا تُحصى.
ولو سُلِّم التعارض لكان المتعين تقييد تلك المطلقات بالنهي عن البناء على القبر؛ لأن علة النهي عن البناء على القبر موجودة في كل قبر، وذلك دليلٌ أن النهي مطلقٌ لا يقبل التقييد، بل وجودها في الملك أبْيَن وأوضح؛ لأن مجرد الدفن في الملك مع منافاته للسنة في حق الآية، فيه منافاة لما
стр. 152
يليق بالموت الذي هو باب البلى، والخروج من الدنيا، والتساوي مع الفقراء، وفيه تمييز للقبر، وتعظيم له، فعِلَّة النهي عن البناء موجودة في مجرد الدفن في الملك، فضلًا عن التجصيص والبناء.
وكذلك وجود العلة في قبر الصالح أشد؛ لأنه أقرب إلى حمل الناس على تعظيمه، وما مثل مَن (١) يجيز البناء على قبر الصالح، إلا كمن يبيح شرب القَدْر المُسْكر من الخمر للمجاهدين، فإن البناء على قبر غير الصالح كشرب الجرعة والجرعتين من الخمر، والنهي عن البناء على قبر الصالح، كالنهي عن شرب القَدْر المسكر من الخمر، فإباحة البناء على قبر الصالح ــ لأن فيه احترامًا للصالحين ــ كإباحة السُّكْر للمجاهدين؛ لأن فيه شدة على الكافرين، مع أن علة تحريم الخمر خوف السكر، وعلة تحريم البناء خوف الكفر، وشتان بينهما.
وهكذا تظليل الزوَّار، إن هو إلا تحقيقٌ لوجود العلة؛ لأن الزيارة التي تحتاج إلى التظليل لا تكون غالبًا مشروعة، مع أن التظليل ليس من المصلحة في شيء، لا مصلحة الميت كما هو واضح؛ لأنه إن كان للدعاء له، فإن الله بكل شيءٍ عليم، فإن أراد أن يبلغه ثواب الدعاء فسيبلغه، ولو كان الداعي بأقصى الأرض عن قبره.
[ص ١٠٦] ولا لمصلحة الزوَّار؛ لأنه إن أريد المصلحة الشرعية التي بيَّنها رسول الله ﵌ بقوله: "فإنها تذكِّركم الآخرة" (٢). فهذه
стр. 153
يصلح لها كل قبر، فلا معنى لتخصيص بعض القبور حتى يحتاج إلى البناء عليها للتظليل.
وإن أريد أن صاحب القبر يشفع لهم إذا فعلوا ما يرضيه، فهو ميت لا يرضيه إلا ما ينفعه عند الله، والذي ينفعه عند الله هو الدعاء له بشرطه.
وقد مر أن الله إن أراد أن يبلغه ثواب دعائهم بلغه أينما كان، وإن أريد أنه يحتاج إلى أن يُسأل، فإنهم يزعمون أنه يبلغ، بل يسمع سؤالهم ولو كان بعيدًا.
وعلى كل حال، فهذه مجاراة لهم على باطلهم، وإلا قد بيَّن الإسلام أن النفع والضر بيد الله ، وأنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته، ولا يُطاع الله إلا بما شرع، ولا يعلم ما شرع إلا بكتابه وسنة رسوله ﵌.
وإن فرض أنه حصل لأحدٍ من الناس نفع بشيءٍ من هذه المنهيات، فإنه لا يدل على جوازه، ألا ترى إلى السحر ينتفع به صاحبه، وهو كفر؟
وقد يستدرج الله بعض عباده إذا أصرّ على الإعراض عن الحق، فاستوجب الخذلان، قال : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
وقال جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ
стр. 154
وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٢ - ١١٧].
يا مقلب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك، واهدنا لِمَا اخْتُلف فيه من الحق بإذنك، ووفقنا والمسلمين لما يرضيك. آمين.
والحاصل: أن التقييد المذكور إن هو إلا تحقيق للمفسدة، وإيغالٌ في الغرور، كما يقال في المثل العامي: أراد أن يكحل عينه فأعماها. فنعوذ بالله من الخذلان.
هذا، مع أن المقرر في الأصول: أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح مطلقًا، وأن درء المفسدة الكبرى بارتكاب الصغرى متعيِّنٌ إذا دار الأمر بينهما، ولا شك أن ذرائع الكفر ــ ومنها تمييز القبر ــ أشد المفاسد، فلو دار الأمر بينها وبين مفسدة أخفّ منها؛ لتعيَّن ركوب الأخف، فكيف إذا لم يقابلها مفسدة أصلًا.
[ص ١٠٨] وقال بعضهم: يحتمل أن يكون (البناء المنهي عنه) بناء الخيمة والفُسْطاط؛ لإقامة الحِداد، وتعظيم المصيبة.
والجواب: أن هذا تقييدٌ بمجرَّد التشهِّي، لو صح مثله لأصبح الدين ألعوبة، وأيضًا فما باله قُرِن بالتجصيص؟
стр. 155
وقال آخر (١): هؤلاء المسلمون منذ العصور الأولى إلى اليوم بما فيهم من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ما زالوا يتقربون إلى الله زُلْفى بتعظيم مقابر الأنبياء والأولياء، وبتعميرها وتشييدها، وإقامة الأبنية الضخمة عليها.
وهذا عمر بن الخطاب ﵁: هو أول من بنى حُجْرة قبر النبي ﵌ باللبن، بعد أن كانت مقوَّمة بجريد النخل، نص على ذلك السمهودي في "كتاب الوفاء" (٢)، ثم تناوب الخلفاء على تعميرها.
أقول: أسْمَع جعجعةً ولا أرى طِحْنًا، دعنا من حُجرة قبر النبي ﵌، فإن لها سببًا خاصًّا كما مر بيانه (٣). ومع ذلك فما نقلته عن كتاب "الوفا" لا نراه يصح، فإن أم المؤمنين عائشة كانت ساكنةً في الحجرة، ولعله ذهب وَهْم الراوي من عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الخطاب.
وأما غير قبره ﷺ ؛ فقد نزَّه الله الصحابة رضوان الله عليهم، إلا أن يصنع بعض جَهَلة التابعين شيئًا، فيبادرون إلى هدمه، كما سيأتي.
وكذا أتباع التابعين، ومَنْ بعدهم غالبًا، قال الإمام الشافعي (٤): لم أر قبور المهاجرين والأنصار مجصصة. وقال: رأيت [من الولاة من يهدم] بمكة [ما يُبنى فيها فلم أر الفقهاء يعيبون ذلك] (٥).
стр. 156
وقال الشعبي: رأيت قبور الشهداء جُثًى مسنَّمة (١).
وأما بعد ذلك؛ فقد وقع بعض ما تزعم، فكان ماذا؟ !
[ص ١٠٩] أيكون ذلك ناسخًا لما ثبت بالشرع عن صاحب الشرع، إذًا فَمِن الشرع أن يُسبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ لأنه دام سبه على المنابر عشرات من السنين؟ ومن الشرع أن يُشْرَب الخمر ويُخْتلى بالأجنبيات؟ فقد استمر ذلك شائعًا في آخر ملك الأمويين، وملك العباسيين، وبعدهم، في أشياء يطول تعدادها.
فأما دعوى الإجماع؛ فسيأتي دحضها في الفصل الثالث (٢)، إن شاء الله تعالى.
ثم ذكر شيئًا رواه البناني (٣) (واضع) أهل الحجاز، إن لم يكن كذبًا فليس في الدنيا كذب، ولولا أنني طالعت الرسالة بنفسي لما صدَّقتُ أن
стр. 157
عاقلًا يورد مثل ذلك بمعرض الاستدلال.
ثم قال: قال في "المنهج": "والأصل في بناء القبور وتعميرها ما رواه البناني واعظ أهل الحجاز" اهـ .
أقول: فيا له من أصل! من أراد الاطلاع على تلك الرواية، فلينظرها في رسالة حسن صدر الدين الكاظمي (١).
ثم قال: " ... إن في الآثار القائمة حول قبور الأنبياء السابقين، كقبر دانيال النبي في شوشتر (٢)، وقبر هود وصالح ويونس وذي الكفل ويوشع في بابل والقرى (٣)، وكقبور الأنبياء المدفونين عند البيت المقدس، بل في بناء الحِجْر على قبر إسماعيل وأمه هاجر لأكبر دليل على أن اهتمام الأمم السالفة في تعظيم مراقد أنبيائهم، لم يكن بأقل من اهتمام المسلمين في تعظيم مرقد نبيهم ومراقد أوليائهم" اهـ.
أقول: هذا كله خبط، فقد ذكر العلماء ﵏ أنه لا يثبت العِلْم بموضع قبر نبيٍّ غير نبينا ﵌.
стр. 158
قال العلامة الشيخ محمد [بن] الجزري: "لا يصح تعيين قبر نبيّ غير نبينا ﵇، نعم، سيدنا إبراهيم ﵇ في تلك القرية، لا بخصوص تلك البقعة" انتهى. "الموضوعات" (١) لعلي قاري.
قال علي قاري: "ودُفِنَ بمكَّة كثير من الصحابة الكرام، أما مقابرهم فغير معروفة كما ذكره الأعلام، حتى قبر خديجة إنما بُني على ما وقع [ص ١١٠] لبعضهم من المنام، ثم اختلفوا في مكان مولده ﵇، وإن اشتهر عند أهل مكة بالموضع المعروف عند الأنام.
أما ما أحدثوا من مواليد أبي بكر وعمر ﵃، مع عدم ثبوتها، فلا يظهر وجه التبرك بأرضها إلا باعتبار مآل أمرهم" اهـ.
أقول: وقال ابن كثير في تفسيره (٢) في سورة الكهف: وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما وُجِد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر أن يُخْفَى عن الناس، وأن تدفن تلك الرُّقعة التي وجدوها عنده فيها شيءٌ من الملاحم، وغيرها".
أقول: قوله: "أمر أن يُخْفَى عن الناس" ذُكِر أنه أمر بحفر ثلاثة عشر قبرًا، وأن يُدْفن في أحدها ليلًا، وتُطْمَس القبور كلها.
ويكفينا تكذيب ما زعمه الكاتب من أن قبور الأنبياء معروفة كما مر.
فأما بناء الأمم السابقة؛ فقد ثبت بالسنة المتواترة أن من كان قبلنا كانوا إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجدًا، وثبت في
стр. 159
الحديث: "لتتبعنَّ سَنَن من كان قبلكم ... " (١) إلخ.
ولكن إقرار الصدر الأول لبناءٍ على قبرٍ مردودٌ لا يثبت منه شيءٌ أصلًا، لا في بابل، ولا في القرى، ولا بيت المقدس، ولا غيره.
وقد علمتَ مما مر تكذيب زعمه أن قبر إسماعيل وأمه في الحِجْر، ويكذِّبه أن الحِجْر من البيت كما ثبت في الصحيح (٢)، فكيف يستجيز إسماعيل أن يَدْفِن أمه في جوف الكعبة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! !
ثم قال: "إنه يقاس التسريج على القبور باتخاذ الحليّ للكعبة".
فيقال له: وكذا يُصلَّى إلى القبور، ويطاف بها، ويُحجّ إليها، وغير ذلك من مزايا الكعبة، يصنع مثله بالقبور قياسًا! ! ولا يضر مجيء النصوص بعدم استقبال القبور [ص ١١١] كما لا يضر مجيء النصوص بتسوية القبور، وعدم تمييز بعضها؟ ! !
стр. 160
[ص ١١٢] آية الكهف (١)
توهَّم قومٌ أن هذه الآية تدلّ على الجواز، فتشبث بها بعض من لا علم له بالسنة من المتأخرين.
وأجاب قومٌ: بأن المسجد إنما اتُّخِذَ خارجًا عن الكهف، وحملوا قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ على المجاز، واختاروا جواز مثل هذا.
وقال آخرون: لا مانع من أن يكونوا اتخذوا المسجد على الفتية أنفسهم، ولكن ليس في الآية ما يدل على الجواز، وتفصيل الكلام على هذا يطول.
فالأولى بنا أن ننقل ما ظفرنا به من تفسير سلف هذه الأمة أولًا، ثم نتكلم بما فتح الله به علينا.
فأقول: قال ابن جرير (٢): "يقول جل ثناؤه: قال القوم الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف لنتخذنَّ عليهم مسجدًا.
وقد اختلف في قائلي هذه المقالة؛ أهم الرهط المسلمون، أم هم الكفار".
ثم أسند عن ابن عباس قال في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا ... ﴾ قال: "يعني عدوهم".
стр. 161
وأسند عن عبد الله بن عبيد بن عُمير قال: "عمَّى الله على الذين أعثرهم على أصحاب الكهف مكانهم، فلم يهتدوا، فقال المشركون: نبني عليهم بنيانًا، فإنهم أبناء [ص ١١٧] آبائنا، ونعبد الله فيها، وقال المسلمون: نحن أحق بهم، هم منا، نبني عليهم مسجدًا نصلي فيه، ونعبد الله فيه".
وفي "الدر المنثور" (١): وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ قال: "هم الأمراء"، أو قال: "السلاطين".
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جُبير قال: "بنى عليهم الملك بيعة، فكتب في أعلاها: أبناء الأراكنة أبناء الدهاقين".
أقول: ولا تصح القصة التي فيها أن الملك كان مؤمنًا صالحًا.
وقال ابن كثير (٢): "حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين: أحدهما: أنهم المسلمون منهم. والثاني: أهل الشرك. فالله أعلم.
والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون، أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي ﵌ قال: "لعن الله اليهود والنصارى ... " (٣).
وقد رُوِّينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما وجد
стр. 162
قبر دانيال في زمانه بالعراق، أمر أن يُخْفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده فيها شيءٌ من الملاحم".
والحاصل: أن السلف مختلفون في تفسير الآية، ولم يثبت من النقل شيءٌ تقوم به الحجة.
فالمتعيِّن علينا تحليل الآية نفسها، وإنعام النظر فيها، ليتبين الحق إن شاء الله تعالى.
قال : ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾.
فدل على تنازعٍ كان بين القوم في أمر الفتية، ولابد في التنازع من الانقسام.
ثم قال تعالى: ﴿فَقَالُوا﴾ فدل الإتيان بالفاء أن ما بعدها تفصيلٌ لما قبلها، وهو التنازع، وإذا كان التنازع لابد فيه من الانقسام، كان الظاهر أن يكون بعد الفاء ذِكْر قول كلٍّ من الفريقين على حِدَة، كما يقول: "تنازع الفقهاءُ هذا الحكمَ، فقال فريق: يجب، وقال فريق: لا يجب".
فلذلك تعين أن يحمل قوله: ﴿فَقَالُوا﴾ على أنه قول أحد من الفريقين، وأُسْنِد إلى ضمير الجمع مجازًا؛ لأن للقائلين مزية أقيموا لأجلها مقام الجميع، ويؤيد ذلك قولهم: ﴿ابْنُوا﴾. فلو كان القائلون هم الجميع، لكان الأمر خلاف الظاهر، إذ هو أمرٌ لأنفسهم، ولو أريد: قال بعضهم لبعض، لكان الظاهر أن يصرح به، فكأنه قال ــ والله أعلم ــ فقال الفريق المختار: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾.
стр. 163
[ص ١١٣] فإن قيل: فما معنى قوله: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾؟
قلت: الذي يعطيه السياق أن الفتية بعد أن رآهم القوم، واستخبروهم، وتقررت الآية، رجعوا إلى مضجعهم في الكهف، وعاد الرُّعب الذي في قوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨].
فبقي القوم متحَيِّرين لا يدرون أماتوا أم ناموا، ولا يمكنهم الدخول إليهم لمكان الرعب، ثم تنازعوا فيما يصنعون، فقال الفريق الأول: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ أي: أماتوا أم عادوا إلى نومهم؟
ولا يصح أن يقال: إن المراد: ربهم أعلم بهم، مَنْ هُم، وممن هم؟ لأن الظاهر أنهم اجتمعوا بالقوم، وقصّوا عليهم قصتهم، لتتقرر الآية التي هي المقصود من الإعثار عليهم، أعني: قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾.
فإن قلت: فإذا كان دخول الكهف ممنوعًا، فكيف يقولون: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ﴾؟
قلت: المراد بالبناء عليهم البناء لسد باب الكهف، بقرينة ما تقدم.
فإن قلت: فما وجه النزاع؟ فهل أبى الفريق الآخر سد باب الكهف؟
قلت: أرادوا ــ والله أعلم ــ أن يبنوا المسجد عند باب الكهف، بحيث يكون جداره سادًّا لباب الكهف.
فالفريق الأول يقولون: ابنوا جدارًا نسدُّ به باب الكهف.
стр. 164
والفريق الآخر قالوا: بل نبني مسجدًا يكون جداره سادًّا لباب الكهف.
[ص ١١٤] إذا تقرر هذا، فقد اختلف المفسرون مَن المحمودُ من الفريقين؟
وقبل أن نفيض في ذلك ينبغي أن تعلم أنه ليس بيدنا دليلٌ صحيحٌ عن أن الملك كان من أهل الحق، بل ولا على أن القوم الذي أعثروا على الفتية كان بعضهم كفارًا كفرًا صريحًا، وإنما في الآية قوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾.
وهذا ليس بصريح الدلالة على أن فيهم من شك، فضلًا عن الدلالة على أن فيهم من يكذب، وقد قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ ... ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤ - ٩٧].
نعم، الظاهر من إظهار الله لتلك الآية أن يكون في أولئك القوم من يخالجه الشك في البعث، هذا أقصى ما تدل عليه الآية.
إذا علمت هذا، فأصغ لما يَرِدُ عليك:
فقال بعض المفسرين: الفريق الصالح هو الثاني، بدليل عزمهم على اتخاذ المسجد.
وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأنه لم يثبت لدينا أن الفريقين كان أحدُهما مؤمنين، والآخرُ كفارًا مصرِّحين بالكفر حتى ينتفي عنهم العزم على اتخاذ المسجد، فقد يكون الفريقان كلاهما من المسلمين، ولكن أحدهما أهل علم وهدى، والآخر أهل جهل وضلال.
стр. 165
وعليه، فليس أهل العلم والهدى بأحق من الآخرين باتخاذ المسجد، بل الأمر بالعكس كما لا يخفى.
[ص ١١٥] وقال قوم: بل الفريق الأول هو المحمود. وهذا هو الصحيح، ولنا عليه أدلة:
١ - أن الله أقام الفريق الأول مُقام الجميع، بقوله: ﴿فَقَالُوا﴾، وهذا لا يكون إلا لمزية، كما تقدم. ولا تكون المزية ههنا إلا دينية؛ لأمرين:
الأول: أن الباري اعتبر هذه المزية، حيث جاء في كلامه العزيز إقامة الفريق الأول مقام الجميع لأجلها، وهذا يشعر بأنها محبوبة له .
الثاني: أن المزية الدنيوية إنما هي القوة، وقد أثبتها الله للفريق الثاني بقوله: ﴿الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾. فتعين أن تكون مزية الفريق الأول دينية، فهم أهل العلم والهدى.
٢ - أن الله حكى من قول هذا الفريق الأول قولهم: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾.
وهذه كلمة عظيمةٌ، يشم منها نفحات الإيمان، وتلوح منها لمحات العلم والإيقان.
٣ - أن الله ﵎ قدَّم الفريق الأول في الذكر، والتقديم يُشْعِر بمزية للمقدَّم، وقد علمت أن المزية ليست بدنيوية، فتعين كونها دينية.
٤ - أنه جلّ ذكره قال في ذِكْر الفريق الثاني: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ ... ﴾.
стр. 166
فأشعر أن الحامل لهم على هذا العزم هو الغلبة [ص ١١٦] على ما قرره بعض علماء البيان في باب المسند إليه في مجيئه موصولًا؛ للإيماء إلى وجه بناء الخبر (١)، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
واعتراض السعد عليه إنما هو لتفسيره الإيماء بما ذكر لا على نفس المعنى.
وقرَّره علماءُ الأصول في مسالك العلة، بقولهم: "إن ربط الحكم بالمشتق مؤذنٌ بعِلِّية ما منه الاشتقاق" (٢). وهو في الموصول أوضح.
والغالب أن الغلبة تكون سببًا للبَطَر والبغي والعدوان، ويعيِّنه أنه لو كان فعلهم محمودًا لرتَّبَه على وصفٍ ظاهر المناسبة للخبر.
إذا تأملت هذه الأوجه، وأنعمتَ النظر، علمت أن الآية تدل بنفسها على أن الفريق الأول هو المحمود، والفريق الثاني هو المذموم.
فالفريق الأول متمسِّكون بعهد نبيهم، واقفون عند حده.
والفريق الثاني أهل جهل وغُلوّ وعدوان، يشرعون ما لم يأذن به الله تعالى، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
فهذه دلالة الآية بنفسها، قد علمت حقيقتها، ثم ضمّ إلى ذلك دلالة
стр. 167
قوله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]. وقد تقدمت (١).
ثم عزِّزها بدلالة السنة المتواترة: بلعن اليهود والنصارى، واشتداد غضب الله عليهم؛ لاتخاذهم قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد (٢).
وهذا يتناول القوم الذي أعثروا على الفتية، إن كانوا نصارى أو يهودًا، وكذلك إن كانوا من أمةٍ أقدمَ من اليهود؛ لأن ظاهر الأدلة أن هذا الفعل لم يزل محظورًا.
وظاهرٌ أن الباري ﵎ قصَّ علينا هذه القصة ليرشدنا إلى أن نقتدي بالفريق الواقف عند حدِّه، المتمسِّك بعهده، ويحذرنا من أن نفعل ما فعل الفريق الآخر من الغلوّ في الدين، وشَرْع ما لم يأذن به الله، والافتراء عليه.
[ص ١١٩] وقد حذرنا رسول الله ﵌ من مثل فعلهم، وأخبرنا بأننا سنتبع سَنَنهم، وبشَّرنا أنه لا تزال طائفة مِنَّا قائمة على الحق، لا يضرهم من ناوأهم.
فنسأل الله أن يجعلنا من طائفة الحق، ويثبِّت قلوبنا على دينه، ويهدينا لما اخْتُلِف فيه من الحق بإذنه، إن سميع مجيب.
وقد كنتُ كتبتُ سلسلةً من التسليمات الجدلية، وبيان الجواب عنها (٣)، ثم رأيت الأمر أوضح من ذلك، كما لا يخفى على من له بصيرة.
والله أعلم.
ملحق
النهي عن البناء على القبر (١)
المتبادر أن المراد بالبناء على القبر ما يُبنى لأجل القبر، وهذا هو الذي فَهِمه العلماء، ونحن نعلم أن هذا هو الواقع، ولكن هذا لا يمنعنا أن نثير عليه شبهة لم نَر مَن تعرَّض لها؛ خشيةَ أن يُلَقّنها بعض المحرّفين فيلعب بها دورًا من أدوار التضليل قبل أن يُقيّض الله مَن يكشف عوارها، فرأينا أن نُثيرها لِنُنيرها؛ عملًا بقول أبي عُبادة (٢):
إذا ما الجرحُ رُمَّ على فسادٍ ... تبيَّن فيه تفريط الطبيب
وللسهم السديد أشدّ حبًّا ... إلى الرامي من السهم المصيب
على أني أرجو الله أن يجمع لي بين السداد والإصابة، فأقول:
قد يقال: لعل المراد بالبناء المنهي عنه هو ما يكون فيه انتهاك لحرمة القبر، كأن يُبنى بيت للسكنى أو حائط ويجعل الجدار على متن القبر كما هو الحقيقة في البناء على القبر. ويؤيده قَرْنه بالنهي عن الجلوس عليها.
والجواب: أن الحديث مطلق، وجَعْل جدار الدار على متن القبر غير ممكن عادة؛ إذ لابد للبناء من أساس، ومتن القبر لا يصلح أساسًا. وفي كون ذلك هو الحقيقة نظر؛ إذ قد يقال: إنما يكون حقيقة لو استغرق البناء جميع
стр. 170
أجزاء القبر. وعلى تسليمه فيشاركه في الحقيقة أن يكون البناء مشتملاً على القبر مسقوفًا، فإنه باعتبار السقف يكون على جميع أجزاء القبر.
أما قَرْنه بالنهي عن الجلوس فيعارضه ما هو أقوى منه، وهو قرنه بالنهي عن التجصيص، وهو أقرب إلى معنى البناء الذي يُقصد به تشييد القبر وتعظيمه من الجلوس إلى معنى البناء الذي يقصد به إهانته؛ لأن التجصيص من جنس البناء كما لا يخفى.
فإن قيل: فإن لم يمكن وضع الجدار على متن القبر فيمكن حفره.
قلت: فكان الظاهر إذن أن ينهى عن حفر القبر؛ لأنه هو المحظور لا أصل البناء إذ لو جَرف سيلٌ قبرًا في بقعة مملوكة أو مَوَات لم يمنع البناء في موضعه، على أن البناء بعد الحفر ليس على القبر، بل هو على موضعه، إذ لابد في الحفر أن يصل إلى قعر القبر ليوضع الأساس على قرار متين كما لا يخفى.
فإن قيل: فهو على القبر مجازًا.
قلت: هو مجاز بعيد لا داعي إلى ارتكابه.
أما إذا قلنا: إن البناء المشتمل على القبر المسقوف يكون على القبر حقيقة، فالأمر واضح لأن الحقيقة مقدمة على المجاز. أما إن قلنا إنه مجاز، فالمجاز القريب المتبادر أولى من البعيد المتكلّف، وقد سبق أن قَرْنَه بالتجصيص يدل على أن المراد بالبناء ما كان للتشييد والاحترام وأنه أدلُّ على ذلك من الجلوس على المعنى الآخر، وهذا واضح.
ويؤيد ما قلناه حديثُ فَضالة كما تقدم، وحديث أمير المؤمنين عليّ كما
стр. 171
سيأتي. بل لو لم يرد إلا أحدهما لكان كافيًا في المطلوب، بل لو لم يرد إلا النهي عن التجصيص لكان كافيًا بدلالة القياس الجليّ كما هو بيِّن، بل لو لم يرد شيء من ذلك لكفى في حظر البناء ونحوه خلافه للسنة مع صيرورته سببًا لضلال طوائف من الأمة كما هو مشاهد، مع أدلة أخرى قد أشرنا إليها في مواضع أخر من هذه الرسالة.
فيتعين أن يكون المراد بالبناء في هذا الحديث هو المتبادر منه والمنافي للتسوية والمناسب للتجصيص والإشراف، أعني البناء المشتمل على القبر، سواء كان ضيّقًا على جوانبه القريبة أم واسعًا. وسواء كان مسقوفًا أم لا.
أما على القول بأن البناء المشتمل على القبر لا يقال له بناء ولو كان مسقوفًا فظاهر؛ لأن المسقوف يكون مجازًا وغير المسقوف مجازًا (١).
وأما على القول بأن المسقوف حقيقة فلأنه لا فرق، فالكُلُّ إحكامٌ للقبر وتمييز له، بل ويقاس عليه البناء بالقرب من القبر غير مشتمل عليه إذا كان لأجله كالمَشاهد، بناءً على أن العلة هي خشية أن يؤدّي تمييزه إلى تعظيمه الذي هو باب الشرك كما تدلّ الأحاديث الصحيحة في النهي عن الصلاة إلى القبور، وأن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، مع ما قاله ابن عباس وغيره من السلف كما في "صحيح البخاري" وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٣ - ٢٤]: إن هؤلاء قوم صالحون كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم إلخ. ومع السنة المتواترة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد،
стр. 172
وفُسِّرت في بعضها ببناء المسجد على القبر، ولَعْن من فَعَل ذلك وقتال الله له، واشتداد غضب الله عليه، مع ما في بعضها مِن لَعْن من اتخذ على القبر سراجًا= كلّ هذا يدل أن العلة في النهي عن البناء على القبر هي خشية أن يؤدي تمييزه إلى تعظيمه.
وهذه العلة موجودة في كلّ تمييز للقبر مما ذكرنا أو غيره، فكل ذلك مما يتناوله النهي. ومنه القبر في البناء لوجود العلة. وأما قبر النبي ﵌ فله سبب خاص سيأتي بيانه في فصل مستقل إن شاء الله تعالى.